← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

معنى حديث (النهي عن بيعتين في بيعة) السؤال ما معنى حديث: ﴿أن الرسول ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة﴾؟ الجواب هذا الحديث في سنن أبي داود، وهو حديث حسن, ومعنى نهى ﷺ عن بيعتين في بيعة، عند بعضهم: هو أن تقول هذه السلعة (السيارة) بثلاثين ألف الآن، أو بأربعين ألف بعد شهر، وهذا خطأ ليس هذا المراد في الحديث، يقول ابن القيم: معنى: نهى ﷺ عن بيعتين في بيعة، هي بيع العينة، وهي أن تبيع سلعة من رجل بدين بنسيئة؛ مثلاً سيارة بستين ألف بعد سنة يدفعها، ثم تشتري السيارة منه نقداً بأربعين ألف، هذا محرم، وقد يفعله بعض الناس في المعارض، يبيعون سيارات للناس بدين، ثم يدفعون لهم نقداً لحاجة أولئك للنقد، ويريدون السيارة يترجعونها، هذا بيع باطل، وهو بيع العينة، وقد قال ﵊ في سنن أبي داود: ﴿إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه إلا أن تراجعوا دينكم﴾ أو كما قال ﵊، فهذا معنى البيعتين في بيعة، أما الصورة التي يذكرها بعض العلماء فهي جائزة كأن تقول: هذه سيارتي إن كنت تدفع الآن فهي بثلاثين ألف، أو بعد شهرين بأربعين ألف، فجائز، قال أهل العلم: زيادة الثمن من أجل زيادة الأجل جائزة؛ لأن عقلاء العالم يعرفون أن النقد ليس كالدين أبداً، من ينقد لك القيمة ليس كمن يدين، فلك أن تزيد الثمن من أجل زيادة الأجل.

стр. 7387

ضعف حديث (الدعاء مخ العبادة) السؤال ما صحة حديث ﴿الدعاء مخ العبادة﴾؟ الجواب حديث: ﴿الدعاء مخ العبادة﴾ رواه الترمذي بسند ضعيف، وفي سنده دراج أبو السمح، يروي عن أبي الهيثم الشامي، وروايته عن أبي الهيثم ضعيفة، لكن صح عنه ﵊ عند الحاكم أنه قال: ﴿الدعاء هو العبادة.

стр. 7388

حكم زيادة: إنك لا تخلف الميعاد السؤال ما حكم زيادة " إنك لا تخلف الميعاد" بعد الأذان؟ الجواب " اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد" زيادة صحيحة، وابن حجر يرى أنها حسنة، والبيهقي يحسنها، وبعض الناس مثل الألباني يقولون: ضعيفة، لكن الصحيح إن شاء الله أنها صحيحة ثابتة فتقال.

стр. 7389

ضعف حديث: (رجعنا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر) السؤال ما صحة حديث ﴿رجعنا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر﴾؟ الجواب حديث ضعيف، قال ابن تيمية: لا أصل له، بل هو باطل.

стр. 7390

ضعف حديث: (قيدوا العلم بالكتاب) السؤال ما حكم حديث: ﴿قيدوا العلم بالكتابة﴾؟. الجواب حديث موضوع.

стр. 7391

حديث: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر) السؤال ما حكم حديث: ﴿من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ لم يزدد من الله إلا بعداً﴾؟ الجواب الحديث باطل لا أصل له، بل العبد الذي يصلي ولو كان مذنباً، أقرب إلى الله من العبد الذي لا يصلي.

стр. 7392

حكم من خلط العمل الصالح بالسيء السؤال أنا رجل أصلي وأصوم، ولكني أسمع الأغنية، وأطالع المجلة، فهل يقبل الله عملي؟ الجواب أنت من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، والله يحاسبك بصلاحك، وبما فيك من سيئات، ولكن نصيحتي لك أن تصلح عملك، وأن تصحح مسيرتك، وأن تجتنب الغناء، فإنه محرم بالإجماع عند أهل العلم، وهو يورث النفاق، والبعد عن الله، ويورث قسوة القلب، ويقطعك عن ذكر الله ، وعن ذكر الآخرة، وكذلك المجلة الخليعة، ورفقة السيئين قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].

стр. 7393

خطر غلاء المهور والرشوة والإسراف السؤال ابتلينا في منطقتنا بغلاء المهور، وكذلك الرشوة، والمبالغة في الولائم، أرجو التعليق على ذلك؟ الجواب أما غلاء المهور، فهو من شر ما ابتليت الأمة، وكان له عواقب ونتائج منها: أن الله لا يبارك في هذا المهر الذي يحوزه الوالد، حتى وجد أن من أفقر الناس من يتاجر في بناته، عنده ثمان بنات، ويأخذ في الواحدة مائة ألف، وهو من أفقر الناس، لأن الله لا يبارك في هذا، وبارك الله في أقلهن مهراً، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلا تفعلوا؛ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. غلاء المهور من عواقبه عزوف كثير من الشباب والفتيات عن الزواج، وهذا أمر سبب ارباكات في مجتمعنا، وسبب ويلات منها والعياذ بالله: المعاصي، ومنها كذلك: تفويت الزواج على كثير من الشباب والشابات، وهذا أمر خطير، وبعض الآباء لم يفهموا هذه القضية، ولم يتأملوها، ولم يفقهوا فيها، إنما همهم المال، فوصيتي تقليل المهر، والمساعدة للمتقدمين، ووصيتي للشباب أن يتقدموا ويعفوا أنفسهم بالزواج، وألا تكون الدراسة، وبعض الأسباب الدنيوية عائقاً عن الزواج، فإن الزواج أهم عند المرأة من مواصلة دراستها، فهو الحياة الحقيقة، والحياة بغير الزواج للمرأة أو الرجل ليست بكاملة. وأما بالنسبة للرشوة: ﴿لعن ﷺ الراشي والمرتشي﴾ وفي بعض الروايات ﴿والرائش﴾ وتعرفون كم أفسدت من الحقوق، وكم عطلت من الأحكام، وكم صرفت من الواجبات، وكم أدمت من قلوب. الرشوة إذا وجدت في مجتمع ضاع الضعيف؛ وأخذ مال المظلوم؛ وانتهكت المحارم. الرشوة إذا وجدت؛ فسد الأمر، ونسأل الله أن يصلح لنا ولكم البطانة، وأن يتولانا وإياكم، فإن من عواقب الرشوة أنها أكلٌ حرام ﴿كل جسد نبت من السحت، فالنار أولى به﴾ وأما المبالغة في ولائم الرياء والسمعة فإن أثرها وخيم، وصاحبها يدخل في عموم الحديث: أول من تسعر بهم النار ثلاثة، منهم الجواد الذي صنع الولائم في الدنيا وأكرم الناس يستدعيه الله يوم القيامة، فيقول: يا فلان بن فلان أما منحتك المال؟ أما أعطيتك؟ قال: بلى يا رب، قال: فأين ذهبت به؟ قال: أطعمت الجائع، وكسوت العاري، وأنفقت في سبيلك، قال الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: إنما فعلت هذا ليقال جواد، وقد قيل، فخذوه إلى النار، فيأخذونه فيسجرون به النار، ونعرف والله كثير من الناس ذبح في بعض الولائم خمسين رأساً من الغنم، ويوم طلب يتبرع في أفغانستان وبعض المساجد رفض، وهذا يدل على أنه ما فعل ذاك إلا رياءً وسمعةً ومجاملةً، وطلب مديح الناس، فجزاؤه عند الله والعياذ بالله! حاتم الطائي أنفق أمواله كلها، فيقول ابنه: ﴿يا رسول الله، أينفع أبي أمواله التي أنفق، قال: لا. إن أباك طلب شيئاً فأصابه﴾ طلب الرياء والسمعة والصيت، فأعطاه الله السمعة والصيت , وليس له أجر عند الله ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]. وصيتي بالاقتصاد في الولائم، وأن تكون الوليمة على قدر المدعويين, وأن يختصر في الزواجات حتى تكون أقل تكلفة على الناس، وعلى المتزوجين؛ لأن العرف إذا ساد بالتكليف، كلف الفقراء والمساكين ما لا يستطيعون مجاراة للناس.

стр. 7394

حكم العرضة المقرونة بالزير والمزمار في العرس السؤال ما الحكم في العرضة المقرونة بالزير والمزمار، وشعر المدح في أهل المعرس، أو القبيلة بما ليس فيهم؟ الجواب هذه مسألة من أكثر ما سئلت عنها، وهي موجودة في المنطقة، ونحن نعرف، لأننا من أهل هذه المنطقة، نعرف هذه العرضات، وما يصاحبها من زير وزلفة ودف وطبل، وقد سألت عنها شخصياً سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، ومعي الشيخ/ سعيد بن مسفر في الطائف، قال الشيخ: الذي يظهر أنها محرمة لعموم قوله ﵊: ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ وهذه من المعازف، فلا يجوز الزير للرجال، ولا الدف، ولا الطبل، ولا الزلفة، ولهم أن يعرضوا بنشيد وبقصائد بدون طبل ولا زلفة، وقلنا لبعض الناس، قالوا: مالها طعم بدون زلفة وزير هذه ما تصلح، قلنا: أهم شيء الشريعة، يقول ابن القيم: بعض الناس فسدت أفهامهم، فعارضوا الشريعة بالعادات: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] فلهم أن يعرضوا بدون دف، ولا طبل، ولا مزمار، فيقول الشيخ: إنها من أدوات العزف، وفي مسند أحمد قال: والكوبة، والكوبة هي: مثل الدف والطبل والمزمار. أما النساء، فيجوز لهن في الأعراس الضرب بالدف بالأيدي - الدف: الذي من وجه واحد- أما الزيرة هذه، فهي من الزأر الذي يأتي بالجنان، هو خمر العقول، حتى بعض الناس إذا سمع الزير هذا يغمى عليه، وبعضهم يقوم بلا شعور، فهذا دليل على أنه يخمر العقول، وهو العلة في تحريم المعازف التي حرمها رسول الله ﵊. أما شعر المديح، فسوف يوقف الله كل عبد بما قال، والشعراء غالبهم إنما يأتون أجراء بالمال، فيمدحون صاحب البيت، ولو كان لا يعدل قرشين، أو ريالين، فيقول: أنت حاتم الطائي، وأنت فعلت، وأنت صنعت، وأنت بركة العصر، ودرة الدنيا، ومجدد هذا القرن، وهو لا يساوي شيئاً، وعلمهم عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، وهم في جانب آخر يواشون ويناكتون بين القبائل، ويحيون العصبيات الجاهلية، حتى سمعنا من كثير من كبار السن أن بعض القبائل تقاتلت من أجل قصائد قيلت في العرضات، فهؤلاء إثمهم على الله، وهم من مشعلي الفتنة؛ لأنهم يمدحون بعض القبائل على بعض، ونحن ليس عندنا قبلية، ولا عصبية، جمعنا الله بلا إله إلا الله تحت لواء واحد، وعقيدة واحدة، وفي مسيرة وقيادة ولاة الأمر، وفقهم الله لما يحبه ويرضاه قال الله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].

стр. 7395

حال عصاة الموحدين في القبور السؤال ما حال العصاة الموحدين في قبورهم، أفي عذاب دائم، أم يعذبون فترة وينقطع عنهم العذاب؟ الجواب معتقد أهل السنة والجماعة: أن الموحدين قد يعذبون، وأنهم لا يخلدون في النار، وأن الموحدين قد يدخلون النار بذنوبهم، كشارب الخمر، والزاني والسارق، قد يدخل النار بذنبه، لكنه لا يخلد في النار، خلاف معتقد الخوارج والمعتزلة. وهل يعذبون في قبورهم؟ نعم، يعذب الموحد إذا كان مذنباً، كتب الله عليه العذاب فترة من الفترات، منهم من يعذب يوماً أو أسبوعاً أو سنة، نسأل الله العافية, أو أكثر أو أقل بحسب ذنبه، والظاهر في حديث صاحب العصا عن ابن عباس في الصحيحين التي قسمها ﵊ على القبرين، الظاهر أنهم موحدون , وهذا هو الصحيح، لكن أحدهم كان لا يستبرئ من البول، والثاني كان يمشي بين الناس بالنميمة، فبذنوبهم عذبوا، قال ﵊: ﴿فأرجو أن يخفف عليهما ما لم تيبسا﴾ يعني العصا.

стр. 7396

حقيقة الحجاب الشرعي السؤال ما هو الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة؟ الجواب أن تغطي ما ظهر من زينتها بما فيها الوجه والكفين إلا في الصلاة، فإن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها في الصلاة، لحديث عند الحاكم عن عبد الله بن جعفر، وهو صحيح: ﴿المرأة عورة إلا وجهها وكفيها في الصلاة﴾.

стр. 7397

حكم تربية اللحية وحلقها السؤال ما حكم تربية اللحية وحلقها؟ الجواب تربية اللحية واجب، وحلقها محرم، وكل الناس يعرفون الحكم، والحمد لله، لا ينقصنا عدم معرفة الأحكام، لكن ينقصنا معرفة التوحيد أولاً.

стр. 7398

حكم الكشف على غير المحارم السؤال أنا عندي سبعة أبناء، وأنا منهم، والمشكلة أننا في بيت واحد، ويكشف إخواني على زوجتي، وإذا قلت لأبي: إن هذا حرام، يقول: إن هذا ليس فيه شيء، وإذا قلت له: إني سوف أذهب، يقول: لا. ولن أرضى عنك؟ الجواب والدك مخطئ في هذه المسألة، وأنت المصيب، وعليك أن تنصحه بالتي هي أحسن، ونسأل الله أن يهدي والدك، وأن يدله سواء السبيل، بل الصحيح أنه لا يجوز للإنسان أن يكشف على غير محارمه، ومنها زوجة الأخ، فإن هذا من المحرم، وقد وصف ﷺ الحمو أخو الزوج بأنه الموت. والناس يتساهلون كثيراً في البيوت بأخي الزوج فيدخل على زوجة أخيه، ويجلس معها ويشرب معها الشاي، وهو الموت، لا يأتي ولا يلدغ إلا من جانبه؛ لأن جانبه مؤتمن، فيأتي السوء منه والعياذ بالله! ووصيتي أن تفصل بينك وبين غير المحارم، ولا بأس باجتماعك بإخوانك الرجال في مكان والنساء في مكان، ولا تطع والدك؛ لأن هذا معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن بالتي هي أحسن.

стр. 7399

حكم الصدقة علىآل البيت وتعظيم الصوفية السؤال يوجد عندنا إمام وشيخ، وسمعنا منه بعض الأمور، وهو إمام لمسجد، يقول منها: إنه لا يأكل الصدقة، لأنه من أهل البيت؟ الجواب والله ما أدري، قد يكون من أهل البيت، إن كان شريفاً فهو من أهل البيت، فالله أعلم، فيراجع إلى حفيظة نفوسه، وإلى نسبه، ويتأكد منه. السؤال الثاني يقول: إنه يتمنى أن يكون شعرة في رأس أحد الصوفية؟ الجواب نعوذ بالله، هذا التمني ليس وارداً، والصوفية فيهم وفيهم، لكن عموماً هذه الفرقة فيها خزعبلات، وعليه أن يتمنى أن يهديه الله سواء السبيل، وأن يريه الله الحق، وأظن أن هذا فيه مرض، فما دام يتمنى هذه الأماني ففيه نظر!

стр. 7400

حكم من انتسب إلى غير نسبه السؤال ما حكم من اتخذ أماً غير أمه، يقول لصلاحها وتقواها؟ الجواب يعني أخذ عجوزاً، وتبناها أنها أم له وهي ليست بأمه، هذا خطأ، ولا يجوز، لا يجوز سرقة الأمهات! عليه أن يعود إلى أمه، قال ﵊: ﴿من ادعى إلى غير أبيه، فالجنة عليه حرام﴾ وفي لفظ حديث علي: ﴿ملعون من ادعى إلى غير أبيه، أو من انتسب إلى غير أبيه﴾ وكذلك أمه، فلا يجوز له أن ينتسب إلى غير أمه، إلا من باب التوقير كأن يقول للعجوز: يا أماه، أو يقول لأحد الشيوخ الكبار: يا أبتاه، وهو ليس بأبيه، من باب التوقير جائز، لكن الادعاء والانتساب حرام.

стр. 7401

عدم السماع للأشرطة والمحاضرات وذمها السؤال هناك من لا يسمع أشرطة المشايخ، ويقول: إنها بلا روح، وهي لا تنفع؟ الجواب ربما أنه ملغم، هو ضدها، ولذلك يظن أنها لا تنفع، وإلا فهي نافعة، وقد نفع الله بها في المشرق والمغرب، وبعض الملاحدة سمعها، فأصبح يصلي. وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل أجمعت الناس جميعاً أنها نافعة، وهذا يقول ما هي بنافعة. وهذا مثل رجل ذكره أبو سليمان الخطابي في كتاب العزلة: أن أحد الصوفية أخد لصقة، فألصق على عينه اليسرى، قالوا له: مالك؟ قال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين، خلق له عينين، وهو يقول : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩] وهو يقول: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين، وسمعنا أن أحد الناس يقول: لا أركب السيارة؛ لأن آجال الناس في السيارة، ويظن أن الذي لا يركب السيار يتأخر سنة أو سنتين، والله يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] الذي في السيارة والطائرة. مات المداوي والمداوى والذي صنع الدواء وباعه ومن اشترى فذكروا -هذا نقل عن بعض الشباب- أنه كان دائماً يركب الحمار فقط، حتى عند الإشارات تراه بالحمار صباح مساء، الناس في السيارات وهو على الحمار، إما ورعاً، وإما خوفاً من السيارات، قالوا: فأتته سيارة في صباح مبارك، فشلته والحمار، فمات! لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار

стр. 7402

حكم العرضة في العرس السؤال هل العرضة حلال؟ الجواب العرضة ذكرت لكم قول سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام

стр. 7403

حكم الغناء السؤال سمعت أحد الأشخاص هنا يقول: إنه يجوز الاستماع إلى الغناء ولا يحرمه؟ الجواب هذا يظهر عليه أن عفشه بائر، يحتاج إلى أنه يدعى له بالهداية، أو ثلاث ضربات بالكورباج، نسأل الله أن يتوب علينا وعليه، لكن ينصح، وأظنه ليس في هذه المنطقة، إنما قد ينقل من بعض المناطق والحمد لله، لأنا نعلم أن هنا علماء ويستفاد منهم ومشايخ خير، وما أعلم صوفية في هذه المنطقة، فهي إن شاء الله بريئة براءة الذئب من دم يوسف.

стр. 7404

حكم الركعتين في غير المسجد كالمصلى وغيره السؤال دخل بعض الناس في هذا المصلى قبل الغروب، وعند دخولهم قاموا وصلوا تحية المسجد؟ الجواب ليس لهذا المصلى تحية مسجد، لأنه ليس مسجداً، فمن دخل قبل الغروب يجلس مكانه ولا يتنفل ركعتين؛ لأن النافلة إنما هي للمساجد، لعموم قوله ﵊ في الصحيحين من حديث أبي قتادة: ﴿إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾ وهذا ليس مسجداً، هذا مصلى، ولذلك ما أمرنا يوم العيد أن نصلي، بل نأتي يوم العيد ونجلس بدون نافلة. قبل أذان المغرب، والوقت وقت نهي، يقول ﵊: ﴿لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس﴾ إلا لمن دخل في مسجد، هذا هو الصحيح. أيها الإخوة الكرام: نكتفي بهذا القدر من الأسئلة على أمل أن نعود إليكم، وأن نراكم، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية، ونسأله سبحانه أن يجمع بيننا وبينكم في دار الكرامة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 7405

مقامات العبودية إن القوة كل القوة في عبودية الله، والعزة كل العزة في عبوديته ، فهو السند والركن والمرتجى، وهو القوة التي لا تُغلب ولا تُهزم. وإن أولى مقامات العبودية عبودية الخوف من الله تعالى، فهو الذي نغص على أهل النوم نومهم، وعلى أهل الراحة راحتهم، وهو الذي جعل الكثير من السلف الصالح لا يذوقون النوم في الليل إلا قليلاً، يبيتون لربهم ركعاً وسجداً، خوفاً من عذابه . والمقام الثاني من مقامات العبودية: الإخلاص لله والصدق معه، فمن صَدَقَ الله فسَيْصْدُقُه الله، كما قال ﵊.

стр. 7406

مقامات النبي ﷺ الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً. اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله غيرك. في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظَمَتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. والصلاة والسلام على من بعثه ربُّه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين، أنار الله به أفكار البشرية، وهدى به الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية. رفع رءوسنا وكانت مخفوضة، وشرح صدورنا وكانت ضيقة، وأسمع آذاننا وكانت صُمَّاً، وفتح عيوننا وكانت عُمْياً. إن البرية يوم مبعث أحمدٍ نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جَبَتِ الكنوزَ فكسرت أغلالها سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. سلام الله عليكم يوم اجتمعت قلوبكم على لا إله إلا الله، وتآخت أرواحكم على ضوء لا إله إلا الله، واتحدت مسيرتكم تحت ظل لا إله إلا الله. إن أشرف المقامات -أيها الإخوة الأبرار! - هو مقام العبودية لله، أن تكون عبداً لله هذا هو شرفك في الدنيا والآخرة، ولذلك ذكر الله رسوله ﷺ في أشرف المواطن بأشرف الأوسمة والألقاب والصفات، فسماه ووصفه بالعبد في الإسراء والمعراج فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] ووسمه بالعبودية في مقام التنزيل، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] ووسمه في مقام الدعوة والتبليغ والتبشير والإنذار فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩] فشرفك في الحياة أن تكون عبداً لله؛ لتنتسب إلى الله. ومما زادني شرفاً وفخراً وكِدتُ بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرَّت أحمد لي نبيا أن تكون داخلاً مع عباد الرحمن تحت هذه الياء - ياء النداء -: لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي فالقوة كل القوة في العبودية لله، والعزة كل العزة في العبوديته لله ، إنه السند والركن والمرتجى، وهو القوة التي لا تُغلب ولا تُهزم. فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان روى ابن كثير عن طاوس بن كيسان - العابد العالم الكبير الزاهد النحرير - قال: [[دخلت الحرم فصليت ركعتين عند المقام فلما سلمتُ إذا بي أسمع جَلَبَة ورائي فالتفت فإذا بـ الحجاج وحرسه يصلون عند المقام، فلما سلَّم الحجاج من ركعتيه، جاء أعرابي من اليمن فمرَّ مِن قِبَل الحجاج فخطفَ ثوبُه حَرْبةً عند الحجاج وأوقعها بجانبه، فأخذ الحجاج بثوب هذا اليمني الأعرابي وسأله: ممن أنت؟ قال: أنا من أهل اليمن، قال: كيف أخي محمد؟ - ومحمد أخو الحجاج بن يوسف، وكان والياً على اليمن، وكان ظالماً غاشماً - قال: تركتُه سميناً بطيناً، قال: ليس عن صحته أسألُك، إنما أسألك عن عدله، قال: تركته غشوماً ظلوماًَ، قال: أما تعرف أني أنا الحجاج بن يوسف؟ قال الأعرابي: أتظن أنه بانتسابه إليك أعز مني بانتسابي إلى الله؟! قال طاوس فما بقِيَتْ شعرةٌ في رأسي إلا قامت]] إنها عبودية الانتساب إلى الله ، وقوة المؤمن يوم ألا يعرف ولا يجد ولياً ولا سنداً إلا الله .

стр. 7407

عبودية الخوف من الله ولذلك ذكر الذهبي في ترجمة ابن أبي ذئب - المحدث الموجه باني الأجيال - أن المهدي الخليفة العباسي دخل المسجد النبوي والناس جلوس وطلبة العلم في حلقاتهم، فلما رأوا الخليفة قاموا إلا ابن أبي ذئب لم يقم من مكانه، فقال المهدي للعالم ابن أبي ذئب: أما عرفتني؟ لِمَ لَمْ تقم لي؟ فقال ابن أبي ذئب: والله لقد هممت أن أقوم لك، فتذكرت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فتركت القيام لذاك اليوم. فهؤلاء أناس عرفوا مقام العبودية. ومن أعظم مقامات العبودية: الخوف من الله . فقد أثنى الله على الخائفين، ومدح المخبتين، وذكر المنيبين إليه بأحسن الصفات، وأجل القربات والطاعات، ولذلك يقول : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] ولذلك يقول بعض أهل العلم: كل شيء تقرب منه تأمنه إلا الله، فكلما اقتربت من الله خفت منه، أما يقول عز من قائل عن العلماء المخلصين: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فذكرهم بالخشية والخوف وقربهم منه ، ولذلك كان أكثر الناس خوفاً ووجلاً وخشية رسول الله ﷺ ، قال لـ ابن مسعود، وهو أحد تلاميذ رسول الله ﷺ الأبرار، وأحد خريجي تلك المدرسة التي ما عرفت البشريةُ مدرسةً مثلَها، مدرسة حياة الإنسان، وصنع الأجيال، ورقي القلوب، وزيادة الأرواح إلى بارئها ، لأننا -أيها الإخوة الأخيار! - قبل مبعث الرسول ﷺ كنا أمواتاً، ما كانت عندنا حياة؛ لا حضارة ولا معرفة، لا رُقي ولا تقدم ولو دجل الدجالون من القوميين وأذنابهم فليس عندنا حضارة ولا رقي ولا ثقافة إلا بدعوته ﷺ ، فمن تلك الفترة بدأ تاريخنا، ولذلك يقول عز من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فبدأنا الحياة يوم أتى ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] أو مَن كان ميتاً في جهله ومعصيته، وشهوته وشبهته كمن أحياه الله بالإيمان. والشاهد من ذلك أن الرسول ﷺ قال لـ ابن مسعود، هذا التلميذ البار الحبيب النجيب؛ الذي كان قوة متفجرة في توجيه الأمة، وإن كان هزيلاً في جسمه ضعيفاً في بنيته ضئيلاً في هيكله لكنَّ ديننا لا يعترف بالأجسام، وإنما يعترف بالقلوب والأرواح، فلما أتى ﷺ جعل من هذه القلوب مادة قوية توجه الناس، وتضيء للحائرين، يقول أهل السير عن ابن مسعود: كان ضئيل البنية إذا وقف بجانب الرجل القاعد وازاه في القامة. ﴿صعد مرة شجرة فأخذت الريح تهز هذه الشجرة وهو على أغصانها، فتضاحك الناس من دقة سافيه -فبيَّن ﷺ أن الضحك ليس له مجال هنا- فقال النبي ﷺ : أتعجبون من دقة ساقية؟ والذي نفسي بيده إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾ بالإيمان واليقين والاتصال بالله. قال له ﷺ : ﴿اقرأ علي القرآن - كما في الصحيحين - قال: يا رسول الله! أأقرأ عليك القرآن وعليك أُنزل؟ - هذا هو الأدب والحياء، وهذا خجل من أهل الفضل - قال ﷺ : اقرأ عليَّ القرآن فإني أحب أن أسمعه مِن غيري، فقرأ ﵁ على الرسول ﷺ ، والرسول يستمع، فلما بلغ قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] أخذ ﷺ يبكي، ويقول: حسبك الآن﴾ حسبك فقد أبلغت، وحسبك فقد أثرت، وحسبك فقد وصل الكلام مكانه ومستقره، هذا وهو رسول الله ﷺ ؛ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأتم الله عليه نعمته ظاهرة وباطنة، لكنه ما اغتر وما انخدع وما زاده ذلك إلا عبادة وخوفاً. كان يقوم ﵊ في الليل يستمع إلى الصحابة وهم يقرءون القرآن: عُبَّاد ليل إذا جنَّ الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأُسْدُ غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه استمع ﷺ إلى أبي موسى في الليل وهو يقرأ القرآن بصوته الشجي الندي مع الصدى العجيب، وفي الصباح قال له ﷺ : ﴿يا أبا موسى! لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقرائتك، لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داوُد، فقال أبو موسى ﵁ وأرضاه: أكنت تستمع إليَّ يا رسول الله؟ قال: إي والذي نفسي بيده، قال: والله لو كنت أعلم أنك تستمع إليَّ لحبرته لك تحبيراً﴾ أي: حسنته وزينته وجملته بالصوت الحسن، فكان ﵊ يحب أن يسمع القرآن؛ لأنه يذكره بالخوف والخشية من الله ﵎. وفي تفسير ابن أبي حاتم بسند حسن، قال أبو هريرة: ﴿ذهب ﷺ ذات ليلة بعد أن أظلم الليل، فمر بسكة من سكك المدينة وإذا بعجوز تقرأ القرآن، فوضع ﷺ رأسه على صائر الباب، وأخذ يستمع إليها - عجوز مُسِنَّة كبيرة طاعنة في السن لكن قلبها حي مع الله - فأخذت تردد قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وكانت ترددها وهي لا تدري أن الرسول ﷺ يستمع إليها، ويقول: نعم أتاني نعم أتاني، كلما قالت: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] قال: نعم أتاني، نعم أتاني، نعم أتاني﴾. لقد عرف السلف الصالح مقام الخوف فجعلوه من أعظم المقامات الموصلة إلى الله، ولذلك لام الله ومَقَتَ البشرية جمعاء على عدم خوفهم من الله؛ إلا بقايا من أهل الكتاب. رُوي في كتاب الزهد للإمام أحمد بسند جيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿عجباً لك يا بن آدم! خلقتك وتعبد غيري! ورزقتك وتذكر سواي! أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي! خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد!﴾ وهذه صفة العبد إذا تمرد على الله وخرج على حدود الله وترك رقابة الله.

стр. 7408

رقابة الله الرقابة هي أول درجات الخوف، وقد أُثِرَ عن عثمان ﵁ أنه قال: [[والله ما نظرت إلى عورتي حياءً من ربي، ولا اغتسلت واقفاً حياءً من الله ]]. كأن رقيباً منك يرعى جوانحي وآخر يرعى مسمعي وجناني ولذلك كتب الأندلسي لابنه وهو يوصيه بتقوى الله: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني ولو أنا قلنا جميعاً: إن الذي خلق الظلام يرانا، ما عصينا وتمردنا على الله، وما انتهكنا حدود الله، وما فجرنا؛ لكن رقابة الله قلت في كثير من القلوب والنفوس. يقول ثعلب الأديب - كما في بعض التواريخ - دخلت على الإمام أحمد ﵀، فقال: من أنت؟ قلت: أديبٌ أحفظ شيئاً من الشعر، قال: أسمعني، قال: قلت: يقول أبو نواس: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعة ولا أن ما تُخفي عليه يغيب قال: فترك كتبه ومحبرته، وأغلق على نفسه حجرته، ثم -والله- سمعته يبكي وهو يردد البيت: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكنْ قلْ عليَّ رقيب فهذه هي رقابة الله .

стр. 7409

خوف أبي بكر الصديق يقول الإمام أحمد في كتاب الزهد بسند حسن أُثِرَ عن أبي بكر الصديق الخليفة المجاهد العابد، الذي وصفه ﷺ ، وأفاض عليه أحسن الأوسمة، أوسمة التبجيل والتوقير، المجاهد يوم الردة، والمتولي للخلافة في الساعة الحرجة ﵁ وأرضاه، قال الإمام أحمد: أُثِرَ عنه أنه دخل مزرعة أحد الأنصار فأخذ يتلفت في النخيل، فإذا بطائر يطير من شجرة إلى شجرة، فجلس ﵁ يبكي ويقول: [[طوبى لك أيها الطائر! ترعى الشجر وترد الماء ثم تموت فلا حساب ولا عقاب]] يقول هذا وهو مشهود له بالجنة، بل قال له ﵊ كما في كتاب الصحيح للإمام البخاري في كتاب الجهاد: أن الرسول ﷺ قال: ﴿إن للجنة أبواباً ثمانية، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر - بهمته العالية وتشوقه إلى رحمة الله -: يا رسول الله! أيُدْعى أحد من تلك الأبواب جميعاً؟ فيقول ﷺ : إي والذي نفسي بيده، وأرجو أن تكون منهم﴾ فهذه هي الهمم العالية. ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا لأن أهل الدنيا اهتماماتهم دنيوية، يهتمون بالمناصب والوظائف، والصدارة وحب الظهور، وحب المال، وأما المؤمن فهمته دائماً متعلقة برضا الرب . فـ أبو بكر الصديق لما حضرته الوفاة - كما في سيرته - أتته ابنته عائشة المطهرة المبرأة من فوق سبع سماوات فقالت: [[يا أبتاه! صدق الأول الذي يقول: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فالتفت إليها كالمغضب وقال: يا بنية! لا تقولي ذلك ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:١٩ - ٢٠]]]. فلما توفي -وكان الخليفة- وقد كان ذهب الأمة وفضتها الأمة تحت يديه، فلما بحثوا عن ميراثه ما وجدوا إلا بغلة وناقة وثوبين فأخذها عمر إلى بيت المال وهو يبكى، ويقول: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر!]]. وروى ابن القيم في كتاب روضة المحبين ونزهة المشتاقين: أن عمر ﵁ كان يترقب أبا بكر بعد صلاة الفجر، فكان يراه إذا صلى الفجر يخرج من المسجد إلى ضاحية من ضواحي المدينة كل يوم، فيتساءل: ما له يخرج؟ ثم تبعه مرة من المرات، فإذا به يدخل خيمة، فلما خرج أبو بكر دخل بعده عمر فإذا في الخيمة عجوز حسيرة كسيرة عمياء، معها طُفَيلات لها، فقال لها عمر: من هذا الشيخ الذي يأتيكم - وهي لم تعرفه - قالت: هذا شيخ لا أعرفه، يأتي كل يوم فيكنس بيتنا ويصنع لنا فطورنا ويحلب لنا شياهنا، فقال عمر: أتعبتَ الخلفاء بعدك يا أبا بكر! إي والله، أتعب كل خليفة إلى قيام الساعة بهذه العبادة، والاتصال بالله؛ مَن كنا لولا هذا الدين؟ إننا أمة نتخاطب مع النصوص ومع الخوف من الله .

стр. 7410

خوف عمر من الله يقف عمر يوم الجمعة في عام الرمادة وبطنه تقرقر من الجوع فيقول: [[قرقر أولا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]] يقف يوم الجمعة وبُرْدَتُه مرقعة أربع عشرة رقعة، وكسرى وقيصر يهتزون منه خوفاً: يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواهُ يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاهُ لما خفنا الله خافت منا الأمم، وخاف منا الفجرة والمردة، فلما خفنا منهم ولم نخف من الله خوفنا الله منهم، وإلا فنحن ما انتصرنا على الأمم إلا يوم أتينا بلا إله إلا الله، ونشر أجدادُنا لا إله إلا الله، وساروا بلا إله إلا الله على البحار، وما حاربناهم بشيء إلا بهذه العقيدة. دخل ربعي بن عامر على رستم في القادسية ورستم في وزارته وإمارته، ومعه الذهب والفضة، والإكليل والديباج وزخرف الدنيا، فيدخل ربعي وعليه ثياب ممزقة، وفرس هزيل، ورمح مُثلَّم، لكنه يخاف الله ويرجو رحمة الله، ويتصل بالله -القوة العتيدة التي لا تُغلب- فيضحك رستم من هذه الهيئة، ويقول: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الرمح المثلم، وبهذه الثياب الممزقة، وبهذا الفرس الهزيل؟! فقال ربعي: [[إي والله، إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]]. من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسـ ـمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا كنا نكبر فتهتز لنا قصور الأعداء، ولذلك يذكر أن من شدة خوف سعد بن أبي وقاص لله - كما يروي الذهبي وابن كثير - أنه لما رأى قصر كسرى الضلالة والعمالة، والبطالة والعطالة كسرى الصد عن الله، لما رآه سعد حين فتح القادسية قال ودموعه تتساقط من فرحة النصر: طفح السرور عليَّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني وقرأ قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٦ - ٢٩]]]. كان الصحابة أقرب الناس من الله، وأخوفهم منه ؛ فقربهم وأفضليتهم ومصداقيتهم بالخوف من الله .

стр. 7411

خوف عثمان ﵁ من الله [[كان ابن عباس إذا قرأ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] بكى وقال: ذاك عثمان بن عفان]] فقد كان من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر يقطع الليل بالتسبيح وقراءة القرآن. حتى يقول حسان ﵁ وأرضاه وهو يتعجب من مقتل عثمان محيي الليل الشهيد العظيم، قال: ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا ولذلك روى المروزي في كتاب الوتر وذكره ابن حجر في كتاب الوتر من صحيح البخاري بسند صحيح أن " عثمان ﵁ قام ليلة من الليالي بركعة واحدة من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر فقرأ في هذه الركعة القرآن كاملاً ". خوفُه من الله أهَّلَه إلى هذه المرتبة. فيا أمة الرسالة! نحن بحاجة إلى أن نراجع حسابنا مع الله في مقام عبوديتنا معه ، وأن نحاسب أنفسنا، أين نحن من أولئك الرجال والطراز الرفيع الذين ما عرفت الإنسانية مثلهم رضوان الله عليهم؟ هذا خوفهم مع عظيم أعمالهم الصالحة التي عملوها، ونحن ماذا قدمنا؟ وماذا فعلنا؟ يقف ﵊ قبل معركة تبوك على المنبر فيقول للمسلمين وهم في المسجد: ﴿من يجهِّز جيش العسرة وله الجنة؟ فيسكت الناس - لأن التكاليف باهظة وغالية لا يجهزها إلا رجل يريد الله والدار الآخرة - فيقول ﷺ ثانية: من يجهز جيش العسرة وله الجنة؟ فيسكتون، فيقول ثالثة: من يجهز جيش العسرة وله الجنة؟ فيقوم عثمان من بين الصفوف ويقول: أنا يا رسول الله! أجهز جيش العسرة - بماله وملكه وجِماله وأحلاسه في سبيل الله - فتدمع عيناه ﷺ ويقول: اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض﴾. وإنما نسرد أخبار هؤلاء وسيرهم لأنها عبرة، ولأن الله جعلهم قدوة، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. فمن أراد العبادة والاتصال بالله فعليه بسير الصحابة: كن كالصحابة في زهد وفي ورع القوم هم ما لهم في الناس أشباه

стр. 7412

خوف علي ﵁ من الله وتربى الأمة بـ علي ﵁ وأرضاه، فيكون مثالاً للخليفة الزاهد العابد الخائف من الله، يقف على المنبر - كما يقول ضرار بن الحارث الصدائي - ويأخذ بلحيته ويقول: [[يا دنيا، يا دنية! غرِّي غيري، طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها، زادُك حقير، وسفرُك طويل، وعمرُك قصير، آهٍ من قلة الزاد، وبُعد السفر، ولقاء الموت]]. إن الصحابة عندما تجردوا لله، وخافوا من لقائه؛ بلغهم الله ما أرادوا، وأعطاهم الله ما تمنوا.

стр. 7413

حقيقة الخوف من الله فالمسلم هو الذي يخاف من الله، فما هو الخوف إذاً؟ أحسن من عرَّف الخوف ابن تيمية شيخ الإسلام ﵀، الداعية الكبير، يقول: " حد الخوف ما حجبك عن المعاصي، وما زاد فلا يُحتاجُ إليه "، وصدق ﵀. حد الخوف: ما حجبك عن المعاصي، وما زاد فلا يحتاج إليه، لا خوف غلاة الصوفية الذين أدى بهم خوفهم إلى ترك الطعام والشراب والنكاح، وهذا لا يطلب في الإسلام لكن حد الخوف ما حجبك عن المعاصي. ومن كثرة خوف عباد الله الصالحين لربهم، أثمر الخوف فيهم الاستقامة وترك المعاصي، والخوف الذي لا يجعل صاحبه يترك المعصية ليس بخوف، إنما هو كلام باللسان، ولذلك يقول الحسن - كما في الموطأ -: [[ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل]]. كلٌّ يجيد العبارة والتذوق، أو الكلام وتلميع العبارة، لكنَّ الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، ولذلك يظهر الإيمان وآثار الخوف بالأعمال الصالحة.

стр. 7414

خوف عبد الله بن وهب من الله يروي الذهبي في المجلد الثامن من سير أعلام النبلاء في قصة عبد الله بن وهب المصري العالم الكبير الزاهد أنه ألف كتاب أهوال يوم القيامة فقال له أصحابه: اقرأ علينا الكتاب، قال: أما أنا فوالله لا أستطيع أن أقرأ الكتاب، لكن مروا أحدَكم أن يقرأه، قالوا: ابنك يقرأ علينا الكتاب، فبدأ ابنه يقرأ الكتاب الذي ما سمع الناس بمثله في بابه، فأُغْشِي على عبد الله بن وهب، قال الذهبي: وبقي ثلاثة أيام مغمىً عليه، ومات في اليوم الرابع، واقرءوا ترجمته، فهو عالم مصر محدثها وزاهدها، أُغْمِي عليه ثلاثة أيام لما قرئ عليه كتابه الذي ألفه، وفي اليوم الرابع فارق الحياة. وأُثِر عنه أنه كان يغتسل يوم الجمعة فسمع ابنه الصغير يقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] فأُغْمِي عليه وسقط وهو يغتسل. إن هؤلاء اتصلت قلوبُهم بالله، وقلَّلوا من المعاصي، وأكثروا من التوبة والإنابة، والرجوع والعودة إلى الله؛ فأعطاهم الله ما تمنوا.

стр. 7415

خوف عبد الغني المقدسي من الله يقول صاحب طبقات الحنابلة في ترجمة عبد الغني المقدسي المحدث الكبير الشهير، صاحب كتاب الكمال في أسماء الرجال الذي ما أُلف في علم الرجال مثله قال: " أُثِر عنه أنه سُجِن وسُجِن معه كافر يعبد الشمس، فقام عبد الغني المقدسي في الليل - وكان من عادته أنه لا ينام في الليل - قام يتوضأ ويصلي ركعتين فإذا جفَّ وضوءُه عاد إلى الوضوء مرة ثانية، ويقرأ ويبكي حتى الصباح، وهذا الرجل الكافر ينظر إلى هذا المشهد، وينظر إلى هذا العالِم الزاهد الكبير، وهو يصلي ويبكي حتى قرب الفجر، فلما أصبح الصباح ذهب هذا الكافر الذي يعبد الشمس إلى المسئول عن سجنه، وقال: أطلقني فإني آمنت بالله وشهدت أن محمداً رسول الله، قال: ولماذا؟ قال: والله لقد مرت عليَّ ليلة ما مرت عليَّ ليلة في حياتي مثلها، لقد تصورت أن القيامة قامت لما رأيت هذا الرجل يصلي ويبكي. فنحن كنا ندعو الناس بأعمالنا قبل أقوالنا، وبزهدنا وبتقوانا وباتصالنا بالله ؛ فأثمرت جهودُنا، وأثمر علماؤنا الثمرة الطيبة الخيِّرة في الأمة، وربوا الأجيال، ولذلك كان الخوف دائماً أعظم المنازل عند أهل العلم.

стр. 7416

خوف ابن المبارك من الله يقول محمد بن القاسم -وهو أحد تلاميذ ابن المبارك -: سافرتُ مع عبد الله بن المبارك فرأيته في السفر، فقلت: سبحان الله! يصلي كصلاتنا ويقرأ كقراءتنا ويصوم كصيامنا ورفع الله له الذكر الحسن في الناس، ورفع الله مكانته في العالمين، فبماذا هذا؟ قال: فدخلنا حجرة ونحن مسافرون، فانطفأ السراج علينا، فذهبنا نلتمس سراجاً نستضيء به، وأتينا ابن المبارك بالسراج وهو في الظلام فإذا هو يبكي ودموعه تتحدر من رأس لحيته، قلنا: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: والله لقد ذكرت القبر في هذه الغرفة المظلمة الضيقة فكيف بالقبر. والموت فاذكره وما وراءهْ فمنه ما لأحد براءه وإنه لَلفيصل الذي بهِ ينكشف الحال فلا يشتفِي والقبر روضة من الجنانِ أو حفرة من حفر النيرانِ إن يك خيراً فالذي من بعدهِ أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ أيها المسلمون! إننا بحاجة إلى مراجعة أنفسنا بالرقابة مع الله، وفي تدبر أيام الله، والاستعداد للقاء الله ، قبل أن نصل إلى حفرة نستَعْتِبُ فلا نُعْتَب، ونطلب العودة فلا نُعاد، ونرجو الرجعة فلا نرجع أبداً.

стр. 7417

خوف ابن عمر ﵁ من الله كان ابن عمر - فيما أُثِر عنه ونَقَل عنه ذلك بعض المفسرين - أنه إذا قرأ قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] يبكي ويقول: [[اللهم لا تحل بيني وبين ما أشتهي، قالوا: ماذا تشتهي يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أشتهي أن أقول: لا إله إلا الله في قبري أخاف أن يُحال بيني وبينها]] هل سمعتم بمقبور يقول: لا إله إلا الله؟ هل سمعتم بميت يصلي في قبره؟ وهل سمعتم بمدفون يصوم في قبره؟ ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] ولذلك ذُكر في ترجمة علي ﵁ أنه مر بمقابر الكوفة فقال: [[السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنتم سلفنا ونحن الأثر، أما ظهور مقابركم فجميلة، لكن يا ليت شعري ما في بواطنها! ما هي أخباركم؟ أما أخبارنا فالبيوت سُكِنَت، والزوجات تزوَّجت، والأموال قُسِّمت، هذه أخبارنا، فما أخباركم؟ ثم بكى، وقال: سكتوا ولو نطقوا لقالوا: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى]].

стр. 7418

خوف عمر بن عبد العزيز من الله وذكر ابن كثير في ترجمة عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد الشاب الذي قاد الأمة وهو لم يتجاوز الأربعين، لما علم اللهُ صدقَه وإخلاصَه بلَّغه الله ما تمنى. يقول ابن كثير: أُثِر عن عمر بن عبد العزيز أنه صلى صلاة العيد، ومعه أمراء ووزراء بني أمية فقربوا له المراكب ليركب، فقال: [[ما أنا إلا رجل من المسلمين، ثم مضى، فلما مر بالمقبرة وقف عندها وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيتها القبور! كم فيك من خد أسيل، وطرفٍ كحيل، ثم قال: ما كأنهم ضحكوا مع من ضحك، ولا لعبوا مع من لعب، ولا تمنوا مع من تمنى، ثم رفع صوته باكياً وقال: يا موت! ماذا فعلتَ بالأحبة؟! فأجاب نفسه بنفسه وقال: يقول: أكلتُ العينين، وذرفتُ بالحدَقَتَين، وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين، والقدمين عن الساقين، والساقين عن الركبتين]]. لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها فاعمل لدار غداً رضوانُ خازنها والجار أحمد والرحمان بانيها قصورها ذهبٌ والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها من أراد أن يعمل فليعمل لدار البقاء، ودار الغناء ودار الحياة، لا فيها هم، ولا حزن ولا غم، من أراد ذلك فعليه بمركب الخوف. وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن أن: ﴿الجواري (الحور العين) في الجنة ينشدن الحور العين -فيقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا﴾. إنهن يتغنين بصوت جميل لمن ترك الغناء واللذات في الدنيا، أما من استمع هنا وتمنى ولها فلا يستمع هناك؛ لأن الله يقول: ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٦]. لذلك يقول ابن القيم: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصانِ فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزانِ يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان يا أيتها الأذن التي تريد النعيم: لا تستمعي إلى اللغو الأثيم. يا أيها القلب الذي يريد أن يرضى عنه الله، وينشرح برضوان الله، لا تنغمس في الخطايا. يا أيتها العين التي تريد أن تنظر في الجنة: لا تنظري إلى الحرام. إن مركب الخوف كان أقرب المراكب عند السلف الصالح وصولاً إلى الله ، فهم أقرب الناس إلى الله بالخوف منه ، وطلب ما عنده.

стр. 7419

خوف ابن عباس ﵁ من الله كان ابن عباس ﵄ يقوم الليل بآية واحدة ليس إلا هي، وهي قوله في سورة النساء: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣] فيبكي حتى الصباح خوفاً من الله. يقول تلميذه عطاء بن أبي رباح: [[والله لو رأيتم ابن عباس وعيناه - أو جفناه - كالشراكين الباليين من البكاء والله لقد رأيته يبكي وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣]]]. ولذلك ذكر عنه المترجمون: أنه لما حضرته الوفاة في الطائف أُدْرِج جسدُه في أكفانه - رحمة الله على ذلك الجسد - ثم عُرِض على الصلاة، فإذا بطائر يقع على أكفانه، وسُمع هاتف يقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. ذُكرت هذه الحادثة في البداية والنهاية، ومعنى الآية: أن النفس تدخل في عباد الله وفي جنة الله؛ لأنها رضيت بالله رباً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالإسلام ديناً، فجزاؤها عند الله أن يرضى الله عنها.

стр. 7420

أشد الناس خوفاً من الله كان السلف أشد الناس خوفاً من الله؛ لأنهم أعرف الناس به. وجاء في كتاب الإيمان في صحيح البخاري عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن أخوفكم وأعلمكم بالله أنا﴾ وصدق ﵊، فهو أخوفنا لربه، وهو أخشانا لمولاه وأقربنا منه . روى ابن مردويه بسنده عن بلال قال: ﴿مررت قبل صلاة الفجر أوْذِنُ رسولَ الله ﷺ بالصلاة، فإذا هو يبكي، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما الذي يبكيك؟ قال: يا بلال! أنزلت عليَّ آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]﴾. إن وقاية عذاب النار وغضب الجبار تكون بالخوف منه وبمراقبته جل وعلا. إن العبيد إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرارِ وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النارِ فالعتق من النار بالخوف من الواحد القهار، ومراقبته . وأُثِر عن إمام أهل السنة والجماعة، أحمد بن حنبل أنه كان إذا جلس في البيت وحده تربع وجلس وعليه السكينة والخشوع، فإذا ظهر أمام الناس لا يرى عليه ذاك الخشوع، فسئل عن ذلك فقال: "إن معي رقيباً يجالسني"، وصدق ﵀، فإن الله كما في الحديث القدسي الصحيح يقول: ﴿أنا جليس من ذكرني﴾ وفي حديث أبي هريرة: ﴿من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه﴾. حتى يقول الإمام الشافعي: " لما ودَّعت الإمام مالك، قلت: أوصني يا أبا عبد الله! قال: إن عليك نوراً؛ فلا تطفئ نورك الذي أعطاك الله بالمعصية، ولا يردعك عن المعاصي والذنوب إلا الخوف من الله ومراقبة الله، ولذلك يتحسر المتحسرون عند السكرات. وفي صحيح مسلم في كتاب الإيمان عن ابن شماسة المهري، قال: [[حضرت عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة وهو في مصر فأخذ يبكي طويلاً ويحول وجهه إلىّ الجدار، فأخذ ابنه عبد الله الزاهد يرجيه ويحسِّن ظنه بالله، ويقول له: يا أبتاه! أما أسلمت؟ أما ولاك رسول الله ﷺ جيش ذات السلاسل؟ أما فتحت مصر؟ أما حسَّنت منقبتك في الإسلام؟ وهو لا يزداد إلا بكاء، قال: فلما طال الحوار بينهما التفت إلينا عمرو بن العاص وقال: يا أيها الناس! - وقد قلصت دموعه من عينيه - إني عشت حياتي على طباق ثلاث: كنت في الجاهلية لا أعرف الإسلام، وكان أبغض الناس إليَّ رسول الله ﷺ ، والله لو تمكنت منه لقتلته، فلو مِتُ على تلك الحال لكنت من جثي جهنم. ثم أسلمت - وهذه أحسن الذكريات عند عمرو بن العاص، داهية الإسلام وأرطبون العرب، الذي رمي به أرطبون الروم - قال: فقدمت المدينة، فلما رآني ﷺ حيا بي، وقال: أهلاً وسهلاً، وهش في وجهي وبش وأجلسني وقال: ابسط يدك لأبايعك، فلما بسط ﷺ يده قبضتُ يدي، فقال ﷺ : ما لك يا عمرو! قلت: أشترط، قال ﷺ : وماذا تشترط؟ فقلت: أشترط أن يغفر لي ما أسلفت في الجاهلية، فتبسم ﷺ وقال: أما تدري يا عمرو! أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة تجب ما قبلها؟ قال عمرو: فأسلمت، فوالله ما كان من أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ ، والله ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً له، والله لو سألتموني الآن أن أصفه ما استطعت أن أصفه، فلو مت على تلك الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة. ثم تخلفتُ بعده فلعبِتْ بي الدنيا ظهراً لبطن، فوالله ما أدري هل يؤمر بي إلى الجنة أم إلى النار! ولكن معي كلمة أحاجُّ لنفسي بها عند الله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم قبض يده عدا السبابة، وأُدخِل في أكفانه ويده مقبوضة، وأُدخِل قبره ويده مقبوضة]].

стр. 7421

سكرات الموت إن سكرات الموت تبين مواقف المراقبة والمحاسبة عند المسلم الذي كان يحاسب نفسه، فلذلك يبشر بالخير عند سكرات الموت. ورد في ترجمة معاذ ﵁ وأرضاه قصة، وقبل أن أحكي القصة لا بد أن يعرف شباب الإسلام معاذ بن جبل، ولا بد أن يعيشوا معه ومع أمثاله، فبمثل سيرهم يرفع الله قدرنا ورءوسنا، ويشرح صدورنا، فهذا معاذ الذي توفي وعمره ثلاث وثلاثون سنة لكنها كلها جهاد وعبادة، وزهد ودعوة، وفتح الله على يديه اليمن، وكان سبب وفاته أن أصيب بقرحة في يده من الطاعون - كما يقول أهل العلم - فأخذ الناس يدعون له بالشفاء، قال: [[والله لو كان شفائي أن أمس أذني ما مسست أذني، ثم قال: اللهم إنك تكبر الصغير، وتكثر القليل، اللهم بارك في هذه القرحة]] فأخذت القرحة تتفشى في جسمه، ثم توفي. فالقصة أنه لما حضرته الوفاة قال لابنه: [[اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ فخرج ورجع، وقال: لم يطلع الفجر إلى الآن، قال في المرة الثانية: اخرج وانظر هل طلع الفجر؟ فخرج، فقال: نعم طلع، قال: اللهم إني أعوذ بك من يوم صبيحته إلى النار، اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور؛ ولكني كنت أحب الحياة لثلاث - اسمع إلى القلب الحي، وانظر إلى حياة أهل العلم وأهل الصلاة والاستقامة، واسمع إلى تربية محمد ﷺ ولكني كنت أحب الحياة لثلاث: لمكابدة الهواجر في الصيام -والهواجر: شدة الحر- ولقيام الليل، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر]]. فتوفي ﵁ وأرضاه وعرف مصيره أنه -إن شاء الله- من المقبولين، لِمَا رأى من قرائن الخير.

стр. 7422

الندم عند الموت ومن فرَّط في حياته ندم عند الوفاة، ولذلك يقول عبد الحق الإشبيلي في كتاب العاقبة: " نُقِل عن المعتصم أنه لما حضرته الوفاة بكى كثيراً -وهو في سكرات الموت- وقال: والله! ما ظننتُ أن عمري قصير، ولو كنت أظن أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت من المعاصي ". عجباً! أما كان يعلم أنه سوف يلقى الله؟ أما كان يعلم أنه سوف يُصرع في هذا المصرع؟ يقول: والله لو كنت أعلم أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت من المعاصي. ولذلك نَدِمَ. وجاء في سيرة عبد الملك بن مروان كما في سير أعلام النبلاء: أنه قال عند وفاته وهو في سكرات الموت، وكان يسمع غسَّالاً ينشد: [[يا ليتني كن غسالاً، يا ليتني ما ملكت أمر الأمة، يا ليتني ما توليت الخلافة]] فأُخبر سعيد بن المسيب ﵀ أو غيره فقال: [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون عند الموت إلينا، ولا نفر عند الموت إليهم]]. إنه موقف الصدق للصادقين، وموقف الصلاح للصالحين، وموقف الندم للمتندمين والمفرطين، فساعة الموت يُذَل فيها الجبار، ويُذعِن فيها الكافر، ويُسلِّم فيها العنيد، ويفتقر فيها الغني، فلذلك عرفوا أنهم فرطوا لما حضرتهم الوفاة. وهذا الوليد بن عبد الملك لما حضرته الوفاة بكى طويلاً وقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] فلا بقاء إلا لمن أحسن حياته بطاعة الله ، وتزوَّد بالصالحات وأنهى عمره بالخوف من الله ومراقبته. فهذه منزلة الخوف. وإنما بدأت بها لحاجتنا إلى هذه المنزلة، ولأننا بأشد الحاجة للعودة بالخوف إلى الله ، وإلا فالرجاء مبذول ومطلوب وموجود، وليس الناس بحاجة أن يبين لهم الرجاء إلا في بعض الحالات؛ لأنهم ما قصروا في الرجاء وما فاتتهم منزلة الرجاء، بل أسرفوا فيها، لكنهم بحاجة إلى خوف.

стр. 7423

عبودية الإخلاص مع الله والصدق معه والمنزلة الأخرى من مقامات العبودية، والتي وَجَبَ أن تقدم قبل الخوف هي: منزلة الإخلاص مع الله والصدق معه ، وإننا من أشد الناس حاجة إلى أن نتذكر الإخلاص والصدق، فلا عمل ولا قبول ولا ثواب ولا أجر ولا عاقبة إلا لمن أخلص لله ، ولذلك يقول عز من قائل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ويقول تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] والخالص: الذي نُقِّي من شوائب الرياء والسمعة، ولم يقصد غير الله ، قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. فالله الله في الإخلاص! فإنه الطريق العامر وهو الباب المفتوح إلى الله ، فلا قبول إلا بإخلاص ومتابعة، لذلك يقول ﵊ لـ معاذ - كما عند المنذري وغيره -: ﴿يا معاذ! أخلص عملك يكفك القليل﴾ فالكثير مع الرياء لا خير فيه ولا بركة، والقليل مع الإخلاص كثير مبارك بإذن الله.

стр. 7424

لكل امرئ ما نوى رُوِي عن أبي هريرة في الحديث الصحيح عن شفي الأصبحي قال: ﴿دخلت المدينة فوجدت الناس مجتمعين على أبي هريرة فقلت: مَن هذا؟ قالوا: أبو هريرة، قال: فزاحمت حتى جلست بجانبه واقتربت منه، وقلت له: يا أبا هريرة! قال: نعم. قلت: حدثني بحديث سمعته أنت من رسول الله ﷺ ما سمعته من رجل آخر غيره، قال: فبكى ثم رفع طرفه وقال: والله لأحدثنك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ما سمعته من رجل غيره، قال: ثم اندفع يحدث، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، ثم ذكر ﷺ منهم عالماً حاسبه الله وأحضره وقال: علمتك العلم ولقنتك الحكمة فماذا فعلت؟ فقال هذا: يا رب! علَّمت الجاهل ونفعت الناس، ودعوت في سبيلك، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: إنما تعلمت ليقال عالم وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يلقى في النار، ثم يؤتى بالجواد الكريم فيقول الله : أما خولتك مالاً؟ فيقول: نعم يا رب! قال: فماذا فعلت؟ وهو أعلم، قال: أطعمت الجائع، وأعطيت المسكين، وبذلت أموالي في سبيلك، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: إنما فعلت ليقال: جواد، وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يلقى في النار، ثم يؤتى بالشجاع فيُفعل به هكذا﴾. ولما أُخْبِر معاوية بهذا الحديث بكى حتى خضَّبت دموعُه لحيتَه وقال: [[صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]]] فمن أراد الرياء راءَى اللهُ به، كما في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة: ﴿مَن راءَى راءَى اللهُ به، ومَن سَمَّع سَمَّع اللهُ به﴾ ومَن أراد الظهور مُنِحَ الظهور؛ لكن لا حظَّ له عند الله، ومن أراد المنزلة عند الناس ولم يرد ثواب الله أعطاه الله ما تمنى في الدنيا وحرمه ثواب الآخرة: ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٦]. وفي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم أنه قال: ﴿يا رسول الله! إن أبي كان يُقْرِي الضيف، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الحق، فهل ينفعه ذلك عند الله شيئاً؟ - يقصد أباه حاتم الطائي الجواد المشهور- فقال ﷺ : لا. إن أباك طلب شيئاً فأصابه فلا حظَّ له عند الله﴾ طلب الذكر في الدنيا والمنزلة، وطلب الصيت فحصل عليه، وإلى اليوم فإنا نسمع ويتردد في جنباتنا بعد قرون مديدة حاتم الطائي؛ لأنه طلب الدنيا فأعطاه الله ما تمنى، لكن لا حظَّ له في الآخرة، وحيل بينه وبين ما يشتهي عند الله؛ لأنه ما طلب الآخرة وما أرادها، قال تعالى: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] يعطي من أراد الدنيا من الدنيا، ويعطي من أراد الآخرة من الآخرة. وكذلك ابن جدعان القرشي، كان من أكرم كرماء العرب، وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إنَّ شيمتك الحياءُ إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناءُ ففي صحيح مسلم أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: ﴿قلت: يا رسول الله! إن ابن جدعان كان ينفق، وكان كريماً، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ فقال ﵊: لا، والذي نفسي بيده، إنه لم يقل مرة من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ ما مرت على لسانه هذه الكلمة، ولا تذكر الآخرة، فكيف ينفعه هذا العمل؟ يذكر أهل السير وأرباب التاريخ أن زبيدة امرأة هارون الرشيد التي أجرت عين زبيدة المشهورة في مكة للحجيج، فشربوا وسَقوا بعد ظمأ وحاجة للماء، لما تُوفِّيت رآها ابنها الأمير في المنام، فقال: " يا أماه! ماذا فعل الله بك؟ قالت: كدتُ أهلك -كدت أعذب عذاباً ما يعذبه الله أحداً من الناس- قال: لماذا؟ قالت: ما نفعني بعد الفرائض إلا ركعتين في السحر، كنت إذا ركعت ركعتين في السحر أقول: لا إله إلا الله أقضي بها عمري، لا إله إلا الله يَغْفِر بها ربي ذنبي، لا إله إلا الله أقف بها في حشري، لا إله إلا الله أدخل بها قبري، قال: يا أماه! وعين زبيدة! أما نفعتكِ؟ قالت: والله ما نفعتني أبداً، قال: ولماذا؟ قالت: لأني ما أردت بها وجه الله ". وقد ذُكرت هذه القصة في سيرتها وفي ترجمتها لمن أراد أن يرجع إليها. فكل عمل لا يراد به وجه الله قليل وزهيد وحقير، لا نفع فيه ولا بركة، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ولذلك كان الصدق والإخلاص هو الباب الأول من أبواب الدخول إلى العبودية الحقة، فهو يقترن مع مقامات كثيرة لكنه شرط أكيد في صحة الأعمال، فلا عمل لمن لا إخلاص له، ولا إخلاص لمن لا متابعة له. وواجبنا في الإخلاص أن نصدق النية مع الله ، يقول عز من قائل: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١]. ﴿أتي أحد الأعراب إلى الرسول ﵊ فأسلم وبايع الرسول ﷺ ، فأتت الغنائم فأعطاه ﷺ من الغنائم، فقال الأعرابي: غفر الله لك يا رسول الله! ما بايعتك على الغنائم ولا على أخذ شئ من المال، قال: فعلامَ بايعتني؟ قال: بايعتك على أن يأتيني سهم غرب - أي: طائش - فيقع هنا ويخرج من هنا، فيقول ﵊: إن صدقتَ الله فسيصدقك الله. فلما أتت المعركة قتل الأعرابي، فرأى الرسول ﷺ السهم وقد وقع في لبته وخرج من قفاه فقال: صدقتَ الله فصدقكَ الله﴾.

стр. 7425

عظم شأن الصدق مع الله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. إن منزلة الإخلاص لا بد للعبد أن يحققها؛ ليقبل الله منه طاعته، وليجيبه، وليجعله من المقبولين عنده ﵎، ولذلك من نوى نية ثم لم يستطع أن يعمل بما نوى من العمل الصالح كتب الله له أجر ما نوى، على حد الحديث الذي قَبِلَهُ ابن تيمية في مختصر الفتاوى: ﴿نية المؤمن خيرٌ من عمله﴾ ولذلك يقول ﵊ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: ﴿من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾ وهذا من الصدق؛ لأن من طلب الصدق وحققه حقق الله له ما تمنى. وتعلمون أن عمر ﵁ وأرضاه لما حج وقف في الأبطح ورفع يديه، وقال: [[اللهم انتشرت رعيتي، ورق عظمي، ودنا أجلي، فاقبضني إليك غير مفرطٍ ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادةً في سبيلك وموتة في بلد رسولك ﷺ ، فقال له الصحابة: يا أمير المؤمنين! إن من يطلب الشهادة يخرج إلى الثغور، فقال: هكذا سألت واسأل الله أن يلبي لي ما سألت]] فلمّا وصل إلى المدينة طعن في صلاة الفجر، وفي أحسن وقت، وفي أجلَّ مقام، وفي أحسن مكان، طُعن بعدما صلَّى الركعة الأولى ودخل في الثانية بيدٍ غادرة فاجرة، ما تقربت إلا إلى النار بقتله، وتقرب هو ﵁ إلى الله ، فوقع يقول: [[حسبي الله، لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم]] وعلم أنها الشهادة التي سألها ﵁ وأرضاه، لما توفي يقول أنس: [[والله لقد خفنا خوفاً وحزنا بعد وفاة عمر حزناً ما حزناه أبداً إلا على وفاة رسول الله ﷺ ووفاة أبي بكر]] فلما وضع في بيته، وضعوا رأسه على مخدة فقال لابنه: [[انزع المخدة من تحت رأسي وضع رأسي على التراب علَّ الله أن يرحمني]] فدخل أمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه وقال: [[طوبى لك يا أمير المؤمنين! لطالما سمعت رسول الله يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك، فقال عمر: يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا عليَّ]]. فالشاهد: أن عمر ﵁ وأرضاه لما صدق في تمني الشهادة، وصدق في طلب مرضاة الله أعطاه الله ، وبلغه الله تلك المنزلة، وهذا مأثور بالاستقراء والنقل، والمشاهدة والأثر من جميع من أخلص لله وصدق مع الله.
следующие страницы →