Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.
стр. 7561
حال أهل الظلم
الحال الثالث: حال أهل الظلم والحيف، وهم الذين يذكرون الأخطاء ويتركون الحسنات فلا يذكرونها، وقد قال ابن تيمية ﵀: "بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح" فتجده يترك المحاسن في الكتب والأشرطة والمحاضرات والدروس والمؤلفات، ويأتي إلى طالب علم أو داعية أو عالم فيقول: أخطأ في كذا، ثم يشهر به، ويرد عليه في أشرطة، ثم يقتفي أثره ويغتابه ويستحل عرضه، فأين الإسلام؟ وأين الإيمان من هذا؟
لماذا لا تذكر الحسنات؟
قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀ وهو من علماء الحديث ومن علماء أهل السنة: " أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأهل البدعة لا يذكرون إلا ما لهم " وهذا من الظلم.
وأنا رأيت ردوداً وسمعت أشرطة لا تذكر إلا الأخطاء، ولا تذكر لهذا الداعية، أو العالم، أو طالب العلم حسنة واحدة لا في جودة الأسلوب, أو في الغيرة لله ، أو في سعة العلم، أو في الخيرية التي فيه!
فأقول: أين العدل؟ وأين تقوى الله ؟ وأين مخافته؟ شارب الخمر عند الرسول ﵊ كما في الصحيح، يشربها أكثر من مرة، فيسبه أحد الصحابة، فيقول له ﷺ : ﴿لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، فوالذي نفسي بيده! ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله﴾ أو كما قال ﵊.
ورأيت بعض الفضلاء يقول: أحسن المعتزلة في إدخالهم الملاحدة إلى الإسلام، ولكنهم أساءوا يوم أوقفوهم في الاعتزال وما أدخلوهم في مذهب أهل السنة.
لماذا لا يعترف بعضنا لبعض بما فيه من إيجابيات، وبما فيه من خير؟ لماذا بسبب أخطاء لا يخلو منها البشر؛ تطمس حسنات الرجل؟ وقد قال ﵊: ﴿إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾.
стр. 7562
محاولة لمعالجة الخلاف في الأمة
خطاب مفتوح في نقاط لحملة السنة، ولطلبة العلم، وللصالحين، وللأخيار، وللذين يريدون الله والدار الآخرة، أقولها بشكل مسائل:
стр. 7563
ضرورة الاهتمام بالعدو الأكبر
أولاً: لماذا ننسى عدونا الأكبر ونختصم فيما بيننا؟ هل انتهينا من حرب النصرانية العالمية، واليهودية، والعلمانية، وهي تفرخ وتعشعش في عقر دارنا، هل وقفنا ضدها؟ أين أهل هذه الردود من الصولات والجولات التي تعرفونها من أولئك؟ أين أصواتهم؟ أين تكبيراتهم؟ أين كتبهم؟ أين محاضراتهم؟ أين أشرطتهم مع أناس تربوا في وكر الماسونية، وفي مخادع الماركسية، وعلى موائد العلمنة؟ فأين هم لا نراهم إلا على الدعاة وطلبة العلم في مسائل فرعية، أو في إشغال للأمة بجزئيات يجوز فيها الاختلاف؟!
هل هجر مالك الليث؟ أو هجر أحمد الشافعي لأنه خالفه؟ لقد اختلفوا في فروع، وصلى بعضهم وراء بعض، ودعا بعضهم لبعض، بل قال الإمام أحمد لـ ابن الشافعي: "أبوك من السبعة الذين أدعو لهم وقت السحر" فبالله كيف نحاكم هؤلاء الذين اشتغلوا بالصالحين، وطلبة العلم والعلماء، يلقطون عليهم كلمات محتملة عامة، مائعة أحياناً أو عائمة، ثم يأخذون منها نقداً ويضخمونها، ويبرزونها، ويوغرون صدور الجيل الناشئ الذين يريدون صفو الكتاب والسنة, كيف نحاكمهم؟
أقول لهم: أين أنتم عن الصولات والجولات، هل لكم كتب في الردود على هؤلاء؟ هل لكم محاضرات أو كتب ضد اليهودية والماسونية والعلمانية والماركسية أم لا؟!
أتى رجل إلى جعفر الصادق فاغتاب مسلماً عنده، فقال له: اسكت، هل قاتلت الروم؟ قال الرجل لا.
قال: هل قاتلت الفرس؟ قال: لا.
قال: هل قاتلت الترك -يوم كانوا مشركين-؟ قال: لا.
قال: يسلم منك الروم والترك وفارس ولا يسلم منك أخوك المسلم!!
سبحان الله! أين جهاد هؤلاء؟! أين المواقف المشهودة التي يقفها هؤلاء؟! والله! إن موقفاً واحداً لداعية أمام فروخ العلمنة الذين أتوا بالأفكار الغربية، يتكلمون بألسنتنا، ويشربون ماءنا، ويستنشقون هواءنا، وهم مشحونون بآراء كافرة ملحدة من الداخل, إن وقوف داعية أمامهم أحسن من مؤلفات هؤلاء ومئات أضعافها وأشرطتهم، بل أحسن ربما من كثير من دروس تشتت شمل الأمة وهذا قطعاً لا شك فيه.
لكني أقسم من باب:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب
стр. 7564
حرمة اتهام النيات
المسألة الثانية: لماذا نتهم النيات فيما بيننا؟
نسمع بعض الفضلاء يلقي محاضرات وما قصده إلا الخير، وإلا كيف يتصور أن ينهك نفسه من أجل الدعوة ومن أجل الحق، ويؤلف، ويحاضر، ويدرس، ويربي، ويعلم، ثم تأتي أنت من ورائه تستخرج وتنقب من كلامه وتقول: إنه يريد الإساءة للإسلام والمسلمين؟! ويريد الهدم لدين الله ؟! وإنه يريد الوقيعة بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؟!
فأقول: اتقوا الله، من يسمع كلامي هذا ومن يبلغه، وأقول لكم ولنفسي: لنتق الله جميعاً، فلا نتهم النيات، إذا كان للكلام محملان حسن وسيئ، نحمله على الحسن، لكن هؤلاء لا يحملونه إلا على السيئ، وإذا قلت لهم: إنه لا يريد هذا القصد، قال: أنت لا تعرفه نحن نعرفه، له تصرفات وله حركات ودلت عليه حيثيات، وعليه دلائل وبراهين ويجمعون كلامه، حتى إني سمعت شريطاً, أخذوا كل ما يمكن أن يحمل فيه على محمل أو عثرة مما يقارب خمسين شريطاً ووضعوه في شريطٍ واحد، فهل هذا عدل؟! وهل هذا إنصاف؟!
стр. 7565
احتمال وجود الحق عند المخالف
المسألة الثالثة: لماذا نحن ندعي لأنفسنا الصواب ولغيرنا الخطأ؟
بعض الناس نصب نفسه أنه من أهل السنة وغيره ليس من أهل السنة، فيحاكم الناس إلى نفسه وكتبه، ومحاضراته، ودروسه، حتى سمعت بعضهم يقول: وقد ذكرت ذلك في موطن من كتبي! وقد ذكرت هذا الفصل في أحد أشرطتي! وقد وضحته في بعض محاضراتي!
فكأن هذا العلامة شيخ الإسلام في هذا العصر وهو مرجع الأمة، وكأنه المرجعية الكبرى لـ أهل السنة، فيقول: أنتم ما راجعتم كتبي! وأنتم ما رأيتم ماذا قلت في المسألة! ولو راجع كلامي هذا ما أخطأ، لكن العيب فيه أنه ما راجع كلامي!
ومن أنت يا حجة الإسلام حتى نرجع إليك؟! أنت مثلي وأنا مثلك، والواجب إذا اختلفت أنا وأنت أو تنازعنا أن نرجع إلى الكتاب والسنة, لا أن نرجع إلى كلامك.
стр. 7566
ضرورة الانتباه لدوافع النقد
المسألة الرابعة: لماذا نتشهى بتبديع الناس وتضليلهم؟ فالكلام قد يحتمل الصحة, لماذا لا نجعل لأنفسنا فسحة ليتوب الله علينا ، ويعفينا من أخطاء الناس ومن ذنوبهم، ولا نبدع, فنقول: نستغفر الله, يمكن أنه أراد غير ما قال؟ قالوا: لا، إذا لم تبدعه فأنت مبتدع.
وهذا يسمى: التركيب في الفتيا والتركيب في الأحكام، فمن لا يبدع المبتدع فهو مبتدع، ومن لا يكفر الكافر فهو كافر، وقد يكون الثاني صحيحاً عند بعض أهل العلم، لكن قصدي إن هؤلاء يسرع بعضهم في تبديع الناس.
حتى إنه كلما وجد محملاً لكلمة سارع إلى نقدها أو أخذها، فما أدري ما هي الدائرة الضيقة التي يتعامل من خلالها مع الناس ومع طلبة العلم والناشئة؟ وفي أي جو يستطيع أن يعيش هذا إذا أخذ محمل تبديع الناس وتضليلهم ولم يتلمس لهم أعذاراً ما دام أن لهم أعذاراً، وما دام أنهم لم يشهروا ببدعتهم أو يثبت عليهم ثابت؟
стр. 7567
ضرورة العودة إلى العلماء
القضية الخامسة: لماذا لا نعود إلى العلماء؟
ربما يوجد هناك ناشئة لا يرون للعلماء قدراً، حتى كبار العلماء, ويرون أن هؤلاء العلماء ليسوا أهلاً أن يعاد إليهم، وبعضهم صرح بما في نفسه، وهذا -والعياذ بالله- غواية من هؤلاء، وعلامة على أنهم لم يربوا تربية صحيحة، طالب في السادسة أو الخامسة عشرة من عمره يأتي إلى عالم في الثمانين أو أكبر، يحمل علم الكتاب والسنة، فينتقده، ولا يرضى قوله، ولا يعود إليه، ولا يسأله، ويقول: أنا أعرف بالواقع منه، وعندي خلفيات أخرى، والعالم هذا فيه أمور لكن لا أذكرها تورعاً.
يكفيك ذنباً أنك لم تسأل هذا العالم ولم تعد إليه، فإن طلبة العلم يعودون للعلماء، قال عمر في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] قال: [[أنا من الذين يستنبطونه]] ويستنبطونه أي: يجيدون فقه الكتاب والسنة.
стр. 7568
ضرورة سعة الصدر وطول النفس لطالب العلم
القضية السادسة: أين سعة الصدر وطول النفس والحلم الذي نطالب به الناس في الخطب والمحاضرات والدروس، قال ابن مسعود: [[فقهاء إذا ما تكلموا]] أي: أنهم إذا كانوا على المنبر فهم فقهاء، لكن في حياتهم وواقعهم وتعاملهم، تجد الشراسة، حتى تجد بعضهم يهجر أخاه المسلم وهو يلتقي بأهل البدع، أو أحياناً بالكفار وهو مسالم معهم, حتى إذا قلت له: يا أخي! لماذا لا تشتغل بالرد على العلمانيين؟ قال: معنا أناس أخطر من العلمانيين، وقد قالوها صراحة، وتكلموا بها بوضوح، وهذا هو الخطر العظيم، والله يرسل موسى إلى فرعون فيقول: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] ونحن بيننا مسلمون، مصلون، قائمون بأمر الله في الجملة، ومع ذلك لا يلين أحدنا كلامه لأخيه المسلم، فأين العدل والإنصاف؟ وأين سعة الصدر؟ وأين الحلم؟ وأين دائرة العلم الواسعة التي يمكن أن نتخاطب منها مع الناس حتى نوضح للناس منهج الله أو يوضحوا لنا هم منهج الله حتى نكون وإياهم على كلمة سواء؟
إنني أطالب نفسي وإخواني بالحلم، وعدم العجلة بإصدار الكلمات الفضة الغليظة التي تشتت الشمل، وتذهب البركة من هذا العلم، حتى تجد أحد الناس يطلب علم الحديث، لكنه وجه الجرح والتعديل إلى جرح واغتياب الناس، فإذا قلت: لا تغتاب هذا العالم، قال: هذا من باب الجرح والتعديل عند أهل السنة والجماعة، فيأكل لحوم الناس تحت هذه المظلة، وهذا محرم ولا يجوز له.
стр. 7569
ضرورة التماس العذر للمخالف
المسألة السابعة: لماذا لا يتلمس بعضنا لبعض العذر؟
فقد يكون وهم في المسألة، ولعله أراد كذا فأخطأ، لماذا لا نبدي أولاً حسن النية؟ يقول أحدهم لـ ابن السماك: غداً نتعاتب، قال: بل غداً نتغافر.
يقول: غداً أنا وإياك نلتقي ونتعاتب وأحاسبك، قال: لا.
غداً نتغافر, ألقاك فتقول: غفر الله لك، وأقول لك: غفر الله لك, هذا هو منطق الإيمان.
أيها الإخوة: لا بد أن نلتمس الأعذار للمسلمين من أهل السنة، الذين أخطئوا في مسائل، لأن الخطأ منهم هو ناشئ إما من الوهم، أو أن الدليل ما وصلهم، أو سبق لفظ، أو أرادوا شيئاً ما فهمناه، وكان اللازم أن نسألهم قبل أن نشهر بهم في الأشرطة والكتيبات ومن على المنابر، لماذا لا نقف معهم ونحاورهم كما فعل أصحاب الرسول ﵊؟
ذكر صاحب كنز العمال: "أن أبا سفيان بن حرب طرق الباب على علي بن أبي طالب في الليل، بعد وفاة الرسول ﵊، وقد أخذ أبو بكر الخلافة, وهو من بني تيم من أسرة صغيرة ضعيفة، وعلي بن أبي طالب من أسرة بني هاشم، ومنطق الجاهلية يرى أن الخلافة ليست إلا في علي؛ لأنه من أسرة كبرى، وأما أبو بكر فمن أسرة صغيرة.
فخرج علي سيد الشجعان في ظلام الليل وعليه إزار، قال أبو سفيان: يا علي! إن كنت تريد الخلافة، فو الله! لأملأن عليك المدينة خيلاً جرداً، وشباباً مرداً -يعني: مقاتلين- حتى يسلموا لك الخلافة بالقوة، فأخذ علي بتلابيب أبي سفيان وهزّه، وقال: [[يا أبا سفيان! إن المنافقين غششة، وإن المؤمنين نصحة]] إن الذي يسعى بالدس والغش بين الناس فيه نوع من النفاق، أما المسلم فناصح، ولذلك يقول الشافعي:
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
ونخشى -والعياذ بالله- من سوء النيات، لأن من يريد الرد على بعض الذين برزوا في العلم، والدعوة، والفكر، والرأي، والأثر الطيب، والبلاء الحسن؛ يريد أن يشتهر، وبعضهم يريد أن يتسلق على أكتاف العظماء، أو الفطناء أو الألباب حتى يظهر هو وبئس ما فعل! وبئس ما حصل عليه، ويا خسارتاه!
стр. 7570
ضرورة إعطاء المسائل الفرعية حجمها
المسألة الثامنة: نحن نتفق في مسائل الأصول التي أجمع عليها أهل العلم، فلماذا تعطى هذه المسائل الخلافية أكبر من حجمها؟ ما هو الخلاف الآن بين أهل السنة؟ أما آمنوا بالله واليوم الآخر؛ وأثبتوا والصفات؟ أما اعتقدوا ما اعتقد أصحاب الرسول ﵊؟ ما هو الخلاف الآن المزعوم والمفتعل، والحروب الهوائية المفتعلة والمختلقة، والمعارك الوهمية التي يحدثها بعض الناس؟!
وماذا يريدون من ورائها؟!
أنا أسألهم: ما هي النقاط التي اختلفنا فيها حتى نعود على بصيرة؟ ما تسمع منهم إلا عموميات وتعميماً للقضايا، وإدخال كلام بعضه في بعض، وهذا ظلم وحيف لا بد أن نحذر منه.
стр. 7571
الصدق في النصيحة
المسألة التاسعة: النصح.
النصيحة معناها: محبة الصواب للآخر، والفضيحة: التشهير بخطئه، وأنا إذا أردت أن أنصح أحداً من الناس، فمعناه: أني أحب أن يصيب الحق، ويقوم عليه، ولا أحب أن يستمر في خطئه، لكن إذا عرضت خطأه للناس وشهرت به، فمعنى ذلك أيها الفضلاء: أنني أريد أن يستمر في خطئه، وأريد أن أنتقم منه لأمور الله أعلم بها.
стр. 7572
الموازنة بين الحسنات والسيئات عند التقويم
المسألة العاشرة: نلغي حسنات من أخطأ وننسى ما فيه من خير، وقد أسلفت هذا كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] فأين حسنات الناس؟ وأين ما فيهم من خير؟ انظر الآن إلى أهل السنة إذا تكلموا عن رجل, مثل: الذهبي -أضرب لك مثلاً- ترجم لـ قتادة بن دعامة السدوسي , المحدث, راوية البخاري ومسلم في الصحيحين، فذكر ما فيه من بدعة القدر، فقال: وكان رأساً في الزهد العبادة، ورأساً في التفسير والحديث، هذا ولا ننسى بدعته، وكذلك لا نطرح من حفظه.
فالمسألة مسألة ميزان، أن توازن بين الخير والشر في الإنسان، وأن تكون شاهداً لله على نفسك أو على الأقربين، وهذه هي الشهادة الحقة التي سوف يسأل عليها العبد: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] وفي حديث يرويه ابن أبي خيثمة وفيه مقال أن الرسول ﷺ قال لرجل وأشار إلى الشمس: ﴿على مثلها فاشهد﴾ فأين البينة؟: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ﴾ [الأنعام:١٤٨] والله يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
أيضاً لماذا يصر كل منا على أن رأيه صحيح، ورأي غيره خطأ، إن هذه كارثة، لأنه اعتقاد بعصمة كلامه وعمله، فهذه مهلكة من المهالك، قرأت في فتح الباري في كتاب الرقاق: أن رجلاً سأل عبد الله بن المبارك فقال: رأيت مسلماً قتل مسلماً، فقلت لنفسي: أنا خيرٌ منه، قال ابن المبارك: "أمنك على نفسك أشد من جريمة قتله للمسلم".
وفي الصحيح أيضاً: ﴿أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من الذي يتألى علي؟! أشهدكم أني قد غفرت لهذا وأحبطت عمل هذا﴾ أي: حبط عمل العابد لأنه أعجب برأيه.
فأنت تدعوني إلى رأيك وتزعم أنك أنت المصيب، وأنا المخطئ فإلى متى؟!
فلا بد لنا من أن نتحاكم وإياك إلى الدليل، ثم ترضى بما حكم الله ورسوله ﵊.
أيضاً: احذر أن يكون هناك شيء من الحسد بين الأقران، فإن أهل السنة يقولون: كلام الأقران يطوى ولا يروى، ومرض المقارنة مرض مزمن، ومرض المعاصرة مرض قديم، ولذلك حصل كلام بين مالك ﵀ مع ابن إسحاق , ومحمد بن مندة مع أبي نعيم، وابن جرير مع أبي داود، وغيرهم، فالحذر من أن يكون بين الأقران شيء من الحسد ثم يتحول إلى حرب افتعالية وانتقام وتشفي بالكلمات, حتى تجد ذنب هذا أنه برز، حتى يقول أحدهم:
إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوباً فقل لي كيف أعتذر
أي: إذا كان ذنبي عندك أنني برزت، وتكلمت ونفعت وأفدت فكيف أعتذر منها وهي محاسني؟
ويقول الآخر:
وشكوت من ظلم الوشاة ولم تجد ذا سؤدد إلا أصيب بحُسَّدِ
لا زلت يا صدق الكرام محسداً والتافه المسكين غير محَسَّدِ
أي: دائماً المرموقون محسَّدون، وأقول: لا بد أن ننزع الحسد وعداء الأقران من بيننا، ونتقي الله ، فإن الله تعالى قال في أوليائه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] وقال عنهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
﴿أخبر الرسول ﵊ عن رجل دخل عليه المسجد أنه يدخل الجنة ثلاث مرات, فتبعه ابن عمر ورأى عمله، فوجد عمله كعمل المسلمين، فسأله فقال: إنني لا أنام وفي قلبي غلٌ لأحد من المسلمين﴾ وهذه قمة الأخلاق، وقمة الرقي والتقوى ومحاسبة النفس.
стр. 7573
الخلاف الشرعي لا يتحول إلى خلاف شخصي
المسألة الحادية عشرة: لا يجوز للخلاف أن يتحول إلى خلاف شخصي وعداوة.
فمثلاً: بعض الناس قد يختلف معك في مسألة ما: مثلاً: في تحريك الإصبع، أو مثلاً: في جلسة الاستراحة، فيترك جلسة الاستراحة وتحريك الإصبع ويصمد إليك، ويجرحك، ويتكلم فيك بما ليس من أدب الخلاف، فإن الخلاف إذا كان في مسألة ما فلا تنقلها وتجعلها خلافاً شخصياً وعدائياً, فالهجوم الشخصي هذا ليس بصحيح، حتى إن بعضهم يقول: وهذا الرجل شرس الخلق، حاد الطباع، بخيل, فيه كل عيب! فما علاقة هذا كله في المسألة المختلف فيها؟!
ولا نريد أن تعاد الواقعة التي حصلت بين الإمامين الجليلين السيوطي والسخاوي رحمهما الله تعالى حتى ألف السيوطي كتاباً اسمه: الكاوي لدمغ السخاوي وذاك يكتب كتاباً في الرد عليه, وتنتقل المسائل الخلافية الشرعية إلى شخصية، حتى إنه يقول في كتابه: وكان عاقاً لأمه، فتركها وهجرها، ولم يزرها في القاهرة! فما علاقة هذه المسألة في أمه؟! وهذا مثلما يفعله كثير من الناس -وأعوذ بالله وأسأل الله أن يعافيني وإياكم أن نكون منهم- يتركون مسألة الخلاف ويأتون إلى الهجوم الشخصي، والسلوكي, والهجوم في الطباع والصفات، ويتركون المسألة التي اختلف فيها.
стр. 7574
ضرورة توحيد الصفوف أمام العدو المشترك
المسألة الثانية عشرة: لماذا لا تبرز ردود أهل الحق في وحدة ائتلافية حتى نصمد أمام عدونا المشترك؟ ثم لماذا لا نأخذ قدم صدق ننصر بها دين الله ؟ وأنا أدعوكم إلى هذه القضية المهمة؛ لأن الحقوق تؤخذ ولا تعطى، وقد قال بعض الفضلاء في مثل كتاب المسار، وهو الصحيح: الآن أنت إذا تركت الباطل يمرغ الحق، ثم وقفت وتقول: ما أتيحت لي الفرصة، ومن يتيح لك الفرصة؟ أليس ربك، ثم جهدك وحرصك، وغيرتك.
فأنا أطالب بالمراغمة, أن تحضر أنت في الأندية، خاصة إذا كنت من أهل الفن -أعط السهم راميها- فتأخذ وتعطي مع هؤلاء، وإني أشكر أصحاب الفضيلة الذين راغموا كثيراً من دعاة الباطل، في بعض المواقف المشهورة المحمودة من أصحاب الفضيلة مثل: الدكتور سعيد بن زعير، وفضيلة الدكتور أحمد التويجري، والدكتور سعود الفنيسان، والشيخ عبد الوهاب الطريري، والدكتور ناصر رشيد، والدكتور الهويمل، وغيرهم كثير وكثير، أشكرهم على ما فعلوا؟
وهذا هو الجهاد، وأيهما أفضل؟ رجل يتنفل نافلة ويصلي في زاوية في المسجد, ورجل وقف هناك يراغم الأعداء ويقف ضدهم ويذب عن الشريعة، ويدافع عن محمد ﷺ ؟
إن هذا أعظم أجراً عند الله، وعسى الله أن ينفعهم بهذه المواقف المشهودة، فإنها مواقف أهل الإيمان الذين دافعوا الباطل, فلماذا أنت لا تدافع؟: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:٩٦] ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
وفي الحديث الصحيح: ﴿أخرج الرسول ﷺ سيفاً، فقال: من يأخذ هذا السيف؟ فامتدت أيادي الصحابة كلهم يريد أن يأخذ السيف، فقال ﷺ : بحقه، فخمدت الأيدي ونزلت الأصابع، وبقيت يد أبي دجانة مرفوعة، قال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: حقه أن تضرب به الكفار حتى ينحني، فأخرج عصابته الحمراء وعصب بها رأسه, وكانت تسمى عصابة الموت، وأخذ يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول
ثم مضى متبختراً لمراغمة أهل الباطل، فقال ﷺ : إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن﴾.
فلك أن تحضر، وتكثر سواد المؤمنين وتدخل في هذه الأندية بكتيبة إيمانية معك من شباب الدعوة، أهل الصلوات الخمس وهم في محفل وفي جمع كبير يكبرون ويهللون، فهذا هو نصر الإسلام، أحسن من أن تبقى ترد في بيتك على دعاة الإسلام وعلمائه، في نقاط اختلف فيها السلف، وكثر فيها الخلاف، وسوف يبقى الخلاف حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يضرنا أن يختلف فيها أهل العلم.
وبعض المسائل قد ذكر فيها الحافظ ابن حجر وغيره ثلاثة وأربعين قولاً، وما ضر ذلك أهل الأمة الإسلامية، ساعة الاستجابة في الجمعة في أي ساعة؟ قالوا: ثلاثة وأربعين قولاً.
جلود الميتة هل تستخدم أم لا؟ ثمانية أقوال، وهل توقف العالم الإسلامي ومسيرة الرسول ﷺ على جلود الميتة وساعة الاستجابة في الجمعة؟! قل القول الذي أدى إليه اجتهادك، لكنك لا تتتبع الصالحين في أقوالهم وفيما غلطوا فيه مما يسعهم الخلاف فيه.
أيضاً: لا يجوز أن نفرح بأخطاء المسلمين، فإن بعض الناس يتشفى بذلك، يريد أن يتعثر صاحبه ويخطيء، حتى إني سمعت: أن بعضهم خصص بعض طلبة العلم لجرد كثير من الأشرطة؛ ليسمع الأخطاء فيها ويسجلها في دفتر.
سبحان الله!! لماذا لا يشغل نفسه بما فيه صلاح له في الدنيا والآخرة؟ ولماذا لا يوفر على نفسه الجهد، ويرد على أعداء الله ، وإذا قلت له: اتجه نحو اليهود والنصارى والعلمنة، قال: أولئك أخطر من اليهود والنصارى والعلمنة: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:٤٦].
أيضاً: الواجب أن نسعى إلى وحدة الأمة، فإن هذه الأمة الإسلامية متحدة في الأصل، وكان مجتمعه ﷺ هو المجتمع الأصل، وكذلك مجتمع بني أمية فيه مجتمع السنة على الأصل، ومجتمع بني العباس فيه المجتمع المثالي على الأصل، وكان الشذاذ هم الجهمية، والمعطلة، والخوارج، والقدرية، وهذه الطوائف المبتدعة, ولذلك لا يسمون الجماعة، وليسوا من أهل الجماعة، بل قال ابن مسعود: [[الجماعة من كان على الحق ولو كنت وحدك]].
وقيل لأحد الفضلاء: من هم الجماعة؟ قال: محمد بن أسلم المروزي جماعة، وبعضهم قيل له: من الجماعة؟ قال: الفضيل بن عياض هو الجماعة، فالجماعة ليست بكثرة السواد الأعظم, فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] فالواجب علينا: أن نسعى إلى وحدة الشمل، ووحدة الكلمة، وإذا رددت على الباطل، أو بينت المنكر، أو رددت على أعداء الله فإنك لست بذلك مثيراً للفتن، ولا شاقاً للصف، بل أنت تسعى لوحدة المسلمين الذي دعا إليها , كما قال موصياً أولياءه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] ويقول : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦].
стр. 7575
احذر من كلام من لا يحسن الكلام
المسألة الثالثة عشرة: احذر من كلام من لا يحسن أن يتكلم، يقول بعض أهل السنة: إنما وقع الخلاف لأنه تكلم من لا يحسن الكلام، فالآن الفتوى أصبحت شذر مذر، وكل شيء له تخصص إلا هذه الشريعة، فقد أصبحت مرعى وحمى مفتوحاً لكل أحد، فتجدهم يقولون: يحق لكم أن تتكلموا في أصول الفقه، وأفتوا وشرعوا، وناقشوا أهل الفقه، وصححوا وضعفوا في الأحاديث! وإذا تكلمت في تخصصهم, قال: احترم التخصص!
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس
إن الحداثة العلمية لا تبرر لصاحبها أن يناطح العظماء، والأشاوس الذين تمكنوا في العلم الشرعي، حتى يقول جرير:
وابن اللبون إذا ما لز في قرنٍ لم يستطع صولة البزل القناعيس
فهؤلاء أعجبتهم أنفسهم فتكلموا وهرفوا بما يعرفون وما لا يعرفون، وردوا على الكبار وعلى الصغار، فنسأل الله أن يحسن الحال، وأن يجمع الكلمة، وأن يزيل الأمراض منا جميعاً.
стр. 7576
ضرورة القول السديد في الرد على المخالف
المسألة الرابعة عشرة: إن علينا أن نتقي الله في الألفاظ عند الردود والكتابة، فإن الحكام والمحدثين وقفوا على شفير جهنم، فهؤلاء في الدماء وأولئك في الأقوال، فيقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] والقول السديد: هو الحكم الحق، والقول الذي لا يلحقك من الله عليه تبعة، وإن الكتابة التي يكتبها صاحبها بدون بينة ولا برهان، أو يكتبها لانتقام أو تشفٍ هي من القول غير السديد الذي يحاسب عليه.
والقول السديد: هو الحق والصواب، وقيل: القول السديد: هو قال الله وقال رسوله، وقال بعض المفسرين: القول السديد: لا إله إلا الله، وهي أم القول السديد، ولكن كل ما يندرج تحت لا إله إلا الله هو القول السديد، ولا تصح الأعمال إلا بإصلاح الأقوال، حتى إنك تجد أن من يتشفى بأغلاط الناس ويتتبعها, يشهر به الله .
تجد بعض العلماء الذين نكتوا على بعض العلماء ولاحقوهم وسخروا منهم، ألحق بهم الله من يسخر منهم, حتى قالوا في ترجمتهم: وكان الجزاء من جنس العلم.
وأضرب مثلاً -على أني أسأل الله أن يغفر له وأن يجمعنا به في دار الكرامة، لكن هذا مجرد مثل- الإمام ابن حزم على ذكائه وقدرته وعبقريته، لكنه يسمى منجنيق المغرب، كان يرمي كل أحد، ولا يهاب أحداً، حتى العلماء الكبار والصغار، وليس عنده إلا سور الصحابة، فقد وقف عند سور الصحابة ولم يتجاوزه لكن كبار أهل المذاهب والعلماء، وكبار المحدثين ما سلم منه إلا القليل ﵀, فماذا كان الجزاء؟ هو نالهم باللسان فنالوه بالأيدي، أخذوه المالكية، فحرقوا كتبه في البادية وضربوه وشردوه عن أوطانه، ثم ردوا عليه الردود, فكان الجزاء من جنس العمل.
لكن من يحترم الأعراض -أعراض المسلمين- ومن يداري عنهم بالكلمات يحمي الله عرضه، وأضرب مثلاً بسيطاً ولا أريد به محاباة ولا مجاملة، ولكن أحتسبه عند الله ، عالم الأمة سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز , انظر كيف وقرت الألسن جلالته وسماحته، وتحامت الأقلام أن تناله، لأنه في مكانه لا ينال أحداً ويريد الإصلاح، وجمع الشمل، ويدفع الأمور بالتي هي أحسن، فجازاه الله بأن نشر له الثناء الحسن، والقبول الحسن، فتجد حتى فسقة الناس يحمون جنابه، ويقدرونه، ولسان حالهم يقول: من تقمص قميصاً ألبسه الله ذاك القميص، وبعضهم يقول: من تطوق برداء طوقه الله بردائه، فالجزاء من جنس العمل.
فتجد الذين يحرصون على الردود والتشهير والمخالفة تسرع إليهم السهام من كل جهة، لأن الله يحاسبهم بما فعلوه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٥] صدقاً في الأقوال، وعدلاً في الأحكام.
أيها الإخوة: نحن الآن لسنا في جزيرة نائية منقطعة عن العالم, بل أصبحنا نعيش في أتون العالم، وأصبحنا في كون ممتلئ بالشرور والأفكار المخالفة الكافرة والأطروحات الملحدة، وأصبح علينا لزاماً أن نجتمع جميعاً وننجو بأنفسنا، وإلا فإن المد الكافر سوف يلحقنا، ونحن نختصم فيما بيننا في جدل عقيم بيزنطي لا ينفعنا في الدنيا ولا في الآخرة.
أنا أدعو الأقلام التي ضيعت أوقاتها، وضيعت مدادها في الرد على أولياء الله؛ أن ترد على أعداء الله، وأنا أدعو أصحاب الأصوات التي شحبت وهم يتكلمون على إخوانهم؛ أن يتقوا الله في إخوانهم، وأن يتوجهوا لهؤلاء الذين انحرفوا عن منهج الله .
أيضاً: أنا أعتبر أن من يشغل إخوانه عن جهاد الكفرة، وجهاد هؤلاء الأحزاب الضالة بأنه مثبط، وفيه نفاق، والله قال عن المنافقين والملحدين ومن على شاكلتهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [النساء:٥٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ [النساء:٥٢].
فأسأل الله أن يحفظنا وإياكم وأن يجمع شملنا على الحق.
стр. 7577
كيفية جمع شمل أفراد الصحوة
وجمع الشمل ألخصه في مسائل:
الأمر الأول: أن نتفقه في علم الكتاب والسنة ونتبحر في العلم الشرعي بحسب الطاقة والمستطاع.
الثاني: أن نعود إلى العلماء.
الثالث: أن يدعو بعضنا لبعض، إن كنا نريد الله والدار الآخرة.
الرابع: أن تكون أمورنا أو مسائلنا فيما بيننا، إلا رجلاً أصر على بدعة أو استحوذ عليه نفاق داخلي، أو انغمس في كفر -والعياذ بالله- فلنا منه موقف آخر.
أما الطائفة الثانية المنحرفة المنحلة عن منهج الله والتي شهرت السلاح، وسجلها معروف، وملفاتها معروفة، فلها موقف آخر:
لبث قليلاً يشهد الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل
أيها الإخوة: ما بقي من وقت فللأسئلة وأسأل الله أن يحفظنا وإياكم وأن يؤيدنا وإياكم بكلمته، وأن يرعانا وإياكم برعايته، وأن يجمع أمر المسلمين، وأن يصلح ولاة الأمر، وأن يهديهم سواء السبيل، وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور.
стр. 7578
الأسئلة
стр. 7579
تعليق على الأحداث في الجزائر
السؤال
وردت أسئلة كثيرة تطلب الحديث الشافي في أحداث الجزائر، هذا السؤال خلاصة أسئلة كثيرة تواردت إلى الشيخ حفظه الله؟
الجواب
الحمد لله, الجزائر وأحداثها:
دم الثوار تعرفه فرنسا وتعلم أنه صدق وحق
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
الجزائر حديثها وأحداثها طويلة، ولكن حق على أهل العلم والدعوة، أو من يحمل ميثاقاً أن يبين، وألا يخشى في الله لومة لائم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] وأحب أن أعرض المشكلة في الجزائر في مسائل:
أولها: المسلمون والدعاة والعلماء الذين يقومون بالدعوة إلى الله اليوم في الجزائر هم من أهل السنة والجماعة، من مدرسة الإمام عبد الحميد بن باديس التي تلقت مشربها من مدرسة الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم , والشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا نأخذ أخبارنا من وسائل أخرى فقد غسلنا أيدينا منها، بل نأخذ أخبارنا من أهل العلم، من الثقاة، والدعاة، ومن كتبهم الذي ألفت ومن أشرطتهم.
الثاني: لماذا ضحى الجزائريون بمليون من شهدائهم وأكثر؟! ألتترأس هذه الأنظمة العلمانية الأمة؟! ألتقودها إلى النار؟! ألتؤسس الجريمة في الأرض؟! ما الفرق بين فرنسا وبين عملائها الموجودين الآن؟ فلماذا إذاً قاتلوا؟ ولماذا دفعوا دماءهم؟
ثمن المجد دمٌ جدنا به فاسألوا كيف دفعنا الثمنا
الثالثة: لماذا ألغيت الانتخابات؟
أناس يزعمون أنهم هم أهل الديمقراطية، ويتبجحون بها، ديمقراطية ولكن عند المسلمين والدعاة: لا، وقام المشرق والمغرب تحت مظلة: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] وكما قال الشيخ عبد الوهاب الناصر: الديمقراطية سلم رسمت درجاته بحيث لا يصعدها إلا هؤلاء المتهالكون من الماركسيين والشيوعيين، ولا يستطيع الإسلاميون والمسلمون الصعود إليها.
وهذا هو الواقع, ديمقراطية لكن إذا وصل الإسلام, قالوا: لا.
الأمر الرابع: لقد أثبتت الأحداث في الجزائر والتصويت بأغلبية ساحقة أن الشعوب تريد الإسلام، وقد ملت الكذب على الله وعلى كتابه وسنة رسوله ﵊ وعلى المؤمنين، وقد نفرت كل النفرة من هذه الزمرة التي جوعتها وآذتها، وصادرت حريتها وكرامتها، وتعبدتها لنفسها، وفصلت بينها وبين خالقها وربها.
ولو أجري تصويت في العالم الإسلامي لكان تسعون في المائة من هذه الشعوب تريد حكم الله، نظرت فيلماً للجزائر لمسيرة جبهة الإنقاذ , هل رأيت البحر إذا اشتد موجه؟ هل رأيت السيل إذا تدافع؟ هم أقوى وأدهى، تصور في بعض المسيرات سبعمائة ألف امرأة محجبة مسلمة، يخرجن في مسيرة بعد صلاة الجمعة يردن الحجاب، أليس هذا هو الواقع الذي فرض نفسه عن أمة تريد الله والدار الآخرة؟ بلى.
ثم أسأل سؤالاً في أحداث الجزائر , يقولون: إن قصدهم بالدين التستر، يعني: أن الجزائريين وأمثالهم يتسترون بالدين ولا تقع المقارع أصلاً إلا في رءوس المسلمين، وأصلاً لا يتهم إلا الإسلاميون، ولا يسجن ولا يعذب ولا يشنق إلا هم، فيتسترون بالإسلام.
وأصلاً غطاء الدين مكشوف في العالم، وهو متهم، ولو وقعت قذيفة من كافر ما وقعت إلا في صدر مسلم.
ثم ما هي المكاسب المادية والدنيوية التي يحصل عليها من يتقلد الدين؟
إنه لا يعين في البلاد الإسلامية إلا في أرخص الوظائف، ولا يتاح له تحريك القرار، ولا الصدارة، ولا مكانة تشريف، وإنما يبقى بكسرة خبز وبهندامه، وبجوعه, وفقره، وبدمعه في جفونه يحمل لا إله إلا الله، وهم المستضعفون في الأرض.
ولذلك جاء ﵊ للمستضعفين، وأحبه المستضعفون، وعشق دعوته بلال، وعمار، وسلمان، وذهبوا في كتيبته، يقول هرقل: أشرفاء الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: ضعفاؤهم، قال: أولئك أتباع الرسل.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
أيضاً أقول: لا يحزنكم ما يقع من أحداث سيرها الله وأرادها ، فالله غالب على أمره، وله حكم تخفى علينا، يمكن أن الأمة ما نضجت إلى الآن، وما استحقت أن تتقلد حكم الله في الأرض، فأراد ربك أن يؤدبها ويحاسبها، وأن يرفع منزلتها، ويلقنها دروساً.
أيضاً: لسنا بأغير من الله على عباده، فله الحكمة المطلقة، وهو الغيور سبحانه، أغير من رسوله على الأمة الإسلامية، ورسوله أغير من الصالحين عليها.
أيضاً: أقول وأختم هذا الكلام: الإسلام هو الآن الحل الحضاري البديل في الساحة، فقد انهارت كل المزاعم الباطلة والكاذبة، وأخرج الله اللعنات على وجوه أصحابها، وأحرقت، وبقي الإسلام: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] فالآن المهندسون الذين كانوا يسيرون الذرة تحت الأرض في مناجم في أذربيجان وجورجيا خرجوا بلحاهم المحمدية السنية، ويقولون: لا إله إلا الله، كانوا في سور حديدي يضربون بالمقارع، ويعاملون كما تعامل الدواب، ومع ذلك أدخل الله الإيمان في قلوبهم، والرسول ﵊ يقول: ﴿والذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه﴾ والحديث طويل وطويل، وأختمه بأن أقول: أين الولاء؟: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١].
وأما المنافقون فهم كالبهائم: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٦٧] أجزاء مترابطة، أما الولاية والشعار والحب فللمؤمنين.
стр. 7580
آخر قصيدة للشيخ عائض
السؤال
مجموعة من الأسئلة تطلب آخر القصائد التي قلتها، وترجو أن تتحفنا بها الليلة؟
الجواب
على كل حال هذه آخر القصائد وهي بنت اليوم أو أمس، وسمها ما شئت, هي سهام من سهام الحق, إما شعراً منثوراً أو نثراً مشعوراً، أو حراً أو عبداً إنما: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] عنوانها: "تباركت يا ذا الجلال":
تباركت يا ذا الجلال
وربك ذو السلطة القاهرة قلوب من الحب ينسجها
محمد في بردة طاهرة
ويغمسها في سناه
رؤاه بها بل علاه
تعيش برياه في آصره
تباركت صوت الرعاة
وهمس السواني حداء الجلال
لك الحمد دنيا وفي آخرة
تباركت ترسل دمع المحب على وجنته
لك الحب صفواً أردت لنا يا إله
جنىً ما درى قاطفوه بأن لنا
في جنادريتنا قصة الأذكياء
عباقرة نحن ننتج غرباً
ودلواً من الجلد في معمل الكيمياء
بعيراً نسيره للأنام
كمركبة في الفضاء
تراث من الجيل
والخزف النائم في غرف الأقوياء
نحفظ أنشودة البدو سكان روما
ونسأل أصحابنا في جنيف
ألم تجدوا الناقة الحائرة؟
فلا بدر لا زمزم لا أبو بكر
نعرضه في القديم
لأن التراث جديدٌ
ونحن نحب الجديد
سوى الدلو والغرب والجرة العامرة
صواريخنا أرض جو من الرقصات
على ضربات الزير في الهاجرة
نسينا مع العرض صوت بلال
وجبة سعد
ودرة فاروقنا الظافرة
سنخبر كل العوالم أن لنا
من المجد كبرى المشاة مع قاطرة
قديم هو القيروان مع بيت لحم
مع الأزهر الراقد في القاهرة
فلا تدخلوا في النوادي
مالك والشافعي
فقد حُنِّط القوم في الحافرة
وصلى الله على محمد.
стр. 7581
كلمة للشيخ/ سعيد بن زعير عن الحوار مع العلمانية
إن بقي من الوقت فأنا أستميح فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب الطريري ليتحفنا الشيخ الجليل والأديب والمفكر الدكتور سعيد بن زعير ليكمل ما بقي من وقت ولا نريد أن يطيل: ﴿من صلى بالناس فليخفف﴾.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لولا أني أحرجت من الشيخ عائض قبل هذه المرة حيث طلب مني مثل هذا الطلب ورفضت، ووعدته ألا أرفض مرة أخرى لفعلت، وفي الحقيقة أن ما سمعنا من فضيلة الشيخ لا تعليق عليه، ولا حاجة في الواقع للتعليق لحسن الإعداد ولحسن العرض، ولكن كنت أسجل لنفسي نقاطاً من حديثه, كانت مدار صراع وحوار خلال الأسبوع الماضي في عدد من الندوات الثقافية التي كانت في مهرجان الجنادرية.
ووجدت تقارباً في القضايا التي عرضت مع اختلاف في منهج العرض وفي النتائج، وأعلق قليلاً على بعض ما سمعت هنا وما سمعت هناك.
من الأشياء التي عرضت وتكاد تكون محل إجماع في معظم منتديات العرب والمسلمين اليوم: أن أمة محمد ﷺ في واقعها الحضاري اليوم، تكاد تكون في آخر الركب، وهي أمة متخلفة: سياستها ليست على الهدى، واقتصادها بعيد عن منهج الله، وتربية أبنائها ضعيفة، وإعلامها غير راشد، وإنتاجها في معظم شئون الدنيا هزيل ضعيف، تعيش على موائد غيرها.
هذه حقيقة ينبغي أن نعترف بها, وهي محل إجماع من أبناء العرب والمسلمين المهتدين والضالين، فهذه حقيقة لا نختلف فيها.
فهذا التخلف الذي هو محل إجماع, يتحدث الكثيرون كيف ننعتق منه؟ وكيف تنهض الأمة؟ وفي قضية نهضة الأمة تختلف الأطروحات، وليست هذه قضية جديدة، الطرح مبكر، وهذا الطرح المبكر المتعدد، جعل في تراث النهضة في بلاد العرب والمسلمين أشكالاً من التصورات، وما تعرفون من الحزبية القائمة في بلاد العرب والمسلمين ومبررها التي نشأت عليه: أن كل صاحب فكرة يدعي لنفسه أنه الذي سينهض بالأمة من خلال تصوره ومن خلال حزبه، فامتلأت المكتبات بهذه الأطورحات المتفاوتة.
وفي العصر القريب وفي الأيام القريبة، والأسابيع القريبة، والأشهر القريبة، طرح ما يسمى بالحوار، الحوار بين من؟ بين أصحاب هذه التصورات في النهضة بالأمة، الذين يقولون: إن الإسلام هو الحل، والذين يقولون: إن أحزابهم وحكوماتهم هي الحل، والذين يقولون: لا حل إلا أن نقلد الذين نهضوا من الغرب وننهج نهجهم, والذين يقولون: نلفق من كل مكان ونطرح أشكالاً متنوعة، الحدث هو الحوار, نسمعه في الإذاعات، ونقرؤه في الصحافة، ونسمعه في المنتديات، لماذا لا نتحاور؟ لماذا لا يكون بيننا حوار؟
والشيخ طرح جانباً من الحوار وهو الحوار بين المهتدين، بين علماء الأمة، وفقهائها، والملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما ينبغي فيه من أدب في الاختلاف، وهذا أيضاً موضوع قديم، بل ألف فيه ومن ذلك: رفع الملام عن الأئمة الأعلام كتاب لـ ابن تيمية ذكر فيه التعدد ووجهات النظر، وأن هذا أمر فيه سعة.
ولكن الحوار القائم الآن في منتديات العرب والمسلمين، هو حوار بين الحق والباطل، حوار بين العلمانية بفصائلها وبين -مع الأسف الشديد المؤلم- الإسلاميين بفصائلهم أو تجمعاتهم أو أشكالهم.
إنها قضية كبرى, وأتصور أنها أكبر ما يعرض الآن في الساحة، الحوار بين العلمانية وبين الإسلام، في الشهرين الماضيين عقد منتدىً كبير -في أكبر بلاد العرب عدداً- بين العلمانية والإسلام.
وقبلها بسنتين أيضاً عقد حوار بين العلمانية والإسلام، وانتقلت تلك الصراعات إلى كل الصحافة العربية تقريباً، وإلى المهرجانات العربية، يطرح أمر الحوار وأدبه، الخلل يراد أن يكون بين العلماء المسلمين, والأدب والضوابط والقيم في الخلاف إنما يراد لها أن تكون بين المسلمين والكافرين, فيقولون: لماذا لا تتعدد الآراء؟ لماذا لا نقبل بالرأي الآخر؟ لماذا لا يعرض الرأي الآخر؟ لماذا تكرهون الناس على آرائكم؟ وهذا الكلام يقال ما دمنا في دائرة الإسلام، أما وأن الحوار بين الإسلام والكفر، فأي تنازل، إن الحوار مع الكفر نوع آخر خارج دائرة التعدد في الآراء، خارج دائرة.
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] إذا كان خارجاً هناك: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦].
القضية الخطيرة في الحوار: على ماذا نتحاور؟ حتى إن هذا المبدأ يكاد يكون محل تسليم عند الكثيرين من الناس، أو على الأقل نسبة كبيرة من كتابنا يسلمون به، هذا المبدأ يقولون: إن تلاقح الآراء، والأفكار، وصراع الأفكار يخرج من خلاله الحق، هذه تكاد تكون مسلمة، وهي جزء من النظرية الشيوعية، التي قامت على الجهل, وأصلاً لا علم عندهم لأنهم مقطوعي الصلة بالله، ويقولون: إن الحقائق تأتي من الصراع، تتصارع الآراء ومن الصراع تخرج الحقيقة, وهذه تطرح بيننا المسلمين، يقولون: إن الصراع بين الأفكار يثمر الحقيقة وتظهر الحقيقة من خلاله، وهذه ليست من بضاعتنا، بل هي بضاعة أولئك الذين لا يعرفون الحقيقة، أما نحن فإن الحقيقة عندنا، إن عرفناها وإن لم نعرفها، إذا كنا لا نعرف الحقيقة فليس الطريق في معرفتها الصراع، وإنما بالبحث العلمي، بفهم القرآن والسنة، وفهم مشكلات الناس وتنزيل الحكم عليها، وإذا كانت عندنا قضايا لا نعرف الحق فيها، فهل نتصارع حتى نعرف الحق أو نعود إلى كلام الله وكلام رسوله، ونبحث في آيات الله، وفي حديث رسول الله ﷺ ؟
ثم كيف يطرح الحوار؛ ليأتي مثقف، أو مفكر، أو أديب، أو شاعر، أو موسيقي، ليأتي من كل الثقافات ويتصارعون ويقولون: إن هذا الصراع هو الذي يأتي بالحق، أعوذ بالله من هذا الكلام.
إن هذا -والله- لا يأتي بالحق، بل هذا يأتي بالفرقة والشتات، والبعد عن الحق.
إن الحق: هو العودة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ممن يعرفون الكتاب والسنة، من علماء الأمة، أما هؤلاء الرعاع ممن يسمون بمثقفين، وثقافتهم أتدرون ما هي؟ موسيقي, كاتب شعر, ناقد، كاتب نثر, دنيوي, طبال, زمار, فنان في الرقص! هؤلاء هم مثقفون والفنانون التشكيليون, يجتمعون ويقولون: نتحاور لنصل إلى الحقيقة، حقيقة من؟ أحقيقة الشيوعيين؟! هم يتصارعون لأنه لا يوجد حق عندهم، وإنما يعرفون الحق بكثرة الأصوات.
أما نحن في الحق حتى لو لم نعرفه فإننا نعود إليه ونبحث عنه في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .
نقطة أخرى وهي من أخطر النقاط التي تطرح في مسألة الحوار:
إذا قيل لهم: لا حوار بيننا ولا نريده, لأن الحوار لا يأتي بالحقيقة، قالوا: لماذا؟ ألستم أصحاب الحق, والإسلام قوي؟ فلماذا لا تحاورون؟
لنقل جدلاً: سوف نحاور، نسأل سؤالاً: لِمَ الحوار؟ يقول: للوصول إلى الحقيقة، فنسأله سؤالاً آخر: وماذا تريد بالحقيقة؟ يقول: لنعمل بها.
كلام منطقي، أنت تحاور للوصول إلى الحقيقة، فإذا حاورت ووصلت إلى الحقيقة عملت بها، نريد أن نختبر مصداقية هذا التسلسل، ونريد أن نجرب صدقك في هذا.
فنقول له: قبل البحث إن عندنا حقائق قطعية الثبوت والدلالة، هل تلتزم بها؟ هاه! يسأل نفسه.
الذين يطرحون الحوار اليوم من المثقفين العرب والمسلمين على الساحة العربية نقف قبل الحوار معهم، ونقول: إن الحوار الذي تقولون: إنه وسيلة للوصول إلى الحقيقة, لو سلمنا به جدلاً فنقول: لماذا لا تعملون بالحقائق البينة الآن؟
النصوص القطعية الثابتة لماذا لا تعملون بها؟ هل عندكم شك في أن الشرع لازم التطبيق؟ هل عندكم شك في أن الربا حرام؟ هل عندكم شك في أن الحدود ملزمة؟
إن هؤلاء العلمانيون الذين يحكمون في كثير من بلاد المسلمين يريدون الحوار للوصول إلى الحقيقة، وعندهم أكبر الحقائق ثباتاً في الدين يرفضونها.
إذاً هم يقولون: الحوار للوصول إلى الحقائق, وهذا كذب، لو كانوا يريدون الحق للعمل به لعملوا بالموجود، ثم يعملوا بالذي لم يوجد ولكنهم ينكشفون، فإذاً حوارهم هذا وصراعهم لإلهاء الأمة بحوارٍ غير منضبط.
ثم نقطة ثالثة وأخيرة: لو فرضنا أننا نتحاور, في أي شيء نتحاور؟ نتحاور في الأمور غير الواضحة؟ يقولون: نعم.
إن الأمور الثابتة لا تحتاج إلى حوار، نحن نتحاور في الأمور التي تتغير أو المتغيرات، نسأل: ما هي الثوابت وما هي المتغيرات؟ وما هي الأمور الثابتة؟ يقولون: الثوابت هي ما ثبت في القرآن والسنة، وعندما يحاورون يبدءون في إعادة النظر في الثوابت, فتراهم يشككون في الآيات والأحاديث، ويشككون في الأدلة القطعية.
إنهم يحاورون لإلهاء الأمة ولتشكيكها، وقد حصل لهم كثير من ذلك، أنه يعرض من خلال الندوات، ومن خلال ما يكتب في الصحافة، يعرض غثاء من الضلال الذي شكك الناس في دينهم، وشكك من لم يعرفوا الحق من شباب الأمة، ممن هم في سن التعليم، وممن هم في سنن التقويم، وشككوا بهذا الحوار.
إذاً الحوار ليس للوصول إلى الحقائق، وإنما لتشكيك شباب الإسلام في الحقائق، وذلك مقصد أعداء الدين، وقد حققوه في غفلة من السذج من المسلمين، أو في حضور أعداء الدين، وأعداء الأمة وتنفذهم في وسائل الإعلام، أو في وسائل التثقيف العامة.
إن هذا القضايا التي تعرض ينبغي أن نعيها ونفهمها وأن نراغم أعداءها.
وبعض المحاورين، والمداخلين، والمتحدثين لا يلتزمون بشيء من ثوابت هذا الدين، بل يناقشون في كل شيء، بل يناقشون في الأمور المستقرة عندنا من أمر الدين، وأمر النظام السياسي الذي استقر، ويرفضون ما نحن عليه من نظام سياسي واجتماعي, كل ما عندنا يكاد أن يكون مرفوضاً، وكأنهم -بما يسمونه الصراع- يريدون أن يهدموا كل ما عندنا، ثم يؤسسوا على أنقاضنا شراً وباطلاً مما يأتون به.
لكن العقول لا تعي، وإلا فهذه الأطروحات العلمانية بكل فصائلها في العالم العربي الإسلامي هي ساقطة الآن، بل إن الذي أسست عليه ساقط.
نسأل الله أن ينور بصائرنا، وأن يرزقنا العمل النافع، وأن يفقهنا في الدين، وأن يثبتنا على الحق، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 7582
آداب النصيحة في الإسلام
لقد بعث الله تعالى نبيه ﷺ ، وذلك لأمر عظيم وهو عبادته سبحانه، ومعلوم أن البشر يخطئون ويصيبون، وقد يحصل منهم التقصير والسهو والغفلة، فما هو السبيل إلى سد هذه الثغرة؟ إن السبيل هو النصيحة والتناصح بيننا.
وفي هذه المادة بيان لهدي السلف في النصيحة، وذكر آدابها.
стр. 7583
هدي السلف في النصيحة
الحمد لله رب العالمين، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة بحكمة، وأدى الأمانة برفق، ونصح الأمة بإخلاص، ومضى إلى الله وقد هدى الله به قلوباً، وفتح به عيوناً، وأنار به أفئدة، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وبعد:
فأشكركم -أيها الطيبون- وأشكر من جمعني بالأخيار، وعلى رأسهم من كان له هذا الفضل في هذا اللقاء بعد الله، فضيلة الشيخ جابر بن محمد المدخلي، الأمين العام للتوعية الإسلامية، وعنوان هذه المحاضرة: أدب النصيحة في الإسلام.
أيها الشاكي وما بك داء كيف تغدو إذا غدوت عليلا
أترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقه الندى إكليلا
والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئاً جميلا
أنت فينا النصوح فارفق جزاك الله خيراً فالرفق أهدى سبيلا
-النصيحة في الكتاب والسنة.
-هدي السلف في النصيحة.
-آداب النصيحة.
-الإخلاص.
-اللين.
-العمل بما يقول.
-الصبر على الأذى.
-إنزال الناس منازلهم في النصيحة.
-الإسرار بالنصيحة.
لا إله إلا الله، ما أعظم منة الله على البشرية بمحمد ﵊! بعث إليهم رحيماً رفيقاً هادياً مهدياً، ما ترك خيراً إلا دلهم عليه، ولا ترك شراً إلا حذرهم منه، كان والله أرحم من الوالدة بولدها يوم هدى الناس، ولذلك مجده الله من فوق سبع سماوات فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] عظيم خلقك، وعظيم حلمك، وعظيم برك، وعظيم صبرك، أتيت إلى أمة عربية جوفاء، ضالة ضائعة، تسجد للوثن، تزني، تخون، تغش، تشرب الخمر، الواحد منهم يرفع سيفه فيذبح أخاه كذبح الشاة، فأتى إليهم فترفق بقلوبهم قال الله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فدخل إلى قلوبهم بالبسمة الحانية، بالعناق، بالبشاشة، بالكلمة الطيبة، حتى قال الله له ولدعوته: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
فجمع الله له القلوب، قال جرير بن عبد الله البجلي سيد بجيلة وهذا الحديث صحيح: [[ما رآني ﵊ إلا تبسم في وجهي]] مع معنى ذلك؟ بسمة تشتري بها قلبه، بسمة تأسر بها روحه، بسمة تكسب بها شخصه، بسمة تهتدي بها أمة، فكان ﵊ يشتري بالبسمات قلوباً.
جرير سيد من سادات قومه، ومكث ﵊ يتألفه بالبسمة اليوم بعد اليوم، بالكلمة الحانية، حتى هداه الله إلى الإسلام فأصبح سيداً من السادات.
يقول جرير بن عبد الله، والحديث في الصحيحين: ﴿بايعت رسول الله ﷺ ، على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فاشترط علي والنصح لكل مسلم.
فيقول جرير: والله الذي لا إله إلا هو، إني لكم لناصح﴾ ذكر ابن حجر في الفتح، أن جريراً كان ناصحاً لعباد الله، اشترى فرساً بأربعمائة درهم، فقال لصاحب الفرس: بكم بعته؟ قال: بأربعمائة درهم، قال: أتريد أن تكون خمساً، قال: نعم، قال: وستاً، قال: نعم.
قال: وسبعاً، قال: نعم.
قال: وثمانياً، قال: نعم.
قال: خذ ثمان مائة فإني بايعت رسول الله ﵊ على النصح لكل مسلم.
стр. 7584
التناصح من منهج أهل السنة
وأهل السنة يتناصحون، ويتراحمون، أهل السنة ينصح بعضهم بعضاً بدافع الشفقة، والرحمة، والود، والحب، ولذلك قال الله في أوليائه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] أما أهل البدعة فيتفاضحون، أما أهل الانحراف فيشتم بعضهم بعضاً تشهير، وسب، وإعلان، ودعاية، وتضخيم للأخطاء، قال الله في المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:٦٧] يقول صالح ﵇: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩] وقال هود ﵇: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٨] فالناصح لابد أن يشفق على المنصوح، ولا بد أن يعرف حال المنصوح، ولابد أن يقدم النصيحة في قالب من الحب والود.
أرأيت منهج محمد صلى الله ﷺ الذي شق العالم في خمس وعشرين سنة، جلس مع قبائل متحاربة متضادة، كما قال بعض المفكرين: نحن العرب كقرون الثوم، إذا كشفت قرناً ظهر لك قرون.
فلولا أن هذا المصطفى ﵊، أتانا بدعوة ربانية، وبخلق حسن، والله ما لانت له قلوبنا, قال الله فيه وفي دعوته: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] أهل السنة لا يسكتون عن المنكر، قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورفع منزلته: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر بلا منكر، ما أحسن هذه الكلمة!
بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا
والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن النصيحة علامة النفاق، قال الله سبحانه في بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] وقال ﵊ فيما صح عنه: ﴿الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة قال الراوي: قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾.
قال أهل العلم: النصيحة لله بامتثال أمره واجتناب نهيه ﵎.
والنصيحة لرسوله ﷺ بتجريد المتابعة له، بأن تجعله إماماً لك.
والنصيحة لكتابه أن تقرأه، وتتدبره، وتعمل به، والنصيحة لأئمة المسلمين؛ ألا تشق عصى طاعة عليهم ما أطاعوا الله، وألا تفضحهم على رءوس الناس ما لم يظهروا كفراً بواحاً، وأن تصلي وراءهم، وأن تجاهد تحت رايتهم ما لم تر كفراً بواحاً عندك من الله فيه برهان، وأن تجمع الكلمة لهم، وأن تدعو لهم في ظهر الغيب بالصلاح والهداية.
والنصيحة لعامة المسلمين؛ أن تحب لهم ما تحب لنفسك، وأن تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر.
وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿حق المسلم على المسلم خمس -وفي رواية: ست- وذكر منها: وإذا استنصحك أن تنصح له﴾ ما أحسن الكلام! ألا تغشَّه، وألا تفظَّ بأسلوبك عليه، وألا تجرح مشاعره، وألا تفضحه على رءوس الناس وهذا هدي الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
стр. 7585
الستر على المنصوح
أهل السنة يتساترون، ذكر صاحب كنز العمال: أن أبا سفيان بن حرب طرق الباب في ظلام الليل على علي، والذي يجوب في الظلام كأن عنده شيئاً:
أزورهم وظلام الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصبح يغري بي
كم زورة لك في الأعراب داهية أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب
قبل هذا، حفظ عن عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه أنه قال: [[إذا رأيت الناس يتناجون في أمر دينهم، فاعرف أنهم على دسيسة]] اعرف أنهم غشوا الله ورسوله، الإسلام واضح، مبادئنا تعلن يوم الجمعة على المنبر، مبادئنا تسمع على المنارة، ليس لدينا ألغاز ولا شيء نتستر به، عندنا وفي قلوبنا وعلى ألسنتنا وفي أيادينا وفي أقلامنا وفي صحفنا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) نكلم بها الرئيس والمرءوس، والغني والفقير، والرجل والأنثى.
جاء أبو سفيان فطرق الباب على علي، يوم تولى أبو بكر الخلافة؛ لأن أبا سفيان ينظر إلى بني هاشم، ويريد أن يتولوا هم الخلافة؛ لأنه حديث عهد بجاهلية وما هضم فكرة أن يتولى أبو بكر الخلافة؛ لأن أبا بكر من تيم وهي أسرة ضعيفة.
طرق الباب على علي، من هو علي؟ تربى في القرآن، عرف النصيحة، عرف الأدب، عرف كيف يتعامل مع الكتاب والسنة، رضع الرسالة الخالدة، ففتح الباب في ظلام الليل، قال أبو سفيان: يا علي! كيف يتولى أبو بكر الخلافة، وهو تيمي وأنت من بني هاشم؟ إن شئت ملأت لك المدينة خيلاً جرداً وشباباً مرداً.
فهو يريد القتال، قال علي وأخذ بتلابيب أبي سفيان: يا أبا سفيان! المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة.
رضي الله عنك، ما أصدقك في ظلام الليل! لقد سمع الله كلمتك الخالدة؛ المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة، يريد بك التشهير أو الغش، أو يريد أن يظهر على كتفيك، وأما الناصح فإنه يريد أن يستنقذك من النار، ولذلك جاء في الصحيح، أن الرسول ﵊ قال: ﴿أنا النذير العريان﴾ النذير العريان عند العرب، هو الرجل يأتي من المعركة فيخبر قومه بالهول أو بالجيش فيخلع ثوبه فيصبح عرياناً، هذا في الجاهلية، قال: أنا كالنذير العريان.
وقال ﷺ في الصحيح: ﴿مالي آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون فيها تهافت الفراش﴾ أو كما قال ﵊.
стр. 7586
آداب النصيحة
للنصيحة آداب.
إن الله أخبرنا بآداب النصيحة، وما كل من نصح عرف كيف ينصح، ولا كل من دعا عرف كيف يدعو، ولا كل من أراد الخير وفق له، ورب كلمة منعت ألف كلمة، ورب خطوة أخرت عن ألف خطوة.
أرسل الله موسى وهارون ﵉ إلى فرعون، فقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] قال أبو أيوب وعلي، كما نقل ذلك ابن كثير في تفسيره ونقل عن سفيان: القول اللين هو أن يكنياه بكنيته.
أي: إذا أتيتم إلى فرعون، فقفا في البلاط الملكي، وتكلما معه بكلمة حانية، لا تجرحا شعوره، الرجل عاش على الملك، الرجل طاغية، الرجل مجرم، فإن جرحتم مشاعره فلن يهتدي أبداً، قولا له قولاً ليناً، قال أهل العلم: كنياه بالكنية.
وكنيته: أبو مرة مرر الله وجهه بالنار وقد فعل، قال أبو أيوب: كنية فرعون أبو مرة.
فدخل موسى وكان يتلعثم في الكلام، وقال: يا أبا مرة! وهذه تفتح الصدر، وأنت مثل لنفسك أن رجلاً يدعوك، فيقول: يا أبا محمد! يا أبا عصام! يا أبا أنس! ينفتح صدرك، قال عمر: [[ثلاث تكتب لك الود في صدر أخيك: أن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس، وأن تبدأه بالسلام]] قال الشاعر اليمني:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب
كذاك أُدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب
أتجرحني لتنصحني؟
أتشتمني لتردني؟
أتفضحني لتهديني؟
أنا لن أطيعك ولن أوافقك؛ لأن مشاعر الإنسان لا تعيش إلا على الرضوان، والإنسان لا بد أن تشعره بمكانته وبفضله وبحسناته.
أما آداب النصيحة فكما يلي:
стр. 7587
الإخلاص من آداب النصيحة
الإخلاص: أهل السنة والجماعة -في الجملة- يريدون بعملهم وجه الله، يتكلمون لله، ويعملون لله، ويأمرون وينهون لله الواحد الأحد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] وإنما الأعمال بالنيات، أن تخلص في نصيحتك، أن تقصد بها وجه الله، كيف ذلك؟ أن تريد بهذا الذي تريد أن تأمره وتنهاه، أن تريد له الخير، وأن تريد أن تصحح مساره، لا تركب على كتفيه، لأن من الناس من يريد بالنصيحة الظهور له أو الشهرة، لأن المثل يقول: خالف تعرف.
وبعض الناس يريد أن يركب على كتفيك؛ ليجعلك أنت جثماناً يصعد عليه، ويقول: لقد أصبحت أرد، وأصبحت أوجه، وأصبحت أعلم، وأصبحت أنصح.
وبعض الناس لا يريد بالنصيحة وجه الله، ظاهرها نصيحة وباطنها فضيحة، يريد بها أن يشفي غلاً في قلبه، من حسد هذا الرجل أو هذا الجيل أو هذه المؤسسة، فقام على رءوس الناس ينقدها، ويجرحها، ويفضحها، فيقول الناس: جزاك الله خيراً من ناصح، وفي قلبه غليان على هؤلاء، لا يريد الخير ولا التوفيق وإنما البغي والحسد.
ومنهم: من يريد بهذا الانتقام لموقف نسبي مرَّ معه، فإن بعض الناس إذا صادفه موقف عارض؛ قام على رءوس الناس ينتقم من المسلمين، ويفضح سرائرهم، ويشخص أمراضهم، ويضخم أخطاءهم، وهذا غير منهج أهل السنة والجماعة.
стр. 7588
الستر وعدم التشهير من آداب النصيحة
نصيحة الخاصة للخاصة، ونصيحة العامة للعامة.
من هم الخاصة؟ الخاصة هم قوم لهم مسئولية خاصة، ولاة الأمر، فهدي أهل السنة أن ينصحوهم في آذانهم بلا فضيحة، ولذلك كان أحمد ينصح المعتصم بينه وبينه، وصح أن أسامة ﵁ والحديث عند أحمد في المجلد الأول من الفتح الرباني أن الناس قالوا: يا أسامة! ألا تكلم هذا؟ أي: عثمان، ألا تكلمه؟ لأن الناس لاحظوا على عثمان ﵁ في سيرته بعض الملاحظ التي هو مأجور على اجتهاده فيها، من تقريب بعض بني أمية من قرابته.
قالوا: ألا تنصحه؟ قال أسامة: [[أتظنون أني كلما نصحته أخبرتكم؟]] أيلزم العالم وطالب العلم والداعية؛ أن كل ما نصح مسئولاً أو وجيهاً، أو من عنده أمر أن يخبر الناس أنه نصحه؟ أيلزمه أن يظهر نصيحة الخاصة في العامة؟ هذا ليس من منهج أهل السنة، وإنما هو إرغاء، وإزباد، وتشويش، وفتنة، وهمجية؛ معناها أن يحول الناس إلى جدال وخصام واحتدام.
أهل السنة لهم طريق آخر في نصيحة العامة، فهم ينصحون العامة على ملأٍ من الناس، فيبينون أخطاءهم لهم لا أسماء، وبلا أشخاص، كان إمامهم ﵊ يرى الخطأ فلا يقول للرجل أخطأت، ولكن يصعد المنبر فيقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا.
وإني أشكر فضيلة الشيخ جابر هذه الليلة، يوم وجه الملاحظة الأولى توجيهاً عاماً مطلقاً لم يقيده بهيئة أو بشخص أو بصحيفة، وهكذا ينبغي، فصاحب الخطأ يدرك خطأه وهو جالس، وهو مستور والحمد لله، ويصحح مساره، أما أن تخبر باسمي، وبمسكني، وعنواني، وتلقي فيَّ محاضرة، أنا سوف أعمى تماماً، أنا سوف أسل سلاحي وأنتقم، أنا سوف أدافع عن كرامتي إلى آخر قطرة من دمي؛ لأن هذه أصبحت معارك متبادلة، أو استحداث خصومات مع القلوب، وأصبح فيها من الفتنة ما الله به عليم.
لكل إنسان مكانه، من الذي لا يرى مكانته؟ من الذي يحتقر نفسه؟ من الذي لا يرى أن ينبغي أن يحترم بقدر ما فيه من الخير؟
стр. 7589
حسن القصد في النصيحة من آدابها
فمن آداب النصيحة عند أهل السنة والجماعة؛ أن تخلص النصيحة لله، وأن يكون لك ثلاث مقاصد:
المقصد الأول: أن تبرئ ذمتك من هذه النصيحة التي في عنقك، ولا تكتم علماً يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
الناس أمام هذه الآية ثلاثة أقسام: أما الكفار أنا لا أتحدث فيهم فهم في منزلة الحمير.
المسلمون أمام هذه الآية ثلاثة أصناف: صنف يأمر بالمعروف بالمعروف وينهى عن المنكر بلا منكر، ويعطي كل مسألة حجمها ومساحتها، العقيدة لها حجمها، والسنن بحجمها، والآداب والسلوك، فهو مهتدٍ على منهج رسول الله ﷺ ، وذاك هو خليفة النبي ﷺ ، ووارث علم النبوة، وهو الذي يصلح الله به، وهو الذي يستمر، وهو كالشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وهو كالعين النابضة بالحياة، وهو كالمشكاة التي تلقي نورها، وهو كالشمس، وهو وهج في ظلام الليل.
وقسم آخر: أطلق الحبل وفلت الأمور، وكسر المعاريض، وخندق الطرق بحجة اللين، يرى المنكرات كالجبال ويقول: لا.
الإسلام ليس دين تطرف ولا تزمت، لا تنكروا على أحد، كلنا على خير، ومع الخيل يا شقراء! وكلنا مأجورون، والله غفور رحيم، ولا تشوشوا علينا، ولا تثيروا الخلاف.
قلنا: حنانيك يا بارد القلب! حنانيك يا ميت الروح! الغيرة ماتت في روحك فأنت لا تتحرك، ولذلك بعض الناس كأنه في ثلاجة، يرى المنكرات كالجبال، ولا يتمعر وجهه، ولا يتغير، ولا يقول كلمة ولا ينبس بلفظة؛ بحجة أن الإسلام يسر، وأن الإسلام دين عدالة ودين تراحم وتآخ، كلمة حق أراد بها باطل، هذا متسيب وهذا لا ينتج.
أين غيرتك يا فلان من غيرة سعد بن عبادة ﵁؟ يقول ﵊ وقد سأله سعد: ﴿يا رسول الله! لو وجد أحدنا مع امرأته رجلاً ماذا يفعل؟ -أي: وجده مع امرأته أجنبياً في بيتها ماذا يفعل؟ - قال ﵊: يذهب فيأتي بأربعة شهداء﴾ هذا حقن للدماء، وحكمة، وحفظ للأرواح والأنفس، ولو أطلق ﵊، وقال: يذبحه، لكان كل إنسان يرى عند بابه رجلاً يضرب الجرس أو يطرق الباب؛ يذبحه عند الباب، لا.
يأتي بأربعة شهداء، قال سعد وهو سيد الخزرج: ﴿يا رسول الله! أنتظر وأجمع أربعة! والله الذي لا إله إلا هو لأضربنه حينها بالسيف غير مصفح.
فضحك ﵊ وقال: أتعجبون من غيرة سعد؟ والذي نفسي بيده إني أغير منه وإن الله أغير مني﴾.
غيرة حية أن تعيش معالم الدين، تتحرق إذا رأيت المرأة لا تتحجب، تتحرق لوعةً إذا رأيت الغناء يسود في الساحة، تتحرق إذا رأيت كأس الخمر ينتشر، تتحرق إذا رأيت المخدرات فاشية، تتحرق إذا رأيت شباب الإسلام يضيعون أوقاتهم، تتحرق إذا رأيت الصلاة تؤخر عن أوقاتها، تتحرق إذا رأيت الربا فاشٍ، تموت وتذوب، لكن تصل إلى مقصودك بحكمة وأناة، وتغضب لله .
وقسم ثالث: أفرط حتى خرج من السطح، لأن بعض الناس يخرج من العرض وبعضهم من السطح، والوسط هم عباد الله الأخيار، بعضهم يقيم الدنيا ويقعدها على جزئية اختلف فيها أهل العلم، يضارب الناس على الإشارة بالأصبع، أو على وضع اليدين، ويلقي محاضرة بعد الصلاة، يَبكي ويُبكي الناس ويصيح، ويضرب المكرفون على مسألة جزئية، قال فيها أبو حنيفة بقول وخالفه مالك، أين إنزال المسائل منزلتها؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] بعضهم يقوم فلا يشغل باله إلا كلمة صدرت من شاب، أو تصرف من شاب، فيجعلها قضية ويعممها ويكبر الأخطاء، وينسى ما هو أكبر منها.
عجباً!
أحد السلاطين الظلمة رآه أحد الوعاظ -ليس عالماً بل واعظاً- فقال لهذا السلطان: لي إليك حاجة، أسألك بالله أن أناجيك في حاجتي.
قال: تفضل -والسلطان هذا سفاك للدماء، يذبح الناس كذبح الدجاج، يأكل الربا، يزني، مجرم، طاغوت- فتخيل هذا السلطان أن هذا الواعظ سوف يتحدث له عن الدماء التي سفك، أو عن الزنا، أو عن الربا، أو عن تعطيل الشريعة، فدخل معه في مكتبه، قال: ماذا رأيت؟ قال: جنودك يُسبِلون ثيابهم.
قال: لعصر أنتج مثلك وأمثالك؛ حقيقٌ أن ينتج جنوداً يُسبِلون ثيابهم.
هذه القضية كلها، تأتي إلى هذه المسألة الجزئية وتنسى الكبار وتجعلها قضيتك.
فرضاً أنهم قصروا ثيابهم، ولكنهم يشربون الخمر، ويتركون الصلاة، ويزنون، ويسفكون الدماء.
وليكن مقصودك من النصيحة رحمة بالمنصوح، لأن بعض الناس تغيب عنهم هذه، أريد أن أنصح؛ لكن ما في ذهني أن أرحم هذا المسكين الذي وقع في خطأ.
والأمر الثالث: أن يكون قصدك، أن تكون كلمة الله هي العليا، ليبقى الدين قوياً وأن تفرح إذا سمعت بموجِّه أو برجل صالح، أو بمنفق، أو بداعية، أو بعالم يتكلم ويدعو؛ أن تحمد الله ، وأن تسأل الله له الاستقامة، والعون، والسداد.
стр. 7590
اللين في النصح
ومن آداب أهل السنة في النصيحة؛ أنهم ينصحون بلين، أي: بكلمة حانية، بكلمة طيبة، يقول ، وهو يذكر نصيحة إبراهيم ﵇ لأبيه المشرك: "يا أبت" وانظر أدب الخطاب، لم يقل: لم تعبد ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئا، وإنما قال: يا أبت! ثم كرر يا أبت مرات، وهذا هو اللطف.
وهذا أتى في سورة لقمان، يوم قال لقمان ﵁ لابنه: يا بُني! فقال في أول الخطاب: يابني! أخذ من ذلك بعض العلماء: أن عليك أن تقدم مقدمات للمنصوح، إذا أخطأ عالم من العلماء فلا تقل: يا فلان! أخطأت، لكن قل: أنت صاحب فضل، وأنت صاحب خير، ونفع الله بك، وقد شفى الله بك العليل، وأروى الغليل، وأفاد الأمة، ولكن ما رأي سماحتكم في هذه المسألة؟ أينكرها؟ أما أن تصدمه بالرد صدماً على وجهه، فكيف يقبلها؟ تأتي إلى وجيه في الناس فتقول: أنت فيك كيت وكيت، وقد نفع الله بك، ثم تذكر جوانب الخير فيه، ثم تلاحظ عليه ملاحظة، هذا من اللين.
قال ابن المبارك، في بيتين من أدب الدعاة وأدب النصيحة:
إذا رافقت قوماً أهل ودٍ فكن لهم كذي الرحم الشفيق
ولا تأخذ بزلة كل قوم فتبقى في الزمان بلا رفيق
هذه حق على كل مسلم يريد الدعوة -أحقه أنا، وما أحقه الله ولا رسوله ﷺ أن يحفظ البيتين، هذه تكتب بماء الذهب، تخرج من مثل ابن المبارك، ابن المبارك قوي على أهل البدعة، على جهم المجرم، ألا تعلم ماذا يقول في جهم، صاحب البيتين هذه، يقول:
عجبت لدجال دعى الناس جهرةً إلى النار واشتق اسمه من جهنم
اسمه جهم مشتق من جهنم فكان شديداً على أهل البدع، لكن مع إخوانه كالماء،
وأتى إلى إخوانه فقال:
إذا صاحبت قوماً أهل ودٍ فكن لهم كذي الرحم الشفيق
ولا تأخذ بزلة كل قومٍ فتبقى في الزمان بلا رفيق
ذكر الشيخ الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي، العلامة الشهير ﵀ قاعدة عن ابن تيمية، في كتابه المأمول قال: يقول شيخ الإسلام: بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح -ما أحسنها من كلمة- بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح.
الذباب وأنت بثيابك البيضاء النظيفة، وبطيبك، وبمظهرك، لا يقع عليك، لكن إذا رأى جرحاً في جسمك وقع عليه وانصب عليه، فبعض الناس يترك المحاسن وينسى الفضائل ويقع على منقصة أو عيب كما يفعل الذباب إذا انطلق إلى هذا الجرح فلا بد من اللين.
دخل واعظ على هارون الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين! إني واعظك ولكني سأشدد عليك.
يقول: عندي موعظة، لكنها حارة ساخنة، ويتكلم مع، خليفة لو أراد ذبح رجل لذبحه، وقف أمامه، والسيوف على رأس هذا الواعظ، ويقول: يا أمير المؤمنين! عندي كلام لكنه شديد فاسمع لي، قال: والله لا أسمع لك، والله لا أسمع لك، والله لا أسمع لك، قال: ولم؟ قال: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] ما هو الداعي للكلام الشديد؟ وهل بلغنا دعوتنا وأدخلناها في قلوب الناس بالحديد والرصاص؟ بل أدخلناها بالحب، أدخلناها بالبسمة، زرعناها بالود، فآتت أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.
فاللين اللين في تبليغ الكلمة، بإمكانك أن تصادر بعض الكلمات الجارحة، وأن تستبدل بعض الكلمات الطيبة الحميدة، وإنني أشكر بعض الفضلاء في الساحة حين كتبوا بعض الكتب والرسائل والأشرطة، فيها من الأدب والروعة والعلم ما الله به عليم.
ومن أراد أن يرى مثلاً حياً لأدب الدعوة، وأدب النصيحة، وأستاذاً معلماً في هذا الباب، وهو لازال على قيد الحياة، فلينظر إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رجل في الثمانين من عمره، يتكلم بالكتاب والسنة، عكف الله وعطف عليه القلوب، كلمته طيبة ولينة تصل إلى القلوب مباشرة.
стр. 7591
الإسرار بالنصح في موضعه
ومن آداب أهل السنة في النصيحة؛ أنهم يسرون بها في موضع الإسرار، قال الشافعي:
تعمدني بنصحك في انفرادٍ وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
أتنصحني أمام ألف؟
أتنصحني في الحارات؟
أتخبر أني أخطأت؟
أَوصلتَ بيتي؟
أَكتبتَ لي رسالة؟
أَطرقتَ عليَّ الباب؟
هل جلست معي؟
هل أشفقت عليَّ؟
أبعد أن نشرت مقابحي، ورذائلي، وسوآتي أمام الناس تريد أن أقبل منك، طبيعة الإنسان أنه إذا رأى الخصام والجدل لن يقبل، يغلق منافذ السمع لن يتقبل، فـ أهل السنة يسرون بالنصيحة في موضع الإسرار، يسرون بها بكتابة أو اتصال أو غيره، إذا علم أن المنصوح من أهل السنة، وهو الذي لا يريد إلا الخير بدعوته، ويعلم الله أنه يريد الصلاح لأمة محمد ﵊.
فحقيق على الناصح أن يسر النصيحة، ولكن قال بعض علماء السنة: من شهر بنا شهرنا به.
من شهَّر بـ أهل السنة شهرنا به.
إنسان يدّعي بدعاً، ويهاجم الدين من على المنبر أو في صحيفة، أنرد عليه سراً؟ يفضحنا جهراً ونرد عليه سراً؟ يشتمنا نهاراً ونرد عليه ليلاً؟ لا.
بل السلاح بالسلاح قال الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] ما دام أنه شهربنا فنشهر به، لأن الناس سمعوا كلامه، ولا يمكن أن يُنهى كلامه إلا برد مثل كلامه الذي شهَّر به، كرجل كتب معتقداً بدعياً ونشره في الصحف، حق علينا أن نأتي في هذه الصحف، وننشر ردنا الصادق الناصح؛ لأنه شهَّر برده أو بكلامه، لكن إنسان ارتكب بدعة، ولا يعلم إلا أنا أو أنت، أذهب إليه بيني وبينه، ولا أكتب في صحيفة ببدعته؛ لأنه قد يتوب.
سئل أحد العلماء الأحياء: أما رددت على فلان؟ قال: ليس من منهجي هذا، قالوا: ما هو منهجك؟ قال: منهجي أن أكتب للذي أريد الرد عليه بيني وبينه، فإن استجاب لي فبها ونعمت، والحمد لله فقد حصل المقصود، وإن رفض الاستجابة أعلنت الرد عليه لينتبه له الناس.
هذا هو المنهج السليم، فهدي أهل الإسلام في النصيحة: أنهم لا يتفاضحون بها ولا تصبح مسبة.
стр. 7592
العمل بالنصيحة
ومن آداب النصيحة في الإسلام: أن تعمل أنت بالنصيحة التي توجهها للناس، علَّ الله أن ينفع بها يقول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] لماذا تتكلم كلاماً جميلاً وتفعل فعلاً قبيحاً؟ قال خطيب الأنبياء شعيب عليه وعليهم الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، لا أريد أن أدلكم على الهدى وأنا ضال، وعلى الهداية وأنا متخلف، وعلى النور وأنا في الظلام.
فإذا أردت أن ينفع الله بدعوتك وبنصيحتك، فأعمل بها أنت أولاً، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣] لم تتكلمون كلاماً جميلاً وتفعلون فعلاً قبيحاً؟ وهذه أكبر القواصم التي يتعرض لها الداعية في الحياة، أن يتكلم بكلام جميل ولكن فعله قبيح، فيكذِّب فعله قوله فلا يتقبل الناس منه، ولا يجعل الله لكلامه تأثيراً ولا نوراً.
في الصحيحين من حديث أسامة ﵁: ﴿أن الرسول ﷺ ، ذكر رجلاً اندلقت أقتابه، والأقتاب هي: الأمعاء، يدور بها كما يدور الحمار بالرحى في نار جهنم، فيقول له أهل النار: يا فلان! أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: نعم.
كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه, وأنهاكم عن المنكر وآتيه﴾ قال بعض العلماء معلقاً على الحديث، وهو تعليق لابد أن يفهم، قال: ما دخل النار بسبب أمره ولا بنهيه، وإنما دخل النار بسبب مخالفته لأمره ونهيه.
ولذلك بعض الناس عنده ورع بارد في الدعوة، سامج مظلم، مالك لا تدعو؟ قال: أخشى من صاحب الرحى في نار جهنم، أخشى أن أدور في الرحى، أنت تدور من اليوم بالرحى، من أول اليوم وأنت دائر في الرحى، وأول دورانك بالرحى وأول الفتوح والبركات؛ أنك تركت الدعوة، قال أبو هريرة لرجل: [[ألا تحفظ القرآن؟ قال: أخشى إن حفظته أن أنساه قال: كفى بك نسياناً أنك ما حفظته]] من أول الطريق، وكذلك الذي عنده ورع بارد لا يأمر ولا ينهى، ولا ينصح، ولا يتحرك بالدعوة؛ بحجة أنه يخشى أن يكون مثل هذا الذي يدور في رحاه في نار جهنم، والمقصود: أن الحديث لام هذا الرجل لأنه خالف، أما إذا أمر وائتمر، ونهى وانتهى فهو مأجور، فمن أدب النصيحة: أن تعمل بها قبل أن تنصح الناس، وبعد أن تنصح الناس أن تسدد وتقارب.
بعض الناس يظن أن الداعية لا ينصح حتى يصبح معصوماً لا يخطئ أبداً أو لا يذنب، كأن الداعية هذا إذا وقع في خطأ بسيط؛ ارتكب الجرائم وخرج من الملة.
ولذلك خطأ الدعاة مضخم، وحسناتهم مصغرة، للداعية تسع وتسعون حسنة ولكنها تنسى، وله سيئة ولكنها كالجبل، أمر عجيب! قال عامر الشعبي: والله الذي لا إله إلا هو، لو أحسنت تسعاً وتسعين لنسوها ولعدوا علي غلطة واحدة.
ترفقَّ حنانيك:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
تريد مهذباً لا عيب فيه وهل عطر يفوح بلا دخان
العصمة لمحمد ﵊، والدعاة ليسوا معصومين في الإسلام، فقد يخطئون، لكنهم يراجعون خطأهم ويتوبون إلى الله الواحد الأحد.
стр. 7593
التثبت مما تنصح منه
ومن آداب النصيحة عند أهل السنة أن تتثبت من الشيء المنقول إليك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] منهج رباني عظيم، شيء مقدس، يا لجلالة المنهج! يا لعظمة هذا المبدأ! يا مسلم! إن جاءك خبر فارصده وتأكد منه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] وأنا -يا أيها الإخوة- أحذر من هذا الكلام الظاهر، من كثرة الشائعات في المجتمع المسلم، كلمات تنقل لا أساس لها، تثار بها الظغينة، ويؤسس بها الحسد والبغضاء بين المسلمين، ومصدرها شائعة كاذبة خاطئة.
أسألك -يا مسلم- بمن خلقك فسواك فعدلك، أسألك بمن جعل لك عينين ولساناً وشفتين؛ أن تعرف أنك إن لم تتثبت من الأنباء والشائعات، فسوف تضيع دينك ولا محالة، يأتيك خبر عن مسلم فعليك أن تتثبت هل قاله أم لا، تسأله وتحتاط حتى تكون على بصيرة؛ لأن الشائعات كثرت، لكثرة أهل النميمة، قال ﵊: ﴿لا يدخل الجنة قتات﴾ وفي لفظ: ﴿نمام﴾ وهو الذي يطلب المعايب، وهو الذي يأتي بالأراجيف بين الأحبة، وهو الذي يهدم المجتمع المسلم.
فمن آداب النصيحة عند أهل السنة: أنهم يتثبتون من الشائعات، حتى ينكروا أو يأمروا على بصيرة، فإذا أمروا ونهوا كانوا على قدم ثابتة مما قالوا ومما فعلوا، كان ﵊ إذا أتته الأخبار؛ سأل وتثبت ﵊ واحتاط حتى يبلغ به العلم اليقين ﷺ ، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [النجم:٢٨] وكثير من الناس إن يظنون إلا ظناً وما هم بمستيقنين، وقد رأينا بعض الناس يتقول على فضلاء ونبلاء، فإذا سألته: هل سمعته؟ قال: لا.
بل قال لي فلان، فتذهب إلى فلان؛ من قال لك؟ قال: فلان، فتذهب إلى فلان، فردك على فلان سند إسرائيلي من الإسرائيليات، معنعن بالمجاهيل والمناكير من أوله إلى آخره، أحاديث مبهرجة لا أساس لها من الصحة، وهذه وكالات أنباء عالمية، اسمها (وكالة يقولون) وهي تفسد القلوب، وتشتت بين الأرواح، وتأتي بالأخطاء للفضلاء والنبلاء، وتستحدث الخصومات، وتعتمل المعارك بدون أن يكون لها أساس.
قال ﵊ فيما صح عنه: ﴿كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع﴾ بعض الناس جالس بلا عمل على الرصيف، همه في أول النهار -لأن الناس في مدارسهم ووظائفهم- أن يوصل السيارات بعينيه، يأخذ السيارة من طرف الشارع فيوصلها إلى طرف الشارع الآخر، ويأخذ الثانية إلى صلاة الظهر هكذا، ثم يذهب إلى بيته ويستمع إلى الأنباء التي تدار في الساحة، وفي اليوم الثاني ينشر الأخبار الصباحية على المسلمين، وهذا لو أنه أخذ بحديث الرسول ﷺ ، يوم قال: ﴿من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه﴾ اشتغل بخاصة نفسك، تركك ما لا يعنيك أفضل، وإذا لم تفعل خيراً لمسلم فكف أذاك عن المسلمين، فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك.
стр. 7594
الصبر على الأذى في النصحية
ومن آداب أهل السنة في النصيحة: أنهم يصبرون على الأذى، ينصح بلين ولكن نتائج النصيحة لا نعرفها؛ لأن المنصوحين ليسوا على طبقة واحدة، بعضهم يفتح قلبه لك، ويفتح بابه، ويعانقك، وبعضهم يردك من عند الباب بلا ضرب وبلا ملاكمة والحمد لله، وبعضهم يكشر في وجهك، ويرفع صوته، وبعضهم يرد عليك بكف حامية، وهذه منازل الناس، ولذلك قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فأتى بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والرسول ﵊ أوذي، والله الذي لا إله إلا هو لو أوذي كل داعية، ومهما أوذي من الدعاة والعلماء وطلبة العلم والصالحون والصالحات؛ ما بلغوا عشر معشار ما وُجِدَ من الأذى ما وجد ﵊ في سبيل الدعوة، فلا إله إلا الله كم صبر! ولا إله إلا الله كم صابر! ولا إله إلا الله كم احتسب! حتى بلَّغ اللهُ دعوته مبلغ الليل والنهار.
والفيافي حالمات بالمنى تتلقاك بتصفيق مثير
والرمال العفر صارت حللاً عجباً من قلبك الفذ الكبير
أوذي، وشتم، وسُبَ وأخرج من داره، وبيعت أملاكه، حورب، جرح، قتل أصحابه، ضربت بناته، ومع ذلك يردد حاله:
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وقد ورد في أحاديث: أن ملك الجبال أتى إليه لما أخرجه أهل مكة بأذى، أخرجوه من مراتع الصبا، من أرض الطفولة، من الأرض التي أحبها، أسفك الدماء؟ أأخذ الأموال؟ أهدد الأبرياء؟ بل أراد أن ينقذهم من النار إلى الجنة، وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور، أخرجوه، وقف ينظر إلى مكة وهو يبكي، وهذا الحديث يحسنه كثير من العلماء، وقف يقول: ﴿والذي نفسي بيده، إنكِ لمن أحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت﴾.
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
أطفاله؛ زوجاته؛ أصحابه، أخرج وحيداً فريداً، لا زوجة ولا ولد، ولا معين إلا الواحد الأحد، ففكر في الدنيا، إلى أين يذهب؟ فذهب إلى أهل الطائف، فوقف عليهم جائعاً متعباً سهران ظمآن، فدعاهم إلى الله .
واسمعوا إلى الرد القبيح الذي يساوي وجوه هؤلاء الكفرة، قال أحدهم: أما وجد الله غيرك في الدنيا حتى يرسلك إلينا؟ فتضاحكوا، وقال الثاني: أنا أمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك.
وقال الثالث: إن كنت نبياً فأنت أجل من أن أكلمك، وإن كنت كذاباً فلن أكلمك، فليتهم تركوه، جائع ليس في بطنه شيء، ضمئان سهران، قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٢] فقام ثلاثاً وعشرين سنة، ما نام وما ارتاح، في سهاد، وجهاد، وجلاد، وعبادة، وزهادة؛ حتى رفع الله به راية الحق واجتمعنا على ذكره.
المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
عاد فأصبح بين حربين بين الطائف ومكة، إلى أين يذهب، قال ملك الجبال بعد أن جرحوه بالحجارة: يا محمد! أتريد أن أطبق عليهم الأخشبين؟ جبلين في مكة على أهل مكة، قال: ﴿لا.
إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله، ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ رفع الله منزلتك، وآتاك الوسيلة، وجزاك الله عما قدمت لنا من الهدى ومن نصيحة، والله الذي لا إله إلا هو ما تركت خيراً إلا دللتنا عليه، ولا تركت شراً إلا حذرتنا منه، أعطيتنا وهديتنا وواسيتنا، فرفع الله منزلتك وأعطاك الشفاعة يوم العرض الأكبر.
هذا من هديه ﵊ في النصيحة، هديه الصبر على الأذى، والداعية يتعرض لإيذاءات، وطالب العلم، والرجل الملتزم، والرجل الصالح يترك الغناء، فيوصف بالتطرف والتزمت، يهتدي بالرسول ﵊ بالسنة فيُلمز، يحافظ على الصلوات فيوصف بأوصاف بشعة، وهو على الحق، يا ملتزم! يا مستقيم! يا من تتعرض لحروب من الشائعات والتجريحات! قل لهذا المنتقد:
ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
عجيب! أصبح عبد الأغنية يتكلم! أصبح ابن المسرحية يتحدث! أصبح الذي لا يعرف المسجد المتخلع في الحرمات ينتقد الأخيار! والله هذا أمر عجب، وإنه واقع لا محالة، وكأنه من السنن الكونية في الأرض، والله تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
стр. 7595
إنزال المسائل منازلها
ومن آداب الدعوة عند أهل السنة والجماعة أن ينزلوا المسائل منازلها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سبق شيء من هذا، لكن أقول: المنهج القرآني يعطي المسألة حجمها، العقيدة أخذت ثلاثة أرباع القرآن، الغيبة في آية أو آيتين، غض البصر في آية، خفض الصوت في آية، فلماذا تضخم أنت الجزئيات حتى تطغى على الكليات، وتقلل الكليات حتى تصبح جزئيات؟ لابد أن تكون حكيماً.
فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضركوضع السيف في موضع الندى
أتى ﵊ إلى الحرم المكي يدعو إلى لا إله إلا الله محمد رسول الله، في قوم لا يعرفون الله، يشربون الخمر، يأكلون بالشمال، يتعاملون بالربا، يسبلون، أفمن الحكمة أن يقول: الإسبال حرام؟ أيستمع له أبو جهل وأبو لهب إذا قال: السنة أن يكون الثوب فوق الكعبين؟ وهل المسألة مسألة ثياب الآن؟ أيستمع له لو قال: الخمر حرام؟ فالمسألة أعظم من ذلك، وبعض الناس يذهب إلى بعض الوثنيين فيكلمهم في تربية اللحى، وما عليك لو ربى الوثني لحيته، أما كان - كاسترو - إلى سرته، وأمثاله من أعداء الله لحاهم إلى أسفل صدورهم! وكذلك وكارل ماركس الذي يتبعه على إلحاده ولعنته في العالم ألف مليون، هذا عنده لحية طويلة، لكن على غير هدى، فماذا ينفعنا أن نربي الناس على جزئيات يتمثلونها والخراب من الداخل، هذا مثل رجل أتى إلى بيت مهدم من كل جهه فلطخه بالألوان فأظهر أنه جديد، وهو بيت مهدم يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩] تأتي إلى رجل لا يصلي في المسجد، فتقول: يا فلان! رأيتك قبل أسبوع تأكل بالشمال، وقد ورد فيها أحاديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم، هو لا يعترف بك ولا بـ البخاري ولا بـ مسلم، يأكل باليمين، ولا يصلي بالمسجد، إبدأ بالتدرج.
ودليل التدرج في الدعوة ما في الصحيحين، من حديث معاذ: أن الرسول ﵊ أرسله إلى اليمن وانظر الكلام، وانظر إلى المنهج الرباني الخالص، نحن نتحدى به عملاء الضلالة وأصنام الجهالة والأغبياء والأقزام في العالم، أهل المذكرات السخيفة الغبراء، التي هي كوجوههم، نحن نتكلم لهم بمنهج رباني، (قال الله وقال رسوله ﵊.
نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا
قال: ﴿إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة﴾ ثم سرد معه الحديث المتفق عليه، عجيب! هذا من أحسن المناهج التي يجب على المسلم أن يطبقها في الحياة.
стр. 7596
معرفة حال المنصوح
ومن آداب النصيحة عند أهل السنة أنهم يعرفون حال المنصوح.
الذي تريد أن تنصحه فعليك أن تعرف حاله، ومشاعره، ومكانته، وعمله، والمشكلات التي يعيشها، وبيئته، هذه هي الحكمة، تأتي إلى مجتمع وأنت خالي الذهن عن المجتمع، وتريد أن تتحدث عن قضية، أهل البادية لا يصلون ولا يعرفون الصلاة، وصلنا إلى بعض الجهات، فسأل سائل منهم، شيخ في الستين من عمره، قال: الغسل من الجنابة واجب، قلنا: نعم واجب فالتفت له جاره -شيخٌ مثله- قال: كلما أتيت أهلك تغتسل! أين الماء الذي يكفي؟ يقول: تصدق هؤلاء المطاوعة، كلما جئت أهلك تغتسل! أين الماء الذي يكفي؟ يفتيه بفتوى جاهلية.
فهل يعقل أن يأتي داعية إلى هؤلاء فيتكلم عن مشكلات البنوك الربوية، أو الحد من الأسلحة، أو درجات الحرارة؟ أو يأتي إلى هذا المجتمع بمشكلة الخدم والخادمات؟ هم لا يعرفون الخدم ولا الخادمات، ولا الخروج ولا السائق، وليس في البادية ولو سيارة، سياراتهم الحمير المصفنة المجنحة، فحالة البيئة، ومعرفة مع من تتحدث؛ من آداب أهل السنة إذا تحدثوا مع المدعو.
تأتي إلى إنسان تشعر بمكانته وكرامته فتهين كرامته تحت رجليك ثم تقول: اتق الله، إن لم تتق الله ليقصمنك الله، وليعذبنك عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين.
هذا لا يليق، بل أعطه مكانته، خاطبه بألفاظه، ألفاظ الوقار، ألفاظ التبجيل، والتدبيج، والتوشيح، الطعام لا يُقبل إلا بالتوابل، لو لم تفلفله وتجعل منه مذوقات ومشهيات ما أكل، فهذه الدعوة مثل ذلك، إن لم تقدمها في باقة من الود والحب واللين، وتضفي عليها شيئاً من الأنس واللطافة، ما قبلها أحد.
ولذلك كان هذا منهجه ﵊، يأتيه أعرابي من صناديد الكفر ينكر الدين، فيعطيه ﵊ مائة ناقة، وفي اليوم الثاني مائة، وفي اليوم الثالث يعطيه مائة، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
لا بد أن نقدم للناس خدمات، بعض الشباب كانوا في سكن جامعي، وكان عندهم شاب جار لهم، يترك الصلاة في المسجد، ويمرض، ويصحو، ولا يزورونه، مهمتهم فقط إذا حانت الصلاة يضربون بابه ضرباً ويقولون: صل يا عدو الله! صل قاتلك الله، ثم يخرجون، ويقول أحدهم: اللهم اعلم أني برأت ذمتي، وأني دعوت إليك، وكلما جاءت الصلاة ضربوا الباب، صل يا عدو الله! مرض هذا الشاب وزاره داعية في المستشفى، وقال -وهو لم يعرف سيرته- قال: يا أخي! هذا المرض درس لك في الحياة، أرى أن تتوب إلى الله، وأن تعود إلى المسجد، وما تطلب مني فأنا أخوك وأنا صاحبك، وأنت لا زلت في الإسلام وأسرتك مسلمة، وأعطاه محاضرة.
قال: يا أخي! بعد ماذا أهتدي مع هؤلاء الجيران، والله ما زاروني، لقد احتجت إلى سيارة أحدهم يوماً من الأيام فلم يفعلوا، أحتاج إلى قرضة من المال ما فعلوا، وحسب ونسب فيهم، قال: ما يعرفون إلا ضرب الباب مع كل صلاة، كيف أستجيب؟ أريد أن أصلي لكن أتذكر فعائلهم فأبقى على السرير.
ولذلك بعض الأفعال تحبط المدعو، تجعله لا يستجيب، ينكى في قلبه بنكايات، فيريد أن يقوم فيرفض قلبه، يقول له: لا تقم، لأنهم ما قدموا له شيئاً، ما قدموا رصيداً.
الرسول ﵊ كان يتلطف بالمدعو أياماً، يقول صفوان: يا محمد! أمهلني شهراً حتى أفكر في هذا الدين، قال ﷺ : لك أربعة أشهر، فقبل الشهر، وقبل الأربعة الأشهر فأتى وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأحد الجاهليين من اليهود، اسمه ابن سعنة، ذكره المؤرخون، قرأ التوراة فرأى أوصاف الرسول ﷺ إلا وصفاً واحداً، أنه ﷺ ، كلما زدته غضباً زاد حلماً، فأراد أن يجرب، رأى الرسول ﷺ ، فرآه أبيض مشوباً بحمره كالوصف، رآه ربعةً، النور في وجهه، كل وصف رآه، لكن كيف يجربه بالحلم، ذهب وأتى بمال وقال: يا محمد! عندي مال وأنت بحاجة إلى المال، اقترضه مني إلى حين، فأخذه ﷺ مقترضاً لحاجة، وقبل أن يحل الوعد أتى اليهودي في صلاة العصر، والناس مجتمعون مع الرسول ﷺ فقال: يا محمد! اقضني مالي، إنكم مطل يا بني عبد المطلب! أي: تماطلون صاحب المال، اقض مالي ثم غضب ورفع صوته، فغضب عمر، قال هذا اليهودي بعد ما أسلم: فرأيت عيون عمر تتدحرج في رأسه، يريد عمر أن يقضيه من الحياة؛ لينقله إلى الآخرة مباشرة، فأسكته ﵊، وقال: يا عمر! كان الأولى أن تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن الاقتضاء، ثم قام ﵊، وكلما رفع اليهودي صوته كلما تبسم ﷺ ، وذهب به فأعطاه ماله وزاده، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قرأت كل صفة فيك فرأيتها كما قرأتها، إلا صفة أنك كلما أُغضبت ازددت حلماً، فرأيتها اليوم، فأنت رسول الله لا محالة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠] قيل هذا في عبد الله بن سلام وقيل في غيره.
стр. 7597
ضرورة الموازنة بين الحسنات والسيئات
فيا أيها الإخوة: هذه آداب النصيحة، في الإسلام، لمن أراد أن يكون ناصحاً، ولينفع الله بنصيحته، وليهدي الله بدعوته، وليستمر قائلاً، ونافعاً، ومفيداً، ومؤتياً، ومطلوباً، ومقبولاً.
أيها الشاكي وما بك داء كيف تغدو إذا غدوت عليلا
أترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى الندى فوقه إكليلا
والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئاً جميلا
أنت فينا النصوح فارفق جزاك الله خيراً فالرفق أهدى سبيلا
وبقيت كلمة أن نقول: يقاس الناس في باب النصيحة بحسناتهم وسيئاتهم، والفضلاء يعفى عنهم لبعض عثراتهم لا في الحدود، لحديث يقبل التحسين: ﴿أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم﴾ يقول ابن القيم هم أهل التقوى والاستقامة والصلاح، يتجاوز عنهم في الأخطاء التي ليست حدوداً ولا حقوقاً للناس.
وقال ﷺ : ﴿إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾ فإذا زادت فضائل الرجل؛ عفي عن بعض ما يأتي به من عثرات لحسناته في الإسلام، ولعلكم تراجعون ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي، ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء، ثم أتى بهذه المعاني الخالدة الرائدة، وقد ذكرني بعض الإخوة أن أذكركم بشريط، كانت محاضرة بـ أبها، اسمه "ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ليسمع إن شاء الله؛ لأن فيه بعض القضايا والنقولات من كلام أهل العلم، والأدلة والنصوص، وهي تنفع في هذا الجانب، علَّ الله أن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يردنا إليه رداً جميلاً.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7598
الأسئلة
.
стр. 7599
الصبر في دعوة الناس
السؤال
أطلب منكم أن تبينوا حكم من نصحته عن منكر ولم يرتدع، ونصحته ولم يرتدع، فهل يجوز لي الجلوس معه؟ وما الحكم لو كانوا من الأهل؟
الجواب
جانب النصيحة يحتاج إلى زمن، يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى أن تتحمل المنصوح أياماً طويلة حتى تعذر إلى الله ، ما تستطيع أن تصلح الرجل في نصف ساعة ولا في ساعة ولا في يوم، محمد ﵊ هدى الله به الناس في ثلاثٍ وعشرين سنة، حاور الناس في ثلاثٍ وعشرين سنة على كلمة، وأنت اهتديت اليوم وتريد غداً أن تحول بيتك، هذا متعذر إلا أن يشاء الله، لكن سنن الله في الكون: أن الأمور تأتي برتابة، الشمس ما تأتي فجأة وتغرب فجأة، النبتة ما تصعد اليوم وتثمر غداً، بل تأخذ مسارها، فالكلمة لا بد أن تصل، ثم تعطف عليها بالكلمة، ثم بالبسمة، ثم بالدعوة، ثم بالنصيحة.
جلست مع رجل صالح كبير في السن في بلد ما، هذا الرجل هدى به الله مجرماً من المجرمين، كان هذا المجرم فتاكاً مروجاً للمخدرات، يطارد الناس، ورجال الأمن يطاردونه بالسلاح، ما يعرف يتخاطب إلا بالرصاص، وهذا الرجل فتك بعباد الله ، وروع الآمنين، حتى ظن بعض الناس أنه لن يهتدي وأصبحوا يدعون عليه، فأتى هذا اللبيب العاقل فأخذ هدية وذهب بها إليه، هدية غالية، وما تكلم معه بكلمة ثم أعطاه قال: فأخذ الهدية وسكت، قال: وبعد فترة، وأنا كل ليلة كلما قمت في الثلث الأخير، يوم يتنزل الله إلى السماء الدنيا، أدعو الله أن يهدي قلبه، قال: ثم ذهبت فدعوته إلى بيتي فاستجاب لي، فعزمته على وجبة دسمة، فأكلها وذهب، وما قلت له شيئاً، ثم زرته، وجلست معه وما تحدثت له عن شيء، وبعدها زرته وفاتحته في الهداية، فبدأ معي بكلمة ثم زرته، ثم أخذته إلى المسجد، ثم أسمعته شريطاً ثم مضيت معه في الأيام حتى اهتدى معي إلى صلاة الجمعة، ثم حضر واهتدى وشرح الله صدره، ثم أصبح ولياً لله قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩].
أما أن تقول: أجب وإن لم تجب أذبحك، هذا عند حمورابي، ليس عند محمد ﵊، في بعض الناس يدعوه اليوم ويهجره غداً، الهجر سهل لأن الهجر عند بعض الدعاة أن تهجره وترتاح، الهجر لا يكون إلا بعد أن تصبر، قال ابن تيمية: في القرآن هجر جميل، وصبر جميل، وصفح جميل، ثلاثة ألفاظ في القرآن، صبر جميل، وهجر جميل، وصفح جميل، قال: الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه، والصفح الجميل الذي لا عتب فيه، والهجر الجميل الذي لا أذى فيه.
فإذا ما استجاب لك فالهجر.
وقد عقد أهل السنة في أبواب الحديث والفقه: باب الهجر، البخاري عقد على قصة الثلاثة: باب الهجر، هجر أهل المعاصي المتخلفين عن تبوك، فتهجره عن الود، تهجره عن الزيارة، تهجرة -مثلاً- من السلام، لكن لا تقطع وده مرة واحدة، تبقى تراسله، إلا إذا عذرت إلى الله ، وكانت المسألة من الفرائض الواجبات التي تعمد تركها، فحينها المقاطعة، والله تعالى يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة:٢٢] لكن بعد أن تعذر إلى الله، وبعد أن تبلغه الحجة، وبعد أن يصفى منهجك ويبين عذرك.
стр. 7600
حكم الأمر والنهي ممن هو مقصر
السؤال
إذا رأى الإنسان منكراً وهو مذنب، فهل له الحق أن ينهى عن ذلك المنكر؟
الجواب
سئل الإمام أحمد، قيل له: ألا يأمر الرجل وينهى حتى يستكمل؟ قال: لو قيل هذا لما نهى عن المنكر أحد وما أمر بالمعروف أحد؛ لأن المعصوم محمد ﵊
ذهب الله بالكمال وأبقى كل نقص لذلك الإنسان
فلا بأس أن تأمر بالمعروف وأن تنهي عن المنكر وإن كنت في بعض المسائل مقصراً، لكن فيها تفصيل أما الفرائض فلا يعذر فيها أحد، والداعية لا يعذر في ترك الواجبات، ولا يعذر إذا ارتكب المنهيات، أما عذره ففي النوافل عند بعض العلماء بينها ابن الوزير في كتابه العظيم الجليل: العواصم والقواصم، هذا الكتاب الضخم الذي أنصح بقراءته بيَّن هذه المسألة قال: قد يدعو الداعية إلى نوافل ولكن لا يستطيع أن يعملها.
مثل: أن تكون داعية تدعو الناس إلى الإنفاق وإلى الصدقة، لكنك فقير أو أن تدعو الناس إلى قيام الليل، لكنك مجهد من انتقالك، وأسفارك، وعملك، ودعوتك؛ أفتسكت عن قيام الليل؟ لا.
ادعهم يصلوا ولك مثل أجر صلاتهم؛ لأنك الذي دلهم على صلاة الليل.
ولذلك الحديث الصحيح: ﴿من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجورهم دون أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من تبعه دون أن ينقص من أوزارهم شيء﴾.
следующие страницы →