Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
الابتلاء سنة من سنن الله
الفائدة الأولى: سوء عاقبة المعصية وسوء ارتكاب النهي، قاله ابن حجر في الفتح وسبقه ابن القيم إلى ذلك، يؤخذ ذلك من مخالفة الرماة للرسول ﷺ ، حتى يقول بعض أهل العلم: يا سبحان الله! رماة خالفوا رسول الله ﷺ والموت على رءوسهم، وأنت تخالف رسول الله ﷺ في اليوم والليلة عشرات المرات ولا تخشى، ولذلك كان من نتيجة هذه المخالفة حلول الهزيمة وحلول الغلبة على المؤمنين ﵃ وأرضاهم، فمخالفة أمر الرسول ﷺ شؤم وفساد كبير، وما هناك تدمير لمستقبل الإنسان ولا خيبة أمل ولا تعكير لفهمه وذكائه ورزقه وولده مثل المعصية نعوذ بالله من المعاصي!
стр. 7282
سنة الله في رسله
الفائدة الثانية: أن من عادة الرسل أنهم يبتلون وتكون العاقبة لهم، تكون الحرب بينهم وبين أعدائهم سجالاً، ولا ينتصرون مرة واحدة، لأنهم لو انتصروا مرة واحدة لدخل في الدين من لم يكن من أهله، وما عرف المؤمن من المنافق، يقول تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] فميز الله بهذا بين المؤمن والمنافق، فلو كانت المسألة مسألة نصر وعافية ونعمة لدخل في الدين من ليس من أهل الدين، ولكنه ﷺ ابتلي مرة وانتصر مرة، ولو هزم الرسول ﷺ دائماً لما تمت الرسالة الخالدة، ولما أخرج الله الناس من الظلمات إلى النور، ولما تم المقصود من الرسالة، ولو انتصر دائماً لدخل في الدين غير أهل الدين، ولكن غُلب مرة؛ وانتصر مرة، ليميز الله الخبيث من الطيب، والعاقبة لرسول الله ﷺ وللمؤمنين والمتقين، وانتصر الإسلام، وارتفعت مآذن الإسلام في كل مكان، وبقي صوت الحق مدوياً ودمغ الباطل وزهق إنه كان زهوقاً.
ومنها: أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضماً للنفس وكسراً لشموخها وجماحها، لأن النفس إذا أنعم عليها جمحت وشمخت إلا من رحم الله، فلو أن الرسول ﷺ انتصر في كل معركة، وانتصر في كل موقف هو وأصحابه لدخل بعض الصحابة شيء من العجب والتيه، وشيء من الزهو، لكن أراد الله أن يربيهم بالمعارك، مرة نصر ومرة هزيمة، وفي الخاتمة نصر لا هزيمة بعده للإسلام، لذلك لما أتت في معركة حنين قال بعض الصحابة: لن نغلب اليوم من قلة، فانهزموا في أول المعركة ثم انتصروا بعد أن تلقوا تأديباً، وأنت إذا بقي جسمك معافى بلا أمراض ولا ابتلاءات دخلك من العجب ما الله به عليم، والله يعرف النفوس فيداويها.
لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل
ربما يكون في صحة جسمك المرض، وفي صحة قلبك الفقر والابتلاء، فالله أعلم.
стр. 7283
إكرام الله لعباده المؤمنين
الفائدة الثالثة: أن الله هيأ لعباده المؤمنين في دار كرامته منازل لا يبلغونها بأعمالهم، فابتلاهم الله ، وفي الجنة منازل مرتفعة للمؤمنين، نسأل الله ألا يحرمنا تلك المنازل، فهذه المنازل لا يستطيع كثير من الناس أن يبلغها بعلمه ولا بصلاته ولا بصيامه ولا بحجه ولا بصدقته، فيبتليهم الله في أجسامهم بالأمراض، والابتلاءات المختلفة، فيرفعهم الله إلى تلك الدرجات.
الفائدة الرابعة: أن الشهادة من أعظم مراتب الأولياء، وقد ساقها الله إلى كثير من أصحاب الرسول ﷺ ، لما علم ما في قلوبهم ، ودرجات الفضل أعلاها النبوة، وبعدها الصديقية التي نالها أبو بكر ﵁، ثم الشهادة ثم الصلاح.
الفائدة الخامسة: أراد الله إهلاك الكفار، فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وطغيانهم واعتدائهم، والله إذا أراد أن يجر أحداً إلى الهلاك جره إلى المعصية وإلى الاعتداء، فلما أراد الله أن يخزي أولئك، ليدخلهم النار؛ جعل لهم من الأعمال الكسبية التي اكتسبوها بقضاء وقدر ما دخلوا بها النار، واستوجبوا غضب الواحد القهار .
стр. 7284
بعض أحكام الجهاد
الفائدة السادسة: أن الجهاد يلزم بالشروع فيه: حتى إن من لبس لامته وشرع في أسبابه وتأهب للخروج، ليس له أن يرجع كما فعل ﷺ ، فمن تهيأ لحضور المعركة التي وجبت عليه، فليس له أن يرجع وليس له أن يعود ما دام قد عزم، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
الفائدة السابعة: أنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه، واستدل بذلك ابن القيم على أنه ليس بواجب أن يخرج المسلمون من دورهم وقصورهم ومدنهم إلى الأعداء إذا طوقوا مدنهم، وذلك لأنه ﷺ رأى أن يبقى داخل المدينة، ويكون القتال داخل المدينة، فهذا فيه أن المسلمين لهم أن يبقوا في مدنهم ومساكنهم حتى يأتي الأعداء، فيقاتلوهم إذا أحاطوا بهم واقتربوا منهم، وهذا ذكره ابن القيم في زاد المعاد.
الفائدة الثامنة: جواز تصرف الإمام في بعض أملاك رعيته؛ فيجوز للإمام وقت المعركة ووقت الأزمات أن يتصرف ببعض الأملاك وأن يأخذ بعض الأشياء لمصلحة الجهاد، بشرط ألا يتجاوز الحد في ذلك، أو يضر بالناس ضرراً بيناً، وأخذ ذلك من فعله ﷺ حين مر في مزرعة ذاك المنافق.
الفائدة التاسعة: لا يؤذن للصبيان غير البالغين في القتال؛ وقيل: حد ذلك خمسة عشر سنة، وقالوا: أكثر أو أقل، وقالوا: باختلاف الأشخاص؛ لأن الرسول ﷺ منع بعض الصبيان وأجاز الذين بلغوا منهم، فالصبيان لا يشاركون في المعركة، والجهاد ليس عليهم بواجب، بل يبقون في دورهم ويتعلمون العلم، وليس مرحلتهم مرحلة الجهاد، لأنهم لا يستطيعون الحضور، فعذرهم ﷺ .
الفائدة العاشرة: جواز الغزو للنساء؛ فإن النساء شاركن في معركة أحد، وأفضل من شارك في المعركة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء فقد شاركت فاطمة وأتت إلى أبيها ﷺ فأعطته ماء، وغسلت الجراح عنه، وأحرقت بعض السعف ثم حشته في الجراح.
وحضرت نسيبة الأنصارية وقاتلت حتى يقول ﵊: ﴿ما التفت في جهة إلا وجدتها تقاتل عني﴾ فرضي الله عنها.
وكانت النساء يوم أحد يزفرن القرب، ويملأنها للمقاتلين؛ ولذلك حين أتي إلى عمر ﵁ في خلافته بشيء من الذهب والفضة فأعطى أم سليط وترك نساءه، فقلن له ﵁: تعطي أم سليط وتتركنا؟ قال: إن أم سليط لا أنسى موقفها يوم أحد، كانت تملأ القرب للمسلين، فانظر كيف قدمها ﵁ بهذا وترك نساءه، فرحم الله تلك العظام، وأسكنها فسيح الجنان.
الفائدة الحادية عشرة: قال أهل العلم ومنهم ابن القيم بجواز الاستماتة كما فعل أنس بن النضر، أي: الإقدام على الهلاك والاقتحام في القتل، كما فعل أنس بن النضر، فإنه ألقى درعه وكسر غمد سيفه، واقتحم حتى لقي العدو حاسراُ وفي بعض الآثار: ﴿إن ربك يضحك للعبد يلقى العدو حاسراً﴾ أي: لا درع عليه حتى يقاتل ويقتل، وليس ذلك من الهلكة.
ولذلك لما حضر أبو أيوب الأنصاري ﵁ بمعركة جهة القسطنطينية في بلاد الروم فألقى أحد المجاهدين بنفسه واستمات في المعركة، فقال بعض الناس المتأخرين في الإسلام: أما يقول الله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] قال: لا.
إن التهلكة هي أن يمسك المال أو ألا يقاتل في سبيل الله.
وطلب أبو أيوب من الصحابة أن يدفنوه في آخر بقعة من بقاع المسلمين وأول بقعة من بقاع الكفار، قال: حتى أبعث يوم القيامة من قبري وأنا مسلم بين كفار.
الفائدة الثانية عشرة: أن الإمام إذا أصابته جراحة صلى قاعداً وصلى الناس وراءه قعوداً، وهذه الفائدة أخذها ابن القيم؛ لأن الرسول ﷺ صح عنه أنه في أحد صلى الفريضة إما الظهر وإما العصر قاعداً من كثرة الجراح، وصلى الناس وراءه قعوداً، فإذا كان الإمام الراتب إمام الحي العالم يصلي قاعداً لعذر، فللناس أن يصلوا وراءه قعوداً، وفرَّق بعض أهل العلم فقالوا: إن ابتدأ قاعداً فيبتدئون معه قعوداً، وإن طرأ عليه القعود في أثناء الصلاة فيواصلون قياماً وبسط هذه المسألة في مجال آخر.
الفائدة الثالثة عشرة: جواز دعاء الرجل أن يقتل في سبيل الله ؛ فإن عبد الله بن جحش دعا أن يقتل في سبيل الله، وليس ذلك من تمني الموت المنهي عنه، بل هو من طلب الشهادة وطلب ما عند الله ورضوان الله ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من سأل الله الشهادة بصدق؛ بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾.
الفائدة الرابعة عشرة: أنَّ المسلم إذا قتل مسلماً أو قتل نفسه فهو من أهل النار، إذا قتل المسلم نفسه فهو من أهل النار؛ لأن رجلاً اسمه قزمان حضر معركة أحد، وقاتل فلما أصابته جراحة، لم يصبر ولم يحتسب، فأخذ سيفه وسله واتكأ عليه حتى خرج سيفه من ظهره، فأوحى الله إلى رسوله أحاديث: ﴿بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة﴾ فحرام على المسلم أن يقتل نفسه مهما أصابته الابتلاءات.
الفائدة الخامسة عشرة: أن السنة ألا يغسَّل ولا يصلى على شهيد المعركة، أما التغسيل فمعروف، وأما الصلاة عليه فإنه ورد في آثار عند الطحاوي والنسائي أن الرسول ﷺ صلى على بعض الشهداء، وورد في حديث صحيح أنه ترك الصلاة على بعضهم، قال ابن القيم في تهذيب السنن: الإمام مخير إن شاء صلى وإن شاء ترك، وفي صحيح البخاري أن الرسول ﷺ وقف على شهداء أحد يصلي عليهم كالمودع لهم، قيل: هذا الدعاء، وإلا فإنه لم يصل عليهم في الحال، فالإمام مخير في شهداء المعركة؛ أن يصلي أو يترك، وأكثر أحواله ﷺ أنه ما صلى على شهداء المعركة، لأن الصلاة تزكية والله قد زكاهم.
ومنها: أن الشهيد إذا كان جنباً غسل قاله ابن القيم، لأن حنظلة بن أبي عامر ﵁ كان مع زوجته فلما سمع داعي الله خرج جنباً وباع نفسه، فقتل في المعركة، فقال ﵊: ﴿سلوا أهله ماله؟ قالوا: خرج جنباً ولم يغتسل، قال: والذي نفسي بيده، لقد رأيت الملائكة تغسله بين السماء والأرض في صحاف من ذهب بماء المزن﴾ فاستدل بذلك بعض أهل العلم على أن الجنب إذا عُلم أنه مات جنباً وهو من الشهداء أنه يغسل وقد رجح ذلك ابن القيم.
الفائدة السادسة عشرة: أن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا من أماكنهم؛ لأنها شاهدة لهم عند الله، فلا ينقل الشهيد إلى بلده، بل يدفن في أرض المعركة.
ومنها: جواز دفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، فلما كثر القتلى في أحد قال الرسول ﷺ : ابحثوا أيهم المتحابون في الدنيا فادفنوهم كما تحابوا في الدنيا، يعني: الصديق مع صديقه، والحبيب مع حبيبه، فكانوا يدفنونهم وكان يقول: ﴿التمسوا أيهم أكثر أخذاًَ للقرآن فقدموه تجاه القبلة﴾ فأكثرهم أخذاً للقرآن يقدمونه تجاه القبلة ويدفنون صاحبه وحبيبه معه؛ لأنها روضة نسأل لله أن يوسع علينا وعليكم، ولا توسع إلا بعمل صالح، والجار الصالح مطلوب، كما أن الجار الصالح في الأحياء نعمة من النعم، فكذلك عند الموت، فعلى المسلم أن يلتمس المقبرة التي يدفن فيها حبيبه أو ولده أو صفيه ليكون في سعة، ولا يضره إذا دفن مع فساق، إذا كان عمله صالحاً، وإذا مات صاحبك وعليه بعض المعاصي وهو مسلم، فعليك أن تكثر الدعاء له والصدقة، وأن نكثر له الاستغفار فإنها تصل إليه أحوج ما يكون.
والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشد ويل لعبد عن سبيل الله صد
ومنها: أن من عذره الله في التخلف عن الخروج في المعركة بمرض أو عمى أو عرج، وأبى إلا أن يحضر، فله ذلك وهو مأجور مشكور، لقد عذر الله الأعمى أن يحضر المعركة، ولكن عبد الله بن أم مكتوم قال: لا والله! إن الله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] وأنا ثقيل والله لأنفرن، فحضر معركة القادسية وهو أعمى وبقي يحمل الراية حتى قتل في سبيل الله.
ومنها: أن المسلمين إذا قتلوا واحداً منهم يظنونه كافراً فعلى الإمام ديته، ولذلك كان أبو حذيفة بن اليمان ﵁ مسلماً، وظنه المسلمون من المشركين، فاجتمعوا عليه فقطعوه بالسيف، فقال حذيفة: يغفر الله لكم فقال ﷺ : أدفع ديته لك، قال حذيفة لا.
غفر الله لكم، فما زالت بقية الخير في حذيفة حتى لقي الله.
ومنها: استخراج عبودية الله لأوليائه في السراء والضراء، فالله ابتلاهم بالسراء ليشكروا، وابتلاهم بالضراء ليصبروا.
ومنها: أن معركة أحد كانت مقدمة لموته ﷺ ، ودرساً شهيراً، فقد نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] ثم مات ﵊ فثبتوا؛ لأن الله أعطاهم في أحد درساً لا ينسونه.
стр. 7285
النعاس في الخوف والحرب نعمة
ومنها: أن النعاس في الخوف والحرب نعمة، وفي الصلاة ومجالس الذكر غفلة، ففي معركة أحد لما أراد الله أن يمن على الرسول ﷺ وعلى الصحابة، أصابهم نعاس حتى سقط سيف أبي طلحة من يده كما قال أنس قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١] أي: سكينة وهدوءاً، وراحة لقلوبكم، فهو في الخوف والحرب أمنةٌ وهدوءٌ من الله، ولكنه في الصلاة وفي مجالس الذكر من الشيطان.
ومن تمام ثبات قلب المؤمن أن ينعس في المعركة، ومشاهير الشجعان في الإسلام كانوا ينعسون وسط المعركة علامة على قوة قلوبهم، وقد ذكر ابن كثير عن شبيب بن يزيد الخارجي البطل الكبير وهو من قوادهم ما سمع بأشجع منه بعد الصحابة، يقول ابن كثير في البداية والنهاية: كان في ستين رجلاً يلقى ثلاثة آلاف فيهزمهم، وكان ينعس قبيل المعركة على بغلته، وهذا من شجاعة قلبه ومن حماسته ينعس والصفوف أمامه، حتى إن زوجته واسمها غزالة، دخلت الكوفة، فأرهبت الكوفة كلها، والحجاج كان أمير الكوفة في عهدها، فلما دخلت من باب الكوفة الشرقي خرج هو من الغربي، فدخلت بعمود في يديها تضرب باب الإمارة وتقول للحجاج: اخرج يا عدو الله، ثم ارتقت المنبر منبر الجامع، فخطبت خطبة، فيقول أحد المسلمين للحجاج: يا ذليل تقتل علماء المسلمين وتقتل ضعفاء المسلمين، ولما أتت غزالة الخارجية هربت منها.
أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى أم كان قلبك في جناحي طائر
ونسأل الله لنا ولكم الهداية، ونسأله أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، ونسأله أن يتولانا في الدارين، وأن يفقهنا في دينه، وأن يسدد خطانا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7286
خصائص الجمعة
الجمعة عيد المسلمين، وهي خير أيام الأسبوع، ولذا اختصت بخصائص ليست لغيرها من الأيام، وسن لها بعض الآداب، وهناك عشرون خصيصة من خصائصها، مفصلة في هذا الدرس من خلال شرح أحاديث من صحيح البخاري في أبواب تتعلق بالجمعة.
стр. 7287
حياة عبد الله بن المبارك
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فإن من أعظم القضايا التي يلتمسها المؤمن ويبحث عنها في تدبر كتاب الله ، وفي قراءة سنة رسوله ﷺ قضية الهداية، وكيف ينقذ الإنسان نفسه من غضب الله وعذابه ولعنته.
ولأن رجال صحيح البخاري هم ممن عرفوا الله ، كما قال أهل العلم: كل من روى له البخاري فقد تجاوز القنطرة لذلك فقد أثرنا أن نقف في هذا الدرس، مع رجل طالما مر معنا في كثير من الدروس، وفي بعض الأحيان نتعرض له وفي بعضها نهمل ذكره استعجالاً أو لضيق الوقت، وهو عبد الله بن المبارك ﵁ وأرضاه وكثرة ترداد هذه التراجم لا تمل، بل كان هذا منهج كثير من أهل العلم: أنهم إذا أرادوا أن يشرحوا حديثاً، أو أرادوا أن يعرضوا درساً للناس، بدءوا بذكر الصالحين في مقدمة درسهم.
قال أبو حنيفة ﵀: سير الرجال -أي: أخبار الرجال الصالحين- أحب إلينا من كثير من الفقه.
وقال مجاهد ﵀: القصص جند من جنود الله يسلطها الله على من يشاء.
стр. 7288
ابن المبارك وطريق الهداية
هذا الرجل - عبد الله بن المبارك - هو مثل لكل شاب يريد الله والدار الآخرة، أو لكل رجل أسرف في أول عمره أو أخطأ، ثم أراد أن يراجع حسابه، وأراد أن يعيد نفسه إلى الله ﵎.
عاش حتى بلغ السابعة والعشرين من عمره، وكان يصلي كما يصلي كثير من الناس، لكنه ما كان يعيش مع الإسلام في ليله ونهاره، ما كان يشغل أوقاته بطاعة الله بدقائقها وثوانيها وأنفاسها مع الله ، فلما أراد الله أن يوقظ قلبه، وكان مع عصابة من القرناء الذين يريدون أن تكون الحياة معبراً للذات والشهوات، جلس في شمال إيران، وكانت هناك حديقة قريبة من منزله، فسمر مع هؤلاء القرناء، فلما انتهى من سمره نام، وكانت تلك الليلة ليلة مباركة أراد الله أن يوقظ قلبه، فسمع أن هاتفاً يهتف ويقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون١١٥ - ١١٦].
فاستفاق وعلم أنه مقصود بالخطاب، وأنه مدعو إلى الجواب، فقام من تلك الليلة وبدأ حياة جديدة مع الله ، حياة التفقه في دين الله، وتدبر كتابه، والتزود بالنوافل؛ ففتح الله عليه، وعاهد الله عهداً أوجبه على نفسه ولم يوجبه غيره من الناس عليه؛ ولذلك يقول ابن تيمية: إن الحق الذي يذكره الله في كتابه كقوله : ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] أوجبه الله على نفسه ولم يوجبه أحد من الناس عليه؛ فحق عليه ﵎ أن من طلب الهداية وأراد الخير أن يهديه، فهدى الله هذا الرجل؛ فاستنار قلبه.
стр. 7289
خوف ابن المبارك من الله وإنفاقه في سبيل الله
قال أحد تلاميذه: سافرنا معه إلى الحج، فجلسنا في ليلة ظلماء فانطفأ السراج، فذهبنا نلتمس سراجاً، فعدنا إليه، وإذا بدموعه تنهمر على لحيته، فقلنا: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: لما تركتموني في هذه الغرفة تذكرت القبر والله.
وقال الإمام أحمد: إن ابن المبارك رفعه الله بخبيئة من الخشية في قلبه.
وكان مع ذلك قد رزقه الله بسطة في المال والمال لا يحاربه الإسلام كما يظن كثير من العباد أو الزهاد أو المتصوفة، بل إن الإسلام يستثمر المال ويوجهه في طرق الخير، وكان كثير من الصحابة يشتغلون بالتجارة وبالغنى، لكنهم ينفقون أموالهم في سبيل الله.
بلغ من عطائه أنه كان يدعو القافلة ليحجوا، وينفق عليهم مما آتاه الله، حتى إنه في يوم من الأيام مر بقرية من قرى العراق وهو حاج؛ فوجد امرأة خرجت من بيتها فوجدت دجاجة ميتة في زبالة، فأخذتها فقال لغلامه: اذهب وراءها واسألها، فلما ذهب وسألها قالت: ما لنا طعام منذ ثلاثة أيام إلا ما يلقى من الأموات في هذه المزبلة.
فلما عاد وأخبره دمعت عيناه، وقال: نحن نأكل الفالوذج والناس يأكلون الميتة من المزابل! والله لا أحج هذه السنة، واذهبوا بقافلتي هذه إلى أهل هذه القرية، فرد القافلة بأحلاسها وأقتابها وجمالها وبما عليها من متاع وطعام، ووزعها على أهل القرية، وعاد إلى خراسان ولما نام أول ليلة هناك رأى في منامه قائلاً يقول: حج مبرور وذنب مغفور وسعي مشكور.
وله قدم ثابتة في الجهاد عرفتموها في بعض المناسبات، أو من قراءتكم واطلاعكم وله كذلك وفاة حميدة وخاتمة حسنة، يقول غلامه: لما حضرته الوفاة رأيته يتبسم وهو في سكرات الموت، قلت: ما لك؟ قال: لمثل هذا فليعمل العاملون.
هذا هو عبد الله بن المبارك الذي يروي عنه البخاري ويقول: حدثنا عبدان -تلميذ عبد الله بن المبارك - قال: حدثنا عبد الله بن المبارك.
стр. 7290
عمر يسأل الناس عن سبب تأخرهم عن الجمعة وهو على المنبر
مازلنا في كتاب الجمعة الذي أجاد البخاري كل الإجادة في ترتيب أبوابه على عادته ﵀، يقول: (باب).
ثم سكت ولم يأت بباب، وقد أكثر البخاري أن يبوب ثم لا يأتي بترجمة، وكأنه -والله أعلم- أراد أن يبيض الكتاب فلم يتسن له، أو أراد أن يفصل بين الأبواب، أو أراد ترجمة ثم تركها وأهملها وأبهمها لأنها تفهم من الحديث.
عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: بينما عمر ﵁ يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة؟ فقال الرجل: ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت.
فقال: ألم تسمع النبي ﷺ يقول: ﴿إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل﴾ وهذا الرجل المبهم الذي دخل وعمر يخطب الناس هو عثمان ﵁، ولم يذكر في هذا الحديث ستراً عليه؛ لأنه ليس في مقام محمدة، فقد تخلف عن الجمعة، وليس من محمدة المحدثين أن يقولوا: دخل عثمان وتخلف عن صلاة الجمعة؛ إنما يقولون: دخل رجل؛ فالعبرة بالقصة وبالمعنى لا باسم الرجل، فليس فيه فائدة.
وفي هذا الحديث مسائل.
стр. 7291
التبكير للجمعة والغسل لها
المسألة الأولى: طلب التبكير من عمر لـ عثمان رضي الله عن الجميع؛ فإن عمر ﵁ وأرضاه أنكر على عثمان بن عفان تأخره.
المسألة الثانية: التوضؤ والغسل للجمعة.
واعلم أن الغسل سنة مؤكدة، بل إن بعض أهل العلم من أهل الظاهر وغيرهم أوجبوه، وقد جاء في ترجمة سهل بن عبد الله التستري وهو من عباد الله الصالحين، وكان من رآه ذكر الله والدار الآخرة، عاش في القرن الثالث دخل على أبي داود صاحب السنن فقال: أسألك يا أبا داود مسألة.
قال: سل.
قال: أن تلبي لي ما أسألك.
قال: ألبي لك إن شاء الله.
قال: مد لي لسانك، فمدها فقبلها وقال: هذه لسان تكلمت بحديث رسول الله ﷺ .
وقيل له: إلى متى يحمل طالب العلم المحبرة؟ قال: إلى أن يوضع رأسه في المقبرة.
وقال -وبعض أهل العلم كـ الغزالي يرفع هذا الحديث وليس بمرفوع- قال: [[مداد العلماء خير عند الله من دماء الشهداء]].
يعني الحبر الذي يكتبون به.
وليس كل طالب علم -نسأل الله السلامة والعافية- فإنه هو الذي يطلب العلم للدار الآخرة ولتقوى الله، أما الذي يطلبه للشهادة فمداده أرخص من الماء.
الشاهد: أنه خرج لصلاة الجمعة فانقطعت حذاؤه؛ فقال: الله المستعان! إنا لله وإنا إليه راجعون! لم أغتسل هذا اليوم؛ وعاد فاغتسل.
ويعلق بعض أهل العلم ويقول: إن الله ينبه هؤلاء على أخطاء بسيطة تصدر منهم ليتنبهوا، وبعض الناس يرتكب من الجرائم كالجبال ولا ينبه عليها؛ لأنه عمي عن الطريق المستقيم.
стр. 7292
كلام الخطيب مع المأمومين
المسألة الثالثة: كلام الخطيب مع المأمومين؛ فللخطيب أن يتكلم وله أن يرد وأن يجيب، ولذلك اشترط بعض أهل العلم؛ خاصة من المفكرين في العصر الحديث كـ أبي زهرة في كتاب الخطابة: أن يكون الخطيب سريع البديهة؛ لئلا يرتبك في الخطبة؛ وألا يتكلم مع أحد فيضيع الخطبة فإنه اشترط هذا الشرط، وهذا الشرط ليس وارداً عند أهل العلم، وإنما هو من باب الملح والطرف.
وقد دخل أعرابي والرسول ﵊ يحدث أصحابه، وكان أمام الرسول ﷺ ما يقارب ألف رجل، والرسول ﷺ يواصل إسداء المعاني، ويواصل إعطاء الناس من القوة الروحية التي ما أعطاها الله بشراً إلا محمداً ﷺ ، فيأتي هذا من جهله ومن جفائه، ثم يقف وسط الناس فينظر إلى الرسول ﷺ ، ثم يقول: يا رسول الله! متى الساعة؟ فلم يقطع رسول الله ﷺ حديثه فيعيد الرجل سؤاله ماذا يقول الرسول ﷺ في الجواب؟ إن قال: الساعة لا أدري بها؛ قطع على الناس حديثهم.
وإن قال: اجلس واسكت، كانت هذه من الفظاظة والغلظة التي برأه الله عنها فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]
وإن أجابه الرسول ﷺ ؛ قطع حديثه الذي كان يتكلم فيه مع ألف رجل، وترك الموضوع الذي كان يتكلم عنه؛ لأجل أن يتكلم عن هذه القضية فسكت ﷺ ، وما كأنه سمع.
قال أبو هريرة: فقال بعضنا: سمع ما قال فكره ما قال.
وقال بعضنا: بل لم يسمع؛ لأن الرسول ﷺ ما تلعثم ولا تغير ولا التفت، فلما انتهى ﷺ من حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ فقال: أنا يا رسول الله.
فخطأه في السؤال؛ لأن من جواب الحكيم أن يعرض عن سؤال ورد لا فائدة فيه لتفاهته وسخفه، وأن يأتي بجواب هو أملح وأصلح، كأن يقول: لم تسأل عن هذا؟ ولذلك يقول الله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] أي: كيف يبدو صغيراً ثم ينحني، ثم يبدو ضئيلاً ثم يكبر حتى يتضخم، ثم يعود كذلك؟ فما الفائدة من هذا السؤال؟! قال الله : ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].
أي لماذا لا تسألون عن فائدة الأهلة؟ فالجواب هو هذا الجواب.
فقال الرسول ﷺ : ﴿ماذا أعددت لها؟ -والشاهد سوف يأتي- قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكنني أحب الله ورسوله.
فقال: المرء يحشر مع من أحب﴾.
وقطع الرسول ﷺ حديثه للرجل الأعرابي الذي دخل من نحو دار القضاء، فقال هذا الأعرابي: يا رسول الله! هلكت الأموال، وتقطعت السبل، وجاع العيال؛ فادع الله أن يسقينا.
هذا كلام في محله، وإن أخر الرسول ﷺ هذا فإنه لا يمكن أن يتأخر عن صلاة الجمعة، وهي مناسبة عبادة، وإن قال له: اجلس؛ جفاه كذلك، وإن تكلم في موضوع الاستسقاء فليس الحديث موضوع محاضرة تلقى على الناس؛ فقطع رسول الله ﷺ الخطبة مباشرة ورفع يديه وقال: ﴿اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا﴾.
الوقت في الصيف والناس في شدة حرارة، حتى يقول أنس: والله ما في السماء من سحابة ولا قزعة، والشمس تتوهج في الصيف وقد هلك الناس، فلما قال ﵊ هذا -وكان المسجد شماسياً، يرون ما خلفه- ثارت سحابة كالترس، فارتفعت هذه السحابة، قال أنس: والله لقد ثارت مثل الجبال.
وهو في الخطبة بعد أن استسقى ﷺ ثارت كالجبال حتى غطت سماء المدينة، ثم نزل الغيث والرسول ﷺ على المنبر، فأخذ الماء يتحدر من السقف ويصب على جبينه الطاهر الذي كأنه البدر.
يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظرا
فأخذ الرسول ﷺ يتبسم وهو في خطبته من هذه المعجزة التي شهدها أكثر من ألف ونقلت إلينا بالتواتر فلعن الله الملحدين أنى يؤفكون!
وكان ﷺ يخطب فدخل رجل اسمه سليك الغطفاني فلم يصلِّ، فقطع ﷺ خطبته وقال: ﴿أصليت؟﴾ وهذا من الأدب؛ لاحتمال أنه قد صلى، ولذلك فأهل العلم يعتبرون الاحتمال حتى لا يكذب الصادق، ولذلك يقول سليمان ﵇ للهدهد: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين.
ولم يقل: أكذبت أم أنت من الصادقين، وهذا من حسن الظن بالصاحب.
يقول ابن القيم عن قصة سليمان ﵇ والهدهد في بدائع الفوائد: على المسلم ألا يستنكف من طلب العلم؛ فإن الهدهد عرض كلمة على سليمان وتواضع سليمان ﵇، حتى قال له بزعم وقوة: جئتك من سبأ بنبأ يقين، فما تكبر سليمان وما زها ﵇.
الشاهد أن الرسول ﷺ أقامه فصلى ركعتين فهذه مسألة الكلام من الخطيب إلى المأموم ومن المأموم إلى الخطيب.
وقد مر معنا ولا بأس بإعادته مرة ثانية لحسنه.
أعد ذكر نعمان لنا إنَّ ذكره كما المسك ما كررته يتضوع
وقف عمر ﵁ على المنبر يخطب الناس فقال: أيها الناس، اسمعوا وعوا.
فقام سلمان ﵁ وقال: والله لا نسمع ولا نعي.
قال: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: ألبستنا ثوباً ثوباً، ولبست أنت ثوبين! لأن عمر كان يوزع الثياب التي كانت تأتيه من اليمن، وكان عمر رجلاً طوالاً جسيماً، فأعطى الصحابة ثوباً ثوباً، ولما لم يكفه هذه الثوب أخذ ثوب ابنه عبد الله بن عمر الذي هو حصته مع المسلمين؛ فقال: لا يرد عليك إلا ابن عمر، قم يا عبد الله، فقام عبد الله فرد على سلمان، فقال سلمان لما سمع
الجواب
الآن قل نسمع وأمر نطع.
فقال عمر: أرأيتم لو انحرفت عن الجادة ما كنتم فاعلين؟ فقام أعرابي من طرف المسجد وسل سيفه وقال: والله يا أمير المؤمنين، لو قلت كذا لقلنا بالسيوف هكذا، فتبسم عمر وقال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من إذا قال كذا برأسه قالوا بالسيوف هكذا.
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
стр. 7293
معرفة حقوق أهل الفضل ورعاية حرماتهم
المسألة الرابعة: أهل الفضل أحق بالفضل.
فإن عمر ﵁ استنكر على عثمان، أي أنت عثمان وتأتي في هذا الوقت؟! يقول القائل:
لا تضع من عظيم قدر وإن كنت مشاراً إليه بالتعظيم
فالعظيم العظيم يصغر قدراً بالتحري على العظيم الكريم
فـ عمر ﵁ عرف أنه عثمان، ولو كان أعرابياً لما قال له عمر: أأعرابي وتأتي في هذا الوقت؟! حتى لو أنه أتى بعد الصلاة لما كان ليقول له عمر هذا، ولذلك يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فقال لـ عثمان: تأتي في هذا الوقت؟! ليتك لست بـ عثمان!! ولذلك يقول الله : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠] وذلك لأنها امرأة النبي ﷺ ، فالشهير العظيم المحترم يكبر منه الذنب، ولكن الحسن كذلك يتضاعف منه، يقول : ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣١] فيضاعف لها الأجر.
стр. 7294
التطيب والادهان يوم الجمعة
ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: باب الدهن للجمعة.
وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﵌: ﴿لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهن أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى﴾.
стр. 7295
سند الحديث وترجمة رجاله
أولاً: رجال السند: قال البخاري: (حدثنا آدم) وهو آدم بن أبي إياس؛ جاء رجل إلى الفضل بن دكين وطرق عليه الباب، فقال: من؟ قال: رجل من ذرية آدم؛ فخرج وعانقه وقال: ما ظننت أنه بقي من ذرية آدم في الدنيا أحد!
(قال: حدثنا ابن أبي ذئب) هو الإمام الشهير، قرين الإمام مالك، كان من أقوى الناس، ويقولون: إنه كتب موطأً -والله أعلم- أراد أن ينافس به الإمام مالك، فقال الإمام مالك: ما كان لله سيبقى.
كان ابن أبي ذئب يكتب إلى الإمام مالك بالعزلة، ويوصيه بالقوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان من قوة ابن أبي ذئب أنه دخل على أبي جعفر المنصور وقيل إنه طاووس، وأبو جعفر هذا يقول فيه الإمام أحمد: جبار الدنيا، ما كان يستطاع أن يتكلم بين يديه فقال له أبو جعفر: ناولني هذه الدواة يا ابن أبي ذئب كانت الدواة على ماسة هناك، والخليفة أمير المؤمنين أبو جعفر جالس هنا، وابن أبي ذئب عالم المسلمين بينهما، فقال: والله لا أناولك الدواة.
قال: ولم؟ قال: إن كنت تكتب باطلاً فلا أكون شريكاً لك في الباطل، وإن كنت تكتب حقاً فلست بخادم لك؛ فأرسل من أخذها وأتى بها.
يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: دخل المهدي بن أبي جعفر المنصور المدينة -وهذه قصة معروفة- فلما دخل المسجد قام الناس جميعاً في المسجد؛ لأنه من بني العباس، ومعه أمراؤهم وعلماؤهم، وهو الخليفة، فلما دخلوا قام الناس كلهم إلا ابن أبي ذئب فما تحرك وكان ماداً رجله، فأتى المهدي فسلم عليه وقبل بين عينيه؛ لأنه كبير في السن وشيخ ومحدث وعالم وزاهد، وقال: لم لم تقم لي وقد قام الناس لي؟ قال: أردت أن أقوم لك وتحفزت وتهيأت فتذكرت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فتركت القيام لذلك اليوم.
فقال المهدي: والله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت.
قال: (عن سعيد المقبري) وهذا من مشايخ أهل المدينة ومن التابعين الكبار، وكان فيه عرج ولكنه من العباد الصالحين؛ كان يقوم من وسط الليل يصلي حتى الفجر، فتظن ابنة جاره إذا خرجت أنها خشبة منصوبة على السقف، فما انتقل من جيرتهم إلى بيت آخر قالت لأبيها: يا أبتاه! أين الخشبة التي كانت على بيت جارنا؟ قال: هذا المقبري، انتقل إلى بيت آخر، وما كان ينام كما تنامين (أو كما قال).
قال: (أخبرني أبي عن ابن وديعة) وابن وديعة ليس من المشهورين المكثرين؛ ولذلك فترجمته قصيرة.
(عن سلمان الفارسي) الباحث عن الحقيقة، رجل الحق الذي تمرس في الأديان وجربها في أرض الواقع، وخرج بنتيجة لكل عاقل إلى قيام الساعة؛ وهي أنه لا فلاح للإنسان إلا بهذا الدين.
دخل مع المجوس في نارهم، ودخل مع النصارى في عبادتهم، واستقرأ أخبار اليهود، وفي الأخير أتى إلى محمد ﷺ .
قواصد كافور توارك غيره ومن قصد البحر استقل السواقيا
وأكرم الله محمداً ﷺ عن كافور.
وفي الحديث مسائل:
стр. 7296
التجمل والتنظف للجمعة
المسألة الأولى: ما هو الغسل؟ وماهو التطيب؟ وما هو التدهن؟ وما هو التنظيف؟ ألا تتداخل هذه الجمل؟
قال ابن حجر: لا تتداخل.
الغسل غسل الجسم، والتطهير تطهير الرأس، والتنظيف بأخذ الشعر والظفر من الجسم، والدهن إزالة شعث الرأس والتزين للجمعة، والطيب تغيير رائحة الجسم فهذه المعاني التي يريدها ﷺ .
وكان من هديه ﷺ أن يلبس للمناسبات حقها ولبوسها فإن كان ﷺ جالساً مع أصحابه لبس ﵊ ما تيسر من لباس، وإن أتى في الجمعة لبس الفاخر، يقول ابن عباس: [[خرج ﷺ يوم العيد في حلة حمراء، فوالله ما رأيت أجمل منه]].
ويقول البراء بن عازب: ﴿صلى بنا ﷺ في حلة حمراء ورأيت ساقيه كالجمارتين (قلب النخلة) من البهاء؛ فقرأ بنا والتين والزيتون، فوالله ما سمعت صوتاً أحسن من صوته﴾ وقد قيل:
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها
وفي المعركة يلبس درعاً وربما لبس درعين ولذلك كان ﷺ سيد المتوكلين وأعرف بحقائق الأمور، فمن أراد أن يقتدي فعليه بمحمد ﷺ في لباسه وفي طعامه وفي شرابه.
وهديه في الجمعة أنه كان يلبس أفخر اللباس، حتى أنهم أهدوا إليه حلة لما رأوا منه العناية بلباس الجمعة -ولكنه حرمها- وقد كانت ترعد وتبرق وتزبد من حسنها ومن منظرها ومن زخرفتها، والصحابة ما كانوا يعهدون هذه الألوان رضوان الله عليهم، بل كانوا في فقر وفي حاجة ومشقة، وأما هذه فإنها لباس الملوك، فأتوا يلمسونها ويمشون أيديهم وأصابعهم عليها، فأخذ الرسول ﷺ يتبسم، وعلم أن الدنيا تافهة وقال: ﴿أتعجبون من هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه﴾.
سعد بن معاذ هو الشهيد الكبير الذي اهتز له عرش الرحمن؛ أبو عمرو
وما اهتز عرش الله من موت هالك سمعنا به إلا لـ سعد أبي عمرو
يقول ﵊: أتعجبون من هذه؟ لمناديل المخاط التي ربما يبصق فيها -إن كان لأهل الجنة بصاق- أو يمسح -إن كان له عرق وهو الجشاء- فمناديله أحسن من هذه التي تفتخرون بها ثم أتت المناظرة الأدبية التي مرت معنا في السير.
إنما كان ﵊ يلبس لباس الجمال، والذي أدعوكم في هذا الموقف إلى أن نجعل أحسن لباس للجمعة وقد مر هذا، واللباس الجميل هو ما تعارف عليه الناس في أي بلد أنه جميل، فعندنا هنا أن اللباس الجميل هي الثياب والبشت؛ فالإنسان إذا أتى الجمعة يلبس الجميل ولا ينبغي أن يختار لحضور المحافل لبس الجميل، وإذا أتى إلى الجمعة لبس الثوب العادي أو ثوب النوم.
стр. 7297
تخطي الرقاب
وفي الحديث: كراهية تخطي رقاب الناس، ويدل عليه قوله في الحديث: ﴿فلا يفرق بين اثنين﴾ ورأى ﷺ رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له: ﴿اجلس فقد آذيت﴾.
وفي لفظ: ﴿اجلس فقد آنيت﴾.
أي: تأخرت وآذيت الناس.
فالتخطي ممنوع، قال الإمام مالك: ليس التخطي ممنوعاً إلا إذا وقف الخطيب على المنبر، وأما قبل ذلك فله أن يتخطى.
وقال الشافعي: من كان له مكان لا يبلغه إلا بالتخطي فله أن يتخطى، وقال: إن كان له منزلة في الإسلام فله أن يتخطى.
والصحيح أنه لا يتخطى رقاب الناس، لا يتأخر ويبقى في بيته ويضيع بركة الوقت وأجر التبكير، ثم يأتي ويضر الناس ويتقدم عليهم هذا خطأ يخالف العقل والنقل.
стр. 7298
النافلة يوم الجمعة
مشروعية النافلة قبل الجمعة.
وهذه مسألة عويصة؛ لأنها لم تنقل لنا بحديث، وابن تيمية يرى أنه يصلى قبل الجمعة، ولا أعلم في ورود الصلاة في المسجد قبل الجمعة حديثاً صحيحاً، أو أن الرسول ﷺ أمر بها، وإنما أمر بالصلاة أربعاً بعد صلاة الجمعة كما سوف يأتي، وأما قبلها فقال ابن تيمية: هي من الأوقات التي يصلى فيها؛ فإن الصلاة الممنوعة هي حين يقوم قائم الظهيرة قبل الزوال؛ فهذا نهى عنه الشارع الحكيم، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عقبة بن عامر: ﴿نهانا ﵊ أن نصلي في ثلاث ساعات وأن نقبر فيهن موتانا وذكر منها: وحين يقوم قائم الظهيرة﴾ أما يوم الجمعة فلك أن تصلي ولو قام قائم الظهيرة؛ يقول ابن تيمية: لأن الناس ما كانوا يخرجون من المسجد ليروا هل قام قائم الظهيرة أو زالت الشمس، بل يصلون حتى يدخل الخطيب.
وأما جواز النافلة نصف النهار يوم الجمعة، وهي تتداخل مع تلك؛ لكن هذه مطلقة، أي أن النافلة المطلقة واردة ومشروعة، لقوله ﷺ : ﴿ثم صلى ما كتب له﴾ أي: قبل الجمعة؛ وجواز النافلة نصف النهار تقتضي أنه لا نهي ولا كراهة في الصلاة في هذا الوقت.
السؤال
بعض الناس يدخل المسجد فيصلي ركعتين ثم يقرأ القرآن؛ فإذا ظن أن الخطيب قد اقترب قدومه وقف وصلى.
فما الحكم؟
الجواب
هذا جائز ووارد؛ لأنه يدخل في عموم قوله ﵊: ﴿ثم صلى ما كتب له﴾ فالوقت وقت صلاة ولا كراهية فيه.
стр. 7299
تكفير الذنوب بالحضور يوم الجمعة وشروط ذلك
وأما التكفير للذنوب فمشروط بما تقدم من الغسل والطيب كما قاله أهل العلم؛ لأنها كفارة كما قال ﷺ : ﴿إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى﴾ أي: غفر له لأنه اغتسل وتطيب وتدهن ولبس وبكر، ولم يتخط رقاب الناس، ودنا من الإمام وأنصت؛ فهذه كلها تقتضي أن تكفر له ذنوبه.
أما إذا تأخر ولم يغتسل ولم يتطيب ولم يتنظف، وتخطى رقاب الناس، وآذى ولم ينصت؛ فهل تحصل له الكفارة؟ لا فإن مفهوم الشرط معتبر عند أهل العلم، فإن الرسول ﷺ شرط هذا بهذا.
وقال ابن حجر: مفهوم الشرط معتبر؛ فلابد من تحصيل هذه الأمور؛ ليكفر الله عنه ما بينه وبين الجمعة الأخرى.
وأما هل تدخل فيها الكبائر؛ فإن الشيخ عبد العزيز بن باز يعلق على هذا؛ لأنه يرد على الشافعية الذين يرون أن الأمر مطلق، والصحيح -كما هو رأي الجمهور- أنها تكفر الصغائر، أما الكبائر فلا تكفر إلا بالتوبة والاجتناب، يقول ﵊ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: ﴿الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة؛ كفارات أو مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر﴾
وفي حديث عثمان في صحيح مسلم: ﴿ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله﴾
لكن هنا إيراد أورده ابن حزم الظاهري صاحب المحلى: وهو من لم تكن عنده صغائر فماذا يفعل به؟
الجواب
يكفر بها من الكبائر، وهذا رأي لـ ابن حزم.
فمن ليس عنده صغائر ولا كبائر يرفع الله به درجاته ويعظم ثوابه.
وليس المهم من الإيراد أن يكون واقعاً؛ فإنه قد تورد قضايا، لكن المقتضى ليس وارداً، المقتضى شيء آخر غير الإيراد، أن نورد قضية ثم نقول من مقتضاها كذا، ولذلك يقول ابن تيمية عن أبي حامد الإسفرائيني: يركب الفتوى لأنه يقول: من فعل كذا فأصبح كذا فصار كذا فهو كذا.
فهذا تركيب الكلام على الكلام بالمقتضى، إنما المهم أن نعرف الأحكام لو وقعت، وسواء وقعت أم لم تقع، فـ ابن حجر ناقش هذه المسألة؛ مسألة: لو لم يكن عنده صغائر ولا كبائر.
وقال: يرفع من درجاته.
ثم هل تكفر الصغائر بصلاة الجمعة وعند صاحبها كبائر؟
الجواب
المسألة فيها قولان: فأصحاب القول الأول قالوا: هذا قيد، ومعناه: إذا انتهى من الكبائر في هذا الأسبوع، وإن كان له كبائر من قبل وهذا فيه تكلف، والصحيح -والله أعلم- أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر، وأن التوبة لابد فيها من اجتناب الكبائر، ولكن يبقى عندنا إشكال وهو في قول الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]
فالله يقول: إذا اجتنبتم الكبائر كفرنا عنكم الصغائر، لا بالجمعة ولا بالصلاة، والشرط في تكفير الصغائر هنا هو اجتناب الكبائر، فكيف تكفر صلاة الجمعة هذه الصغائر وقد كفرت باجتناب الكبائر؟
الجواب: من عنده كبائر تكفر الجمعة عنه الصغائر، أما الذي ليس عنده كبائر فكفر الله سيئاته بغير الجمعة هذه مسائل الكبائر والصغائر، وليس هناك نص في الباب، ولكنه استطراد لقوله: ﴿غفر له ما بين ذلك﴾.
стр. 7300
آداب الجمعة وخصائصها
أما آداب الجمعة وسننها، فالسنن العملية والخصائص عشرون خصيصة، يزاولها الإنسان يوم الجمعة، وأورد ابن القيم الكثير في زاد المعاد، لكن نكتفي بالأمور التي صحت فيها أحاديث، أو هي عملية يحتاجها المؤمن في الحياة.
стр. 7301
خصائص تتعلق بالتهيؤ والتنظف وهي سبع
الخصيصة الأولى: الغسل يوم الجمعة؛ وقد مر الكلام عنه واختلاف أهل العلم فيه، وقلنا: إنه سنة مؤكدة.
الثانية: الطيب.
ومن لم يجد طيباً فعليه أن يتطيب من طيب أهله؛ كما قال ﵊، والعجيب أن الرسول ﷺ يوم الجمعة كان يتطيب على ما آتاه الله تعالى من طيب، وسواءً تطيب أم لم يتطيب فهو طيب، فقد جاء في حديث أم حرام بنت ملحان لما دخل ﵊ ونام في بيتها، فجمعت عرقه من جبينه ﷺ في قارورة وقالت: هو أطيب الطيب.
ويقول أهل العلم: كان عرقه ﷺ يتحدر كالجمان -أي الدر- وكان يوجد منه الطيب سواء تطيب أم لم يتطيب.
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
والطيب من أشرف خصال الرجل، وهو زكاة للنفس ورفعة للروح وانشراح وبسطة، وورد في بعض الآثار التي لا تصح: ﴿لو أتلف الإنسان نصف ماله أو ثلث ماله في الطيب لكان حسناً﴾.
ومن حرصه ﷺ على الطيب أن خصص أحد الصحابة وهو نعيم ليجمر المسجد فكان يفوح من المسجد، وكانت العرب تتمادح بطيب الرائحة، يقول الأول:
رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب
فهم يمتدحون بطيب الرائحة وبحسنها.
الخصيصة الثالثة في هذا الحديث: الدهن.
وهل هو الدهن المعروف لدينا أم غير ذلك؟ يقول ابن حجر: الدهن إما الطيب وإما الدهن المعروف السائر.
ولكن كأن الظاهر من الحديث أنه هو الطيب.
الخصيصة الرابعة: السواك.
قال ابن القيم: له ميزة يوم الجمعة على غيره من الأيام، وقد ورد في السواك أحاديث لو جمعت لأصبحت مجلداً بتحقيقها وتخريجها وشرحها.
يقول ﵊: ﴿السواك مرضاة للرب مطهرة للفم﴾ كما عند النسائي وابن خزيمة، ويقول: ﴿لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء﴾ أو ﴿عند كل صلاة﴾ ويقول حذيفة: ﴿كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل شاص فاه بالسواك﴾.
ويقول ﷺ : ﴿أكثرت عليكم في السواك﴾ ويقول: ﴿لقد تسوكت حتى خشيت على أسناني﴾ فكانت أسنانه كالبرد من كثرة ما يتسوك ﵊، وخصص أحد أصحابه وهو ابن مسعود ليجتبي له سواك أراك، فكان يصعد الشجر ويأخذ له منها سواكاً.
وقد جاء في القصة: أن الريح هزت الشجرة وابن مسعود على أغصانها، كأنه عصفور من دقة جسمه، فتضاحك الصحابة، فقال ﷺ : ﴿أتعجبون من دقة ساقيه؟! إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾.
أو كما قال ﵊.
ويقول أبو الدرداء لأحد رواة الحديث من أهل العراق: أليس منكم صاحب النعلين والسواك والوساد؟
فيوم الجمعة يستحب -بل يتأكد كثيراً- أن يتسوك المسلم وأن يكثر من السواك فيه؛ لأنه مطهرة للفم مرضاة للرب، وعدد ابن القيم من فوائده ما يقارب اثنين وثلاثين فائدة، وابن حجر يوافق على ثمانية عشرة، وأما بعضها فمحتمل وليس ظاهراً.
ومن الخصائص كذلك: غسل الرأس، فإن غسل الرأس عند أهل العلم شيء وغسل البدن شيء آخر، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة: ﴿حق على كل مسلم أن يغتسل في الأسبوع مرة يغسل فيها رأسه وبدنه﴾ ففصل ﷺ بين الرأس والبدن، ولو قال: يغسل جسمه.
لاحتمل دخول الرأس فيه، ولكن أكده ﷺ بغسل الرأس.
فمن الميز أن يغسل المسلم يوم الجمعة رأسه، وأقل الغسل عند المسلم مرة في الأسبوع.
الخصيصة السادسة: تنظيف الشعر وتقليم الأظافر؛ وهو يشمل شعر الجسم الذي يؤخذ إلا اللحية فإن أخذها حرام، لكن كالشارب وغيره من فضلات الجسم فإنها تؤخذ، وتقلم الأظافر، ولا أعلم أنه يصح حديث في أخذها يوم الجمعة أو يوم الخميس؛ لأن فيها حديثين ضعيفين؛ حديث يوم الجمعة وهو حديث سفيان الثوري، وحديث يوم الخميس، وكلاهما ضعيف، ومن اطلع على صحة حديث منهما فليفدنا.
يقول أنس في التوقيت لأخذ الشعر: ﴿وقت لنا أربعين ليلة في أخذ الشعر﴾ ولكن هذا هو الحد الأعلى للأخذ، فإنه يتنزل حتى يأخذ بعض الناس في كل جمعة.
الخصيصة السابعة: لبس الجديد.
وقد مر، ويأتي حديث عمر أنه قال للرسول ﷺ : ﴿يا رسول الله، خذ هذه الحلة السيراء تلبسها للجمعة والوفود﴾.
وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] فالزينة هي أحسن ما يلبس المؤمن لبيت الله ، ولحضور الجمعة التي هي عيد المسلمين.
стр. 7302
التبكير والقرب من الإمام
الخصيصة الثامنة: التبكير، وقد مر معنا في حديث البدنة والبقرة والكبش.
الخصيصة التاسعة: الدنو من الإمام، والدنو من الإمام قيل: إذا كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويستفاد من خطبته، وأما سفيان الثوري فله تنظير آخر، قال: أما الظالم فلا يدنى منه، وكان يصلي فيأتي في آخر الناس، فقالوا له: ما لك؟ قال: أدنو من هذا الظالم، يسفك الدماء، ويلعب بالأموال، ويأمر بالمنكر، وماذا أستمع؟!
ونقل مرة أن سعيد بن جبير صلى مع الحجاج فصلى في آخر الناس، فقام الحجاج على المنبر يسرد خطباً طوالاً في مدح بني أمية، وخالات بني أمية وعماتهم، فكان سعيد بن جبير يصلي إيماءً، فلما انتهت الجمعة قال له بعض الناس: ما لك؟ قال: أخر علينا الجمعة فصليت ظهراً إيماءً ثم صليت معه.
وقال الحسن البصري في الحجاج: يخطب بنا خطب الواعظين، ويلبس لباس الفساق، ويقرأ القرآن على لخم وجذام، ويبطش بطش الجبارين فنعوذ بالله من ذلك!
والغرض من الدنو من الإمام الفائدة وطلب الحكمة والموعظة؛ وحتى يلين القلب ويتأثر بذكر الله.
الخصيصة العاشرة: الإنصات للإمام؛ فقد جاء عند أحمد وأبي داود: ﴿ومن لغا فلا جمعة له﴾ وهي زيادة ضعيفة، لكن جاء في الصحيح: ﴿من مس الحصى فقد لغا﴾ وزيادة: ﴿لا جمعة له﴾ اختلف فيها أهل العلم، لأنها لم تصح، وهي عند أبي داود وأحمد بسند ضعيف.
وأما السواك والإمام يخطب فلا ينبغي، وليس بجائز ولا وارد، وقد قاسه أهل العلم على اللعب بالحصى، ومن فعله فقد لغا، ولا يحق له ذلك.
стр. 7303
قراءة سورة الكهف
الخصيصة الحادية عشرة: قراءة سورة الكهف، والحديث الوارد فيها رواه الدارقطني والبيهقي بسند صحيح، يقول ﵊: ﴿من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أضاء له نور تلك الليلة﴾ وفي رواية: ﴿وغفر له ذنبه﴾ وهذا الحديث صححه بعض أهل العلم وبعضهم حسنه، فليس بضعيف بل هو صحيح فتقرأ سورة الكهف ليلة الجمعة؛ أي: من مغرب الشمس ليوم الخميس إلى غروب الشمس من يوم الجمعة، فمن أراد أن يقرأ قبل الصلاة فله ذلك، ومن أراد أن يقرأ بعد الصلاة فله ذلك أيضاً، وفي تلك الليلة -ليلة الجمعة- حتى يكتب الله له عظيم الأجر فعلى المؤمن أن يحافظ على هذا.
стр. 7304
الصلاة على النبي ﷺ
الخصيصة الثالثة عشرة: كثرة الصلاة على النبي ﷺ .
فقد صح عنه ﷺ في حديث معاذ بن أوس أنه قال: ﴿أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: كيف يا رسول الله وقد أرمت؟! -أي: فنيت وبلي جسمك بعد الموت- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء﴾ وبعضهم يقول: ﴿والشهداء﴾ ولكن لم أر هذه الزيادة، فاللفظة الصحيحة الثابتة (أجساد الأنبياء) أما الشهداء فلا أعرف إلا قوله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
وقد صرح ﵊ في الحديث أن أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض، وهذه ليست قضيتنا، وسوف تمر علينا في كتاب الأنبياء من صحيح البخاري.
وما هي أحسن الصيغ في الصلاة والسلام عليه ﷺ ؟ قال ابن تيمية: إن أحسن الصيغ هي الصيغة التي نقولها في التحيات: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آله محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد) لكن ابن تيمية ﵀ وهم في هذا الحديث وقال: لا يقول: (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) وإنما يقول: (كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم) وأما (كما صليت على إبراهيم، وكما باركت على إبراهيم) فليست بواردة.
ورد عليه ابن حجر في الفتح وقال: بل صحت كما في معجم الطبراني، وهذا وهم من ابن تيمية، ثم أتى بالحديث.
والشاهد: أن هذه أحسن صيغة في الصلاة والسلام عليه ﷺ .
ومن أحسن الكتب التي ألفت في الصلاة والسلام عليه ﷺ : كتاب لـ أبي إسماعيل القاضي المالكي اسمه: فضل الصلاة والسلام عليه ﷺ ، وأحسن منه وأجود كتاب ابن القيم جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام ﷺ ، وذكرها أهل العلم كما في الأذكار للإمام النووي، وفي كتاب عمل اليوم والليلة لـ أبي بكر بن السني، وعمل اليوم والليلة للنسائي.
стр. 7305
من خصائص الجمعة
الخصيصة الرابعة عشرة: لا يفرق بين اثنين، وقد مر هذا، وأنه من الإيذاء وأنه أمر مستقبح، وللخطيب أن يتكلم ويرد على من يفعل ذلك.
الخصيصة الخامسة عشرة: لا يتخطى الصفوف، قال ﷺ : ﴿اجلس فقد آنيت وآذيت﴾ تأخرت وآذيت.
الخصيصة السادسة عشرة: السنة بعد الجمعة، قال ابن عمر كما في الصحيحين: ﴿حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات؛ ركعتين بعد الجمعة، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتي الفجر في بيته﴾.
وزاد مسلم: ﴿وركعتين بعد الجمعة في بيته﴾ لكن يقول ﵊ في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: ﴿إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا بعدها أربعاً﴾ فكيف نجمع بينهما؟ قال ابن تيمية: الجمع بينهما أنه من صلى في بيته فليصلِّ ركعتين، ومن صلى في المسجد بعد الجمعة فليصل أربعاً.
وهذا من أحسن ما جمع به بين الحديثين.
وقالوا: كان الرسول ﷺ يصلي أربعاً بعد الجمعة في المسجد.
الخصيصة السابعة عشرة: الاهتمام بساعة الاستجابة؛ وقد مر معنا أن الصحيح أنها في آخر ساعة من ساعات الجمعة، وهناك من قال بأنها من جلوس الخطيب إلى أن تقضى الصلاة، والحديث في مسلم، وبعض أهل العلم ضعفه كـ ابن تيمية والدارقطني.
ويقول ابن حجر: فيها ثلاثة وأربعون قولاً ثم أوردها في فتح الباري؛ ولذلك فلا هجرة بعد الفتح.
الخصيصة الثامنة عشرة: الصدقة يوم الجمعة.
ولها فضل، ولا أعلم فيها حديثاً، لكن قال ابن القيم في كتابه زاد المعاد: وكان شيخ الإسلام -يعني ابن تيمية - إذا أتى ليصلي تصدق بصدقة قبل صلاة الجمعة، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أمر بالصدقة عند مناجاة الناس لرسوله ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢] ومناجاة الله أولى، وذلك يوم الجمعة فنتصدق.
وهذا يسمع، ولكن يتوقف حتى يثبت حديث ويصح، ومن تصدق فهو مأجور مشكور، لكن لا نعتبرها من السنن؛ لأنه من كلام ابن تيمية، والعلماء يستشهد لآرائهم ويحتج لآرائهم، ولا يحتج بآرائهم لتصبح أدلة، فإن الذي يؤخذ كلامه ولا يرد هو محمد ﷺ ، والذي يؤخذ من كلامه ويرد هم من سواه ﷺ .
стр. 7306
المشي إلى الجمعة وعدم الركوب
الخصيصة التاسعة عشرة: المشي إلى الصلاة، وقد فضلها أهل العلم على الركوب، وكان هدي الصحابة المشي إلى الجمعة، وقد جاء في السنن: ﴿بشر المشائين في الظُلم﴾ وقوله: (في الظلم) وارد على الغالب وليس قيداً مخصصاً؛ فإنه إذا وردت صفة ليست لعلة مطلقة في الوصف فإنها للتغليب فحسب، ويسمى هذا قيداً أغلبياً كقوله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فقوله: (اللاتي في حجوركم) قيد أغلبي، وإذا كانت الربيبة في غير الحجر فلها أيضاً نفس الحكم، وقوله ﷺ : ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما﴾ فالسيف هنا قيد أغلبي، فليس لهما أن يلتقيا بمسدسيهما وببندقيتهما، وكذلك المشاءون إلى المساجد سواء في الليل أو في النهار.
стр. 7307
عدم إفراد الجمعة بالصوم
العشرون: عدم إفراد الجمعة بالصوم؛ وبعض العباد الذين لم يطلعوا على النصوص يصومون هذا اليوم ويفردونه، وما علموا أن من داوم على إفراده بالصوم فقد ابتدع في دين الله.
دخل الرسول ﷺ على جويرية وهي صائمة، فقال ﷺ : ﴿أصمت يوماً قبله؟ قالت: لا.
قال: أتريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا.
قال: فأفطري إذن فأفطرت﴾.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: ﴿نهى ﷺ أن تخص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي وأن يخص يوم الجمعة بصيام من بين الأيام﴾.
هذه عشرون قضية وخصيصة من خصائص يوم الجمعة؛ إنما ذكرتها لأن البخاري فرقها في الصحيح، وكذلك ابن حجر، واعتنى البخاري بالتبويب على مسائل أهل الحديث، لا على المسائل التي في كتب الفقه.
стр. 7308
لباس يوم الجمعة
قال البخاري باب: يلبس أحسن ما يجد.
قال: أي: فضل ذلك، أو فضل العمل بذلك، أو ما ورد فيه من فضل.
قال: حدثنا عبد الله بن يوسف التنيسي المصري قال: أخبرنا مالك وهو النجم، قال الشافعي: إذا ذكر العلماء فـ مالك النجم (أو الفقهاء) فهذا هو مالك ﵀.
ومالك حيث أفتى في مدينته فلست أرضى بفتوى غير فتواه
عن نافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر -وهذه تسمى عند أهل العلم: السلسلة الذهبية، فمن أقوى الروايات عند البخاري: مالك عن نافع عن ابن عمر، وزاد بعض أهل العلم الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وزاد غيرهم: أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر؛ فهذه سلسلة الذهب أو السلسلة الذهبية التي لا تنفصم، وذلك لقوتها وجلالة أصحابها فهم كالنجوم.
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
стр. 7309
شرح حديث الحلة التي أراد عمر أن يشتريها النبي ﷺ
والحديث: ﴿أن عمر ﵁ رأى حلة سيراء﴾ -قال الخطابي: تضبط على (سُيراء) بضم السين، وقال غيره من أهل العلم: (سِيراء) بالكسر.
وقال الخطابي: هي على وزن عُشراء؛ لأن الناقة إذا أصبحت في الشهر العاشر سمتها العرب عُشراء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤] وهنا سُيراء لكثرة سيورها ﴿عند باب المسجد﴾ مسجده ﷺ ، وفيه جواز البيع عند أبواب المساجد ﴿فقال: يا رسول الله! لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدم عليك، فقال ﷺ : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة.
ثم جاءت رسول الله ﷺ منها حلل فأعطى عمر بن الخطاب ﵁ منها حلة، فقال عمر ﵁: يا رسول الله! كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت!!﴾.
وهذا هو عطارد بن حاجب التميمي خطيب الوفد الذين وفدوا على الرسول ﷺ ؛ فإنهم لما وفدوا قالوا: يا رسول الله! نريد أن ننافرك ونغالبك.
فأتوا بخطيبهم، قيل: أنه عطارد، وقيل: عمرو بن الأهتم فوقف على المنبر ومدح بني تميم وما تعرض للصحابة ولا للمهاجرين والأنصار والمنافرة عند العرب أن يأتي الخطيب ويتفاخر بمآثرهم في الجاهلية، فأقر الرسول ﷺ ذلك؛ تألفاً لقلوبهم واستجذاباً لأرواحهم للإسلام فلما انتهى قال ﷺ : أين ثابت بن قيس بن شماس، وهو أنصاري؛ فقام ﵁ فقال له: رد عليه.
فقام على المنبر فدعا له الرسول ﷺ أن يُثبَّت فثبت الله كلامه، فألقى موعظة كأن الصواعق تتحدر من على المنبر حتى غلب خطيبهم، فإذا عرق بني تميم يتصبب على جباههم، ثم قام شاعرهم وهو الزبرقان بن بدر في قصيدته المشهورة التي يقول فيها:
نحن الملوك فلا حي يضارعنا منا الملوك وفينا تنصب البيع
فلما انتهى من قصيدته قال ﷺ : أين حسان؟ فقال: هأنذا يا رسول الله! فقال: رد عليه، اللهم أيده بروح القدس -يعني بجبريل- أي: ثبت قلبه وأيده؛ لأن الأمر ضيق والوقت عجل، وهو إما أن ينجح في هذا الموقف وإلا فهو الفشل، فقام فدعا له الرسول ﷺ وقال: كيف أنت؟ فقال: يا رسول الله عندي لسان لو وضعته على حجر لفلقه، ولو وضعته على شعر لحلقه؛ ثم مد لسانه فضرب أرنبة أنفه وقليل من الناس من يفعل ذلك.
يقول الذهبي: قال رجل لبعض زملائه: كل من في السوق لا يعقلون شيئاً وليس فيهم عاقل.
قالوا: ما صدقت.
قال: اذهبوا معي، فذهبوا معه فأخذ يهلل ويكبر حتى اجتمع الناس عليه فقال: يا أيها الناس! ورد في الأثر أنه من مس لسانه أرنبة أنفه أدخله الله الجنة!! فأخذ الناس في السوق كل يمد لسانه حتى مد جميع من في السوق فـ حسان ﵁ قالها بجدارة لطول لسانه في الحق، فقام على منبره ﷺ ، وأخذ ﷺ يقرب له المنبر بيديه الشريفتين، فأخذ ينطلق وهو يقول:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بينوا سنناً للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
إلى آخر تلك القصيدة الرنانة التي ما سمع الناس بمثلها، فلما انتهى هزموا مرة ثانية، وقالوا: غلب شاعرك شاعرنا وخطيبك خطيبنا؛ فأسلموا.
وكان فيهم قيس بن عاصم المنقري حليم العرب، فقال ﷺ لما دخل الوفد: من هذا؟ -وكان عمره ستين أو سبعين سنة وعليه لفافة على رأسه- قالوا: هذا قيس بن عاصم.
فقال: ما ذكر لي أحد إلا كان أقل مما ذكرلي إلا هذا فكان أعظم مما ذكر لي، أنت سيد أهل الوبر ولذلك يقول الأول:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
﴿فقال عمر ﵁: يا رسول الله! كسوتنيها، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت!! قال رسول الله ﷺ : إني لم أكسكها لتلبسها، فكساها عمر بن الخطاب ﵁ أخاً له بـ مكة مشركاً﴾.
стр. 7310
التجمل ليوم الجمعة وللناس
في هذا الحديث مسائل:
التجمل للجمعة لإقراره ﷺ لـ عمر بن الخطاب، فإنه قال: لتلبسها للجمعة؛ فأقره وما أنكر عليه وما قال: ولم الجمعة؟ فعلم أن المعهود -كما يقول الخطابي - أن يتجملوا للجمعة.
المسألة الثانية: إظهار التجمل للناس، وللوفود، وفي المناسبات فإن عمر ﵁ قال: يا رسول الله تلبسها للجمعة وللوفود.
فالتجمل للناس مطلوب، ولذلك جاء في البيهقي بسند حسن أن الرسول ﷺ قال: ﴿إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه﴾ ومن حسن الطالع أن يتجمل المؤمن، وأن يظهر الجمال في ملبسه ومظهره أمام الناس؛ ليظهر نعمة الله، ويظهر قوة الإسلام وروعته وبهاءه، فإن التكبر شيء والتجمل شيء آخر.
والتجمل لا يدخل فيه الكبر إلا لمن أراد به الكبر؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود: ﴿أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسن -أي: أهو من الكبر؟ - قال ﷺ : ليس من الكبر؛ الكبر بطر الحق وغمط الناس﴾ بطر الحق: أي رده ودحضه، وغمط الناس: ازدراؤهم واحتقارهم.
وقال ﷺ : ﴿إن الله جميل يحب الجمال﴾ وهذه من الصفات التي وردت لله ، وقد ذكرها ﷺ .
وجاء في الترمذي: ﴿إن الله نظيف يحب النظافة﴾ وفي هذا الحديث كلام، لكن تهيب بعض أهل السنة من إطلاق هذا اللفظ، والحديث وارد.
فيستحب إظهار التجمل للناس، يقول ابن القيم: المذموم في اللباس لباس الشهرتين، أن يلبس الإنسان لباساً شهيراً من الجودة والفخامة حتى يلحقه بالملوك، أو يلبس لباساً وضيعاً يلحقه بالشحاذين.
وخير الأمور أوسطها، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] وفي حديث في الترمذي: ﴿خير الأمور أوساطها﴾ لكنه ضعيف كما نص عليه الأرناؤوط في تحقيقه لـ جامع الأصول.
وهنا
السؤال
هل إطالة الثوب إلى ما تحت الكعب من التجمل ليوم الجمعة، أم هو من القبح؟
الجواب
يعتبر هذا من القبح يوم الجمعة وغير يوم الجمعة، وليس من التجمل، بل إنه من التهتك في دين الله، وهو خلاف سنة رسول الله ﷺ ؛ فإنه ما أسفل من الكعب فهو في النار، وليس فيه شيء من الجمال؛ فإن الجمال في السنة أن يظهر الإنسان بمظهر محمد ﷺ ، فما هناك أجمل منه.
стр. 7311
رفض النبي ﷺ للحلة وما يحرم من اللباس
المسألة الثالثة: علة رفضه ﷺ للحلة، وقوله: ﴿إنما يلبس هذه من لا خلاق له يوم القيامة﴾.
ذكر أهل العلم أنها من الحرير، وقالوا: هي من الديباج؛ فعلى ذلك فالديباج أعظم، وقد نهي في حديث البراء عن المياثر وعن الديباج، فلا تلبس في الدنيا، إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة.
و
السؤال
أيلبسها الكفار في الدنيا تحليلاً لهم لأنه قال: لا يلبسها إلا من لا خلاق له في الآخرة؟ وهل يعني ذلك أنها لهم في الدنيا حلال؟ كقوله ﷺ : ﴿فإنها لهم -يعني آنية الذهب والفضة- في الدنيا ولكم في الآخرة﴾ لا وإنما يعني أنهم استحلوها وهي محرمة عليهم.
المسألة الرابعة: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وقد ورد هذا في صحيح مسلم عن حذيفة، وقام ﵊ -كما في حديث علي ﵁ على المنبر، فأخذ قطعة من ذهب وقطعة من حرير وقال: ﴿إن هذين حرام على رجال أمتي حلال لنسائها﴾ وروى هذا الحديث كذلك أبو داود وأحمد والنسائي وهو صحيح، وفيه رد على من حرم الذهب المحلق، وهناك رسالة بعنوان: القول الجلي فيما ورد في الحلي، وهو كتاب مطبوع ومن أحسن الرد.
стр. 7312
إعطاء المشرك وأهمية المشاورة
المسألة الخامسة: إعطاء المشرك تأليفاً لقلبه؛ فـ عمر أعطى الحلة أخاه من المشركين، والرسول ﷺ أعطى الكفار ليتألف بهذا العطاء قلوبهم، فلا بأس أن تعطي منافقاً أو مشركاً إذا كان هناك مصلحة تتألفه بها إلى هذا الدين.
المسألة السادسة: المشاورة في الأمور الخاصة؛ فإن عمر ﵁ اقترح على الرسول ﷺ في زيه أن يغير منه أو يلبس حلة ليوم الجمعة، وهذا الزي أمر خاص يخص الإنسان فهذه مشاورة وعرض، وهذا يدل على أمرين:
الأول: إجلال الصحابة للرسول ﷺ ، ومحبتهم له؛ فيريدون له أن يظهر بالكمال والتمام.
الأمر الثاني: تواضع الرسول ﷺ حيث يستمع ويتكلم في هذا الكلام؛ لأن بعض الناس لا يجد قبولاً أن تقترح عليه، قيل للأعمش -كما ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء - وكان يلبس الفرو أو البردة خلاف ما يلبسها الناس، فأتى أحد تلاميذه وقال: يا أبا محمد، لو لبستها مقلوبة كان أحسن.
فقال: لماذا ما أشرت على الخروف بهذا؟ يقول: الخروف يلبسها مقلوبة؛ لأن فروة الخروف تأتي من الخارج، فيقول: أشر على الخروف، أما أنا فلا تشر علي بهذا.
أما الرسول ﷺ فقبل المشورة، لكنه قال: ﴿إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة﴾ فالمانع من الأمر ليس لأنك تدخلت في الشئون الخاصة؛ لكن لأنك ما عرفت أنها محرمة.
السؤال
من أتى ليصلي سنة من السنن كسنة الظهر مثلاً، فهل يصلي قبلها تحية المسجد أو أنها تكفي عن التحية؟
الجواب
السنة تنوب عن تحية المسجد، فإن النوافل تتداخل، فمن أتى وقصده أن يصلي قبل الجمعة ركعتين فيجعلها سنة للجمعة وتحية للمسجد، وكذلك ركعتي الفجر، إلا عند ابن حزم فإنه يقول: يصلي ركعتين تحية المسجد ثم يصلي ركعتين سنة الفجر، وهذا خطأ بل إنها تتداخل.
وفي ختام هذه الجلسة نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعلنا وإياكم ممن يتحابون فيه ويتواصون بطاعته، وأن يتغمدنا برحمته.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7313
فضل التبكير إلى الجمعة
قبل أن يبدأ الشيح حفظه الله بشرح أحد الأحاديث في صحيح البخاري في فضل الجمعة، بدأ بنبذة تعريفية عن أحد الصحابة وهو معاوية بن أبي سفيان ﵁، وذكر بعضاً من مناقبه وسيرته، وما الذي يجب علينا تجاه ما حصل بين الصحابة من فتنة.
ثم ذكر الحديث وشرح ألفاظه ومعانيه، وأبان ما فيه من مسائل وأحكام وفوائد عجيبة وهامة يحتاجها كل مسلم وبالأخص طالب العلم.
стр. 7314
سيرة معاوية بن أبي سفيان ﵁
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،،
وإنها لمسيرة طيبة مع الإمام البخاري، وإنه لسفرٌ سعيد إن شاء الله تعالى مع هذا الإمام الحبر الذي نفع الله به الأمة، ورفع كتابه، وجعله من أعظم كتب أهل الإسلام بعد كتاب الله ، ولا زلنا في كتاب الجمعة من صحيحه، وقبل أن نتكلم عن أبواب هذا الدرس، أو عن القضايا الواردة فيه، يجمل أن نتكلم عن يسر بعض صحابة رسول الله ﷺ ، ومعنا في هذه الليلة، معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين ﵁ وأرضاه، وما اختير معاوية إلا لأن مبغضيه كثيرون في الأمة، وهم الرافضة من الشيعة، فهم يلعنونه على منابرهم، وفي محاريبهم، وليس هذا بمعتقد أهل السنة والجماعة، فإن معتقد أهل السنة والجماعة أن نترضى عن أصحاب محمد ﷺ .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه منهاج السنة: إن الرافضة ليس لهم حظٌ في الفيء لأن الله ذكر أهل الفيء فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فمن أراد الله والدار الآخرة، فليعتقد اعتقاد أهل السنة والجماعة.
стр. 7315
الكف عمَّا شجر بين الصحابة ﵃
فمعتقدهم في الصحابة أنهم يكفون عما شجر بينهم، ولا يشهرون قضايا الخلاف، ولا ينشرونها في المجالس، ولا يثيرون الحزازات التي وقعت ويعيدونها من جديد.
سُئل عمر بن عبد العزيز ﵁ عن أهل صفين، وهم جيش علي وجيش معاوية ﵄، فقال عمر ﵁ وأرضاه: [[تلك دماءٌ صان الله منها سيوفنا فنصون منها ألسنتنا]] فعلم من ذلك كما يقول ابن تيمية في الواسطية أن معتقدنا في الصحابة أن نترضى عنهم جميعاً، ونعتقد أن بعضهم أفضل من بعض، وأن نكف عما شجر بينهم، ونظن فيهم كل الخير، فهم أعمق الأمة إيماناً، وأبرها قلوباً، وأصدقها لهجة، وأخلصها لله، وأزهدها في الدنيا، وأورعها عن محارم الله وأعلمها بالله، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
سئل عامر الشعبي ﵁ وأرضاه عن أهل صفين، كيف يلتقون وهم مسلمون؟ وكيف ما فر بعضهم من بعض؟
قال: أهل الجنة التقوا فاستحى بعضهم أن يفر من بعض، ونزل علي ﵁ يوم الجمل، وقد قتل طلحة وهو من الفريق المقابل فنزل وترجل من على فرسه وهو يبكي ويقول: يعز عليَّ يا أبا محمد -يقصد طلحة بن عبيد الله - يعز عليَّ يا أبا محمد أن أراك مجندلاً على التراب، وأخذ يزيل التراب من على لحية طلحة بن عبيد الله ذي الجود، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ويقول: أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن قال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
فمعنا الليلة المتهم وهو بريء، ومعنا المتنقص وهو كامل، ومعنا المسبوب وهو ممدوح، معاوية ﵁ وأرضاه.
стр. 7316
مناقب معاوية ﵁
أسلم مع أبيه، وأخذه ﷺ كاتباً من كُتَّاب الوحي، وانظر كيف استأمنه ﷺ ليكتب وحي السماء نزل من عند الله ﵎، فهو من الكتبة، ومن أصهاره ﷺ ، فقد تزوج أخته رملة، فهو خالنا، وخال كل مؤمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فحيا به من خالٍ بار، ومن كاتب للوحي أمينِ.
يقول ابن عباس قال ﷺ : ﴿ادع لي معاوية فقد نزل عليَّ شيء من الوحي يكتب لي، فذهب أحدهم فأتى فإذا بـ معاوية يأكل في بيته، فدعاه، قال: تعال فإن الرسول ﷺ يدعوك، قال: إني ما انتهيت من أكلي، فعاد فصبر ﷺ قليلاً، فرد الرسول ثانيةً، فقال معاوية: ما انتهيت من غدائي، فصبر الرسول ﷺ ، فرده ثالثة، فلما أخبر الرسول قال ﷺ : لماذا لا يأتي؟ لا أشبع الله بطنه﴾ وهذه من مناقبه.
قال ابن كثير هذا منقبة وليست مثلبة كما تقول الرافضة، بل هي منقبة كبرى، فإن الرسول ﷺ قال من على المنبر: ﴿اللهم ما من عبدٍ مسلمٍ سببته، أو شتمته، أو ضربته فاجعلها كفارة له ورحمةً عندك﴾ فهي له رحمة وكفارة عند الله ؛ لأن الرسول ﷺ دعا عليه، وبالفعل وقع ما دعا عليه ﷺ فكان لا يشبع أبداً، يقول: إني أجزم لنفسي أنني آكل ولا أشبع، ولكنني أعلل نفسي حتى يأتي الموت.
سافر مع الرسول ﷺ -وكان من دهاة العرب ودهاة العرب في كتب التاريخ أربعة: معاوية، وزياد ابن أبيه، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة - فلما سافر مع الرسول ﵊، طلب ﷺ منه مقراضاً يقرض ويقلم أظفاره ﷺ ، فقلم أظفار رسول الله ﷺ بمشقصٍ عنده، فكان له الشرف أن يقلم أظفار الحبيب ﷺ ، وهذه في سير أعلام النبلاء وفي كتب التواريخ، فلما انتهى من تقليم أظافر المصطفى ﷺ جمعها وحفظها، وجعلها في مكانٍ عنده طيلة حياته، فلما تولى الخلافة أغلق عليها في صندوقٍ محكم، ولما أتته الوفاة واليقين نزل من على سرير الملك ﵁ وأرضاه، وبكى طويلاً، وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم قال لمن اقترب منه من وزرائه: ما عندي كلمة أحاج لنفسي بها عند الله إلا: لا إله إلا الله، فإذا أنا مت فعليكم بهذا الديوان فافتحوه وخذوا أظفار رسول الله ﷺ وضعوها في أنفي وفي عيني لعل الله يرحمني بها، وبالفعل -وهذا من محبته لرسول الله ﷺ وضعوها في أنفه وعينيه.
يقول ضرار بن الحارث الصدائي أحد أهل العراق من جيش علي بن أبي طالب: دخلت على معاوية وهو خليفة بعدما قتل أبو الحسن ﵁ وأرضاه، فعرف إني من جيش علي فقال: يا ضرار! حدثني عن علي بن أبي طالب، قال: فتحرجت أن أحدثه لأنهما تقاتلا، فقلت: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: عزمت عليك إلا حدثتني عن علي فإني أحب الحديث عنه، قال ضرار: أما إن سألتني يا أمير المؤمنين فوالله! لقد صاحبت علياً فوجدته عابداً عالماً زاهداً، والله لقد رأيته في الليل الدامس -أي المظلم- يقبض على لحيته بيديه وهو يقول: يا دنيا يا دنية طلقتك ثلاثاً، زادك حقير، وعمرك قصير، وسفرك طويل، آه من قلة الزادِ وبعد السفر ولقاء الموت، فبكى معاوية حتى تغير على جلسائه وسالت بالدموع لحيته، ثم قال: رحم الله أبا الحسن، ثم قال: صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وقال شفيٌ الأصبحي: ﴿دخلت على معاوية ﵁ وهو على سرير الملك فقال: حدثني يا شفي! حديثاً يلذ لي ويطيب، قلت: حدثني أبو هريرة عن رسول الله ﷺ ، قال: ماذا حدثك؟ قلت: قال لي: أول من تسعر بهم النار ثلاثة، بعالمٍ، وجوادٍ، وشجاع، يؤتى بالعالم -نعوذ بالله من ذلك المنافق- فيقول الله له: أما علمتك العلم؟ قال: بلى.
قال: أما لقنتك الحكمة؟ قال: بلى، قال: أما فقهتك في الدين؟ قال: بلى، قال: فماذا فعلت؟ والله أعلم به ، قال: تعلمت وعلمت فيك الجاهل، قال: كذبت! وتقول الملائكة: كذبت! ثم يقول الله: إنما تعلمت ليقال عالم، وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه حتى يلقى في النار، -نسأل الله العافية والنجاة- ثم يؤتى بالجواد، فيقول الله: ألم أربعك؟ ألم أسودك؟ ألم أخولك مالاً؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا فعلت؟ والله أعلم به، قال: أنفقته في سبيلك، وأطعمت الجائع وكسوت العاري، وآتيت المسكين، فيقول الله: كذبت! وتقول الملائكة: كذبت! ثم يقول الله: إنما فعلت ليقال جواد، وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يرمى في النار، ثم يؤتى بالشجاع فيفعل به كما فعل بالاثنين، فلما سمع معاوية الحديث نزل من على سريره وبكى ورفع البساط ومرغ وجهه بالتراب وهو يبكي ويقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]﴾.
ومن مدائحه في السنة النبوية أن الرسول ﷺ قال له كما صح في ذلك الحديث: ﴿اللهم علمه الحساب وقه العذاب﴾ فهو مدعوٌ له بأن يقيه ربه عذابه يوم يبعث الله الأولين والآخرين.
أيضاً جاء في حديث أم حرام بنت ملحان أن الجيش الذين يركبون ثبج البحر مغفور لهم، وكان هو قائد هذا الجيش، قالت أم حرام بنت ملحان هي امرأة واسمها أم حرام وهذا الحديث في المغازي كما في صحيح البخاري، قالت: ﴿دخل عليَّ رسول الله ﷺ -وهي عجوز والرسول ﷺ كان يزور العجائز والأطفال والمساكين- فدخل عليها ﷺ يوماً من الأيام قالت: فلما جلس ﷺ نام على فراشٍ عندي، قال: فأخذ ﷺ عرقه يتصبب من جبينه الطاهر، وكان إذا نام ﷺ أخذ عرقه يتدفق -وهذه من خصائصه أن عرقه في الشتاء وفي الصيف يتدفق بكثرة كأنه الدر أو كأنه الجمان، أو كأنه اللؤلؤ المنظوم- قالت: فأخذت قارورة وأخذت أسلت عرقه وأضعه في هذه القارورة، فوالله إنه لأحسن رائحة من المسك الأذفر، ووالله لقد بقي في بيتنا -تقول أم حرام - فترة طويلة، كلما مرض مريض أخذت قطرة من هذا العرق فوضعته في ماء وغسلت المريض فشفي بإذن الله﴾ وكانت رائحة بيتها تفوح في المدينة وتتضوع.
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره كما المسك ما كررته يتضوع
رقاق النعال طيباً حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب
قالت: ﴿ثم نام ﷺ فاستيقظ في تلك النومة وهو يضحك، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك! قال: أضحك أنني رأيت قوماً من أمتي يركبون ثبج البحر كالملوك على الأسرة﴾.
هو في المدينة معه ثلة من الناس والدين لم ينتشر ففرح ﷺ أن يرى الأمة المكبرة، المهللة، الموحدة وهي تفتح بلاد الله، ويراهم يعبرون البحار، ينشرون لا إله إلا الله في أصقاع الأرض، فقالت أم حرام: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنتِ منهم، ثم نام ﷺ ، ثم استيقظ وهو يضحك ثانيةً، فقالت: قلت: يا رسول الله! ما يضحكك؟ أضحك الله سنك! قال: رأيت قوماً من أمتي غزاةً في سبيل الله، قالت: ادع الله أن يجعلني منهم -تريد هذا كذلك- فقال: أنتِ من الأولين﴾ لأنها سوف تستشهد أو تموت فلا يمكن أن تتكرر، وقد وقع هذا، فكان معاوية بن أبي سفيان قائد هذا الجيش وهذه الكتائب التي عبرت على موج البحر تؤدي رسالة الله في الأرض.
كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
فلما خرجت مع معاوية ﵁ وعنها وكانت هي زوجة عبادة بن الصامت، فخرجت مع الجيش لغزو القسطنطينية ثم عادوا، فتوفيت وهي في السفينة، ودفنت هناك.
ففرح ﷺ بالمنام الذي قائده معاوية ﵁ وأرضاه.
ومع أنه كان داهيةً من دهاة الناس، لكنه ضرب أروع الأمثلة في الأناه والحلم، وكان يصفح ويكظم غيظه، ولا يؤاخذ بالزلة، بل يعفو ويتجاوز، تولى أمر الأمة ﵁ وأرضاه فكان سديد الرأي، طيب السيرة، دخل عليه الأحنف بن قيس التميمي، سيد بني تميم فلما دخل عليه قال له معاوية: أنسيت يا أحنف! يوم الجمل ويوم صفين -يعني مع علي - فقال الأحنف وكان رجلاً شجاعاً: يا معاوية! إن السيوف التي قاتلناك بها في أغمادها في بيوتنا، وإن القلوب التي أبغضناك بها في صدورنا فإن عدت عدنا، فاحمر وجهه وسكت، فلما دخل إيوانه قالت ابنته: يا أبتاه! من هذا الأعرابي الجلف الذي يكلمك بهذا الكلام الغليظ وأنت لا ترد عليه؟ قال: هذا الأحنف بن قيس، هذا الذي إذا غضب غضب معه عشرة ألف سيف من بني تميم، لا يسألونه فيما غضب، وإنما يقولون: غضبت زبراء، وزبراء جارية للأحنف، فيسمون الأحنف زبراء، فيقول: لو أنني أغضبته سوف يغضب معه عشرة ألف سيف.
والأحنف بن قيس كان من أجود وأحلم العرب، مع أنه كان هزيلاً أحنفاً يمشي على رجلٍ واحدة مهلهل الشعر، لكن كله عقلٌ وحكمة وذكاء ودهاء، فـ معاوية صفح عنه وكظم غيظه.
في يوم من الأيام، قال وهو يتمازح مع عمرو بن العاص: أيُّنا الأدهى أنا أم أنت؟ فقال عمرو بن العاص: أنا أدهى منك، قال: ولمَ؟ قال: أخرج من عندك في المجلس، فقال معاوية: اخرجوا، فخرجوا، فقال عمرو: ادنُ مني أحدثك، فاقترب منه معاوية، فقال عمرو: وهل معنا أحد حتى تدنو مني!
وهذه القصة مذكورة في عيون الأخبار وفي غيره.
стр. 7317
حديث عظيم في فضل الجمعة
يقول البخاري ﵀: باب فضل الجمعة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر﴾ وفي هذا الحديث عدة مسائل:
стр. 7318
مناسبة الحديث للباب
المسألة الأولى: ما مناسبة ترجمة البخاري للحديث؟ أي ما مناسبة الباب أن يقول البخاري: باب فضل الجمعة ثم يأتي بهذا الحديث، حديث البدنة والبقرة، والكبش والدجاجة والبيضة؟
و
الجواب
المناسبة أنه ما دام قارن ﷺ بين التبكير وبين الفضل المالي الذي يدفعه العبد ويتقرب به إلى الله، فما قارن ﷺ بين هذا وهذا إلا لفضل يوم الجمعة وساعاته، فاقتضى أن يوم الجمعة فاضل، فهذه مناسبة الباب للحديث، أنه لما قارن ﷺ بين التبكير وساعات التبكير والعمل المالي الذي يدفعه المسلم كالبدنة والبقرة اقتضى فضل يوم الجمعة، فأتى به ﷺ .
стр. 7319
على من تجب صلاة الجمعة
المسألة الثانية: ماذا يؤخذ من قوله ﷺ (من اغتسل) و"من" للعاقل وهي تصرف عند الأصوليين على ما صرفته النصوص، فهنا (من) قال ابن حجر وغيره من أهل العلم: تشمل كل من يشمله وجوب حضور صلاة الجمعة، فالذكر الحر، القادر، المقيم، يشمله الخطاب، أما المسافر ففيه حديث: ﴿لا جمعة على المسافر﴾ وكذلك المرأة، والصغير، والعبد لا جمعة عليهم، فـ (من) هنا تنصرف إلى من صرفته النصوص أو قيدته نصوص الشارع الحكيم ﷺ .
стр. 7320
معنى: (من اغتسل يوم الجمعة)
المسألة الثالثة: ما معنى قوله ﷺ : ﴿من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة﴾؟
فيه جوابان: الأول أن المعنى: من اغتسل كغسل الجنابة على أنه حذف كاف التشبيه، وهذا رأيٌ لبعض المحدثين، كما يقول الله : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] أي تمر مراً كمر السحاب.
والقول الثاني وهو الأصوب أن معناه: من أتى أهله ثم اغتسل لرفع الجنابة عنه، وهذا القول هو الأظهر، والخلاصة أنه إذا كانت على التشبيه معناه: من اغتسل غسلاً كغسل الجنابة لا أنه اغتسل غسل الجنابة، فهذا مأجور ومشكور، يعني أن يتوضأ ثم يغتسل فيصبح غسله للجمعة كغسل الجنابة.
والرأي الثاني: من اغتسل غسلاً للجنابة، وجعله للجمعة، يعني أنه يأتي أهله يوم الجمعة ثم يغتسل للجنابة، ودليل هذا: ما جاء في السنن عنه ﷺ أنه قال: ﴿من غسل واغتسل﴾ قال الإمام أحمد: أي أن الرجل يأتي أهله يوم الجمعة فيغسل نفسه ويغسلها، أي يضطرهم ويحوجهم إلى الغسل وذلك أغض لطرفه وأسكن لنفسه، وأقبل لروحه إلى ربه .
وكلا المعنيين صحيح عند أهل العلم، ولا تعارض بينهما والحمد لله.
следующие страницы →