← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

سكرات الموت إن سكرات الموت تبين مواقف المراقبة والمحاسبة عند المسلم الذي كان يحاسب نفسه، فلذلك يبشر بالخير عند سكرات الموت. ورد في ترجمة معاذ ﵁ وأرضاه قصة، وقبل أن أحكي القصة لا بد أن يعرف شباب الإسلام معاذ بن جبل، ولا بد أن يعيشوا معه ومع أمثاله، فبمثل سيرهم يرفع الله قدرنا ورءوسنا، ويشرح صدورنا، فهذا معاذ الذي توفي وعمره ثلاث وثلاثون سنة لكنها كلها جهاد وعبادة، وزهد ودعوة، وفتح الله على يديه اليمن، وكان سبب وفاته أن أصيب بقرحة في يده من الطاعون - كما يقول أهل العلم - فأخذ الناس يدعون له بالشفاء، قال: [[والله لو كان شفائي أن أمس أذني ما مسست أذني، ثم قال: اللهم إنك تكبر الصغير، وتكثر القليل، اللهم بارك في هذه القرحة]] فأخذت القرحة تتفشى في جسمه، ثم توفي. فالقصة أنه لما حضرته الوفاة قال لابنه: [[اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ فخرج ورجع، وقال: لم يطلع الفجر إلى الآن، قال في المرة الثانية: اخرج وانظر هل طلع الفجر؟ فخرج، فقال: نعم طلع، قال: اللهم إني أعوذ بك من يوم صبيحته إلى النار، اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور؛ ولكني كنت أحب الحياة لثلاث - اسمع إلى القلب الحي، وانظر إلى حياة أهل العلم وأهل الصلاة والاستقامة، واسمع إلى تربية محمد ﷺ ولكني كنت أحب الحياة لثلاث: لمكابدة الهواجر في الصيام -والهواجر: شدة الحر- ولقيام الليل، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر]]. فتوفي ﵁ وأرضاه وعرف مصيره أنه -إن شاء الله- من المقبولين، لِمَا رأى من قرائن الخير.

стр. 7422

الندم عند الموت ومن فرَّط في حياته ندم عند الوفاة، ولذلك يقول عبد الحق الإشبيلي في كتاب العاقبة: " نُقِل عن المعتصم أنه لما حضرته الوفاة بكى كثيراً -وهو في سكرات الموت- وقال: والله! ما ظننتُ أن عمري قصير، ولو كنت أظن أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت من المعاصي ". عجباً! أما كان يعلم أنه سوف يلقى الله؟ أما كان يعلم أنه سوف يُصرع في هذا المصرع؟ يقول: والله لو كنت أعلم أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت من المعاصي. ولذلك نَدِمَ. وجاء في سيرة عبد الملك بن مروان كما في سير أعلام النبلاء: أنه قال عند وفاته وهو في سكرات الموت، وكان يسمع غسَّالاً ينشد: [[يا ليتني كن غسالاً، يا ليتني ما ملكت أمر الأمة، يا ليتني ما توليت الخلافة]] فأُخبر سعيد بن المسيب ﵀ أو غيره فقال: [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون عند الموت إلينا، ولا نفر عند الموت إليهم]]. إنه موقف الصدق للصادقين، وموقف الصلاح للصالحين، وموقف الندم للمتندمين والمفرطين، فساعة الموت يُذَل فيها الجبار، ويُذعِن فيها الكافر، ويُسلِّم فيها العنيد، ويفتقر فيها الغني، فلذلك عرفوا أنهم فرطوا لما حضرتهم الوفاة. وهذا الوليد بن عبد الملك لما حضرته الوفاة بكى طويلاً وقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] فلا بقاء إلا لمن أحسن حياته بطاعة الله ، وتزوَّد بالصالحات وأنهى عمره بالخوف من الله ومراقبته. فهذه منزلة الخوف. وإنما بدأت بها لحاجتنا إلى هذه المنزلة، ولأننا بأشد الحاجة للعودة بالخوف إلى الله ، وإلا فالرجاء مبذول ومطلوب وموجود، وليس الناس بحاجة أن يبين لهم الرجاء إلا في بعض الحالات؛ لأنهم ما قصروا في الرجاء وما فاتتهم منزلة الرجاء، بل أسرفوا فيها، لكنهم بحاجة إلى خوف.

стр. 7423

عبودية الإخلاص مع الله والصدق معه والمنزلة الأخرى من مقامات العبودية، والتي وَجَبَ أن تقدم قبل الخوف هي: منزلة الإخلاص مع الله والصدق معه ، وإننا من أشد الناس حاجة إلى أن نتذكر الإخلاص والصدق، فلا عمل ولا قبول ولا ثواب ولا أجر ولا عاقبة إلا لمن أخلص لله ، ولذلك يقول عز من قائل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ويقول تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] والخالص: الذي نُقِّي من شوائب الرياء والسمعة، ولم يقصد غير الله ، قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. فالله الله في الإخلاص! فإنه الطريق العامر وهو الباب المفتوح إلى الله ، فلا قبول إلا بإخلاص ومتابعة، لذلك يقول ﵊ لـ معاذ - كما عند المنذري وغيره -: ﴿يا معاذ! أخلص عملك يكفك القليل﴾ فالكثير مع الرياء لا خير فيه ولا بركة، والقليل مع الإخلاص كثير مبارك بإذن الله.

стр. 7424

لكل امرئ ما نوى رُوِي عن أبي هريرة في الحديث الصحيح عن شفي الأصبحي قال: ﴿دخلت المدينة فوجدت الناس مجتمعين على أبي هريرة فقلت: مَن هذا؟ قالوا: أبو هريرة، قال: فزاحمت حتى جلست بجانبه واقتربت منه، وقلت له: يا أبا هريرة! قال: نعم. قلت: حدثني بحديث سمعته أنت من رسول الله ﷺ ما سمعته من رجل آخر غيره، قال: فبكى ثم رفع طرفه وقال: والله لأحدثنك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ما سمعته من رجل غيره، قال: ثم اندفع يحدث، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، ثم ذكر ﷺ منهم عالماً حاسبه الله وأحضره وقال: علمتك العلم ولقنتك الحكمة فماذا فعلت؟ فقال هذا: يا رب! علَّمت الجاهل ونفعت الناس، ودعوت في سبيلك، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: إنما تعلمت ليقال عالم وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يلقى في النار، ثم يؤتى بالجواد الكريم فيقول الله : أما خولتك مالاً؟ فيقول: نعم يا رب! قال: فماذا فعلت؟ وهو أعلم، قال: أطعمت الجائع، وأعطيت المسكين، وبذلت أموالي في سبيلك، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: إنما فعلت ليقال: جواد، وقد قيل، خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يلقى في النار، ثم يؤتى بالشجاع فيُفعل به هكذا﴾. ولما أُخْبِر معاوية بهذا الحديث بكى حتى خضَّبت دموعُه لحيتَه وقال: [[صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]]] فمن أراد الرياء راءَى اللهُ به، كما في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة: ﴿مَن راءَى راءَى اللهُ به، ومَن سَمَّع سَمَّع اللهُ به﴾ ومَن أراد الظهور مُنِحَ الظهور؛ لكن لا حظَّ له عند الله، ومن أراد المنزلة عند الناس ولم يرد ثواب الله أعطاه الله ما تمنى في الدنيا وحرمه ثواب الآخرة: ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٦]. وفي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم أنه قال: ﴿يا رسول الله! إن أبي كان يُقْرِي الضيف، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الحق، فهل ينفعه ذلك عند الله شيئاً؟ - يقصد أباه حاتم الطائي الجواد المشهور- فقال ﷺ : لا. إن أباك طلب شيئاً فأصابه فلا حظَّ له عند الله﴾ طلب الذكر في الدنيا والمنزلة، وطلب الصيت فحصل عليه، وإلى اليوم فإنا نسمع ويتردد في جنباتنا بعد قرون مديدة حاتم الطائي؛ لأنه طلب الدنيا فأعطاه الله ما تمنى، لكن لا حظَّ له في الآخرة، وحيل بينه وبين ما يشتهي عند الله؛ لأنه ما طلب الآخرة وما أرادها، قال تعالى: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] يعطي من أراد الدنيا من الدنيا، ويعطي من أراد الآخرة من الآخرة. وكذلك ابن جدعان القرشي، كان من أكرم كرماء العرب، وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إنَّ شيمتك الحياءُ إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناءُ ففي صحيح مسلم أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: ﴿قلت: يا رسول الله! إن ابن جدعان كان ينفق، وكان كريماً، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ فقال ﵊: لا، والذي نفسي بيده، إنه لم يقل مرة من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ ما مرت على لسانه هذه الكلمة، ولا تذكر الآخرة، فكيف ينفعه هذا العمل؟ يذكر أهل السير وأرباب التاريخ أن زبيدة امرأة هارون الرشيد التي أجرت عين زبيدة المشهورة في مكة للحجيج، فشربوا وسَقوا بعد ظمأ وحاجة للماء، لما تُوفِّيت رآها ابنها الأمير في المنام، فقال: " يا أماه! ماذا فعل الله بك؟ قالت: كدتُ أهلك -كدت أعذب عذاباً ما يعذبه الله أحداً من الناس- قال: لماذا؟ قالت: ما نفعني بعد الفرائض إلا ركعتين في السحر، كنت إذا ركعت ركعتين في السحر أقول: لا إله إلا الله أقضي بها عمري، لا إله إلا الله يَغْفِر بها ربي ذنبي، لا إله إلا الله أقف بها في حشري، لا إله إلا الله أدخل بها قبري، قال: يا أماه! وعين زبيدة! أما نفعتكِ؟ قالت: والله ما نفعتني أبداً، قال: ولماذا؟ قالت: لأني ما أردت بها وجه الله ". وقد ذُكرت هذه القصة في سيرتها وفي ترجمتها لمن أراد أن يرجع إليها. فكل عمل لا يراد به وجه الله قليل وزهيد وحقير، لا نفع فيه ولا بركة، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ولذلك كان الصدق والإخلاص هو الباب الأول من أبواب الدخول إلى العبودية الحقة، فهو يقترن مع مقامات كثيرة لكنه شرط أكيد في صحة الأعمال، فلا عمل لمن لا إخلاص له، ولا إخلاص لمن لا متابعة له. وواجبنا في الإخلاص أن نصدق النية مع الله ، يقول عز من قائل: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١]. ﴿أتي أحد الأعراب إلى الرسول ﵊ فأسلم وبايع الرسول ﷺ ، فأتت الغنائم فأعطاه ﷺ من الغنائم، فقال الأعرابي: غفر الله لك يا رسول الله! ما بايعتك على الغنائم ولا على أخذ شئ من المال، قال: فعلامَ بايعتني؟ قال: بايعتك على أن يأتيني سهم غرب - أي: طائش - فيقع هنا ويخرج من هنا، فيقول ﵊: إن صدقتَ الله فسيصدقك الله. فلما أتت المعركة قتل الأعرابي، فرأى الرسول ﷺ السهم وقد وقع في لبته وخرج من قفاه فقال: صدقتَ الله فصدقكَ الله﴾.

стр. 7425

عظم شأن الصدق مع الله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. إن منزلة الإخلاص لا بد للعبد أن يحققها؛ ليقبل الله منه طاعته، وليجيبه، وليجعله من المقبولين عنده ﵎، ولذلك من نوى نية ثم لم يستطع أن يعمل بما نوى من العمل الصالح كتب الله له أجر ما نوى، على حد الحديث الذي قَبِلَهُ ابن تيمية في مختصر الفتاوى: ﴿نية المؤمن خيرٌ من عمله﴾ ولذلك يقول ﵊ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: ﴿من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه﴾ وهذا من الصدق؛ لأن من طلب الصدق وحققه حقق الله له ما تمنى. وتعلمون أن عمر ﵁ وأرضاه لما حج وقف في الأبطح ورفع يديه، وقال: [[اللهم انتشرت رعيتي، ورق عظمي، ودنا أجلي، فاقبضني إليك غير مفرطٍ ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادةً في سبيلك وموتة في بلد رسولك ﷺ ، فقال له الصحابة: يا أمير المؤمنين! إن من يطلب الشهادة يخرج إلى الثغور، فقال: هكذا سألت واسأل الله أن يلبي لي ما سألت]] فلمّا وصل إلى المدينة طعن في صلاة الفجر، وفي أحسن وقت، وفي أجلَّ مقام، وفي أحسن مكان، طُعن بعدما صلَّى الركعة الأولى ودخل في الثانية بيدٍ غادرة فاجرة، ما تقربت إلا إلى النار بقتله، وتقرب هو ﵁ إلى الله ، فوقع يقول: [[حسبي الله، لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم]] وعلم أنها الشهادة التي سألها ﵁ وأرضاه، لما توفي يقول أنس: [[والله لقد خفنا خوفاً وحزنا بعد وفاة عمر حزناً ما حزناه أبداً إلا على وفاة رسول الله ﷺ ووفاة أبي بكر]] فلما وضع في بيته، وضعوا رأسه على مخدة فقال لابنه: [[انزع المخدة من تحت رأسي وضع رأسي على التراب علَّ الله أن يرحمني]] فدخل أمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه وقال: [[طوبى لك يا أمير المؤمنين! لطالما سمعت رسول الله يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك، فقال عمر: يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا عليَّ]]. فالشاهد: أن عمر ﵁ وأرضاه لما صدق في تمني الشهادة، وصدق في طلب مرضاة الله أعطاه الله ، وبلغه الله تلك المنزلة، وهذا مأثور بالاستقراء والنقل، والمشاهدة والأثر من جميع من أخلص لله وصدق مع الله.

стр. 7426

بالصادقين فتحت كابل حضر محمد بن واسع الأزدي العابد الشهير، والعالم الكبير معركة فتح كابول، يوم أن ذهب أجدادنا ينشرون لا إله إلا الله في تلك البقاع، يوم أن وزعوا الهداية على البشرية في خمسٍ وعشرين سنة ما طلبوا مالاً، ولا غنيمة، ولا جاهاً، ولا منصباً، وإنما طلبوا رضوان الله. أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا كنا نرى الأصنام من ذهبٍ فنـ ـهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا فبلغ محمد بن واسع مدينة كابول مجاهداً في المعركة، وقد كانوا عبَّاداً في المحراب، وخطباء على المنابر، ومفتون في المحافل، وحملة سيفٍ في الجهاد في سبيل الله. وكان قائد الجيش قتيبة بن مسلم القائد الشهير فقال قتيبة قبل المعركة والناس مصطفون للقاء موعود الله، ولمناجزة أعداء الله، قال القائد قتيبة: ابحثوا عن محمد بن واسع، والتمسوه لي، فذهبوا يلتمسونه؛ فوجدوه قد شخص بطرفه إلى السماء، ورفع سبابته واتكأ على رمحه وهو يقول: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت! اللهم انصرنا عليهم، فلما رجعوا وأخبروا قتيبة بن مسلم قال: نصرنا ورب الكعبة، والله لإصبع محمد بن واسع خيرٌ عندي من ألف سيفٍ شهير، ومن ألف شابٍ طرير. لماذا؟ لأن النصر من عند الله. فلما بدأت المعركة نصر الله جنده على أعدائه؛ لأنهم صدقوا معه، وأخلصوا له الدعاء والإنابة، فأعطاهم ما تمنوا من الشهادة والنصر والتمكين ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧].

стр. 7427

صلة بن أشيم والأسد صلة بن أشيم يقول ابن كثير وكل من ترجم عنه: خرج إلى خراسان مجاهداً، فقال أحد أصحابه: لأراقبنَّ صلة اليوم ماذا يفعل في الليل، هل ينام كما ينام الناس؟ قال: فلما صلى العشاء أتى إلى فراشه فخاتلنا حتى ظن أنا نمنا، وأنا ما نمت -هذا الراوي- قال: ثم سلَّ نفسه من فراشه وتوضأ ودخل في غابة، فدخلت بعده واختفيت وراء شجرة فقام يصلي ويدعو ويبكي ويتبتل، وفي أثناء الصلاة وإذا بأسدٍ خرج من الغابة إلى صلة بن أشيم فاقترب منه، فوالله ما استعجل في قراءته، ولا قطع صلاته، ولا التفت، وإنما بقي على خشوعه كما كان، قال: فلما سلم التفت إلى الأسد وقال: يا حيدرة! -للأسد- إن كنت أمرت بقتلي فها أنا دونك، وإن كنت لم تؤمر فاذهب وابحث عن رزقٍ لك ودعني أناجي ربي، قال: فزأر الأسد زأرةً اهتزت لها الغابة، ثم ولَّى وترك صلة يصلي إلى الفجر، قال: فلما اقترب الفجر قال: اللهم اغفر لي، أَوَمثلي يسأل الجنة؟ اللهم أعذني من النار. فلما صدقوا الله ، ووجد مثل هؤلاء في الجبهات، ومع الجيوش، وعند الكتائب؛ نصر الله الأمة ورفع رايتها؛ لأنهم صدقوا مع الله في عبادتهم، وفي علمهم وجهادهم.

стр. 7428

ابن المبارك وإخلاصه في الجهاد تعلمون أن الخليفة العباسي لما نادى بالجهاد خرج العالم المجاهد الزاهد عبد الله بن المبارك من مكة، ترك الإفتاء في مكة وخرج يجاهد في سبيل الله، ركب بغلته وأخذ السلاح على البغلة، فقال له تلاميذه: أتترك الإفتاء وتترك الحرم وتخرج إلى الجبهة؟ قال: بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا إني وزنت الذي يبقى لأعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا فلما وصل إلى المعركة، وحضر ضرب أعناق الأبطال، نزل بسيفه وتلثم، فأخذ يقرع الأبطال، وأخذ يضرب رءوس الكفار، فيقول القائد: من هذا؟ قالوا: لا نعرفه، قال: التمسوا لي إياه، فذهبوا فلما وصلوا إليه وهو ملثم عرفوه بشارته وأخبروا الخليفة، قال: ادعوا لي ابن المبارك، فذهبوا إلى ابن المبارك ودعوه، قال ابن المبارك: لا أريد أن يعرفني إذا عرفني الله . وأتته رسالة وهو في القتال من الفضيل بن عياض يقول: تترك الإفتاء، وتترك الحرم، وتخرج إلى الجبهات؟! يخرج صدقاً وإخلاصاً لطلب مرضاة الله، فيرد عليه ويقول: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ إن كانت العبادة مجرد صلاة وركعات في المسجد، ثم يقف الإنسان ولا يكون لهذه الصلاة دوراً في حياته وفي صدقه، وأخلاقه وفي تعامله وتوجهه، وفي بناء بيته وتربية أبنائه، وفي تعامله مع الناس، فما الصلاة إذن؟ يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضبُ الدم أغلى من الدمع، إن كنت تبكي فدماؤنا تتحدر من نحورنا، ولذلك صدقوا الله فصدقهم الله. فالصدق والإخلاص مقام، بل هو أول مقام من مقامات العبودية، ولا بد معه من متابعة رسول الله ﷺ ؛ فهذا هو العمل المقبول والمطلوب عند الله، وهو العمل الذي يثاب عليه صاحبه، فالله الله في قصد الله في العمل، وتصفية الأعمال من الرياء والسمعة! فإنها عدوة الثواب، وإنها مطردةٌ للأجر والمثوبة من الله .

стр. 7429

أسباب الخلوص من الرياء والرياء داءٌ فتاك، يدخل على العابد في عبادته، وعلى العالم في علمه، وعلى الداعية في دعوته، وعلى الكريم في بذله، وعلى المجاهد في جهاده، ولا خلوص من هذا الرياء إلا بثلاثة أسباب: السبب الأول: أن يعتقد العبد أن النافع الضار هو الله ، وهو الذي يعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويرزق ويعدل، وهو الذي بيده مقاليد الأمور ، فلماذا يتوجه إلى الناس؟! والسبب الثاني: أن يعتقد أن الدنيا ومن عليها زائلون، وأنه سوف يلقى الله فيوفيه عمله، ويوفيه حسابه، إن أحسن فبالإحسان يجازى، وإن أساء فبالإساءة يعاقب. والسبب الثالث: أن يستحضر دائماً عظمة الله، ويدعو بالدعاء الخالص، بدعاء الاستغفار، ودعاء المثوبة، ودعاء الكفارة، فيقول دائماً وأبداً كلما أصبح وأمسى: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم﴾ فحياة القلوب هي في العبودية.

стр. 7430

دعوة للرجوع إلى الله يا أيها الأخيار! وعلينا بالرجوع إلى الله لنشرف أنفسنا لأننا كنا خير أمةٍ أخرجت للناس، يوم كنا نسجد على التراب وأرواحنا تسري إلى الله ، يوم كان الشهيد منا -من أجدادنا، من الذين فتحوا الدنيا- يأتي فيغتسل قبل المعركة ويلبس أكفانه، ويقول لطفيلاته وأطفاله: أستودعكم الله لن أعود إليكم، كما فعل عبد الله بن عمرو الأنصاري، فيقتل في المعركة، ثم يقول جابر ﴿: قال لي رسول الله ﷺ : يا جابر! أتدري ماذا فعل الله بأبيك وإخوانه الشهداء؟ قلت: لا يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده لقد كلَّمهم كفاحاً بلا ترجمان، فقال: تمنوا عليّ، قالوا: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا فنقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمنوا، قالوا: نتمنى أن ترضى عنا فإنا قد رضينا عنك، قال: فإني أحللت عليكم رضواني لا أسخط عليكم أبداً، قال: فجعل الله أرواحهم في حواصل طيرٍ خضر ترد الجنة، فتأكل من أشجارها، وتشرب من مائها، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش﴾ قال ابن كثير: سند هذا الحديث حسن. فأنزل الله مصداق ذلك قوله عز من قائل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. يا رب نفسي كبت مما ألمَّ بها فزكها يا كريمٌ أنت هاديها هامت إليك فلما أجهدت تعباً رمت إليك فحنت قبل حاديها إذا تشكَّت كلال السيف أسعفها شوق القدوم فتدنو في تدانيها حتى إذا ما كبت خوفاً لخالقها ترقرق الدمع حزناً من مآقيها فإن عفوت فظني فيك يا أملي وإن سطوت فقد حلت بجانيها إن لم تجرني برحبٍ منك في سفري فسوف أبقى ضليلاً في الفلا تيها اللهم رد الأمة إليك رداً جميلا، اللهم أغث قلوبنا بغيث الرحمة والغفران والرضوان. اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، أحينا حياةً طيبة، حياةً صادقة، حياةً مخلصة، حياةً متقبلة، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم رد شباب الإسلام إليك رداً جميلا، اللهم تب عليهم، اللهم كفر عنهم سيئاتهم، اللهم أصلح بالهم، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم وجههم وجهةً صالحةً في الدنيا والآخرة. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 7431

الأسئلة

стр. 7432

صحة أثر: [ما أمن النفاق إلا منافق] السؤال ما صحة الأثر القائل: [[ما خافه -أي: النفاق- إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق]]؟ الجواب الحمد لله، هذا الأثر لا بد أن يُعتنى به، وأن يفهم، وهو عن الحسن البصري ﵀، كما علَّقه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، قال: [[ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق]] يعني: ما خاف النفاق إلا مؤمن، ولا أمن النفاق إلا منافق، فالمؤمن دائماً يخاف النفاق، ويخاف من الرياء والسمعة، ودائماً يتوجد ويوجل، ودائماً يحاسب نفسه خوفاً من النفاق أن يكون فيه، فهو دائماً يخاف هذا الأمر؛ لأنه مؤمن، وأما المنافق فيمضي قدماً لا يلوي على شيء، وإن قلت له: نخاف أن يكون عملك رياءً، قال: ليس في عملي رياء، ولا سمعة، ولا نفاق، أنا مخلص. فمن ادعى الإخلاص يُخشى عليه من النفاق. وفي صحيح البخاري في كتاب الصلاة بوب البخاري باب: الصلاة كفارة، عن حذيفة قال: قال لنا عمر ونحن جلوس عنده: ﴿أيكم يحفظ قول الرسول ﷺ في الفتنة؟ قال: قلت: أنا، قال: إنك عليها لجريء، قال: سمعته يقول: فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصوم والصدقة، قال عمر: لست عن هذا أسألك، لكن أسألك عن الفتنة التي تموج موج البحر، قال: قلت يا أمير المؤمنين! ليس عليك منها بأس، إن دونك ودونها باباً، قال: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال قلت: بل يكسر، قال عمر: ذاك أولى ألا يُغلق أبداً، قيل لـ حذيفة: علم عمر من هو الباب؟ قال حذيفة: إي والله كما أن دون الليلة البارحة﴾ فالباب معناه عمر، وإنما الشاهد في القصة قول عمر: في غير رواية البخاري: [[يا حذيفة! أسألك بالله أسماني رسول الله من المنافقين؟!]] يا لله العجب! إذا كان عمر مسمى من المنافقين فمن المخلص إذاً؟! ومن المقبول إذاً؟! لكن هذا الخوف من الله، الخوف من النفاق [[فدمعت عينا حذيفة وقال: لا والله ما سماك من المنافقين ولا أزكي أحداً بعدك]]. فمعنى أثر الحسن البصري: ما خافه -أي النفاق- على إيمانه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق أي: لم يخف من النفاق. ولذلك يقول ابن مسعود كما أثر عنه: [[إن المؤمن ينظر إلى ذنوبه كأنها جبل يريد أن يسقط عليه، والمنافق والفاجر ينظر إلى ذنوبه كأنه ذبابٌ طار على أنفه فقال به هكذا]].

стр. 7433

علامات أولياء الله السؤال من هم أولياء الله ، وهل لهم علامات تعرف بهم؟ الجواب أولياء الله عرفهم في كتابه فقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فالولاية: هي الإيمان والتقوى، ولها تعريفات أخرى، كتعريفات بعض أهل المقامات وبعض أهل الغلو والتنطع، الذين ارتقوا من الأحوال إلى المقامات، والذين عبروا من الواردات إلى الفقرات والسكنات، وهذه ليست بتعريفات، بل هذه جهالات وسفسطات، بل التعريف المقبول والصادق: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يقول الله : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾ وهذا يسمى حديث الولي، شرحه الشوكاني في قطر الولي على حديث الولي، وهو من أعظم الأحاديث عند أهل الإسلام، وهذا يبين الولاية فيما تحصل عليه، فهي تحصل في أداء الفرائض، وفي اجتناب النواهي، وبالتزود بالنوافل. فعلامات أولياء الله: امتثال أمر الله، والانتهاء عن نهي الله ، والوقوف عند حدود الله، واحترام حرمات الله ، وأن يتحلوا بالسنة ظاهراً وباطناً، فهؤلاء أولياء الله سواءً لبسوا القباء أو العباء، فالإسلام لا يعترف بالطقوس التي أحدثها بعض أهل الغلو وأهل التنطع والتعمق، وإنما يعترف بلباس السنة، وبالإخلاص وإقبال القلب إلى الله فهذه علاماتهم، من كان على ما كان عليه ﷺ وأصحابه فهو وليٌ من أولياء الله ، سواءً كان سلطاناً، أو تاجراً، أو فقيراً، أو فلاحاً، أو جندياً، أو طالب علم، أو في أي مكان من الأمكنة، وشروط الولاية فيه فهو وليٌ من أولياء الله .

стр. 7434

حكم تعذيب النفس إذا فعلت معصية السؤال هناك بعض الزهاد إذا فعل معصية يضرب قدميه أو يحرق أصابعه، أو يعاقب نفسه بعقابٍ شديد، فما حكم هذا العمل؟ أليس من الإلقاء بالتهلكة؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب يتهيب المجيب في مثل هذه المسألة؛ لأنها ذكرت عن عمر ﵁، ففي البداية والنهاية عن أنس قال: [[سمعت عمر يضرب نفسه بعصا من وراء حائط، وهو يقول: يا عمر! والله إن لم تتقِ الله ليعذبنَّك الله]] وعمر من الخلفاء الراشدين ﵁ وأرضاه. لكن المعلوم من النصوص كتاباً وسنة، أننا ما أمرنا بمعاقبة أنفسنا إذا فعلنا معصية، وإنما أمرنا أن نتوب إلى الله ، وأما الذين كانوا يعاقبون أنفسهم -وهي من الآصار والأغلال التي رفعها محمد ﷺ عنا- فهم بنو إسرائيل. اليهود كانوا يعذبون أنفسهم، ويقتلون أنفسهم؛ كما قال : ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٦٦] فهي كفارة ذنوبهم وخطاياهم، أما نحن فأمرنا أن نتوب ونستغفر ونندم، وأن نعمل الحسنات التي تذهب السيئات، وأما أن نضرب أنفسنا فليس بوارد وليس بمسنون ولا مشروع، لا كتاباً ولا سنة. وإرهاق النفس بهذا من أعمال أهل الرهبنة ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] ولذلك من خزعبلاتهم: أنه ذكر عن بعض النصارى أنه نظر إلى امرأة فاقتلع عينه التي نظر بها بإصبعه. وهذا هو الخرافة والجهل في أمر الله ، وبعضهم فعل معصية فوقف في الشمس سنة، فهذه كلها من الضلالات التي أمرنا باجتنابها؛ لأنهم قومٌ ضالون عبدوا الله بلا علم، والواجب على المسلم أنه إذا أذنب أن يستغفر ويتوب ولا يضرب نفسه، ولا يظمئ، ولا يجوع، بل عليه أن يندم ويعمل صالحاً قال : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وفي مسند الإمام أحمد بسندٍ صحيح عن علي ﵁ قال: كان الرجل من أصحاب محمد ﷺ إذا حدثني بالحديث عن رسول الله ﷺ استحلفته، فإن حلف صدقته، وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر - ما استحلف أبا بكر - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿ما من عبدٍ يذنب فيتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله من ذاك الذنب إلا غفر الله له ذاك الذنب﴾.

стр. 7435

العبد بين الخوف والرجاء السؤال أيهما يقدم الخوف أم الرجاء؟ وهل يخاطب الناس بالخوف أم بالرجاء؟ الجواب قول الجمهور في هذه المسألة وهو الصحيح: أن العبد في الحياة يكون بين الخوف وبين الرجاء، ويكون له الخوف والرجاء كجناحي طائر، لا يغلِّب الرجاء فيقع في الأمن من مكر الله، ولا يغلب الخوف فيقع في القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله ، بل يكون معتدلاً؛ عنده الرجاء والخوف، والنووي له رأيٌ أظنه انفرد به يقول: يغلب في الحياة جانب الخوف، ويغلب عند الموت جانب الرجاء، وطاوس بن كيسان كما يروي عنه ابن كثير في ترجمته كأنه يرى: أن الرجاء يغلب حتى في الحياة، وأما عند سكرات الموت فالأولى للمسلم أن يغلب جانب الرجاء لحديث جابر الصحيح مرفوعاً إليه ﷺ : ﴿لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه﴾ فلا بد من إحسان الظن. وأما سؤال السائل: هل يخاطب الناس بالخوف أو الرجاء؟ فهذا يختلف باختلاف المواقع والناس والأحوال، فمن كان مقبلاً على المعاصي، متهتكاً في الحرمات، متجاوزاً لحدود الله، فيخاطب بالخوف، ومن كان منيباً تائباً، مقبلاً نادماً، كثير الإقبال والشفقة والخوف؛ فيخاطب بالرجاء، وقد جعل الله لكل شيءٍ قدره.

стр. 7436

قبول التوبة من العبد وإن عاد للذنب السؤال إني شابٌ قد هداني الله ، ولكن المعاصي التي ارتكبها كثيرة، ثم أتوب بلهفةٍ وندم، ولكن لا أجلس على ذلك كثيراً ثم أعود وأرتكب المعاصي مرة أخرى، ولا أدري ماذا أفعل! أرجوكم أن ترشدوني إلى طريقةٍ تدلني إلى الطريق الصحيح، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أنت أصبت كل الإصابة بأنك كلما أذنبت تتوب، وهذا واجب المؤمن، يقول ابن القيم: إن للمسلم أحوالاً ثلاثة لا بد أن يتقلب فيها: حال الصبر، وحال الشكر، وحال الاستغفار، فاستغفارٌ عند الذنب، وشكرٌ عند النعمة، وصبرٌ عند المصيبة، فأفلح من إذا أنعم عليه شكر، ومن إذا أذنب استغفر، ومن إذا ابتلي صبر، فأنت من المحسنين في هذا الجانب؛ أنك كلما أذنبت استغفرت، وأما قولك: أنك تعود، فالذنب حتمٌ على العبد، لكن على العبد أن يخلص نيته في التوبة ليرزقه الله توبةً نصوحاً ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] والتوبة النصوح قالوا: هي الخالصة من شوائب إرادة العمل لغير وجه الله، وقيل: النصوح التي لا رجعة بعدها، وفي سنن الترمذي عن أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما أصرَّ من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة﴾ وأورد ابن رجب في جامع العلوم والحكم عن ابن حبان من حديث عائشة قالت: ﴿جاء حبيب فقال: يا رسول الله! إني أذنب، قال: تب إلى الله، قال: ثم أعود، قال: تب إلى الله، قال: ثم أعود، قال: تب إلى الله، قال: إلى متى يا رسول الله؟! قال حتى يكون الشيطان هو المدحور﴾ فنحن أمرنا كلما أذنبنا أن نستغفر، وفي المجلد العاشر من الفتاوى لـ ابن تيمية في وصيته لـ أبي القاسم المغربي يقول: إن الذنب كالحتم على العبد، فعليه كلما أذنب أن يستغفر ويتوب إلى الله ، وهذا واجب العبودية. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا أذنب العبد فقال: اللهم اغفر لي؛ غفر الله له وقال: علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر؛ أشهدكم أني غفرت له، أو غفر له ، ثم عاد فأذنب فقال ذلك، فقال سبحانه تعالى هذه المقالة، وفي الثالثة يقول : فليعمل عبدي ما شاء﴾ والصحيح في معنى هذه الكلمة: ﴿فليعمل عبدي ما شاء﴾ أنه ما دام أنه يُذنب ويستغفر ويتوب إلى الله؛ فإنه سوف يغفر له، ليس معنى ذلك أن يكون في نية العبد أن يذنب ثم يستغفر دجلاً وكذباً، وخداعاً ومكراً على الله وفي نيته أن يعود، لا. بل يكون في نيته التصميم على ألا يعود، فإذا وقع في الذنب فليتب مرة ثانية، وليحاول أن يتوب ولو عاد في اليوم سبعين مرة. وعلامة الخير فيك أنك تحس بهذه الأمور، وأنك تحاسب نفسك، وأنك تريد الطريق إلى الله، فأبشر ثم أبشر ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من جود كفك ما علمتني الطلبا

стр. 7437

حكم صلاة ركعتين بعد التوبة السؤال هل تكفي التوبة أم لا بد أن أصلي ركعتين؟ الجواب لا أعلم مشروعية ركعتين إلا في حديث علي عن أبي بكر مرفوعاً في الصحيح، ومن حديث علي في مسند أحمد وسنده صحيح، فإن فعل العبد وصلى ركعتين فبها ونعمة، وإذا استغفر وتاب بلا ركعتين فعليه أن يتوب جازماً من قلبه بأن لا يعود، بأن يكون نادماً على ما فعل، عازماً على ألا يعود، فإن كان من حقوق العبيد استباحهم وطلب المسامحة منهم، ورد ما لهم من حقوق، وعليه أن يفعل الحسنات ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فالركعتان إنما وردت تفضلاً لمن أرادها، لكن ليست شرطاً في التوبة والندم.

стр. 7438

ما يؤخذ على كتاب إحياء علوم الدين والكتب التي تغني عنه السؤال ما تقولون في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي؟ وما هي الكتب المرشحة في موضوع مقامات العبودية؟ الجواب إحياء علوم الدين كثر الكلام فيه، وقد سئل عنه ابن تيمية، وأجاب بجوابٍ سديد، إنما ملخص القول في إحياء علوم الدين: أن أبا حامد محمد بن محمد الطوسي الغزالي من أهل الخير والاستقامة إن شاء الله، لكنه قليل البضاعة في الحديث؛ فأتى ببعض الأمور التي لا يوافق عليها، وربما تجمل الملاحظات في إحياء علوم الدين في ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن العقيدة لا تؤخذ من إحياء علوم الدين، فهو أشعري العقيدة، يتفلسف في بعض النظريات وبعض استقرائياته إذا أوردها، ويعجب بأن ينقل من مشايخه الذين أخذ عنهم؛ فلا تؤخذ عنه العقيدة. الأمر الثاني: أن بضاعته مزجاة في الحديث النبوي وقد قال ذلك عن نفسه، فهو يأتي بأحاديث لا سند لها، ظلماتٌ بعضها فوق بعض، وليست بصحيحة ويبني عليها بعض الأمور ثم يستنتج الاستنتاجات ويستخرج الفوائد والأحاديث في أصلها باطلة، وقد علق عليه العراقي؛ وخرج أحاديثه لكن هناك حاجة إلى أن ينتبه له. الأمر الثالث: أنه معجب كل الإعجاب بـ الصوفية وبكراماتهم التي ربما لا يوافقون عليها، وبشطحاتهم وإشاراتهم ووارداتهم، وخطراتهم وسكناتهم، وهذا لا يوافق عليه، فلا يوافق إلا ما وافق عليه الكتاب والسنة، أو وافق عمل الصحابة. هذا مجمل القول فيه، وأنا أنصح: ألا يقرأه المبتدئ حتى يتمكن من تدبر كتاب الله ، وقراءة الكتب الستة، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، ثم إذا أراد أن يطالع فيه فليطالع. وأما الكتب التي ترشح في هذا المجال بعد كتاب الله فـ الكتب الستة، من أراد البصيرة بعد الكتاب العزيز، ومن أراد الفوز والفلاح والنجاح فعليه بـ الصحيحين والسنن، وما سار في مسارها من كتب أهل العلم، ثم كما أسلفت كتب ابن تيمية، وكتب ابن القيم، وكتب ابن كثير، وكل ما لذ وطاب من كتب أهل العلم، بعد استشارة أهل العلم، ومن جمع هذه الكتب فقد جمع خيراً كثيراً.

стр. 7439

سبب ما ورد عن بعض السلف من السقوط والغشيان عند سماع القرآن السؤال فضيلة الشيخ ذكرت تعريف الخوف لـ ابن تيمية، وهو قوله: حد الخوف ما حجزك عن المعاصي والباقي لا حاجة فيه، ثم ذكرت بعده خوف عبد الله بن وهب، وكيف كان يُغشى عليه لمجرد سماعه لبعض الآيات، فكيف توفق بين القولين؟ ثم كان الرسول ﷺ أخوف البشر ومع ذلك لم يكن يغشى عليه فما تحميل ذلك؟ الجواب لا يقتضي من التعريف أن ينطبق على أحوال الناس، والتعريف الذي ذكرته لـ ابن تيمية موجود، وهو من أحسن ما عرف فيه الخوف: حد الخوف ما حجزك عن المعاصي وما زاد فلا حاجة له. وقلت: إن سيد الخائفين وأجلهم ﵊ هو الذي عرف الله ، وهو أقربنا منزلة إلى الله، فهو أخوف الناس، أما هؤلاء النماذج الذي ذكرت مثل بعض المحدثين، والزهاد، والعباد، فإن وارد الخوف غلب عليهم، وقد سئل ابن تيمية عنهم قال السائل فيما معناه: كيف نرى أن بعض التابعين غلب عليهم الخوف حتى غشي على بعضهم وصعق بعضهم، ولا يوجد ذلك في الصحابة؟ قال: الصحابة تحملوا وارد الخوف فكانوا أقوى قلوباً، وأما هؤلاء فلم يتحملوا الخوف فسقطوا وغشي عليهم، فهذا هو الجواب. والشاطبي في الموافقات يقول: إن الشريعة تخاطب جمهور الناس كما عُلم ذلك، لكن قد يرى من بعض الناس من يزيد عنده الرجاء أو تزيد عنده العبادة على ما أثر، فيصل إلى هذه المنازل، ولسنا مطالبين بتقليد عبد الله بن وهب ولا غيره فيمن صرع، لكن نعذرهم في ذلك، وهذا من إيمانه وإخباته، ونقول: إن الرسول ﷺ أكثر خوفاً منهم، وأعلى منزلة عند الله ، وكذلك الصحابة بعده، فهذا هو الجواب، ولذلك سئل ابن تيمية في الفتاوى عن الفضيل بن عياض؛ لأنه ذكر عنه أنه لما مات ابنه علي دفنه ثم ضحك في المقبرة، والرسول ﵊ لما دفن ابنه إبراهيم قال: ﴿تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾. فكيف يتبسم الفضيل ويضحك، والرسول ﷺ تدمع عينه ويحزن قلبه؟! الجواب قال شيخ الإسلام: الصبر واجب والرضا مستحب على الأصح من أقوال أهل العلم، والرسول ﷺ جمع بين الرضا والصبر وبين الرحمة، رحم ابنه إبراهيم فدمعت عينه وحزن قلبه، لكن الفضيل ما استطاع أن يجمع بين الرضا والحزن أو الرحمة، أراد أن يرحم، فإذا رحم ابنه تدمع عينه ويحزن، وأراد أن يجمع بين الرضا فما استطاع فأخذ مقام الرضا، فمقام الرسول ﷺ أجل وأرفع وأعلى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].

стр. 7440

أسباب تفاوت العبادات السؤال ما هو الأمر الذي يتفاوت به فضل العبادة؟ الجواب فضل العبادة يتفاوت بالحسن والإخلاص وليس بالكثرة، قال عز من قائل: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ولم يقل: أكثر عملاً، فالجودة هي المطلوبة في العبادة وحسن العمل كما قال الفضيل: هو أصوبه وأخلصه، قالوا: يا أبا علي! ما أصوبه وأخلصه؟ قال: الخالص أن يكون لوجه الله ، والصواب أن يكون على سنة رسول الله ﷺ . ففضل العبادة يتفاوت بالإخلاص وبالحسن وليس بالكثرة، ولذلك يقول ابن القيم في مدارج السالكين: قد يقوم عبدان في صفٍ واحد -مصليان في صفٍ واحد- هذا بجانب هذا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، لما في قلب ذاك من إخلاص وإنابة وخشوع وخضوع. ولذلك بعض التابعين كانوا يصلون في اليوم ثلاثمائة ركعة كما أثر عنهم، أو مائة ركعة وليسوا بأفضل من الصحابة، والصحابة أقل منهم نوافل كما عُهد ونقل، لكنهم كانوا أخلص وأصدق، وأصوب وأحسن ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] فالكثير مطلوبٌ إذا وافقه الصدق والإخلاص، ولذلك يقول الرسول ﷺ لـ ربيعة بن كعب الأسلمي: ﴿أعني على نفسك بكثرة السجود﴾ وقال في حديث ثوبان: ﴿فإنك لن تسجد لله سجدةً إلا رفعك بها درجة﴾ فالكثرة تحمد إذا وافقت الإخلاص والصدق والصواب.

стр. 7441

حكم محبة الثناء الحسن من الآخرين السؤال ذكرت في قصة أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال للرسول ﷺ حينما علم أنه سمع قراءته البارحة: ﴿لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرتها لك تحبيراً﴾. فهل فعل أبي موسى هذا يدخل في الرياء؟ الجواب فعل أبي موسى هذا ﵁ وأرضاه لا يدخل في الرياء، ولكم أن تنظروا إلى كلام ابن حجر على هذا الحديث، واستنباط الإمام مالك رحمه الله تعالى، فإنه استنبط من قصة ابن عمر لما سأله ﷺ عن الشجرة التي تشبه النخلة، ما هي؟ قال ابن عمر: ﴿فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت أن أقولها، فلما أخبرت أبي - عمر - قال عمر: وددت أنك قلتها وأنه لي كذا وكذا أو أني فعلت كذا وكذا﴾ قال الإمام مالك: يؤخذ من هذا أن محبة الخير أو الثناء الحسن لا يدخل في باب السمعة، ومثل هذا فعل أبي موسى، فإن من تكلف أمراً ليصلح به الله وليكون وسيلةً خيرة نفع الله به وليس من الرياء، وذكر ذلك ابن القيم في طريق الهجرتين، وذكره في مدارج السالكين، وقال من ذلك: إن الخطيب يجمل كلامه، ويحسن أسلوبه ليقبل الناس عليه، وكذلك المقري يحسن صوته ومن نغمته ونبرته ليؤثر في الناس، ولذلك نحن مأمورون أن نحسن ونزين القرآن بأصواتنا، وفي حديث عنه ﷺ : ﴿ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت﴾ وقال: ﴿زينوا القرآن بأصواتكم﴾ على ما في الحديث من ضعف، لكن ليس هذا من باب الرياء والسمعة لكن هذا من باب الحسن والجودة، والرسول ﵊ كان إذا خطب على المنبر كما في صحيح مسلم عن جابر: ﴿يشتد صوته ﷺ ، ويشتد غضبه، وتحمر عيناه﴾ فاشتداد صوته، وأداء النبرة للخطابة من باب التأثير والتكلف فيها لتقبل فهذا لا بأس فيه، ولا شائكة ولا شائبة، ولا رياء إن شاء الله.

стр. 7442

خطورة من يأمر بالمعروف ولا يأتيه السؤال إني شابٌ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه، فهل أترك الأمر والنهي خشية النفاق، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب نسأل الله أن يصلح حالنا وحالك، وإني أدعو نفسي وإياك وكل سامع إلى أن نجعل هذه الآية نصب أعيننا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] وتصدر هذه الفعلة من طالب العلم أو من الداعية إذا كان واجهة للناس أو قدوة، ثم يأتي بهذا العمل، يقول عز من قائل في سورة الأعراف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] فالمطلوب أن نحاسب أنفسنا جميعاً ولا نقول إلا ما نفعله، هذا في الفرائض، أما النوافل فأمرها فيه سعة، فهي أوسع من أمر الفرائض، ولذلك سأل سائل الإمام أحمد: هل لا أدعو إلى شيء حتى أكمل في العبادة والنسك؟ قال: لو توقف كلٌ منا إلى أن يكمل ما دعا إلى الخير أحد. لكن علينا أن نسدد ونقارب، فلا نخل بالفرائض ولا نرتكب الكبائر، أما في الأمور المستحبة؛ فإنك تدعو إليها ولو لم تعملها ليكتب الله لك الأجر وتحاول أن تفعل، وليحذر كلٌ منا أن يكون من الذين يدعون إلى الخير ولا يأتونه ويدعون إلى الشر وهم يأتونه، ففي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه قال: ﴿ذكر ﷺ أن رجلاً يلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في رحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: يا فلان! ألست أنت الذي كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! قال: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه﴾ فنعوذ بالله من هذه المنزلة، فعلى الإنسان أن يحاسب نفسه ويسدد ويقارب؛ ويعمل ليعلم أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وصواباً.

стр. 7443

حكم من بلغ ولم يصم السؤال امرأة تسأل وتقول: قد بلغت وأنا في سن الحادية عشرة، ولم أصم في السنة الأولى التي بلغت بها، هل علي كفارة أم صيام؟ الجواب هذه المرأة تسأل تقول: أنها بلغت ثم لم تصم في هذه السنة، الذي أعلمه أن عليها أن تصوم، لأنها لما علمت وعرفت وجب عليها أن تصوم؛ لأنه أدركها سن التكليف، وقد دخلت في سن يتوجب عليها أن تصوم ثم فرطت فعليها أن تقضي هذا الصيام، وإن دخل عليها رمضان آخر؛ فعليها أن تصوم وتكفر عن كل يوم بإطعام مسكين، هذه فتوى ابن عباس ﵁ في الكفارة لمن تجاوز رمضان آخر، ولا أعرف حديثاً مرفوعاً صحيحاً جاء في مسألة إضافة كفارة الإطعام مع الصيام إذا تجاوز رمضان، أما هي فتصوم.

стр. 7444

حكم ترك الضحك وهجر الملذات السؤال بعض الخائفين نقل عنهم ترك الضحك وهجر الملذات، فهل هذا من الإسلام؟ الجواب هذا نقل عن كثير، وبعضهم يقول: أين أنتم من فلان ما رفع طرفه إلى السماء أربعين سنة؟ والآخر يقول: أينكم مني ما أكلت رطباً خمسين سنة؟ يعني البلح، وآخر يقول: ما مددت رجلي، والآخر يقول: ما فعل وفعل، وهؤلاء يرد عليهم بالسنة؛ فإن الرسول ﵊ وقع في عهده من أشباه هؤلاء القوم ثلاثة، قال أحدهم: ﴿أما أنا فأقوم ولا أنام، والآخر قال: لا أتزوج النساء، والثالث قال: أصوم ولا أفطر، فاستدعاهم ﷺ ، وقال: إني أعلمكم، وأشدكم لله خشية -وفي لفظ: لأنا، ﵊ وإني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني﴾. ترك الضحك ليس من السنة بل يضحك للحاجة، والرسول ﵊ ضحك حتى بدت نواجذه في بعض الحالات لكن باقتصاد، ولا يكثر من الضحك للحديث الصحيح حديث أبي هريرة يقول ﷺ : ﴿ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب﴾ فليقتصد الإنسان في هذا الأمر، وليلتفت ويتفكر في آيات الله في السماء، ويمد رجليه، ويأكل الرطب، وينام ويقوم، ويتزوج النساء، ويصوم ويفطر، وعليه بالسنة.

стр. 7445

ضوابط الهجر وشروطه السؤال إن لي أشقَّاء لا يصلون والعياذ بالله، وهم على معاصٍ كبيرة يا شيخ! ولقد نصحتهم فلم يستجيبوا لي، ولقد هجرتهم فهل فعلي هذا صحيح؟ ومتى يفضل الهجر؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب واجبك على حالتين: الحالة الأولى: أن تصبر في النصيحة وتحتسب، وتواصل معهم بالكلمة اللينة والطيبة والصبر والتودد؛ علَّ الله أن يهديهم ولا تيأس، فإذا فرغ صبرك ورأيت أنه لا حيلة لك بهم فعليك بالمقام الثاني وهو الهجر، فتهجرهم لئلا تكون شريكاً لهم، أو موافقاً لهم، أو مواداً لهم، والهجر واردٌ في الإسلام وهو من أسباب الردع للعصاة، وقد نص عليه الأئمة. والرسول ﵊ هجر كثيراً من العصاة؛ كما فعل بالمتخلفين في تبوك؛ فإنه هجرهم ﷺ وأمر الناس بهجرهم، فعليك أن تهجرهم، ولكن لك أسباب غير أسباب الزيارة أن ترسل لهم رسائل، أو تتصل، أو تصلهم ببعض الناس من الدعاة والأخيار علَّهم يؤثرون فيهم، وتدعو لهم بظهر الغيب علَّ الله أن يصلحهم.

стр. 7446

مراتب الخوف والكتب التي تتحدث عن ذلك السؤال ذكرت جزاك الله خيراً أن المرتبة الأولى من الخوف هي المراقبة، فما المراتب الأخرى؟ وما هي الكتب التي تنصح بقراءتها في هذا الموضوع خاصة؟ الجواب هذه المنازل كما تعرفون والمقامات والأحوال إنما عددت في القرن الثالث فما بعد، وإلا فالصحابة رضوان الله عليهم ما عددوها كهذا التعداد، كأركان الصلاة، وشروطها، وأركان الوضوء وشروطه وفروضه فإنها لم تعدد عند الصحابة هكذا وإنما عددت فيما بعد، فأعمال القلوب كفروع الفقه، فقلت: إن المرتبة الأولى من مراتب الخوف: المراقبة، وهي أول شيء، ثم لا يقتضي أن يكون بعدها مراتب، لكن مرتبة المراقبة فالعمل فالمرابطة ويسمونه الحسبه، وقد ذكر هذا الغزالي في الإحياء، وأنا قلت لكم: التحفظ من هذا الكتاب، ومن أحسن من كتب في هذا المجال ابن القيم صاحب طريق الهجرتين ومدارج السالكين، وينتبه للكتب الأخرى فإن فيها الغث والسمين -غير كتب الشيخين- وابن تيمية في المجلد العاشر وفي المجلد الحادي عشر من فتاويه فإنه أتى بهذه المقامات وذكر كثيراً من هذه الأحوال، وأقر هذا الكلام، فلينتبه لهذا.

стр. 7447

ما يعين على استحضار الخوف السؤال ما هي الأمور التي تعين على استحضار الخوف من الله ؟ الجواب الأمور التي تعين على استحضار الخوف من الله هي: أولاً: المحافظة على الفرائض والتزود بالنوافل، وهي أول أسباب الولاية لحديث أبي هريرة المتقدم. ثانياً: تدبر القرآن، فإنه كلام الله وأحسن ما عبد به هو هذا الكلام، فتدبر الكلام من أسباب الخوف. ثالثاً: ملازمة الذكر دائماً وأبداً ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] فالذكر من أسباب الولاية: وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا وناده إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى رابعاً: تذكر الموت، والاعتبار بالمقابر وزيارتها؛ فإنها من الأسباب العظيمة في توريث الخوف عند العبد. خامساً: مجالسة الصالحين والأخيار وموانستهم وزيارتهم، وموادتهم ومراسلتهم، وطلب دعائهم إلى غير ذلك، وبمفهوم المخالفة: مقاطعة الفجار والأشرار والعصاة. وأسأل الله أن يتقبلنا وإياكم في هذه الليلة المباركة، وأنه كما جمعنا في هذا المكان الطاهر الطيب أن يجمعنا في مستقر رحمته، وأن يتقبل منا أحسن ما عملنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 7448

واجب الأمة بعد زوال الغمة إن من أعظم النعم؛ نعمة الحماية والأمن والاستقرار، ولا بد من شكر هذه النعمة بتحكيم شرع الله في الأرض وبالرجوع إلى طاعة الله، وكثيراً ما يرفع الطغاة شعارات كاذبة من أجل استعطاف الناس، وكثير من الناس من يضحي من أجل عقيدته، سواءً كانت حقاً أو باطلاً.

стр. 7449

حقيقة الغمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً: يا رب حمداً ليس غيرك يحمد يا من له كل الخلائق تصمدُ أبواب كل مملكٍ قد أوصدت ورأيت بابك واسعاً لا يوصدُ الصالحون بنور وجهك آمنوا عافوا بحبك نومهم فتهجدوا ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣] لمن الخطاب؟ لمحمدٍ ﵊ الذي حمل النصر الحقيقي للأمة، الذي رفع رأسي ورأسك ورأس أبي وأبيك، ورأس جدي وجدك، بنى المنائر والمنابر، وبنى المعاهد والجامعات بلا إله إلا الله: دعها سماويةً تجري على قدرٍ لا تفسدنها برأيٍ منك منكوسِ عنوان هذه المحاضرة: واجب الأمة بعد زوال الغمة. ولها عناصر: الأول: نعمة الحماية والاستقرار، وأثرها على الناس. الثاني: من الناصر؟ من الذي نصرنا؟ من هو هذا الذي أيدنا وخذل عدونا؟ الثالث: شكر المنعم ﵎ بماذا يكون؟ الرابع: إقامة شرع الله في الأرض، جزاء تمكينه ونصره ﵎. الخامس: البناء العقدي المتين. السادس: دروسٌ من الأزمة والغمة. ليست الغمة أن تقاتل الشعوب من أجل مبادئها ومن أجل نصرة أفكارها الحقة، فذلك فريضةٌ في القرآن وواجبٌ في السنة، وليست الغمة أن تدفع الأمة أبناءها ليقدموا أرواحهم، ويقدموا جثثهم قرابين لله الواحد الأحد، فعلى جثث حمزة ومصعب وخبيب قامت لا إله إلا الله. وليست الغمة أن نقف في وجه الكافر، وفي وجه المعتدي والظالم، ونقول له: قف؛ فقد وقف ﷺ في وجه أبي جهل، وأبي لهب، ووقف موسى في وجه فرعون، ووقف إبراهيم في وجه النمرود!! وليست الغمة أن نخوض المعارك، فنحن أبناء المعارك ولدتنا كابراً عن كابر: فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويتُ وما يخوض المعارك إلا نحن، ومن علم الناس القتال إلا نحن؟ ومن الذين سكبوا دماءهم رخيصةً في سبيل الله تعالى إلا نحن؟! وليست الغمة أن تشدخ رءوسنا تحت الدبابات، وتقطع أكتافنا تحت المجنزرات. ولكن الغمة ما هي؟ الغمة: أن تحيد الأمة عن مبادئها وتعيش خواءً عقدياً، والغمة أن تنطمس: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] من نفوس الأمة! والغمة: أن تنحرف الأمة عن ولائها لله وتبرئها من أعداء الله! والغمة: أن تعيش الأمة ذاهلةً ضائعة لا تدري أي طريقٍ مستقيم رسمه محمد ﵊. والغمة: أن تقدم الأمة شبابها إلى الملاهي والمنتديات الحمراء والمقاهي عباداً للمعصية وعشاقاً للنزوة، مصفقين للعبة!! هذه هي الغمة. ولكن لنستمر في مسلسل هذه المحاضرة، والله المستعان وعليه التكلان. يا رب هب لي بياناً أستعين به على قضاء حقوقٍ نام قاضيها

стр. 7450

بعض مظاهر نعمتي الحماية والنصر من الذي يحيمنا؟ أي جيش يحمينا إذا أراد الله ألا نحمى؟ أي قوةٍ تمنعنا وتحرسنا؛ إذا أراد الله أن يخذلنا؟: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧]. أما مكننا في الحرمين؟ أما أصبحت ثمرات العالم تجبى إلينا من أنحاء الأرض، من الصين، وفرنسا، وبريطانيا، والدنمارك؟! ألسواد عيوننا؟ ألدعاياتنا العالمية؟ ألحبهم لنا؟ لكن لدعاء شيخنا في العقيدة، وأستاذنا في المبادئ، إبراهيم الخليل ﵇ الذي يقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]. فما دام أنا مقيمون على هذا العهد والميثاق فأبشروا بالاستقرار والأمن والسكينة، فإذا أخلفنا كان الخلف جزاء ما فعلنا، وكان النقض جزاء ما أبرمنا. ويتخطف الناس من حولهم. انظر إلى الشعوب وإلى المدن: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنْ الْقُرَى﴾ [الأحقاف:٢٧] أما تخطفوا؟! أما عاشوا الذلة؟! أما عاشوا التشتت؟! أما أصبحوا ينامون على زمجرة الصواريخ ويستيقظون على أزيز الطائرات؟! أما قتلوا بالألوف؟! أما عاشوا الجفاف والمجاعة التي ما ذقناها؟! لماذا؟ لأسرارٍ سوف أذكرها: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤] من هو رب هذا البيت؟ الواحد الأحد الذي أطعمهم من جوع، أي صحراء صحراؤنا؟ لا ترى فيها بساتين ولا حدائق، صحراء قاحلة، لا أنهار! لا مروج ولا بحيرات، صحراء يموت فيها الظليم، صحراء يهلك فيها النعام، ولكن أغاث الله أهلها! ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج:٤١]. وهذا وعدٌ من الله وقسم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج:٤١] أي: جعلناهم متمكنين قائمين على خيرات الأرض وثرواتها، واقفين على أوامرها، متمكنين منها ومن أهلها، ماذا يفعلون؟ ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وهذه هي مواصفات العباد الصالحين الموحدين، أما أن تعكس الآية بعد التمكين إلى أمة تجعل من النصر طرباً ولهواً ولعباً، ومن التمكين في الأرض مظاهرات صاخبة يختلط فيها الرجال بالنساء، وتنتهك فيها الحرمات، وتضيع فيها حدود الله، فهذا ليس بشكر المنعم ﵎. وقد أخبر ﵊ -كما في الحديث الصحيح- أنه رأى رؤيا في المنام، حيث رأى أن الأرض زويت له، المشرق والمغرب وهو نائم، ورؤيا الأنبياء وحي، فعلم أن ملك أمته يبلغ ما زوي له ﵊، وهذا قد وقع، وقد دخل أتباعه يصلون في قرطبة، ويعبدون الله في السند والهند ويكبرون على ضفاف الفرات والنيل، ثلاثة أرباع الدنيا فتحت بلا إله إلا الله: وأينما ذكر اسم الله في وطنٍ عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني وأخبر ﵊ -في الصحيح- لـ عدي بن حاتم ﴿أنه سوف تمر الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها﴾ وبالفعل يرتحل المرتحل من الجزيرة ولا يخاف، يحمل الذهب والفضة، بل يحمل روحه، ولا يخاف قتلاً ولا سلباً ولا نهباً بنعمة لا إله إلا الله.

стр. 7451

من هو الناصر ؟ من الناصر؟ من الذي نصر؟ ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣] ما ينصر إلا الله، وهذا الخطاب للرسول ﵊، يقول: ما هو عددكم في بدر؟ أي سلاحٍ كنتم تحملونه؟ أي قوةٍ كنتم تحملونها؟ لا شيء. لكن نصركم الواحد الأحد في بدر وفي غيرها وأنتم أذلة، الكفار ثلاثة أضعاف المؤمنين ومع ذلك انتصر رسول الهدى ﵊، لماذا؟ لأن القائد الأعلى للقوات المسلحة في بدر أبو القاسم ﷺ ، وتحت قيادته جبريل ﵇، يقول حسان في أشرف بيتٍ قالته العرب: وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمدُ قال الأصمعي: أجزم جزماً أن هذا أشرف بيتٍ قالته العرب، يقول: يا عرب! يا دهر! يا تاريخ! قواتنا المسلحة في بدر، قائدها محمدٌ ﵊، وتحت لوائه من القادة جبريل ﵇، فأروني قيادةً في الدنيا كهذه القيادة؟ لا أحد. وقف ﷺ في بدر، والجيش الإسلامي قد نام تلك الليلة، يقول علي كما في السيرة لابن اسحاق: ﴿نظرت ليلة بدر فما رأيتُ إلا نائماً إلا رسول الله ﷺ ، فإني رأيته مستقبلاً القبلة يدعو ويبكي حتى أصبح الصباح﴾. نامت الأعين إلا مقلة تذرف الدمع وترعى مضجعك ماذا كان يقول في الليل؟ يقول: ﴿اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني﴾ هو يتحرى نصر الله ليفتح ثلاثة أرباع الكرة الأرضية؛ لأصلي أنا وإياك ونرفع سباباتنا بلا إله إلا الله! وسقطت بردته من على منكبيه، فجاء أبو بكر وقال: ﴿يا رسول الله! كفاك مناشدتك لربك﴾ وكان الرسول ﵊ أعلم بالله، وكان متيقناً أنه لا ينال ما عند الله إلا بكثرة الإلحاح والمسألة وصدق اللجوء والضراعة والشكوى، كما قال موسى فيما يصح عنه، وهو يسجد ويبكي: ﴿اللهم إليك المشتكى، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك﴾ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. وهذه الدقائق الحارة، دقائق النصر، الدقائق التي تقف فيها بين لحظة وأخرى تتحرى النصر، اسمها ساعة الصفر: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] من الذي يجيب المضطر إذا دعاه؟ هناك آيات لا يشاركها أوصاف للواحد الأحد، لا يشاركه فيها أحدٌ من الناس: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] وهذه تسمى ساعة الصفر. واسمحوا لي أن أخرج عن المحاضرة بعض اللحظات. جئت مع بعض الإخوة اليوم من أبها ولما اقتربنا من الرياض، تعطلت بعض أجهزة الطائرة فلم نستطع الهبوط في المطار وبقينا ساعة في سماء الرياض، وكلما أتينا المدرجات -تسع مرات- عاد بنا الكابتن وأعلن أنه لا يستطيع الهبوط، أتدرون في أي شعورٍ كنا؟ أما النساء اللواتي معنا فانهمرت دموعهن بالبكاء، وأما نحن فأصبحنا في عالم القبر: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ وتيقنا من الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وكتبنا بعض الأسماء في ورقة، تعريف بنا؛ لأننا نسينا تعريفاتنا في الحقائب، فكتبناها حتى يجدنا الناس إذا أصبحنا جثثاً على الأرض، فنحن في الصباح ارتحلنا من أبها، ثم أصبحنا في مصيبة لا يعلمها إلا الله، وذقنا طعم التوحيد الحار هذا اليوم، وعرفنا مقدار لا إله إلا الله! وعرفنا من الذي ينجي من الكرب: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] وعرفنا قوله : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]. فتجردنا إلى الله وسألناه كما سأل أهل الغار ربهم، وما وجدنا معنا إلا التوحيد!! هذا هيامي وتقصيري وأعمالي فقلتُ عم صباحاً أيها الطلل البالي ونزلنا بعد أن ظننا أننا من أهل الآخرة، ولكننا عرفنا أن التوحيد ينتصر في هذه الوقفات، وعرفنا أن كارل ماركس ملعون، وأنه خان الله ورسوله والمؤمنين، وأن (لا إله والحياة مادة) تحترق في هذه الدقائق الغالية.

стр. 7452

الرسول والصحابة في ساعة الصفر الرسول ﵊ والصحابة عاشوها: ﴿وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] إذا كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، يظنون بالله الظنون إلى درجة أنهم ظنوا أن الله لا ينصرهم، فكيف بنا؟! يحفر ﷺ فيقدح الشررُ من الآلة التي يضرب بها، ويقول: رأيت قصور كسرى وسوف يفتحها الله عليَّ، فيقول المنافقون: ما شاء الله! لا يجرؤ أحدنا أن يبول من الخوف، ويفتح الله له قصور كسرى وقيصر﴾ وبالفعل صدق الله ورسوله، وهذا هو الصحيح الوارد الثابت في التاريخ والكتاب والسنة. يقول ﷺ وهو يخطب الناس بعد انتصاره في الفتح: ﴿الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده﴾ وأثبت الله هذه القضية، وأنها تغيب عن كثيرٍ من الناس، فينسبون النصر لغير الناصر ﵎، ونصرنا بآل فلان وآل علان وهذا كذب ودجل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠]. إذا خذلكم الله من ينصركم؟ كان العدو ليس سهلاً، مليون مقاتل، يا أخي! مليون جندي! مليون يحملون السلاح الفتاك، ألوفٌ من الدبابات، والمجنزرات والآليات، ولكن دعاء الصالحين أسكته وبكته وفضحه، دعاء أهل الحرمين، ودعاء القنوت في المساجد، الأكباد الحرى، الدمعات الحارة، الدعاء الصادق إلى ذي العرش والجلال والجبروت، إلى من على العرش استوى، كم من مسلم دعا: اللهم اخذله، اللهم أسقطه، اللهم اقصم ظهره، فقل لي: لعلها دعوةٌ واحدة قبلت والملايين رفضت، فقصم الله ظهره، فضيحةٌ ما بعدها فضيحة، وعارٌ ما بعده عار: فمن في كفه منهم قناةٌ كمن في كفه منهم خضابُ وتولوا خاسرين نادمين حقيرين، ولنا عودةٌ في هذا الموقف، يقول سبحانه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠]. وترى التوحيد يهتز عند بعض الناس بما يسمعون ويقرءون، خاصةً إذا فصلوا عن قال الله وقال رسوله ﵊، فينسبون النصر لغير الناصر، وينسبون الشكر لغير المنعم، وينسبون الجميل لغير المتجمل، فتعالى الله ما نصرنا إلا هو وحده فله الحمد وله الثناء الحسن دائماً وأبداً ليلاً ونهاراً. خرج ﷺ في اثني عشر ألف مقاتل من المسلمين، وكان هذا من أكبر الجيوش فيما أعلم في تاريخ الدعوة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، فخرجوا إلى حنين وكان العادة أنهم من المئات إلى الألف فما دون، فالتفت بعض الصحابة فرأى الجيش ضخماً مسلحاً عرمرماً، فتبسم وقال: [[لن نغلب اليوم عن قلة]] فأراد الله أن يخبر الصحابة أنه ليس النصر بكثرة الجيش أو بقلته، ولما بدأت ساعة الصفر وابتدأت المعركة وأتى أهل هوازن مع مالك بن عوف، وأطلقوا السهام، فرَّ الجيش جميعاً ما بقي إلا ستة. أين الكثرة؟! أين الكتائب؟! أين الميمنة والقلب والميسرة؟! لا شيء. ونادى ﵊ في الناس، ورجعوا وانتصروا فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]. فمن الذي نصركم؟ إنه الله. فلله الحمد. كان ﵊ يقول قبل المعارك: ﴿اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم﴾ فينتصر ﵊. وهذا سليمان ﵇ رأى جيشه فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]. يوم ننتصر نقول: الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله، أما هذه الإشارة فإنها من كيس ريجول الفرنسي، وهي لاغية في عهد محمد ﵊ لا حظ ولا دخول لها في بلاد المسلمين، نحن إذا أشرنا أشرنا بالوحدانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. من الفكاهات الإسرائيلية التي وضعت يقولون: طارق عزيز بعد ما هزم جيش العراق، دخل على صدام حسين، فأشار إليه بالسبابة والوسطى -يعني: علامة النصر- فظنها علامة النصر وتبسم وقال: انتصرنا، قال: لا. بقي أنا وأنت. وسندها معلول، قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣].

стр. 7453

نصرة الله لموسى ﵇ ولما حضر موسى ﵇، قال بنو إسرائيل لما اقتربوا من البحر: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢] أي: معي قوةٌ لا تغلب، وهذه قضية سوف أقررها في العنصر الرابع، ولا أستفيض فيها هنا، حتى نعرف أنحن أم غيرنا الأقوياء؟ والقوي مع من؟ ومن الذي ينبغي له أن يخاف ويقف دائماً على أعصابه؟ ومن الذي يجب عليه أن يطمئن بنصر الله ؟ قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]. تدرون كم كان مع فرعون؟! يذكر ابن جرير: أن جيش فرعون ألف ألف، وقيل: ستمائة ألف، فالتفت بنو إسرائيل إلى جيش فرعون -وهذا في تاريخ ابن جرير - قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] وأنا أنسبها لـ ابن جرير وهي على عهدته وذمته ومن أحيل على مليء فليحتل، فقال الله لموسى: اضرب البحر، وكان متأخراً في آخر الجيش، فقال لهارون: اضرب البحر يا هارون! فأخذ هارون العصا وضرب البحر، قال البحر: من هذا الجبار الذي ضربني، فقال الله : أنت -يا موسى- اضرب البحر، اليد غير اليد والعصا غير العصا: وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال فضرب البحر فنجاه الله، وفي آخر لحظة قال فرعون: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠].

стр. 7454

الطغاة يتعلقون بالإسلام وقت الهلاك وهذا مثل دجاجلة العرب. العجيب أنهم في ساعات الصفر ووقت الهلاك يتعلقون بالإسلام! يتعلقون تعلقاًَ يوم الرزية والحساب بمعالمٍ فيها عروش قد بنوها من خراب فإذا أحسوا بالرزية تعلقوا بالانتساب أتاتورك لما خاف من ثورة الأتراك تعلق بالإسلام والجهاد، والخميني ظهر فنادى بالجمهورية الإسلامية وآية الله، وحجة الإسلام، وروح الله والكتاب والعدل، ثم ذبح الدعاة والعلماء وسحق الإسلام وابن بلا، في الجزائر كان يذبح المسلمين، فلما أنزله أبو مدين، وأدخله السجن بدأ يحفظ القرآن وخرج ينادي الشعب في الجزائر يقول: أعيدوني للحكم؛ لأعيد لكم حكم الله، كذلك رجل العراق لما أحس بساعة الصفر نادى بالجهاد ويقول: أنتخيك يا رب، يقول: أدعو نخوتك، سبحان الله! فهذه أمة دائماً على هذا الطراز وما اتخذت درساً، كل يومٍ وهي تراوح مكانها: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣].

стр. 7455

ضرورة شكر المنعم ﵎ قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]. بما يشكر النصر؟ نحن ما نصرنا أنفسنا، نصرنا الله لأن الله أراد لنا النصر، والله لو اجتمعت قوات الدنيا على أن تنصرنا ما نصرتنا! لكن الذي أمره في كلمة كن فيكون نصرنا سبحانه، ما جزاء النصر؟ أن نفعل كما فعل ﷺ ، حيث دخل يوم الفتح فخفض رأسه وبكت عينه ﵊ ودخل متواضعاً لله وكان إذا فتح عليه الفتوح يسجد سجود الشكر، وقد عقدها أهل العلم أبواباً في كتب الأحكام، باب سجود الشكر: وكان ﷺ إذا أتاه خبرٌ يسره، سجد لله شاكراً. فالشكر لا يكون بالحفلات الحمراء، حفلات اختلاط الرجال بالنساء وتضييع المبادئ وتضييع لا إله إلا الله، وحفلات التعدي على حدود الله، وحفلات يهيم بها الشعب يصفق ويغني ويطبل ويرقص وينسى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. فهذا كفرٌ بالمنعم ، وهي حرامٌ في دين الله أن تحدث، فعلى من نصرهم الله أن يشكروه ويثنوا عليه ويحمدوه كما فعل ﵊، قال سبحانه: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٥]. وما هو معنى الشكر؟ له معانٍ ثلاثة: ١ - أن نعلن الشكر بألسنتنا، وأن نردد: والحمد لله رب العالمين دائماً وأبداً. ٢ - أن يظهر الشكر على جوارحنا في عباداتنا وسلوكنا وأخلاقنا ومعاملاتنا. ٣ - أن نحمل الشكر معتقداً في القلب، فنحمل معتقد التوحيد الذي أتى به رسول الهدى ﵊.

стр. 7456

من شكر المنعم إقامة شرع الله في الأرض المقصود من تمكين الإنسان في الأرض؛ ليكون خليفة، والخليفة هو من يحكم بما أنزل الله : ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]. فمن لا يحكم بما أنزل الله فليس له حق الخلافة في الأرض ولا التمكين ولا الاستقرار في الأرض، وهو ظالمٌ وعميلٌ ودجالٌ ودخيلٌ لا حق له في البقاء، ولا حق له في العيش والاستقرار على وجه الأرض: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] فمن كان ظهيراً للمجرمين فما شكر نعمة المنعم. قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. فجزاء التمكين في الأرض؛ إقامة الشرع: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠] فلا لا للعودة إلى الدستور، ولا للعودة إلى القوانين الوضعية، ولا للعودة إلى خزعبلات البشر، فهذا حرام وهو نقض للميثاق وكفرٌ بالنصر واعتراض على الناصر ﵎.

стр. 7457

البناء العقدي المتين جربنا أنفسنا في الأزمات، فوجدنا أننا نحتاج إلى جرعات من العقيدة، من لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنا أدري وأنتم تدرون أننا ندرس ونحفظ قوله ﵊: ﴿واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾ ولكن إذا حصحص الحق ضاعت هذه الكلمات، نحفظها في الأذهان ولا نبرهن عليها في الأعيان، ويقول ﵊، فيما صح عنه: ﴿واعلموا أنه لا تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها وأجلها﴾ هل سمعتم أن أحداً قتل قبل أن يقدر الله قتله؟ هل سمعتم أن أحداً ذهب إلى الله ولم يستكمل أكل رزقه؟ لا. قال سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:٥١] وهذا هو الصحيح، وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥]. هل اعترفنا بهذا؟ إن هذا لا يعرفه إلا مثل علي بن أبي طالب.

стр. 7458

علي بن أبي طالب والعقيدة يقول أبو الحسن: [[والله لو كشف الله لي الغطاء فرأيت الجنة والنار، ما زاد على ما عندي من إيمان مثقال ذرة]] وهو لم يتعلم درساً لا زرع ولا طه والطبلة، وإنما تعلم: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣]. علي بن أبي طالب أنزل الدرع الذي عليه في صفين ومعنى تصرفه هذا أنه إن كتب الله له أن يموت فلا يغني الدرع، وإن كتب الله له الحياة فلماذا يلبس الدرع؟ وأخذ الأسباب وارد، والرسول ﷺ لبس الدرع وبارز فيه، ويقول: ﴿اعقلها وتوكل﴾ كما صح عنه ﵊، لكن هكذا علياً أراد أن يلقن الأمة درساً، فقال له ابنه محمد بن الحنفية: يا أبتاه! تبارز بلا درع؟،قال: أيّ يومي من الموت أفر يوم لا قُدِّر أم يوم قُدِرْ يوم لا قُدِّرَ لا أرهبه ومن المقدور لا يُغني الحذر فهذه أبياتٌ في التوحيد: أي يومي من الموت أفر: متى أفر؟ يوم لا قدِّر أم يوم قُدِرْ: يوم لا قدر: يعني الموت؛ لا أرهبه، وإذا ما جاء لا يغني الحذر. يقول : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] فاسمع إلى الصفات، صفتان عظيمتان: الحي الذي لا يموت وغير الله يموت: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] ويقول : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦]. فلا بد أن نقف طويلاً مع هذه الآية، ولا بد أن نجعلها تعيش معنا في دمنا ذرةً ذرة، وأن ندخلها قلوبنا وأسماعنا وعيوننا وأبصارنا! ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] وكل ما غير الله فهو دونه، انظر إلى الكيانات؟ والسلاطين والدنيا؟ كلها دون الله، لكن من يعرف هذا؟ إن هذا يعرفه مثل علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنهم يدرسون العقيدة واقعاً ويدرسونها منهجاً ربانياً. علي بن أبي طالب كان جالساً تحت جدارٍ يقضي بين خصمين من أهل الكوفة، فمرَ رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين! احذر الجدار أن يسقط عليك، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما انتهى من القضية بين الرجلين قام وخرج بهم، فلما مضى عن الجدار انهد الجدار مكانه. فحسبنا الله ونعم الوكيل مبدأ كبير يجب أن نحمله فعلاً وقولاً وحياة: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. فإذا فاجأك الخبر، فقل: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومهما أبرم الناس، ووضعوا من العراقيل، ودرسوا المكائد والخيانات، فإن حسبنا الله ونعم الوكيل تقصمها بإذن الله؛ لأن الله معك، يقول : ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل:٧٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].

стр. 7459

ابن تيمية وتضحيته من أجل العقيدة ذكر ابن عبد الهادي تلميذ شيخ الإسلام: أن ابن تيمية ﵀ لما وصل إلى الاسكندرية، خرج الناس يريدون القصاص من ابن تيمية، لماذا؟ ألأنه سرقهم؟ هل أخذ أموالهم؟ هل سفك دماءهم؟ لا. بل كان يريد أن يقيم لا إله إلا الله في الأرض، فكل شيء يهون عند ابن تيمية إلا (لا إله إلا الله) يمكن أن يتفاوض على أمور الدنيا، أما أمور الدين فلا. فتجابه مع البطائحية، وجابه الغلاة والزنادقة، وجابه المعطلة والجهمية، وجابه النصيرية والمعتزلة والأشاعرة، فكلهم خصومه: وقفتَ وما في الموت شك لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمٌ ولو تحدث ابن تيمية عن التيمم والمسح على الخفين وبيع العينة ستين سنة لما اعترض عليه أحد، لكن ابن تيمية تحدث عن معلومات أخرى يجب أن يفهمها الناس، وعاش ابن تيمية لتعيش لا إله إلا الله، فعاش في أذن الدهر، وفي لسان التاريخ، وعلى منبض الدنيا لتعيش لا إله إلا الله، كان دائماً يعيش لتعيش مبادؤه. يقول: فلما خرج له الناس، قال ابن عبد الهادي: يقول التلاميذ: الناس يريدون قتلك، فنفخ في يديه، وقال: والله كأنهم الذباب أمامي؛ لأنه لا يقطف الرأس إلا من ركبه، فهذه الصناعة الإلهية، وهذا الجثمان إذا لم يكتب الله أن يقطف فلا يقطفه أحد من الناس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلا﴾ [آل عمران:١٤٥]. الكفار نصبوا كميناً حول بيت الرسول ﵊، خمسون شاباً تقطر سيوفهم دماً يريدون قتله، وأراد الله ألا يقتل، ليس عنده حراسة إلا حراسة الله، يقول أحمد شوقي: وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فإن الحوادث كلهن أمانُ فلاحظته عناية الله، وأجرى الله نصره له، وقال لـ أبي بكر في الغار: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فهذه قضايا التوحيد وهذا البناء العقدي المتين، الذي نريد أن نعيشه في الأزمة، وقبل الأزمة، وبعد الأزمة. ويقول : ﴿قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢].

стр. 7460

احرص على الموت توهب لك الحياة يذكر في السيرة -وفي هذا شيء من المبالغة، ولكن ذكروه- أن خالد بن الوليد ﵀ ورضي عنه وأرضاه، خاض ما يقارب مائة معركة، ومع ذلك ما قتل وإنما مات على الفراش؛ لأن الواحد الأحد كتب له أن يموت على الفراش وألا يقتل في المعركة. ورأيت بعض العلماء كما في البداية والسير وغيرها ذكر أن أحد الصالحين ترك أكل الأرز، وقالوا له: لِمَ؟ قال: لأني أخاف أن أجد فيه عظماً فينشب في حلقي فأموت. فأتى ابنه في آخر حياة هذا الرجل، فأتى بأرز وصفاه من العظام، وقال: يا أبتاه! كُل الأرز فإني قد نقيته من العظام، كل من فضل الله ، قال: باسم الله، فنشب في حلقه عظمٌ فمات. وبعض الناس عنده تحفظ إلى درجة الوسوسة، ولو وثق برعاية الله مع أخذ الأسباب وتوكل على الله، ما يهمه شيء. يقولون: فلان من الناس لا يركب السيارة خوفاً من الحوادث، وعنده حمار، في الصباح، يقف بالحمار عند الإشارة، وتجده ذاهباً وراجعاً بحماره، لماذا؟ قال: خوفاً من هذا الحديد، كأنه ما بقي في الدنيا إلا هذه النفس النفيسة أن تموت، قالوا: وأرسل الله عليه سيارة فتصدمه وحماره، فمات: لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمارُ فالمقصود: أن بعض الناس تبلغ بهم الوسوسة في بعض القضايا حتى يأتيهم خوف من البشر. وهذه قضية موجودة في الرأي العام، ونستقرئها ونعيشها في أنفسنا: أننا كثيراً نخاف من البشر أكثر من خوفنا من رب البشر. فالآن تصور أن الناس إذا أرادوا أن يتحدثوا عن بعض القضايا، وهم في المجلس فإنك ترى الواحد منهم وهو ينظر إلى النافذة، وينظر في وجوه الجالسين، وينظر في الأجهزة التي أمامه، وينظر عن يمينه وخلفه، ولكن وأنت تغتاب أما نظرت إلى الله؟! وأنت تنم وتشهد الزور وتعصي الله أما خفت من الله وهو الرقيب سبحانه؟! وهو الذي معك أينما كنت: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧].
следующие страницы →