Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.
стр. 7456
من شكر المنعم إقامة شرع الله في الأرض
المقصود من تمكين الإنسان في الأرض؛ ليكون خليفة، والخليفة هو من يحكم بما أنزل الله : ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦].
فمن لا يحكم بما أنزل الله فليس له حق الخلافة في الأرض ولا التمكين ولا الاستقرار في الأرض، وهو ظالمٌ وعميلٌ ودجالٌ ودخيلٌ لا حق له في البقاء، ولا حق له في العيش والاستقرار على وجه الأرض: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] فمن كان ظهيراً للمجرمين فما شكر نعمة المنعم.
قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
فجزاء التمكين في الأرض؛ إقامة الشرع: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠] فلا لا للعودة إلى الدستور، ولا للعودة إلى القوانين الوضعية، ولا للعودة إلى خزعبلات البشر، فهذا حرام وهو نقض للميثاق وكفرٌ بالنصر واعتراض على الناصر ﵎.
стр. 7457
البناء العقدي المتين
جربنا أنفسنا في الأزمات، فوجدنا أننا نحتاج إلى جرعات من العقيدة، من لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنا أدري وأنتم تدرون أننا ندرس ونحفظ قوله ﵊: ﴿واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾ ولكن إذا حصحص الحق ضاعت هذه الكلمات، نحفظها في الأذهان ولا نبرهن عليها في الأعيان، ويقول ﵊، فيما صح عنه: ﴿واعلموا أنه لا تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها وأجلها﴾ هل سمعتم أن أحداً قتل قبل أن يقدر الله قتله؟ هل سمعتم أن أحداً ذهب إلى الله ولم يستكمل أكل رزقه؟ لا.
قال سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:٥١] وهذا هو الصحيح، وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥].
هل اعترفنا بهذا؟ إن هذا لا يعرفه إلا مثل علي بن أبي طالب.
стр. 7458
علي بن أبي طالب والعقيدة
يقول أبو الحسن: [[والله لو كشف الله لي الغطاء فرأيت الجنة والنار، ما زاد على ما عندي من إيمان مثقال ذرة]] وهو لم يتعلم درساً لا زرع ولا طه والطبلة، وإنما تعلم: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣].
علي بن أبي طالب أنزل الدرع الذي عليه في صفين ومعنى تصرفه هذا أنه إن كتب الله له أن يموت فلا يغني الدرع، وإن كتب الله له الحياة فلماذا يلبس الدرع؟ وأخذ الأسباب وارد، والرسول ﷺ لبس الدرع وبارز فيه، ويقول: ﴿اعقلها وتوكل﴾ كما صح عنه ﵊، لكن هكذا علياً أراد أن يلقن الأمة درساً، فقال له ابنه محمد بن الحنفية: يا أبتاه! تبارز بلا درع؟،قال:
أيّ يومي من الموت أفر يوم لا قُدِّر أم يوم قُدِرْ
يوم لا قُدِّرَ لا أرهبه ومن المقدور لا يُغني الحذر
فهذه أبياتٌ في التوحيد: أي يومي من الموت أفر: متى أفر؟ يوم لا قدِّر أم يوم قُدِرْ: يوم لا قدر: يعني الموت؛ لا أرهبه، وإذا ما جاء لا يغني الحذر.
يقول : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] فاسمع إلى الصفات، صفتان عظيمتان: الحي الذي لا يموت وغير الله يموت: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] ويقول : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦].
فلا بد أن نقف طويلاً مع هذه الآية، ولا بد أن نجعلها تعيش معنا في دمنا ذرةً ذرة، وأن ندخلها قلوبنا وأسماعنا وعيوننا وأبصارنا!
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] وكل ما غير الله فهو دونه، انظر إلى الكيانات؟ والسلاطين والدنيا؟ كلها دون الله، لكن من يعرف هذا؟ إن هذا يعرفه مثل علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنهم يدرسون العقيدة واقعاً ويدرسونها منهجاً ربانياً.
علي بن أبي طالب كان جالساً تحت جدارٍ يقضي بين خصمين من أهل الكوفة، فمرَ رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين! احذر الجدار أن يسقط عليك، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما انتهى من القضية بين الرجلين قام وخرج بهم، فلما مضى عن الجدار انهد الجدار مكانه.
فحسبنا الله ونعم الوكيل مبدأ كبير يجب أن نحمله فعلاً وقولاً وحياة: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
فإذا فاجأك الخبر، فقل: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومهما أبرم الناس، ووضعوا من العراقيل، ودرسوا المكائد والخيانات، فإن حسبنا الله ونعم الوكيل تقصمها بإذن الله؛ لأن الله معك، يقول : ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل:٧٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
стр. 7459
ابن تيمية وتضحيته من أجل العقيدة
ذكر ابن عبد الهادي تلميذ شيخ الإسلام: أن ابن تيمية ﵀ لما وصل إلى الاسكندرية، خرج الناس يريدون القصاص من ابن تيمية، لماذا؟ ألأنه سرقهم؟ هل أخذ أموالهم؟ هل سفك دماءهم؟ لا.
بل كان يريد أن يقيم لا إله إلا الله في الأرض، فكل شيء يهون عند ابن تيمية إلا (لا إله إلا الله) يمكن أن يتفاوض على أمور الدنيا، أما أمور الدين فلا.
فتجابه مع البطائحية، وجابه الغلاة والزنادقة، وجابه المعطلة والجهمية، وجابه النصيرية والمعتزلة والأشاعرة، فكلهم خصومه:
وقفتَ وما في الموت شك لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمٌ
ولو تحدث ابن تيمية عن التيمم والمسح على الخفين وبيع العينة ستين سنة لما اعترض عليه أحد، لكن ابن تيمية تحدث عن معلومات أخرى يجب أن يفهمها الناس، وعاش ابن تيمية لتعيش لا إله إلا الله، فعاش في أذن الدهر، وفي لسان التاريخ، وعلى منبض الدنيا لتعيش لا إله إلا الله، كان دائماً يعيش لتعيش مبادؤه.
يقول: فلما خرج له الناس، قال ابن عبد الهادي: يقول التلاميذ: الناس يريدون قتلك، فنفخ في يديه، وقال: والله كأنهم الذباب أمامي؛ لأنه لا يقطف الرأس إلا من ركبه، فهذه الصناعة الإلهية، وهذا الجثمان إذا لم يكتب الله أن يقطف فلا يقطفه أحد من الناس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلا﴾ [آل عمران:١٤٥].
الكفار نصبوا كميناً حول بيت الرسول ﵊، خمسون شاباً تقطر سيوفهم دماً يريدون قتله، وأراد الله ألا يقتل، ليس عنده حراسة إلا حراسة الله، يقول أحمد شوقي:
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فإن الحوادث كلهن أمانُ
فلاحظته عناية الله، وأجرى الله نصره له، وقال لـ أبي بكر في الغار: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾
فهذه قضايا التوحيد وهذا البناء العقدي المتين، الذي نريد أن نعيشه في الأزمة، وقبل الأزمة، وبعد الأزمة.
ويقول : ﴿قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢].
стр. 7460
احرص على الموت توهب لك الحياة
يذكر في السيرة -وفي هذا شيء من المبالغة، ولكن ذكروه- أن خالد بن الوليد ﵀ ورضي عنه وأرضاه، خاض ما يقارب مائة معركة، ومع ذلك ما قتل وإنما مات على الفراش؛ لأن الواحد الأحد كتب له أن يموت على الفراش وألا يقتل في المعركة.
ورأيت بعض العلماء كما في البداية والسير وغيرها ذكر أن أحد الصالحين ترك أكل الأرز، وقالوا له: لِمَ؟ قال: لأني أخاف أن أجد فيه عظماً فينشب في حلقي فأموت.
فأتى ابنه في آخر حياة هذا الرجل، فأتى بأرز وصفاه من العظام، وقال: يا أبتاه! كُل الأرز فإني قد نقيته من العظام، كل من فضل الله ، قال: باسم الله، فنشب في حلقه عظمٌ فمات.
وبعض الناس عنده تحفظ إلى درجة الوسوسة، ولو وثق برعاية الله مع أخذ الأسباب وتوكل على الله، ما يهمه شيء.
يقولون: فلان من الناس لا يركب السيارة خوفاً من الحوادث، وعنده حمار، في الصباح، يقف بالحمار عند الإشارة، وتجده ذاهباً وراجعاً بحماره، لماذا؟ قال: خوفاً من هذا الحديد، كأنه ما بقي في الدنيا إلا هذه النفس النفيسة أن تموت، قالوا: وأرسل الله عليه سيارة فتصدمه وحماره، فمات:
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمارُ
فالمقصود: أن بعض الناس تبلغ بهم الوسوسة في بعض القضايا حتى يأتيهم خوف من البشر.
وهذه قضية موجودة في الرأي العام، ونستقرئها ونعيشها في أنفسنا: أننا كثيراً نخاف من البشر أكثر من خوفنا من رب البشر.
فالآن تصور أن الناس إذا أرادوا أن يتحدثوا عن بعض القضايا، وهم في المجلس فإنك ترى الواحد منهم وهو ينظر إلى النافذة، وينظر في وجوه الجالسين، وينظر في الأجهزة التي أمامه، وينظر عن يمينه وخلفه، ولكن وأنت تغتاب أما نظرت إلى الله؟! وأنت تنم وتشهد الزور وتعصي الله أما خفت من الله وهو الرقيب سبحانه؟! وهو الذي معك أينما كنت: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧].
стр. 7461
غير المسلمين يضحون من أجل مبادئهم الباطلة
ويوجد في غير المسلمين -حتى من شباب الصحوة- من يضحي أكثر من المسلمين من أجل مبادئهم، والآن ينتشر شباب الاشتراكية، وشباب الماركسية:
ماركسيون والجماهير جوعى فلماذا لا يشبع الفقراء
وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من جسمها أجزاءُ
فهذا واقع الأمة.
ولذلك تجد الاشتراكيين والبعثيين يضحون تضحيات، لماذا يشدخون بالدبابات في العراق والكويت؟ إن هذا من أجل مبادئهم.
آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني
لكن تجد في الصالحين من يخاف خوفاً عظيماً حتى يدخله الوسوسة، فتجده يخاف من البشر، ويخاف من أن يقول كلمة الحق! وما هي أسوأ الاحتمالات؟ أن يذهب رأسه!!: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران:١٥٧].
وهذا مقصد نبيل.
стр. 7462
لا بد من الابتلاء
يقول المسلم الأول:
وليس على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
رأيت في ترجمة لـ أبي الأعلى المودودي ﵀، المؤلف الباكستاني الشهير أنه سجن كثيراً في سجن أيوب خان، يقول أحد الشعراء وقد طرد من دولة عربية إلى ميونخ في ألمانيا
في قصيدة يقول فيها:
نفسي فدتك أبا الأعلى وهل بقيت نفسي لأفديك من أهلٍ ومن صحب
أما استحى السجن من شيخٍ ومفرقه نورٌ لغير طلاب الحق لم يشبِ
يقول: ألا يستحي السجن منك يا أبا الأعلى، تسجن وأنت في الثمانين!!
وقد قام العلماء في العالم الإسلامي وكتبوا لـ أيوب خان برقيات وأنذروه وخوفوه بالله ، فقدم عرضاً لـ أبي الأعلى وهو في السجن وقال: يا أبا الأعلى! اكتب لنا تنازلاً واعتذاراً حتى نمسك ماء وجهنا أمام العالم الإسلامي، فوصلت الورقة إلى أبي الأعلى، فشقها ورماها في السلة، وقال: إن كنتُ سجنتُ بحق فأنا أصغر من أن أعترض على الحق، وإن كنتُ سجنت بباطل، فأنا أكبر من أن أستخذي للباطل وبقي حتى أخرجه الله .
وهذا هو عالم التضحيات، أمام المد البعثي والماركسي والنصراني واليهودي لا يثبت أحد إلا ويجعل أمامه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦].
يقول الحجاج لـ سعيد بن جبير: والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، قال: لو علمت أن ذلك إليك، لاتخذتك إلهاً.
وهذه عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والله لا يبعث نبياً ولا رسولاً من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، حتى يبتليهم بالمصائب والكوارث والمحن والفتن إلى درجة أن يعلم الواحد منهم أنه لا إله إلا الله، ولا نافع ولا ضار ولا محيي ولا مميت إلا الله، ولذلك أنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩].
فهذه قضيةٌ كبرى، فتجد بعض الأخيار يريد أن يدعو ولكن بشرط ألاَّ يمس، ويريد أن يدعو ولكن بشرط ألاَّ يبتلى، ويريد أن يدعو ولكن لا يهضم شيء من حقه، وهذا خلاف سنة الله في الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
стр. 7463
دروس من أزمة الخليج
دروسٌ من الغمة التي مرت بالمسلمين:
стр. 7464
وجود خواء عقدي في الأمة
الأمر الأول: اكتشفنا خواءً عقدياً في الأمة، وقلة توكل، وأمة لا تتوكل تخاف الموت، وأنا أعرف أناساً في قرىً بعيدة يبعدون عن المعركة ما يقارب ألف ميل، ويكاد أحدهم أن يموت هناك، في مسجد في جدة كنت أتحدث في وقت الحرب -خطر ممنوع الاقتراب- فكان الحديث من أول الليل إلى آخر صلاة العشاء عن التوكل والصمود والشجاعة والبذل والعطاء، والناس جمعٌ حافل، فمرت سيارة فانفجر إطارها وسمعنا له دوياً فكاد الناس يخرجون من الأبواب الأخرى، قلنا: وما هي فائدة المحاضرة من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وأين الشجاعة؟ وكيف لو كان غير انفجار الإطار.
المقصود: أن الأمة اكتشفت أنها تعيش ضعفاً في التوكل، وأنت تجد أن الشعوب المحاربة لا تخاف ولو كانت وثنية لأنها تعودت.
стр. 7465
ولي المؤمنين هو الله
الأمر الثاني: أن علينا أن نعلم أن ولينا هو الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] فعلينا أن نوثق الصلة به ، ونسأله أن يمد بيننا وبينه حبالاً من الرحمة والكرم والجود، وأن يجعلنا أقرب الناس إليه.
стр. 7466
لابد أن تعرف عدوك
الأمر الثالث: علينا أن نعرف عدونا، ولا تكن مواقفنا حسب المزاج أو المصالح، فمواقفنا مع: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فإن هؤلاء الذين كانوا أصدقاء لنا بالأمس أظهروا عداوتهم؛ لأنهم لا يحملون لا إله إلا الله، فكانوا أفتك الناس وأحقدهم وأبغضهم، وأقول: فعل البعثيون بـ الكويت ما لم تفعل إسرائيل بـ فلسطين، فأين إخوان العروبة؟ وأين الوحدة والاشتراكية؟ وأين الدم العربي؟ وأين القروي؟ وقوله:
هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهمِ
فيا حبذا كفر يؤلف بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ
وتركوا لا إله إلا الله، وتوحدوا على دم العروبة؛ فماذا نفعتهم العروبة؟ فهذا العربي يفعل بالعربي ما فعل!! قتل للنساء وسحق للأطفال، وهتك للحرمات، واستعداءٌ ينبي أن وراءه حقداً مريراً لا يعلمه إلا الله، فأين العروبة؟
العرب بلا إسلام أصفار، وما أنتجوا شيئاً في التاريخ إلا بهذا الدين، كما قال عمر: [[نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]].
стр. 7467
الدعوة إلى الله تحتاج إلى أفعال
الأمر: أن علينا ألا نبقى دعاة كلامٍ للناس، بل مع كلامنا نقدم خدمات للعالم وللناس، وهذا نقصٌ نعيشه جميعاً، فالرسول ﵊ لم يؤلف الله عليه قلوب الناس بكلامه وخطبه ومحاضراته فقط، بل بأخلاقه وتعامله.
ولعلك تجد صالحاً في حيٍ من الأحياء، يقف سلبياً عن مشاكل الحي وحوائجه ومتطلباته، ثم يأتي يوم الجمعة، فيلقي عليهم خطبةً عصماء، فلا يتقبلونها؛ لأنهم ما وجدوا له أيادٍ بيضاء قدمها إليهم، مثل ماذا؟ زيارة المريض، الوقوف مع الناس في مناسباتهم: تفقد الجار إطعام المحتاج، زيارة المسكين، السؤال عن الغائب عن المسجد، الوقوف مع المنكوبين، فهذه تساوي آلاف المحاضرات.
الأمر الثاني: اكتشفنا سلبيةً يعيشها كثير من الناس حتى من الصالحين، مثل ماذا؟ تجد أن عنده عواطف، حباً لله ولرسوله وللمؤمنين، لكنه لا يقدم شيئاً، يفرغ هذه العاطفة في خطب رنانة مشحونة بالإبداع وبالكلام المسجوع، وبالأسلوب الضخم، والغضب، والتفجر، ثم يخرج فلا ينتج شيئاً، ولو أنه حبس هذه الكلمات، واقتصد في هذه الألفاظ، وفرّغ طاقته في عملٍ منتج ودعوة، أو إهداء شيء طيب من الكتيبات والأشرطة، أو القيام على أحوال الناس، أو بأي وسيلةٍ تنفع الإسلام لكان خيراً من هذا الزبد: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]
واكتشفنا أن الكفر ملةٌ واحدة، وأنهم أعداءٌ لنا جميعاً، وأنه يجب علينا أن نؤاخي من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأما الناس فمهما ناصروا فلمبادئهم ولمصالحهم والله أعلم، لكننا نحن لا بد أن نحمل الولاء، وأن نعرف أن هذه الأمة مقدسة، قدسها الله بالتوحيد الذي أنزله على رسوله ﵊، ثم علينا كذلك أن نعد أنفسنا للموت، وألا نخاف من شبح الموت، فنعد الطفل وهو صغير للأيام الحاسمة والساعات المهلكة، ونعلمه كيف يستقبل الموت برحابة صدر.
يقول أهل السير: كانت فاطمة أم علي بن أبي طالب وهو طفل وتقول:
بأبي وأمي حيدره كليث غاباتٍ كريه المنظره
وحيدرة الأسد، فكانوا يقولون وهو طفل: إذا سقط على الأرض ووقع على رأسه فإنه لا يبكي!!
ولكن تجد بعض الأطفال في الثانية عشرة لا يستطيع أن يخرج بعد صلاة العشاء من البيت، خوفاً من شبح الموت، فـ علي ﵁ يحضر المعارك دائماً ويقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غاباتٍ كريه المنظره
أكيلكم بالسيف كيل السندرة
وهذه هي التي عاشها أصحاب الرسول ﵊، وإنما نحن نعيش شبح الموت.
وقد شارك في ذلك بعض الوسائل فخوفونا من بعض الناس ورسموا له أنياباً وضروساً وعيوناً، حتى رأيناه في المنام، فخاف الأطفال والنساء والكلاب والقطط من هذا المخلوق وهو ضعيف لا يساوي شيئاً.
فعلينا أن نبني أنفسنا على ألا نخاف الموت وأن نعرف أننا أبناء الحروب، ورثناها كابراً عن كابر، وأن من أجدادنا خالداً، وسعداً وصلاح الدين وطارقاً.
стр. 7468
الموالاة والمعاداة من أجل الله فقط
ومن الدروس المستفادة أيضاً: أنه يجب أن تكون مواقفنا واحدة لا تتغير، نوالي من والى الله، ونعادي من عادى الله، وبذلك نرتاح ونريح أنفسنا وضمائرنا وعالمنا من التذبذب والتردد.
стр. 7469
الطغاة من حكام المسلمين يشوهون الإسلام
واكتشفنا كذلك: أن الغرب يفهمون عنا أن الإسلام هو إسلام أتاتورك وإسلام ابن بلا، وإسلام الخميني وصدام حسين، ولذلك الأمريكان والبريطانيون والفرنسيون أظنهم يحجمون عن دخول الإسلام بسبب هؤلاء الرموز، فهم يظنون الإسلام هؤلاء الأربعة وهم ما علموا أن الإسلام هو أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأحمد، وأبو حنيفة، ومالك، ونور الدين، وصلاح الدين، وعمر بن عبد العزيز:
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
ملكنا بأقطاب السماء عليكمُ لنا قمراه والنجوم الطوالعُ
أما هؤلاء فبراء من الإسلام، وهؤلاء شوهوا سمعته ووجهه وسيرته ولموعه، فالإسلام منهم بريء، وهم منه برآء، ويجب علينا أن نبرئ الإسلام من هؤلاء، وأن نخبرهم بإسلامنا ونقدمه واقعاً عملياً، لأننا نتكلم بالإسلام على المنابر، ولكن الإسلام في دنيا الواقع قليل من يطبقه ويعلنه، وقليل أن يخبر به الناس فيسمعون مبادئ ربانية وكتاباً خالداً، وسنةً مطهرة، وينظرون إلى أحوالنا فإذا نحن في وادٍ والإسلام في واد، فينكصون ويتركون الدين، ويعودون على أدبارهم مرتدين.
ثم أختم هذه المحاضرة بحمد الواحد الأحد، فأحمده على مسائل لا تعد ولا تحصى، منها: أنه كسرَ ظهر البعث، ولله الحمد، واللهِ لقد سرنا أن يمرغ وجهه بالتراب!
ما ربع ميَّة معموراً يطيف به غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب
لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخرابُ لها أعدى من الجربِ
رمى بكَ الله جنبيها فحطمها ولو رمى بكَ غير الله لم يصبِ
فلله الحمد، ففي الأمس انكسرَ ظهر الشيوعية في أفغانستان، واليوم ينكسر البعث في الكويت، فما أحسنه من خبر! وقد سرنا كثيراً، وبيض وجوهنا، وهذه نقولها بشماتة ونحن نشمت مثلما فعل بعض الصالحين، زاروا أحمد بن أبي دؤاد وهذا أحمد أهل البدعة، الذي كان سبباً في جلد الإمام أحمد بن حنبل، فدعا عليه الإمام أحمد فقال: اللهم عذبه في جسمه، فشلَّ نصفه وبقي نصفه حياً، فكان يتعذب ولا ينام الليل، قالوا: كيف تراك يا أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: أما النصف هذا فلو وقع عليه ذبابٌ فكأنما القيامة قامت، وأما نصفي هذا فلو قرض بالمقاريض ما أحسست به، فزاره بعض الصالحين من وجهاء السنة، وقالوا: يا أحمد بن أبي دؤاد! والله ما زرناك مسلمين ولا عائدين ولا داعين، ولكن شامتين.
فنحن نقول: الحمد لله الذي لطخ وجه البعث بالتراب، ونسأل الله أن يكسر ظهور البقية وأن يبقي هذا الدين، وإنني أتصور -بإذن الله- أن هذا هو فجر الإسلام، وهذا هو المستقبل لهذا الدين، أن ينفر عبابه البحار والمحيطات، ليعيد لنا أمجاد عقبة بن نافع، وصلاح الدين، وطارق:
رفيق صلاح الدين هل لك عودةٌ فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ
رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا
تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ
تناديك من شوقٍ مآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيب وخيبر
ويبكيك صفصاف الشام ووردها ويبكيك نخل الغوطتين وتدمر
فهذا مجدنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠] وإن شاء الله أنه مستقبلٌ خالد، وانتصارٌ ساحق، وغداً ينكسر ظهر اليهودية العالمية، والصليبية العالمية، وتبقى لا إله إلا الله في الأرض؛ لأن مصير الأرض للا إله إلا الله، والذي خلق الأرض هو الذي أنزل لا إله إلا الله، فاعلم أنه لا إله إلا الله، نسألك نصراً أكيداً، ومجداً مجيداً، وتوحيداً خالصاً، وعبادةً حقة.
اللهم اجمع شملنا، ووحد كلمتنا، وارفع رايتنا، ولمَّ شعثنا، وأخسئ عدونا، وكبد شيطاننا، وثقل ميزاننا، وفك ارتهاننا، يا أرحم الراحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7470
الأسئلة
стр. 7471
لا نرى عودة إلى الله من قبل الناس
ؤال: فضيلة الشيخ: نسمع من بعض المتعجلين أننا لم نرَ بعد تغيراً في سلوك الناس ورجعةً إلى دين الله، وقد فاتهم أن سنة التغيير لا تأتي بين عشيةٍ وضحاها، حبذا لو وجهتمونا وإياهم إلى الواجب على الجميع تجاه ذلك.
الجواب
الحمد لله:
أولاً: عمر الصحوة التي نعيش فيها قليل وقصير، وما لها إلا سنواتٍ معدودة، فأنت قبل سنوات لا تجد هذه الجموع، ولا هذه الوجوه الغالية، ولا هذه القلوب الحارة الصافية، ولا هذه الطلعات والسجدات.
ثانياً: البناء صعب والهدم سهل.
أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادم فكيف ببانٍ خلفه ألفُ هادمِ
فالبناء صعب، خاصةً في هذا العصر لأسباب منها: ضعف البُناة، والدعاة فيهم ضعف ما دام أن الرسول ﷺ أقوى البُناة، وأقوى من بنى، ومع ذلك استمر يعلم الناس ثلاث عشرة سنة؛ لا إله إلا الله، فكيف بنا وبأمثالنا من الدعاة الضعفاء، إذا ألقيت كلمة، تشيد فيها بلا إله إلا الله، ألقيت بعدك ألف أغنية ومسلسل، وألف مجلة خليعة وألف مقهى، وألف ليلةٍ حمراء:
أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادمٍ فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمِ
ثالثاً: أن في الناس خيراً، ومن سنن الله في الكون ألا يصلح الناس جميعاً: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢] ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:١٠٧] فمن حكمة الله أن يبقى الصراع: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١].
إذاً فالصراع لابد منه، وقضية أن يعيش المسجد بلا مقهى، وأن يعيش الصالح بلا طالح، وأن يعيش القرآن بلا قانون وضعي؛ غير ممكنة فهكذا الصراع، والدين هذا يعيش مع الصراع، والله أنزله ليصارع به الأديان الوضعية، والعاقبة للمتقين، ولو كانت تفض الساحة فارغة لفرغت للرسول ﵊، وسوف تسمعون غداً المعاناة التي عاشها في أهله وفي نفسه وقلبه، وفي سمعته وعرضه، وفي جيشه ومبادئه، وفي منبره وكتبه وفي سنته إلخ.
تلك المعاناة التي ما عاشها أحد من البشر أبداً.
إذاً فالناس فيهم خير والحمد لله، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: ﷺ ﴿من قال: هلك الناس فهو أهلكهم﴾ ضبطت عند الحفاظ كـ الخطيب البغدادي وغيره أهلَكُهم بالرفع، وأهلَكَهم بالنصب، فإن ضبطت بالرفع، فمعنى ذلك: أشدهم هلاكاً؛ لأنه معجب بنفسه، وإن ضبطت بالنصب، فمن باب المصدر معناه: أنه هو الذي أهلكهم بفعله هذا أو أنه فعل ماضي، فأهلكهم بفعله، لأنه كلما قال: هلك الناس؛ هلك الناس ووقعوا في الخطايا.
قال عثمان ﵁: [[ودت الزانية أن تزني بنات الناس، وودَّ السارق أن يسرق الناس]].
стр. 7472
التكاسل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السؤال
فضيلة الشيخ: كثيرٌ من الناس يرون منكراً ولا يغيرونه، وهذا يدل على عدم تنفيذ حديث رسول الله ﷺ : ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره﴾ فما هي نصيحتكم لهم، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
من أكثر ما منيت به الأمة الإسلامية موت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياتها، وميزة الأمة ومن خصائصها العظيمة التي تتميز بها بين الأمم، أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وعند ابن حبان من حديث أبي ذر مرفوعاً قال: ﴿أوصاني رسول الله ﷺ ، أن أقول الحق ولو كان مراً﴾ والحق مُر، قد يذهب بالرءوس، وقد يزهق النفوس، وقد يضايق في رزقه، وقد يضيق على العبد، ولكن قل الحق ولو كان مُراً، لكن في قالبٍ من اللين: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وقد عاشت الأمة إهمالاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتولت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم به فئة من الناس، والآخرون ينظرون كأنه ليس لهم سوقٌ وليس لهم مكانة ولا وزن ولا عليهم مسئولية فانهدت سمة الأمة وضاعت مبادئها، وتردى حالها والعياذ بالله.
وكيف نعود للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
أولاً: له آداب، من آدابه كما يقول شيخ الإسلام في المجلد الثامن والعشرين من الفتاوى: آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفصلة، وهي من أحسن ما كُتب، قال: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر بلا منكر، ويجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون بصيراً بما يأمر به وبصيراً بما ينهى عنه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
قال أهل التفسير: على بصيرة؟! أي: على علم.
وقيل: على إيمان، وقيل: على إخلاص، والظاهر -والله أعلم- أن على علم أحسن الكلمات.
إذاً يجب على الداعية أمور:
أولاً: أن يعلم ماذا يدعو إليه ويعلم المعروف ويعلم المنكر.
ثانياً: أن يكون عمله خالصاً لوجه الله ، لا يريد إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، وقصده من هذا الكلام والغضب والتغيير؛ أن تكون كلمة الله هي العليا، فإن بعض الناس يتشفى في المدعوين؛ لدخائل في نفسه فينهاهم ويأمرهم، ففي الظاهر أنه يريد إقامة الدين، وفي الباطن يريد أن يتشفى هو، فلا يجعل الله له قبولاً.
ثالثاً: أن يكون ليناً: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
دخل رجل على هارون الرشيد فقال: يا هارون! قال: نعم.
قال: اسمع مني كلاماً شديداً، قال: ولمَ الشديد! والله لا أسمع، والله لا أسمع، والله لا أسمع، أرسل الله من هو خيرٌ منك، لمن هو شرٌ مني فقال له: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
رابعاً: أن يتدرج الداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فيما يأمر به وينهى عنه، فإن بعض الناس يركز على صغار المسائل قبل كبارها، ويعطي المسألة أكبر من حجمها، بل البعض -مثلاً- يجعل من تربية اللحية، كأنها مسألة الساعة، وكأن الرسول ﷺ ما بعث إلا ليربى الناس لحاهم، فتجده يطيل المحاضرة والكلمات والخطب ويتكلم دائماً عن تربية اللحية وفضل تربية اللحية وما جاء في عقاب من حلق لحيته ويتباكى ويبكي، وهذا قد أعطاها أكبر من حجمها وأكثر من حقها:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى
فالمسألة لها حجمٌ يليق بها، ولإسبال الثوب حجمٌ يليق به، وللسواك، ولجلسة الاستراحة ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] وهذا منهج القرآن أن يأتي بالمسألة في حجم، وأختها في حجمٍ آخر، والرسول ﷺ كما في الصحيحين أرسل معاذاً فقال: ﴿ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله﴾ ثم تدرج بالمدعوين، إلى أن أوصلهم إلى آخر أركان الإسلام، أو كما قال ﵊.
وبقيت مسألة أختتم بها هذا الكلام، ربما يفهم من كلامي أني أهون من شأن بعض المسائل في الإسلام، وهذا خطأ.
وأنا أظن أن الصحيح هو الوسط، فلا إلى أقصى اليمين ولا إلى أقصى الميسرة، فبعض الناس يجعل من هذه القضايا قضايا كبرى في حياة الناس، فلا يتكلم إلا عن هذا، بل تجد أن بعضهم يذهب إلى أناس لا يصلون، فيأمرهم بتربية لحاهم وبتقصير ثيابهم وبخصال من السنة وهم لا يصلون، يقول ابن تيمية: إن الطبيب إذا اشتكى المريض من جسمه مرضين مختلفين داوى الأخطر.
فالسرطان قبل الزكام، وهذا أمرٌ معلومٌ عند العقلاء.
الأمر الثاني: أن بعض الناس يقولون: هذه قشور اللحى قشور والثياب قشور والسواك قشور نريد اللباب.
وهم القشور أنفسهم، فليس في الإسلام قشور بل كله لباب، ولكن تعطى المسألة حجمها والحمد لله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩].
стр. 7473
حكم مصاحبة العاصي
السؤال
لي صديقٌ أحبه في الله، لكنه يفعل بعض المعاصي، وقد نصحته مراراً فيقول لي: إني لا أفعل المعاصي، فما قولك -يا شيخ- فيَّ وفيه، وما لنا من توجيهٍ منك؟
الجواب
أولاً أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه، وأقول لكم كما قال ابن القيم ﵀:
أما والذي شق القلوب وأوجد الـ ـمحبة فيها حيث لا تتصرم
وحملها جهد المحبة وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألم
لأنتم على بعد الديار وقربها أحبتنا إن غبتمُ أو حضرتمُ
أما ما ذكر الأخ، فأنا لي معه ثلاث وقفات:
الوقفة الأولى: ما دام أن الله ثبته أو حفظه ، فعليه ألا يعجب بنفسه، ولا ينظر إلى العاصي هذا بنظرة احتقار، فإن هذه متلفة ومهلكة لهذا الداعية ويخشى عليه، وعليه خطرٌ كبير، وقد صح عنه ﵊: ﴿أن رجلاً من العباد من بني إسرائيل كان يمرٌ به فاسق فيقول: يا فلان! اتقِ الله - خف الله تُب إلى الله- قال: دعني وربي، أبعثت عليَّ رقيباً؟ فقال له مرةً ثانية: خف الله قال: دعني وربي، وفي الثالثة، قال: يا فلان! خف الله، قال: دعني وربي، قال: والله! لا يغفر الله لك، فقال سبحانه: من الذي يتألى عليَّ؟ -من الذي يحكم؟ من الذي يقبل ويرد؟ من الذي يعافي ويشافي؟ من الذي يتوب على من تاب؟ إنه الله، أتحلف وتغلق طريقاً فتحه الله وتقطع حبلاً أمده الله!! - من الذي يتألى عليّ؟ أشهدكم أني غفرت لهذا، وأحبطت عمل هذا﴾ فليستأنف العمل!!
فلا ننظر إليهم بازدراء للمعاصي؛ لأننا لا ندري ماذا يختم لنا ولهم، ولا ندري هل قبلت أعمالنا أم لا، ولا ندري ما مطويات نياتهم، ولو أننا نحكم بما ظهر.
الوقفة الثانية: أن عليك أن تدعوه بينك وبينه، ولا تفضحه ولا تخدش حياءه أمام الناس، يقول الشافعي:
تعمدني بنصحك في انفرادٍ وجنبني النصيحة في الجماعه
فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعه
فحاول ألا يشعر الناس أنك تنصحه، وحاول أن تهدي له النصح، في ثوبٍ من الستر.
الوقفة الثالثة: أنت ما بعثت عليه رقيباً، فلا تدخله بالقوة والجبروت والهرواة في الاستقامة: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] إنما أنت منذر.
ما عليك إلا البلاغ، فقدم له الهداية فإن قبلها فبها ونعمت، وإلا فالله المستعان! فالهادي هو الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦].
стр. 7474
ضرورة التعرف على صفات المنافقين
السؤال
نرجو من فضيلتكم تنبيه المسلمين للرجوع إلى الكتاب والسنة في التعرف على صفات المنافقين، الذين يمتطون مذاهب شتى، ويضللون الناس ليل نهار، حتى يفرق الناس بين الناصحين والخادعين؟
الجواب
العودة إلى الكتاب والسنة مطلب الجميع، وهي كلمة ثابتة، وهذه هي التي نتذاكر بها دائماً وهي تدخل في عموم قوله سبحانه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] فمن أعظم ركائز تقوى الله العودة إلى الكتاب والسنة.
ثانياً: لا بد للناس من صراع، ولابد للحق من أعداء، ولابد للناصحين من أنداد، وهذه سنة الله تعالى كما سلف، فلابد مع آدم من إبليس، ومع موسى من فرعون، ومع إبراهيم من نمرود، ومع محمد ﷺ من أبي جهل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان:٢٠] ويقول : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
стр. 7475
العلماء والأحداث
السؤال
أين هي كلمة العلماء -أهل الحل والعقد- وأين صوتهم في هذه المسألة وفي هذه الأزقة، لتعرف الأمة المخطئ من المصيب؟
الجواب
القضايا التي يشير إليها الأخ وقد فهمتها:
أولاً: نطالب علماءنا في البلاد؛ أن يقضوا بقضاءٍ يسألهم الله عليه يوم القيامة في هذه المسائل، أن يقولوا كلمتهم، فالأمة تتحرى ماذا يقول علماؤنا؟ فقد قالوا في مسائل أصغر منها، وقد قالوا في مسائل أبعد منها، فعليهم أن يقولوا كلمتهم، إما على هؤلاء أو هؤلاء؛ لأنهم أهل الذكر وأهل الحل والعقد: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
وهذا طلب باسمي وباسمكم أرفعه إلى كبار العلماء بأن يقولوا كلمتهم الصحيحة الواضحة في هذه المسألة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
ثالثاً: لابد في هذه المسائل، أن يكون أحد المتخاصمين والمتضادين مخطئاً، فإنه يستحيل أن يكون كلٌ منهم مصيباً؛ لأنه كلٌ يتكلم في طرف القضية، فلا بد أن نفهم من هو المخطئ؟ ومن هو المتجني على الأمة؟ ومن هو الذي يريد بالأمة محقاً وخسارة؟ ومن هو الذي يريد بالأمة مستقبلاً عقيماً؟ أو منهجاً ضالاً؟ لابد أن يكشف ويبين.
وهذا الذي عندي في هذا المسألة، مع العلم أني أسأل الله أن يرد ضال المسلمين، وأنا أعلم أنه ليس للدعاة مع غيرهم عداوات شخصية، فليس هناك جورٌ في قسمة ميراث بين الدعاة وبين غيرهم، وليس هناك ثروات ومناصب وممتلكات، ومتشاكسون فيما بينهم، لا.
بل هذا من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله:
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألمُ
стр. 7476
معنى المائلات المميلات
السؤال
ورد في الحديث المائلات والمميلات، فالرجاء منكم الإيضاح من هن المائلات والمميلات، وما المقصود بهذا، هل هو المتشبه في ربطة الشعر أم غير ذلك؛ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذا الحديث كما تعلمون في صحيح مسلم، وقد أخطأ ابن الجوزي ﵀ خطأً بيناً، حيث أخذ هذا الحديث ووضعه في الموضوعات، ولامه أهل العلم، بل هو صحيح كالشمس، ولأهل العلم كلام في معنى المائلات المميلات، ولكن الذي يظهر والله أعلم أن من أقرب المعاني أن المائلات: النساء اللواتي يملن رءوسهن فتنةً ودلالاً وإغراءً لقلوب الرجال وإظهاراً للفتنة، ومميلات لغيرهن أو لقلوب الرجال، هذا الذي يظهر من المعاني، مميلات بأنفسهن مائلات لقلوب الناس إليهن، وهذا مصدر الفتنة، فإن أول الحديث يشرح آخره.
وهذا وجد في هذا العصر، فإنه وجد التشبه بالكافرات في صف النساء: تلفيف الشعر وتكويمه على الرأس كأنه أسنمة البخت.
والإمالة في المشية، وهذا ما يسمى مشي الكعاب، ومشي التبختر، ومشي التبجح، ومشي العهر -والعياذ بالله- وإمالة قلوب الرجال، كل مفتونٍ وفاسق، وقد تم هذا وحدث وهو من علامات الساعة، وقد نظمها بعض أهل العلم في بعض المنظومات، وأما المعاني الأخرى، فيكفينا من هذا المشهور حتى يحفظ.
стр. 7477
أدعية في السجود، وقضايا الإيمان
السؤال
ما هو أفضل ما يدعو به الإنسان في السجود في منتصف الليل؟ وبعضنا يقول: والله، فهل هذا حلف أم لا؟ وفي بعض الحالات تحلف الأم على ابنها بقولها: والله العظيم، فهل هذا حلف يجب تنفيذه من الأم على ابنها، وتقول: أقسم بالله -مثلاً- فهل هذا من أنواع الحلف؟ وهل يجب فيه عند الحنث التكفير، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
أما أفضل الدعوات التي يدعى بها الله في السجود وغيره، فهو ما علمنا به معلم الخير ﵊ من الكلمات الجوامع التي كان يدعو بها ويترك ما سواها، ومن أعظمها وقد نص عليها أنس في الحديث الصحيح: ﴿كان الرسول ﷺ يدعو بهذا الدعاء كثيراً، ويعلمه أصحابه: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ والدعاء الذي في مسند أحمد من حديث العباس بن عبد المطلب أن الرسول ﵊ علمه أن يقول: ﴿اللهم إني أسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة﴾ فالعفو والعافية من أحسن ما يسأل، ومثل ما صح عنه ﵊، أنه كان يقول في السجود: ﴿اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلبي إلى طاعتك﴾ أو كما قال ﵊.
فهذه الدعوات من أجمل ما يكون وهي أربع جمل أو خمس، ويدعو الإنسان بما أعجبه إذا كان دعاء شرعياً لا إثم فيه ولا قطع رحم ولا تعدٍ وإساءة.
أما قول السائلة، أنها تقول: والله فإن كان قصدها القسم والمنع من شيء أو الحث عليه، فهذا يرجع إلى نيتها وعليها إذا لم تفعل ذلك الكفارة فقد حنثت، وأما إن كان قصدها لغو يمين، لا والله وبلى والله، في معرض كلامها وما قصدت شيئاً أن تحضره، ولا شيئاً أن تحرضه أو تمنعه فهذا كما فسرت عائشة اللغو وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو لغو يمين وليس عليه كفارة.
وأما أقسم بالله فهو يمين، وكثير من العلماء يرى في هذه الجمل مثل: يعلم الله أنه يمين، وأنه من أغلظ الإيمان، لأنه نسب علماً إلى الله ، وهو في نفسه مفترٍ على الله لأنه تقول على الله بما لا علم له، ثم إن هناك جملاً تجدونها منتشرة بين الناس، ولو أن كبار العلماء قد بينوا هذه المسائل، مثل: الطلاق، إذا قصد به اليمين، ولا يقصد به تطليق الزوجة فقد أفتى شيخ الإسلام وابن القيم، والشوكاني، وابن عبد البر وغيرهم كثير أن فيه كفارة مثل: الحرام الذي يمنع به أو يحنث به ففيه كفارة، إلى غير ذلك.
стр. 7478
حكم اقتناء التلفاز
السؤال
يوجد لدي تلفزيون ومحافظ عليه المحافظة التامة من أن يشاهد فيه تمثيليات أو يسمع فيه أغاني، إنما أسمع فيه الأخبار وبعض الأحيان يشاهد الأطفال أفلاماً كرتونية، فهل هذا حرام؟ وهل هذه الأفلام مضرة على الأطفال أم لا.
أفدني جزاك الله خير الجزاء؟
الجواب
أولاً: أشكرك على محافظتك المحافظة الطيبة على هذا الجهاز، ونسأل الله أن يحفظك قائماً وقاعداً على جنبك.
الثاني: هذا الجهاز مركب من أدوات وحديد وخشب وأجهزة، ولا يحكم على هذه الأمور، إنما يحكم على ما يعرض فيه، ولكنه لما كثر ما فيه مما لا يحمد، ومما يسيء كالأغاني التي أفسدت: ﴿فما أسكر كثيره فقليله حرام﴾ والمسلسلات المهدمة، والتمثيليات الغير هادفة، وهذه مما جرب أنها تهدم الأخلاق والمعتقد وأنها تفسد البيوت وخيره قليل بل نادر، فأنا أنصحك بالابتعاد عنه من باب النصيحة؛ لأني أرى أنه مضيعة للوقت، إلا أن يوجه توجيهاً سليماً، ويكون فيه ندوات مفيدة، ومحاضرات قيمة، ويعرض فيه التوحيد الخالص الذي بعث به محمد ﷺ ، والعلم النافع، وحلقات العلم، ويعرض فيه برامج تنفع الأمة في دينها ودنياها، فذاك الوقت فيه كلام إن شاء الله، لكن هذا ما تبرأ به الذمة.
стр. 7479
مشكلة القسوة في القلوب وحكم ركوب المرأة مع السائق
السؤال
أنا أشكو من قسوةٍ في قلبي فبماذا تنصحني؟
وما حكم الركوب مع السائق في داخل المدينة، ومعنا طفلٌ لما يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، أفيدونا وجزاكم الله خير؟
الجواب
أما دواء القسوة، فقد ذكر في كتبٍ كثيرة، ومن أحسن من ذكرها صاحب مدارج السالكين ﵀، فمما يعالج به من قسوة القلب: الاستغفار والتوبة من الخطايا التي تقسي القلب، والإقلال من المباحات، وزيارة القبور، وتذكر الموت، والجلوس مع الصالحين، وتدبر كتاب الله ، وكثرة الذكر من تهليلٍ وتكبيرٍ وتحميد، والصيام، فإنه يخلي المعدة ويخلي القلب للتفكر، فهو من أحسن ما يكون، ثم توفيق أرحم الراحمين، والجلوس في السحر في الثلث الأخير لمسائلة الله ، في وقت الإجابة، فعسى الله ، أن يلين قلوبنا وقلوبكم لذكره.
أما ما ذكرت من مسألة الركوب مع السائق، فإذا كان معها طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، فإن كان فوق العاشرة وهو عاقل مميز، فأرى أنه أصبح محرماً ولها أن تركب مع وجود مثل هذا؛ لأن في الخامسة عشرة ونحوه ليس بطفل، بل قد أصبح فتىً وشاباً، ومثله محرم والحمد لله، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، وفي البخاري: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ وهنا ما حصلت الخلوة والحمد لله.
стр. 7480
قضية مهمة في الولاء والبراء
السؤال
أيها الشيخ الحبيب إلى القلوب! أنا من إحدى الدول العربية المقيمين هنا، ونحن نحب الشعب السعودي، ونحب هذا البلد -بلد التوحيد- ولكن نتعرض للغمز واللمز والإساءة -أحياناً- من بعض الناس، وذلك لمواقف دولنا السياسية، فيا حبذا لو كلمةً توجيهية لإخواننا هؤلاء؟
الجواب
أيها الإخوة الكرام: هذه مسألة خطيرة، ويجب التنبيه عليها، ويجب بيانها للناس؛ لأنه وقع كثيرٌ من الناس في ذنوبٍ عظيمة بسبب بعض تصرفاتهم الغير مسئولة، ماذا يربطنا بالناس؟ ما هي علاقتنا بهم؟ ما هي الأواصر التي جمعتنا بالشعوب؟ هي لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
أتى محمدٌ ﵊ ونحن شذر مذر، شعوباً وقبائل، فجمع صهيباً الرومي إلى سلمان الفارسي إلى بلال الحبشي إلى أبي بكر القرشي، فجعلهم تحت مظلة لا إله إلا الله، من الذي أتى بـ سلمان من أرض فارس، ولسان حاله يقول: ﴿سلمان منَّا آل البيت﴾ وترك أبا جهل وأبا لهب يدخلون النار؟
إذاً فالقرابة لا تقرب، والبعد لا يبعد إذا اقتربت القلوب من لا إله إلا الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣].
أولاً: الذي يجمعنا بهذه الشعوب هي العقيدة الإسلامية، فمن حملها وأجاد حملها، فهو أخونا وحبيبنا ولا ننظر إلى أيّ مواقفٍ أخرى، فإن علاقتنا بهم هي علاقة هذا الدين، نكرمهم ونحييهم ونستقبلهم ونقوم معهم، وإن انصرفوا عن منهج الله وعن هذه العقيدة انصرفنا عنهم وهجرناهم وأبغضناهم، فموقفنا مع الإسلام أينما دار الإسلام درنا.
ثانياً: المسيء يقال له: أسأت، والمحسن يقال له: أحسنت، ولا يعمم على الناس، وإن من أعظم الفرية أن تحمل القبيلة ذنب شاعر أو ذنب قائل، فيحمل الناس أخطاء بعض الناس: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء:١٥] في الناس صالحون وفي الناس طالحون، فالصالح نحييه ونقول: أحسنت، والطالح نبغضه ونقول: أسأت.
ثالثاً: ليس بيننا حدود جغرافية ولا أقاليم:
وأينما ذكر اسم الله في بلدٍ عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
وهذه هي مملكة محمد ﵊، كان المسلم ينادي الله أكبر في بغداد، فيجيبهم من كابل وطنجة، وقرطبة، والسند، وصنعاء، والرياض، ومكة، فالمملكة مملكة محمد ﵊، كتب على علمها لا إله إلا الله، ووثيقتها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
فلا دماء، ولا أعراف، ولا لغات، ولا ألوان، وإنما هذا هو الدين:
إن كِيْد مطِّرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالدِ
أو يختلف ماءُ الغمام فماؤنا عذبٌ تحدر من غمامٍ واحدِ
أو يفترق نسبٌ يؤلف بيننا دينٌ أقمناه مقام الوالدِ
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].
ونسأل الله أن يكتب النصر لأوليائه وأن يرفع كلمته وأن يُؤيد دينه.
وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7481
وجهاً لوجه
لقاء أجراه الدكتور عبد الرحمن العشماوي مع فضيلة الشيخ عائض بن عبد الله القرني بعد فترة إيقاف الشيخ, تناول فيها مجموعة كبيرة من القضايا في أكثر من ثلاثين سؤالاً كان من أهمها: (حكم دخول المجالس النيابية -أهم أعمال الشيخ في فترة إيقافه- مشروعات الشيخ القادمة) إضافة إلى مجموعة من القضايا الخاصة بفقه المرحلة والقضايا التربوية وقضايا دعوية أخرى.
كما تطرق إلى أسباب تقصير أهل السنة في دعوتهم، وقضايا اجتماعية كظاهرة العنوسة، واسترسل الشيخ في قضية الجهاد, وما هو فقه المرحلة فيه متمثلاً في الجهاد الأفغاني والبوسنة والهرسك والصومال, وختم هذا اللقاء برأي الشيخ في بعض الشخصيات إلى آخر ما ذكر في ثنايا هذه المادة.
стр. 7482
تحية وترحيب بالشيخ عائض
العشماوي:
الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسال الله أن يوفقنا جميعاً إلى كل خير، وأن يرزقنا جميعاً الإخلاص في القول والعمل، إنه سميع مجيب.
أيها الأحبة: إن طريق الدعوة إلى الله طويل، وإن الأمة الإسلامية على مدى تاريخها العريق تنتج لنا في كل عصر دعاة إلى الله، يحسنون التعامل مع الكلمة الطيبة التي صورها لنا القرآن الكريم التصوير الذي نعرفه جميعاً، وشبهها لنا بتلك الشجرة العريقة التي تسافر جذورها وجذوعها في الأرض، وتشمخ أغصانها في السماء.
وقد كنا نقرأ عن بعض وعاظ المسلمين في تاريخنا، كـ ابن الجوزي رحمه الله تعالى، ونستغرب أحياناً ما يقال من كثرة من يحضر مجالس وعظهم، حتى إذا هيأ الله لنا في هذا الزمن عدداً من الإخوة الكرام، من شيوخ الشباب ووعاظهم الذين فتح الله تعالى عليهم، فأحسنوا التعامل مع الكلمة، وأحسنوا توظفيها في طريق الدعوة؛ فرأينا مجالس وعظهم ودعوتهم ودروسهم تضج وتعج بآلاف المستمعين المتابعين والمتعطشين؛ أدركنا أن ما روى لنا التاريخ عن مجالس ابن الجوزي ليس غريباً ولا عجيباً.
ونحن في هذا اللقاء الطيب الذي نرجو أن ينفعنا الله به جميعاً، وأن يجعل مجلسنا من مجالس الذكر التي تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة.
نحن في هذا اللقاء المبارك نلتقي مع داعية مبارك من دعاة عصرنا، مع شاب شيخ, فهو شاب لأن سني عمره تقول لنا ذلك، وشيخ لأن ما تلقاه من العلم وما بذله في سبيل الدعوة يؤهله أن يحمل هذا اللقب، وأنتم تعلمون أن لقب الشيخ في هذا الزمن قد اتخذ معنىً آخر غير المعنى الذي كان يقصد به من قبل، ولعل شيخنا وداعيتنا وأخانا الكريم، الشيخ عائض بن عبد الله القرني يعذرنا عندما نطلق عليه هذا اللقب، فهو ليس من باب قول الشاعر:
زعمتني شيخاً ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا
نرحب في بداية هذا اللقاء بـ أبي عبد الله ونقول: أهلاً وسهلاً بك يا شيخ عائض!
القرني: حياك الله وبياك، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية.
стр. 7483
تقديم وتعريف بالشيخ عائض
العشماوي:
أخي الكريم: تعود الناس في مثل هذه اللقاءات على سؤال تقليدي معروف؛ ألا وهو أن يقدم من نلتقي به نفسه لإخوانه، وكان من المفروض أن نقدمك نحن، لكن نرجو أن تقدم أنت نفسك جزاك الله خيراً؟
القرني:
في البداية: أحمد المولى ﵎ على أن جمعنا في هذا المكان الطيب العطر بوجودكم، وأسأله وهو رب جبريل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، وهو الذي يحكم بين عباده أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه, إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وأشكر تسجيلات السرة بـ الكويت على إجراء هذا اللقاء، علَّ الله أن ينفع به، وأن يجعله في ميزان الحسنات، ثم أشكر فضيلة الدكتور والأديب الشاعر عبد الرحمن بن صالح العشماوي على أن التقى بي وأسمع إخوانه وأحبابه صوته من خلال هذا اللقاء.
وتقديم النفس وارد شرعاً ومطلوب عقلاً وممنوح طبعاً، وقد قدم الله نفسه للعالمين، كما قال أحد الفضلاء في قوله لموسى في أول لقاء ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤].
وكان ﵊ يقدم الوفود بأسمائهم، وعند الترمذي بسند فيه نظر: ﴿إذا عرف أحدكم أخاه فليسأله عن اسمه وعن نسبه، فإنه أصل المودة﴾ وعند مسلم يقول النبي ﷺ : ﴿من القوم؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى﴾ وكما في شريف أدبكم يقول العزي:
أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب
فلا بد من تقديم ولو أنه مكرر، ولكن لعل أن يكون فيه شيء من الفائدة:
أخوكم في الله: عائض بن عبد الله القرني، من مواليد عام (١٣٧٩هـ) في بلادي بالقرن، ودرست في الابتدائية بمدرسة آل سليمان، ثم المعهد العلمي بـ الرياض وأبها، ثم كلية أصول الدين، ثم حضرت الماجستير في البدعة وأثرها في الدراية والرواية بجامعة الإمام، وها أنا على مشارف إنهائي -إن شاء الله- لرسالة الدكتوراه، والتي هي تحقيق لكتاب المفهم بشرح صحيح مسلم للقرطبي.
стр. 7484
رسالة الماجستير
السؤال
نحن نرحب بك، وأنا متأكد أن الإخوة جميعاًَ يرحبون بك، ويعلنون فرحتهم بهذا اللقاء.
فضيلة الشيخ: نريد قبل أن نبدأ في النقاط الأخرى أن نسأل عن رسالة الماجستير: هل طبعت في كتاب أم لم تطبع؟
الجواب
نعم.
طبعت رسالتي للماجستير في كتاب، وقام بطبعها دار الطرفين بـ الطائف ضمن مجموعة، وخرج منها الجزء الأول، وهي الآن في متناول الأيدي.
وحاولنا أن نأخذ منها ما يصلح للمتخصصين فانتقيناه وجمعناه في جزء واحد.
стр. 7485
أعمال الشيخ عائض في فترة إيقافه
السؤال
الشيخ عائض القرني! يعلم الإخوة أنك في هذه الفترة قد توقفت عن مزاولة نشاطك في التدريس والوعظ وأيضاً العمل في الجامعة، وهناك سؤال يطرأ على البال: فترة الإيقاف يبدو أنها ليست فترة عقيماً، بل ربما تكون فترة خصبة، فهل استفدتم من هذه الفترة جزاكم الله خيراً؟
الجواب
لعله من المفيد أن يطالع العبد بعينين، بعين إلى القضاء والقدر، وعين إلى الأسباب المعلومة، فيعلم أن ما قضاه الله وقدره، وهو الخير كل الخير للعبد، سواء كرهه أو أحبه، والله يقرر ذلك ويقول: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] وعند أحمد في المسند عنه ﵊ أنه قال: ﴿والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للعبد قضاءً إلا كان خيراً له﴾ قيل لـ ابن تيمية: حتى في المعصية؟ قال: نعم.
بشرطه من الانكسار والندم والتوبة والاستغفار، فالمقصود: أن العبد لا يكره من أمر الله شيئاً، ورب ضارة نافعة.
والنظر الآخر إلى الأسباب، فإنه كما يقول الغربيون في مثلهم: اجعل من الليمون شراباً حلواً, فإن أهل الإسلام يقولون: ليس الذكي الفطن الذي يزيد من مكاسبه أو مرابحه، ولكن الذكي الفطن الذي يحول الخسائر إلى أرباح وهذا يعلمه المسلم من حياته، فإنه ليس هناك أبواب مغلقة إذا كان باب الله مفتوحاً، وليس هناك حبال مصرمة إذا كان حبل الله ممدوداً، فالمجال واسع أمام الداعية مهما أوقف من بعض المجالات، أو أغلق أمامه بعض الأبواب، لأن عدد الطرق إلى الله كعدد الأنفاس، من الكلمة، أو اللقاء، أو التأليف، أو اتصال القلب بالله ، أو تجديد التوبة، أو العمل الصالح، أو اصطفاء الأخوة، أو المجالس المصغرة، أو الكلمات والقصائد، أو غير ذلك، وهي أسباب كثيرة يعلمها من ينهج هذا المنهج.
فلعل من حلم الله ورحمته أن يقدر على العباد أقداراً هي في صالحهم، وأُدرك من الأسرار أن اختيار الله للعباد أحسن من اختيار العباد لأنفسهم، فمثلاً: عن تجربتي الشخصية الضيقة القليلة؛ وجدت أن في هذا خيراً كثيراً، فمن ذلك: العودة إلى التأمل والتدبر والتفكر، ومدارسة ما سبق إن كان هناك أخطاء في الطرح، والتزود في العلم, فإنا لا زلنا -كما تفضلتم في اللقاء- في مقتبل العمر، وهذا يحتاج إلى طلب، وكثرة نصوص، ورحابة في المعرفة.
ومنها: أن يسلم الإنسان لقضاء الله وقدره، فيذعن وينال درجة العبودية في الاستسلام لقضاء الله .
ومنها: أن يتأمل إخوانه من الدعاة والوعاظ فيجلس مستمعاً بعد أن كان متكلماً، ومنصتاً بعد أن كان متحدثاً.
ومنها: أن يراجع ما كتب وما قرأ بالتمحيص والتشذيب والتهذيب.
وأما عن هذه الفترة فقد رأيت فيها مكاسب، منها: ما قد سبق ذكره.
ومنها: أن هناك ما أنجز كرسالة الدكتوراه والحمد لله، فقد أشرفت على الانتهاء منها، ولو لم يكن هذا الإيقاف لأخذت الرسالة عمراً مديداً طويلاً يبلغ الأربع السنوات.
ومنها: خطب الجمعة المسك والعنبر، وقد انتهيت من مجلدين اثنين بتصحيح وتنقيح أرضاه والحمد لله، ولو أنه في عمل العبد قصور.
ومنها: ديوان قدم له الدكتور عبد الرحمن بعنوان (أبو ذر في القرن الخامس عشر).
ومنها: ثمان رسائل منها: الترياق والأشواق، وإعادة البناء، وفن الخطابة، وأمراض الوعاظ وغير ذلك من الرسائل.
ثم كان في قراءة متسعة في كثير من الكتب، خاصة مع وجودي في الرياض، فإني أدركت أن هذا البلد رحب, وأكثر معرفة وثقافة, وأنه رافد من مرافد الخير، وقد أدركت ذلك لما طالعت فيه كثيراً من المكتبات، ورأيت كثيراً من العناوين, وأدخلت كثيراً من الكتب، فرأيت كل المصلحة فيما حدث، وما على العبد إلا أن يذعن ويسلم، ولله الخيرة ولرسوله وليس للناس.
стр. 7486
أسباب اختيار الرياض موطناً بعد الإيقاف
السؤال
جزاك الله خيراً وبارك الله فيك؛ وقد أتيت على مجموعة من الأسئلة التي كنا نريد أن نوجهها إليك حول هذا الموضوع، وهذا من فضل الله على الإنسان أن يحسن اغتنام فرص وقته، ونسأل الله أن ينفعك وينفع بك، وأن يزيدك فضلاً وعلماً إنه على ذلك قدير.
من رياحين الجبال الخضراء إلى خزامى الصحراء انتقل الشيخ عائض بعد الإيقاف، فيطرأ سؤال أحياناً على ذهن المتأمل والمتابع لك لماذا اختار الشيخ الرياض بدلاً من أبها في هذه الفترة؟
الجواب
على كل حال يمكن أن أجيب بمقطع بيت:
ما زال الهوى نجداً وإن زار الحجاز وأتهما
وإذا عوقب العبد -أحياناً- بحرارة تهامة، أو بصلافة الجبال؛ فإنه ينتقل إلى الصحراء حيث الرحب والخزامى والأفخوان والهواء والنسيم العليل.
والحقيقة أن هناك أسباباً منها:
أولاً: أن أهل الرياض أو من يسكن نجداً عموماً لهم في قلبي منزلة خاصة، فهم أهل وعي قديم، وتوحيد أصيل، وغيرة واتجاه إلى الله وهذا بحد ذاته قاسم مشترك بيننا وبينهم.
ثانياً: أن هذا البلد فيه من العلماء والأساتذة الفضلاء والمفكرين والأدباء ما يمكن أن يجعلها الإنسان فرصة في أن يتحدث وأن يزور ويزار، ويلتقي بهذه العقول النيرة، فيكتسب إلى عمره أعماراً، وإلى عقله عقولاً.
ثالثاً: وجود الجامعة، حيث أن لي بها صلة بسبب الرسالة، ثم المكتبات العامة الرافدة، ثم الدروس العلمية المتخصصة، كدرس أحضره في مسند أحمد عند سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وبعض الدروس الفقهية التي أحضرها لبعض العلماء من هذا ومن غيره أحببت أن أقيم في الرياض حيث أني أرى أن أكبر منطقة أو مدينة يظهر فيها الوعي والدعوة والصحوة هي الرياض فحسب.
والحقيقة دائماً أن المدن الكبيرة التي يقطن فيها العلماء تحظى بعناية كبيرة.
стр. 7487
معاني أبها عند الشيخ
السؤال
ولكننا نظل نسألك لأنك تجمع إلى كل ما ذكرنا صفة الشاعرية، والعاطفة الجياشة، وهنالك بيت شعر يقول:
يعز على الإنسان مسقط رأسه ولو كان قسراً لا يرد به قدى
من هذا المنطلق: ماذا تعني مدينة أبها بالنسبة لـ أبي عبد الله؟
الجواب
على كل حال في أبها، أو في الجنوب خاصة مراتع الصبى، وملاعب الطفولة، وميادين الشباب، ولا يمكن أن يفارقها الإنسان أو يمحوها من ذاكرته؛ لأن هذا صعب، وسوف يعيش هذا في مخيلته ما دام يشعر بالحياة ويمشي على الأرض، ولها شيء خاص في الذهن؛ فإن هناك والدي وإخوتي وبقية الأهل والعشيرة، وأنا أتوق إليها بين زمن وآخر.
والحقيقة أني أحب الأدب؛ ولذلك فإنني لما مررت ببعض الأحداث الصغيرة التي هي عندي قد تكون كبيرة، لكن على كل حال سمعت منكم وأنتم تقولون:
قالوا قدمت إلى الرياض فمرحباً أهلاً وبورك منك ذاك المقدما
ثم قلتم:
ما زال الهوى نجداً وإن زار الحجاز وأتهما
وسمعت شاعراً آخر من تلك الجبال وهو يلاطفكم القول:
ولكن في السراة لكم حمى
فالحقيقة أنه في السراة هناك أشجان، ودموع لا تمحى وذكريات لا تنسى، ولكن على كل حال الزيارة واردة، وأنا لست بالجافي إن شاء الله.
стр. 7488
من ديوان الطموح
السؤال
من ضمن ما ذكرت نظمك الشعر في هذه الفترة، فهل هنالك شيء منه؟
الجواب
كتبت ما يقارب خمس أو ست قصائد، بعضها أرضى عنه بذوقي، وبعضها قد يلاحظ عليها، منها قصيدة بعنوان: ولنا ألف شاهد وهي من آخر ما كتبت، وهي موجودة في الديوان الذي سيصدر قريباً إن شاء الله، منها:
العيون المراض بعض العذاب وسكار الهوى رصيف الرضاب
وعيون من الجوى رانيات وجفون من الهوى كالجواب
مهج في الغرام تقتل عمداً من لحاظ سهامها في صواب
همم الحق تنطح العزم نطحاً من يقين لا ناطحات سحاب
إلى آخر ما قلت.
стр. 7489
فكرة مبسطة عن كتاب (أمراض الوعاظ)
السؤال
فضيلة الشيخ! هنالك رسالة لكم بعنوان: أمراض الوعاظ، ويبدو أنها لم تطبع بعد، فهل لكم أن تعطونا فكرة عن هذه الرسالة؟
الجواب
هذه الرسالة أكملت، وهي في ما يقارب خمسين صفحة، واستفدتها من التجربة والاستقراء والصبر، لأنني عشت فترة غير واعظ، ومكثت برهة من الزمن غير متحدث، فرصدت وأخذت أراقب عن كثب ما يقوله إخواني وزملائي من الوعاظ؛ فأدركت بعض الملاحظات الكبيرة التي قد تصل إلى أربعين أو واحد وأربعين ملاحظة، واختصرت بعض الأشياء، والحقيقة أن الذي يتكلم ويباشر ويتحدث إلى الناس قد لا يدرك الخطأ الذي يقع فيه، ولكن المتفرج والمراقب يدرك من الأشياء والنقد والعوار -أحياناً- ما يحتاج إلى أن يبثه إلى إخوانه.
وأنا لست في مكان المستعلي على إخوانه وزملائه، لكني -إن شاء الله- في مكان الناصح المسدد الذي يعرض المسألة بدون ذكر أسماء، وقد أدركت -مثلاً- أن كثيراً من الوعاظ عنده شهية في الحديث والكلام، فهو يريد أن يتكلم بأي شيء، وقلبه ينازعه بأن يتحدث بكل مسألة، وفي كل مكان ومجلس، وهذا عيب يحتاج إلى أن يسدد ويصفى؛ لأن السلف كانوا يكرهون كثرة الكلام، وكانوا يتخولون الناس بالموعظة.
وأدركت أن بعضهم يلقي الكلام على عواهنه، دون تحضير مسبق، ويدعي أن الله سوف يفتح عليه، ويبدأ في الكلام، ثم يجمع كشكولاً أو قاموساً من الأحاديث والموضوعات دون رتابة، وهذا إلغاء وعدم احترام لعقول الجمهور.
أيضاً: الأحاديث الموضوعة يتساهل كثير من الوعاظ فيها، حتى أني كنت أسمع في مجلس رجلاً يعظ الناس في حديث علقمة وحديث ثعلبة، وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان، ولا توجد في كتب أهل العلم، ويترك الصحيحين والمسانيد والمعاجم.
ومنها أيضاً: العلو الذي يقع فيه بعض الناس، وهو استعلاء وإسقاط للآخرين، فيقول: كنت وقلت وكتبت ورأيت ولي كتاب في ذلك وسبق أن تحدثت ولي ردود وهذه ترجمة للنفس، والحقيقة أن هناك ملاحظات كثيرة، لكن أقول: لعل من الجدير أخي الواعظ أن تقرأ هذا الكتاب حتى تعلم، وقد قرأه بعض الفضلاء ووصلتني منهم بعض الملاحظات؛ علها أن تكون مفيدة، فإن كان فيها سداد فمن الواحد الأحد، وإن كان فيها خطأ فمن نفسي والشيطان, والله بريء من ذلك، ورسوله معصوم, والرسالة تحت الطبع إن شاء الله.
العشماوي: ومثل هذ أرى أنه من النقد الذاتي المطلوب، وهو خطوة طيبة جداً، ونحن بحاجة إلى أن ننقد خطواتنا، فحبذا لو نزل الكتاب حتى ولو كان فيه بعض الأخطاء، أو بعض التجاوز، والإنسان من طبعه النقص, ونتمنى أن نجدها مطبوعة إن شاء الله قريباً.
стр. 7490
آخر محاضرة للشيخ
السؤال
ما آخر الأشرطة التي سجلت لكم؟
الجواب سجل شريط بعنوان: (هموم داعية) سجلته تسجيلات الشرقية ونزل إلى الأسواق، وهناك (أمراض الوعاظ) وهو نفس الكتاب ملخص في شريط سجل بتسجيلات في الرياض.
стр. 7491
مشروعات الشيخ
السؤال
هل هنالك في الذهن مشروعات دعوية؟
الجواب
في الذهن أشياء، ولكن كما يقولون: العين بصيرة واليد قصيرة ولكنه لا يزال العبد في خير ما دامت همته تحدوه، وكان عنده طموح, سواء حصل هذا أو لم يحصل وكما قال الإمام أحمد لابنه عبد الله: انوِ الخير وإن لم تفعله، وفي حديث يحسنه كثير من العلماء: ﴿نية المرء خير من عمله﴾ فهناك أشياء منها: جمع شرح للمسند، وهي في أشرطة سبق أن شرحت في أبها وهي ما يقارب مائة وثلاثة أشرطة، والآن هي في أربعة مجلدات في دار في الرياض، تهذب وتنقى وتصفى لتخرج.
ومنها: شرح لـ مختصر البخاري للزبيدي، أقوم به في البيت، وفكرت مع بعض الإخوة من طلبة الحديث أن نقوم بتلخيص واختصار مفيد ومحقق لـ فتح الباري، وقد بُدئ في ذلك خطوات، لأني أرى أن فتح الباري كتاب لا تستغني عنه المكتبة، وهو يحتاج إلى شيء من التقريب؛ لأن العصر عصر معقد، وهو عصر سرعة يحتاج إلى أن يكون في متناول اليد.
ومنها: بعض الأمور الخاصة التي قد تكون شبه ذاتية، كمراجعة بعض المتون، وحفظها عند بعض المشايخ، وحفظ بعض الأحاديث بكثرة، وحفظ القصائد المختارة في الحماسة لـ أبي تمام , وبعض الكتيبات, أو أختار شيئاً من ذلك حتى ينمي الإنسان ذاكرته.
стр. 7492
الموقف الشرعي من الفرقة والشقاق
أبا عبد الله! اعذرنا، فنحن سنتنقل في الأسئلة في موضوعات مختلفة الحقيقة أن المراقب للساحة يجد بلا شك فرقة وشقاقاً بين بعض الدعاة، أو بين كثير، يتمثل هذا الشقاق في الردود والنقد الموجه من بعضهم لبعض، وأنت تعلم أن قضية النقد مطلوبة، لكن النية في هذا النقد، أو طريقة طرح النقد هي المسألة التي قد يختلف عليها خاصة أنه يتعلق بشريحة عريضة من الشباب وعامة الناس فما الموقف الشرعي للمسلم أمام هذا الأمر؟
الجواب
على كل حال! الخلاف وارد، والاختلاف مذموم، والله قد ذكر الخلاف وأقره، وأقره الرسول ﷺ , والناس يحصل بينهم خلاف لاختلاف طبائعهم ومشاربهم, وفهومهم وأذواقهم، وما يتطلعون إليه لكن الاختلاف مذموم؛ لأن فيه فرقة وشقاقاً، وضعفاً للأمة، فالذي نشكوه نحن هو الاختلاف؛ وأن تكون النية الحادية للمخالف أو للمعترض أو للراد لغير وجه الله ، أو لا يريد الإصلاح، وإنما يريد بها التشفي، خاصة أن السلف الصالح حذروا من الأقران، ومن داء المعاصرة، ومن الحسد الذي وقعت فيه الأمم، فرأينا وشممنا أن بعض الناس يريد بنقده إسقاط الآخرين؛ لأنه -أحياناً- يتعرض لذنوبهم الشخصية، وعيوبهم وصفاتهم التي لا تعلق لها بالمسألة، ولا تعلق لها بالقضايا المطروحة فيعلم من ذلك ويفهم أن هذا لا يريد الإصلاح، وهناك مسائل نعرضها هنا منها:
أولاً: لماذا يطالب في النصح أن يكون سراً -وهذا هو المطلوب- لفئة، ولكن الفئة الأخرى تعلن عيوبها وذنوبها على المنابر؟! فنطلب السواء في هذا بأن تكون النصيحة سراً، إذا كان هو الأصلح والأنجح سواء للدعاة أو غيرهم.
ولماذا يسلط كشاف النقد ومجهر الجرح على الدعاة فقط، وعلى ما يمكن أن يغلطوا فيه، وهم لا يسلمون من الغلط، فهم ليسوا من المعصومين، ثم تترك فئات وشرائح من الناس هم أكثر ضرراً، وأكثر محاربة لله ولرسوله وللمؤمنين، كالباطنيين الإسماعيليين الذين يوجدون في جزيرة العرب، ولهم أطروحات كافرة ملحدة على طريقة ابن سينا والفتوى وغيرهما، أيضاً الصوفية الذين شوهوا صورة الإسلام، ولهم أطروحات، ولهم زوايا وقصائد، ومقاصير ومجامع، وأيضاً الرافضة ومشربهم المنحرف عن منهج الله، وأيضاً العلمنة وهي إطراح الدين، وإزواؤه في المسجد، ونبذه من الحياة، وهم يوجدون بثقلهم ووسائلهم وأطروحاتهم.
ومنها: الشهوانيون والفجرة وأهل المنكرات وكذلك أهل الحداثة فلماذا يسلم هؤلاء جميعاً ويبقى الدعاة هم أهل الاعتراض عليهم، والردود والجرح وتسجيل الأشرطة ضدهم، وتنغيصهم في مسيرتهم؟!
ثانياً: هل جُلس مع هؤلاء الدعاة، وعُرف ما عندهم، أو تلتمس له عذراً فما أعلم أنه جُلس معهم، واستمع رأيهم والتمس لهم العذر؟ فإن السلف يقولون: لا تبدأ أخاك حتى تعلم ما عنده، بل يفاجأ الواحد منهم بنزول مجموعة من الأشرطة والكتيبات والمنشورات ضده، وهذا محرم شرعاً، ومذموم طبعاً.
ثالثاً: لماذا لا تعد حسنات هؤلاء الأخيار الأبرار؟!
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
والله قد طالب المسلم أن يكون عادلاً حتى مع خصومه من الكفار، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] فكيف بالمسلم الموحد؟ بل بالداعية؟ بل بالعالم الذي قصده الحق؟! لماذا لا تذكر محاسنهم مع العلم أن محاسنهم كالجبال، وغلطهم بسيط سهل ينغمر في بحار حسناتهم، ولذلك يقول الأول:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
هذا هو المطلوب، وأنا أقول لإخواني الذين يتابعون هذه الردود: أن عليهم أن يشتغلوا بأنفسهم، وبتربية أرواحهم، وبالاشتغال بما يصلح الأمة، كطلب العلم الشرعي، وحفظ المتون، والاشتغال بتربية العامة ووعظهم، وفتح مدارس تحفيظ القرآن، وإهداء الشريط الإسلامي وأقول للذين يريدون أشرطة في فن الردود وحسب: أين الأشرطة في العقيدة، والآداب، والسلوك والسير والعبادة والمعاملة؟ إن هذا فيه وقفة ونظر، وإنه ينبئ عن مقصد الله أعلم به.
стр. 7493
حكم دخول المجالس النيابية
العشماوي: جزاك الله خيراً نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وعلى أية حال لو كانت القضية قضية نقد بناء، فهي مطلوبة حقيقة، والردود بالحق مطلوبة، لكن لعل الله أن يصلح الحال.
السؤال
ننتقل إلى سؤال آخر، يبدو أنه يبتعد بنا قليلاً، لكن نريد أن نأخذ رأيك في هذا الأمر، ونحن نعيشه جميعاً، وهو ما يجري في العالم الإسلامي، حيث كثر القيل والقال والاختلاف حول دخول المجالس النيابية والبرلمانية في بعض أنحاء العالم الإسلامي، وذلك عن طريق الانتخابات فماذا ترون في هذا الأمر؟
الجواب
إن المسائل النظرية والاجتهادية التي لم ترد فيها نصوص قاطعة يجوز للعقل أن يجول فيها، ويجوز للإنسان أن يتحدث عنها، وأن يجتهد؛ لأنه لا يخالف إجماعاً، ولا يعارض نصاً، ودخول المجالس النيابية والانتخابات والبرلمانات مما تكلم فيه العلماء، فمنهم من حرم ذلك، ومنهم من أجازه، ولبعضهم أشرطة وكتب في هذا، وآخر من سمعت سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في مجلة الإصلاح، تكلم فيها عن هذه القضية، وقبله الأستاذ عبد المجيد الزنداني له في ذلك شريط، والشيخ عبد المجيد الريمي، وكثير وكثير كالشيخ القرضاوي، وغيرهم من المشايخ والمفكرين والدعاة، ولذلك إن قلت قولاً في هذه المسألة فما أتيت بجديد، سواء كان خطأ أو صواباً؛ لأني مسبوق إلى هذه المسألة.
ولكن هناك بعض الضوابط: أولاً: أن العبد ينظر للأصلح، كما قيل:
إن اللبيب إذا شكا من جسمه مرضين مختلفين داوى الأخطرا
فينظر إلى المصلحة المتحققة من دخوله، أو من رفضه، فإن كان في دخوله هذا المجلس مصلحة للدعوة وللإسلام بقصد الاجتهاد ومشاورة الإخوان فلا يتوقف في ذلك، لأنه الأصلح بأن يكون له ثقل وميدان وقدم في العمل الإسلامي.
ثانياً: ألا تعمم هذه القضية على الجواز أو التحريم، فإن البلدان تختلف، وقد وجد في بعض البلدان والشعوب أنه لو لم يدخل الدعاة في المجالس والبرلمانات، لضربت الدعوة وسحقت تماماً، لأن الأنظمة قد تكون دكتاتورية ظالمة غاشمة بطاشة، فلو لم يدخل الدعاة بأسماء ومقاعد ليكون لهم ثقل ووزن وصوت وإلا فالدعوة سوف تجتاح، وقد رأينا ذلك وسمعناه وعرفناه، فمثل هؤلاء لا يتوقفون لأن في ذلك نصراً للإسلام وخيراً.
ثالثاً: هذه المسألة تختلف باختلاف الأشخاص الذين يمثلون الأمة أمانة وصدقاً وعلماً واطلاعاً، فالواجب أن يختار أحسن الناس.
رابعاً: أن ينتبه لمسألة ألا يتنازل عن شيء من دين الله ، الذي هو واجب، ولا أقصد المباحات أو الأمور التي يختلف فيها الناس، أو أمراً مستحباً في تركه مصلحة محققة, وإنما أقصد الواجبات أو الفرائض التي فرضها الله على عباده، أو عدم تحليل ما حرم الله , فأرى أنه لا يتنازل بأي حجة كانت سواء لمسايرة أو ملاينة فإن هذا مداهنة محرمة بلا شك.
وعموماً فإن البلدان التي لا يحصل فيها صوت للإسلام إلا من خلال المجلس النيابي أو البرلمان أو الانتخاب؛ فإن للمسلم أن يدخل في ذلك، وهذا أمر مباح إن شاء الله، وقد قاله كثير من العلماء والفضلاء، وهو الأصلح للدعوة والدعاة في تلك البلدان، ولا يشترط لإعلاء كلمة الله أن يكون بعد قتال وجراح, وبعد أن تسيل الدماء، بل قد يكون هناك انتصار بالطرق السلمية التي ترتفع فيها راية الله، لأن المقصد أصلاً من الدعوة ومن المنهج الرباني أن تكون كلمة الله هي العليا، وليس المقصد أن يكون هناك جماعة ومؤسسة ووزراء ونواب ومقاعد، إنما المقصد أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، فإذا حصل هذا بالطرق السلمية فهو أحسن وأوفر للمسلمين، وأقل خسائر، وأعظم فائدة، وهذا هو المرجو.
وبعض الناس من الخطوط الأخرى يطالبون بالجهاد، ويقولون: لا ندخل صناديق الاقتراع، ولا نريد البرلمانات يؤدي إلى أن تفصل الجماجم والرءوس، وأن تسيل الدماء، وأن تمتلئ المستشفيات بالجرحى، وبعدها يأتي النصر ويعتقد أن هذا هو الطريق.
ونقول: لا.
الطريق الأحسن هو الأسهل، والأقل خسائر، وهذا هو الأنجح إن شاء الله.
وقد يكون ذلك الطريق ضرورياً في بعض الأحيان.
стр. 7494
ملخص رأي ابن باز في الانتخابات
قلت: إن الشيخ عبد العزيز بن باز له رأي في هذا الموضوع، وأنا مرة سمعت المناظرة بين الشيخ عبد المجيد الزنداني والشيخ عبد المجيد الريمي، وأشار الشيخ الزنداني إلى رأي الشيخ ابن باز مستشهداً به، فهل لنا أن نعرف ملخص هذا الرأي؟
الجواب
على كل حال، الشيخ في مجلة الإصلاح يقول: لا حرج من دخول العلماء للمجالس النيابية، ولكن بشروط، فيظهر أن الأصل عند الشيخ أنه يجوز ذلك، لكن بشروط، ولعل من الشروط بعض التي ذكرتها، لكن الشيخ لا يمنع منعاً قاطعاً، بمعنى أنه لا يحرم تحريماً باتاً كما يفعل بعض الناس، فإن بعضهم يقول: لا تبحث في المسألة ولا تناقش فيها لأنها محرمة، ولأنه ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة.
وسبق أن كان معي بعض الإخوة من الدعاة في أفغانستان، وجلسنا مع أحد القادة الكبار، فقال: لا يجوز الدخول في البرلمان -لأن حكمتيار كان يطلب الانتخابات- وكان ذلك القائد وزيراً في الحكومة فقلنا: لماذا؟ قال: لأن البرلمانات والانتخابات لم توجد في كتاب الله .
قلنا: وأنت وزير من الوزراء وليس في الكتاب والسنة لا رئيس وزراء ولا وزير خارجية! قال: هذه من المصالح المرسلة!! قلنا: وتلك من المصالح المرسلة فالأحاديث والنصوص تقبلها -والحمد لله- في عمومها.
стр. 7495
إيضاح مقولة الشيخ: (من أوجب على الناس) والتراجع عنها
السؤال
جزاك الله خيراً تأذن لنا أبا عبد الله! إن شاء الله أن ندخل في بعض الأسئلة التي أثير حولها بعض الكلام: قلتم كلمة في شريط بعنوان (فر من الحزبية فرارك من الأسد) وأنا تعجبني هذه الكلمة في الحقيقة لأن فيها توظيفاً لغوياً جميلاً، وقد أحدثت لبساً عند بعض الناس، وهي قولكم -كما روي لي- (من أوجب على الناس أن يكون أحدهم سلفياً أو إخوانياً أو تبليغياً فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل) هل هذا صحيح؟
الجواب
الحقيقة أن الكلمة هذه فظيعة ومخيفة، وقد وددت لو أني تركتها من الأصل، لأنه أحياناً قد يكون للإنسان مقولة، ثم يتكلف بأن يرد عنها ويعتذر حتى يثبت في المقولة، وإلا فإن المسلم لا يستنكف أن يقبل الحق أو يعود عن الباطل إذا تبين له ذلك، كما قال عمر: [[لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فبان لك الحق في خلافه أن تعود عنه]] وأنا قلت هذا، وسبق أن جلست مع بعض المشايخ في هذه المسألة واتصل بي بعض الإخوة، وبينت في بعض الأشرطة، لكن الذي يظهر أنه ما بان إلى الآن.
فأنا على أحد أمرين:
الأول: إما أن أوضحه ويقبل الناس توضيحي له، وإن كان أحدث لبساً فإنني أنسحب عن هذه الكلمة، ولم يحصل شيء والحمد لله، فإن انسحبت عن هذه الكلمة فلن تنسخ آية من القرآن، ولن يلغى حديث من أحاديثه ﵊؛ فإن من قضاة الإسلام من كان يقضي في المجلس ثم يسمع الدليل، فيعود فينثر القضية من أولها إلى آخرها.
فأقول: قصدي بذلك الذي يوجب على المسلم أن يكون منتمياً إلى فئة من هذه الفئات، أو جماعة من هذه الجماعات، ويجعله وجوباً عليه بحيث أنه لو ترك هذا الانتماء كان آثماً, هذا الذي أقصده, فإنه مخالف لمنهج الله ، ومثل هذا يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
وأنا قلت هذا لأن ابن تيمية يقول في الفتاوى -والناس يعلمون ذلك- من أوجب على الناس أن يكون أحدهم حنبلياً أو مالكياً أو شافعياً أو حنفياً فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
وهذه ثابتة عن ابن تيمية، وبعض العلماء عذرني وقال: هذه كهذه؛ لأن الأصل ألا يشرع الإنسان إلا شرع الله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦].
لكن المسألة التي نوقشت فيها مسألة: من الذي أوجب على الناس هذا؟
قلت: لم يوجبه أحد, ولا يلزم من إلقاء الحكم أن يكون له أصل في الواقع، فإنه قد يلقى الحكم أحياناً وقد لا يوجد في واقع الناس مكان لتطبيق الحكم فيه، وأنا أضرب مثلاً من كتاب الله : فقد جعل الله من شروط الرجم على الثيب الزاني أن يشهد عليه أربعة، قال بعض العلماء: لم يرد في تاريخ الإسلام؛ أنه وجدت قضية نقلت للناس أن أربعة شهدوا الفاحشة في الزنا ونقلوها للعلماء، ولم يوجد أبداً منذ أن بعث ﵊ إلى الآن فالحكم ما زال في كتاب الله، ولكن تطبيقه على واقع الناس لم يوجد بعد.
فأقول: لو قال أحد هذا مرضاً وهو لم يحصل، فإنه يفعل به هكذا، وإن كانت الكلمة خشنة وأحدثت لبساً فإني أقول: العودة عنها أسلم، وأنا الآن أعلن أنه إذا كان فيها خطأ وغلط فإني أتوب إلى الله وأستغفره، وما أنا إلا مصدر من مصادر النقص التي تحتاج إلى تسديد من الله تعالى.
следующие страницы →