← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

الأشعري يؤتى مزماراً من مزامير آل داود وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: ﴿قمت من الليالي أقرأ القرآن في مسجده ﷺ ، وإذا به يستمع مني فلما أصبحتُ سلم علي ﷺ وقال: يا أبا موسى! لو رأيتني البارحة وأنا أستمع إلى تلاوتك، قال أبو موسى: يا رسول الله! أئنك لتستمع إلى تلاوتي؟! قال: أي والله. قال: والله لو أعلم أنك تستمع لتلاوتي لحبرته لك تحبيراً -أي زينته وجملته وحسنته ليكون أبلغ تأثيراً في القلوب- فيقول ﷺ : لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود﴾ فالصوت الحسن عجيبٌ يؤثر في القلوب، إذا كان بآيات الله البينات، وبمواعظه الجليات، وينفع أيما نفع. وفي تفسير ابن أبي حاتم، ﴿أنه ﷺ مر في سكة من سكك المدينة، فسمع عجوزاً تقرأ، وهي تردد من وراء الباب في الليل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] تقف عندها وترددها وتقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] والخطاب للرسول ﷺ ، فوضع رأسه يبكي ويقول: نعم أتاني، نعم أتاني﴾.

стр. 7247

أين نحن ممن سلف ؟! هؤلاء العجائز فأين رجالنا من هذه العجوز في تدبرها وتهجدها وتلاوتها؟ أين الرجال، وأين شباب الأمة الذين أعرض الكثير عنهم -إلا من رحم الله- عن معايشة هذا القرآن؟ إننا أمة خالدة، لا خلود لنا إلا بكتابنا العظيم، ولا بقاء لنا إلا بشريعة نبينا ﷺ ، فإن هجرناه وتركناه؛ ضعنا والله، وأخذتنا المبادئ الهدامة، واستولت علينا الأمم الحاقدة التي تحقد على هذه البلاد، وعلى شريعتها وأبنائها ومؤسساتها، وعلى حرمتها وقدسيتها وشرفها، فلا ملجأ لنا إلا الله، ولا كافي لنا إلا الله، وأي حلٍ آخر فمعناه الخسارة والندامة، ولذلك يقول المستشرق المجري جولد زيهر: لا يستطيع أن يُغلب هؤلاء العرب ما دامت فيهم ثلاث، وهو يعني المسلمين فلا عروبة عن الإسلام ولا إسلام إلا لمن أسلم وجهه لله: صلاة الجمعة، والكتاب العظيم كتاب الله، والحرمين الشريفين، القبلة والحرم النبوي، فإذا بقيت هذه الثلاث، بقينا إن شاء الله، إذا آمنا بشرع الله، وأسلمنا قيادنا لله ﵎. يا أيتها الأمة الخالدة! يا أبناء من وزع الهداية على الإنسانية! يا أحفاد من نشروا لا إله إلا الله، وساروا بها مهللين ومكبرين مشرقين ومغربين! إن هذه الأمة أمة ريادة، تعطي الناس من القرآن ولا تأخذ منهم شيئاً، وتوجه الناس إلى الحق ولا تتوجه بهم. قال الراوي -أحد الصحابة رضوان الله عليهم-: [[كنتُ مع عمر ﵁ لما ذهب يعتمر، فلقي مولاه على مكة، فقال عمر: لمن تركت إمارة مكة؟ -لأنه كان أمير مكة من قبل عمر الخليفة- قال: تركتها لـ ابن أبزى، قال عمر: ومن ابن أبزى هذا؟ قال: مولى يا أمير المؤمنين! قال: ثكلتك أمك، ومولى أيضاً، قال: يا أمير المؤمنين! إنه عالمٌ بكتاب الله، عالمٌ بالفرائض، قال عمر ﵁: سمعت نبيكم ﷺ يقول: ﴿إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين﴾ فصلى الله عليه وسلم من معلم، لقد جربنا أطوارنا مع التاريخ، كلما تمسكنا بالقرآن كلما انتصرنا، وكلما تركناه خذلنا، في القرن السابع لما ترك وتُرِكَ العمل به، وأخلي العمل به؛ جاء الرافضة، ومن وراءهم من التتر المغول، مع جنكيز خان، فقتلوا في ثمانية أيام ثمانمائة ألف، ودمروا مساجدنا، وأحرقوا مصاحف، وقتلوا أبناءنا ونساءنا. لما تركنا القرآن أخذت مقدساتنا وحرماتنا، فهل من عودة يا شباب الأمة، ويا شيبها، يا رجالها ويا نساءها؟ أضيئوا بيوتكم بالقرآن، وأحيوا قلوبكم بتدارس القرآن، عمر الله قلوبنا وقلوبكم بكتابه، وأحيا الله أرواحنا وأرواحكم بآياته، وردنا إليه رداً جميلاً، وهدانا إليه صراطاً مستقيماً. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 7248

هجر القرآن الحمد لله ربِ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة السالكين، وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فيقول الله ﵎ في محكم كتابه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] قال بعض أهل العلم: هجر القرآن على خمسة أضرب: وهو الهجر الذي تتوجه إليه هذه الكلمة؛ هجر تلاوته، وهجر تدبره، وهجر العمل به، وهجر التداوي به، وهجر تحكيمه في دنيا الناس.

стр. 7249

هجر التلاوة أولاً: هجر تلاوته؛ هو أن يهجره الإنسان فلا يتلوه، ولا يكون له حزبٌ يومي، ولا يعود إليه، ولا يتملى أسطره، ولا يعيش مع آياته، فهذا عبدٌ ضالٌ مضل، وإن كان من القارئين المطلعين الذين يجيدون الكتابة والقراءة، وهذا عبدٌ طبع على قلبه، واتبع هواه، واستغنى عن القرآن فلا أغناه الله، تمر به الأسابيع والأشهر ومنهم من لا يعرف القرآن إلا من رمضان إلى رمضان إذا كان من المسلمين، فكيف يعيش هذا وهي تمر عليه الأربعة والعشرون ساعة، وما جلس جلسةً مع الله، وما تزود من الزاد الذي يقربه من الله؟ فهذا من الهالكين وهو ممن يلعب بدينه، وممن يستهزئ بآيات ربه.

стр. 7250

هجر التدبر وهجر تدبر القرآن؛ أن يقرأ القرآن لكنه ساهٍ لاهٍ لاغٍ لاعب، يردده بلسانه، وقلبه في السوق أو المزرعة، أو في المكتب أو في المدرسة، قد أخرج روحه ووزعها مع الناس، وقد أرسل عينيه ولسانه يردد كلاماً لا يفقهه، فهذا من الذين هجروا تدبر القرآن، وكل الحياة، وكل النور في تدبر هذا النور، فهذا أعرض بشق التدبر وما أعرض بالتلاوة، فهذا له أجر التلاوة، وأما أجر التدبر، وما يحصل به التدبر من نورٍ وإيمانٍ وفقهٍ واستنباط، فلا يحصل عليه.

стр. 7251

هجر التلاوة والتدبر وهؤلاء من الذين: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٦] القرآن يلعنهم، والرسول ﷺ يشهد عليهم، وإن قرءوا القرآن فهي حجةٌ عليهم لا حجةً لهم، لا يعملون به، ولا يصلون مع المصلين، ولا يزكون مع المزكين، ولا يتأدبون بآداب القرآن، يستهزئون بالصالحين، وينكتون وراءهم، ويعلقون عليهم، فهؤلاء أشبه شيءٍ بالمنافقين، بل هم من المنافقين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فهو كفر، ومن اعتقد أنه لا خير في القرآن، أو أنه سوف يستغني بغير القرآن عن القرآن؛ فقد كفر.

стр. 7252

هجر التداوي وقومٌ هجروا التداوي به، وقالوا إنها من الخزعبلات أن يقرأ القرآن على المريض أو المصروع، وكيف يستشفى بالقرآن؟ وكيف يتداوى بالقرآن؟ وهؤلاء خالفوا العقل والنقل، فأما النقل فدلت النصوص على أنه يتداوى به، ويستشفى به، وأما العقل فإنه يؤمن بالأسباب. ومن ضمن أسباب إنعاش الروح وإسعادها القرآن، ولذلك كان ﷺ يستشفي بالقرآن، ويقرأه عليه ﷺ ، لما سحره اليهودي، قرأ المعوذتين فشفاه الله، وإذا أراد أن ينام نفث على جسمه الطاهر ﷺ ، وقرأ بالمعوذات، بل رقى صريعاً صرع بالجن، ونحن على ذكر هذه المسألة، أحب أن أذكر لكم، أن من عقيدة أهل الإسلام وجود الجن، ومن أنكر وجود الجن في الدنيا فقد كفر؛ لأن الله ذكرهم في الكتاب والسنة، وأما تلبسهم بالآدمي فإنهم يتلبسون به، وإن الجنية تتلبس بالإنسي، وكذلك الجني يتلبس بالإنسي، قال : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] والذي يتخبطه الشيطان من المس هو المصروع! وقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨]. قال ابن تيمية: والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: قوم يكذبون بدخول الجني في الإنس. وقوم يدفعون ذلك بالعزائم المذمومة، فهؤلاء يكذبون بالموجود وهم لا يعصون بل يكفرون بالمعبود, والأمة الوسط تصدق بالحق الموجود ونؤمن بالإله الواحد المعبود، وبعبادته ودعائه وذكره وأسمائه وكلامه تدفع شياطين الإنس والجن. وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ : ﴿أُتي بصريع، فقرأ عليه، وقال: اخسأ عدو الله أنا رسول الله، اخسأ عدو الله أنا رسول الله حتى أخرجه﴾ والذين ينكرون ذلك قد خالفوا النقل والعقل، فإنا نسمع وتسمعون من حديث هذه الجنية على لسان الإنسي صوتاً يخالف صوته، وحديثاً يخالف حديثه، فهي تتكلم بصوت المرأة على لسانه، وهذه ليست مسألتنا، إنما المسألة كيف يتداوى بالقرآن؟

стр. 7253

كيفية التداوي بالقرآن والناس في هذه ثلاثة أقسام: قومٌ جعلوا القرآن دائماً في كل أمر، ولم يجعلوه للتداوي فحسب، من باب تعليق التمائم، ومن باب حضوره في المآتم، وفي المناسبات، وقراءته على القبور، كغلاة الصوفية فهؤلاء لا حظ لهم، وقد أخطئوا في ذلك، والصحيح أن القرآن سببٌ من الأسباب، يقرأ به فيما ورد، لا يعلق تميمة، ولا يعتقد أنه بنفسه ينفع أو يضر، فهؤلاء جعلوا القرآن مهمتهم في الحياة، أن تكون قراءته في المآتم، أو في الأعراس، أو في المناسبات، أو على القبور، فإذا أتى تحكيمه في دنيا الواقع في الحكومات القائمة، في الاقتصاد، في السياسة، في تدبير أمور الأمة، وفي الأدب والفن، أعرضوا عنه وتركوه، وقالوا: هذا شيء، وتلك شيء، وقابلهم قومٌ آخر متطرفون، فقالوا: القرآن لا يستشفى به، ولا يتداوى به وهو من باب الطلاسم، ومن باب التنجيم والكهانة، فهؤلاء أخطئوا كذلك. وتوسط قوم فقالوا: مهمة القرآن هداية البشرية أولاً، يحكم به الحاكم في الأمة، في اقتصادها وجيشها، وسياستها وعلاقتها في كل ما يمت إلى الحياة بصلة، فهو دستور الحياة، وقائدٌ إلى الآخرة، ومحكمٌ إلى القلوب، وموجهٌ إلى الأرواح، ثم كذلك يتشافى به بما ورد.

стр. 7254

هجر التحكيم وهو أكثر ما ضربت به الأمة الإسلامية -إلا من رحم الله- لما زعزع كرسي الخلافة، فهؤلاء جعلوه لا يدخل في تحكيمهم؛ فما حكموه ولا تحاكموا إليه، ولا نفذوا حدوده، وإنما استبدلوا بقوانين البشر، كقوانين هتلر وتعليمات نابليون، فهؤلاء يحشرون يوم القيامة عمياً بكماً صماً، مأواهم جهنم وساءت مصيراً. بل لا حياة للناس إلا بالقرآن. قال ابن القيم ﵀: إذا عطلت تحكيم القرآن في الحياة، أوحشت القلوب، وأقفرت الديار، وجدبت المنازل، وأنزل الله على الناس اللعنة، وقست القلوب واختلفت. لذلك قال الإمام أحمد يصف أهل البدع: لا يتحاكمون إلى القرآن، مجتمعون على ترك القرآن، مختلفون في القرآن، نبذوا القرآن. فكل من نبذ القرآن وظن أنه لا يتحاكم إليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، يفضحه على رءوس الأشهاد، ويزلزله ويمحقه، ويقطع دابره يوم يقطع الله دابر الذين ظلموا.

стр. 7255

دعوة لإحياء القرآن عباد الله: فلا يصدنكم صادٍ عن كتاب الله، أحيوه في منازلكم وأسركم، وبيوتكم وفصولكم وسياراتكم، أحيوا هذا الكتاب؛ لتسعدوا، ولينصرنا الله، وليديم الله علينا الأمن والاستقرار والأمان، ولئلا يغضب الله علينا فيزلزلنا كما زلزل غيرنا، ويمحقنا كما محق غيرنا، فإن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين. ومن أكبر ما يعارض القرآن، الأغاني الخليعة الماجنة التي أغوت شبابنا فجعلتهم شباباً مائعين ضائعين، منسلخين تائهين، يكبر أحدهم فإذا بلغ الخامسة والعشرين من عمره، أخذ العود فطنطن به أربعاً وعشرين ساعة، فنسي مهمته ومستقبله، ونسي مصيره إلى الله، ونسي مكانته من العالم، ثم أتى أمثاله وأضرابه فسموه الشاب الصاعد، وهو نازلٌ، لأن الذي يصعد هو الذي يكرم نفسه بالسجود لله، والذي يصعد هو الذي يحمل في قلبه لا إله إلا الله، والذي يصعد هو الذي يتشرف بعبودية الله، والذي يصعد هو الذي ينقي نفسه من معصية الله: ومما زادني شرفاً وفخراً وكُدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا أما هؤلاء فهابطون نازلون منحدرون، كفقير اليهود لا دنيا ولا آخرة، تشرفوا بالغناء، وعشقوه فأعرضوا عن كتاب الله، والبيوت التي يدندن فيه الغناء لا يحل فيها القرآن؛ القرآن أشرف من أن يمتهن، وأعظم من أن يتبذل، وأجل من أن يسخر به ويستهزأ: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:١٥٥] ويقول : ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدمِ جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم أتى على سفر التوراة فانهدمت فلم يفدها زمان السبق والقدم ولم تقم منه للإنجيل قائمة كأنه الطيف زار الجفن في الحلم فعودةً يا أمة الإسلام إلى الله! وعودةً يا أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي! يا أحفاد فاتحي الدنيا ومعلمي الإنسانية! يا أحفاد من رفعوا رأس الإنسان، وكان على الأوثان يطبل ويزمر، ومع الشياطين يعشعش ويعيش. أقولُ ما تسمعون وأدعوكم للصلاة والسلام على رسول الله، فإن الله قال في محكم كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً واحدة، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم قُدهم إليك، ووجه شبابهم، وكفر عنهم السيئات واهدهم شبابهم لما تحبه وترضاه، وردهم إليك رداً جميلاً، عرفهم بالقرآن وحببهم إليه، واجعلهم من حملته وأبعدهم عن كل ما يغضبك من دسائس الشيطان، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنةٍ مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء لا إله إلا الله، اللهم ثبت أقدام كل من رفع لا إله إلا الله، اللهم انصر من نصر لا إله إلا الله، اللهم انصر المجاهدين المسلمين في أفغانستان، وفي فلسطين وفي كل بلادٍ من بلادك يا رب العالمين. اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وما ترضاه، اللهم ألهمه رشده، وخذ بيده إلى كل خير، وارزقه بطانةً صالحة تدله على الخير، وتهديه إلى الصواب، إنك على كل شيءٍ قدير، ربنا إننا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 7256

نصيحة للشباب الشباب هم أمل الأمة المرجو، والدعامة التي سوف تتحمل مسئولية هذا الدين، فما علاقة هذا الشاب بكتاب الله؟ وما هو موقفه من الرسول ﷺ وسنته؟ وكيف يصرف وقته ويقضي حياته؟ وما موقف هذا الشاب من المعاصي؟ إجابات هذه الأسئلة هي محتوى هذه المادة التي بين أيديكم.

стр. 7257

علاقتنا بكتاب الله اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد ﷺ ، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، والصلاة والسلام على من أرسلته معلماً للبشرية، وهادياً للإنسانية، ومزعزعاً لكيان الوثنية، أدَّى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. سلام عليكم يوم تواضعتم واجتمعتم منصتين لتسمعوا ما يقال، وسلام عليكم حينما حييتم من أتاكم زائراً ومحباً، وإن كان هناك من شكر فإني أتوجه إلى الله العلي العظيم بالشكر، الذي وفقنا لأن نجتمع بهذه الوجوه المباركة الخيرة النيرة، ثم أشكر أستاذ ومدير هذه المدارس الأستاذ الكريم محمد الزيداني وهيئة التدريس، وأشكركم أيها الإخوة الأخيار، واعلموا بارك الله فيكم أن موضوعنا ليس بجديد، بل هو قديم في الأخوة، وقديم في العراقة، وقديم في النصوص؛ ولكنه جديد في اللقاء، وتدور هذه الكلمة على أربعة عناصر لا خامس لها، هي مفاد كلمة هذا اليوم إليكم أيها الأخيار: العنصر الأول: علاقتنا بكتاب الله . العنصر الثاني: المعاصي التي دمرت علينا مستقبلنا، وضيعت علينا أعمارنا وأفكارنا وذكاءنا وإنتاجنا، وجعلت منا تلك الثلة التي انحرفت عن منهج الله . العنصر الثالث: الوقت -حياتنا وأعمارنا- فيم نصرفه؟ العنصر الرابع: موقفنا من الرسول ﷺ .

стр. 7258

ارتباط الحضارة العربية بالإسلام اعلموا -بارك الله فيكم- أننا كنا قبل القرآن وقبل محمد ﷺ أمة أعرابية بدوية لا تعرف شيئاً، كانت أمتنا تتقاتل وتتنازع على موارد الماء، كان الزنا والفحش والعهر فيها فاشياً، حتى أن الأمم غير أمة الإسلام لم تكن تعرف أمة الإسلام ولم تكن تعرف الأمة العربية. يقول أهل القومية الآن: " إن تاريخنا بدأ من فجر البشرية "، فما صدقوا في ذلك بل كذبوا، فإنه تاريخنا لم يبدأ إلا من رسول الله ﷺ ، ولذلك أثبت التاريخ أن الأمم لم تكن تعترف بنا. دخل ربعي بن عامر على رستم قائد فارس في معركة القادسية، فلما دخل ربعي -وهو مجاهد من المجاهدين- دخل بثياب ممزقة، وفرس هزيل، ورمح مثلَّم، فضحك رستم منه؛ وقد أرسله سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه قائد المسلمين؛ ليفاوض رستم قبل المعركة، فقال رستم: بماذا جئتم؟! هل جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس الهزيل وهذا الرمح المثلم؟! قال ربعي: [[بعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى سعة الإسلام]] قال رستم: والله لا تخرج حتى تأخذ تراباً على رأسك من تراب بساطي. فحمَّله التراب على رأسه وخرج من عنده، ولما خرج من هناك قال المنجمون: هذه علامة على أنه سوف يسلب ملكك وملك آبائك وأجدادك، وخرج رستم ليشاهد المسلمين وهم يصلون صلاة الظهر، فوجدهم يركعون بعد سعد ﵁ ويرفعون بعده، إذا قال: (الله أكبر) كبروا، وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) قالوا: ربنا ولك الحمد، فعضَّ أنامله الخمس، وقال: علَّم محمدٌ الكلابَ الأدب -وهو الكلب-. كانوا يتصورون أن العرب قبل الإسلام في هيئة الكلاب، لم تكن لهم حضارة ولا معرفة ولا ثقافة ولا أدب، حتى يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].

стр. 7259

واجبنا تجاه القرآن إن مطالب القرآن التي تتجه إلينا ثلاثة مطالب: الأول: أن نعده أعظم ثقافة عرفتها البشرية، وأن نقرأه آناء الليل وأطراف النهار. الثاني: أن نحفظ ما تيسر منه. الثالث: أن نجعله تعاليم سلوكية، وأدبية واجتماعية، ونعمل بها ونلقى الله به. يقول ﵊: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ ويقول ﵊: ﴿اقرؤا الزهراوين؛ البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان كغمامتين أو غيايتين أو كطيرين من طيرٍ صواف﴾ وكان ﵊ يجلس مع تلاميذه الأخيار الذين تأثروا بالقرآن فيقول ﵊: ﴿أريد أن أسمعه من غيري﴾ يقول ابن مسعود وكلكم يعرف من هو ابن مسعود، وليس أنتم فحسب في أبها تعرفونه، بل يعرفه كل من في الجزيرة العربية، ويعرفه سكان الدول العربية وأهل الشرق الأوسط، ويعرفه مسلم اليابان ومسلم الصين ومسلم أمريكا، كلهم يعرفون ابن مسعود؛ لأنه اتجه بهذا القرآن ورفع الله قدره به، كانت قامة ابن مسعود على قدر جلوس الرجل، أي: يوازيك وأنت جالس برأسه من نحافته وهزاله وضعفه، لكن القرآن لما دخل قلبه جعله أمة، حتى أن الصحابة لما صعد شجرة ضحكوا من دقة ساقيه، حتى كاد يسقط من على غصن الشجرة كأنه طائر، فقال ﷺ : ﴿أتضحكون من دقة ساقيه؟! والله إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾. يقول ﷺ لـ ابن مسعود: ﴿اقرأ علي القرآن. قال ابن مسعود: أأقرأ عليك القرآن وعليك أُنْزِل؟ فقال ﷺ : إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ ابن مسعود من سورة النساء قال: فلما بلغت قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك الآن، فنظرت فإذا عيناه تذرفان﴾ تأثر أيما تأثر بهذا القرآن. ولذلك ليس لنا ثقافة نقدمها ولا تاريخ ولا معرفة ولا تربية ولا علم نفس نقدمه على القرآن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " من ظن أنه سوف يهتدي بهدي غير القرآن فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ويقول: كل أرض لم تشرق عليها شمس القرآن فهي أرض ملعونة، وكل قلب لم يشرق عليه هدى القرآن فهو قلب مغضوب مسخوط عليه. فأنت -أيها الأخ الكريم- إذا غربت عليك شمس يومك ولم تقرأ فيه آيات، أو لم تعش فيه مع المصحف، أو لم تتدبر آيات؛ فاعتبر ذلك اليوم منسياً من عمرك، وأنك خاسر ومغبون فيه، لأن ثقافتنا نأخذها من القرآن، يقول سيد قطب في ظلال القرآن هذا الكتاب الذي أنصحكم وأرشدكم باقتنائه، الذي يعلمكم فيه حياة الواقع وردها إلى القرآن الكريم. صاحب هذه الظلال عاش أربعين سنة في الضَّلال، عاش في الضياع كما يضيع الكثير منا الآن، يضيعون ويتيهون بلا رسالة في الشوارع، في الذهاب والإياب، وفي المقاهي ومع جلساء السوء، لا يعلمون أنهم من خير أمة أخرجت للناس، ولا يعلمون أن أجدادهم فتحوا الدنيا وعمروا التاريخ، وبنوا منابر الحق سلوا كل سماء في السماء عنا، وسلوا كل أرض في الأرض عنا، ما أوجد العدل إلا أجدادنا، فهذا الشاب الذي يضيع كأنه يتلاشى ويكذب ما فعل أجداده. يقول سيد قطب: عشت أربعين سنة في الضياع، فلما عدت للقرآن تهولت منه، وأن الله من فوق سبع سماوات يخاطبني، وأنا العبد الضعيف المسكين قال: وكنت أقرأ أن الصحابة يتأثرون بالقرآن ويبكون منه، فلم أشعر بذلك حتى سافرت مرة من المرات في سفينة من مصر إلى أوروبا، وكان معي شباب من العرب يريدون أوروبا، فركبوا معي في السفينة ومعنا جاليات، منها جالية من يوغسلافيا فرت من بلادها، ومعهم امرأة يوغسلافية جالسة في الجالية، فلما أتت صلاة الجمعة قمت فصليت بزملائي وقرأت بعد الفاتحة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وسورة الغاشية، ثم انصرفت من الصلاة، والتفت فإذا هذه المرأة اليوغسلافية التي لا تعرف اللغة العربية تبكي، فقلت للترجمان: ما يبكيها؟! قال الترجمان: قالت: إنها تبكي لأنها سمعت إيقاعاً منك خاصاً أثر عليها في قلبها، إيقاعاً من القرآن فهي تسألك كلام من هذا؟! قلت: أخبرها أنه كلام رب السماوات والأرض، فلما أخبرها زاد بكاؤها بكاءً ونحيبها نحيباً. ثم يورد سيد قطب قصة الرسول ﷺ مع الصحابة فيقول: " كان من هديه ﷺ -وهذا الحديث ثابت وصحيح-: ﴿أنه ﷺ كان يدور على أصحابه آخر الليل ليسمع من يقرأ القرآن، فاستمع مرة من المرات من وراء الباب إلى عجوز تقرأ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وتردد مرات والرسول ﷺ يردد معها ويقول: نعم أتاني، نعم أتاني﴾. فالذي أدعو نفسي وإياكم -يا شباب الإسلام، يا أيها الأخيار، يا أيها الأحبة، لأنكم أنتم أمل هذه الأمة- أن تجعلوا وقتاً من أيامكم لهذا الكتاب العظيم، اعتبر وقتك إذا لم تقرأ فيه القرآن أنه يوم ضائع مغبون عليه. يقول الحسن البصري ﵀: كل يوم تشرق فيه الشمس يقول: يا بن آدم! اغتنمني فوالله لا أعود إليك أبد الدهر.

стр. 7260

حال شباب الصحابة عندما أخذوا بالقرآن نعجب كيف ساءت أخلاقنا، وكيف فسدت بيوتنا وفسد شبابنا! لأننا أخذنا تعاليمنا من غير القرآن، أخذناها من المجلة الخليعة والأغنية الماجنة، ومن جلساء السوء، حتى إن أحدهم يعرف المغنين والمغنيات والفاجرين والفاجرات الأحياء منهم والأموات، ولا يعرف حياة صحابة محمد ﷺ ، الذين فتحوا الدنيا وعمروا المعمورة ونوروا عقول البشرية، ولا يتحاشى أحدنا أن يحفظ الأغنية بحروفها وبلحنها وبطولها وبعرضها، ومَن لحَّنها، ومَن أنتجها، ولا يحفظ سورة من كتاب الله ! أي خيبة وصلت إليها الأمة بعد هذه الخيبة؟! وأي حسرة وصلنا إليها بعد هذه الحسرة؟! فبعد حياة كنا فيها أرقى الأمم، حتى إن الصحابي كان يقف عند الرسول ﷺ وهو شاب في سن الشباب، فيأتي في معركة أحد ويقول: يا رسول الله! إنني ذاهب إلى الجنة والله لا أعود. جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. يأتي عبد الله بن عمرو الأنصاري الشاب فيستشهد ويقطع بالسيف أمام الرسول ﷺ ، فيبكي عليه ابنه، فيقول ﵊: ﴿إن الله كلمه كفاحاً -أي: بلا ترجمان- فقال الله : تَمَنَّ يا عبدي، قال: أتمنى أن أُعاد إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانية، قال: إني كتبتُ على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتَمَنَّ، قال: أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضاي فلا أسخط بعده أبداً، فجعل الله روحه في حواصل طير ترد ماء الجنة تشرب منه وتأكل من شجر الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة في السماء﴾. ويأتي شاب آخر ويقول: إني أجد ريح الجنة من دون أحد؛ فيُقتل ويُضرب بالسيف سبعين ضربة حتى مات، فلم يعرفه إلا أخته ببنانه. وجاء في الحديث الصحيح: ﴿أن ابن الزبير دخل على الرسول ﷺ وهو يحتجم، -والحجامة: إخراج الدم الفاسد- فأُخرج الدم منه ﷺ ووُضِع في إناء، فقال لـ ابن الزبير: اذهب بهذا الإناء وضعه في مكان لا يراه أحد، فذهب ابن الزبير وكان عمره عشر سنوات، فلما اختفى في سكة من سكك المدينة شرب دم الرسول ﷺ ، ولما عاد قال ﷺ : أين وضعت الدم؟ قال: وضعته في مكان لا يراه أحد. فتبسم النبي ﷺ ، وقال: ويل لك من الناس وويل للناس منك، لا تمسك النار﴾. هل عرف التاريخ شباباً مثل هذا الشباب؟! هل عرفوا إقداماً مثل هذا الإقدام؟ إنهم شباب محمد ﷺ الذين رباهم بالقرآن، ولذلك فقد تربى الكثير منا -إلا من رحم الله- على الأغنية الماجنة، والمجلة الخليعة، وعلى جلساء السوء، فأخرجت هذا الإنتاج العجيب: المعاصي، والسجون المعبأة، والمخدرات، والانحراف عن منهج الله، والشرود عن آياته التي نراها في مجتمعاتنا، ونسمع قضاتنا يتحدثون عنها صباح مساء، يندى لها جبين المسلم، وفي الأخير نقول: ما لنا لم نفعل مثل الصحابة؟! وما لنا ننحرف؟! وما لنا ليس عندنا استقامة ولا منهج قويم؟! والسبب أننا لم نعش مع القرآن ولم نتأثر به. فمحتوى هذا العنصر: أن نعيش مع القرآن، وأن نتدارس كتاب الله .

стр. 7261

المعاصي دمرت حياتنا العنصر الثاني: الانتهاء عن المعاصي. سائل نفسك وعرِّفها أن الذي يدمر مستقبلك وينهي عمرك ووقتك إنما هو المعصية، إذا عصيت الله فقد اقترفت في حقك وفي حق أمتك وأسرتك أكبر جريمة في تاريخ الإسلام، ولذلك ينادي الله عباده، وينادي كل الأمة شباباً وشيوخاً، كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً أن يتوبوا إليه، فقال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].

стр. 7262

الخوف من الله يقول الرسول ﷺ في حديث صحيح: ﴿كان هناك رجل من بني إسرائيل فقال لأبنائه لما حضرته الوفاة: إذا أنا مِتُّ فاجمعوا حطباً ثم أشعلوا النار وأحرقوني، فإذا أصبحتُ فحماً فاسحقوني وذرُّوني، لعل الريح تذهب بي فلا يجدني الله ، ولا يستطيع أن يجمعني! - أليس الله يقول للشيء: كن فيكون؟! - فلما توفي هذا الرجل جمع له أبناؤه حطباً وأشعلوا ناراً وحرَّقوه، فلما أصبح فحماً سُحِق وذُرِّي في يوم فيه ريح، فذهبت به الريح يمنة ويسرة وفي كل مكان، فجمعه الذي بدأه أول مرة، فلما أصبح أمامه رجلاً قال الله : ما حملك على ما صنعتَ؟ قال: يا رب! خشيتك من كثرة ذنوبي - وهو موحد مؤمن في الأصل -، فقال الله : يا ملائكتي! أشهدكم أني قد غفرتُ له وأدخلته الجنة﴾ قال ابن تيمية: لما شك في القدرة غفر الله له بسبب أنه خاف من لقائه ، يقول أحد شعراء الإسلام: وإذا خلوتَ بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني أي: أنك إذا خلوت لوحدك ليس معك إلا الله، ولا يراك إلا الله، ولا يشاهد حركاتك وسكناتك إلا الله، وتظن أنك خلوت وانفردت وأنك أصبحت في مكان وحدك، فوالله إنك لم تنفرد، فمعك رقيب وعتيد، ومعك الذي لا ينام ولا يغفل، ومعك الذي لا ينسى وإذا خلوتَ بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحِ من نظر الله واعلم أنه: ﴿يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩]. ورد في بعض الآثار أن رجلاً اختفى في غابة وهَمَّ بمعصية فقال: لا يراني أحد، أنا في غابة وحدي وقد تسنت لي المعصية، فسمع هاتفاً يهتف ويقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] يقول ابن مسعود: [[الله الله في السرائر، الله الله إذا خلوت]]. وهذا الإمام أحمد -الإمام الزاهد العالم الكبير- قال بعض تلاميذه: والله إنا لنسمعه يبكي من وراء البيت وهو يقول: إذا ما خلوتَ الدهرَ يوماً فلا تقل خلوتُ ولكن قل علي رقيب وصاحب هذا البيت هو أبو نواس الذي تعرفونه وتسمعون به، وهو الذي توفي على فسق ومعصية، وقد رئي في المنام - كما يقول ابن كثير في البداية والنهاية - فقيل له: " ما فعل الله بك يا أبا نواس؟ قال: غَفَر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: وصفتُ الزهرة - واسم القصيدة: (القصيدة النرجسية) في ديوانه - ورَدَدْتُ أمرَها إلى الله، وقلت: إنه هو الذي أبدعها وزينها وحلاها وجملها. فغفر الله له بذلك السبب، ولذلك بعض الأسباب السهلة في الحياة تستطيع أن تدخل بها الجنة. وهذا رجل من بني إسرائيل رأى غصناً من شجرة ذا شوك في طريق الناس، فصرفه عنهم فأدخله الله بذلك الجنة. ويقول ابن كثير في البداية والنهاية: رؤي جرير بن عطية الشاعر المشهور في المنام بعد أن توفي، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غَفَر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: أذَّنْتُ وحدي في البادية حيث لا يراني إلا الله. أذن في البادية، هذا الأذان الذي فتحنا به الدنيا، والذي أرسلناه نغماً في آذان البشرية، والذي تهاوت به أصنام الوثنية، وقد أصبح شبابنا الآن يخجلون إذا ذهبوا في رحلة أو في سفر من الأسفار أن يؤذن أحدهم، ويقول: لو أذنتُ لأصبحتُ مطوعاً، وأنا لست بمطوع، أي: أنه بمفهوم مقالته عاصٍ. يقول محمد إقبال شاعر باكستان: بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنسَ أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا شباب الصحابة كادوا يقتتلون على الأذان في معركة القادسية، لأن مؤذنهم عبد الله بن أم مكتوم، عبدٌ أعمى قُتل في المعركة، وقد عذر الله الأعمى أن يحضر لكنه قال: لا بد أن أحضر المعركة، فلما حضر المعركة قُتل في سبيل الله، فكاد شباب الصحابة أن يقتتلوا على الأذان، لكننا الآن أصبحنا نخجل أن نتقدم ونؤم الناس ونصلي بهم ونخطب على المنابر، وأن نؤذن بالناس ونقول: نحن لسنا مطاوعة، نحن شباب متطور أو متهور، فألغينا هذه الوظائف التي رفعت رءوسنا بين الأمم. والشاهد - بارك الله فيكم - هو: أن المعصية دمار لمستقبل الإنسان، وأنها غضب وعقاب من الله.

стр. 7263

التوبة سبب البركة والسعادة وهذا موسى ﵇ القوي الأمين، وصاحب التوحيد، صاحب أكبر صراع في تاريخ الإنسان مع فرعون الطاغية، خرج يستسقي ببني إسرائيل، فلما خرج قال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، فأوحى الله إليه: يا موسى عد ببني إسرائيل، وعزتي وجلالي إن لم تعد بهم لأرمينهم بالحجارة على رءوسهم، أكلوا الربا، وفشا فيهم الزنا، وتواصوا بالفُحش والعُهر، فبكى موسى ﵇ وقال: يا بني إسرائيل! عودوا لا يلقين الله تعالى على رءوسكم الحجارة. فلما انتشرت فينا المعاصي قلَّت بركاتُنا، وقلَّ ذكاؤنا وفهمُنا، حتى أصبح أهل الدنيا أكثر إنتاجاً منا، من أكثر نحن أم أوروبا وأمريكا إنتاجاً وتصديراً وتوريداً؟! هم أكثر مِنَّا؛ ولكننا تساوينا نحن وإياهم في المنهج، فغلبونا في أسباب الدنيا، والله تعالى يقول فيهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. فيا أيها الإخوة: أريد أن تفهموا من العنصر الثاني: أن تتوبوا إلى الله ، وأن تستغفروه دائماً وأبداً، وأن تجعلوا في أذهانكم مراقبة الله الحي القيوم. كان عمر بن الخطاب إذا خرج وحده إلى الصحراء أخذ بمطرق معه (عصا) فضرب رجليه وبكى وقال: [[يا عمر! لتتَّقين الله أو ليعذِّبنك الله عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين]]. وقال عبد الرحمن بن عوف: [[رأيت عمر دخل المقبرة يسلم على الأموات فرأى قبراً محفوراً، فسمعتُ بكاءه وأنا وراء السور وهو يقول: ويل لأمي إن لم يرحمني ربي]]. هذا وهم مبشرون بالجنة فكيف بنا نحن الذين لم نبشر بها ونحن تحت رحمة الله ؟! إن معاصينا ومخالفاتنا وأوقاتنا الضائعة تشهد علينا أننا لم نتأثر بالإسلام. فيا إخوتي! الله الله في ترك المعاصي والانتهاء عنها، كالمعاصي العين؛ من النظر إلى المحرمات، من كالأفلام الخليعة الماجنة، والصور العارية، والنظر إلى حرمات المسلمين، فهذه هي عيوب وذنوب العينين وعيناك إن أبدت إليك معايباً لقوم فقل يا عين للناس أعين يسألك الله يوم القيامة بعد أن يختم على فمك، فتتكلم عينك ولسانك ويداك وجلدك فيشهد كلٌّ عليك بما فعلت، ولذلك أوصي نفسي وإياكم بالتوبة من المعاصي ما ظهر منها وما بطن، واصرف وقتك أخي الكريم فيما ينفعك ويقربك من الله .

стр. 7264

الوقت وحياتنا وأعمارنا فيمَ نصرفها ؟ العنصر الثالث: هو الوقت الذي ضيعناه، والعمر الذي صرفناه، يقول ﵊: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ﴾ تجد الشاب صحيحاً معافىً غنياً، عنده كل أسباب الحياة، عنده سيارة وبيت ومكتبة، فتأتيه فإذا هو أكسل الناس، فهو لا يصرف وقته إلا في الهوى واللعب، يتحدث مع فلان وعلان، ويركب ويجتمع ويجلس مع مَن شاء، فهذا هو الذي خسر عمره في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أتحسب أن هذا الوقت الذي تصرفه لا يحاسبك الله عليه، ولا يوقِفُك يوم القيامة، يقول ﷺ فيما صح عنه -: ﴿لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: وذَكَرَ منها: وعمره فيما أفناه﴾. عمرُك والله لتسألن عنه دقيقة دقيقة، وثانية ثانية دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني مجلسُنا الذي جلسناه من يوم أن بدأنا إلى الآن لا يعود هذا الوقت الذي فرض فيه، ولو اجتمع أهل العالم لكي يعيدوا هذا الوقت فإنهم لا يستطيعون أن يعيدوه أبداً؛ لأنه انتهى من أعمارنا. نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجات من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي ولذلك نحن نتقدم خطوة خطوة إلى الموت والهلاك والفناء ونحن لا نشعر، فالله الله! كم من ساعة ضيعناها! ولا إله إلا الله! كم من يوم صرفناه في المعصية وفي الهوى واللغو وفي الإعراض عن الله! وبعدها ندَّعي أننا شباب الإسلام وأننا أمل الأمة! أخي في الله: إن أمل الأمة أن تقرأ وتحقق وتواظب وتجد وتجتهد، فلا تضيع ساعاتك الطويلة في اللهو واللعب والغناء ومع كل من هب ودب. نفسي وإياكم باغتنام الوقت وصرفه فيما ينفعك عند الله، وأن يكون عندك برنامج يومي تعرف على منواله وعلى ضوئه حياتك، وتسير حتى تلقى الله ، فالقرآن وقت تقروءه فيه، ولمذاكرة دروسك وقت، ولصلاتك وقت، فلا تتخلف عن هذه الأشياء ولو تخلَّفَتْ الشمسُ فأتت من المغرب ولم تأت من المشرق، والزيارات والجلوس مع الإخوان لها وقت خاص، ووقت لمطالعة المكتبة ولجلوسك مع كتبك، من الكتب الصفراء كتب العلم والسلف الصالح، التي لمَّا تركناها ورجعنا إلى المجلات الخليعة هَبَطَت عقولُنا، وسَخُفَت أرواحُنا، وضاعَت بيوتُنا، وشاهَت أخلاقُنا، ودُمِّرَت عقولُنا لما تركنا الإنتاج الهائل الذي تركه أجدادنا لنا أتدرون كيف كان حفظهم يقول الذهبي عن ابن عقيل، أحد علماء الأمة: ألَّف كتاباً عدد أجزائه سبعمائة مجلد مخطوط، وهو موجود كما يقول أهل العلم. يقول ابن تيمية النوافل: وهي ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، فمن داوم على ترك هذه النوافل والركعات التي جعلها الرسول ﷺ سنناً رواتب فإنه فاسق تُرَدُّ شهادتُه -نسأل الله العافية! - فليت ابن تيمية يدري أن منا من يترك الصلاة! وأن منا من يتهاون بها! وأن منا من يدخل عليه الوقت ويخرج وهو لم يهتم بالصلاة ولا انضبط مع أمر الله ! مسلمٌ يسمع: (الله أكبر) ولا يقوم فيتوضأ! أيُّ مسلم هذا؟! يقول الله في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] يقومون ببرود، فإذا أردت أن تعرف المنافق فلا تعرفه بلونه، أنَّه أحمر أو أسود أو أصفر، ولا بشكله، ولا بعضلاته؛ بل تعرفه بموقفه من الصلاة، إذا رأيتَه - عندما يؤذن المؤذن - يتكاسل ويتهاون فاعلم أن فيه نفاقاً.

стр. 7265

المبادرة إلى الطاعة تقول عائشة: ﴿كان النبي ﷺ إذا سمع الأذان أو النداء قام إلى الصلاة كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه﴾ يقطع أعماله وأشغاله ويقوم إلى الصلاة وذكر الذهبي عن عامر بن عبد الله بن الزبير أحد الصالحين الأخيار، يقول: أُذِّن لصلاة المغرب وهو في سكرات الموت - حضره الموت وأصبح في آخر ساعة من ساعات الدنيا - فقال: احملوني إلى المسجد، قالوا: إن الله عذرك وسامحك وعفا عنك، قال: والله لا أسمع: (الله أكبر الله أكبر) ثم أبقى على فراشي! فحملوه وهو في سكرات الموت، فصلى وهو معتمد على رَجُلَين، ثم توفي وقبض الله روحه وهو في السجدة الأخيرة، فلما أخبروا أهله بذلك قالت زوجته: والله لقد علمتُ أن الله سوف يتوفاه ساجداً؛ لأنه كان يقول كلما أصبح: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، فرزقه الله الوفاة وهو ساجد. وذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة: أن أحد الصالحين كان يشتغل نجاراً وكان النجار في عهد السلف الصالح أتقى لله منا ونحن طلبة علم، ونسمي أنفسنا طلبة علم وواجهة للمجتمع، كان البائع التاجر أتقى لله في عهد السلف الصالح، منا فكانوا كلهم أخياراً إلا ما شذ منهم، حتى إن عمر ﵁ عيَّنه أبو بكر ﵁ وأرضاه قاضياً، قال: فبقيتُ سنة في المدينة لم يأتني متخاصمان؛ لأنهم عرفوا الحق. يقول ابن الجوزي: أتى أحد النجارين لينجر، فكان إذا رفع المطرقة يضرب بها المسمار وسمع: (الله أكبر) لا يردها ثانية؛ بل يلقيها ويطرحها وراء ظهره ويقوم إلى الصلاة. ولا يُعرف إيمانُ المؤمن إلا من استعداده للصلاة وقيامه إليها. إخواني في الله: يومُنا هذا أو غيره من الأيام يسدَّد فيه الإنسان بسبب حضوره لصلاة الفجر، واسأل نفسك وأنت جالس الآن إن كنت صليت الفجر في جماعة فأنت في ذمة الله وفي حفظه ورعايته؛ فقد جاء في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فمن طلبة من ذمته فقد أدركه، ومن أدركه أهلكه﴾ لماذا امتلأت السجون من الشباب الذين يتعاطون المخدرات؟! لماذا امتلأت السجون من الشباب الذين زاولوا الزنا والمخالفات والشذوذ الجنسي؟! لماذا هتكت المحرمات؟! كل ذلك بسبب تركنا للصلوات؛ حتى يقول العلماء: إن من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة لا يصاب بكبيرة بإذن الله، فلا يقترف كبيرة ولا يمكن أن تتعرض له كبيرة من كبائر الذنوب. يقول أحدهم: كنت حارساً في سجن في الشمال، فدخل علي في سبع سنوات ما لا أحصي من المسجونين من أهل المعاصي، فكنت أسألهم بعد صلاة العشاء وأقول: أسألكم بالله! أصليتم العشاء اليوم في جماعة؟ قالوا: لا. فابتلاهم الله بالفواحش والمنكرات والكبائر، فضُرِبَت ظهورُهم، وسُجِنُوا، وذَهَبَت عقولُهم بالمخدرات بسبب تركهم للصلوات. فالله الله -يا شباب الإسلام- في الصلوات الخمس، التي لما تركناها رأينا كثيراً من الأجيال قد انحرفت عن منهج الله ، ورأينا البيوت مهدمة على أعقابها، والتربية السيئة، والعصيان من الولد لوالده، يقول الله في حديث قدسي: ﴿أبي تغترون، أم عليَّ تجترئون؟! فبي حلفت لأنزلن عليكم فتنة تجعل الحليم حيران﴾ ولكن الله يرحمنا بسبب الشيوخ الذين يركعون ويسجدون، وبسبب الأطفال البرآء الذين لا ذنب لهم، أما نحن فنسأل الله العافية! ورد في الحديث القدسي أن الله يقول: ﴿لولا الشيوخ الرُّكَّع، والأطفال الرُّضَّع، والبهائم الرُّتَّع لخسفت بكم الأرض خسفاً﴾. زلزلت المدينة في عهد عمر ﵁ وأرضاه، وأصابها زلزال سهل ليس بكبير حتى تساقطت بعض الجدران وبعض البيوت، فجمع عمر الناس في المسجد، فلما اجتمعوا رجالاً ونساءً وأطفالاً، بكى ﵁ عنه وأرضاه ثم قال: [[والذي نفسي بيده! إن وقع الزلزال مرة ثانية في المدينة لا أجاوركم فيها أبداً، وليكونن آخر العهد بي. قالوا: فما علاقتنا يا أمير المؤمنين بالزلزال؟ قال: أنتم الذين أوقعوا الزلزال، فما وقع إلا بذنوبكم. فبكى المسجد حتى ضج بالبكاء وقالوا: تبنا إلى الله ]]. فلم تقع المصائب التي وقعت في الأمة إلا بسبب ذنوبنا وإعراضنا عن الله.

стр. 7266

موقفنا من الرسول ﷺ العنصر الرابع: بعد حفظ الوقت، وحفظ نفسك من المعاصي وحفظ الله في الطاعات، عليك أن تعرف موقفك من الرسول ﷺ . فالله لم يخلق أشرف ولا أرحم ولا أكرم ولا أجل من الرسول ﷺ ، ولذلك أغلق الله أبواب الجنة، فلا تدخل إلا عن طريقه، فمن أتى من غير طريق الرسول ﷺ حرمه الله تعالى من دخول الجنة قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. وموقفك من الرسول ﷺ يدور على ثلاث قضايا:

стр. 7267

الاهتمام بسيرة النبي ﷺ القضية الأولى: أن تعيش معه في السيرة، بأن تعرف سيرته وحياته، فهي معرفة جليلة وجميلة ولا أعلم فيها كتاباً أحسن من كتاب زاد المعاد لـ ابن القيم، يقول أبو الحسن الندوي: ما دَبَّجَت كفُّ مسلمٍ أفضل من زاد المعاد. فأنصحُ نفسي وإياكم باقتناء مثل هذه الكتب، فخذوا هذا الكتاب أو كتاباً آخر في السيرة كـ سيرة ابن هشام، وأجلُّها زاد المعاد، لـ ابن القيم تستصحبونه معكم وتقرءونه وتتدبرون ما فيه، علَّكم أن تعرفوا محمداً ﷺ وحياته، وعلَّكم أن تعرفوا هذا الإنسان العظيم الذي زكاه الله من فوق سبع سماوات فقال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. وقراءة السيرة ليست للتسلية ولا للسمر، لكن لنقتدي به ﷺ ؛ فإنه قد ورد في الحديث: ﴿والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا أدخله الله النار﴾ ووالله لا يسمع بالرسول ﷺ سامع ثم لا يقتدي به ولا يسلك مسلكه إلا دخل النار. يا مدَّعٍ حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا خذها جميعاً تجد خيراً تفوز به أو فاطَّرحها وخذ عنه الشياطينا فالواجب أن تأخذ كل صغيرة وكبيرة أتى بها محمد ﷺ فتحكمه في نفسك، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. كان محمد ﵊ يصلي، فأنت يجب عليك أن تصلي مثلما صلى ﵊، يقول ﷺ : ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ كيف ندعي أننا طلبة علم ولا نعرف كيف كان يصلي ﷺ ؟! صحيحٌ أننا أجَدْنا علم الدنيا، فعرفنا وأتْقَنَّا علوم الجغرافيا والتاريخ والتربية، لكن علم السيرة وعلم الأثر والحديث لم نُجِدْه كما ينبغي وعلينا أن نعلم كيف كان يشرب، وكيف كان يأكل. وأوصي الأساتذة والمربين والموجهين أن يتقوا الله في شباب المسلمين، وأن يتقوا الله في هذا الفلذات التي عُرِضت أمامهم على كراسي الدراسة، بأن يمنحوها ويحضروا لها علماً نافعاً، وأن يخلصوا لله ، ولا يكن هَمُّ الأستاذ أن يُنْهِي الخمسَ والأربعين الدقيقة ثم يخرج من الفصل ويعتبرها وظيفة، لا. والله ليسألنه الله يوم القيامة عن هؤلاء، وليسألنه ماذا فعل بهم، وليسألنه في هذا المرتب الذي قبضه، وهذه الأكباد والوجوه والقلوب ماذا فعل بهم. وأوصي نفسي وهؤلاء الشباب أن يتقوا الله في أيامهم وفي جلوسهم على مقاعد الدراسة، وأن يستفيدوا العلم من أساتذتهم، وأن يحترموهم ويوقروهم لأنهم يهدونهم إلى الصراط المستقيم إن شاء الله.

стр. 7268

خلاصة موقفنا من الرسول ﷺ أيها الإخوة: إن موقفنا من الرسول ﷺ يتمثل في أشياء ثلاثة: أولاً: أن نعيش سيرته. ثانياً: أن نتأدب بأدبه. ثالثاً: أن نكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ . واعلموا أنكم لن تجدوا في العالم كله أزكى منه قلباً، ولا أطهر ولا أوضح منه منهجاً، ولا أحسن منه سيرةً ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]. أيها الإخوة الكرام: هي أربع نقاط أحببنا أن نتدارس مع هذه الوجوه الخيرة النيرة فيها وهي: الأولى: موقفنا من الكتاب العظيم، من القرآن الذي أهملناه وما حفظناه. الثانية: موقفنا من الرسول ﷺ . الثالثة: موقفنا من أيامنا وأوقاتنا الغالية. والعجيب أن أحد الأمريكان له كتاب موجود في السوق، عنوانه: دع القلق وابدأ الحياة، وهذا الكاتب اسمه: دايل كارنيجي، يقول فيه: الأمريكان يقرءون في اليوم والليلة ست عشرة ساعة من أربع وعشرين ساعة. وهم لا يعتقدون أن الله يبعث الناس يوم القيامة، ونحن الذين نحن من سلالة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ونقول: أننا فتحنا العالم، وكلما أتانا إنتاج قلنا: هذه بضاعتُنا رُدَّت إلينا، ونقول نحن في مهبط الوحي، ولا يقرأ الواحد منا - إلا من رحم الله - في اليوم ساعة أو ساعتين، وإذا قرأ ساعة ذهب وأخبر إخوانه وجيرانه أنه قرأ ساعة، ويقول: مللت وأصابني النعاس وأصابني كذا وكذا. فلذلك سوف يكون أهل الكفر الذين لا يعلمون إلا ظاهر الحياة أكثر منا قراءة يقول موشى ديان الميت الهالك إلى نار جهنم: العرب لا يقرءون، وذلك عندما قيل له: نشرتم أسراركم في صحفكم فكيف إذا قرأها العرب؟! قال: إن العرب البدو أسوأ منا، فيقرءون أقل منا. فنحن أقل الناس قراءة. فالذي أريده منكم أن تُقْبِلوا على مكتباتكم، وأن تستشيروا معلميكم في الكتب الجيدة، فإنه ليس كل ما يُعرَض في السوق يُشْتَرى، بل تأخذون الكتب النافعة الطيبة كـ الصحيحين وكتب ابن القيم، وكتب ابن تيمية، وكتب ابن كثير، وكتب التفاسير التي تزيدكم علماً ويقيناً وتهديكم إلى الصراط المستقيم، ثم أدلكم على الشريط الإسلامي أن تقتنوه في سياراتكم وبيوتكم بدلاً من شريط الأغنية. مسلمٌ ويستمع الغناء! مسلمٌ ويستمع العهر والفجور! مسلمٌ ويستمع ما يُقال في الفحش! يقول عمر بن عبد العزيز لأبنائه: [[الله الله لا تستمعوا الغناء، فوالله ما سمعه مستمع إلا حبب إليه الفاحشة]]. ويقول عقبة بن عامر القائد المسلم الكبير فاتح أفريقيا لأبنائه: [[أسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الغناء، فوالله إذا سمعتموه لن تحفظوا كتاب الله أبداً]]. فالغناء هو سبب إضاعتنا للقرآن، وسبب ضياع أوقاتنا، وسبب إنهاء علمنا من رءوسنا. أيها الإخوة الفضلاء: لا أريد أن أطيل عليكم، وإلا فالحديث كثير، و (يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق) وأشكركم شكراً جماً على تواضعكم وبقائكم، فجزاكم الله خير الجزاء، وشكراً لكم الشكر الكبير. وأسأل الله الذي بيده مفاتيح القلوب أن يفتح على قلوبنا وقلوبكم، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يجعل منا ومنكم مفاتيح للخير ومشاعل للهداية، حتى نقود أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا إلى سواء السبيل، فنعرض عمن أعرض عن الله، ونتحاكم إلى شرع الله، ونستروح إلى هداه ونسير على منهجه وهدي رسوله ﷺ . اللهم افتح علينا من فتوحاتك، واهدنا سواء السبيل، وتقبل منا ما قلنا وما استمعتم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 7269

النفوس التي هاجرت إلى الله استعرض الشيخ وفقه الله سيرة معركة أحد مجلياً فيها بعض المواقف البطولية التي أبرزت بجلاء شجاعة الصحابة الكرام وإقدامهم وتضحيتهم، وحبهم وفدائهم للرسول ﷺ . ومستخلصاً في نهاية درسه نتفاً من الفوائد المستنبطة من تلك الغزوة.

стр. 7270

معركة أحد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. صلى الله على النعمة المهداة، والعطية المسداة، أفصح من نطق بالضاد، ورفع علم العباد. صلى الله على باني دولة الإسلام، وهادم دولة الأصنام، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فإننا في هذا الدرس سوف نعرض بإذن الله موقعة أحد، حيث المهُج التي سافرت إلى الله، والأرواح التي هاجرت إلى الحي القيوم، حيث المواقف الخالدة التي لا تنسى أبد الدهر، حيث البيعة المجيدة التي بايع فيها المهاجرون والأنصار ربهم ﵎، فما نكصوا وما تأخروا، ويشترك القرآن مع الحديث النبوي في هذه الموقعة لينتقل القرآن بنا إلى معركة أحد، يصور لنا المعركة والقتل في سبيل الله والشهادة والثبات، ثم ثمرة النصر أو الهزيمة. ولنكن ونستمع إلى الإمام البخاري وهو يصل إلى كتاب الغزوات، ويواصل مسيره في نقل الأحداث بأسانيد كنجوم السماء. من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري يقول رحمه الله تعالى في كتاب المغازي: باب غزوة أحد، ثم ساق بسنده إلى البراء بن عازب ﵁ وأرضاه قال: ﴿لما حضرنا معركة أحد مع رسول الله ﷺ أمر على الرماة رجلاً من أصحابه -اسمه عبد الله- قال: فلما بدأنا المعركة فر المشركون، حتى إني لأرى خدم سوق نسائهم يصعدن في الجبل، قال: فلما رأى الرماة هذا الفرار؛ نزلوا إلى الغنائم، وقد خالفوا أمر الرسول ﷺ فكانت الهزيمة، فالتجأنا إلى رسول الله ﷺ فوجدناه جالساً ومعه أبو بكر وعمر، وإذا بـ أبي سفيان ينادي: أين رسول الله ﷺ ؟ فلم يجبه أحد، فقال: أين أبو بكر؟ فلم يجبه أحد، فقال: أين عمر؟ فلم يجبه أحد، قال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم -أو فقدتموهم كما في بعض الروايات- فقام عمر لما آنس هذه الغضبة لله في نفسه فقال: لا والله لقد أبقى لك الله ما يسوءك يا عدو الله، هذا رسول الله ﷺ ، وهذا أبو بكر، وأنا عمر، فقال أبو سفيان: اعل هبل -وهبل صنم لهم يعبدونه من دون الله- فقال ﵊: ردوا عليه، فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم -يعني هناك صنم آخر اسمه العزى وليس لكم عزى- فقال ﷺ : ردوا عليه، قالوا: وماذا نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم فقالوها، فقال أبو سفيان: يوم بيوم والحرب سجال، فقال ﷺ -أو قال بعض أصحابه-: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار﴾ أو كما قال البراء والله أعلم. والقرآن ينتقل بنا في سورة آل عمران من الآية العشرين والمائة إلى قبل أواخر السورة ليعرض لنا تلك المشاهد الحية، ومعركة أحد تصل إلى روح المؤمن وتلامس قلبه، وتحدث شغاف روحه، وهي معركة حية في ضمير الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفيها صور عجيبة، ومن يقرأ أواخر سورة آل عمران بتدبر؛ يجد العجب العجاب. يقول الله وهو يتحدث عن تلك الأحداث والوقائع للرسول ﵊: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢١ - ١٢٢] ثم يقول جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣ - ١٢٨] وهذه ست آيات من أربعين آية أو ما يقارب الخمسين تتحدث عن معركة أحد.

стр. 7271

سبب معركة أحد لما عاد الرسول ﷺ من معركة بدر منتصراً، متواضعاً لله ، وقد قدم قرباناً إلى الله سبعين من كفار قريش؛ لأنهم عارضوا الله وخالفوا أمره، فعاد إلى المدينة المنورة عاصمة الإسلام، وسكن فيها ما يقارب سنة، ولكن كفار قريش ما أعجبهم هذا، وبقيت حرارة الهزيمة تعمل في قلوبهم يوم كان العربي بلا دين، يغضب لعرضه، ويغضب لماله، ويغضب لدوره فحسب، فقل لي بالله: أي عربي معه دين يدعي أنه ديِّن ثم لا يغضب لماله ولا لأرضه ولا لعرضه؟! يأتي أبو سفيان ليعلن المعركة والحرب مرة ثانية على الرسول ﷺ في المدينة، ويتوجه بجيش قوامه ثلاثة آلاف، قلوبهم تغلي من الحقد والمرارة والأسى واللوعة على أقاربهم الذين قتلوا في معركة بدر. ولم يعلم ﵊ بالجيش إلا عندما طوق المدينة، ونزل تجاه جبل أحد المعروف، وشاك الجيش برماحه وبسيوفه أطراف المدينة، وأصبح أبو سفيان في مركز قوة يهدد عاصمة الإسلام، عاصمة رسول الهدى ﷺ ، كلما خرجت سارحة من إبل أو بقر أو غنم أخذها أبو سفيان، وكلما خرجت امرأة سباها، وكلما رأى رجلاً من المهاجرين والأنصار آذاه بسب أو شتم أو ضرب، فأصبحت المدينة تعيش في مأساة وفي خوف ورعب.

стр. 7272

خطاب النبي لأصحابه ومشاورته لهم حينها ألقى ﵊ بيانه التاريخي، وخطابه الشهير على المنبر، وأخبر ماذا فعل أبو سفيان بالناس، يوم أتى بثلاثة آلاف يهدد أمن مدينة المصطفى ﵊، وأعلن ﷺ الحرب عليه، لأن الظالم إذا اعتدى فما جزاؤه إلا أن يرد اعتداؤه. أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا فجرد حسامك من غمده فليس له اليوم أن يغمدا وقف ﵊ وأصحابه أصحاب المهج الحارة والكتائب المنتصرة من الذين بايعوا الله يوم العقبة وقبلها وبعدها، والذين اشترى الله أرواحهم منهم. ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى أم من رمى نار المجوس فاطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا واستشارهم ﵊ وهم في المسجد، وليس بينهم وبين أبي سفيان إلا ما يقارب الميل والمعركة حتمية لا بد منها، هل ترون أن نبقى في المدينة عاصمة الإسلام، فتدار رحى الحرب داخل العاصمة؟ أو نخرج إليهم، خارج حدود المدينة فنقاتلهم هناك؟ وما هو الرأي الأحسن؟ ولماذا يشاورهم ﵊ والله قد آتاه من الرشد والسداد والحكمة ما الله به عليهم؟ إن المشاورة معناها: التواضع، ومعناها: التربية، وذلك درس لكل مسئول أو مدير أو رئيس هيئة بأن يشاور مقربيه وأعضاءه، ليكون أقرب إلى قلوبهم، يقول تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فلذلك شاورهم ﵊، وإلا فإنه يعلم الرأي السديد، وكان رأيه أن تبقى المعركة داخل مدينته ﵊، وأن تدار رحى الموت داخل العاصمة، وأن تبقى السكك مفتوحة للكتائب، ويقوم النساء والأطفال برجم المعتدين داخل شوارع المدينة؛ لأنهم سوف يدخلونها، وهذا هو الرأي السديد في منطق الحق، وقد ذكر ذلك بعض الذين تكلموا في سياسته ﷺ ، وأظنه سعيد حوى وقارن بينه ﷺ وبين نابليون في الجوانب العسكرية، ولكن أين الثرى من الثريا. ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا فقام الكبار والشيوخ من الصحابة، وقالوا: نرى رأيك يا رسول الله! نرى أن تدار المعركة داخل المدينة، فهو الرأي السديد، وقام عبد الله بن أبي رأس الضلالة وعمود الجهالة المنافق الشهير حربة النفاق، وما أصاب في حياته إلا في هذا الرأي، والمخطئ قد يصيب، والظالم قد يعدل ولو مرة، فقال: يا رسول الله! والله ما اعتدى علينا معتدٍ فبقينا في المدينة إلا هزمناه، فنرى أن تبقى في المدينة حتى يدخلوا، فإنا إذا قاتلناهم هزمناهم بإذن الله، وهذا هو الرأي. ولكن شباب الصحابة غلت مراجلهم، وتحركت أرواحهم، فخرج من المسجد ما يقارب ثمانين شاباً، أعمارهم بين الثلاثين إلى العشرين، يقودهم حمزة وقد نصب ريش النصر على عمامته، ودخلوا بعد برهة في المسجد وانتظموا في آخر المسجد وقالوا: يا رسول الله! كيف تبقى بنا في المدينة؟ إنه لا يقاتل أحد في أرضه إلا ذل. وقام أحد بني سالم بن عوف فقال: ﴿يا رسول الله! اخرج بنا إلى الأعداء لا نقاتلهم داخل المدينة، لا تحرمني دخول الجنة، فو الذي لا إله إلا هو لأدخلن الجنة، فتبسم ﵊ وهو على المنبر، وقال: بم تدخل الجنة؟ قال: باثنتين: -انظر إلى المؤهلات والشهادات العالية- أولاهما: أني لا أفر يوم الزحف، والثانية: أني أحب الله ورسوله، فدمعت عيناه ﷺ وقال: إن تصدق الله يصدقك﴾. ثم وقف رجل آخر وقال: يا رسول الله! تسبى ذرارينا، وتؤخذ بهائمنا، ولما نقاتل! اخرج بنا إليهم يا رسول الله! ورفع أنس بن النضر صوته من آخر المسجد وعليه السلاح، وقد سل سيفه وقال: يا رسول الله! أنا فاتني يوم بدر -أي أنه لم يحضر معركة بدراً - فلا تحرمني قتال الأعداء، فوالذي لا إله إلا هو لئن حضرت ليرين الله ما أصنع. وتتابع كلام شباب الصحابة من يمين المسجد ويساره، وفي الأخير رأى ﷺ أن الأغلبية الساحقة مع الذين يرون الخروج، فقال: نخرج إليهم إن شاء الله. ثم ترك المنبر ودخل إلى بيته واغتسل ولبس الدرع ﵊، ثم خرج والسيف مسلول، سيف ذي الفقار -بالتخفيف- وعليه لامة الحرب قد غطت رأسه الشريف ﵊، وقال: الرأي أن نخرج. البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها فلما رأوا ذلك رجعوا إلى أنفسهم وقالوا: لعلنا أكرهناك يا رسول الله! نرى أن تبقى في المدينة -ولكن الله يقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]- فقال ﷺ : ﴿لا والله لنخرجن إليهم، ما كان لنبي إذا لبس لامته أن يخلعها حتى يقضي الله أمره﴾. وفي الأخير سكتوا، وأعلن ﷺ أن المعركة سوف تقوم غداً، وأن من بايع الله فعليه أن يثبت على بيعة الله ؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] من أصدق من الله؟ من أوفى بعهده من الله؟ من الذي يثيب بالإخلاص إخلاصاً وبالصدق صدقاً إلا الله.

стр. 7273

خروج النبي ﷺ وأصحابه إلى أحد ثم قام ﷺ فاستنفر الناس، وسأل عن أقرب طريق يخرج منها من المسجد النبوي الشريف إلى جبل أحد -وكلكم يعرف جبل أحد - وأراد ﷺ خطاً مستقيماً أقرب ما بين نقطتين ليختصر الوقت، وليناجز أعداء الله في مكانهم الذي نزلوا فيه، ثم خرج ﵊ واقتحم مزارع رجال هناك؛ لأن الطرق سوف تبعدهم وسوف تشتت الكتائب والجيش، ففتحت له مزرعة من النخيل لرجل من المنافقين أعمى القلب والبصر، يدعي الإسلام ظاهراً ولكنه منافق. دخل ﵊ مزرعته، ودخلت الجيوش بعده من الصحابة، وقوامهم ألف مقاتل، فلما رأى الرجل ذاك قال: يا محمد! -ينادي الرسول ﷺ لا تدخل مزرعتي؛ فإني لا أبيح لك ذلك، ثم أخذ حفنة من التراب، وقال: والله لو كنت أعلم أنها لا تصيب إلا وجه الرسول ﷺ لرميت بها وجهه، فغضب الصحابة وتقدم إليه رجل من الأنصار بقوسه فضربه حتى أدماه، وأراد الآخر أن يقتله، فقال ﷺ : اتركوه، هذا رجل أعمى الله قلبه وأعمى بصره. ووصل ﷺ إلى جبل الرماة، ولكن في الطريق أتى النفاق العائر، وأتى الفشل والهزيمة في قلوب الذين ما أخلصوا وصدقوا مع الله، والذي لا يصدق في أيام الرخاء لا يصدق في أيام الشدة، فانعزل عبد الله بن أبي بن سلول بثلاثمائة مقاتل، أي: بثلث الجيش، فقد كانوا ألفاً، فظل يوسوس لهم كالشيطان ويمنيهم، ويقول: خالفوا رأيي وخرجوا من المدينة، والرأي أن نقاتل في المدينة، ولو أطاعوني ما خرجوا، فاستمع له بعض الناس، وقد قال تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]. وكادت فئتان اثنتان هما بني سلمة وقبيلة بني حارثة أن تسمعا وتفشلا، قال : ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران:١٢٢] همت كتيبتان أن تتراجعا من المعركة: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران:١٢٢] فالله هو الذي عصم وسلم، قال جابر وكان من بني سلمه: نزلت هذه الآية فينا، وما أحب أنها لم تكن نزلت لأن الله يقول فينا: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]. كادوا يستمعون لكلام هذا المجرم الآثم، وكادوا يعودون من الطريق إلى المدينة ولكن الله سلَّم وعصم، فتوجهوا مع الرسول ﵊، ونزل ﵊ عند جبل الرماة وأسند ظهره، ورأى كفار قريش تمور في وجوههم الضلالة وتغلي قلوبهم بالبغي، وكانوا تعاقدوا وتعاهدوا ألا يفروا في المعركة أبداً. وأتى أبو سفيان قبل المعركة -وهو قائد نحرير نسأل الله أن يغفر له ذنوبه فقد أسلم- وكانت الراية عند بني عبد الدار، وهم أسرة مجيدة عندهم مفاتيح الكعبة، وعندهم اللواء دائماً، فإذا كانت معركة مع قريش سلموا لهم الراية، فأراد أن يحمسهم على المعركة، ويضريهم على القتال، فقال: يا بني عبد الدار! أعطونا اللواء، قالوا: ولم؟ قال: لأنكم أخذتم اللواء يوم بدر فهزمنا، فاليوم نخاف أن نهزم، فسلموا لنا اللواء، فهموا أن يقتلوه فحال بينهم الناس، وقالوا: كيف نسلم إليك اللواء؟ لأنهم ورثوه كابراً عن كابر. فوقفوا هناك، ونزل ﵊ ورأى أن ذاك الرجل الداهية والعسكري الفارِه أبو سفيان قد غلب على المكان، وهو مخطط جهبذ علمته التجارب، فأخذ جبل أحد وهو الجبل الذي يضرب به ﷺ الأمثال في الحديث، ويقول: مثل جبل أحد، ويقول: ﴿جبل أحد جبل يحبنا ونحبه﴾ فأخذ أبو سفيان الجبل وراء ظهره ليحمي ظهره وظهر الجيش، وسبق إلى المكان، فتلفت ﷺ فلم يجد إلا الصحراء وراءه، وفي الأخير وجد الجبل الصغير جبل الرماة، فتمركز فيه ﷺ ، واختار خمسين مقاتلاً من أصحابه، وقال: أميركم عبد الله بن جبير، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل إذا رأيتموهم اقتربوا، ولو رأيتم الطير تتخطفنا فلا تنزلوا من الجبل أبداً حتى نهاية المعركة، هذا رأيه ﷺ ، وهو من أحسن الآراء. وأتى عبد الله بن جبير فلبس أكفانه لأنه صدق مع الله، وهو أمير الخمسين ووقف على رأس الجبل، وأتى ﷺ قبل المعركة فسل سيفاً بيده، وقال: ﴿من يأخذ هذا؟ -هذه جائزة المعركة، وهذه هي المباراة العظيمة التي تمتحن فيها القلوب والأرواح إلى الله فكل الأيادي امتدت إلى أخذ السيف، فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فأحجمت الأيادي لأن الحق صعب، وهم لا يدرون ما تحت هذه الكلمة، فقال أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به أعداء الله حتى ينحني، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إياه ثم أخرج لفافة حمراء فلف بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت﴾ ومعنى هذه العصابة: خطر ممنوع الاقتراب، أي: أن هذا هو الموت فمن أراد أن يقترب فهذا الموت أحمر. فأخذها ثم أخذ يتبختر ويمشي أمام صفوف القرشيين، وقد آتاه الله بسطة في الجسم، فقد كان كالأسد. فجرد حسامك من غمده فليس له اليوم أن يغمدا ثم أخذ يختال أمام الكفار كأنه يقول: من كان في رأسه حب لم يطحن فسوف أطحنه هذا اليوم، ثم اقترب ﵁ وهو ينشد ويزمجر بنداء الموت ويقول: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم اليوم في الكيول أضرب بسيف الله والرسول يقول: أنا الذي عاهد رسول الله ﷺ ألا أقف في آخر الصفوف، عاهدته بين النخل، وسوف أضرب بسيف الله وسيف الرسول، وسوف ترون ماذا أصنع، قال الزبير بن العوام: فتتبعته أنظر ماذا سوف يفعل؟ فوالله لقد رأيته يضرب بها هام الأعداء فينزلها في الأرض. فعليه فصل الرءوس وعلى زيد بن ثابت ﵁ أن يقسم التركة يعطي الجدة السدس، ويعطي البنت النصف.

стр. 7274

مواقف بطولية لبعض الصحابة نشبت المعركة في أحد واستمر حزب الله وأولياؤه يتقربون، ولكل واحد من الصحابة المشاهير موقف في المعركة:

стр. 7275

مواقف أسد الله حمزة دلعت نيران المعركة واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، فقد تعاقب بنو عبد الدار لحمل اللواء، فأما قائدهم الأول طلحة بن أبي طلحة فقد قتله الزبير بن العوام، فحمل اللواء بعده أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة وتقدم للقتال وهو يقول: إن على أهل اللواء حقا أن تخضب الصعدة أو تندقا فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب، فضرب عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه وصلت إلى سرته فبانت رئته. قال أحد الأنصار: رأيت حمزة يوم أحد يمور في الناس كالأسد، والله لقد رأيت المشركين يفرون من بين يديه كالمعز. وكان حمزة قد قتل يوم بدر عتبة بن ربيعة وبعض أقاربه، فجاءت هند امرأة أبي سفيان إلى وحشي وقالت: أعتقك وأسلم لك ما عندي من مال إذا قتلت حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، أسد الله في أرضه، سيد الشهداء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فأخذ وحشي حربته وكان رجلاً حبشياً يجيد رمي الحراب، فلم يشارك في المعركة، وتخبأ في شجرة في أرض المعركة، وأقبل حمزة يمور في الكتائب ويضرب بسيف الله . يقول وحشي: فخرجت مع الناس، وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالجربة قذف الحبشة قلما أخطئى بها شيئاً، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس هداً ما يقوم له شيء، فوالله إني لأتهيأ له أريده، فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني، إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال له: هلم إليَّ يا ابن مقطعة البظور -وكانت أمه ختانة- قال: فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه. ثم أرسل ووحشي عليه الحربة، فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل على رجليه إلى خلف الشجرة يريد قتل وحشي، فضرب الشجرة بضربة من ضربات الحق والخير، لكن الموت سابقه، فوقع شهيداً على الأرض. وأتى ﷺ يدور في القتلى، فوجد حمزة قتيلاً، فتأثر ﵊ كل التأثر، وأصابته لوعة وحسرة ما بعدها حسرة، حتى يقول: ﴿والذي نفسي بيده، ما وقفت موقفاً أغيظ لي من هذا الموقف، والذي نفسي بيده إن ظفرت منهم لأمثلن منهم بسبعين﴾ لأن حمزة ﵁ قطعت أذناه وأنفه، لكن يلقى الله وهو سليم معافى، ويدخل الجنة كما قيل: ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة، وهم جرد مرد حسان الوجوه. فوقف ﵊ ورأى بطنه قد بقرت، وأخذ من كبده الشريفة، فلاكتها هند، ولكن لم تمضغها فألقتها، حتى لما سمع ﵊ قال: ﴿ما كان لشيء من حمزة أن يدخل النار﴾ ثم دمعت عينه ﷺ وقال: ﴿والذي نفسي بيده لولا أن تجزع صفية -يعني صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة - لتركته حتى يكون في حواصل الطير وبطون السباع﴾.

стр. 7276

أنس بن النضر أتى أنس بن النضر أحد الأنصار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فلما رأى انهزام المسلمين في آخر المعركة وفعل المشركين قال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل هؤلاء -يعني المشركين- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- ثم تقدم فقاتل حتى قتل، وأخذ دمه من نحره يتدفق سلسبيلاً عابراً، يعلن الشهادة والتضحية في سبيل الله . ثم قال ﷺ : ﴿من يلتمس لي أنس بن النضر فإني أريد أن أراه﴾ فقد علم ﷺ أنه ما تأخر إلا لشيء، قال زيد بن ثابت: فقمت ألتمسه فوجدته في القتلى وهو في آخر رمق من حياته فقد ودَّع الحياة، وأشرف على لقاء الله ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] ارجعي من حيث جئتِ فإن أصلك من الجنة. فوقف عليه زيد بن ثابت وسلم عليه، وقال: كيف تجدك يا أنس؟ قال يا زيد! بلغ رسول الله ﷺ مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، كأنه رأى مشاهد أو وقفات أو بعض الملامح، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢] فوصل إلى الرسول ﷺ فبلغه السلام، فدعا له ﵊. وهذا أنس بن النضر هو الذي حلف في المسجد: لئن حضرت المعركة ليرين الله ما أصنع، فأرسل درعه وأتى مقبلاً بسيفه إلى الأعداء، فقال له سعد بن معاذ: يا أنس بن النضر! هون عليك، أما ترى كيف انهزم الناس والمشركون أقبلوا، قال: إليك عني يا سعد! إليك عني يا سعد! والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، هبت نسمات الجنة في أرواح المتقين فبايعوا الله رب العالمين، فأتى فقاتل ولكنه ما قتل لأول وهلة، وقف وسط جيوش المشركين، فاجتمعت عليه السيوف والرماح حتى ضرب أكثر من ثمانين ضربة بعد ما قتل فيهم مقتلة، ووقع على الأرض، قال أنس بن مالك: والله ما عرفته إلا أخته ببنان كفيه، ما عرفت وجهه، ولا رجليه ولا يديه ولا جسمه، وإنما عرفت بنان الكف، حين رفعت كفه فقالت: هذا أخي.

стр. 7277

عبد الله بن عمرو بن حرام ثم أتى عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري وقد بايع الله، ووصى ابنه جابراً في بناته خيراً، فأتى المعركة فقاتل حتى قتل، قال جابر: أتيت إلى أبي وقد قتل وهو بين يدي رسول الله ﷺ مسجى والثوب على وجهه، فكنت أرفع الثوب وأبكي والناس ينهونني أن أبكي والرسول ﷺ لا ينهاني، فيقول ﵊ لـ جابر: يا جابر! أتدري أين أبوك؟ قلت: لا. قال: في الفردوس الأعلى، ثم قال: يا جابر! أتدري ماذا فعل الله بأبيك؟ قلت: لا. والله يا رسول الله، قال: والذي نفسي بيده لقد كلمه هو وإخوانه من الشهداء في أحد بلا ترجمان، فقال: تمنوا عليّ، قالوا: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا فنقتل فيك ثانية؛ لأنه ما من أحد يموت فيدخل الجنة إلا كره أن يعوده لما يرى من الجنة ونعيمها، إلا الشهيد يريد أن يعود إلى الدنيا فيقتل مراراً، ولذلك صح عنه ﷺ من حديث أبي هريرة في البخاري: ﴿والله لولا رجال من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت خلف سرية تغدو قط، ولوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل﴾ فقال الله لهم: تمنوا، قالوا: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا فنقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، لكن تمنوا: قالوا: نتمنى أن ترضى عنا فإنا قد رضينا عنك، قال: فأني أحل عليكم رضواني لا أسخط عليكم أبداً، فجعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر، ترد الجنة فتأكل من أشجارها، وتشرب من أنهارها، وتأوي إلى قناديل في العرش حتى يرث الله الأرض ومن عليها، أنزل الله مصداق ذلك: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].

стр. 7278

مواقف بطولية أخرى للرسول ﷺ وأتى عبد الله بن جحش أول من سمي في الإسلام أميراً وهو شاب، فوقف قبل المعركة، وقال: يا رب! أسألك أن تواجه بيني وبين كافر شديد حرده، قوي بأسه فيك، فيبقر بطني، ويجدع أنفي، ويقطع أذني، ويفقأ عيني، فإذا لقيتك يوم القيامة قلت: يا عبد الله! لم فُعِلَ بك هذا؟ قلت: فيك يا رب! فلما انتهت المعركة وجد وهو مقتول على تلك الصفة، قال سعيد بن المسيب وهو من رجال السند: نسأل الله أن يوفي له ما سأل وقلنا: آمين. ووقف طلحة بن عبيد الله يقاتل عن رسول الله ﷺ حتى ضرب في كل مكان حتى يقول: والله لقد ضربت في كل مكان يوم أحد حتى في فرجي، وشلت يده اليمنى، وذاك رجل بايع الله، قال أبو بكر ﵁: [[يوم أحد كله لـ طلحة بن عبيد الله]] طلحة ذو الجود ﵁. أما الرسول ﵊ فإنه من أول المعركة وهو يقاتل في سبيل الله، وقد أثخن بالجراح ﷺ ، وضرب على مغفره حلقتان من حلق المغفر في رأسه، وكسرت رباعيته، بأبي هو وأمي ﵊، وأتى ﵊ حتى ما استطاع أن يعلو على صخرة حتى جلس له طلحة بن عبيد الله فارتفع حتى علا على الصخرة، وقد أنهك ﵊ من كثرة الضرب وكثرة ما قاتل، وفر الناس في آخر المعركة وما ثبت معه إلا سبعة. وأما الرماة الذين قال لهم ﷺ : ابقوا في هذا المكان، فإنهم لما رأوا الغنائم ورأوا كفار قريش قد فروا في أول المعركة ظنوا أن المعركة قد صفيت للرسول ﷺ ، فنزلوا فوقف أمامهم عبد الله بن جبير أميرهم المجاهد ﵁ وقال: أسألكم بالله لا تعصوا أمر رسول الله ﷺ ، وقد قال: لو رأيتم الطير تتخطفنا فلا تنزلوا، فعصوا أمره ونزلوا، وبقي وحده، فلما نزلوا رأى خالد بن الوليد الصاعقة وسيف الله المسلول، وكان يقود الخيالة في قريش ولم يكن قد أسلم ذاك اليوم، فرأى أن الرماة قد نزلوا من الجبل، فأتى من خلف الجبل وطلع على ظهر الجبل هو والخيالة من قريش، وأخذ عبد الله بن جبير الأمير يدافعهم، فاجتمعوا عليه فقتلوه، والتفت الرماة وإذا مواقعهم قد احتلها خالد بن الوليد والخيالة معه، وأصبح المسلمون شذر مذر، حتى فرَّ كثير منهم ودخلوا المدينة وأصبح ﷺ مع سبعة يصارعون الأحداث، ويقفون أمام الإعصار في معترك لا يعلمه إلا الله . ثم عاد الناس في آخر المعركة واجتمع الصحابة بعد ما فر بعضهم -غفر الله لهم فرارهم- حول الرسول ﷺ وقد ظهر الجرح فيه ﷺ ودخلت حلقات المغفر في رأسه، فأراد أبو بكر إخراج حلق المغفر، فقال أبو عبيدة لـ أبي بكر: أسألك بالله أن تترك ذلك لي، فأخذ الحلقة الأولى بثنيته، فسقطت ثنية أبي عبيدة الأولى، ثم أخذ الحلقة الثانية بنيته الأخرى فسقطت، فما رئني رجل أهتم -أي: ساقط الثنيتين- أجمل من أبي عبيدة؛ لأنها سقطت في سبيل الله ، ثم جاءوا بماء لرسول الله ﷺ فغسلوا جراحه. ولما قتل مصعب وكان يشبه رسول الله ﷺ ، فصاح ابن قمئة بين الناس أن محمداً قد قتل، فلما سمع بعض الصحابة أن الرسول ﷺ قد قتل سقطت سيوفهم من أيديهم، وجلسوا على الأرض، فمر بهم أحد الصحابة -قيل: أنس بن النضر، وقيل: غيره- وقال: مالكم؟ قالوا: قتل ﵊، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قموموا قوموا على ما مات عليه، ثم قاتل حتى قتل. وقد كانت الشائعة خطأ، فإن مصعباً هو الذي قتل ﵁. مصعب الذي دخل في الإسلام وهو أغنى شاب من شباب قريش، فلما أسلم قالت له أمه: إما أن ترجع عن دينك فتبقى في النعيم، وإلا فوالله لأسلبن عنك كل شيء، قال: والله لأسلمن، فسلبت عنه كل شيء حتى ما وجد من اللحاف إلا شملة، ورآه الرسول ﷺ وقد تغير لونه وتغيرت ملابسه، فلما رآه ﵊ دمعت عيناه، وقال للصحابة: هل تعلمون شاباً كان أحسن من هذا الشاب وأنعم؟ قالوا: لا. قال: لقد كان يمر في الطريق من طرق مكة، فيجد الناس ريح المسك منه، وترك ذلك كله من أجل الله فعوضه الله خيراً منه، أو كما قال ﵊. فلما هاجر كان سفير الإسلام، واستفاقت المدينة على صباح جديد من دعوة مصعب بن عمير سفير الإسلام إلى الأنصار، فهو الذي علم القرآن أبناء الأنصار، وترك بهرج الدنيا وزينتها وأقبل على الله، فقتل يوم أحد، فأشيع في الناس أنه الرسول ﷺ فخارت قوى كثير من الناس، وألقوا بالسيوف، فأنزل الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] وقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦]. وكان من أحسن الكلمات ومن أحر العبارات التي قالها ﷺ في تلك الموقعة: ﴿قفوا ورائي لأثني على ربي ﵎﴾ بعد المعركة، بعد أن ما قتل سبعون من أصحابه ﷺ ومن أقاربه، يقول: ﴿قفوا ورائي لأثني على ربي ﴾ فوقف الصحابة فأثنى رسول الله ﷺ على الله ﵎، وحمده بمحامد، وبجله بتبجيلات. وقبل أن ينتهي ﷺ من هذا الثناء، إذا بمجرم من المجرمين وبكافر من الكافرين اسمه أبي بن خلف، ما شارك في المعركة، علف فرسه بالحنطة شهراً كاملاً وشحذ سيفه بالسم، وكان يقول: أقتل بهذا السيف محمداً -يعني به الرسول ﷺ فلما أتت معركة أحد أخبروا الرسول ﷺ وقالوا: يا رسول الله! سمعنا أن أبي بن خلف يقول: إنه سيقتلك، قال: بل أنا أقتله إن شاء الله، وكان أبي بن خلف من أشجع الناس، ومن أقوى الناس قلباً، فلما أتت المعركة لم يشارك فيها وبقي حتى انتهى القتال، وحتى أثخن ﷺ بالجراح وتعب، فأتى بفرسه عامداً قاصداً للرسول ﵊، وكان أبي بن خلف قد لبس درعاً تحت ثيابه إلا موضع درهم عند ترقوته. وسل سيفه يريد أن يقترب من الرسول ﷺ ، فقام المهاجرون والأنصار بسيوفهم، فأشار إليهم الرسول ﷺ أن اتركوه، وطلب ﵊ أن يناولوه حربة، فناولوه حربة فهزها حتى تمكنت من يده، ثم أرسلها ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] فتركت كل مكان في جسمه لأنه مدرع ومصفح، وأتت إلى الترقوة فوقعت فيها فوخزتها وخزة بسيطة كوخز الشوكة، فوقع صريعاً من على ظهر فرسه إلى أقدام فرسه، فأتى الكفار من المشركين يسحبونه ويقولون: ما عليك بأس، ما أصابك بأس، فحلف باللات والعزى لو أن ما به أصاب أهل ذي المجاز لماتوا عن بكرة أبيهم، فسحبوه يجرجروه وهو يخور كالثور، فمات إلى النار، وسوف يلقى غضب الملك الجبار .

стр. 7279

تكفين الشهداء ودفنهم وانتهت المعركة ومر الرسول ﷺ ، والتفت فوجد الشهداء صرعى، وكأن لسان حالهم يقول: إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكمُ ألمُ فوقف ﷺ وألقى كلمته الخالدة ومنها: ﴿أنا شهيد عليكم يوم القيامة أنكم شهداء﴾ ثم أمر بهم أن يكفنوا في ثيابهم وألا يغسلوا وأن يدفنوا، ولم يصلِّ عليهم ﷺ ، فأتوا يكفنون مصعباً، فما وجدوا إلا نمرة -قطعة قماش ثوب صغير- إذا غطوا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر رسول الله ﷺ أن يغطوا بها رأسه وأن يجعلوا على رجليه من الإذخر، لكنه سيجلس إن شاء الله على أرائك عند الملك وعلى فرش من إستبرق، وفي خير عميم عند الله من نور وحبور. وأتوا إلى حمزة فوجدوه ممثلاً به، فما وجدوا ما يغطوه إلا شيئاً يسيراً؛ لأنهم تركوا الدنيا وأعرضوا عنها وطلبوا ما عند الله . ورأى رسول الله ﷺ بعض الإبل قد توجهت بالشهداء إلى المدينة، فنادى: ﴿ردوا الشهداء وادفنوهم في مصارعهم فإنها تشهد لهم﴾ أو كما قال ﷺ ، فنادوا في الجمال وقد أوشكت تدخل المدينة، وعادت محملة والأسى واللوعة يعلو قلوب كثير من الناس، والبكاء يرتفع، والرسول ﷺ يهدئ من روع الناس، ويدخل السكينة بكلماته الباردة على القلوب، فعادوا فدفنوهم في أماكنهم، ودفنوا حمزة هناك ومعه بقية السبعين. قال جابر: دفن مع آخر فلم تطب نفسي بذلك، فنقلته بعد ست وأربعين سنة، فوالله ما تغير منه شيء إلا شيئاً في أذنه من طين، من خرم جرح في أذنه من المعركة قال: فحملته وما تغير منه شيء وإن ريحه ريح المسك، بعد ست وأربعين سنة، وأنزلوا في منازلهم ﵃. أما الرسول ﷺ فقد عاد متوجهاً إلى المدينة عليه السكينة والوقار؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٥ - ١٦٦] توجه ﵊ وسمع البكاء في بعض دور الأنصار، ولكنه لم يجد من يبكي على حمزة، فقال: ﴿لكن حمزة لا بواكي له﴾ فتأثر الأنصار وأرادوا أن يشاركوا الرسول ﷺ حتى في البكاء على قريبه وعمه. وإن أولى الموالي أن تواليه عند السرور الذي واساك في الحزن إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في الموطن الخشن فأمر سعد بن معاذ نساء بني عبد الأشهل أن يبكين على حمزة.

стр. 7280

بعض الفوائد من غزوة أحد ولقد تكلم عن أحداث المعركة، وعن الذين تخلفوا عنها، وعمن استشهد في المعركة. وسوف نأخذ من هذه الغزوة ومن هذا الدرس فوائد:

стр. 7281

الابتلاء سنة من سنن الله الفائدة الأولى: سوء عاقبة المعصية وسوء ارتكاب النهي، قاله ابن حجر في الفتح وسبقه ابن القيم إلى ذلك، يؤخذ ذلك من مخالفة الرماة للرسول ﷺ ، حتى يقول بعض أهل العلم: يا سبحان الله! رماة خالفوا رسول الله ﷺ والموت على رءوسهم، وأنت تخالف رسول الله ﷺ في اليوم والليلة عشرات المرات ولا تخشى، ولذلك كان من نتيجة هذه المخالفة حلول الهزيمة وحلول الغلبة على المؤمنين ﵃ وأرضاهم، فمخالفة أمر الرسول ﷺ شؤم وفساد كبير، وما هناك تدمير لمستقبل الإنسان ولا خيبة أمل ولا تعكير لفهمه وذكائه ورزقه وولده مثل المعصية نعوذ بالله من المعاصي!

стр. 7282

سنة الله في رسله الفائدة الثانية: أن من عادة الرسل أنهم يبتلون وتكون العاقبة لهم، تكون الحرب بينهم وبين أعدائهم سجالاً، ولا ينتصرون مرة واحدة، لأنهم لو انتصروا مرة واحدة لدخل في الدين من لم يكن من أهله، وما عرف المؤمن من المنافق، يقول تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] فميز الله بهذا بين المؤمن والمنافق، فلو كانت المسألة مسألة نصر وعافية ونعمة لدخل في الدين من ليس من أهل الدين، ولكنه ﷺ ابتلي مرة وانتصر مرة، ولو هزم الرسول ﷺ دائماً لما تمت الرسالة الخالدة، ولما أخرج الله الناس من الظلمات إلى النور، ولما تم المقصود من الرسالة، ولو انتصر دائماً لدخل في الدين غير أهل الدين، ولكن غُلب مرة؛ وانتصر مرة، ليميز الله الخبيث من الطيب، والعاقبة لرسول الله ﷺ وللمؤمنين والمتقين، وانتصر الإسلام، وارتفعت مآذن الإسلام في كل مكان، وبقي صوت الحق مدوياً ودمغ الباطل وزهق إنه كان زهوقاً. ومنها: أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضماً للنفس وكسراً لشموخها وجماحها، لأن النفس إذا أنعم عليها جمحت وشمخت إلا من رحم الله، فلو أن الرسول ﷺ انتصر في كل معركة، وانتصر في كل موقف هو وأصحابه لدخل بعض الصحابة شيء من العجب والتيه، وشيء من الزهو، لكن أراد الله أن يربيهم بالمعارك، مرة نصر ومرة هزيمة، وفي الخاتمة نصر لا هزيمة بعده للإسلام، لذلك لما أتت في معركة حنين قال بعض الصحابة: لن نغلب اليوم من قلة، فانهزموا في أول المعركة ثم انتصروا بعد أن تلقوا تأديباً، وأنت إذا بقي جسمك معافى بلا أمراض ولا ابتلاءات دخلك من العجب ما الله به عليم، والله يعرف النفوس فيداويها. لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل ربما يكون في صحة جسمك المرض، وفي صحة قلبك الفقر والابتلاء، فالله أعلم.

стр. 7283

إكرام الله لعباده المؤمنين الفائدة الثالثة: أن الله هيأ لعباده المؤمنين في دار كرامته منازل لا يبلغونها بأعمالهم، فابتلاهم الله ، وفي الجنة منازل مرتفعة للمؤمنين، نسأل الله ألا يحرمنا تلك المنازل، فهذه المنازل لا يستطيع كثير من الناس أن يبلغها بعلمه ولا بصلاته ولا بصيامه ولا بحجه ولا بصدقته، فيبتليهم الله في أجسامهم بالأمراض، والابتلاءات المختلفة، فيرفعهم الله إلى تلك الدرجات. الفائدة الرابعة: أن الشهادة من أعظم مراتب الأولياء، وقد ساقها الله إلى كثير من أصحاب الرسول ﷺ ، لما علم ما في قلوبهم ، ودرجات الفضل أعلاها النبوة، وبعدها الصديقية التي نالها أبو بكر ﵁، ثم الشهادة ثم الصلاح. الفائدة الخامسة: أراد الله إهلاك الكفار، فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وطغيانهم واعتدائهم، والله إذا أراد أن يجر أحداً إلى الهلاك جره إلى المعصية وإلى الاعتداء، فلما أراد الله أن يخزي أولئك، ليدخلهم النار؛ جعل لهم من الأعمال الكسبية التي اكتسبوها بقضاء وقدر ما دخلوا بها النار، واستوجبوا غضب الواحد القهار .

стр. 7284

بعض أحكام الجهاد الفائدة السادسة: أن الجهاد يلزم بالشروع فيه: حتى إن من لبس لامته وشرع في أسبابه وتأهب للخروج، ليس له أن يرجع كما فعل ﷺ ، فمن تهيأ لحضور المعركة التي وجبت عليه، فليس له أن يرجع وليس له أن يعود ما دام قد عزم، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. الفائدة السابعة: أنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه، واستدل بذلك ابن القيم على أنه ليس بواجب أن يخرج المسلمون من دورهم وقصورهم ومدنهم إلى الأعداء إذا طوقوا مدنهم، وذلك لأنه ﷺ رأى أن يبقى داخل المدينة، ويكون القتال داخل المدينة، فهذا فيه أن المسلمين لهم أن يبقوا في مدنهم ومساكنهم حتى يأتي الأعداء، فيقاتلوهم إذا أحاطوا بهم واقتربوا منهم، وهذا ذكره ابن القيم في زاد المعاد. الفائدة الثامنة: جواز تصرف الإمام في بعض أملاك رعيته؛ فيجوز للإمام وقت المعركة ووقت الأزمات أن يتصرف ببعض الأملاك وأن يأخذ بعض الأشياء لمصلحة الجهاد، بشرط ألا يتجاوز الحد في ذلك، أو يضر بالناس ضرراً بيناً، وأخذ ذلك من فعله ﷺ حين مر في مزرعة ذاك المنافق. الفائدة التاسعة: لا يؤذن للصبيان غير البالغين في القتال؛ وقيل: حد ذلك خمسة عشر سنة، وقالوا: أكثر أو أقل، وقالوا: باختلاف الأشخاص؛ لأن الرسول ﷺ منع بعض الصبيان وأجاز الذين بلغوا منهم، فالصبيان لا يشاركون في المعركة، والجهاد ليس عليهم بواجب، بل يبقون في دورهم ويتعلمون العلم، وليس مرحلتهم مرحلة الجهاد، لأنهم لا يستطيعون الحضور، فعذرهم ﷺ . الفائدة العاشرة: جواز الغزو للنساء؛ فإن النساء شاركن في معركة أحد، وأفضل من شارك في المعركة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء فقد شاركت فاطمة وأتت إلى أبيها ﷺ فأعطته ماء، وغسلت الجراح عنه، وأحرقت بعض السعف ثم حشته في الجراح. وحضرت نسيبة الأنصارية وقاتلت حتى يقول ﵊: ﴿ما التفت في جهة إلا وجدتها تقاتل عني﴾ فرضي الله عنها. وكانت النساء يوم أحد يزفرن القرب، ويملأنها للمقاتلين؛ ولذلك حين أتي إلى عمر ﵁ في خلافته بشيء من الذهب والفضة فأعطى أم سليط وترك نساءه، فقلن له ﵁: تعطي أم سليط وتتركنا؟ قال: إن أم سليط لا أنسى موقفها يوم أحد، كانت تملأ القرب للمسلين، فانظر كيف قدمها ﵁ بهذا وترك نساءه، فرحم الله تلك العظام، وأسكنها فسيح الجنان. الفائدة الحادية عشرة: قال أهل العلم ومنهم ابن القيم بجواز الاستماتة كما فعل أنس بن النضر، أي: الإقدام على الهلاك والاقتحام في القتل، كما فعل أنس بن النضر، فإنه ألقى درعه وكسر غمد سيفه، واقتحم حتى لقي العدو حاسراُ وفي بعض الآثار: ﴿إن ربك يضحك للعبد يلقى العدو حاسراً﴾ أي: لا درع عليه حتى يقاتل ويقتل، وليس ذلك من الهلكة. ولذلك لما حضر أبو أيوب الأنصاري ﵁ بمعركة جهة القسطنطينية في بلاد الروم فألقى أحد المجاهدين بنفسه واستمات في المعركة، فقال بعض الناس المتأخرين في الإسلام: أما يقول الله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] قال: لا. إن التهلكة هي أن يمسك المال أو ألا يقاتل في سبيل الله. وطلب أبو أيوب من الصحابة أن يدفنوه في آخر بقعة من بقاع المسلمين وأول بقعة من بقاع الكفار، قال: حتى أبعث يوم القيامة من قبري وأنا مسلم بين كفار. الفائدة الثانية عشرة: أن الإمام إذا أصابته جراحة صلى قاعداً وصلى الناس وراءه قعوداً، وهذه الفائدة أخذها ابن القيم؛ لأن الرسول ﷺ صح عنه أنه في أحد صلى الفريضة إما الظهر وإما العصر قاعداً من كثرة الجراح، وصلى الناس وراءه قعوداً، فإذا كان الإمام الراتب إمام الحي العالم يصلي قاعداً لعذر، فللناس أن يصلوا وراءه قعوداً، وفرَّق بعض أهل العلم فقالوا: إن ابتدأ قاعداً فيبتدئون معه قعوداً، وإن طرأ عليه القعود في أثناء الصلاة فيواصلون قياماً وبسط هذه المسألة في مجال آخر. الفائدة الثالثة عشرة: جواز دعاء الرجل أن يقتل في سبيل الله ؛ فإن عبد الله بن جحش دعا أن يقتل في سبيل الله، وليس ذلك من تمني الموت المنهي عنه، بل هو من طلب الشهادة وطلب ما عند الله ورضوان الله ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من سأل الله الشهادة بصدق؛ بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾. الفائدة الرابعة عشرة: أنَّ المسلم إذا قتل مسلماً أو قتل نفسه فهو من أهل النار، إذا قتل المسلم نفسه فهو من أهل النار؛ لأن رجلاً اسمه قزمان حضر معركة أحد، وقاتل فلما أصابته جراحة، لم يصبر ولم يحتسب، فأخذ سيفه وسله واتكأ عليه حتى خرج سيفه من ظهره، فأوحى الله إلى رسوله أحاديث: ﴿بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة﴾ فحرام على المسلم أن يقتل نفسه مهما أصابته الابتلاءات. الفائدة الخامسة عشرة: أن السنة ألا يغسَّل ولا يصلى على شهيد المعركة، أما التغسيل فمعروف، وأما الصلاة عليه فإنه ورد في آثار عند الطحاوي والنسائي أن الرسول ﷺ صلى على بعض الشهداء، وورد في حديث صحيح أنه ترك الصلاة على بعضهم، قال ابن القيم في تهذيب السنن: الإمام مخير إن شاء صلى وإن شاء ترك، وفي صحيح البخاري أن الرسول ﷺ وقف على شهداء أحد يصلي عليهم كالمودع لهم، قيل: هذا الدعاء، وإلا فإنه لم يصل عليهم في الحال، فالإمام مخير في شهداء المعركة؛ أن يصلي أو يترك، وأكثر أحواله ﷺ أنه ما صلى على شهداء المعركة، لأن الصلاة تزكية والله قد زكاهم. ومنها: أن الشهيد إذا كان جنباً غسل قاله ابن القيم، لأن حنظلة بن أبي عامر ﵁ كان مع زوجته فلما سمع داعي الله خرج جنباً وباع نفسه، فقتل في المعركة، فقال ﵊: ﴿سلوا أهله ماله؟ قالوا: خرج جنباً ولم يغتسل، قال: والذي نفسي بيده، لقد رأيت الملائكة تغسله بين السماء والأرض في صحاف من ذهب بماء المزن﴾ فاستدل بذلك بعض أهل العلم على أن الجنب إذا عُلم أنه مات جنباً وهو من الشهداء أنه يغسل وقد رجح ذلك ابن القيم. الفائدة السادسة عشرة: أن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا من أماكنهم؛ لأنها شاهدة لهم عند الله، فلا ينقل الشهيد إلى بلده، بل يدفن في أرض المعركة. ومنها: جواز دفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، فلما كثر القتلى في أحد قال الرسول ﷺ : ابحثوا أيهم المتحابون في الدنيا فادفنوهم كما تحابوا في الدنيا، يعني: الصديق مع صديقه، والحبيب مع حبيبه، فكانوا يدفنونهم وكان يقول: ﴿التمسوا أيهم أكثر أخذاًَ للقرآن فقدموه تجاه القبلة﴾ فأكثرهم أخذاً للقرآن يقدمونه تجاه القبلة ويدفنون صاحبه وحبيبه معه؛ لأنها روضة نسأل لله أن يوسع علينا وعليكم، ولا توسع إلا بعمل صالح، والجار الصالح مطلوب، كما أن الجار الصالح في الأحياء نعمة من النعم، فكذلك عند الموت، فعلى المسلم أن يلتمس المقبرة التي يدفن فيها حبيبه أو ولده أو صفيه ليكون في سعة، ولا يضره إذا دفن مع فساق، إذا كان عمله صالحاً، وإذا مات صاحبك وعليه بعض المعاصي وهو مسلم، فعليك أن تكثر الدعاء له والصدقة، وأن نكثر له الاستغفار فإنها تصل إليه أحوج ما يكون. والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشد ويل لعبد عن سبيل الله صد ومنها: أن من عذره الله في التخلف عن الخروج في المعركة بمرض أو عمى أو عرج، وأبى إلا أن يحضر، فله ذلك وهو مأجور مشكور، لقد عذر الله الأعمى أن يحضر المعركة، ولكن عبد الله بن أم مكتوم قال: لا والله! إن الله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] وأنا ثقيل والله لأنفرن، فحضر معركة القادسية وهو أعمى وبقي يحمل الراية حتى قتل في سبيل الله. ومنها: أن المسلمين إذا قتلوا واحداً منهم يظنونه كافراً فعلى الإمام ديته، ولذلك كان أبو حذيفة بن اليمان ﵁ مسلماً، وظنه المسلمون من المشركين، فاجتمعوا عليه فقطعوه بالسيف، فقال حذيفة: يغفر الله لكم فقال ﷺ : أدفع ديته لك، قال حذيفة لا. غفر الله لكم، فما زالت بقية الخير في حذيفة حتى لقي الله. ومنها: استخراج عبودية الله لأوليائه في السراء والضراء، فالله ابتلاهم بالسراء ليشكروا، وابتلاهم بالضراء ليصبروا. ومنها: أن معركة أحد كانت مقدمة لموته ﷺ ، ودرساً شهيراً، فقد نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] ثم مات ﵊ فثبتوا؛ لأن الله أعطاهم في أحد درساً لا ينسونه.

стр. 7285

النعاس في الخوف والحرب نعمة ومنها: أن النعاس في الخوف والحرب نعمة، وفي الصلاة ومجالس الذكر غفلة، ففي معركة أحد لما أراد الله أن يمن على الرسول ﷺ وعلى الصحابة، أصابهم نعاس حتى سقط سيف أبي طلحة من يده كما قال أنس قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١] أي: سكينة وهدوءاً، وراحة لقلوبكم، فهو في الخوف والحرب أمنةٌ وهدوءٌ من الله، ولكنه في الصلاة وفي مجالس الذكر من الشيطان. ومن تمام ثبات قلب المؤمن أن ينعس في المعركة، ومشاهير الشجعان في الإسلام كانوا ينعسون وسط المعركة علامة على قوة قلوبهم، وقد ذكر ابن كثير عن شبيب بن يزيد الخارجي البطل الكبير وهو من قوادهم ما سمع بأشجع منه بعد الصحابة، يقول ابن كثير في البداية والنهاية: كان في ستين رجلاً يلقى ثلاثة آلاف فيهزمهم، وكان ينعس قبيل المعركة على بغلته، وهذا من شجاعة قلبه ومن حماسته ينعس والصفوف أمامه، حتى إن زوجته واسمها غزالة، دخلت الكوفة، فأرهبت الكوفة كلها، والحجاج كان أمير الكوفة في عهدها، فلما دخلت من باب الكوفة الشرقي خرج هو من الغربي، فدخلت بعمود في يديها تضرب باب الإمارة وتقول للحجاج: اخرج يا عدو الله، ثم ارتقت المنبر منبر الجامع، فخطبت خطبة، فيقول أحد المسلمين للحجاج: يا ذليل تقتل علماء المسلمين وتقتل ضعفاء المسلمين، ولما أتت غزالة الخارجية هربت منها. أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى أم كان قلبك في جناحي طائر ونسأل الله لنا ولكم الهداية، ونسأله أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، ونسأله أن يتولانا في الدارين، وأن يفقهنا في دينه، وأن يسدد خطانا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
следующие страницы →