Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.
стр. 7526
الكاتب المقروء له
السؤال
كاتب تقرأ له أبا عبد الله؟
الجواب
أقرأ على قلة فيما يكتب زين العابدين الركابي، وآنس بما يكتب، وإنما أقصد أنه كاتب صحفي.
стр. 7527
الكتاب المقروء فيه
السؤال
كتاب بعد كتاب الله تقرأ فيه كثيراً؟
الجواب
فتح الباري، فهو رفيقي ليل نهار إلى الآن.
стр. 7528
الخطيب المشتاق له
السؤال
خطيب تشتاق لخطبه؟
الجواب
الشيخ عبد الوهاب بن ناصر الطريري، وأنا مهتم في سماعي له؛ لأني أحبه كثيراً.
стр. 7529
المفكر المروق لفكره
السؤال
مفكر يروق لك فكره؟
الجواب
الشيخ محمد قطب.
стр. 7530
الصحيفة المقروءة
السؤال
صحيفة تقرأها؟
الجواب
أقرؤها مضطراً، من باب إلا ما اضطررتم إليه، فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً، وهي: جريدة الحياة.
стр. 7531
تعليق على (جريدة الحياة)
السؤال
هل من تعليق على جريدة الحياة؟
الجواب
أنا أقرؤها لأنها أقل الصحف كذباً، فالأصل أن المادة موجودة، لكنها تقلل.
والأمر الثاني: أنها تستقصي بعض الأخبار، والذين يكتبون فيها لهم قدرة على الكتابة، ولو أني أعتب على الكاتب جهاد الخازن فيما يلفه ويعممه من التطرف والإرهاب على الدعاة في العالم الإسلامي، والواجب أن يقرأ قراءة متأنية للدعوات في العالم الإسلامي، وأن يتريث ويجلس مع كثير من الدعاة والعلماء، وأن يتقي الله فيما يكتب، لأن العلماء والصلحاء وأهل الوعي والريادة والمؤثرين موجودون, ولكن إذا أراد أن يسلك هذا فالله حسيبه.
стр. 7532
المجلة المطالعة
السؤال
مجلة تطالعها؟
الجواب
هناك عدة مجلات، ولي ملاحظات -من باب نقد النفس- لأنه -والحمد لله- قد أصبحت عندي قناعة في ذهني، وهي أن نبدأ بنقد أنفسنا قبل الناس، ولا بد أن نهدم هذا السور الذي بنيناه على أنفسنا، وهو ألا ننقد أنفسنا، وأن كل ما نفعله جميل وحسن.
أطالع مجلة المجتمع، ومجلة الفرقان، ومجلة الإصلاح، ومجلة الدعوة، ولي ملاحظات مع أنني قد قابلت مع هؤلاء، أو شاركت أو قرأت.
أما مجلة المجتمع: فليتها تعتني بالتأصيل العلمي، ولهم فيها أخبار وغيرها، ولكنها لا تعتني بالموضوعات الدسمة القوية, وهذه المجلة أرى أنها لا تتميز باتجاه حتى تعرف، لأنها تكون للجميع، فعندما تطرقت لمشكلة الجزائر فقط: قال النحناح، وصرح, وقابل، ورأى مع العلم أن المد القوي كله للإنقاذ، والتأثير والوقوف, والعالم كله يساند الإنقاذ، والإذاعات العالمية ووكالات الأنباء تسلك هذا المسلك، فأقول: لا.
لا بد أن تكون للجميع، وقد جعل الله لكل شيء قدراً.
وأما مجلة الفرقان: فإنها تعجبني، ولكني أريد منها أن تعتني أكثر بالمستجد من الأخبار ومتابعة الجديد فالجديد؛ وأن تواصل مسيرتها الأولى التي بدأتها في مقابلة كثير من الشخصيات، ولا بأس أن تعيد المقابلة مع العلماء، والأدباء، والمفكرين، ولو أربع مرات أو خمس مع الواحد؛ لتستفيد في القضايا المهمة، ويكون لها دعاية أكبر حتى تصل إلى الأقطار.
أما مجلة الإصلاح: فإن في آخر عدد لها -وهذه ملاحظة مهمة- وهو العدد الذي كتب فيه سماحة الشيخ ابن باز , عرضت على غلافها الخارجي صورة وزيرة الخارجية الأمريكية، وهي مجلة إسلامية، فلي وجهة نظرعليهم، فإن حركة نصف كم ليست عند أهل السنة، فلو أخرت هذه الصورة، أو أخفتها أو صغرتها لكان أفضل إذ لم يكن لها داعٍ، أو من باب الذوق والمنهج الإسلامي واللباس عموماً.
أما مجلة الدعوة: فإنها قد سبق أن كُتبت لهم رسالة من بعض الفضلاء، وتُكُلم في بعض المناسبات، وأظن أنه لا يطبع منها فيما أعلم إلا خمسة آلاف نسخة، والحقيقة أن مدها قليل، سواء كان مضموناً أو قلباً وقالباً فنحن نطالبها بموضوعات دسمة، وبأقلام رائدة معروفة عند الناس، وبمقابلات وبتجديد الأخبار، وأن تنتشر في العالم الإسلامي بقدر الاستطاعة، إن كانت تريد أن تكون رائدة، وإلا فسوف تظل في مكانها دون حراك.
стр. 7533
الإذاعة المستمع لها
السؤال
إذاعة تستمع إليها؟
الجواب
إذا أردت أن أستمع فإذاعة القرآن الكريم -هذا محلياً- أما للأخبار فإذاعة لندن على تحفظ بها، وعموماً فإذاعة لندن إذاعة عالمية، وتلاحق الأخبار تباعاً.
стр. 7534
شخصيات ومعاني
السؤال
شيخ عائض! هنالك بعض الأسئلة السريعة التي تختص بأشخاص من التراث من الماضي والحاضر، فنبدأ بالماضي، ولا تؤاخذنا على بعض الأسئلة؛ لأننا نكتب من ورائها شيئاً.
علي بن أبي طالب ماذا تعرف عنه؟
الجواب
هو بطل مواجهة، وفي قصته كما يقول بعضهم: سلوى للمحرومين، وعزاء للمظلومين، وإنساء للمنكوبين، وأنا قد طالبتك أمس بقصيدة لـ علي بالذات، لأن علياً قد أحبه قوم حتى غالوا في حبه فدخلوا النار، وأبغضه قوم حتى غالوا في بغضه فدخلوا النار، وتوسط أهل السنة في حبه، وفي الولاء له ﵁ ويطير إلى ذهني الآن بيت ألقته عجوز كانت تنوح به على علي لما مات بـ العراق، تقول:
يا ليتها إذا فدت عمراً بـ خارجة فدت علياً بمن شاءت من البشر
لأن الخوارج لما أرسلوا في قتل عمرو بن العاص تأخر تلك الليلة فأرسل رئيس الشرطة رجلاً اسمه خارجة، فقتله هذا الخارجي، فتقول هذه العجوز:
يا ليتها إذا فدت عمراً بـ خارجة فدت علياً بمن شاءت من البشر
يا ليت الناس قتلوا وبقي علي.
وعلي يتميز بثلاثة أمور: الزهد المتناهي والفصاحة المتناهية والشجاعة المتناهية.
стр. 7535
شخصية صلاح الدين
السؤال
صلاح الدين الأيوبي ماذا يعني لك؟
الجواب
صلاح الدين الأيوبي بطل الإنقاذ، ومجدد الجهاد في سبيل الله ، وفي سيرته سر، فدين الله ليس حجراً على العرب, قال تعالى: ﴿فإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] وهوية الإنسان لا إله إلا الله، فهو كردي، ومع ذلك لما مال العرب إلى الترف والوتر والسهر، رفع السيف وقال: باسم الله ، وانتصر ورفع علم الجهاد.
стр. 7536
شخصية عمر بن عبد العزيز
السؤال
عمر بن عبد العزيز ماذا يعني لك؟
الجواب
عمر ﵁ مجدد القرن الأول، قال عنه الإمام أحمد: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز وفي سيرة عمر ﵁ مسائل:
منها: أن هذا الشاب استطاع أن يعيد الأمة إلى الله بقضها وقضيضها.
ومنها: أن الفترة الزمنية المباركة أحب إلى الله من القرون التي يعيشها بعض الناس، فقد تولى عمر ثلاثين شهراً، قالوا: هي أحب للأمة من ثلاثين قرناً، حتى يقول أحدهم:
عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر
стр. 7537
شخصية محمد بن عبد الوهاب
السؤال
محمد بن عبد الوهاب ماذا يعني لك؟
الجواب
هو داعية التجديد، ومعيد الأمة إلى التوحيد، ورأيت أن الله بارك في دعوته بركة لا نهاية لها، بسبب أنه تجرد لله ، وظهر الإخلاص في طريقه، وهو من التلاميذ البررة الذين ما رأوا شيوخهم، فهو التلميذ البار لـ ابن تيمية، حتى يقول جولد زيهر: وضع ابن تيمية ألغاماًُ في الأرض فجر بعضها محمد بن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر حتى الآن فوصلت شظايا دعوته النيرة المباركة إلى أفريقيا وآسيا وأوروبا.
стр. 7538
شخصية ابن باز
السؤال
عبد العزيز بن باز ماذا يعني لك؟
الجواب
هو المنهجية الوسط، والعدل، والداعية الإنسان، وقد جمع الله فيه مناقب ما انتثرت أو ما تشتت وتفرقت في كثير من الفضلاء، فهو يجمع إلى العلم، الصبر, والحلم، والكرم, والأناة، وسلامة الصدر: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤].
стр. 7539
شخصيات وأقوال
السؤال
ننتقل إلى مجموعة أسماء أخرى وفي طرق أخرى، لنعرف رأيك فيها، ونقول لك: ما تقول فيهم؟
стр. 7540
شخصية محمد عابد الجابري
السؤال
محمد عابد الجابري ما تقول فيه؟
الجواب
محمد عابد الجابري كنت أقرأ كتبه الأخيرة، وأتساءل: أما عرف هذا الأستاذ أن محمداً ﷺ هو المصيب، وهو صاحب المنهج الرباني؟! ولماذا يمزج هذه الأفكار في مثل أزمة وخطاب العقل العربي، أو خطابنا الآن، أو فيما يطرح؟ فوجدت أنه يريد أن يوجد ثقافة عربية منفصلة، وبغض النظر هل هي مخطئة أم مصيبة، فهذا من وجهة نظري، فمثلاً: يأتي بثقافة أو طرح ابن خلدون والشاطبي، وطرح الرافضة والإسماعيلية الباطنية، والمعتزلة، ثم يجعل الفكر العربي هو الفكر السائد والمحكم وهذا ما أشبهه بـ المعتزلة، فإنهم جعلوا العقل محكماً على الشرع، فما استحسنه فهو الحسن، وما استقبحه فهو القبيح!
فأنصحه أن يعود للوحي، وأن يحكم عقله فيما يكتب، بعد أن يعود إلى قال الله وقال الرسول ﷺ ، وهذا في مسألة طلب الدليل: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨].
الأمر الثاني: أن المسألة ليست مكاثرة، ويقول النبي ﷺ : ﴿المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور﴾ فإن الذي يتكاثر بما عنده من ثقافة وأنه نقل أو قرأ متشبع بما لم يعط, والمطلوب من المفكر هو الصفاء، وليس المطلوب الخلط والمزج، فإنه أحياناً يخرج بأشياء مبثوثة وهو لا يعلم ماذا يريد أن يقول للناس، وله أتباع كانوا يكرمون مقالاته، وأنا لم أقل فيه هذا إلا لأنه مؤثر, وكتاباته متتابعة، وله إنتاج كثيف وضخم.
وأطالبه أن يتقي الله في الأمة، وأن يعود فيؤصل، وأرى أن يقرأ لاثنين: لشيخ الإسلام ابن تيمية وللشاطبي، وقد مدح الشاطبي لكنه عاد فقرن ثقافات أخرى من الباطنية والمعتزلة كما قلت، حتى نقل عن بعض الزنادقة.
العشماوي: مشكلة هؤلاء يا شيخ عائض! وأنت تدري بهذا الموضوع: أنهم يعتمدون على الثقافة الغربية، فركيزة ثقافة محمد عابد الجابري غربية، ويرجع إلى التراث وإلى بعض الشخصيات كـ الشاطبي وغيره؛ يرجع للاستشهاد فقط ولأخذ الأدلة، وحبذا لو نصح من هذا الجانب؛ فلو اعتمد على تراثه ثم عاد إلى ما عند الآخرين ليستفيد منهم لكان هذا هو الصواب، ولما وقع في هذا الخلط العجيب الذي وقع فيه الآن.
لكن المشكلة أن هؤلاء يعتمدون الثقافات الغربية أصلاً، ثم يعودون للاستشهاد بالثقافات الإسلامية، كما يصنع مع أدونيس في مجال الأدب, عندما يعتمد الحداثة منهجاً ثم إذا أراد أن يستشهد رجع إلى التراث، فأخذ منه ما يناسبه.
стр. 7541
شخصية فهمي هويدي
السؤال
فهمي هويدي ما تقول فيه؟
الجواب
فهمي هويدي في الحقيقة هو أخف الضررين ممن يكتب، وقد قرأت له فيما قبل بعض المقالات كالتي يلاحظها مثلي على مثله، وإنصافاً معه نقول: هو من أكثر الناس تسديداً بالنسبة لغيره ممن يكتب، حتى رأيت له مقالات وهي ما يقارب العشر في التطرف والإرهاب وقد أعجبتني كثيراً، له مقالة في مجلة الوسط: الإرهاب ممن؟! وغيرها, ذكر فيها مسائل ملفتة للنظر، وكثير من الدعاة استأنسوا بما طرح، لأنه الآن يجنح إلى أهمية أن يسمع الآراء وأن يجلس مع الدعاة، وقد جلس مع كثير منهم، فأصبح يجدد في طرحه وأسلوبه.
وهنا أذكر أمثلة أعجبتني ثم أذكر بعض الملاحظات، يقول في مسألة التطرف والإرهاب: لماذا يعلق فقط الإرهاب قميص عثمان هذا المدعى على أهل الخير وأهل الصحوة والدعوة، مع العلم أنه وجدت تجاوزات في القتل والإبادة والسجن والتعسف والظلم ولم يطلق على مرتكبيها مصطلح الإرهاب والتطرف، كالضباط الأحرار في عهد عبد الناصر، فإنهم قتلوا البشر قتلاً ذريعاًَ لا يوجد في التاريخ قتل مثله، مثل استالين ولينين وأتباعهما، ومثل محاكم التفتيش، ومثل ثورة الألمان مع هتلر وغيره.
فهو يقول: إنما القصد التجني وافتعال التهم، وإلصاقها بالأبرياء، ويظل يشكو من التعميم الذي نشكو منه، تعميم الأخطاء التي يقع فيها بعض الأفراد، بأن تعمم على جماعة المسلمين الجمعاء، ومنها: مصادرة الجهود، وأن هؤلاء قوم لا فكر لهم، ولا رأي، ولا ثبات من استعداء السلطة عليهم، والإعلام، واستعداء الحكومات الغربية، إلى غير ذلك من الأشياء.
وهنا أطالبه بمسائل:
المسألة الأولى: لماذا لا يثري ثقافته بعلم الكتاب والسنة، بالآيات وبالأحاديث وبالنصوص، كما يفعل بعض الكتبة؟
المسألة الثانية: الصفاء فيما يكتب، فإنه ينقل أحياناً عن بعض الناس الغربيين كلاماً لا يوثق به.
المسألة الثالثة: تأييده في كتابه الأخير لبعض الكتبة الذين يتجنون ويفتعلون بعض المسائل ضد الإسلام.
هذه مسائل مما ألاحظها عليه، ولعله فيما يقبل من الزمن أصلح إن شاء الله، لأني أرى منه أنه أحسن من ذي قبل.
стр. 7542
شخصية تركي الحمد
السؤال
لكن أنت تعلم أنه ينتمي إلى مدرسة تركي الحمد ما تقول فيه؟
الجواب
تركي الحمد أرى أنه تلميذ بار لـ محمد عابد الجابري، وكأنه يتتبع خطاه، ولم أكن أظن أنه بهذه الدرجة، حتى قرأت له مقالة في مجلة اليمامة قبل أشهر وهو يتحدث عن الإيديولوجية المطروحة، وكأن الرجل يريد أنه لا مشاحة في الفكر الديني الذي يحمله العبد، وألا نجعل الدين محل صراع، وأن كلاً يعرض رأيه وفكره وأطروحته بغض النظر عن مردها ومصدرها.
الأمر الثاني: الالتواء فيما يطرح، فإننا نعلم أنه يريد نكاية والله أعلم.
وأنا أطالبه بأمور: منها: المبارزة وحضور مجلس للمناظرة، وقد طلبه بعض الفضلاء ولكنه يرفض دائماً، ونريده للمناظرة ليظهر الحق أمام الناس، وليعلموا الحق مع من.
والأمر الثاني: ألا يكون عالة على غيره، لأنه مقلد فإنه أحياناً يطرح بعض الأشياء وكأنها من عند ذاته، وبأسلوب يظهر للناس أنه حضر هذه المادة بنفسه وأعدها وتعب عليها، ثم تكتشف وإذا هي بالحرف والسطر والرقم لغيره، وهذا خلاف للأمانة العلمية، وقد أخبره بذلك الدكتور ناصر رشيد، وغيره من الأساتذة، والدكتور أحمد التويجري، وهذا أمر مخالف للقلم -وبغض النظر عن أمانة المسلم الذي يخاف الله لكنها عند العقلاء من الناس مذمومة مطروحة.
стр. 7543
شخصية الدكتور عبد القادر طاش
السؤال
الدكتور عبد القادر طاش ما تقول فيه؟
الجواب
عبد القادر طاش صاحبته وأعرفه كثيراً، وأحبه في الله ، وأنا أقول له بصراحة: لماذا يا دكتور عبد القادر هذه الغمغمة والجمجمة والهمهمة؟ لا بد أن يكون الحق واضحاً لا لبس فيه فيما يكتب في جريدة المسلمون، بأن يطرح الحق واضحاً ومؤصلاً، ويكتب ولا يخاف إلا من الله ، ولا نطلب منه أن ينقد بعض الناس، أو يتعرض، أو يذم، أو يقدح؛ لكنا نطلب منه أن يعرض الحق بوضوح، ويدافع عن أهله.
الدكتور عبد القادر رجل مقبول وفيه خير، وعرفت تدينه وصدقه, ولكني أطالبه أن يثري أسلوبه بالمتانة، فمن وجهة نظري يحتاج أسلوبه أن يكون لماعاً، أو يكون لماحاً بالنظر، حتى يكون له جاذبية ولعله أعرف بهذا، ولكن هذا طلب مني، لا أني أمن عليه، وأسال الله أن يثبته ويسدده.
стр. 7544
شخصية زين العابدين الركابي
السؤال
زين العابدين الركابي ما تقول فيه؟
الجواب
من أحسن ما أقرأ له على قلة فيما يكتب زين العابدين الركابي، وهي من أحسن ما أقرأ وما ذلك إلا لأمور، منها: العقل الحصيف، لأنه الآن شارف على الستين، وهذه الستين تحمل من التجارب والممارسات ومن المزاولة والخبرة ما الله به عليم، لأن الرجل عنده صفاء قديم في التوجه، وقد تكلم في كثير من المنابر والأماكن، وعرف الحق من الباطل، ثم إن الشيخ زين العابدين الركابي استفاد، فهو رجل متواضع يجلس مع كثير من العلماء، ويباحثهم في كثير من المسائل، فاستفاد إلى عقله عقولاً.
لكني أطالبه أن يكثر فيما يكتب، وقد قلت له: إن الواجب عليه بما عنده من خبرة أن يكتب مؤلفات في هذه المرحلة، وأن يجدد ويؤثر، ويشارك في المسيرة علّ الله أن ينفع بما يقدم.
стр. 7545
مواقف حصلت للشيخ
السؤال
نحن نريد بعض الأشياء الخفيفة، عبر ثلاثة أسئلة سريعة وهي: أحرج موقف مر للشيخ عائض القرني وأطرف موقف، وأخوف موقف؟
الجواب
أحرج موقف وقد كررته كثيراً في بعض المقابلات ولا بأس من إعادته، فقد حدث هذا قبل سنوات، ويمكن أن يكون محرجاً أو ليس محرجاً بالنسبة لي لأني قد نسيت، لكن ذلك الموقف كثير ما سمع مني، وهو مثل الورود تشم ولا تعك.
قبل سنوات أقيم حفل كبير في جامعة الإمام في أبها، واجتمع إليه بعض الناس والأعيان، وكان من المقرر أن لي في البرنامج قصيدة، نظمتها وصححتها، ثم وضعتها في جيبي، وكنت ألبس من لباس الكشافة -الترنك هذا- وجاء أحد الإخوة اسمه علي حجر، فأخذ القصيدة لينظر إليها ثم نسي فوضعها في جيبه -وقع هذا قبل صلاة العصر، والحفل سوف يكون بعد المغرب- ثم ذهب إلى منطقة خميس مشيط، فجئت ظاناً أن القصيدة ما زالت موجودة، وقدم لي المقدم وكان العلماء والمشايخ وبقية الجماهير منتبهين، فقمت عند الميكرفون وقدمت للقصيدة بكلمة نثرية وأنا لا أحفظ من القصيدة ولو بيتاً فهي ما زالت للتو تغطية للمناسبة، ثم قدمت ببادئ القصيدة وأتيت لأخرجها ففتحت الزر الأيمن فلم أجدها! وفتحت الزر الأيسر فلم أجدها! وفي الجيب الأعلى فلم أجدها! وأنا سريع النكتة، فقلت: أيها الإخوة! وتذكرت في أثناء البحث أن زميلي الأخ علي أخذها وذهب إلى والدته، فقلت: معذرة أيها الإخوة! نظمتها اليوم ولم أحفظها، وصححتها ووضعتها في جيبي، ولكن تذكرت أن أحد أصدقائي أخذها فنسيها وذهب وركب سيارة قبل صلاة العصر يزور أمه، فالمعذرة حتى يأتي بالقصيدة إن شاء الله، ثم جلست فضحك الجميع، والموقف لمن حضره وشاهده مؤثر.
стр. 7546
أخوف موقف
أما أخوف موقف؛ فهو موقف الطائرة, فقد ركبت في طائرة بعد أزمة الخليج، وكانت الطائرات رابضة فترة نظراً لعدم الرحلات بسبب الحرب، فركبنا في الطائرة وبعد أن ارتفعنا عن أبها فالطيار أصلحها وشحمها ثم ارتحل بنا، فلما اقتربنا من الرياض وقفت محركاتها، فبقينا على سماء الرياض أكثر من ساعة وهو يذهب بنا إلى المطار عشر مرات، وأتى بنا من الخوف والهلع ما الله به عليم، وبعضهم بكى حتى رأيت الدموع على الخدود، ورأيت من تاب وأناب: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] وكانت النساء أكثرنا انهياراً، ووجدت التوحيد متحققاً عندي وارتفع ضغطه كثيراً، واتصلت بالله أنا وإخواني، وفي الأخير أطلق الله محركاتها فنزلت، وكأنا خرجنا من القبور إلى الحياة، وهذا ينبئ عن ضعف الإنسان، ويصل إلى درجة استجارته بالله الذي يجيب المضطر إذا دعاه.
стр. 7547
أطرف موقف
وأما أطرف موقف -حفظكم الله- فقد وقع العام الماضي وأنا في الحج، نزلت إلى المطار فركبت في سيارة أجرة، وكان قائدها رجلاً مسناً، عليه آثار سحونة الصحراء والأعرابية، فسألته من باب التعارف، وكان معنا أحد الإخوة من قحطان في المقعد الثاني واثنان من الإخوة المصريين عرفوني وعرفتهم، ولكن السائق لا يعرفني ولا أعرفه.
فقلت: من الأخ؟ قال: أنا جحلق -والجحلق لغة دارجة- قلت أنا: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ثم قلت له: من أي قبيلة أنت؟ قال: أنا مطيري، ثم سرت أنا وإياه في الحديث، ثم سألني من أين أنت: قلت: أنا من الجنوب؟ قال: الجنوب شعوب وقبائل!! لكن من أين؟ قلت أنا: قرني؟ قال: أعائض القرني منكم؟ قلت: نعم.
فمشينا قليلاً ثم أتى بشريط في سيارته وشغله، والشريط كان لي وهو بعنوان: (ظالم من الدرجة الأولى) , يتحدث عن الحجاج وقتله لـ سعيد بن جبير، فقلت: لمن هذا؟ فقال: هذا لداعية من الدعاة في القصيم من بريدة، ثم أخذ يتكلم معي ورفع الشريط حتى أسمعه، ثم أخفضه، ويخبرني بالجملة التي سوف تأتي منها القصة، فقال: هذا الحجاج كان والياً في العراق، وكان أحد العلماء اسمه سعيد بن جبير، قلت: عجيب، ثم يرفع, ثم يخفض، ويقول: انظر! سوف يأتي الآن بالذهب له، ويغريه به، ثم يرفع، إلى أن قال: الآن اسمع الأسئلة، واستمر في الحديث حتى انتهى الشريط تماماًَ.
بدأت أكلمه ونسيت من نفسي أخذت أقص عليهم القصص في الطريق، فأخذ ينظر إلي وينظر إلى الشريط، وبعدما اقتربنا من بروازة مكة، قال: أنت!! صوتك!! فضحك زميلي اللذان كانا معنا، وقال: وصلت، فبدأ التعارف من ذلك الوقت، وأصبحت صداقة فيما بيننا.
العشماوي: قال عنك إنما هو من القصيم؟
القرني: يقول من القصيم، هذا يدلك على أن الأمة ليس عندها أمانة علمية.
стр. 7548
الشباب والعطل
السؤال
أخانا الكريم الشيخ عائض بن عبد الله القرني! جزاك الله خيراً على ما قدمت لنا، ونحن الآن نطل من شرفة العام الجديد (١٤١٤هـ) نقوم بهذا اللقاء الآن في أول شهر المحرم في هذا العام الجديد، وأنت تعلم أنه في آخر هذا الشهر ستبدأ الإجازة الصيفية والعطل للمدارس، فنريد قبل أن ننتهي من هذا اللقاء أن توجه نصيحة موجزة لشباب الأمة في طريقة قضاء أوقاتهم في مثل هذه الإجازات؟
الجواب
مما نشكو فيه إلى الله الفراغ القاتل الذي يعيشه كثير من الشباب، وقد مر عام وانصرم في لحظة من اللحظات، مر ببؤسه ونعيمه، وبسعادته وشقاوته، وبانتصاراته وهزائمه، وبحسناته وسيئاته، ولكن: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] أما هذا العام فإني أدعو إخواني إلى أن يستثمروه، وما مع الواحد منا إلا أن يعيش يوماً بيوم، وأن يعيش كل جزء بجزئه، فالحياة التفصيلية: ﴿إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح﴾ وقصدي من هذا: أن الشباب الذين يظنون أن العطلة الصيفية فرصة للتفرجة والنزهة، وفرصة لراحة النفس، فهذا ليس بصحيح في الإسلام، إن الله يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] أي: حتى تموت، فعليك بالجد الصارم والمواصلة، والاستفادة، وعدم تضييع الفرص، فإن معظم الناس قد تأثروا ببعض الأطروحات في أن العطلة الصيفية فرصة لأن يتفرغ الإنسان للهو واللعب والذهاب والإياب، وهذا ليس بصحيح.
والأصل أن هذه العطل لم تكن عند السلف، فحياة السلف علم متصل، وعبادة وتلق دائم، وما أجملها إذا كانت تستغل فيما يقرب إلى الله !
وهذه دعوة لإخواني أن ينتجوا في هذه العطل، مثل مدارس تحفيظ القرآن، فلماذا لا يدخل الناشئة في هذه العطل الصيفية في هذه المدارس، والمراكز الصيفية، والمخيمات، والمكتبات، وإلقاء المحاضرات، يبدأ فيحصل علماً، أو يقرأ كتاباً يختاره ويلخصه ويحفظه، مثلاً: كتابة مقالات، أو كتابة كتيبات، أو مشاركة في تخريج أحاديث، فيجعل المرء لنفسه في هذه العطلة مشروعاً، وهذا يأتي بأمور:
منها: الاستعانة بالله ، ومعرفة أن هذا العمر يتصرم، وأنه لا يعود مرة أخرى، وعليه أن يبتعد عن رفقة السوء، وأهل العطالة والبطالة والفراغ، إلى غير ذلك من الأسباب التي توصل إن شاء الله إلى استثمار هذا الوقت فيما يقرب من الله.
السؤال
شيخ عائض! نحن في البداية تكلمنا عن الشعر، فنرجو إن شاء الله أن تختم هذا اللقاء بقصيدة تختارها للإخوة المستمعين؟
الجواب
الحقيقة أني لم أكن أعلم أن هذا الطلب سوف يكون، وقد سلف معنا بعض الأبيات، وأنا من الذين لا يحفظون قصائدهم إلا إذا مر عليها وقت طويل، وأكثر ما قلت في أني مقل، وأنا لست كمثلك، عندك من الغزارة ما يجعلك تخرج بين الفينة والأخرى ديواناً، لكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
العشماوي: نترك لك فرصة أن تأتي بقصيدة الآن، وتقرأها كاملة لأن المستمعين حريصون على ذلك.
القرني: فأجره حتى يسمع كلام الله.
стр. 7549
خاتمة اللقاء
العشماوي: أيها الإخوة المستمعون: لقد كان هذا اللقاء الذي عشتم فيه مع أخي الكريم فضيلة الشيخ الداعية الأديب عائض بن عبد الله القرني، وقد حاولنا في هذا اللقاء أن نلم ببعض النقاط التي كنا نرى أنها ذات أهمية, خاصة في وقتنا هذا، وقد نكون وفقنا فيما أردناه، أو لم نوفق, ولكن هذا الأمر قد تحرينا فيه الدقة وبذلنا فيه الجهد، ونسأل الله أن يجزي أخانا الكريم الشيخ عائض بن عبد الله القرني خير الجزاء، ونقول لك يا أبا عبد الله!: سدد الله خطاك، ووفقك إلى كل خير، ورزقنا وإياك الإخلاص في القول والعمل.
القرني: أثابكم الله وحفظكم ورعاكم، وأنا بدوري أشكركم يا فضيلة الدكتور أبا أسامة! على ما قدمتم، والحقيقة أنكم أضفيتم روحاً وحياة على اللقاء، ومثلكم يطلب للقاءات لأن لقاءاتكم مع المشايخ أصبحت كالكبريت الأحمر، لقوتها وما فيها من حياة ونشوة، وبالمناسبة أقول لك: يا أخي! سوف تستمر هذه اللقاءات إن شاء الله، وما ذكرته من طلب الإخلاص هذا أمر وارد عند الجميع، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية.
أمر آخر مما أتذكره الآن في نهاية المقام، أن مقدم اللقاء هو الذي يضفي عليه من اللقاء ومن الحيوية ما الله به عليم، وهي كمقدمة بعض الكتاب الجهابذة والعباقرة للعلماء، إذا قدموا للكتاب ولو كان ليس بذاك لقي قبولاً عند الناس، فعسى أن يكون لقاؤنا هذا من ذاك.
ثم أشكر تسجيلات السرة بـ الكويت، وأطالبها بالاهتمام بإيصال الأمانات إلى أهلها، وهي إعطائي وإياك والمشايخ نسخاً من هذا اللقاء، وأقول لهم: لا تكون تسجيلات السرة كـ عزة، كما قال كثير:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنىً غريمها
فسوف ندعو لهم من الآن حتى يوصلوا الأشرطة، فإذا ما وصلت ففي الأمر نظر، وأسأل الله التوفيق والهداية والرشد والسداد، وشكراً لكم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين.
стр. 7550
ولا تنازعوا فتفشلوا
الخلاف اليوم بين المسلمين قد اتسع أفقه, والاتفاق والاتحاد بين أعدائهم قد قوي صلبه.
وفي هذا الدرس محاولة لمعالجة هذه الفرقة الموجودة بين المسلمين, وذلك بعدة أمور منها: الرجوع إلى العلماء, ومعرفة قدرهم وفضلهم, ومنها: معالجة قلوبنا من الحسد والضغينة والأحقاد.
كما ذكر الشيخ أدب أهل العلم مع بعضهم عند الخلاف, وتعرض لقاعدة الموازنة بين الحسنات والسيئات, وذكر كلام محمد بن مهدي في صفة أهل السنة عند الخلاف.
كما كان هناك كلمة تعقيبية للشيخ الدكتور سعيد بن زعير.
стр. 7551
ترحيب الشيخ الطريري بالشيخ عائض
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالعافية في المال والأهل والولد.
لك الحمد ربنا على كل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو حاضر أو غائب.
لك الحمد ربنا حتى ترضى, ولك الحمد إذا رضيت.
وصلوات الله وسلامه وبركاته على نبينا محمد النبي الصادق الأمين, وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين, وخلفائه الراشدين, وسائر الصحابة أجمعين, ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ومع الحلقة الثانية عشر تعود إليكم دروس الوعي وتعودون إليها والعود أحمد، أهلاً بكم مع قضية من أكثر القضايا إلحاحاً على واقعنا، ففي حين يشكو الناصحون المشفقون على هذه الصحوة؛ من فقدان اللياقة في الاختلاف، أو يشكون من غيبة أدب الحوار، أو الحساسية من النقد، مما حول الخلاف إلى تنازع يعقبه فشل: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال:٤٦].
فإنه في الوقت ذاته نرى خلطاً غريباً عجيباً في أحيان كثيرة حين تعرض هذه القضية عرضاً نراه يفضي إلى تغييب الولاء والبراء في عتمة تعدد وجهات النظر، أو إخفائه تحت مظلة حتمية الخلاف، ويراد من ذلك أن ننظر إلى الخلاف بين الإسلام والعلمنة، أو بين السنة والبدعة كنظرنا إلى الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم في صلاتهم العصر في بني قريظة.
وربما مرر ذلك على عبارات يساء وضعها أو يساء فهمها، فهل كل اتفاق نتعاون فيه؟ وهل كل اختلاف نتعاذر فيه؟ وهل كل اختلاف رحمة؟ وهل كل اختلاف لا يفسد للود قضية؟ وهل يقبل شرعاً أو يليق أدباً مع محمد ﷺ , أن يُستقدم إلى ثرى جزيرة العرب , جزيرة الإسلام، ومهده وملاذه, هذه الجزيرة التي كانت في وجدان محمد ﷺ وهو يودع الدنيا فلحقت نفسه بالرفيق الأعلى وهو ينادي: ﴿ألا لا يجتمع في جزيرة العرب دينان﴾ هل يليق أن يستقدم إلى ثراها حداثيٌ مغموز عليه بالنفاق؟! أو شيوعيٌ من أفراخ الشيوعية المفلسة، ثم ترفع لهم المنابر، وتبوأ لهم المنصات؛ ليطرحوا طروحهم المشبوهة تحت مظلة حتمية الاختلاف، ويسكت الصوت المقابل تحت شعار: "أدب الخلاف".
إن الحاجة جد ماسة إلى تجلية هذه القضية، وتبيين معالمها؛ حتى تعصم جماعة المسلمين من شرذمة التفرق، وبوادر التنازع، وبوار الفشل، وشؤم الخلاف، وحتى يعصم المجتمع المسلم أن تتنفس فيه رئة الباطل بمقولة علمنة، أو تنفث فيه فرقة زائغة بنفث بدعة، هذه القضية سيبين سواها ويلحم سداها, شيخنا وحبيب قلوبنا وقرة عيوننا أبو عبد الله الشيخ عائض بن عبد الله القرني، والذي لا يسعني أن أثني عليك، فقد أثنت عليك فعالك، ولا يسعني أن أمدحك فقد مدحك موقفك وعطاؤك.
وكنت الجريء النفس في كل موقف تلفت فيه الحق لم يلق حاميا
وكنت على الأفواه سيرة مجمل وكنت حديثاً في المسامع عاليا
لكن يسعنا أبا عبد الله أن نحييك، فحياك الله بكل تحية من عنده مباركة طيبة، حياك الله كلما خطت لك قدم بحب، أو نظرت إليك مقلة بشوق، أو أصغت لك أذن بلهف، ويسعنا أن نكافئك بما لا نملك أن نكافئك إلا به ألا وهو الدعاء، فأسأل ربي بأسمائه المباركة الحسنى أن يبارك في عمرك، وينسأ في أجلك، ويبلغك من الخير مرادك، وأن يقر عينك بعز الإسلام وظهور المسلمين: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠].
وأدعكم مع أبي عبد الله فليتفضل مشكوراً مأجوراً.
стр. 7552
مع من يكون الحوار ؟
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اللهم إني أسألك في هذا الموقف الكريم، من على هذا المنبر الكريم، في هذا الجمع الكريم وأنت الكريم, أن تصلح الراعي والرعية، اللهم إن زرع الباطل قد سمبل، وشوك الكفر قد حنظل، فنريد منك حاصدة لا تبقي له بقية.
أبتهل إلى الله في أول هذا الدرس, كما ابتهل رسوله إليه ﵊ في جنح الظلام وهو يقول كما في صحيح مسلم: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السماوات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾ ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣].
أما أخي إمام هذا الجامع والخطيب المفوه الشيخ: عبد الوهاب الطريري فالحقيقة أنني اعتذرت له كلما أثنى، ولم أجد له هذه الليلة عذراً إلا الحب، فإن أثنيت ورددت عليه اتهمت بأنني أحبه، وهذا سرٌ أفشيه في هذا المجلس، وإن سكت ولمته فما أدري
أحبك لا تسأل لماذا لأنني أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي
واعلموا -حفظكم الله- أن لهذه المحاضرة سبباً ونسباً، أما سببها فهو الحوار المعلن الذي فوجئت به جزيرة العرب، جزيرة محمد ﵊ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الجزيرة التي جدد توحيدها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من على هذا التراب الطيب الطاهر تفاجئ بحوار، ولكن:
والله لو لاقيتني خالياً لآبي أقوانا مع الغالب
وتخالفنا طائفتان: طائفة لا لقاء بيننا وبينها حتى تترك ما اعتقدت وما حملت، وليس كلامنا في هذا الدرس عنها.
وطائفة تريد أن تجعل نقاط الحوار: الكتاب، والسنة، والكعبة، والمصحف، والصلاة.
فتعرضها للحوار أمام الملأ وكأننا في شك من ديننا، وهؤلاء لنا معهم كلام.
وإنه يؤسفنا أن يبوءوا -كما تفضل الشيخ- المنابر، وأن يسمع لهم، وتحتفل بهم الأمة، وتحشد لهم الحشود ثم لا يمكن دعاة الحق وأهل الحجة الدامغة والحجة البالغة التي يحملونها, وهم أولياء الله ، الذين يحملون قال الله وقال رسوله ﵊ أن يتكلموا ويسمعوا الناس أصواتهم، ويتكلم أولئك للناس ويسمع حوارهم وصوتهم.
وأنا أقول: هنا عدة قضايا:
القضية الأولى: لا يجوز أن يسمع لهم أصلاً بوجود أهل العلم، والفكر، والرأي، ولو أنه يحصل بعض المداخلات، لكن هذه لا تشفي العليل، ولا تروي الغليل.
القضية الثانية: الواجب أنهم يسمعوا لنا، فإن الله يقول لرسوله ﵊: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦] يسمع هو لا أن تسمع أنت؛ لأن الحق تحمله أنت، فما نحمله من حق الواجب أن نسمعه غيرنا ولا نسمع منهم الباطل, وسوف أعرج على هؤلاء.
стр. 7553
ضرورة الائتلاف بين أفراد وجماعات الصحوة الإسلامية
أما الحديث في هذا الدرس فهو مع من اختلفنا معه اختلافاً يمكن تداركه والالتقاء بعده، وعدم الضغينة أو الحقد من ورائه، وهذا ليس إلا خلافاً فرعياً يحصل في الملة، وقد حصل في أصحاب الرسول ﵊، فسوف أتحدث إلى أولئك وأناديهم أن نعتصم، وأن نكون جبهة موحدة تحمي لا إله إلا الله محمد رسول الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣].
ويقول في هذا الصف المؤمن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ويقول جلت قدرته عن هؤلاء: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] ولقد سعى ﵊ في توحيد القلوب وتأليف الأرواح إلى درجة أنه أجلس بلالاً الحبشي مع أبي بكر القرشي، وصهيباً الرومي مع عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي مع علي، وعماراً مع عثمان، فأي إخاء تريدونه بعد هذا الإخاء؟!
إن يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد
وحب الألفة على الحق مبدأ إسلامي يعشقه المؤمنون، ويدعو إليه الصالحون في كل زمان ومكان.
أحب المسلمون عبد الله بن المبارك ﵁ وأرضاه؛ لأنه كان يحب الائتلاف والاتفاق, ويتناسى الخلاف الفرعي، وكان ينشد في طلابه:
وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفافٍ وحياءٍ وكرم
قوله للشيء لا إن قلت لا وإذا قلت نعم قال نعم
وكان يقول:
إذا صاحبت قوماً أهل ود فكن لهم كذي الرحم الشفيق
ولا تأخذ بزلة كل قوم فتبقى في الزمان بلا رفيق
أيها الأحبة: نحن بحاجة ماسة إلى أن نجمع شملنا، ونوحد كلمتنا، وأن نتناسى تلك الضغائن التي جعلها الشيطان بيننا من إملائه وتسويفه، وعند أحمد في المسند عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب , ولكن بالتحريش بينهم﴾.
فالشيطان يئس أن يُسجد للأصنام أو الأنداد، لكنه يحرش بين الصف الإسلامي، فيذر الجهود مبددة، والألسنة الحداد تتكلم في الأعراض، ثم اعلموا -حفظكم الله- أن من القضايا التي أريد أن أذكرها في أول هذه المحاضرة: هي اجتماع المسلمين على الكتاب والسنة ضرورة يمليها الشرع والواقع، وقد اجتمعت الأمم على ملل محرفة وعلى أطروحات باطلة، وتسعى الآن الهيئات لجمع نفسها -لأن الاجتماع أصبح ضرورة- على مصالح مشتركة، ووفاق دولي، وأخوة إنسانية، وعمل اقتصادي، وتنظير سياسي، إلى غير ذلك من أطروحات البشر، أفلا نجتمع نحن أهل الإيمان أمام هذا الزحف الكافر؟! إنها ضرورة!
стр. 7554
ضرورة إنكار الوضع الخاطئ
القضية الثالثة: إنكار الوضع الخاطئ ليس إثارة للفتنة، بل إطفاء للفتنة, فإن أصل الفتنة هو ترك الخطأ، وترك الباطل والمنكر, أما من ينكره فهو المصيب، ولو سكت ﵊ عن الجاهلية وما أثارها ووقف ضدها لكانت الفتنة إلى اليوم، فكيف يعتبر من يرد الرأي الخاطئ هو الفاتن المفتن؟ لا.
بل الذي أتى بالفتنة هو الذي يتولى كبرها.
ونحن نعلم أن الأمم الآن تعيش حواراً إلا بلاد الإسلام, فهم ممن اختلفوا، لكنهم متفقون على حرب الإسلام, بل العجيب: أنهم على حوارهم وسماع الرأي والرأي الآخر أكثر استقراراً وأمناً وهدوءاً، ولا تسمع القنابل، ولا الحجارة والجراح، والسياط، ولا المشانق، والزنزانات إلا في هذا المشرق.
стр. 7555
لماذا يفتح المجال لأهل الباطل ؟
القضية الرابعة: إن مما يمزق الأمة ويفرق كلمتها أن تترك أبواب الشر مفتوحةً على مصراعيها، ثم يغلق على أهل الحق أن يبدوا كلمتهم، فإن الحجة البالغة هي حجة أهل الحق، ويقول بعض الفضلاء: أجلسوني مع الشيطان لأحاوره، واتركوا لي وقتاً كوقت الشيطان فسوف أغلبه، لأن الشيطان يحمل باطلاً، أما أن تأتي بالشيطان وأذنابه، وتسلم لهم المنبر، ثم تجبر الناس على سماعهم ولا تعترض عليهم فهذا ظلم، وهذا منتهى ما يصل إليه الإنسان من شر وإجحاف وحيف.
فنقول: لا بد أن نسمع الناس صوتنا، وأن نبلغ -إن شاء الله- رسالتنا بالأدب، لأن حجتنا بالغة ومبادئنا أصيلة، ولا بد عند التنازع من الرجوع إلى الكتاب وسنة المعصوم ﵊، لا إلى فكر آخر، أو أطروحة، أو تقاليد، أو أعراف تعارفنا عليها أو آراء، أو أمور سجلها البشر وقيدوها, بل إلى الكتاب والسنة، وإلى راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومبدأ أهل السنة والجماعة , وهذا أمر هام يجب ألا نغفل عنه.
فليس لأحد أن يقطع في مسألة إلا إذا كان معه دليل من المعصوم ﵊، وليس لأحدٍ أن يتدخل برأيه ليفرضه على الناس، ويزعم أن رأيه هو الصحيح ورأي غيره خطأ, فهذا من الظلم.
стр. 7556
لا يمكن الوفاق مع من لم يدن بدين الحق
القضية الخامسة: الذين يدعون للوفاق معنا وهم لا يدينون دين الحق، على أي مائدة نتفق؟! وكيف نلتقي معهم؟ أتحت أطروحات الماركسية والعلمانية والنصرانية المحرفة واليهودية المرتكسة، ونجلس معهم على وفاق؟! ثم يصفوننا إذا لم نوافقهم بالتزمت والتطرف والأصولية والتشدد؟! سبحان الله! أهذا هو الإنصاف؟! أمعنى أن نوافقهم أن نتنازل عن الحق الذي منحنا الله إياه: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣].
بل والله ثم والله! لقد زاد تمسكنا بحقنا يوم رأينا النظريات المفلسة وهي تنهار وتحترق، ورأينا صرح أهل الباطل وهو يهوي تحت الأرجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠].
إن من الحقوق التي يدعو إليها العلماء والمصلحون أن يسمع صوتهم، وأن يفتح المجال لهم حتى يسمعوا الناس صوتهم، أضرب مثالاً بسيطاً: قبل ثلاثة أسابيع كتب كاتب في جريدة الندوة يسمى الدمنهوري دهوره الله في النار، يطالب هذا بتأديب طائفة من العلماء والدعاة والمصلحين، يقول: إنهم تعدوا الخط الأحمر، ما هو الخط الأحمر؟ ومن الذي رسمه؟ ومن ترك المجال لمثل هذا وأمثاله يعترض على أمة لا تقوم إلا بعلمائها ودعاتها ومصلحيها؟!
وأنا أريد أن أرد عليه، أو غيري من طلبة العلم، فأين نرد؟! وكيف؟! وبأي لسان؟! وبأي قلم؟! وفي أي مجال؟! فهذا من الحيف، وعدم الإنصاف أن يترك المجال لمثل هؤلاء ينقمون على الشريعة وعلى حملتها، ولا يترك المجال للرد على هؤلاء.
إن الحوار الذي تعيشه الأمم عندهم معناه: سماع الرأي والرأي الآخر، أو معناه: أن يفتح الرأي -بغض النظر عما يحمل من دين- سواء كان خيراً أو شراً, وأما في بعض البلاد فإنه يفتح المجال للشر فحسب.
أيضاً أيها الإخوة! صاحب الرأي الصحيح لا يسمى مخالفاً، بل هو الذي على الحق، والرسول ﵊ يقول: ﴿إنما جعل الإمام ليؤتم به, فلا تختلفوا عليه﴾ فإن الإمام هنا لا يسمى مخالفاً لمن خالفه، بل الذي خالفه هو المخالف, أما الإمام فهو على الحق، فالعلماء أو الدعاة -ونحن من طلبة العلماء لا من العلماء وأتكلم عن نفسي- لسنا مخالفين لهؤلاء، بل هم الذين خالفونا لأننا على بصيرة من ربنا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
стр. 7557
شروط السماع للمخالف
الخامسة: من حقوق صاحب الرأي، وصاحب القلم، وصاحب الفكر أن يسمع أو يستمع له لكن بشرطين -كما أسلفت-:
الشرط الأول: أن يحمل حقاً.
الشرط الثاني: ألا يخالف في مسائل الأصول.
стр. 7558
أحوال أهل العلم عند الخلاف فيما بينهم
وأدخل الآن إلى الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة لأتحدث لهم مباشرة حياً على هواء الحب والرضا والود، وأقول لهم: الآن أتكلم معكم وأترك العلمانيين لفرص أخرى, وأشكر الذين حضروا فراغموهم، والدين مبني على المراغمة والمجاهدة.
وأشكر الذين كثروا سواد المؤمنين وجاءوا يراغمون أهل الباطل ويداخلون بكلماتهم، ويزحفون بتكبيراتهم، لأنه حفاظ على دار الإسلام، ودار القبلة، وعلى شريعة الرسول ﵊.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ رحمة واسعة- في الرياض الناضرة قال: حالة أهل العلم مع أهل العلم عند الخلاف على ثلاثة أحوال:
стр. 7559
حال أهل الإحسان
الحال الأولى: حال أهل الإحسان، وهم الذين يذكرون المحاسن ولا يذكرون المثالب، فأنت تخالفني وأخالفك في جزئيات وفرعيات، فالواجب إذا أردت أن تحسن إلي وأحسن إليك أن تعاملني بالحسنى، أن تذكر محاسني وأذكر محاسنك, ولا تذكر مثالبي ولا أذكر مثالبك، وهذه لا يفعلها إلا قلة نادرة من أمثال ابن المبارك ﵀، والإمام الشافعي، فقد صح عن الشافعي أنه قال: "والله ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يكون الحق معه، وإني أدعو له بالصواب والتسديد" أو كما قال، فأين من يفعل ذلك؟
إن الكثير منا إذا اختلف مع الآخر في مسائل جزئية أو فرعية -ويجوز الخلاف فيها شرعاً وقد اختلف فيها الصحابة- فإنه يتمنى له العثرات ويستحل عرضه، ويتكلم فيه ويسري بعداوة له، ويتفقده في كل ما يمكن أن يخطئ فيه ليشهر بهذا الخطأ.
стр. 7560
حال أهل الإنصاف
الحال الثاني: حال أهل الإنصاف: وهو أن تصفني فتذكر محاسني ومساوئي, وأذكر محاسنك ومساوئك، فهذا حال أهل العدل، وعموم العلماء.
стр. 7561
حال أهل الظلم
الحال الثالث: حال أهل الظلم والحيف، وهم الذين يذكرون الأخطاء ويتركون الحسنات فلا يذكرونها، وقد قال ابن تيمية ﵀: "بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح" فتجده يترك المحاسن في الكتب والأشرطة والمحاضرات والدروس والمؤلفات، ويأتي إلى طالب علم أو داعية أو عالم فيقول: أخطأ في كذا، ثم يشهر به، ويرد عليه في أشرطة، ثم يقتفي أثره ويغتابه ويستحل عرضه، فأين الإسلام؟ وأين الإيمان من هذا؟
لماذا لا تذكر الحسنات؟
قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀ وهو من علماء الحديث ومن علماء أهل السنة: " أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأهل البدعة لا يذكرون إلا ما لهم " وهذا من الظلم.
وأنا رأيت ردوداً وسمعت أشرطة لا تذكر إلا الأخطاء، ولا تذكر لهذا الداعية، أو العالم، أو طالب العلم حسنة واحدة لا في جودة الأسلوب, أو في الغيرة لله ، أو في سعة العلم، أو في الخيرية التي فيه!
فأقول: أين العدل؟ وأين تقوى الله ؟ وأين مخافته؟ شارب الخمر عند الرسول ﵊ كما في الصحيح، يشربها أكثر من مرة، فيسبه أحد الصحابة، فيقول له ﷺ : ﴿لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، فوالذي نفسي بيده! ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله﴾ أو كما قال ﵊.
ورأيت بعض الفضلاء يقول: أحسن المعتزلة في إدخالهم الملاحدة إلى الإسلام، ولكنهم أساءوا يوم أوقفوهم في الاعتزال وما أدخلوهم في مذهب أهل السنة.
لماذا لا يعترف بعضنا لبعض بما فيه من إيجابيات، وبما فيه من خير؟ لماذا بسبب أخطاء لا يخلو منها البشر؛ تطمس حسنات الرجل؟ وقد قال ﵊: ﴿إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾.
стр. 7562
محاولة لمعالجة الخلاف في الأمة
خطاب مفتوح في نقاط لحملة السنة، ولطلبة العلم، وللصالحين، وللأخيار، وللذين يريدون الله والدار الآخرة، أقولها بشكل مسائل:
стр. 7563
ضرورة الاهتمام بالعدو الأكبر
أولاً: لماذا ننسى عدونا الأكبر ونختصم فيما بيننا؟ هل انتهينا من حرب النصرانية العالمية، واليهودية، والعلمانية، وهي تفرخ وتعشعش في عقر دارنا، هل وقفنا ضدها؟ أين أهل هذه الردود من الصولات والجولات التي تعرفونها من أولئك؟ أين أصواتهم؟ أين تكبيراتهم؟ أين كتبهم؟ أين محاضراتهم؟ أين أشرطتهم مع أناس تربوا في وكر الماسونية، وفي مخادع الماركسية، وعلى موائد العلمنة؟ فأين هم لا نراهم إلا على الدعاة وطلبة العلم في مسائل فرعية، أو في إشغال للأمة بجزئيات يجوز فيها الاختلاف؟!
هل هجر مالك الليث؟ أو هجر أحمد الشافعي لأنه خالفه؟ لقد اختلفوا في فروع، وصلى بعضهم وراء بعض، ودعا بعضهم لبعض، بل قال الإمام أحمد لـ ابن الشافعي: "أبوك من السبعة الذين أدعو لهم وقت السحر" فبالله كيف نحاكم هؤلاء الذين اشتغلوا بالصالحين، وطلبة العلم والعلماء، يلقطون عليهم كلمات محتملة عامة، مائعة أحياناً أو عائمة، ثم يأخذون منها نقداً ويضخمونها، ويبرزونها، ويوغرون صدور الجيل الناشئ الذين يريدون صفو الكتاب والسنة, كيف نحاكمهم؟
أقول لهم: أين أنتم عن الصولات والجولات، هل لكم كتب في الردود على هؤلاء؟ هل لكم محاضرات أو كتب ضد اليهودية والماسونية والعلمانية والماركسية أم لا؟!
أتى رجل إلى جعفر الصادق فاغتاب مسلماً عنده، فقال له: اسكت، هل قاتلت الروم؟ قال الرجل لا.
قال: هل قاتلت الفرس؟ قال: لا.
قال: هل قاتلت الترك -يوم كانوا مشركين-؟ قال: لا.
قال: يسلم منك الروم والترك وفارس ولا يسلم منك أخوك المسلم!!
سبحان الله! أين جهاد هؤلاء؟! أين المواقف المشهودة التي يقفها هؤلاء؟! والله! إن موقفاً واحداً لداعية أمام فروخ العلمنة الذين أتوا بالأفكار الغربية، يتكلمون بألسنتنا، ويشربون ماءنا، ويستنشقون هواءنا، وهم مشحونون بآراء كافرة ملحدة من الداخل, إن وقوف داعية أمامهم أحسن من مؤلفات هؤلاء ومئات أضعافها وأشرطتهم، بل أحسن ربما من كثير من دروس تشتت شمل الأمة وهذا قطعاً لا شك فيه.
لكني أقسم من باب:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب
стр. 7564
حرمة اتهام النيات
المسألة الثانية: لماذا نتهم النيات فيما بيننا؟
نسمع بعض الفضلاء يلقي محاضرات وما قصده إلا الخير، وإلا كيف يتصور أن ينهك نفسه من أجل الدعوة ومن أجل الحق، ويؤلف، ويحاضر، ويدرس، ويربي، ويعلم، ثم تأتي أنت من ورائه تستخرج وتنقب من كلامه وتقول: إنه يريد الإساءة للإسلام والمسلمين؟! ويريد الهدم لدين الله ؟! وإنه يريد الوقيعة بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؟!
فأقول: اتقوا الله، من يسمع كلامي هذا ومن يبلغه، وأقول لكم ولنفسي: لنتق الله جميعاً، فلا نتهم النيات، إذا كان للكلام محملان حسن وسيئ، نحمله على الحسن، لكن هؤلاء لا يحملونه إلا على السيئ، وإذا قلت لهم: إنه لا يريد هذا القصد، قال: أنت لا تعرفه نحن نعرفه، له تصرفات وله حركات ودلت عليه حيثيات، وعليه دلائل وبراهين ويجمعون كلامه، حتى إني سمعت شريطاً, أخذوا كل ما يمكن أن يحمل فيه على محمل أو عثرة مما يقارب خمسين شريطاً ووضعوه في شريطٍ واحد، فهل هذا عدل؟! وهل هذا إنصاف؟!
стр. 7565
احتمال وجود الحق عند المخالف
المسألة الثالثة: لماذا نحن ندعي لأنفسنا الصواب ولغيرنا الخطأ؟
بعض الناس نصب نفسه أنه من أهل السنة وغيره ليس من أهل السنة، فيحاكم الناس إلى نفسه وكتبه، ومحاضراته، ودروسه، حتى سمعت بعضهم يقول: وقد ذكرت ذلك في موطن من كتبي! وقد ذكرت هذا الفصل في أحد أشرطتي! وقد وضحته في بعض محاضراتي!
فكأن هذا العلامة شيخ الإسلام في هذا العصر وهو مرجع الأمة، وكأنه المرجعية الكبرى لـ أهل السنة، فيقول: أنتم ما راجعتم كتبي! وأنتم ما رأيتم ماذا قلت في المسألة! ولو راجع كلامي هذا ما أخطأ، لكن العيب فيه أنه ما راجع كلامي!
ومن أنت يا حجة الإسلام حتى نرجع إليك؟! أنت مثلي وأنا مثلك، والواجب إذا اختلفت أنا وأنت أو تنازعنا أن نرجع إلى الكتاب والسنة, لا أن نرجع إلى كلامك.
следующие страницы →