Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
مناقب معاوية ﵁
أسلم مع أبيه، وأخذه ﷺ كاتباً من كُتَّاب الوحي، وانظر كيف استأمنه ﷺ ليكتب وحي السماء نزل من عند الله ﵎، فهو من الكتبة، ومن أصهاره ﷺ ، فقد تزوج أخته رملة، فهو خالنا، وخال كل مؤمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فحيا به من خالٍ بار، ومن كاتب للوحي أمينِ.
يقول ابن عباس قال ﷺ : ﴿ادع لي معاوية فقد نزل عليَّ شيء من الوحي يكتب لي، فذهب أحدهم فأتى فإذا بـ معاوية يأكل في بيته، فدعاه، قال: تعال فإن الرسول ﷺ يدعوك، قال: إني ما انتهيت من أكلي، فعاد فصبر ﷺ قليلاً، فرد الرسول ثانيةً، فقال معاوية: ما انتهيت من غدائي، فصبر الرسول ﷺ ، فرده ثالثة، فلما أخبر الرسول قال ﷺ : لماذا لا يأتي؟ لا أشبع الله بطنه﴾ وهذه من مناقبه.
قال ابن كثير هذا منقبة وليست مثلبة كما تقول الرافضة، بل هي منقبة كبرى، فإن الرسول ﷺ قال من على المنبر: ﴿اللهم ما من عبدٍ مسلمٍ سببته، أو شتمته، أو ضربته فاجعلها كفارة له ورحمةً عندك﴾ فهي له رحمة وكفارة عند الله ؛ لأن الرسول ﷺ دعا عليه، وبالفعل وقع ما دعا عليه ﷺ فكان لا يشبع أبداً، يقول: إني أجزم لنفسي أنني آكل ولا أشبع، ولكنني أعلل نفسي حتى يأتي الموت.
سافر مع الرسول ﷺ -وكان من دهاة العرب ودهاة العرب في كتب التاريخ أربعة: معاوية، وزياد ابن أبيه، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة - فلما سافر مع الرسول ﵊، طلب ﷺ منه مقراضاً يقرض ويقلم أظفاره ﷺ ، فقلم أظفار رسول الله ﷺ بمشقصٍ عنده، فكان له الشرف أن يقلم أظفار الحبيب ﷺ ، وهذه في سير أعلام النبلاء وفي كتب التواريخ، فلما انتهى من تقليم أظافر المصطفى ﷺ جمعها وحفظها، وجعلها في مكانٍ عنده طيلة حياته، فلما تولى الخلافة أغلق عليها في صندوقٍ محكم، ولما أتته الوفاة واليقين نزل من على سرير الملك ﵁ وأرضاه، وبكى طويلاً، وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم قال لمن اقترب منه من وزرائه: ما عندي كلمة أحاج لنفسي بها عند الله إلا: لا إله إلا الله، فإذا أنا مت فعليكم بهذا الديوان فافتحوه وخذوا أظفار رسول الله ﷺ وضعوها في أنفي وفي عيني لعل الله يرحمني بها، وبالفعل -وهذا من محبته لرسول الله ﷺ وضعوها في أنفه وعينيه.
يقول ضرار بن الحارث الصدائي أحد أهل العراق من جيش علي بن أبي طالب: دخلت على معاوية وهو خليفة بعدما قتل أبو الحسن ﵁ وأرضاه، فعرف إني من جيش علي فقال: يا ضرار! حدثني عن علي بن أبي طالب، قال: فتحرجت أن أحدثه لأنهما تقاتلا، فقلت: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: عزمت عليك إلا حدثتني عن علي فإني أحب الحديث عنه، قال ضرار: أما إن سألتني يا أمير المؤمنين فوالله! لقد صاحبت علياً فوجدته عابداً عالماً زاهداً، والله لقد رأيته في الليل الدامس -أي المظلم- يقبض على لحيته بيديه وهو يقول: يا دنيا يا دنية طلقتك ثلاثاً، زادك حقير، وعمرك قصير، وسفرك طويل، آه من قلة الزادِ وبعد السفر ولقاء الموت، فبكى معاوية حتى تغير على جلسائه وسالت بالدموع لحيته، ثم قال: رحم الله أبا الحسن، ثم قال: صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وقال شفيٌ الأصبحي: ﴿دخلت على معاوية ﵁ وهو على سرير الملك فقال: حدثني يا شفي! حديثاً يلذ لي ويطيب، قلت: حدثني أبو هريرة عن رسول الله ﷺ ، قال: ماذا حدثك؟ قلت: قال لي: أول من تسعر بهم النار ثلاثة، بعالمٍ، وجوادٍ، وشجاع، يؤتى بالعالم -نعوذ بالله من ذلك المنافق- فيقول الله له: أما علمتك العلم؟ قال: بلى.
قال: أما لقنتك الحكمة؟ قال: بلى، قال: أما فقهتك في الدين؟ قال: بلى، قال: فماذا فعلت؟ والله أعلم به ، قال: تعلمت وعلمت فيك الجاهل، قال: كذبت! وتقول الملائكة: كذبت! ثم يقول الله: إنما تعلمت ليقال عالم، وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه حتى يلقى في النار، -نسأل الله العافية والنجاة- ثم يؤتى بالجواد، فيقول الله: ألم أربعك؟ ألم أسودك؟ ألم أخولك مالاً؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا فعلت؟ والله أعلم به، قال: أنفقته في سبيلك، وأطعمت الجائع وكسوت العاري، وآتيت المسكين، فيقول الله: كذبت! وتقول الملائكة: كذبت! ثم يقول الله: إنما فعلت ليقال جواد، وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يرمى في النار، ثم يؤتى بالشجاع فيفعل به كما فعل بالاثنين، فلما سمع معاوية الحديث نزل من على سريره وبكى ورفع البساط ومرغ وجهه بالتراب وهو يبكي ويقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]﴾.
ومن مدائحه في السنة النبوية أن الرسول ﷺ قال له كما صح في ذلك الحديث: ﴿اللهم علمه الحساب وقه العذاب﴾ فهو مدعوٌ له بأن يقيه ربه عذابه يوم يبعث الله الأولين والآخرين.
أيضاً جاء في حديث أم حرام بنت ملحان أن الجيش الذين يركبون ثبج البحر مغفور لهم، وكان هو قائد هذا الجيش، قالت أم حرام بنت ملحان هي امرأة واسمها أم حرام وهذا الحديث في المغازي كما في صحيح البخاري، قالت: ﴿دخل عليَّ رسول الله ﷺ -وهي عجوز والرسول ﷺ كان يزور العجائز والأطفال والمساكين- فدخل عليها ﷺ يوماً من الأيام قالت: فلما جلس ﷺ نام على فراشٍ عندي، قال: فأخذ ﷺ عرقه يتصبب من جبينه الطاهر، وكان إذا نام ﷺ أخذ عرقه يتدفق -وهذه من خصائصه أن عرقه في الشتاء وفي الصيف يتدفق بكثرة كأنه الدر أو كأنه الجمان، أو كأنه اللؤلؤ المنظوم- قالت: فأخذت قارورة وأخذت أسلت عرقه وأضعه في هذه القارورة، فوالله إنه لأحسن رائحة من المسك الأذفر، ووالله لقد بقي في بيتنا -تقول أم حرام - فترة طويلة، كلما مرض مريض أخذت قطرة من هذا العرق فوضعته في ماء وغسلت المريض فشفي بإذن الله﴾ وكانت رائحة بيتها تفوح في المدينة وتتضوع.
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره كما المسك ما كررته يتضوع
رقاق النعال طيباً حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب
قالت: ﴿ثم نام ﷺ فاستيقظ في تلك النومة وهو يضحك، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك! قال: أضحك أنني رأيت قوماً من أمتي يركبون ثبج البحر كالملوك على الأسرة﴾.
هو في المدينة معه ثلة من الناس والدين لم ينتشر ففرح ﷺ أن يرى الأمة المكبرة، المهللة، الموحدة وهي تفتح بلاد الله، ويراهم يعبرون البحار، ينشرون لا إله إلا الله في أصقاع الأرض، فقالت أم حرام: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنتِ منهم، ثم نام ﷺ ، ثم استيقظ وهو يضحك ثانيةً، فقالت: قلت: يا رسول الله! ما يضحكك؟ أضحك الله سنك! قال: رأيت قوماً من أمتي غزاةً في سبيل الله، قالت: ادع الله أن يجعلني منهم -تريد هذا كذلك- فقال: أنتِ من الأولين﴾ لأنها سوف تستشهد أو تموت فلا يمكن أن تتكرر، وقد وقع هذا، فكان معاوية بن أبي سفيان قائد هذا الجيش وهذه الكتائب التي عبرت على موج البحر تؤدي رسالة الله في الأرض.
كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
فلما خرجت مع معاوية ﵁ وعنها وكانت هي زوجة عبادة بن الصامت، فخرجت مع الجيش لغزو القسطنطينية ثم عادوا، فتوفيت وهي في السفينة، ودفنت هناك.
ففرح ﷺ بالمنام الذي قائده معاوية ﵁ وأرضاه.
ومع أنه كان داهيةً من دهاة الناس، لكنه ضرب أروع الأمثلة في الأناه والحلم، وكان يصفح ويكظم غيظه، ولا يؤاخذ بالزلة، بل يعفو ويتجاوز، تولى أمر الأمة ﵁ وأرضاه فكان سديد الرأي، طيب السيرة، دخل عليه الأحنف بن قيس التميمي، سيد بني تميم فلما دخل عليه قال له معاوية: أنسيت يا أحنف! يوم الجمل ويوم صفين -يعني مع علي - فقال الأحنف وكان رجلاً شجاعاً: يا معاوية! إن السيوف التي قاتلناك بها في أغمادها في بيوتنا، وإن القلوب التي أبغضناك بها في صدورنا فإن عدت عدنا، فاحمر وجهه وسكت، فلما دخل إيوانه قالت ابنته: يا أبتاه! من هذا الأعرابي الجلف الذي يكلمك بهذا الكلام الغليظ وأنت لا ترد عليه؟ قال: هذا الأحنف بن قيس، هذا الذي إذا غضب غضب معه عشرة ألف سيف من بني تميم، لا يسألونه فيما غضب، وإنما يقولون: غضبت زبراء، وزبراء جارية للأحنف، فيسمون الأحنف زبراء، فيقول: لو أنني أغضبته سوف يغضب معه عشرة ألف سيف.
والأحنف بن قيس كان من أجود وأحلم العرب، مع أنه كان هزيلاً أحنفاً يمشي على رجلٍ واحدة مهلهل الشعر، لكن كله عقلٌ وحكمة وذكاء ودهاء، فـ معاوية صفح عنه وكظم غيظه.
في يوم من الأيام، قال وهو يتمازح مع عمرو بن العاص: أيُّنا الأدهى أنا أم أنت؟ فقال عمرو بن العاص: أنا أدهى منك، قال: ولمَ؟ قال: أخرج من عندك في المجلس، فقال معاوية: اخرجوا، فخرجوا، فقال عمرو: ادنُ مني أحدثك، فاقترب منه معاوية، فقال عمرو: وهل معنا أحد حتى تدنو مني!
وهذه القصة مذكورة في عيون الأخبار وفي غيره.
стр. 7317
حديث عظيم في فضل الجمعة
يقول البخاري ﵀: باب فضل الجمعة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر﴾ وفي هذا الحديث عدة مسائل:
стр. 7318
مناسبة الحديث للباب
المسألة الأولى: ما مناسبة ترجمة البخاري للحديث؟ أي ما مناسبة الباب أن يقول البخاري: باب فضل الجمعة ثم يأتي بهذا الحديث، حديث البدنة والبقرة، والكبش والدجاجة والبيضة؟
و
الجواب
المناسبة أنه ما دام قارن ﷺ بين التبكير وبين الفضل المالي الذي يدفعه العبد ويتقرب به إلى الله، فما قارن ﷺ بين هذا وهذا إلا لفضل يوم الجمعة وساعاته، فاقتضى أن يوم الجمعة فاضل، فهذه مناسبة الباب للحديث، أنه لما قارن ﷺ بين التبكير وساعات التبكير والعمل المالي الذي يدفعه المسلم كالبدنة والبقرة اقتضى فضل يوم الجمعة، فأتى به ﷺ .
стр. 7319
على من تجب صلاة الجمعة
المسألة الثانية: ماذا يؤخذ من قوله ﷺ (من اغتسل) و"من" للعاقل وهي تصرف عند الأصوليين على ما صرفته النصوص، فهنا (من) قال ابن حجر وغيره من أهل العلم: تشمل كل من يشمله وجوب حضور صلاة الجمعة، فالذكر الحر، القادر، المقيم، يشمله الخطاب، أما المسافر ففيه حديث: ﴿لا جمعة على المسافر﴾ وكذلك المرأة، والصغير، والعبد لا جمعة عليهم، فـ (من) هنا تنصرف إلى من صرفته النصوص أو قيدته نصوص الشارع الحكيم ﷺ .
стр. 7320
معنى: (من اغتسل يوم الجمعة)
المسألة الثالثة: ما معنى قوله ﷺ : ﴿من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة﴾؟
فيه جوابان: الأول أن المعنى: من اغتسل كغسل الجنابة على أنه حذف كاف التشبيه، وهذا رأيٌ لبعض المحدثين، كما يقول الله : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] أي تمر مراً كمر السحاب.
والقول الثاني وهو الأصوب أن معناه: من أتى أهله ثم اغتسل لرفع الجنابة عنه، وهذا القول هو الأظهر، والخلاصة أنه إذا كانت على التشبيه معناه: من اغتسل غسلاً كغسل الجنابة لا أنه اغتسل غسل الجنابة، فهذا مأجور ومشكور، يعني أن يتوضأ ثم يغتسل فيصبح غسله للجمعة كغسل الجنابة.
والرأي الثاني: من اغتسل غسلاً للجنابة، وجعله للجمعة، يعني أنه يأتي أهله يوم الجمعة ثم يغتسل للجنابة، ودليل هذا: ما جاء في السنن عنه ﷺ أنه قال: ﴿من غسل واغتسل﴾ قال الإمام أحمد: أي أن الرجل يأتي أهله يوم الجمعة فيغسل نفسه ويغسلها، أي يضطرهم ويحوجهم إلى الغسل وذلك أغض لطرفه وأسكن لنفسه، وأقبل لروحه إلى ربه .
وكلا المعنيين صحيح عند أهل العلم، ولا تعارض بينهما والحمد لله.
стр. 7321
معنى الرواح في الحديث
القضية الرابعة: قوله: (ثم راح إلى الجمعة) كيف يقول ﵊ ثم راح والرواح آخر النهار، لأن العرب اصطلحت أن الرواح من الظهر إلى المساء، واصطلحت أن الغدو من الصباح إلى الظهر، فكيف يقول ﷺ من راح والرواح في آخر النهار؟ وفي القرآن آية تؤيد أن الرواح في آخر النهار وهي في سورة النحل ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل:٦] فتسرحون الصباح، وتريحون بعد صلاة الظهر، فكيف يقول ﵊ من راح إلى الجمعة؟ يعني يروح بعد الظهر، والإمام مالك: حمل الحديث إلى أنه يروح بعد الزوال، فقال: يبقى الإنسان في بيته ويغتسل فإذا زالت الشمس يبدأ بالرواح، يعني أن المصلين لا يروحون إلى المساجد عند الإمام مالك إلا بعد الساعة الثانية عشرة بتوقيتنا.
والجواب على هذا الإشكال أن معنى (راح) هنا: معناها سار، فإنها تستخدم بالتضاد لكلمة يغدو، يقول: الصلتان السعدي كما في كتاب الحيوان للجاحظ:
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
أي: نذهب ونأتي، فليس معنى أننا نروح في آخر النهار، ومعنى نغدو أي نغدو في الصباح أي:
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
وهناك في السنة حديث يؤيد هذا الكلام أن الرواح بمعنى الذهاب والمجيئ وهو حديث في فضائل المحافظة على الصلوات الخمس، وفيه: ﴿أعد الله له نزلاً كلما غدا أو راح﴾ أي: كل ما ذهب وأتى، لا بمعنى كل ما مشى في الصباح، لأن الصلوات خمس، ولا بمعنى أنه أتى في آخر النهار، فمعنى غدا أو راح هنا، أي أنه ذهب وأتى، ولذلك سوف يأتي تقسيم الساعات عند الغزالي من الشافعية، وعند الإمام مالك من المالكية، وعند الجمهور.
стр. 7322
معنى البدنة في الحديث
المسألة الخامسة: يقول ﵊: ﴿فكأنما قرب بدنة﴾ فما هي البدنة؟
البدنة في لغة العرب تطلق على الناقة من الإبل خاصة، وتطلق على البقرة تجوزاً، لكن ما هو المقصود بها في الحديث هنا؟ الذي ينصرف إليه لفظ بدنة في الحديث هو إلى الناقة، لماذا؟ لأنه ذكر بعدها البقرة، ويقولون: وقسيم الشيء غير الشيء، وهذا عند الأصوليين أن قسيم الشيء غير الشيء، إذا قال: بدنة وسكت احتمل أن تدخل فيه البقرة، وإذا قال: بدنة ثم قال بقرة خرج القسيم وهو البقرة، وقسيم الشيء غير الشيء.
تقول: جاءني رجلان، أو تقول: جاءني محمد وزيدٌ، أو جاءني رجلان فيهم محمد، اقتضى أن الآخر اسمه يختلف عن اسم محمد، أو أنه مسكوت عنه.
стр. 7323
استحباب تأخر الخطيب
المسألة السادسة: في قوله ﵊: ﴿فإذا خرج الإمام﴾ ماذا يؤخذ من هذا الحديث؟ وماذا نستفيد من هذه القضية؟ فيه فائدة وهي أنه ﷺ عد ساعاتٍ ست أو خمس ثم قال: ﴿فإذا خرج الإمام﴾ يقول: المازري من المالكية في الحديث استحباب تأخر الإمام لأنه عدد ﷺ أهل الفضل بدنة، فبقرة، فكبش، فدجاجة، فبيضة، فقال: ﴿فإذا خرج الإمام﴾ ورد عليه ابن حجر؛ لأنه من الشافعية، وقال: قد يجلس الإمام في مكانه في المسجد ثم يصعد، ولا تعارض في الحديث، لكن ما قاله المازري أوجه.
стр. 7324
الحديث عن الملائكة الذين ذكروا في الحديث
المسألة السابعة: من هم الملائكة وأقلامهم الذين ذكرهم ﷺ ؟ هل هم الحفظة أم غير الحفظة؟
يقول ﵊ ﴿فإذا دخل الإمام﴾ أي رقى المنبر طوت الصحفَ الملائكةُ وجلسوا يستمعون الذكر، فهل هم الحفظة أم غير الحفظة؟
قال ابن حجر: وليسوا بالحفظة؛ لأنهم لو كانوا حفظة ما طووا صحفهم، لأن الحفظة يسجلون الأجر، أجر استماع الخطبة، وأجر الإنصات، والدنو من الإمام، وأجر صلاة الجمعة ويكتبون الخطايا التي تحدث ومن لغا، فيقتضي هذا أنهم غير الحفظة، فهؤلاء مهمتهم التبكير فحسب، مهمتهم أن يسجلوا المبكرين، فإذا انتهوا من هذا الأمر، طووا الصحف وجلسوا يستمعون إلى الخطيب، وهل هناك من الملائكة غير الكتبة يرافق العبد؟
في القرآن له ملائكة غير الكتبة يرافقونه يقول تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] ما هي المعقبات؟ قيل: هي التي تحفظ العبد من قدر الله، أي له معقبات يحفظونه من أمر الله، وهنا (من) بمعنى بأمر الله، أي أن الله قدر عليهم أن يحفظوا هذا العبد بأمره ، فإذا أتى القضاء، وحل القدر تخلوا عنه، كأن يقدر على الشخص الهلاك في اصطدام سيارة أو في تحطم فيحمونه حتى يأتي القضاء والقدر، فإذا أتى تخلوا عنه، فهذا معنى له معقبات من بين يديه ومن خلفه.
أما بالنسبة لأقلامهم: فقد روى أبو نعيم في الحلية أن الملائكة الذين يسجلون يوم الجمعة، أقلامهم من نور، وصحفهم من نور.
стр. 7325
معنى طي الصحف
المسألة الثامنة: كيف يطوون الصحف وعن ماذا يطوون الصحف؟ يطوونها عن أجر التبكير، فلا يطوونها عن أجور أخرى سوف تحدث، لأن غيرهم موكل بالأجور الأخرى مثل من استمع إلى الخطبة ومن أحسن وخشع في صلاة الجمعة.
стр. 7326
رحمة الملائكة بالمؤمنين
المسألة التاسعة: أورد ابن خزيمة: أن الملائكة يقفون عند الأبواب، فينتظرون ويسألون الله للمؤمنين أن يسهل لهم الدخول إلى المسجد شفقةً من الملائكة.
فهل في القرآن آية تدل على أن الملائكة يشفقون على مؤمني بني آدم؟ نعم.
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] فعند ابن خزيمة قال: تقول الملائكة: اللهم إن كان فقيراً فأغنه، يعني المتأخر إن كان فقيراً ما أخره إلا العمل من أجل مهنته ومعيشته فأغنه، اللهم إن كان مريضاً فاشفه، اللهم إن كان ضالاً فاهده، ولذلك ما قالوا إن كان غاوياً فأغوه، إنما من شفقتهم قالوا: اللهم إن كان فقيراً فأغنه، اللهم إن كان ضالاً فاهده، اللهم إن كان مريضاً فاشفه، حتى يدخل الإمام، فإذا دخل الإمام يئسوا ألا يدخل أحد، وإذا دخل أحدٌ بعد هذا فليس له أجر التبكير بعد أن دخل الناس وأصبحوا آذاناً صاغية وأصبح الخطباء على منابرهم وتحصل ساعة الإجابة، وكما سوف يمر معنا كلام أهل العلم عن هذه الساعة.
стр. 7327
حكم غسل الجمعة
المسألة العاشرة: يؤخذ من الحديث فضل الغسل، وقد مر معنا أنه سنة مؤكدة، وأن الوضوء وارد؟
وسوف يمر معنا أن من لم يستطع الغسل فعليه بالوضوء.
стр. 7328
تفاضل الناس بأعمالهم
المسألة الحادية عشرة: تفاضل الناس في أعمالهم، أو فضل التبكير، وهذه المسألة في قوله ﵊: ﴿من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن﴾ لماذا قال: (أقرن)؟
الجواب
أن ذلك تعظيم للكبش؛ لأنه أشرف، ولذلك كان ﷺ إذا ضحى يضحي بكبشٍ أقرن، وهو عند العرب أفخر وأفضل الكباش، ثم قال: ﴿ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة﴾ فهل بين الدجاجة والكبش نوع آخر من الحيوانات؟
عند النسائي في سننه من رواية الزهري أن بين الدجاجة وبين الكبش بطة، وعند النسائي كذلك بين الدجاجة وبين البيضة فكأنما قرب عصفوراً، ولكن رواية البخاري على خمس ساعات لئلا تزدحم الساعات ولو كانت عنده على شرطه، لما توانى في إيراد الحديث، ونحن سوف نشرح الحديث الذي على شرط البخاري والذي فيه تقسيم الساعات إلى خمس ساعات.
стр. 7329
تقسيم ساعات الجمعة وما يقابلها من الأجور
﴿من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة﴾ الحديث ذكر خمس ساعات، وعند النسائي ست أو سبع، وبناء عليه فإنه لما قال الإمام مالك: أن المعنى من قوله: (من راح) أي إذا زالت الشمس يبدأ الناس يخرجون من بيوتهم، فقال مالك: إن هذه الساعات هي لحظات خفيفةٌ لطيفة كأقل ما يكون وتتابع بسرعة، لأن بعد الزوال لا يتحمل خمس ساعات، ورد عليه أهل العلم أن هذا خلاف كلامه ﷺ ، قال الإمام أحمد: أما مالك فقد عارض حديث الرسول ﷺ .
والإمام مالك ما خالف الحديث متعمداً، لكنه مجتهد أخطأ في هذه المسألة فله أجر واحد، وقال ابن حجر: وتجاسر الغزالي، (ومعنى تجاسر أي: تشجع واقتحم الموقف) وقال: أما الساعة الأولى فهي من بعد صلاة الفجر، ولذلك يقول في كتابه إحياء علوم الدين: إذا صلى العبد صلاة الفجر فليذهب إلى المصلى مباشرة، وكان السلف يأخذون السرج في الطريق يستضيئون به إلى الجمعة، فقال له أهل العلم: من أين لك هذا الاستدلال؟ إنما هذا من كيسك، والغزالي يريد تربية وشحذ همم الأمة، لكن أهل العلم كـ الذهبي، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم يقولون: إنه ضعيف في الرواية والنقل ﵀.
فأتى الغزالي بهذه المسألة، فقال: الساعة الأولى: من بعد الفجر إلى أن تطلع الشمس، والساعة الثانية: من طلوع الشمس إلى أن ترتفع، والساعة الثالثة: من ارتفاعها إلى أن تبسط في الجو، والساعة الرابعة: إلى أن ترمض الأقدام (من الرمضاء) والساعة الخامسة من رمض الأقدام إلى قدوم الخطيب.
فقال له أهل العلم: من أين لك هذا حتى تجاسرت على تحديدها بذلك؟!
والصحيح الذي قاله الجمهور أنها ساعاتٍ زمنية معلومة الله أعلم بها، لكن ترتب كالساعات المعروفة عندنا فترتب خمس ساعات من قبل دخول الخطيب، وعليكم بترتيبها، والخطيب يدخل في الثانية عشرة فاحسبوا من قبلها خمس ساعات تنازلياً، فهذا ما ذهب إليه الجمهور، وأخذ منها المالكية جواز التاريخ الإسلامي أن يوضع التاريخ ويحسب من معرفة الساعات، لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿نحن أمةٌ أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا﴾ أي: تسعة وعشرين يوماً، أو ثلاثين يوماً فالنبي ﷺ ما كتب رقماً، وإنما قال: ﴿نحن أمةٌ أمية﴾ يعني على الجبلة والفطرة، لكنها أمة ذكية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، قال الجمهور: فلا يرد التاريخ، قال المالكية: بل يرد؛ لأن الرسول ﷺ قال: ﴿من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة﴾ فهو ﷺ أتى بالرقم التسلسلي التنازلي إذا حسب من دخول الخطيب، من جاء في الساعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة.
стр. 7330
العلاقة بين التبكير والجلوس في الصف الأول
وهنا ملاحظة مهمة يكثر الاستفسار عنها، وهي أنه ليس مقصود التبكير هنا الجلوس في الصف الأول، وأجر الصف الأول فيه أحاديث أخرى في فضله: لكن مقصود التبكير هنا أن يحرص الإنسان على الفضل، فإنه قد يأتي في ساعة متقدمة فيكون في الصف الثالث لامتلاء الصفين الأولين وذلك لحرص الناس على التبكير، وقد يأتي في الساعة الخامسة ويصلي في الصف الأول، كما في بعض القرى حيث يدخلون مع دخول الخطيب، فهذا من تكاسلهم وبعدهم عن السنة، فهذا يختلف باختلاف الناس، إنما المقصود من الحديث الحرص على التبكير، لا الحرص على الصف الأول.
ومن الأدلة أيضاً التي استدل بها الإمام مالك على أن الرواح بعد الزوال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] لكنه لا يقتضي أن يكون السعي بعد النداء، لأن الله في آياتٍ كثيرة قدم الطلب على العمل، كما قال : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] وليس معنى الآية أنه إذا قرأ خمس آيات فإنه يختمها بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال أهل العلم: المعنى إذا أردت أن تقرأ فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فحمل الجمهور الآية أي تعالوا واقبلوا حتى تسمعوا نداء الله ، أو تبقى الآية على عمومها، ولكن معناها ألا تشتغلوا بتجارة إذا سمعتم نداءها وهذا للمتخلفين، أي: هذا هو الحد الأدنى، وهو خاص بالمنشغلين أما أن يبقى الناس إلى الساعة الأخيرة ثم يقول لهم إذا سمعتم النداء فتعالوا فليس كذلك.
ثم العمل يفسر النص، فإن الصحابة كانوا يبادرون من الساعة الأولى، وما كانوا ينتظرون النداء، بل قال ابن القيم في زاد المعاد: إن الناس كانوا يجتمعون في عهده ﷺ ، فإذا دخل ﵊ أذن بلال.
والمقصود أنه يؤذن وهم موجودون، أما أن يبقوا ثم يأتوا بعد الأذان فهذا ليس بمعروف، والإمام مالك استدل بهذه الآية كما بينا، لكن أكثر استدلاله باللغة (من راح).
стр. 7331
مسائل هامة في أحكام يوم الجمعة
стр. 7332
الغسل هل هو لصلاة الجمعة أم ليوم الجمعة
وهنا ملاحظة هامة وهي: هل الغسل ليوم الجمعة أم للجمعة؟
وهذه مسألة شائكة، كما يقول فيها بعض أهل العلم: تساقطت فيها عمائم الأبطال وتكسرت فيها النصال على النصال، وأول من أثارها الإمام ابن حزم في المحلى قال: الغسل ليوم الجمعة ليس للجمعة، وفائدة الخلاف إن كان الغسل ليوم الجمعة فيجوز لك أن تغتسل بعد صلاة العصر من يوم الجمعة أو قبل المغرب، لأنك اغتسلت لليوم، وإن كان للصلاة فلا يجوز لك أن تغتسل بعد الصلاة، بل لا بد أن تغتسل قبل الصلاة، ومن أدلة ابن حزم أن النبي ﷺ يقول: ﴿من اغتسل يوم الجمعة﴾ ولم يقل للصلاة، فقال له الجمهور: وأين أنت من بقية الحديث؟ من اغتسل يوم الجمعة ثم راح، فهل يروح بعد صلاة العصر؟! فردوا عليه بهذا الرد، ومنهم صاحب المغني وابن حجر في الفتح، وقد أورد ابن حزم هذه المسألة في المحلى وهي جيدة، وإيرادها في هذا المكان مناسب.
стр. 7333
العلة في الأمر بالغسل
وهناك فائدة أخرى وهي هل الغسل لأجل التنظيف أو للتطيب أو أنه أمر تعبدي؟
أورد ابن القيم هذا في زاد المعاد، والقائلين بأنه للتنظيف أي من لم يجد وسخاً في جسمه فإن الغسل غير واجب عليه، وإن كان تعبيداً فإن عليه أن يغتسل سواءً وجد وسخاً أو درناً أو لم يجد، وفائدة هذا أنه ورد في حديث عائشة الصحيح أن الصحابة كانوا يأتون من أعمالهم وعليهم الصوف فتنبعث منهم الروائح، يعني كانوا يشتغلون في مهن أنفسهم، يشتغلون في الزراعة وغيرها، حتى إن من أسباب ترك بعضهم الرواية وحفظ كثير من الأحاديث الانشغال بالمعيشة، فهم كانوا يعيشون على الفطرة هكذا، وكانوا يلبسون الصوف لأنهم فقراء، فإذا لبسوا الصوف مع الحر الشديد انبعثت منهم روائح كريهة، فأخبرهم النبي ﷺ أن يغتسلوا.
فمفهوم المخالفة هنا أنه إن كان الغسل من أجل التنظف فإن من وجد وسخاً فليغتسل، وإن كان الأمر تعبدياً فعليه أن يغتسل مطلقاً، والأقرب في هذه المسألة أن الأمر هنا تعبدي، فإن النبي ﷺ يقول: ﴿من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل﴾ وقال هنا: ﴿من اغتسل يوم الجمعة﴾ ولم يذكر هنا ﷺ تنظفاً أو غيره.
стр. 7334
حكم الغسل لمن جاء الجمعة من غير أهل الوجوب
هل الغسل على من يأتي الجمعة من أهل الوجوب أو على من يأتي الجمعة وليست بواجبه عليه، كالمسافر أو المرأة والطفل؟
في الحديث الصحيح عن جابر بن سمرة، وعن ابن عمر مرفوعاً: ﴿غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم﴾ لكن لفظ واجب هنا كما يقول ابن حجر: لا تعرَّف كما يعرفها أهل الأصول أنه بمعنى الأمر، أي بمعنى الحتم الذي عرف عند الأصوليين، لا.
بل هو بمعنى أمرٌ مؤكد، فقال ﷺ : ﴿غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم﴾ لأنه يروح إلى الجمعة والظاهر من ألفاظ أحاديث النبي ﷺ : أن من أتى إلى الجمعة سواءً من أهل الوجوب أو من غيرهم فعليهم أن يغتسلوا، لماذا؟ لحديث: ﴿من اغتسل يوم الجمعة ثم راح﴾ ﴿ومن أتى الجمعة فليغتسل﴾ رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من أتى الجمعة فليغتسل﴾ فلم يحدد ﵊.
وللفائدة أنه قد مر معنا أن المسافر في حديث الطبراني حديث: ﴿ليس على مسافرٍ جمعة﴾ لكنه حديث ضعيف، فيه عمر بن عبد العزيز وليس هو الخليفة ﵁، لكن رجلٌ ضعيف لا يصح حديثه، لكن ابن تيمية كما يذكر البليهي في السلسبيل حاشية زاد المستقنع، قال: من كان مسافراً وحضر بلداً تنعقد فيه الجمعة فعليه أن يحضرها وجوباً؛ لأنه سمع النداء، كأن يذهب إنسان لنزهة أو رحلة فينزل في مكان وهو مسافر فيسمع نداء يوم الجمعة فعليه أن يحضرها وجوباً، فالغسل ليس للوجوب.
وقد ذكر ابن حجر أنه ثبت أن النهار اثنتا عشرة ساعة، والحديث الذي رُوي وفيه أن النهار اثنتا عشرة ساعة رواه أبو داود ورواه الحاكم في المستدرك وقد وضعت الساعات الموجودة عندنا على هذه الساعات، فإن النهار اثنتا عشرة ساعة، واستشهد كذا بعض المالكية وقالوا: كيف بساعات الصيف وساعات الشتاء فإنها تختلف؟ قالوا: تقدر خمس ساعات، هذا ما ورد.
ومن الإشكالات -أيضاً- في موضوع حكم غسل الجمعة إنكار عمر على عثمان عدم اغتساله، فإن عثمان جلس ولم يغتسل، فجلس والصحابة كلهم في المسجد، وهذا يدل أنهم أجمعوا إجماعاً سكوتياً أن الغسل غير واجب، ولو علموا أن الغسل واجب لأنكروا على عثمان ولقالوا: أخطأت، كيف ينكر عليك أمير المؤمنين ثم تجلس، ولو علم عثمان ﵁ أنه واجب لما جلس ﵁ وأرضاه.
ثم الرد الثاني: أن قوله ﷺ : ﴿من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل﴾ لكن ابن حزم يرى أن الغسل واجب في المحلى، ويستدل بأدلة قوية من ذكائه وفطنته حتى يقول ابن تيمية لما تعرض لمسألة من مسائله: والله إني أعجب من هذا الرجل -يعني ابن حزم - من ذكائه وفطنته ومن شواذه وغرائبه، وليس معصوماً إلا محمد ﷺ ، فـ ابن حزم يقول: الغسل واجب، وأما حديث عثمان فلم يذهب للاغتسال إما لأن الوقت ما أسعفه، فكيف يذهب يغتسل وعمر على المنبر؟! هذا الأمر الأول.
والأمر الثاني: أن استماع الخطبة أوجب عنده من الغسل والغسل واجب.
والأمر الثالث: أن سكوت الناس ليس فيه دليل، فقد يكون عند أحدهم علم، لكن كيف يتكلم وعمر يخطب.
فهذه مجمل ردود ابن حزم.
لكن الصحيح أن الغسل ليس بواجب، ولو أن بعض أهل العلم أوجبوه.
стр. 7335
المؤمنون يدخلون الجنة برحمة الله وتكون منازلهم بحسب أعمالهم
المسألة الثانية عشرة: وهي تفاضل الناس في الجنة بأعمالهم: يقول : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٤].
وهنا سؤال قبل الدخول في هذه القضية، وهو هل يدخل الناس الجنة بأعمالهم أم برحمة الله؟ فالله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] فكيف نوفق بين هذه الآية وبين قوله ﷺ : ﴿لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتداركني الله برحمته﴾ فكيف يجمع بين الآية والحديث.
و
الجواب
أن بعض العلماء ذهب إلى أن الباء هنا سببية، ليست بباء العوض، فباء العوض كأن تقول: أعطاني القلم بريال.
فيكون المعنى: أي أن من الأسباب التي أدخلتكم الجنة أعمالكم، وهذا رأي لبعض أهل العلم، وهو رأي قوي، لكن ذهب ابن القيم إلى قول وسط وهو أنهم يدخلون الجنة برحمة الله وتتوزع عليهم الدرجات والمنازل بأعمالهم، وهذا رأي أحسن من القول الأول.
بالله لفظك هذا سال من عسلٍ أم قد صببت على أفواهنا العسلا
لأنه لو حملناها على السببية لقلنا: الناس كلهم يدخلون ويبقون في درجة واحدة، فلماذا يرتفع هذا مائة درجة وهذا خمسين درجة، فاقتضى أن ابن القيم يحمل هذا الحمل الممتاز، وهذا الرأي الصحيح الفصيح الذي ما سمع بمثله، فيدخلون الجنة برحمة علام الغيوب أرحم الراحمين، ولكنه يوزعهم في الدرجات بأعمالهم.
وهذه المسألة هنا المسألة الثانية عشرة: فضل الناس بأعمالهم، وجه الاستدلال من الحديث هو أنه من أتى في الساعة الأولى، ليس كمن أتى في الساعة الخامسة، فليس فضل الناس بمناصبهم أبداً، كأن يأتي المسئول قبل دخول الإمام بلحظات، فهذا ليس له أجر المبكر، فالتفاضل عند الله بالأعمال لأن الرسول ﷺ عمم على الناس، وما جعلها على الصفات، كأن يقول: من جاء من العلماء أو من الصلحاء أو من الدعاة، أو من الأغنياء أو من الفقراء، وإنما قال من جاء أو من راح، فعممها ﷺ ، فاقتضى أن التفاضل بالأعمال.
стр. 7336
عدم احتقار الصدقة القليلة
المسألة الثالثة عشرة: القليل من الصدقة غير محتقر، كما قاله ابن حجر، ويؤخذ ذلك من الحديث، عند ذكر (البيضة) لكن هنا سؤال هام: يقوله أهل العلم: وهو كيف يقول ﷺ : ﴿فكأنما قرب دجاجة﴾ فهل تقرب أو تهدى الدجاجة أو البيضة؟ لأن الهدي معروف أنه إما إبل أو بقر أو غنم، فكيف يقول ﷺ : ﴿فكأنما قرب أو أهدى دجاجة أو بيضة﴾ وفي لفظ: ﴿فكأنما أهدى﴾ يعني من الهدي الذي هو في الحج، فكيف نجيب؟
نقول: اشتركت هذه في العطف، ولا يقتضي أن توافقها في الصفات، كما يقول اللغوي الشاعر العربي: "متقلداً سيفاً ورمحاً"، فليس المعنى أنه وضع رمحه كما وضع سيفه على عنقه بل المعنى وحاملاً رمحاً، وكما يقول الآخر: "فزججنَ الحواجب والعيونا" أي وكحلن العيون وليس المعنى وكحلن الحواجب، وهكذا.
ولكن الصحيح أنه لا يلزم أن يكون من الهدي.
والمعنى من الحديث أنه تقرب إلى الله سواءً في صدقةٍ أو في هديٍ أو في نافلةٍ أو في إطعامٍ أو في منفعة، أي أنه تقرب إلى الله بأي تقرب.
стр. 7337
حكم التضحية بالدجاج
ولعله يشكل على البعض مسألة هل يجوز للمسلم أن يضحي بدجاجة؟
أقول: هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، وذكرها الصنعاني صاحب سبل السلام، فقال: وضحى أبو هريرة بديك، ولكن الصحيح أنه لا يضحى بالدجاج، لأن الرسول ﷺ توقف إلى حد الغنم، ولم يذكر الدجاج، وإنما الذي رجح جواز الدجاجة أخذ ذلك من هذا الأثر، ولكن لو قلنا ووافقناه، قلنا كذلك: تجوز الأضحية بالبيض، فتصبح المسألة فيها شيء من السخف، لكن الصحيح أنه يوقف عند الغنم.
стр. 7338
الإبل أفضل من البقر في الصدقات
المسألة الرابعة عشرة: هل الإبل في الهدي أفضل أم البقر؟ وهذه مسألة يذكرها الفقهاء في باب الحج، فبعضهم قدم الإبل، وبعضهم قدم البقر لكن الصحيح أنها الإبل لأن الرسول ﷺ بدأ بها، وهي أشرف، والله ذكرها في القرآن فبدأ بها قبل البقر، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] فقدم الله الإبل على البقر.
ومن الفوائد هنا ما يدل على فقه الإمام أحمد وفطنته وذكائه ﵀ أنه سئل: هل تنحر البقر أو تذبح؟ والبخاري عقد باباً في كتاب الحج، باب: هل تنحر البقر، لماذا قال: هل تنحر البقر؟ لأن هنا إشكال هل تذبح أو تنحر؟ فسئل الإمام أحمد هل تنحر البقر أو تذبح؟ قال: تذبح، قالوا: وما الدليل؟ قال: يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] فأخذها من قصة بني إسرائيل وأتى بها في هذا الموضع، وهل الفقه إلا هذا.
ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا
стр. 7339
متى تكون ساعة الإجابة في يوم الجمعة
المسألة الخامسة عشرة: يوم الجمعة اثنتي عشرة ساعة، وهذا الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي والحاكم، فليعلم أن يوم الجمعة وغيره من الأيام اثنتا عشرة ساعة، ثم هنا
السؤال
أي ساعة تكون هي من هذه الساعات؟
ذكر ابن حجر فيها ثلاثة وأربعين قولاً، والصحيح أنها في آخر ساعة من يوم الجمعة.
ولكن كيف نرد على الحديث الذي جاء عن أبي موسى في صحيح مسلم أنه سئل عن ساعة الجمعة، فقال: يقول ﷺ : ﴿هي من جلوس الخطيب إلى أن تقضى الصلاة﴾ فما هو الرد؟
من الأقوال التي حكاها ابن حجر، أنها تكون متنقلة، مرة تأتي في الساعة الأولى، ومرة في الثانية، ومرة في الثالثة، ومرة عند جلوس الخطيب، ومرة في آخر ساعة، ولكن هذا جواب فيه احتمال لا يرتضى، لأنه لابد من جزم، ولا بد أن ينقل لنا عن المعصوم أنها متنقلة.
ومن الردود أن هذا الحديث ضعيف، فقد ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثامن عشر من الفتاوى، قال: ثلاثة أحاديث في صحيح مسلم ضعيفة، ثم أتى بهذا الحديث، فقال: إن هذا الحديث ضعيف، فيه انقطاع بين أبي بردة، وبين الراوي عنه، وممن سبقه من الحفاظ أبو الحسن الدارقطني حافظ الدنيا، فقال: هذا الحديث ضعيف، وذكره ابن حجر في بلوغ المرام، والصحيح -والله أعلم- أنه ليس بضعيف، فقد سألت عنه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: ليس في صحيح مسلم حديثٌ ضعيف.
وأما قول ابن تيمية فمسبوقٌ إليه، سبقه الدارقطني، والدارقطني مردودٌ عليه، والأمة تلقت الصحيحين بالصحة والقبول، فالقول بأن الحديث ضعيف يكون فيه نقض للإجماع، فالمعلوم أنه حديث صحيح، وأن الانقطاع الذي فيه ظهر أنه متصل عند مسلم أيضاً، وأن هذا من الحديث الذي أدرك على الدارقطني.
لكن كيف يفهم الحديث؟
هذا الحديث شائك، إن قلنا بصحته فإنه لابد من جمعٍ لهذه الأقوال وإن قلنا ضعيف أرحنا أنفسنا كما فعل ابن تيمية، وأخذنا بحديث أبي هريرة، وهذا لا نستطيع تفصيله هنا.
стр. 7340
تقسيم ساعات الجمعة
المسألة السادسة عشرة: وقد مرت معنا كيف نقسم ساعات الجمعة؟
إذا أتى في الساعة الأولى ثم نام في المسجد فإنه قد قرب بدنة -إن شاء الله- ولا يلام على النوم إذا أتاه، لكن عليه أن يتقي الله ، وأن يحافظ على حضور قلبه وخشوعه في المسجد.
وعلى ذكر النوم فإن من دواعي النوم يوم الجمعة: الاحتباء، كأن يحتبي الإنسان، أو يجلس جلسة النائم الذي يريد النوم، لكن يكتب له الأجر، سواءً نام أو لم ينم.
من الفوائد أيضاً أنه يؤخذ من هذا الحديث أن الساعات الغروبية تقدم على الساعات الزوالية، وهذا مما ادعاه أهل العلم، وقاله المالكية، قالوا: التوقيت عندنا يبدأ من الصباح، ولا يبدأ من الظهر.
وهنا مسألة للفائدة: من أتى في الساعة الأولى فهل يأخذ أجر البدنة والبقرة والكبش والدجاجة والبيضة، لأنه أدرك الساعة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة؟
الظاهر أنه لا يأخذها لأنه قسمها، والتقسيم لا يقتضي أخذها كلها، يعني أن الرسول ﷺ قسمها لأشخاص، فالشخص الذي أتى أول مرة يأخذ بدنة، لكنه لو كان يأخذها جميعاً لقال الرسول ﷺ : فمن أتى في الساعة الأولى أخذ هذه الأجور، فيكفيه بدنة ويحمد الله على البدنة.
وهنا
السؤال
هل للخطيب أجر التبكير؟
نقول: نعم.
له من الأجر ما الله به عليم، يكفي أنه يحضِّر الخطبة ويتعب في تخريج الأحاديث، وفي مراجعة الكتب.
وأيضاً هنا مسألة يستشكلها كثير من الناس، وهي: من متى يبدأ غسل الجمعة؟
أقول: غسل يوم الجمعة يبدأ من الفجر، لأن أهل العلم استشكلوا من اغتسل لجنابة في الليل قبل الفجر، ونوى أنه للجمعة هل يحتسب للجمعة؟ قالوا: لا.
وقالوا: إنما يكون غسل الجنابة بعد أن يطلع الفجر لأن الحديث واضح: ﴿من اغتسل يوم الجمعة﴾ واليوم إنما يطلق بعد أن يطلع فجر اليوم.
стр. 7341
ساعة الاستجابة وحكم الصلاة بعد العصر
هنا أيضاً مسألة يستشكلها كثير من طلبة العلم وهي على القول بأن ساعة الاستجابة تكون بعد العصر، فكيف نجمع بينها وبين الحديث الذي رواه أبو هريرة أن الرسول ﷺ قال: ﴿هي آخر ساعةٍ من يوم الجمعة، ما من مسلمٍ قائمٍ يصلي يدعو الله إلا﴾ فكيف يصلي في تلك الساعة؟! وهذا استشكل على أبي هريرة ﵁ وأرضاه، وذهب إلى عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه، وأخبره الخبر، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من ساعات الجمعة، وهي بعد العصر، فقال له أبو هريرة فكيف يقول ﷺ : يصلي، وقد منعنا من الصلاة في هذا الوقت، قال: أما علمت أن الرسول ﷺ يقول: ﴿من كان ينتظر الصلاة فهو في صلاة﴾ وهذا الحديث رواه أبو هريرة، لكن ما استطاع أن يتذكر هذا الحديث في هذه القضية.
فمعنى ذلك أنه إذا انتظر صلاة المغرب وكان يدعو فهو في صلاة، لكن من دخل بعد صلاة العصر، من يوم الجمعة وكان قصده الدعاء والاستغفار فله أن يصلي ركعتين تحية المسجد لحديث أبي قتادة في الصحيحين قال ﵊: ﴿من دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾ فهذا عامٌ وهي من ذوات الأسباب التي تصلى في أوقات النهي فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، ولكن إن دخل بقصد التنفل فلا يصلي، لأنه يقول ﷺ : ﴿لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها بصلاة﴾ فهذا كأنه متحرٍ؛ لأنه دخل ليصلي، لكن دخل يدعو الله، ويستغفر ويقرأ القرآن، أو دخل ينتظر صلاة المغرب فعليه أن يصلي ركعتين، وينتظر صلاة المغرب وذلك مع تحية المسجد التي هي من ذوات الأسباب، وهذا كله إذا كان في المسجد، أما في بيته فلا يصلي شيئاً، لأن الحديث علق صلاة الركعتين بدخول المسجد والجلوس فيه، فهو خاص به.
وأما بالنسبة لساعة الإجابة فإنها ليست خاصة بمن في المسجد، بل أجرها يكون حتى لمن كان في البيت أو في أي مكان.
ولتوضيح هذه المسألة أكثر، أقول: جاء في حديث أبي هريرة الصحيح قال: قال ﷺ : ﴿لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس﴾ وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: ﴿شهد عندي رجالٌ مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن الرسول ﷺ نهى عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس﴾ وبالمقابل يقول ﷺ : ﴿من دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾ فذاك عام، وهذا خاص، فإن من دخل المسجد عليه ركعتان تحية المسجد، أما العام فإنه لا يصلي الإنسان لا في المسجد، ولا في غيره لقصد الصلاة، بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، فلا يجوز له أن يصلي بقصد الصلاة، فإذا تحرى الصلاة فإنه لا يجوز له ذلك، أما حديث أبي قتادة فإنه على الخصوص من ذوات الأسباب دخل، فتحية المسجد وردت، وإلا فلو لم يصل لكان هناك أمر منه ﷺ أن يصلي وكان هناك نهي ألا يصلي، فماذا يفعل؟
ولذلك كثير من المالكية كما قال القاضي عياض لا يصلي بعد العصر ولا يصلي بعد الفجر سواءً دخل المسجد أم لم يدخل، والصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم أن عليه أن يصلي ركعتين؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالركعتين، وقال: من دخل المسجد، وهذا عام ولم يستثنِ وقتاً من الأوقات، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، ثم إن هناك دليلاً آخر، فإن الرسول ﷺ كان يخطب الناس يوم الجمعة، والناس يستمعون لخطبته فدخل: سليك الغطفاني وجلس، لأن استماع الخطبة واجب، فقال الرسول ﷺ : ﴿أصليت؟ -فقطع الخطبة، والخطبة لا تقطع إلا لأمرٍ مهم وما يقيمه إلا لواجب- قال: أصليت ركعتين؟ قال: لا.
قال: فقم فصلِّ ركعتين وأوجز فيهما﴾ فاقتضى أن ركعتي تحية المسجد تجب على الداخل، ولا يجلس حتى يصلي ركعتين.
ولعل البعض قد يشكل عليه أمر، وهو أن الأمر هل يدل على الوجوب أم على الندب؟
أقول: إن أمره ﷺ أول ما ينصرف إلى الوجوب، لكن قد تأتي قرائن في الأمر تصرفه إلى غير الوجوب، كقوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١] فليس معناه وجوب الأكل والشرب، فهذا أمر، فقد ينصرف بالقرائن وسياق الكلام إلى الندب، لكن الأمر المجرد أول ما يطلق على الصحيح، فإنه يتجه إلى الوجوب، ولكن هناك سياقات مثل قوله ﷺ : ﴿استاكوا ولا تبقوا قلحاً﴾ فهذا أمر، والذي صرفه عن الوجوب حديث: ﴿لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء﴾ إذاً مخافة المشقة لم يأمرهم ﷺ ، فليس كل أمر يطلق يدل على الوجوب، فقد يكون للندب.
وبمناسبة الكلام عن ساعة الاستجابة ليوم الجمعة، هناك أيضاً ساعة الاستجابة في الليل، فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : ﴿ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل﴾ وفي لفظٍ آخر: ﴿حين يبقى من الليل ثلثه، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له، هل من مستغفرٍ فأغفر له، هل من سائل فأعطيه﴾ قال أهل العلم: الثلث الأخير أي: يقسم الليل إلى ثلاثة أثلاث، وكأن مدته ساعة أو ساعتين قبل الفجر، فإذا أتى ثلث الليل الآخر نزل الله نزولاً يليق بجلاله، ولا نكيفه ولا نمثله، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق؛ أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7342
ولقد جئتمونا فرادى
ما حقيقة الدنيا؟
سؤال يطرح نفسه بنفسه على كل ذي لب، ما هي حقيقة هذه الحياة التي نعيش فيها؟
بل نتفاخر في التسابق إليها، وتجد الإجابة في كتاب الله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ).
والمتأمل في سيرة النبي ﷺ وحياته يجد العجب العجاب، من زهده في الحياة الدنيا وإقباله على الآخرة، وكذلك سلك أصحابه من بعده والتابعين على هذا المنوال.
стр. 7343
كونوا من أبناء الآخرة
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
إن السلام وإن أهداه مرسله وزاده رونقاً منه وتحسينا
لم يبلغ العشر من قولٍ يبلغه أذن الأحبة أفواه المحبينا
وفي النماص تحياتي مرتلة غرست فيها بأشواقي رياحينا
آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا
سلاماً خاصاً وعاماً، فخاصاً لأرواحكم المؤمنة، ولأصالتكم ولطموحاتكم، فأنتم أبناء عمومة الأوس والخزرج.
ومن يشابه أبَه فما ظلم
حمية ونصرة لـ (لا إله إلا الله) أنا وأنتم أزديون، فخرنا ليس بالتراب والطين، وإنما بنصرة محمد والدين.
أنا من الأزد، أنصار الرسول ولي شفاعة الحب إني من محبيه
دمي ودمعي مدادٌ في مدائحه وفيض قلبي عصفوراً يناجيه
أشكر أصحاب الفضيلة العلماء والقضاة والمشايخ، والشباب، وأشكر القلوب الحية، والعيون المبصرة، والآذان السامعة، التي أتت هنا لتجتمع ولتسمع لا إله إلا الله، يوم اجتمع أهل الباطل لسماع الباطل، ولسماع النغمات المزرية والكلمات الفاحشة، أتوا ليستمعوا كلمات من نور، قال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥].
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام٩٤] فالقائل: الله، والمتكلم بها: الله، ومنزلها: الله، فقال الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] يقول البخاري في كتاب الرقاق من الصحيح: باب ما يحذر من زينة الحياة الدنيا، وقال الله : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌٌ﴾ [الحديد:٢٠] قال علي بن أبي طالب: [[ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]].
стр. 7344
حال العرب قبل وبعد بعثة النبي ﷺ
يا معشر العرب: كنا قبل لا إله إلا الله نطوف بالوثن، ونسجد للصنم، لا أدب، ولا ثقافة، ولا حضارة، ولا فنون، ولا رُقِي لنا، فلما بعث الله فينا محمداً ﵊، أذن في آذاننا بلا إله إلا الله، فتوضأنا بماء التوبة، وأخذنا سيوف النصر، وفتحنا الدنيا وصلينا على ضفاف دجلة والفرات وسيبيريا والسند والهند، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
يلبس المرقع ﷺ ؛ ولكنه يقود القلوب إلى الله، ويسكن بيت الطين، ولكنه يبني لأمته قصوراً في الجنة، ويلتحف قطعة من القماش لكنه يُلحف أمته نوراً من وهج الوحي.
إن حقيقة الدنيا، لم يعرفها إلا رسول الله ﵊.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الناس في حقيقة الدنيا صنفان: أهل التصوف الهندي المذموم، وهؤلاء أعرضوا عن الطيبات على مذهب المسيحية النصرانية.
وأهل الدنيا المتوغلون في دنياهم، عُبَّاد الشهوات" الراقصون على الملذات، مجلة خليعة، وأغنية ماجنة، ودُفّ ومزمار وطبلة، لا يعرفون الدعاء ولا الاستغفار، ولا الالتجاء إلى الواحد القهار، وتوسط أهل الإيمان، فعرفوا معنى الحياة، معنى لا إله إلا الله، ما معنى أن تكون عبداً لله؟ وكيف تقضي يومك وليلك؟ هذه معنى رسالته ﵊.
يقول أهل العلم من أهل السير والتاريخ: خرج عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه؛ ليأخذ مفتاح بيت المقدس الذي ضيعناه يوم ضيعنا لا إله إلا الله، بيت المقدس الذي ذهب منا حين أصبحت راياتنا -إلا ما رحم ربك- غير إسلامية، ونقول لـ عمر:
رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر
رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا
ذهب عمر على ناقة ومعه خادمه، وظن النصارى في بيت المقدس أن عمر سوف يأتي بموكب حار، وبعَرَمْرَم من الحرس، فأتى عمر بثوب قديم فيه أربعة عشر رقعة.
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
خرج عمر على ناقته يركب ساعة وخادمه ساعة، واقترب من بيت المقدس، وخرج النصارى رجالاً ونساءً وأطفالاً على أسطح المنازل ينظرون إلى عمر بن الخطاب، إلى هذا الرجل الذي دوَّخ العالم وهزَّ ربوع المعمورة.
كيف يأكل؟ وكيف يمشي؟ وما حرسه؟ وما ثيابه؟ وما لباسه؟ وإذا بـ عمر يقبل على ناقة، فقال النصارى: ربما هذا الرجل يبشر بـ عمر فلما علموا أنه عمر ارتفع بكاؤهم تأثراً، يقول أحد المسلمين لـ عمر: [[يا أمير المؤمنين! لو أخذتَ حرساً وجنوداً؟ قال عمر: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] ويدخل عمر ويصلي في بيت المقدس ويفتحه بإذن الله، ببردته، وبعصاه وبدرته، وبإخلاصه وإيمانه، لأنه عرف الله.
حقيقة الدنيا لم يعرفها إلا محمد ﵊، يقول سبحانه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٦] يقول للناس، وبعض المفسرين قالوا: يقول لأهل الكفر، والصحيح العموم، لأنه لا مخصص، يقول الله للناس يوم القيامة: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٦] وفي ترجمة نوح ﵇ الرسول والنبي الكريم، لما حضرته الوفاة، قال له محبوه: كيف وجدت الحياة؟ -وقد عاش أكثر من ألف سنة، منها ألف سنة إلا خمسين في الرسالة- قال: وجدت الحياة كبيت له بابان، دخلت من هذا وخرجت من ذاك.
يقول أبو العتاهية وهو يخاطب المهدي الخليفة العباسي الذي كان يحكم ثلاثة أرباع العالم الإسلامي، خليفة كان يقف على رأسه الوزراء من البرامكة وأمثالهم، ولا يلتفتون إليه من هيبته وصولجانه وسلطانه في الدنيا، لكن سلبه الذي يفرق الجماعات، ويأخذ البنين والبنات، ويهدم اللذات، أخذه ! وسبب موته عند بعض المؤرخين: أنه شرب ماءً بارداً فشرغ به فمات، فذهبوا به إلى المقبرة، فيقول أبو العتاهية:
نُحْ على نفسك يا مسكيـ ـن إن كنت تنوحُ
لتموتن ولو عُمرت ما عمر نوحُ
كل بطاح من الناس له يوم بطوحُ
وهذا مصداق قوله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] وسبب نزول هذه الآية: أن أبا جهل يقول: يزعم محمد أن عند ربه ملائكة، تسعة عشر على النار، أنا أكفيكم بعشرة، وأنتم اكفوني بتسعة، فيقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام:٩٤] مَن الذي خرج مِن الدنيا بأحبابه وخلانه؟ مَن الذي ذهب بالثياب والأصحاب؟ لا أحد أبداً، ولذلك يقول سبحانه في سورة أخرى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
стр. 7345
كن في الدنيا كأنك غريب
معنى الحياة: أن تصرفها في رضوان الله وطاعته.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان
وعند البخاري أن الرسول ﵊، قال لـ ابن عمر: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ وكان ابن عمر يقول: [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك]].
وأراد عمر أن يولي والياً على حمص، فاختار سعيد بن عامر الجمحي من قريش، وكان عابداًَ زاهداً شاباً من شباب محمد ﵊، لا يملك إلا عصاه وثوبه، وصحفته وإبريقه، هذا الذي يملك من الدنيا.
يقول أحد العلماء: " لما ملكنا الدين سخر الله لنا الدنيا، فلما ملكنا الدنيا وتركنا الدين، أخذت الدنيا من بين أيدينا".
سُلِبت أراضينا، وأُخِذت مقدساتُنا، وكل يوم نُهْضَم في بلادنا، لأن الرايات التي قاتلت إسرائيل في فلسطين كان مكتوباً على بعضها.
آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني
هذه راية البعث، فكان جزاؤهم، أن سُحِقوا ومُحِقوا وعادوا على أدبارهم.
شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا
ولكن لما وقف الصحابة بلا إله إلا الله فتحوا الدنيا.
يقول الذهبي في ترجمة خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، أبو سليمان الذي كان يقرأ القرآن في الليل وفي النهار جهاد، يقول: لما حضر معركة اليرموك، خرج قائد الروم فقال لـ خالد: [[يا خالد! ماذا جاء بكم؟ قال: جئنا لنهديكم إلى سبيل الله، أو نفتح الدنيا بلا إله إلا الله - أو كلاماً يشبه هذا - قال: أنا لا أسمع هذا الكلام، قال خالد: جئنا لنشرب دماءكم.
-لما عرف خالد أن الأمر لا يصلح فيه المسالمة والمجاراة- قال: لنشرب دماءكم، قال قائد الروم: يا خالد! يزعم الناس أنكم تتوكلون على الله، لا يضركم شيئاً، فهذه قارورة مملوءة سماً، إن كنت صادقاً فاشربها - والعُهدة على الذهبي، ويقول: سند الرواية صحيح، وهذا لا بأس به عند أهل السنة إذا كان هناك مباراة مع أهل الباطل فأخذ خالد بن الوليد القارورة مملوءة بالسم، ثم قال: بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، فلم يصبه شيء]] وخاض مائة معركة لم تهزم له راية.
تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
نُصِرَ بلا إله إلا الله، وبالإيمان، وبالصدق مع الله.
أتى عمر فقال لـ سعيد بن عامر، [[اذهب والياً على حمص، قال: لا.
لا أتولى الولاية، الإمارة صعبة، والمناصب مغارِم لا مغانِم، قال: والله لتتولين لي إمرة حمص، أتضعون الخلافة في عنقي وتتركونني؟! فذهب واستعان بالله، وكانت امرأته تاجرة، قالت: يا سعيد! عندي مال، أريد أن تبحث لنا من يتاجر لنا فيه، فأخذ مالها، فتصدق به في سبيل الله، قالت: أين المال؟ قال: أعطيته من يعطينا في الدرهم عشراً إلى سبعمائة درهم، إلى أضعاف كثيرة]] قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١].
و [[خرج ووصل إلى حمص، والتقاه أهل حمص، وهو يأكل قطعة من اللحم وكان على حمار فقالوا: أرأيت في طريقك الأمير الذي أرسله عمر، قال: أنا الأمير، قالوا: الأمير على حمار؟! قال: بلى.
فنزل عندهم، وكان عمر يطوف على أمرائه وولاته، كل سنة يحاسبهم، فلما أتى إلى أهل حمص، جمعهم، وأجلس الأمير أمامهم، وقال: ماذا ترون في أميركم وواليكم؟
قالوا: ما ننقم عليه إلا أربع مسائل.
قال عمر: ما هي؟ ثم قال: اللهم لا تخيب ظني فيه!
قالوا الأولى: لا يخرج علينا حتى يرتفع النهار، يعني: يتأخر على الدوام، يأتي حدود العاشرة.
قال: هذه واحدة، وعمر عنده الدرة جاهزة، يخرج بها شياطين الإنس والجن من الرءوس.
قال: والثانية.
قالوا: وله يوم في الأسبوع لا نراه ولا يرانا.
قال: والثالثة.
قالوا: ولا يخرج لنا في الليل مهما طرقنا عليه بعد العشاء.
قال: والرابعة.
قالوا: يغمى عليه أحياناً إذا جلس في مجلس القضاء، لفصل الخصومات.
قال: أجب يا سعيد بن عامر، اللهم لا تخيب ظني فيه.
قال: يا أمير المؤمنين! اعفني.
قال: والله لتجيبن.
قال: أما قولهم: إني لا أخرج حتى يرتفع النهار، فأنا ليس لي خادم وامرأتي مريضة، فأصلح إفطاري وإفطار أهلي، ثم أفطر، ثم أتوضأ وأصلي ركعتين ثم أخرج.
قال: هذه واحدة، وانسكبت دموع عمر.
قال: والثانية.
قال: أما قولهم: إني لا أخرج يوماً في الأسبوع، فليس لنا خادم، وامرأتي مريضة، فأغسل ثوبي وثوبها، في يوم من الأسبوع، فزاد بكاء عمر
قال: والثالثة.
قال: وأما قولهم: أني لا أخرج في الليل، فقد جعلت النهار لهم، والليل لربي أصلي وأقرأ القرآن.
قال: ولماذا يُغْمَى عليك في مجلس القضاء؟
قال: لأني حضرت مقتل أحد المسلمين وأنا مشرك مع كفار مكة في مكة، وهو خبيب بن عدي، فسمعته يقول: اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، فكلما تذكرت ذلك الموقف وأني لم أنصره، أُغْمِي عليَّ.
فارتفع صوت عمر بالبكاء]].
هذا مفهوم الحياة عند السلف، ولذلك ذكرهم الله، وأحسن ذكرهم، وأعلى شأنهم، فهم أخلص الأمة قلوباً، وأعمقها علماً وعملاً، وأقلها تكلفاًَ، يقول سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] هذه نزلت في المترَفين.
стр. 7346
صور من زهد السلف في الدنيا
ويقول سبحانه: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] لها سببان:
قيل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١]: تكاثركم في الأموال والأولاد، حتى ذهبتهم إلى زيارة المقابر، لكن ليس ككل الزيارات يقول الشاعر ابن عثيمين، شاعر الملك عبد العزيز ﵀، شاعر مفلق، رثى أحد العلماء يقول في قصيدة تسمى المبكية عند أهل العلم، يقول:
هو الموت ما منه ملاذ ومهربُ متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ
نؤمل آمالاً ونرجوا نتاجها وعلَّ الردى مما نرجيه أقربُ
ونبني الزهور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنَّا نموت وتخربُ
إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظُ الموتِ يندبُ
هذا الموت عجيب، فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لب فرحاً، وهو الذي كسر ظهور الأكاسرة، وقصر آمال القياصرة الذين بغوا وطغوا، فأرداهم ظلمهم في الحافرة.
يقول أحدهم لما دخل على الخليفة المأمون، فرأى الهيلمان، ورأى الذهب والفضة، قال للمأمون:
باتوا قلل الجبال تحرسهم غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز من منازلهم إلى مقابرهم يا بئسما نزلوا
ويذكر الذهبي وابن كثير: أن أبا العتاهية دخل على هارون الرشيد، وقد بنى هارون الرشيد قصراً في الرقة -قصراً جميلاً بديعاً- فنظر إليه أبو العتاهية، فقال هارون الرشيد أمير المؤمنين: " ما رأيك يا أبا العتاهية؟ قال: شيء جميل، قال: أقلتَ فيه شعراً؟ قال: نعم.
قال: ماذا قلتَ؟ قال: قلت:
عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصورِ
قال: هيه، أي: زِدْ، قال:
يجري عليك بما أردت مع الرواح وفي البكورِ
قال: هيه، قال:
فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدورِ
فهناك تعلم مُوْقِناً ما كنت إلا في غرورِ
فبكى حتى أغمي عليه.
والقصة عند الذهبي وابن كثير.
والمقصود من هذا: أن هذه أمور مُسَلَّمات بها عند جمهور الناس، لكن تحقيقها في الواقع صعب، ولا ينقص الناس تحسين العلوم في الأذهان، لكن ينقصهم تطبيقها في الأعيان وفي الحياة، وهذا الذي ينقصنا، كيف نتعامل مع الرسالة التي بعث بها محمد ﵊؟ أوتي إليه بكنوز الدنيا فقال: لا.
قدم له ملك الدنيا، فقال: لا.
ولذلك قال - فيما صح عنه -: ﴿إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل قال في ظل شجرة، ثم قام وتركها﴾ أو كما قال ﵊.
هذه حقيقة الدنيا أنها قصيرة لاهية، تنتهي؛ لكن لا يعرف ذلك إلا المؤمنون.
стр. 7347
قصة ربيعة بن مالك الأسلمي
يقول مسلم في الصحيح: ﴿وفد شببة على الرسول ﵊ -يعني: شباب، شببة جمع شاب- منهم ربيعة بن مالك الأسلمي، فقال لهم رسول الله ﷺ : ألكم حاجة؟ وطلبوا حوائجهم، منهم من طلب ثوباً، ومنهم من طلب تمراً، ومنهم من طلب زبيباً، إلا ربيعة بن مالك، قال: أريدك يا رسول الله! بيني وبينك، قال: ماذا تريد؟ قال: أريد مرافقتك في الجنة.
قال: أوغير ذاك؟ قال: هو ذاك.
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾
يقول: إن كنت مصمماً على الجنة، فأعني على نفسك بكثرة السجود، وكان الصحابة عازمين على الجنة، يقول ربيعة وهو من بني مالك بن سالم، أسرة من الأنصار يقول يوم أحد، والرسول ﷺ يتكلم عن المعركة في المسجد، يا رسول الله! لا تمنعني من دخول الجنة، والله الذي لا إله إلا هو، لأدخلن الجنة، فتبسم ﵊ -والقصة عند ابن هشام - قال: بِمَ تدخل الجنة؟ قال بخَصلتين: بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف -أي: يوم المعركة إذا التقت السيوف والرماح، لا أفر أبداً- فقال ﷺ : إن تصدق الله يصدقك -إن كنت صادقاً أعطاك الله ما تمنيت وما سألت، وبالفعل كان صادقاً مع الله- فحضر المعركة ورآه ﵊ مقتولاً شهيداً، وارتفعت روحه إلى الله، فمسح ﷺ التراب عن وجهه وقبَّلَه، وقال: صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله.
стр. 7348
قصة عبد الله بن عمرو الأنصاري
وبوب البخاري باب البكاء على الميت، وأتى بحديث جابر لكن رحم الله البخاري اختصره لأنه على شرطه، ولم يأتِ بالقصة لأن القصة ليست على شرطه، والقصة أن عبد الله بن عمرو الأنصاري، وهذا يسمى مكلم الله بلا ترجمان، كلم الله مباشرة بلا ترجمان، وأحدنا إذا كلم سلطاناً تمدَّح به سنة بالمكالمة، فكيف بهذا العبد الفقير أنه كلم رب العالمين، مباشرة بلا ترجمان.
﴿أتت معركة أحد فاغتسل وودع أطفاله، وودع زوجته، ثم لما حضر المعركة وكسر غمده على ركبته -وهذا يسمى عند العرب: خطر، والمتأخرون يسمونه (خطر ممنوع الاقتراب) - فلما كسر غمده على ركبته، قال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، فقتل في سبيل الله، بعد أن ضُرِب بأكثر من ثمانين ضربة، لكن في سبيل الله.
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألَمُ
قال جابر: فأتيت إلى الرسول ﵊ وأنا أسأل عن أبي، ويبكي جابر، قال: كان الناس ينهونني، والرسول ﷺ لا ينهاني، قلت: أين أبي يا رسول الله؟ قال: هو ذا، قال: فأخذت أبكي، فقال ﵊: ابْكِ أو لا تَبْكِ، والذي نفسي بيده يا جابر! ما زالت الملائكة تظلل أباك بأجنحتها حتى رفعته، والذي نفسي بيده يا جابر لقد كلَّم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان، وقال: تمن، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم لا يرجعون، فثمن، قال: أتمنى أن ترضى عني، قال: فإني قد رضيت عنك وأحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً﴾.
نسأل الله رضوان الله.
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
يذكر أبو نعيم وأمثاله، في كتب السير أن عابداً من بني إسرائيل شابت لحيته في الثمانين من عمره، وبعض الناس يصل عمره إلى ثمانين سنة وهو مخرف، مطبل، مغنٍ، لا يعرف مِن ذِكْر الله ولا من القرآن ولا من الولاية ولا من الاتجاه إلى الله شيئاً.
ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخ قد تفتى
وأقبح القبيح أن ترى شيخاً وهو يرتكب العظائم والقبائح، وهو دائماً مع اللاهين المعرضين عن منهج الله، أقبح الناس من شابت لحيته وهو مازال مصراً على المعصية، يقول ابن عباس في قوله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] النذير: الشيب.
يقول الإمام أحمد - قبل أن آتي بقصة الإسرائيلي- قيل له: ما وصفك للشيب؟ يعني: كيف تصف الشيب والشباب؟ قال الإمام أحمد: ما مثلت الشباب إلا بشيء كان في يدي ثم سقط.
بكيتُ على الشباب بدمع عيني فلم يغنِ البكاء ولا النحيبُ
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب
هذا العابد الإسرائيلي وقف أمام المرآة وكان عمره ثمانين سنة، أصلح في الأربعين الأولى، وخرب في الأربعين الثانية، بعضهم يصلح، ثم يدركه الخذلان، فيخرب عمره ويشطب حياته، وينتكس على رأسه والعياذ بالله، وقد وجد أن بعض الشباب في المجتمعات، يشكو أباه، يقول: مقصر في الطاعة، الابن عمره عشرون، والأب عمره سبعون، فسبحان من هدى هذا وأضل ذاك! ومن قرب هذا وأشقى ذاك! حكمة بالغة وقدرة نافذة فما تغني النذر، قال الإسرائيلي: يا ربِّ! أطعتك أربعين سنة، ثم عصيتك أربعين سنة، فهل تقبلني إذا عدت إليك؟ قال: فسمع هاتفاً يقول: أطعتنا فأحببناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإذا عدت إلينا قبلناك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ.
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] لكن بشرى للعالم أنا صحونا ورجع شبابنا، وشيوخنا، بشرى للدنيا كل الدنيا، أن شبابنا قد امتلأت بهم المساجد، وقد عافوا الغناء، وعادوا إلى القرآن، وملوا المقاهي والملاهي، وسبحوا بحمد الواحد الباري .
لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا
بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غابتها غضبا
عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا
عاد أبناء خالد وطارق وسعد إلى الله، والله إنه لا سعادة لنا إلا يوم أن نحكم الكتاب والسنة في حياتنا وفي تعاملنا، وأدبنا، وسلوكنا، هذه حقيقة الحياة، ولم يعرفها إلا الصحابة رضوان الله عليهم، أما غيرهم معرفتهم بحقيقة الحياة أمر نسبي، بقدر إيمانهم وصلاحهم، وقربهم من الله .
стр. 7349
قصة عبد الله بن المبارك
يقولون عن ابن المبارك وقد خرج من الحرم يريد الغزو في سبيل الله، وابن المبارك هذا رجل عجيب، هو زاهد وعابد ومحدث ومجاهد، وأنا اتلوا أخبارهم، ولو كنتم تعرفون ذلك، لكن قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١] وأولئك آبائي، لكن نتلو أخبارهم علها تكون درساً للقلوب.
ابن المبارك يقولون عنه، أنه خرج في ذات يوم من خراسان للحج، وكان يسكن في مرو، فخرج بالقافلة، فلما وصل إلى الكوفة، ويريد بيت الله حاجاً، وإذا بامرأة خرجت من الكوفة، وأخذت غراباً ميتاً من مزبلة، فقال لمولاه: اذهب إلى هذه المرأة، واسألها لماذا أخَذَت الغراب الميت، فذهب إلى المرأة وسألها، قالت: والله ما في بيتنا قليل ولا كثير من قليل طعام، والله ما نأكل منذ ثلاثة أيام إلا ما يُلقى في هذه المزبلة من المَيْتَة، فعاد إلى ابن المبارك فأخبره فدمعت عينا ابن المبارك، فقال: نحن نأكل اللحم والفالوذج، وهم يأكلون الغربان الميتة، اصرفوا هذه القافلة بجميعها بحبوبها وزبيبها ولحمها وثيابها وجِمالها في أهل الكوفة، وعودوا لا حج لنا هذه السنة.
وعاد إلى خراسان ونام أول ليلة، فرأى قائلاً يقول في المنام: حج مبرور وسعي مشكور، وذنب مغفور، يقال لـ ابن المبارك: لماذا تخرج إلى الجهاد وتترك الحرم؟ قال:
بُغْضُ الحياة وخوفُ الله أخرجني وبيعُ نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
ومن شب على شيء شاب عليه، ومن عاش على شيء مات عليه، ومن قضى حياته في اللهو مات على اللهو.
يقول ابن القيم في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: وكان هناك رجل مطبلاً ومغنياً ومزمراً -وبعض الناس حياته تطبيل وتزمير وعرضات ورقصات- لا يعرف من الذِّكْر شيئاً قالوا له: قل لا إله إلا الله، قال:
يا رب سائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب
فمات عليها.
ويقول ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين، قالوا لرجل من التجار، وكان هائماً بالتجارة، والتجارة ليست حراماً، لكن التجارة يوم أن تصد عن منهج الله، وعن الصلاة والاستقامة، والخوف من الله، ويوم أن توصل صاحبها إلى الربا والغش والخيانة والتكبر فلا حيَّاها الله، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] قالوا لتاجر: قل لا إله إلا الله، قال: "خمسة في ستة كم تصير" تصير إلى جهنم إذا لم تتق الله، أنت تصير برأسك إلى جهنم، إن لم تعد وتقل: لا إله إلا الله.
قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
حياة السلف كانت مع الله، وكانت أموالهم لله، وكان إنفاقهم وسعيهم وكدهم لله، صحيح كان من السلف تجار وأغنياء، لكن مالهم كان بأيدهم، ونحن أموالنا في قلوبنا، وقف ﵊ على المنبر وقال: ﴿من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ فسكت الناس.
قال: من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ فقام عثمان وقال: أنا يا رسول الله! فقال ﵊: اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راض﴾ حياة، ليس كـ التصوف الهندي، إن بعض الناس -الآن- يرى أن الدين كل الدين أن ينقطع عن الحياة وعن التجارة، والزراعة، والكسب، ويرى أن عكوفه في المسجد هي الحياة، لا.
الحياة أن تكسب ولكن في رضوانه، وتنفقها في رضوان الله، وفيما يقربك من الله .
يقول ابن كثير: دَخَلَت المدينة قافلة عددها سبعمائة جمل، محملة بالحبوب والزبيب، فكانت القافلة لـ عبد الرحمن بن عوف -أحد العشرة المبشرين بالجنة- فقال لتجار المدينة: [[من يشتري هذه القافلة؟ قالوا: نحن، قال: كم تعطونني في الدرهم، قالوا: نعطيك في الدرهم درهماً - أي: مضاعفاً - قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك درهمين، قال: وجدت من زادني، قالوا: ثلاثة، قال: وجدتُ من زادني، قالوا: نحن تجار المدينة، ولم يزدك أحد، قال: وجدت الله زادني في الدرهم عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، أشهدكم أنها في سبيل الله على فقراء المدينة، بزبيبها وحبها وثيابها وجِمالها في سبيل الله]] إنها الحياة يوم يعرفها الإنسان، فيتقرب بها إلى الله ، ويجعلها طريقاً إلى الله.
стр. 7350
حفظ الأوقات وضياعها بين السلف والخلف
إن من المؤلم لقلوبنا ضياع أوقاتنا، وأعظم قضايا الساعة هي ضياع الأوقات، عند الكبار والصغار إلا من رحم ربك، نهب الأوقات ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] والنبي ﷺ يقول: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ﴾ تجد الإنسان صحيح الجسم فارغاً، ولكن لا ذِكْر ولا قرآن ولا عِلْم.
يَذكر الذهبي وابن كثير بأسانيد صحيحة: أن الإمام أحمد -إمام أهل السنة والجماعة - كان يصلي في اليوم والليلة من غير الفرائض ثلاثمائة ركعة.
يقول: كان ورد الإمام أحمد من غير الفرائض ثلاثمائة ركعة، يركعها لله.
وكان خالد بن معدان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة، وذكروا عن غيرهم من الأئمة شيئاً عجباً، ومن أراد أن يطالع فليقرأ سير أعلام النبلاء، ليجد عبادة السلف، وليجد كيف أفنوا أعمارهم في طاعة الله، وكيف تقربوا إليه .
إن ضياع الأوقات معصية عصي الله بها في الأرض يوم لم يعرف قيمة الزمن؛ لأننا وجدنا الثقافة الغربية أتت إلى الجيل، وقالت: الحياة طفش وزهق، وكيف تقضي حياتك، ويومك، مثل ما يفعل دايل كارنيجي وأمثاله، يجعلون من اللهو هذا قضاء للحياة، وأن اللعب والتسلية والسباحة المفرطة، ومطاردة الحمام والدجاج، كلها تسلية للعبد، وكان أصحاب الرسول ﵊ يقال للواحد منهم: مَن إمامك؟ فيقول: محمد، فيقال: ماذا تريد؟ فيقول: الجنة، فيقال: ما هي هوايتك؟ فيقول: الموت في سبيل الله، فيقال: أين بيتك؟ فيقول: المسجد.
﴿دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وترعى الشجر﴾.
في بعض الصحف المحلية، يُلْقُون مقابلة مع شباب في الثانية عشرة والثالثة عشرة، فيقولون له: ما هي هوايتك، فيقول: جمع الطوابع والمراسلة، وصيد الحمام.
جمع الطوابع: هل هذه هواية المسلم؟ هل هذه حياة من آمن بالله؟
المراسلة وجمع الطوابع وصيد الدجاج والأرانب: أهذه حياة من آمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً؟ لا.
هذه حياة كانت والديكارت، أذناب الشعوب أعداء البشر، الثيران الذين فهموا كل شيء إلا الإيمان، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] إذا علم هذا فإن مقصد الحياة حفظ الوقت.
الأمر الثاني: تجديد التوبة دائماً وأبداً، يقول ابن عباس فيما يُؤثر عنه: [[اصبحوا تائبين، واجلسوا تائبين، فإنكم لا تنفكون من ذنب]] أو كما قال.
وهذا حالنا، نروح ونغدو في الذنوب والخطايا، ولكن باب التوبة مفتوح، ينادينا الله سبحانه: يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم.
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا واغفر أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله
وجد بين الأجيال من بلغ الأربعين وهو لا يعرف المسجد، ومنهم من ألغى صلاة الجماعة من حياته، ومنهم من ألغى صلاة الفجر من برنامجه اليومي، هؤلاء ماذا يقولون في سكرات الموت؟!
الأعمش سليمان بن مهران، راوي الصحيحين، الجهبذ العلامة شيخ الإسلام، لما حضرته الوفاة بكت ابنته، فقال لها: [[ابكي أو لا تبكي فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام في الجماعة خمسين سنة]].
وسعيد بن المسيب في سكرات الموت يقول: [[والله ما أذن المؤذن من أربعين سنة، إلا وأنا في مسجد الرسول ﵊]].
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
لكن الحياة لما مالت عن منهج لا إله إلا الله، وعن تربية الكتاب والسنة، لأن بعض المقررات الدراسية درسناها ودرسها زملاؤنا كأنه في الرابع الابتدائي أو الخامس، درسنا (طه والطبلة) بدل أن يدرسونا ﴿طه﴾ ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢] كان للطلبة طبلةٌ يُضرَب عليها، فحفظنا هذه فخرجت علوماً باردة ليس فيها تأثير ولا حرارة ولا نور، فأخرج الجيل صلاة الجماعة من حياته، وتخرج الجيل من الثانوية والجامعة ومهمته الوظيفة والسيارة والزوجة، وهل سمعت برجل يقول: أًريد الشهادة في سبيل الله؟ يقول أنس بن النضر ﵁ في يوم أحد: [[إليك عني يا سعد بن معاذ! والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]] فقاتل حتى قتل، ويأتي جعفر الطيار، ابن عم الرسول ﵊ يوم مؤتة فيتناول السيف فيقاتل به، فيقطعون يمينه، وتتعلق يده اليمنى بجلدة من جلده فيضعها بين رجليه ويتحامل عليها حتى يقطعها، ثم يأخذ السيف باليسرى فيقطعونها، فيضم الراية على صدره، وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لاقيتها ضرابها
стр. 7351
أحوالنا مع حقوق الجار
مَن الذي صرف الناس عن المسجد؟ من الذي جعل قضايا الناس دنيا؟ اهتمامات جانبية، وجدال يصل إلى السماء، والجار لا يسلم على جاره، حتى أهل قرى، الجار لا يعرف ما يقع لجيرانه ولا يسأل عنهم، بل لا يسلم على جاره ولا يسلم على أخيه من أجل قطعة أرض ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] هناك من لا يعرفون المواعظ، وخطبة الجمعة تمر عليه مر الرياح، ولا يستفيد منها، لأنه قطع رحمه، فأصم الله سمعه، وأعمى بصره، وأصبح قلبه مغلفاً، قطيعة الرحم هذه كادت السماء أن تتشقق منها، قطيعة الرحم ذنب من أكبر الذنوب وهو أكبر ما ابتليت به القرى والقبائل، بل يوجد في بعض القبائل أن من دساتيرهم الأرضية الطاغوتية حرمان المرأة من ميراثها، ويعدون المرأة إذا طلبت الميراث أنها تعدت على سلوم القبائل فيلومونها، وبعضهم حلف على ميراث قريبته وأخته يميناً فاجراً وسلبه.
بل قد تجد البعض يسبحون ويصلون ويعتمرون، لكن الواحد منهم يبغض جاره أكثر من بغضه لليهود والنصارى، ويتمنى موتهم صباح مساء، يقول ﵊ في الصحيح: ﴿والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم﴾ ما معنى أفشوا السلام بينكم؟ هل يعني سلام والقلب يغلي، ونحن نتقلب على فرشنا ونتمنى الموت لجيراننا وقبائلنا؟! أين الإيمان؟! أين أثر لا إله إلا الله؟! أين أثر رسالة محمد ﵊؟! يقول الله لرسوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول له يمدحه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]
يدخل ﵊ يوم الفتح، ومع أن كفار مكة أخرجوه من داره، وضربوا بناته، وقاتلوه في أكثر من عشرين معركة، وسلبوا عقاره حتى بقية الدور باعوها كما قال رسول الله ﷺ : هل ترك لنا عقيل من دار، فيدخل ﷺ ، ويأخذ بحلق باب الكعبة منتصراً.
وعنده جيش جرار قوامه عشرة آلاف مقاتل مدرعين بالسيوف، ويقف أعداؤه أمامه، فيقول: ﴿ما ترون أني فاعل بكم، يقولون: أخٌ كريم وابنُ أخٍ كريم - الآن أصبح أخاً كريماً، أنسيتم الصحائف السوداء، الذبح والسفك والهجاء - فدمعت عيناه ﷺ ، وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ عفا الله عنكم، اسمع يا تاريخ!
اسمع يا دهر! فكان جزاؤه أن قام أبو سفيان يبكي ويقول: لا إله إلا الله ما أرحمك! ولا إله إلا الله ما أحلمك! ولا إله إلا الله ما أبرك! فقال الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ويُروَى عنه ﷺ في أثر أنه قال: ﴿إن الله أمرني أن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني﴾ هذا محمد ﵊، الرجل الذي عرف معنى الحياة فعاشها، أما هذه البغضاء التي طغت على قلوبنا، وأفسدت علينا الطاعات والنوافل، فنشكو حالنا إلى الله، ولن تنفع القربات حتى نزيل الضغينة والحقد والبغضاء من قلوبنا.
стр. 7352
الألفة والتآخي بين المسلمين
في الحديث الصحيح: ﴿كان ﵊ جالساً مع أصحابه في المسجد، فقال: يخرج عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة، فخرج رجل حذاؤه في يده اليسرى، ولحيته تتقاطر بالماء، فصلى ركعتين، وفي اليوم الثاني أخبر به ﷺ ، وهكذا في اليوم الثالث، فذهب معه صحابي وقال: أريد أن أبيت معك هذه الليلة، فبات معه، فوجد صلاته كصلاة الناس، وعبادته كعبادة الناس، وذكره كذكر الناس، فبعد ليلتين قال: ما أردت إلا أن أرى عملك؛ لأن الرسول ﷺ أخبرنا أنك من أهل الجنة، فماذا كنت تعمل؟ قال: ما أنا بكثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن والله ما نمت ليلة من الليالي وفي قلبي غش أو غل أو حقد على أحد﴾ هي القلوب التي وعت لا إله إلا الله فصلحت.
في الأعياد نرى كثيراً من القرى لا يزور بعضهم بعضاً بسبب قطعة من الأرض، أو بسبب مجرى ماء، أو بسبب طريق أو شجرة، أو مبلغ زهيد من المال؛ لأن (لا إله إلا الله) لم تتمكن من القلوب، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣]
إن من أعظم إبداعاته في الرسالة ومن روعته في منهجه، يوم أتى بتأليف القلوب في الأرض، الله تعالى يقول: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] يقول أحد المفكرين العصريين -وهو معروف صاحب تاريخ رجال من التاريخ - يقول: نحن العرب مثل قرون الثوم، إذا كشفت القرن ظهر لك قرن آخر، والناس في القرى والقبائل -عموماً- كل يريد الزعامة على الآخر، وكل يريد أن يكون له الحق والتقدمة، وعندما أتى ﷺ ، لم يكن للعرب مُلْك ولا رئاسة ولا إمبراطورية، كلهم فوضى، فأتى بالبسمة الحانية، وبالمعانقة، والبشاشة، وبالقول اللين حتى جمعهم، قال الله عنهم: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] يقول أبو تمام:
إن يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا دينٌ أقمناه مقام الوالد
هذا الدين أتى بـ بلال من الحبشة وهو عبد رقيق، فأدخله في الإسلام فيصبح سيداً من السادات، وأبو جهل كان يَعُدُّ بلالاً لا يساوي فلسين، وكأنه مثل الدابة تماماً، فلما أسلم بلال أصبح سيداً من السادات، يقول ﵊ في الصحيحين: ﴿دخلت الجنة البارحة فسمعت دف نعليك يا بلال! فماذا كنت تصنع؟ قال: ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت ركعتين﴾ هنيئاً لـ بلال الجنة!
يقول ابن القيم في كتاب مدارج السالكين، قيل لـ سلمان الفارسي: [[مَن أبوك يا سلمان؟ قال: أبي الإسلام.
قيل: ومَن هو إمامك؟ قال: محمد.
قيل: وما هو بيتك؟ قال: المسجد.
قيل: وما هي عصاك؟ قال: التوكل.
قيل: وما هو زادك؟ قال: الزهد]].
﴿دعها فإن معها سقاءها وحذاءها ترد الماء وترعى الشجر، حتى يلقاها ربُّها﴾ سلمان الفارسي كان فارسياً، لكن رفعه الله بالتوحيد والإيمان، جلس مع أسر عربية تفتخر بالقبائل، وهذا من عيوبنا أن نقدس الناس بحسب أعراقهم وأنسابهم، لا على حساب الدين، والله يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] ونحن نقول: أكرمنا فلان بن فلان، ويتمادح كثير من الناس في المجالس، بأنه ذبح أنفساً معصومة، والله قد ذكر ذنب قتل النفس، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل امرئٍ مسلم، لكبهم الله في النار على وجوههم﴾ وصحح مثل هذا الألباني وغيره وقال: ﴿ولزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئٍ مسلم﴾ لأن بعضهم يقول: قتلت عشرة، وبعضهم قتل عشرين ويخبر بدستوره الأسود في الجاهلية، ولو أنه تاب واستغفر؛ لكان خيراً له عند الله ، قيل لـ سلمان: من أبوك؟ قال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
أبي الإسلام، أنا عشت لهذا الدين , وأموت لهذا الدين، وهذه حياة المؤمن التي يريدها الله ، أما هذه البغضاء الحالقة، كما يقول ﵊: ﴿لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين﴾ وفساد ذات البين من أشر ما يمكن، وهو الذي يهدم الجماعات، ويشتت الأسر، ويقطع البركة، ولعل من يتدبر القرآن ويسأل الله الثبات يهديه سواء السبيل، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].
стр. 7353
صور من حياة السلف في الأخوَّة
يقول ابن كثير وغيره: كان لـ عبد الله بن الزبير مزرعة في المدينة، ابن حواري الرسول ﵊، وبجانب المزرعة مزرعة لـ معاوية، وهو خليفة في الشام في دمشق، فأتى عمال معاوية فدخلوا في مزرعة ابن الزبير فغضب ابن الزبير - وبينه وبين معاوية شيء مِن قبل! لكن أتت هذه وفتحت باله - فلما دخل عمال معاوية في مزرعة ابن الزبير كتب ابن الزبير رسالة حارة ساخنة لـ معاوية، يقول فيها: يا بن آكلة الأكباد، إما أن تمنع عمالك من دخول مزرعتي وإلا سوف يكون لي ولك شأن - ابن الزبير واحد من الرعية رَدَّ على الراعي، والراعي سلطان وخليفة، فأخذ معاوية الرسالة - وكان من أحلم الناس - فقرأها، وقال لابنه يزيد: يا يزيد! ما رأيك في هذه الرسالة؟ - ماذا ترى أن الجواب؟ - قال: أرى أن ترسل جيشاً أوله في المدينة وآخره عندك يأتون برأسه - وكان معاوية يستطيع أن يفعل ذلك، ولكنه فعل خيراً من ذلك زكاة وأقرب رحماً - فكتب رسالة يقول فيها: يا ابن حواري الرسول ﵊، ويـ ابن ذات النطاقين، السلام عليك، أمَّا بَعْد: فلو كانت الدنيا بيني وبينك لهانت، إذا أتتك رسالتي هذه، فخذ عمالي إلى عمالك، ومزرعتي إلى مزرعتك.
فأتت الرسالة إلى ابن الزبير فبكى حتى بل الرسالة بالدموع، وذهب وقبَّل رأس معاوية فقال: لا أعدمك الله رأياً أحلك في قريش هذا المحل.
حياة السلف كانت على القرآن ولكننا نتنازل في كل شيء إلا مع أقاربنا وأرحامنا وأصهارنا وجماعتنا.
أسد عليَّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر
ومن معاني الحياة التي أتى بها ﵊: أن حياة العبد محسوبة عليه، وعند الترمذي بسند صحيح: ﴿لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: وذَكَرَ: وعن عمره فيم أبلاه﴾.
الدقائق والثواني أين صرفتَها؟ أين ذهبتَ بها؟ ماذا فعلت يوم كذا وكذا؟ قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] فنسأل الله لنا ولكم الثبات، وأن يجعل حياتنا في مرضاته.
стр. 7354
عاقبة المعاصي
أيها الناس: ومما أفنى حياتنا، ونحن نعيشها - ولعلها خفت -: مسألة التهالك في الطرب، والإسراف في اللغو واللعب على حساب الدين، بل بعضهم يحفظ من القصائد مائة قصيدة أو أكثر، ولكنه لا يحفظ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ويعيش معها ويكررها، وأنا أقول: تناشد الشعر ليس حراماً، فالرسول ﵊ تناشد الشعر واجتمع، وكان الصحابة يتناشدون؛ لكن قضاء المجالس والتجمعات في طرب ولهو وغفلة وإعراض عن منهج الله، فإنه لمنذر بقسوة القلوب، ونسيان علام الغيوب، وكثرة الذنوب، وإن هذا لعلامة اللهو واللغو.
مر الحسن البصري بشباب يرقصون يوم العيد، قال: [[إن كنتم مقبولين فما هذا عمل الشاكرين، وإن كنتم مطرودين، فما هذه توبة المحرومين]] ومعنى كلامه، أي: إن كنتم قبلكم الله، فلماذا لا تشكرون الله، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] وإن كنتم مطرودين فلماذا لا تبكون على خطاياكم، فنحن أحد رجلين، إما رضي عنا وأصلحنا فالواجب أن نزيد من شكره ، وإما أننا أناس غضب الله علينا وخذلنا، فالواجب أن نبكي على خطايانا.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] والبلدان التي حولنا، كانت أنعم منا وأرغد وأسعد، لكن كفرت بمنهج الله، كانت المرأة عندهم تخرج كالسلع، تسام في الفنادق والحوانيت، وفي الليالي الحمراء، وكان الخمر يباع عندهم مثل ما يباع الماء ولا يزال، لا قرآن ولا سنة، يقول شاعر بعض البلدان المجاورة يوم مهرجانهم:
هبوالي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين بُرْهُمِ
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ
ويصفقون له، ويحملونه على الأكتاف، فأراهم الله ما هي جهنم، وأيقظهم الله على أصوات الصواريخ، ودكدك منازلهم بأصوات المدافع ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].
стр. 7355
عاقبة الكفر بالنعم
يقول سيد قطب في في ظلال القرآن يتحدث عن سورة سبأ، وينتقل بنا القرآن إلى قرية نائمة من قرى اليمن إلى سبأ، هذه قرية سبأ قرية رغيدة، مثل هذه المنطقة الجنوبية، هواء طلق، وماء عذب، وأطيار تزغرد، وحدائق غنَّاء، وبساتين وارفة، ونعمة من كل ما سألنا الله أعطانا، ونعمة الجو نعمة لا تُنْكَر، يقول الله لبني إسرائيل ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [الأعراف:١٦٠] يمتن الله عليهم ويقول جوهم طيب، درجة الحرارة عندهم معتدلة، يقول: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [الأعراف:١٦٠] يقول الله عن تلك القرية الآثمة، قرية سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] أسلوب القرآن بديع، يقول بعضهم: " يا ليت الناس يذوقون ما أذوق - وأظنه سيد قطب يقول في سورة الرعد - ليتهم يفهمون ما أفهم من هذا الأسلوب البديع، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] يذكر في التفسير: أن كل رجل من سبأ كان عنده بستانان، عن يمين بيته وعن يساره، العذق الواحد لا يحمله إلا فرسان، يقولون: كانت تذهب المرأة بالمكتل على رأسها، فيمتلئ من كثرة ما يتساقط من الثمار والشجر، يقول : ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] اسمع الأسلوب: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ [سبأ:١٦] كيف أعرضوا؟ يقولون: أدمج ، وعمم وأطلق الإعراض ولم يفصل؛ لأن إعراضهم أكبر من أن يُتَحَدَّث عنه، أعرضوا عن طاعة الله، أعرضوا عن تحكيم شرع الله، أعرضوا عن قبول الهداية، صموا وعموا: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٦ - ١٧].
وقد ورد من حديث أبي هريرة عنه ﵊ أنه قال: ﴿كان فيمن كان قبلكم ثلاثة، أقرع وأبرص وأعمى، أراد الله أن يمتحنهم وأن يبتليهم، فأرسل الله إليهم ملكاً من الملائكة، فأتى الأقرع، قال: ماذا تريد؟
قال: أريد شَعَراً جميلاً فقد قذَّرني الناس، فسأل الله أن يمنحه شعراً جميلاً فأنبت الله الشعر على رأسه.
قال: ماذا تريد من المال؟
قال: قال الإبل - الرجل مغرمٌ وعاشق للإبل - فسأل الله له، فرزقه ناقة عشراء فولدت حتى ملأت وادياً.
ثم ذهب إلى الأبرص، وقال: ماذا تريد؟
قال: جلداً حسناً، ولوناً جميلاً فقد قذَّرني الناس.
قال: اللهم رد عليه لونه وجلده، قال: ماذا تريد من المال؟
قال: البقر.
قال: اللهم ارزقه بقرة، فرزقه الله بقرة حاملةً، فوضعت فملأت وادياً من الأبقار.
وذهب إلى الأعمى، قال: ماذا تريد؟
قال: أن يرد الله عليَّ بصري.
قال: اللهم رد عليه بصره.
قال: ماذا تريد من المال؟ قال: الغنم.
فرزقه الله شاة حتى ملأت وادياً.
ثم أتى المَلَك في صورة مسكين -امتحان من الله- عليه ثياب رثة، وفي حالة بائسة، فوقف أمام الأقرع -الأول- فقال: أنا رجل مسكين انقطعت بي السبل ولا معين لي إلا الله، ما تعطيني هذا اليوم، أسألك بالذي رد عليك شَعَرك والذي منحك هذا المال، أن تعطيني هذا اليوم.
قال: الحقوق كثيرة، والمال مالي، وورثته كابراً عن كابر.
قال: كأني بك كنت أقرعاً وفقيراً.
قال: لا.
لم أكن أقرعاً ولا فقيراً.
قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، فصيره الله إلى ما كان.
ثم ذهب إلى الأبرص.
قال: لا.
المال مالي ورثته أباً عن جد والحقوق كثيرة.
قال: كأني بك كنت أبرصاً وفقيراً.
قال: لا.
لم أكن أبرصاً ولا فقيراً.
قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، فصيره الله إلى ما كان.
ثم ذهب إلى من كان أعمى فسأله، قال: أما أنا فقد كنت أعمى فرد الله عليَّ بصري وكنت فقيراً فأغناني الله، أما اليوم فوالله لا أشكرك على شيء تركته، خذ ما أردت واترك ما أردت، المال مال الله.
قال: أنا رسول الله أخبرك أن الله رضي عليك، وسخط على صاحبيك﴾.
وهذا شكر النعم.
أسأل الله لي ولكم الثبات والسلامة والهداية والرشد، وأسأل الله أن يصلح منا الظاهر والباطن، وأن يصلح ولاة أمورنا، وأن يوفقهم، ويهديهم سواء السبيل، وأن يرزقهم البطانة الصالحة الناصحة، التي تدلهم على الخير، وتخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، وأسال الله لنا ولكم الستر في الدنيا والآخرة، والعون والسداد، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →