Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.
стр. 7596
معرفة حال المنصوح
ومن آداب النصيحة عند أهل السنة أنهم يعرفون حال المنصوح.
الذي تريد أن تنصحه فعليك أن تعرف حاله، ومشاعره، ومكانته، وعمله، والمشكلات التي يعيشها، وبيئته، هذه هي الحكمة، تأتي إلى مجتمع وأنت خالي الذهن عن المجتمع، وتريد أن تتحدث عن قضية، أهل البادية لا يصلون ولا يعرفون الصلاة، وصلنا إلى بعض الجهات، فسأل سائل منهم، شيخ في الستين من عمره، قال: الغسل من الجنابة واجب، قلنا: نعم واجب فالتفت له جاره -شيخٌ مثله- قال: كلما أتيت أهلك تغتسل! أين الماء الذي يكفي؟ يقول: تصدق هؤلاء المطاوعة، كلما جئت أهلك تغتسل! أين الماء الذي يكفي؟ يفتيه بفتوى جاهلية.
فهل يعقل أن يأتي داعية إلى هؤلاء فيتكلم عن مشكلات البنوك الربوية، أو الحد من الأسلحة، أو درجات الحرارة؟ أو يأتي إلى هذا المجتمع بمشكلة الخدم والخادمات؟ هم لا يعرفون الخدم ولا الخادمات، ولا الخروج ولا السائق، وليس في البادية ولو سيارة، سياراتهم الحمير المصفنة المجنحة، فحالة البيئة، ومعرفة مع من تتحدث؛ من آداب أهل السنة إذا تحدثوا مع المدعو.
تأتي إلى إنسان تشعر بمكانته وكرامته فتهين كرامته تحت رجليك ثم تقول: اتق الله، إن لم تتق الله ليقصمنك الله، وليعذبنك عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين.
هذا لا يليق، بل أعطه مكانته، خاطبه بألفاظه، ألفاظ الوقار، ألفاظ التبجيل، والتدبيج، والتوشيح، الطعام لا يُقبل إلا بالتوابل، لو لم تفلفله وتجعل منه مذوقات ومشهيات ما أكل، فهذه الدعوة مثل ذلك، إن لم تقدمها في باقة من الود والحب واللين، وتضفي عليها شيئاً من الأنس واللطافة، ما قبلها أحد.
ولذلك كان هذا منهجه ﵊، يأتيه أعرابي من صناديد الكفر ينكر الدين، فيعطيه ﵊ مائة ناقة، وفي اليوم الثاني مائة، وفي اليوم الثالث يعطيه مائة، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
لا بد أن نقدم للناس خدمات، بعض الشباب كانوا في سكن جامعي، وكان عندهم شاب جار لهم، يترك الصلاة في المسجد، ويمرض، ويصحو، ولا يزورونه، مهمتهم فقط إذا حانت الصلاة يضربون بابه ضرباً ويقولون: صل يا عدو الله! صل قاتلك الله، ثم يخرجون، ويقول أحدهم: اللهم اعلم أني برأت ذمتي، وأني دعوت إليك، وكلما جاءت الصلاة ضربوا الباب، صل يا عدو الله! مرض هذا الشاب وزاره داعية في المستشفى، وقال -وهو لم يعرف سيرته- قال: يا أخي! هذا المرض درس لك في الحياة، أرى أن تتوب إلى الله، وأن تعود إلى المسجد، وما تطلب مني فأنا أخوك وأنا صاحبك، وأنت لا زلت في الإسلام وأسرتك مسلمة، وأعطاه محاضرة.
قال: يا أخي! بعد ماذا أهتدي مع هؤلاء الجيران، والله ما زاروني، لقد احتجت إلى سيارة أحدهم يوماً من الأيام فلم يفعلوا، أحتاج إلى قرضة من المال ما فعلوا، وحسب ونسب فيهم، قال: ما يعرفون إلا ضرب الباب مع كل صلاة، كيف أستجيب؟ أريد أن أصلي لكن أتذكر فعائلهم فأبقى على السرير.
ولذلك بعض الأفعال تحبط المدعو، تجعله لا يستجيب، ينكى في قلبه بنكايات، فيريد أن يقوم فيرفض قلبه، يقول له: لا تقم، لأنهم ما قدموا له شيئاً، ما قدموا رصيداً.
الرسول ﵊ كان يتلطف بالمدعو أياماً، يقول صفوان: يا محمد! أمهلني شهراً حتى أفكر في هذا الدين، قال ﷺ : لك أربعة أشهر، فقبل الشهر، وقبل الأربعة الأشهر فأتى وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأحد الجاهليين من اليهود، اسمه ابن سعنة، ذكره المؤرخون، قرأ التوراة فرأى أوصاف الرسول ﷺ إلا وصفاً واحداً، أنه ﷺ ، كلما زدته غضباً زاد حلماً، فأراد أن يجرب، رأى الرسول ﷺ ، فرآه أبيض مشوباً بحمره كالوصف، رآه ربعةً، النور في وجهه، كل وصف رآه، لكن كيف يجربه بالحلم، ذهب وأتى بمال وقال: يا محمد! عندي مال وأنت بحاجة إلى المال، اقترضه مني إلى حين، فأخذه ﷺ مقترضاً لحاجة، وقبل أن يحل الوعد أتى اليهودي في صلاة العصر، والناس مجتمعون مع الرسول ﷺ فقال: يا محمد! اقضني مالي، إنكم مطل يا بني عبد المطلب! أي: تماطلون صاحب المال، اقض مالي ثم غضب ورفع صوته، فغضب عمر، قال هذا اليهودي بعد ما أسلم: فرأيت عيون عمر تتدحرج في رأسه، يريد عمر أن يقضيه من الحياة؛ لينقله إلى الآخرة مباشرة، فأسكته ﵊، وقال: يا عمر! كان الأولى أن تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن الاقتضاء، ثم قام ﵊، وكلما رفع اليهودي صوته كلما تبسم ﷺ ، وذهب به فأعطاه ماله وزاده، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قرأت كل صفة فيك فرأيتها كما قرأتها، إلا صفة أنك كلما أُغضبت ازددت حلماً، فرأيتها اليوم، فأنت رسول الله لا محالة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠] قيل هذا في عبد الله بن سلام وقيل في غيره.
стр. 7597
ضرورة الموازنة بين الحسنات والسيئات
فيا أيها الإخوة: هذه آداب النصيحة، في الإسلام، لمن أراد أن يكون ناصحاً، ولينفع الله بنصيحته، وليهدي الله بدعوته، وليستمر قائلاً، ونافعاً، ومفيداً، ومؤتياً، ومطلوباً، ومقبولاً.
أيها الشاكي وما بك داء كيف تغدو إذا غدوت عليلا
أترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى الندى فوقه إكليلا
والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئاً جميلا
أنت فينا النصوح فارفق جزاك الله خيراً فالرفق أهدى سبيلا
وبقيت كلمة أن نقول: يقاس الناس في باب النصيحة بحسناتهم وسيئاتهم، والفضلاء يعفى عنهم لبعض عثراتهم لا في الحدود، لحديث يقبل التحسين: ﴿أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم﴾ يقول ابن القيم هم أهل التقوى والاستقامة والصلاح، يتجاوز عنهم في الأخطاء التي ليست حدوداً ولا حقوقاً للناس.
وقال ﷺ : ﴿إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾ فإذا زادت فضائل الرجل؛ عفي عن بعض ما يأتي به من عثرات لحسناته في الإسلام، ولعلكم تراجعون ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي، ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء، ثم أتى بهذه المعاني الخالدة الرائدة، وقد ذكرني بعض الإخوة أن أذكركم بشريط، كانت محاضرة بـ أبها، اسمه "ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ليسمع إن شاء الله؛ لأن فيه بعض القضايا والنقولات من كلام أهل العلم، والأدلة والنصوص، وهي تنفع في هذا الجانب، علَّ الله أن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يردنا إليه رداً جميلاً.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7598
الأسئلة
.
стр. 7599
الصبر في دعوة الناس
السؤال
أطلب منكم أن تبينوا حكم من نصحته عن منكر ولم يرتدع، ونصحته ولم يرتدع، فهل يجوز لي الجلوس معه؟ وما الحكم لو كانوا من الأهل؟
الجواب
جانب النصيحة يحتاج إلى زمن، يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى أن تتحمل المنصوح أياماً طويلة حتى تعذر إلى الله ، ما تستطيع أن تصلح الرجل في نصف ساعة ولا في ساعة ولا في يوم، محمد ﵊ هدى الله به الناس في ثلاثٍ وعشرين سنة، حاور الناس في ثلاثٍ وعشرين سنة على كلمة، وأنت اهتديت اليوم وتريد غداً أن تحول بيتك، هذا متعذر إلا أن يشاء الله، لكن سنن الله في الكون: أن الأمور تأتي برتابة، الشمس ما تأتي فجأة وتغرب فجأة، النبتة ما تصعد اليوم وتثمر غداً، بل تأخذ مسارها، فالكلمة لا بد أن تصل، ثم تعطف عليها بالكلمة، ثم بالبسمة، ثم بالدعوة، ثم بالنصيحة.
جلست مع رجل صالح كبير في السن في بلد ما، هذا الرجل هدى به الله مجرماً من المجرمين، كان هذا المجرم فتاكاً مروجاً للمخدرات، يطارد الناس، ورجال الأمن يطاردونه بالسلاح، ما يعرف يتخاطب إلا بالرصاص، وهذا الرجل فتك بعباد الله ، وروع الآمنين، حتى ظن بعض الناس أنه لن يهتدي وأصبحوا يدعون عليه، فأتى هذا اللبيب العاقل فأخذ هدية وذهب بها إليه، هدية غالية، وما تكلم معه بكلمة ثم أعطاه قال: فأخذ الهدية وسكت، قال: وبعد فترة، وأنا كل ليلة كلما قمت في الثلث الأخير، يوم يتنزل الله إلى السماء الدنيا، أدعو الله أن يهدي قلبه، قال: ثم ذهبت فدعوته إلى بيتي فاستجاب لي، فعزمته على وجبة دسمة، فأكلها وذهب، وما قلت له شيئاً، ثم زرته، وجلست معه وما تحدثت له عن شيء، وبعدها زرته وفاتحته في الهداية، فبدأ معي بكلمة ثم زرته، ثم أخذته إلى المسجد، ثم أسمعته شريطاً ثم مضيت معه في الأيام حتى اهتدى معي إلى صلاة الجمعة، ثم حضر واهتدى وشرح الله صدره، ثم أصبح ولياً لله قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩].
أما أن تقول: أجب وإن لم تجب أذبحك، هذا عند حمورابي، ليس عند محمد ﵊، في بعض الناس يدعوه اليوم ويهجره غداً، الهجر سهل لأن الهجر عند بعض الدعاة أن تهجره وترتاح، الهجر لا يكون إلا بعد أن تصبر، قال ابن تيمية: في القرآن هجر جميل، وصبر جميل، وصفح جميل، ثلاثة ألفاظ في القرآن، صبر جميل، وهجر جميل، وصفح جميل، قال: الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه، والصفح الجميل الذي لا عتب فيه، والهجر الجميل الذي لا أذى فيه.
فإذا ما استجاب لك فالهجر.
وقد عقد أهل السنة في أبواب الحديث والفقه: باب الهجر، البخاري عقد على قصة الثلاثة: باب الهجر، هجر أهل المعاصي المتخلفين عن تبوك، فتهجره عن الود، تهجره عن الزيارة، تهجرة -مثلاً- من السلام، لكن لا تقطع وده مرة واحدة، تبقى تراسله، إلا إذا عذرت إلى الله ، وكانت المسألة من الفرائض الواجبات التي تعمد تركها، فحينها المقاطعة، والله تعالى يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة:٢٢] لكن بعد أن تعذر إلى الله، وبعد أن تبلغه الحجة، وبعد أن يصفى منهجك ويبين عذرك.
стр. 7600
حكم الأمر والنهي ممن هو مقصر
السؤال
إذا رأى الإنسان منكراً وهو مذنب، فهل له الحق أن ينهى عن ذلك المنكر؟
الجواب
سئل الإمام أحمد، قيل له: ألا يأمر الرجل وينهى حتى يستكمل؟ قال: لو قيل هذا لما نهى عن المنكر أحد وما أمر بالمعروف أحد؛ لأن المعصوم محمد ﵊
ذهب الله بالكمال وأبقى كل نقص لذلك الإنسان
فلا بأس أن تأمر بالمعروف وأن تنهي عن المنكر وإن كنت في بعض المسائل مقصراً، لكن فيها تفصيل أما الفرائض فلا يعذر فيها أحد، والداعية لا يعذر في ترك الواجبات، ولا يعذر إذا ارتكب المنهيات، أما عذره ففي النوافل عند بعض العلماء بينها ابن الوزير في كتابه العظيم الجليل: العواصم والقواصم، هذا الكتاب الضخم الذي أنصح بقراءته بيَّن هذه المسألة قال: قد يدعو الداعية إلى نوافل ولكن لا يستطيع أن يعملها.
مثل: أن تكون داعية تدعو الناس إلى الإنفاق وإلى الصدقة، لكنك فقير أو أن تدعو الناس إلى قيام الليل، لكنك مجهد من انتقالك، وأسفارك، وعملك، ودعوتك؛ أفتسكت عن قيام الليل؟ لا.
ادعهم يصلوا ولك مثل أجر صلاتهم؛ لأنك الذي دلهم على صلاة الليل.
ولذلك الحديث الصحيح: ﴿من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجورهم دون أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من تبعه دون أن ينقص من أوزارهم شيء﴾.
стр. 7601
بعض الأعمال المحرفة
السؤال
يقول: لقد نصحت بعض الإخوة في أمور، أهمها حلق اللحية وسماع الأغاني ومشاهدة الفيديو، وإذا نصحتهم لم يستجيبوا لي، أريد أن تنصحهم بنفسك لأنهم معنا في المحاضرة؟
الجواب
أولاً: ما حضروا المحاضرة إلا لخير في قلوبهم، وأراد الله بهم الخير فأجلسهم في هذا المكان قال الله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] فإن الله إذا أراد بالعبد خيراً سهله للخير، وإذا أراد به سوءاًً سهله للسوء، ومن تردى فإلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، من جلس في المسجد فمراده الخير، وهو يختلف عمن جلس في السهرة الحمراء، أمام الشاشة المغرية، أو عند المجلة الخليعة، أو مع البلوت، أو السيجارة المحرمة.
حينها ما دام أنهم جلسوا وهم هنا فهم مهتدون، لكن عليهم بعض الملاحظات التي ذكرت؛ فأسأل الله في هذه الجلسة المباركة أن يشرح صدورهم للإسلام، وأن يهديهم هداية عامة وخاصة سراً وظاهراً، وأن يقودهم إليه، وأن يحسن عاقبتنا وعاقبتهم في الأمور كلها.
ثالثاً: ما ذكرته -أيها الأخ- فيه تفصيل، حلق اللحى محرم بالإجماع عند علماء المسلمين ويعزر من فعله، وقد جرح سنة الرسول ﷺ ، وما عرفت عالماً من علماء المسلمين من أهل السنة الذين يوثق بهم؛ قال بسنيتها فحسب أو باستحبابها، بل قال بوجوب إعفائها وبتحريم حلقها.
وسماع الأغاني محرم، وسمعت قائلاً يقول: الأئمة الأربعة لم يجمعوا على تحريمها؛ بل أجمعوا، ولو لم يجمعوا لكان في الكتاب والسنة ما يكفينا على تحريم الأغاني، وسوف يكون هناك لقاء يبين فيه هذه المسائل إن شاء الله.
ومشاهدة الفيديو أو ما يضر في الفيديو محرم معلوم ذلك.
ولكني أدعوهم رابعة إلى أن يعودوا إلى الله، وأدعوهم إلى البديل وهو الشريط الإسلامي، التلاوة، ذكر الله، حضور مجالس الخير، التسبيح، قراءة الكتاب الإسلامي، مجالسة الصالحين، نسأل الله أن يردهم إليه رداً جميلاً.
стр. 7602
حكم السفر إلى أمريكا ودول الكفر
السؤال
سمعت محاضرتك (أمريكا التي رأيت) وكنت أعد نفسي أن أسافر إلى أمريكا لتحضير درجة الماجستير والدكتوراه في حقل إدارة الأعمال، حيث سيبعثني عملي لتلك الدراسة، وقد وقفت كثيراً مع نفسي وبدأت أتردد، ولكني استخرت الله أكثر من مرة، فوجدت في نفسي الطمأنينة والقبول وحاولت الاتصال بك فلم أستطع، فهل أسافر أم لا؟
الجواب
قلت في بداية ذلك الشريط: السفر عند علماء الإسلام لبلاد الكفر لمطالب ومقاصد لا بأس، منها أن تطلب علاجاً ليس في بلاد المسلمين كأن تعذر وجوده في بلاد المسلمين، فلك أن تسافر للعلاج، ومنها: أن تسافر داعية بشرط أن تكون مؤثراً هناك، وأن يقبلوا منك، أما أن تكون لست مؤثراً وتقول: أدعو هناك، فهذا ليس بوارد، بعضهم بقرية ما تكلم بكلمة، وما علم عجائز قريته سورة الفاتحة ويقول: أريد أن أدعو في سنغافورة أو في الولايات المتحدة الأمريكية.
نحن لا ينقصنا العدد، نحن غثاء كغثاء السيل، ينقصنا جودة، ولا ينقصنا كم بل ينقصنا كيف، اليهود الإسرائيليون عددهم مليونان لعلوا بنا طولاً وعرضاً، والمسلمون الآن مليار، لكن تعال إلى المليار نصفهم بالتابعيات مسلم، ولا يعرف يصلي، ولا يعرف الله ولا القبلة، والبقية يصلي بالاختيارات، إلا من رحم ربك، والبقية الخيرة ولا زالت الطائفة المنصورة موجودة، لكن هناك بقية كذلك، لا تعرف الإسلام إلا صلاة، وعمرة وحجاً، ومراسم تعبدية فقط، لكن لا صدق، لا وفاء، لا أمانة، لا انتهاء عن ربا، لا انتهاء عن زنا، لا انتهاء عن محرمات، لا حفظ للأوقات، لا خوف من رب الأرض والسماوات، فأين الإسلام؟ وطائفة جهلت بالإسلام، لا يعرفون شيئاً، يعرفون يصلون لكن جاهلون، يعرف يقود سيارته، يعرف يأكل، يخلع قميصه، يبني بيته، لكن إذا قلت تعال تفقه في الدين يقول: الحمد لله العلم متوفر، والله منَّ علينا بالخير، وقد عرف الدين العجائز.
لكن لو سألته في سجود السهو هل هو قبل السلام أم بعد السلام ما عرف، فأقول هذا للدعوة.
ومنها لتحصيل علم لا يوجد عند المسلمين مثل علم التكنولوجيا، هذا العلم الذي سبقونا فيه، هذه العلوم الطبيعية تطلبها من هناك، أما أن تطلب الحديث هناك أو الفقه من هناك فلا.
لا يطلب الشفاء من مريض، هم أمراض، واحذر منهم، والسنة أتت من هنا.
فتذهب هناك بشرط أن يكون هناك مصلحة، لكن أقول لك أولى وثانية وثالثة: استخر الله قبل سفرك، فإن الخيرة بيده ، واستشر أهل الرأي، وإن كان فيه مندوحة عن السفر فاترك، وإن كان يتوقف عليه نفع لك ولأمتك ولبلادك، فاذهب والله معك.
لكن إذا ذهبت فأمامك أمور، أولها: أن تذهب بزوجتك، ولو كان عندك أربع فأذهب بهن، فإنه سوف تأتيك دواهٍ ولواهٍ، مصغيات وملهيات، إن لم تعتصم بحبل الله هلكت، ومنها: أن تكون متحصناً بالأذكار والأوراد، وسنة محمد ﵊؛ لأن بعض الناس إذا وصل إلى هناك بين عشية وضحاها يصير أنكى من الخواجات ضد الإسلام.
والأمريكان ما أحجموا عن الإسلام إلا لسببين:
السبب الأول: التمثيل السيئ في بلاد المسلمين للإسلام، يأتون جاليات هنا إلى مهبط الوحي، إلى أرض الرسالات، إلى أرض الحرمين، فيظنون أنهم سوف يسمعون بتلك السيرة الماجدة لمحمد ﵊، ولـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، يجدون الصدق، والعدل، والوفاء الذي يقرءونه في القرآن والسنة، ولكن يطبقوا السنة والقرآن على المجتمع، فإذا به خلاف الأصل، الكتلوج خالف التعاليم الأرضية، الواقع خالف الخيال المكتوب، فأصبح عندهم الإسلام خيال.
ولذلك يقول كريسي موريسون يقول: ما عندكم إسلام، في بلادكم لا يوجد إسلام، فقط الإسلام يوجد عندكم في الكتاب والسنة متى تصلون إليه.
وشُوه الإسلام من أناس ذهبوا إلى، أو من جهات وكيانات هناك، تبنت الإسلام وقد شوهت الإسلام، يذهب شاب وإذا هو غداً مع فقاة ويعاقر الخمر، ويترك الصلاة، ويخون، ويغدر، ويترك العمل، فيقولون: أنت مسلم وتفعل كذا؟! هذا الإسلام ليس بصحيح.
فمثل الإسلام تمثيلاً جيداً، فأنت داعية هناك، وقد أقبل عباد الله إلى الإسلام، وقد اهتدى شبابنا هناك، ونسبة المهتدين إن لم يكونوا ثمانين أو أكثر فلا يقلون عن ذلك، والحمد لله عادت الأمة والدنيا إلى الله؛ لأن الإسلام دين حق، يصل إلى القلوب بحق ونور، وخسئت الشيوعية، ولعنت، وقبحت، انهارت رومانيا أمس.
стр. 7603
تعليق على الجهاد الأفغاني
السؤال
يرجى منكم التحدث عن الجهاد الأفغاني، وحث المسلمين على الإنفاق في سبيل الله لصالح الجهاد الأفغاني وجزاكم الله خيراً.
الجواب
على كل حال، الآن تحصيل حاصل، الجهاد الأفغاني يعرفه الوثني الأفريقي، والبرشفي الأحمر، والخواجة الأشقر، ما أحد في الدنيا لا يعرف الجهاد الأفغاني، سلُّوا سيوفهم، وحرابهم، ورفعوا لا إله إلا الله حتى تاب برجنيف وجرباتشوف وأذنابهم وعملاؤهم، من الاعتداء على قداسة المسلمين، قوم أتتهم الدبابات فخرجوا بالسلاح يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
نحن في ظل ظليل، وفي نعم وفي نعيم، وفي رخاء وفي شيء من العيش عظيم، لا نخشى على أنفسنا إلا أن نموت تخماً، بعض الناس يموت شهيداً في المستشفى من أكل العصيدة، يسوى له عملية قالوا: أكلها وهي حارة، وبعضهم قالوا: أدخل العشاء على الغداء بدون ترتيب، وبعضهم يغص بلقمة فيموت إلى رحمة الله على مائدته.
فنحن ما نشكو إلا من الإحباط، فجدير بنا أن نوجه بعض النعم (بعض التبرعات) بعض المال إلى أولئك الذين أعلنوا جهادهم لله ، يلتحفون السماء، ويفترشون الأرض، وأنت عندما تقدم مالك إنما تعلن إيمانك من جديد، وتعلن صدقك مع الله وإخلاصك يقول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١].
أخذت أموالنا الأزياء، والأحذية، والكنبات، فماذا نقول للجنات يوم فتحت أبوابها للمتصدقين، ألا إن عثمان دخل الجنة بماله، قال ﵊: ﴿من يجهز جيش العسرة وله الجنة، فجهزه عثمان، فدمعت عيناه ﵊ على المنبر وقال: اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾ ادفعوا أموالكم ساهموا، سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض، يدفع المال هناك، وما اكتسيت ما أكلت ذاهب.
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت نفسك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران
قتل أحد المجاهدين وهو شهيد، فوجدوا في قميصه خمسة قروش، ما ترك قليلاً ولا كثيرا.
دخلوا على قائد من قواعد المجاهدين الأفغان، فوجدوه في بيت من خشب، قالوا: أنت قائد، وأنت في بيت من خشب! قال: لو كنت أعمل للدنيا لسكنت قصراً، لكنني أريد جنة عرضها السماوات والأرض.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7604
اقتراب ساعة الدجال
هاهي أيام الدنيا أوشكت على الأفول، فإن أمارات الساعة قد بزغت قديماً، ومازالت تسير حتى تظهر الفتنة الكبرى فتنة الدجال، شر غائب ينتظر، ليفتن الله به من يشاء، ويعين الله أهل الاستقامة فيبعدهم عن فتنته.
стр. 7605
الدجال (خبره وفتنته)
اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت إله السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، اللهم بك خاصمنا، وإليك حاكمنا، وبدينك رضينا، وإلى رحمتك رغبنا، فاغفرلنا ما قدمنا وما أخرنا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله على حين ظلمة وغفلة من الناس، فبصر به من العمى، وهدى به من الضلالة، وأنار به من الظلمة، وأنقذ به من الهلكة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس: إن أمامكم فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مسلماً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا.
أيها الناس: فتن والله كالليل المظلم؛ أكبرها وأظلمها وأفتنها فتنة المسيح الدجال، نعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال، يقول ﵊: ﴿ما بين خلق الخلق إلى قيام الساعة فتنة أعظم ولا أكبر من فتنة المسيح الدجال﴾ ويقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿ما من نبي إلا أنذر قومه المسيح الدجال﴾ ثم يقول ﵊: ﴿ألا إني أنذركم فتنة المسيح الدجال ألا إنه أعور - أعور العين اليمنى - وإن ربكم ليس بأعور﴾ وإنما قال هذا ﵊؛ لأنه سوف يبعث في آخر الزمان، وهو قريب الخروج، ويقول لبعض المفتونين: أنا ربكم! فيصدقه كثير من الناس، يصدقه الذين يتخلفون عن الجماعات ويضيعون الصلوات، ويرتكبون الشهوات، ويستمعون الأغنيات، ويطالعون المجلات الخليعات، يفتنهم حتى يرديهم النار، ويكتب على جبهة كل واحد منهم (ك ف ر) نعوذ بالله من فتنته.
стр. 7606
لقيا تميم بن أوس الداري المسيح الدجال
روى مسلم في صحيحه ﵀ أن نفراً من أصحاب الرسول ﷺ ركبوا البحر في سفينة؛ فانكسرت بهم السفينة فركبوا خشبة طويلة؛ فأخذت تلعب بهم الريح شهراً كاملاً في البحر، فانتهوا إلى جزيرة من الجزر، فنزلوا في الجزيرة، جزيرة أظنها في بحر القلزم أو ما يواكب تركيا فنزلوا هناك تجاه بلاد الشام، فلما نزلوا في الجزيرة وإذا بدابة أهْلب كثيرة الشعر لا يدرى وجهها من قفاها، فتكلمت بإذن الله، فقالت: من أنتم؟
قالوا: نحن أصحاب محمد ﷺ فقالوا لها: من أنتِ؟
قالت: أنا دابة، قالوا: ما خبرك؟
قالت: لا تسألوني، واذهبوا إلى هذا الدير إلى بئر مطوية هناك فاسألوا رجلاً فيها، فظنوا أنها شيطانة، فذهبوا إلى البئر الذي وصفت، فإذا هي بئر مطوية لا ماء بها، وإذا فيها رجل كأضخم الرجال جسماً، أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية خارجة من رأسه، وإذا يداه مسلسلتان إلى عنقه مكتوف بالحديد، وإذا يداه ورجلاه قي سلاسل من الحديد لا يستطيع الوثوب، يزرم ويريد أن يتفكك، ويريد أن يشرد ويخرج من البئر ولكن الله حبسه في الحديد، فقال له الصحابة: من أنت؟ وفيهم تميم الداري أحد الصحابة، قال: أنا المسيح الدجال - نعوذ بالله من المسيح الدجال - ثم قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم من العرب، قال: ما خبر نخل بيسان، -ونخل بيسان في الأردن - أتثمر؟ قالوا: نعم.
قال: يوشك أن يأتي عليها زمن لا تثمر.
قال: ما خبر بحيرة طبرية -وهي قريبة من البحر الميت -؟ قال: أفيها ماء؟ قالوا: نعم فيها ماء، قال: يوشك أن يأتي عليها زمن لا يوجد فيها ماء، ما خبر عين زغر أفيها ماء؟ قالوا: نعم فيها ماء يسقون به الشجر، قال: يوشك أن يأتي زمن لا يجدون في عين زغر ماءً، ما خبر النبي الأمي أبعث؟ -أي: محمد ﵊ قالوا: نعم بعث، قال: كيف العرب له؟ قالوا: قاتلهم وقاتلوه فانتصر عليهم، قال: أما إنهم لو أطاعوه لكان خيراً لهم.
قالوا: وما خبرك أنت؟ قال: أنا المسيح الدجال أغضب غضبة فيخرجني الله من هذا المكان، فأطوف في الأرض، فلا تبقى أرض إلا هبطتها إلا مكة والمدينة، وفي لفظ مسلم -إلا مكة وطيبة - فإن الله يحميها عني بملائكة، على أنقاب المدينة سبعون ألف ملك، مع كل ملك من الملائكة مرزبة لا أدخل المدينة، ولا مكة.
стр. 7607
تحذير النبي ﷺ من المسيح الدجال
فرجع الصحابة؛ فأخبروا النبي ﵊، فقام فجمع الناس في المسجد، وقال: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، ثم تكلم فيهم، وقال: ﴿ما من نبي إلا وأنذر قومه المسيح الدجال ألا فإني أنذركم المسيح الدجال يدخل كل بلدة إلا مكة وطيبة﴾ ثم قال لمدينته: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة ينزل حول المدينة فيهبط في السبخة في الحرة السوداء؛ فيخرج الله له من المدينة كل كافر ومنافق، وينزل سبعون ألف ملك على جبال وهضاب المدينة، ومداخل السكك يحرسونها بإذن الله، وينزل ذكر الله، فيحرس مدينة المصطفى ﵊ فترجف المدينة رجفة هائلة تكاد جبالها أن تتدكدك، فيخرج له الكفار والمنافقون فيفتنهم بفتنة.
стр. 7608
مدة إقامة المسيح الدجال في الأرض
أما هو فيجوب الأرض -نعوذ بالله منه- ويمشي في القرى وينزل المدن، يهبط المدن، ويقف على الجبال، يبقى في الدنيا أربعين يوماً، يوم من الأيام كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وبقية أيامه كأيام الدنيا، يأتي إلى البدوي في البادية، فيقول للأعرابي الذي ما صلى ولا اغتسل من الجنابة ولا عرف الله.
فيقول له: أو أحيي لك أبويك (أمك؛ وأبيك)؟ فيقول الأعرابي: نعم، فيحيي له أبويه، فإذا هم أحياء، وعند مسلم وأوردها السخاوي أن المسيح الدجال يمثل له شيطاناً وشيطانة، فيقول: هذا أبوك وأمك، فيؤمن به ويدخل النار.
ويأتي إلى الخرابة فيطلب من الخرابة كنوزها فتخرج الخرابة ذهبها وفضتها، فتخرج مع المسيح الدجال -فتنة لكل مفتون- لكن المصلين والموحدين لا يفتنهم ولا يخدعهم، لكن الذين يحافظون على الصلوات الخمس لا تصيبهم فتنة ما دامت السماوات والأرض.
يأتي بجنة ونار، يقول للناس: من أطاعني دخل جنتي، ومن عصاني دخل النار، يقول ﵊: ﴿من أدركه فليدخل ناره، فإن ناره جنة، وجنته نار﴾ يفتن الناس فتنة عظيمة كان يقول ﵊ في دبر كل صلاة: ﴿أعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال﴾ من أطاعه أعطاه مالاً وخوله، ومن عصاه قتله أمام الناس.
يأتي برجل حول المدينة من الصالحين، فيقول: أتؤمن بأني! أنا الله؟ فيقول: آمنت بالله وكفرت بك، فيأخذ السيف فيقتله فيقسمه نصفين، ثم يمشي بين الشقين، فيقول للناس المفتونين المخدوعين، أهل البعد عن الله، الذين لا يعرفون المصحف، أهل الليالي الحمراء، أهل المجون، أهل الكأس، أهل المرأة الخليعة، الذين أظلمت قلوبهم وقست واسودت من المعاصي، عبدة الدرهم والدينار، عبدة الأغنية والمجلة الخليعة، فيقول لهم: أتؤمنون بي؟ قالوا: آمنا بك؛ فيكفرون، فيحيي بإذن الله هذا المقتول فيحيا، فيقول: أتؤمن أني أنا الله؟ فيقول: آمنتُ بالله وكفرت بك، ما ازددتُ فيك إلا بصيرة، فيأتي ليقتله فلا يستطيع قتله.
يجوب، ويخطف القرى والمدن خطفاً، وترتج له الأرض، وتخبر به أجهزة الإعلام، ويتكلم عنه الناس، ويكون حديث الساعة، وتشتغل به الأرض.
فأما المؤمن فلا يخاف ولا يحزن ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] وأما المنافق، والكافر، والفاسق فالويل له، والله لا يعصمه من المسيح الدجال ولو كان في البروج المشيدة، ولو كان في الحصون المحصنة.
عباد الله: هذا شيء من فتنة المسيح الدجال الذي نستعيذ الله من فتنته في كل صلاة، فهو قادم لا محالة، وهو قريب بلا شك، وهو خارج في الناس فتنبهوا واستيقضوا وانتبهوا لفتنته، وهلموا إلى طاعة الله وإلى الصلاة، إلى ذكر الله، أنقذنا الله وإياكم من فتنة المسيح الدجال، وعصمنا وإياكم من المسيح الدجال، وحمانا الله وإياكم من فتنة المسيح الدجال، وبصرنا الله وإياكم بـ المسيح الدجال.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم
стр. 7609
دروس مستفادة من قصة المسيح الدجال
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7610
اقتراب الساعة
أيها الناس: مما سمعنا نستنبط درساً هاماً وهو أن القيامة قربت، وقد أخبر النبي ﷺ بعلاماتها الصغرى والوسطى والكبرى، أما الصغرى فقد ظهر معظمها ودخلت الوسطى، وما هي إلا قاب قوسين أو أدنى، فتدخل الكبرى، وحينها تقوم الساعة، ويخرب العالم، وتتغير المعمورة: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٤٨ - ٥٢].
فأما من صلّى وزكى، وبر والديه، ووصل رحمه، وحسن باطنه وظاهره فلا خوف عليه ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٤].
стр. 7611
من علامات ظهور الساعة
عباد الله: ظهرت كثير من علامات الساعة: فاض المال فينا، وأصبحت الملايين المملينة كالدراهم عند السلف.
أكل الناس الربا، ولبسوا الربا، وأخذوا سياراتهم وفللهم وقصورهم من الربا.
خون الأمين، واستزري بالصالحين ولم يؤمّنوا، وَصُدِّر الفجرة والفسقة وصُدّقوا واُحترموا، وعُظِّموا وقُدِّموا، فهذه من علامات الساعة، وسدت الأمور في كثير من النواحي إلى غير أهلها، وأصبح المتكلم في الناس الذي يتكلم ويكتب وينصر دعوته هم أهل باطل من يهود ونصارى وعلمانيين وشيوعيين، وأصبح المسلم في غربة، وهو في بيته يُنابذ بالغربة.
أصبح المسلم يوم يلتزم بالإسلام وبالسنة في غربة من بيته، يستنكرون ثوبه ولحيته، وصلاته وصيامه، وسواكه وذكره، فهل بعد هذه الغربة من غربة؟!
أصبح الدين الإسلامي الذي كان يراد أن يرشح ليقود العالم في غربة، فأصبح المسلم بين بني جنسه في غربة.
قال ابن القيم: "غريب في صلاته؛ لأن الناس يسيئون الصلاة، غريب في كلامه؛ لأنهم يكذبون، غريب في لباسه؛ لأنهم يلبسون الحرام، غريب في طعامه؛ لأنهم يأكلون الحرام، غريب في صمته؛ لأنهم يتكلمون في الحرام".
يا أيها الغريب: كن غريباً بعقيدتك فإن أهل السنة والجماعة لا يشترط فيهم الكثرة ولو كانت جماعتهم واحداً.
غريبٌ من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد
لا طفوني هددتهم هددوني بالمنايا لا طفت حتى وحسا
أركبوني نزلت أركب عزمي أنزلوني ركبت بالحق نفسا
عشت فرداً والناس مليون حولي وأراها الذئاب غبساً وطرسا
فالذي ينجيه الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن هو الذي جعل الله له نوراً في قلبه، نور الفطرة، ونور الإسلام: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥].
فيا من منح أولياءه نوراً! امنحنا نوراً من نورك، اللهم اجعل في قلوبنا نوراً، وفي أسماعنا نوراً، وفي أبصارنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً، ومن خلفنا نوراً، اللهم أعظم لنا نوراً.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلّ على نبيك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذا الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك في برك وبحرك يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم ثبتهم في حربهم وسلمهم، اللهم انصر الإسلام على أيديهم، ودمر أعداءهم وأعداءك يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم رد فلسطين إلى بلاد المسلمين، واجعل لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ترفرف على أرض فلسطين، اللهم أنقذها وأخرجها من أيدي اليهود قتلة أنبيائك، وأعداء رسلك، المكذبين بكتبك يا رب العالمين، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً وأصلح شباب المسلمين ووفقهم للخير، وكفر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 7612
البعوضة في القرآن
إن الله شرع الدين الإسلامي، وعضده بوحي من عنده وهو القرآن الكريم، الذي أنزله الله بلغة العرب، ليفهموا كلامه وليفقهوا أمثلته، ومن الأمثال التي أوردها الله البعوضة، وقد رد سبحانه في هذه الآية على من يكفر بالله، ويستبعد أن يضرب هذا المثل، ويذكر الله في القرآن الكثير من هذه الأمثلة، فيهتدي أناس ويضل أناس.
стр. 7613
شرح آية ضرب المثل بالبعوضة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته
ومع كتاب الله النور المبين, والصراط المستقيم, ومع آيات محكمات, وعظات بالغات:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:٢٦ - ٢٧].
فما زال الحديث في القرآن معترك بين الكفار والمؤمنين, والله قال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] فلما انتهى من هذه الآية، وكأنه أنزل أهل الإيمان الجنة دار الرضوان، وكأن أهل البغي والطغيان أنزلهم ناراً تلظى، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]
و
السؤال
ما هو سبب نزول هذه الآية؟ والسؤال الثاني: هل يطلق الحياء على الواحد الأحد؟
стр. 7614
سبب نزول آية ضرب المثل بالعبوضة
فأما
السؤال
ما هو سبب نزول هذه الآية؟ فلأهل العلم قولان:
الله ضرب ما يقارب من البعوضة وما فوقها وما دونها أمثلة في القرآن, وذكر الله النحل وهي حشرة خلقها وفطرها وهداها ، وذكرها في كتابه فقال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] وهي آية من أكبر الآيات.
ولذلك ينقل الأستاذ سيد قطب في الظلال عن كريسي موريسون الأمريكي صاحب الإنسان لا يقوم وحده , يقول: أعظم آية على أن هناك قدرة: هذه النحلة, قال: من يدلها أن تقطع آلاف الأميال، وتأتي من الجبال إلى خليتها فلا تضل خلية إلى غير خليتها, أعندها (هوائي)؟ قال سيد قطب: لا يوجد عندها هوائي ولكن عندها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] فقال الكفار: رب قدير كبير عظيم ويتحدث عن النحل! والنحل حشرة صغيرة، والعظماء على زعمهم لا يتحدثون في الحشرات.
وذكر الله الذباب، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤] قال كفار مكة: رب محمد يضرب المثل بالذباب.
وذكر الله النمل فقال : ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] يقول بعض أهل اللغة: نادت، وأمرت، وبينت، واستثنت، واعتذرت وختمت, فنادت فقالت: يا أيها النمل, وأمرت فقالت: ادخلوا, وبينت فقالت: لا يحطمنكم سليمان وجنوده, واعتذرت وختمت فقالت: وهم لا يشعرون, فسبحان من علمها وعلم سليمان منطقها!
فلما كثر القيل والقال رد الله عليهم، وأقول: إن سورة البقرة تعتني -كما يقول أحد المفكرين- بالنسف والإبادة وبالردود, قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦] الله يضرب الأمثال بالبعوض وما فوق البعوض، وهو الذي خلقها، وهو الذي سواها, فهذا هو سبب نزولها عند بعض المفسرين.
القول الثاني: وقال قوم من أهل التفسير ومن أهل السنة: سبب الآية أن الله لما ضرب بعض الأمثلة في القرآن قالوا: ما هذه الأمثلة، القرآن وهو كتاب معجز تضرب فيه الأمثلة, يقول : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧] ثم بعدها بآية قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٩] قالوا: كيف يضرب الله هذه الأمثال؟! فرد الله عليهم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].
стр. 7615
إثبات صفة الحياء لله
أما بالنسبة للسؤال الثاني: هل يطلق الحياء على الله ؟
جاء عند الترمذي وابن ماجة وأبي داود والحاكم وصحهه من حديث سلمان قال ﵊: ﴿إن الله يستحي من أحدكم إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً﴾ في لفظ: ﴿إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً﴾ سبحان الله! يستحي منك الله إذا رفعت يديك إليه أن يردهما صفراً, لا يرد لك طلباً، وهو يستحي منك وأنت لا تستحي منه!
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
وورد في الحديث: ﴿إن الله يستحي أن يعذب ذا شيبة في الإسلام﴾ فنطلق هذه الصفة على الله ونقول: له حياء يليق بجلاله, لا نكيفها، ولا نشبهها، ولا نمثلها، ولا نعطلها.
وقد ورد في الحديث الصحيح: ﴿إن الله يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً﴾ فلابد أن يرد الله في يديك شيئاً, فأكثر من سؤال الله, ومن الالتجاء إلى جنبات الواحد الأحد.
لا تسألنَّ بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
والفرق في هذه المسألة بين الخالق والمخلوق: أن المخلوق إذا سألته غضب عليك، ولذلك جاء عند ابن ماجة بسند صحيح: ﴿أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ قال: ازهد في الدنيا يحبك الله, وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾ فلا يحبك الناس إلا إذا زهدت فيما عندهم, ولا يحبك الله إلا إذا سألته.
وأحب الناس إلى الله أكثرهم مسألةً ولجوءاً ودعاءً، وإذا رأيت العبد يرفع يديه دائماً، ويقول: يا رب يا عظيم يا كريم يا إلهي فاعلم أنه قوي الإيمان.
واللجوء إلى الله من أعظم ما يمكن أن يقرب العبد من الله, قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢].
إنه ليوجد من البدو مؤمن موحد يعرف الله والدار الآخرة, ويوجد من المثقفين ملحد زنديق رعديد، يحمل الشهادة الجامعية ولكن عقله عقل حمار! قال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] وقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
ويوجد في أهل البادية من يحافظ على الصلوات الخمس، ومن يصلي في الليل ويدعو الله ويبكي، ويوجد من طلبة العلم من بلغ درجة البرفسور أو الأستاذ المشارك وهو لا يحافظ على الجماعة، ولا يتلو القرآن، ولا يعرف الواحد الديان!
стр. 7616
قصة توضح استحياء الله من عبده إذا دعاه
وحدثنا بعض الدعاة بهذه القصة فقال: نزل رجل أعرابي في الصحراء, فارتحل عن الغدران والأودية مسافة يومين ومعه أهله وأطفاله، أصابهم عطش شديد فلما بحث عن الماء لم يجده طلبه أطفاله ليشربون وطلبته زوجته فلم يجد ماءً, قال: انتظروا قليلاً! فذهب وراء الجبال فلم يجد ماءً, رجع وترك ما وراء الجبال، والتجأ إلى ذي الجلال, كما قال الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] فتيمم وصلّى ركعتين ورفع يديه؛ لكنه مضطر صادق وبكى وقال: يا رب! التجأنا إليك أنا وزوجتي وأطفالي, من ينقذنا يا رب؟! كيف يرد الله هذه الكلمات؟! أيرد الله يديه صفراً؟! ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] وقال: والذي فلق البحر لموسى ما انتهيت إلا والغمامة على رءوسنا غطت ما بين الجبلين, قال: فأنزل الغيث فإذا بالسيل من جانبنا ودخلنا الخيمة حتى انتهى السيل, قال: فأخذ أطفالي وزوجتي يتضاحكون من قرب الفرج ومن كرمه : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
فالشاهد: أننا نطلق الحياء على الله، لكنه حياء يليق بجلاله، ما دام أنه أطلقه على نفسه فما هو المانع من إثباتها لله؟ ولكن العبرة ليست في إطلاق الصفة فهي ثابتة, لكن العبرة يوم يستحي الله من العبد ولا يستحي العبد من الله! يا سبحان الله! رب يستحي من عبده وخالق يستحي من بعض خلقه ألا يستحي المخلوق من الله؟!
تصور أن ملكاً من ملوك الدنيا -ولله المثل الأعلى- دخلت عليه فقال: يا فلان! والله إني أستحي منك، ولولا حيائي منك لفعلت بك وفعلت! فتخرج أنت وتعصيه, ثم دخلت عليه، وقال: إني أستحي منك أن أعاقبك! هل بقي لك وجه أن تقابله؟! أما عندك حياء أن تستحي منه؟
والله لا يستحي من الحق، أتت أم سليم إلى الرسول ﵊، فقالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق -هذه مقدمة لطيفة ظريفة- فأقرها ﷺ , وكان عندها في صدرها كلام, لكن قدمت ديباجة بين يديها, ما هو المعنى؟ تقول: يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق ماذا تتصورون؟ عندها سؤال فيه حياء, وسؤال شائك, وسؤال تستحي المرأة أن تسأله العالم, وخاصة رسول الهدى ﷺ , لكن طرحت
السؤال
إن الله لا يستحي من الحق, هل على المرأة غسل إذا رأت الماء؟ -أي احتلمت ورأت الماء- فقالت أم سلمة زوج الرسول ﷺ : تربت يمينك! فضحت النساء -في بيت رسول الله ﷺ تقول: ما هذا السؤال المجحف الذي فضحت به النساء, فقال ﵊: ﴿بل تربت يمينك أنت يا أم سلمة، نعم.
على المرأة غسل إذا هي رأت الماء﴾.
فالشاهد أنه أقرها ﷺ على هذه المقدمة (إن الله لا يستحي من الحق) , كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة:٢٦].
стр. 7617
مع أهل اللغة والأدب في قوله تعالى: (مثلاً ما)
والآن نريد أن نعرب (مثلاً ما) مثلاً: منصوب على أنه مفعول به, ما: بدل أو صفة جائزة عند أهل النحو, أو منصوبة على نزع الخافض حرف مجرور مقدم, أو حال، أو تمييز في مقام الحال, كلها معربة.
والمعنى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا﴾ [البقرة:٢٦].
أي مثل, أو مثل ولو صغر, أو مثل من أي مثل موجود, وهو المعنى الذي قلته أولاً, ما بعوضة, ما هي البعوضة؟ أولاً الله له أن يضرب المثل بما يشاء من الأشياء، والله له أن يقسم بما يشاء من خلقه, وليس للمخلوق أن يقسم إلا بالخالق, والعرب تضرب الأمثلة.
وذكر الرازي في كتابه التفسير الكبير أن من عادة العرب ضرب الأمثلة, يقولون: أجرأ من ذئب, وأشجع من أسد، وأجبن من غراب, وأحقد من جمل, وأحمق من حمامة.
ولا بد أن نقف قليلاً، ومن يقرأ كتاب الحيوان للجاحظ يتعجب من هذا الكون الذي خلقه فاطر السموات والأرض, كيف ركَّب عقل هذه وكيف سوى هذه وحسّن هذه وقبح هذه وجعل لهذه منقاراً ولهذه أجنحة ولهذه مخلباً سبحانك!
وكتاب الحيوان للجاحظ يقربك من التوحيد إذا كنت مؤمناً, فقالت العرب: أحمق من حمامة والسبب يقولون: خرج صياد بقوسه وبكنانته يريد صيد حمامة, فأخذت تولول وتغني هذه الحمامة وجارتها في العش, فأردات أن تنصحها أن تسكت, فقالت: اسكتي اصمتي من صمت نجا, فأطلق عليها الصياد فقتلها, مثل هذه القصص نوردها, لأن صاحب كتاب الحيوان الجاحظ يوردها لضرب الأمثلة، وصاحب كليلة ودمنة يقول: يضربونها مثلاً للناس.
حتى علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لما قتل عثمان قال له الناس: تولَّ الخلافة, قال: [[أكلت يوم أكل الثور الأبيض]] قالوا: ما هذا المثل يا أمير المؤمنين؟ قال: كان في الصحراء أو في حديقة ثلاثة ثيران: أحمر, وأبيض, وأسود, فأتى الأسد ويقال للأسد أبو معاوية، وهو يأكل الرجال أكلاً عريضاً, أشجع الحيوانات الأسد, ولذلك يقول : ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٥٠ - ٥١] وهو حاكم الغابة, فأتى إلى الثيران فإذا هي ذات قرون، وعضلات، وثلاثة إذا اجتمعت عليه وهو وحداني لا يستطيع! فأتى إلى الثور الأسود ودعاه بينه وبينه بالنصيحة والدين النصيحة, فقال: إني أرى الأبيض والأحمر يأكلان مأكلك وعشبك, قال: فما رأيك فيه؟ قال: ما رأيك نستعين بالأحمر لقتل الأبيض قال: نعم, فدعوا الأحمر ونصحوه, فاجتمعا فقتلا الأبيض, ثم أتى إلى الأسود وقال: الأحمر هذا مغرض عليك فما رأيك فيه؟ قال: نقتله فتعاونا فقتلا الأحمر, قال: ما بقي إلا أنت يا عدو الله! فأكله.
قال علي بن أبي طالب: لا تظنوا أني باقٍ وقد قتل عثمان، فأنا في الطريق, وهؤلاء العظماء قتل عمر، وقتل عثمان وقتل علي، وذبح زكريا، وذبح يحيى.
ولسنا على الأقدام تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
стр. 7618
تفسير قوله: (فما فوقها)
البعوضة: حشرة صغيرة, بعض العامة يسميها (النامس) والله أعلم بتسميتها, لكن هي حشرة صغيرة، وكأنها من أصغر الحشرات, شبه الذرة.
وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا﴾ [البقرة:٢٦] أن يمثل بالبعوضة، وبالذباب، وبالنملة، وبالنحلة, لكن العجيب (فما فوقها) ما هو تفسير فما فوقها؟ يعني: أكبر منها أو أصغر منها, لأهل العلم رأيان وقولان:
١ - قول يقول: المعنى: فما أكبر منها, فأصغر شيء البعوضة.
٢ - قال: فما فوقها: فما أصغر منها, يقال لك: الرجل بخيل فتقول أنت: بخيل وفوق ذلك, أي: بخيل وزيادة, يقال: الرجل شحيح فتقول: شحيح وفوق ذلك، أي: من أشد الناس شحاً وكأن المعنى أقل في الكرم، فهذا من باب فما فوقها أي: فما أصغر منها.
وكلا المعنيين محتمل والله أعلم وأدرى .
والله له أن يضرب الأمثال لأنه يخاطب العرب بلغتهم.
يقولون في الشجاعة: أشجع من الأسد, ولذلك من قتل الأسد عند العرب فهو من أشجع الناس.
والعجيب أنه وجد بطل في العرب قتل أسداً، ولم يقتله بالسيف بل قتله بعصا, وهو أمير من أمراء الأردن؛ فقد خرج أحد الأسود ودخل المدينة، فناداه الناس، فترك السيف معلقاً وأخذ عصا، وشمر عن ساعديه، ونزل فاستقبل الأسد فضربه أول ضربة ثم يلحقه ضربات على رأسه حتى قتله! فأتى فعقدوا له مهرجان بـ دمشق يمدحونه, يقول المتنبي الشاعر:
أمعفر الليث الهزبر بسوطه لمن ادخرت الصارم المسلولا
يطأ الثرى مترفقاً في مشيه فكأنه آسٍ يجس عليلاً
يصف الأسد وهو يمشي في تبختر وكبرياء كأنه طبيب يجس مريضاً، وقال: أنت أيها البطل كيف تعفره بعصاك، فلمن تدخر السيف؟
أمعفر الليث الهزبر بسوطه لمن ادخرت الصارم المسلولا
ومثلوا البلادة بالحمار, قال : ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] ومثلوا بالكلب للذي لا يغير حاله، فمثلاً: إنسان تكرمه أو تهينه سيان, تعلمه أو يبقى جاهلاً, قال : ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦].
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا على الدر واحذره إذا كان مزبدا
أو كما قال وهذا للمتنبي في قصيدة طويلة مطلعها يقول:
لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادة سيف الدولة الطعن في العدا
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦] انتهى من ضرب المثل وأثبت له صفة الحياء , لكن أتى التفصيل في الأمثال.
стр. 7619
أقسام الناس بالنسبة لما ينزل من القرآن
فقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٢٦] يعلمون أنه الحق, فما هو هذا الحق؟ قيل: القرآن, وقيل: محمد ﷺ , وقيل: الإسلام.
والقرآن إذ نزل في عهد الرسول ﷺ ، أو إذا قرئ حتى اليوم وبعد اليوم ينقسم الناس تجاهه إلى قسمين: قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥] وقال في الكفار: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت:٤٤] وقال : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].
والخطيب يوم الجمعة إذا قرأ الآيات، انقسم الناس إلى قسمين: قسم يزداد إيماناً وبصيرة وهداية ورشداً وتوفيقاً، وقسم يزداد نقصاً؛ لأنه منافق فاجر لا يريد القرآن ولا السنة, وهو إنما يصلي مع الناس عادة لا عبادة، قال الله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢].
إذاً فيقول الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٢٦] يعلمون أن هذا الدين والرسول ﷺ والقرآن حق من عند الله.
وقال بعضهم - وهو الصحيح إن شاء الله-: يعلمون أن المثل -وهو الصحيح إن شاء الله- من عنده , وأنه يضرب الأمثال وأنه يقص ما شاء, فسبحان الله كيف يتفاوتون إيماناً!!
وتصور أن الرسول ﵊ يصلي بك صلاة الفجر أو العشاء، وتصور كيف يتلقى أبو بكر وعمر وعثمان وعلي القرآن، فإنهم كل يوم يزدادون إيماناً, وتصور المنافق كيف يزداد عمى من القرآن؛ لأنه يبغض القرآن ولا يحبه, قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥].
ثم يقول: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٢٦] أي: هذا المثل وأنه وارد، وأنه صحيح, والله ضرب الأمثلة كثيراً في القرآن قال -: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد:٣٥] أي: صفة الجنة, وقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]
ثم ذكر مثلاً آخر: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ [البقرة:٢٦] أي: لماذا يأتي بهذه الأمثال؟ ما هو المقصود منها؟ فهم كفروا وشكوا، قال : ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:٢٦] قيل: يضل بالرسول ويهدي به, وقيل: يضل بالقرآن ويهدي به, ويضل بالإسلام ويهدي به, ويضل بالمثل ويهدي به.
يقول : ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:٢٦].
أولاً: هل يضل الله عباده؟
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥] والله هو الهادي, وجعل محمداً ﷺ هادياً، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] وقال : ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] وقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] , وقال طالباً المؤمنين أن يدعوه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وقال جل شأنه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] وقال : ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥] فهو يهدي .
فهل يضل عباده ؟
عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله خلق العباد وأفعالهم, قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] وأن الله خلق الهداية، وخلق الإضلال، وأنه قدر الخير، وقدر الشر, ولكن مع خلق الله للإضلال وتقديره لكنه لا يحبه ولا يرضاه, خلق الكفر ولا يحبه, وقدره ولا يرضاه, وأراده ولكنه لا يحبه, وهذا الإضلال من كسب العبد, فإن للعبد مشيئة لكنها تحت مشيئة الله, قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] فمن ضل فلا يحتج بالقضاء والقدر بل له كسب وسبب, فهو الذي فعل, ولو أن الله قدر عليه لكن لا حجة له, ولذلك يقول : ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦]
و
السؤال
كيف يقول : ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦]؟ لأن الأستاذ مثلاً -ولله المثل الأعلى- إذا قيل له: أنجح الطلاب أم رسبوا؟ فيقول: نجح كثير من الطلاب ورسب كثير من الطلاب, وإن قلت: نجح قليل ورسب كثير كان الجواب صحيحاً, لهذا يقال: قال : ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦] أي أن هؤلاء الكثير بالنسبة لغيرهم قليل, لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].
نزل عمر بن الخطاب إلى السوق فسمع أعرابياً يبيع ويشتري، ويقول: اللهم اجعلني من عبادك القليل, فوكزه عمر بالدرة, وهذه الدرة كانت تقوّم الذين في رءوسهم وساوس, هذه الدرة تدخل النور في بعض القلوب وتوقظ بعض الأذهان, فضربه ووكزه قائلاً: ما لك ولهذا الدعاء؟ فسّر لي هذا الدعاء؟ قال: يا أمير المؤمنين! يقول : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فأسأل الله أن يجعلني من ذاك القليل, قال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر! بل أنت من أفقه الناس, ومن أعلم الناس.
وأقل الناس الآن هم أهل الهداية، ولذلك لا تستغربوا أن تجدوا في هذا المسجد أو في غيره من المساجد كثيراً من الناس؛ لكنهم بالنسبة للفجار، وللمنحرفين والضائعين والضالين لا يساوون نسبة تذكر.
قاعات من قاعات الغناء والسمر والساعات الحمراء يحضرها الألوف المؤلفة, الأستاد الرياضي يحتشد فيه بالألوف المؤلفة وعشرات الآلوف, وإذا أتيت لأهل الدروس، وأهل الطلعات الخيرة، وأهل الصحوة الإسلامية وأهل الوجوه النيرة تستصغرهم بجانب أولئك.
تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
لأن الأقلين فيهم خير فلا يعجبك كثرة الخبيث.
والناس ألف منهم كواحدٍ وواحدٌ كالألف إن أمر عنا
وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
خرج ﵊ للأمة العربية، وهي قبائل مثل الموج, فأتى يدعو فأخذ أبا بكر ثم عمر وعثمان وطلحة وعلياً والزبير فكان يربيهم حتى أصحبوا ما يقارب الثلاثمائة, فغرس الإيمان في قلوبهم، وسكب لا إله إلا الله في أرواحهم، ووجههم إلى الدار الآخرة؛ ففتحوا الدنيا, فلما فتح الله عليهم الفتوح أتوا يدخلون بالعشرات، لكن كل عشرة بريال! نحن لا نستهزئ بأحد لكن أتجعل مسلماً في الفتح كمسلم ما قبل الفتح؟ لا يستوون، والله ذكر ذلك, ولذلك يكون الذين أسلموا بالعشرات والمئات فروا في المعارك وما بقي إلا الأسماء اللامعة التي أسلمت على يقين, قال الله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ [النصر:١ - ٢] ما دخلوا في أول الإسلام أفواجاً لكن اليوم دخلوا بكثرة، فقال الله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:٣].
إذا -أيها الأخيار- يضل الله من يشاء بالأمثلة ويهدي من يشاء, ويثبت هذا الحديث بما يليق به ويليق بجلاله وصفاته وذاته وعظمته ﵎ وتقدس وتنزه.
стр. 7620
أسباب الهداية
قال : ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:٢٦].
وأسباب الهداية أربعة:
стр. 7621
من أسباب الهداية: تدبر القرآن والسنة
فإنك إذا تدبرت الكتاب والسنة زادك الله هداية وفتحاً وتوفيقاً.
стр. 7622
من أسباب الهداية التدبر في آيات الكون
كل شيء في الكون تتدبره ونتفكر فيه.
بك أستجير ومن يجير سواكا فأجر ضعيفاً يلتجي بحماكا
أذنبت يا ربي أصابتني ذنوب ما لها من غافر إلاكا
إبليس يخدعني ونفسي والهوى ما حيلتي في هذه أو ذاكا
هذا شاعر السودان يعلن الإيمان في قصيدته لأن بعض الناس يدخل الجنة بالشعر, وبعضهم يدخل النار وهو يسمع القرآن, ثم أتى يتحدث وقد ذكرتها أكثر من عشرات المرات لكنها جميلة:
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
وأحد شعراء اليمن واسمه ابن دريد
يا ظبية أشبه شيء بالمها ترعى الخزامى بين أشجار النقا
وابن دريد هذا عقلية فياضة، لغوي وإن أسرف في اللغة, جلس يتعلم في اللغة حتى أسرف وتجاوز الحد ولو فرغ هذا الجهد في القرآن والسنة لكن أحسن, له زميل له اسمه نفطوية , كانا يتحاسدان فألف ابن دريد كتاب الجمهرة , قال نفطوية: ابن دريد بقرة ألف كتاب الجمهرة! فرد عليه ابن دريد قال:
أحرقه الله بنصف اسمه وجعل الباقي عويلا عليه
حيث إن اسمه: "نفطويه"! ونفط: هذا الديزل والبنزين المعروف فيقول: يحرقه بهذا وجعل الباقي "ويه" عويلاً عليه.
فأتى ابن دريد بقصيدة مشرقة فيها حكم يقول:
يا ظبية أشبه شيء بالمها ترعى الخزامى بين أشجار النقا
والناس ألف منهم كواحدٍ وواحدٌ كالألف إن أمر عنا
ثم يقول في القصيدة:
وإنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعى
يقول: أنت بعد موتك ستكون حديثاً فكن حديثاً حسناً, فاستهزأ به نفطوية وعارضه بقصيدة هزلية يقول فيها:
وحمل بر من حمول تستر أفضل للمسكين من حمل النوى
يقول: من حمل على الجمل براً أفضل له من أن يحمل عجم الفصم هذا!
من دخلت في عينه مسلة فاسأله من ساعته عن العمى
من طبخ الديك ولم يذبحه فر من القدر إلى حيث انتهى
الشاهد أنه جاء رجل من أهل اليمن مؤمن موحد, ذكر عنه أنه كان يستسقي للناس فما يعودون من المصلى إلا والغيث يبلُّ ثيابهم, ويقولون: ترك هذا اللعب والتغزل وأتى بقصيدة اسمها "منظومة التوحيد" استطلعها قال:
سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا
من أحسن الظن بذي العرش جنى حلو الجنى الشائك من شوك السفا
إلى أن يقول:
لا بد أن ينشرنا كما زوى جوداً وأن يمطرنا كما ذوى
لطائف الله وإن طال المدى كلمحة الطرف إذا الطرف سجى
يقولون: ألقى هذه في صلاة الاستسقاء، فعاد الناس والغيث على رءوسهم يسكب سكباً, علم الله تلك القلوب كيف أشرقت بحبه ووصلت إليه, وهو الذي يريده ﷺ من القلب وهو أن يتعرف على الله , الذي أنا قلت: من أسباب الهداية الكتاب والسنة والثاني: التأمل في آيات الكون، في الزهرة وفي النحلة، وفي لمعة الضياء، وفي الماء، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف:١٠٥] كم نخرج إلى النزه؟ كم نجلس في الرحلات في الحدائق الغنَّاء؟ لكننا لم نتفكر فيها ولو لمحة, تنظر إلى فعل البشر ولا تنظر إلى فعل خالق البشر, تنظر إلى إبداع البشر ولا تنظر إلى إبداع رب البشر.
حتى طلاب العلم والدعاة يجلسون في حديقة من حدائق البلدية، فينظر أحدهم إلى السور ويقول: سبحان الله ما أحسن إبداعهم في هذا السور! انظر إلى الحديد كيف ركبوه! وهذه اللمبات الكهربائية، والماء كيف أجروه! وكيف ضربوا هذه البويات وأخرجوا هذا الزجاج! لكنهم لا يقولون: انظر إلى النبات، وكم أنواعها، إنها مئات الأنواع هذا أبيض، وهذا أحمر، وهذا طويل، وهذا قصير.
سبحان الخالق! قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق:٧] وقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠] لكن من يتلذذ ومن يتفكر؟! ومن يسأل النبت من الذي خلقه وأبدعه؟! إنه الله.
стр. 7623
من أسباب الهداية: كثرة الدعاء
من أسباب الهداية: كثرة الدعاء والالتجاء إلى الله الواحد الأحد:
فتطرح نفسك بين يديه، فإنه سوف يهديك لا محالة, قال ابن تيمية: " من أكثر من الدعاء فتح الله عليه فتوحاً لا تدور بالخيال ولا تخطر بالبال " أحد المحدثين في خراسان اسمه الحمَّال كان يدرس الناس الحديث, فأراد السلطان أن يقطع هذا الدرس فأرسل إليه رسول يقول له: لماذا لا تقطع الحديث، السلطان سوف يقتلك؟ قال: لا والله، بل يقتله الله قبل أن يقتلني, قالوا: سبحان الله! هو حي يرزق وسوف يقتلك الليلة, قال: والله لن يقتلني إن شاء الله, قالوا: ولم؟ قال: لأني سجدت لله، فقلت: يا قاصم الجبابرة! اقصم فلاناً قالوا: فخرجوا من المسجد فوجدوه قد اغتيل في السوق.
وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء أن سفيان الثوري دخل الحرم وكان أبو جعفر المنصور يبحث عن سفيان الثوري ولو وجده بين النجوم ربما أرسل من يأتي به, وسفيان الثوري لم يأخذ مالاً ولا سلاحاً ولا دوراً ولا قصوراً, إنما كان إذا لقي أبا جعفر أمام الناس يأخذ بتلابيب ثيابه وينصحه, خليفة الدنيا, فأراد أن ينكبه لأنه أيضاً يتكلم في الظلم ويتكلم في المنكر, فدخل الحرم وسفيان الثوري يصلي, قال له الناس: يا سفيان أقبل أبو جعفر المنصور ليدخل الحرم، فتعلق بأستار الكعبة، فقال: والله الذي لا إله إلا هو إن شاء الله لن يدخل الحرم, قالوا: ولِمَ؟ قال: يقتله الله, فلما بلغ بئر ميمون -وأنتم تعرفون التاريخ- مات قبل ليلتين من الحرم.
ابن تيمية في معركة شقحب وهذا من القسم على الله ، وهو سؤال الله أتى بالمصحف، وبالسيف وأخذ كأساًَ من الماء فشربه أمام الناس في ١٧رمضان وقال للناس: "افطروا جميعاً، الفطر في هذا اليوم أفضل, والله الذي لا إله إلا هو لننتصرن" فقام تلاميذه وقواد الجيش، قالوا: قل: إن شاء الله يا أبا العباس قال: والله لننتصرن, قال: قل: إن شاء الله قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً, فوقعت المعركة وانتصروا بإذن الله, حتى خرج النساء والأطفال يتباكون على سقوف المنازل، قالوا: وكانوا يرون ابن تيمية يلمع بسيفه بين الصفوف، هذا هو ابن تيمية , ومن استطاع أن يأتي بمثل ابن تيمية فليأت بمثله!
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أتى في أول الجيش، وهو يرفع صوته، وله صولة وهولة وجلالة ومهابة الله أعلم بها، والسيف بيده يقطر دماً، وكذا ثيابه، وكلها دماء.
تردَّى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر
فتىً كلما سالت عيون قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر
إلى أن يقول:
وما مات حتى مات مضرب سيفه من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
فرجع يقول: قال تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٩] فالمقصود: الالتجاء إلى الله هو شاهدنا في مسألة الهداية؛ لكننا لم نعرف نحن طعم الدعاء, وكثير من الناس يقول: يا رب! نجحني في الامتحان.
وهو يفكر في الغش في الفصل, وآخر يقول: اللهم! ارزقني وهو يفكر كيف يخدع مسلماً ليأخذ بضاعته, فهذا كله دعاء من قلب لاهٍ، وثبت عن ابن مسعود أنه يقول: [[إن الله لا يقبل الدعاء من قلب لاهٍ ساهٍ]].
يقول الأصمعي: مررت بأعرابي يسأل الله الحاجة, يقول: فأجلس امرأته، وقال: اجلسي هنا فجلست, فنظر إلى السماء قال: يا رب! إني جالس كما ترى وامرأتي جالسة كما ترى فما ترى ربنا؟! أي: يقول: ماذا ترى في جلوسنا هنا؟
وقد نقل إلينا بعض الدعاة أن قرية من القرى جاهلة -لكن أوردها للعبرة- خرجوا للاستسقاء وهم جهلة، حتى أن بعضهم لا يعرف الفاتحة؛ لكن علم الله لجوءهم إليه, قرية جاهلة لا يوجد فيها عالم، ولا داعية ولا طالب علم, لكن اشتد بهم القحط، وماتت بقرهم وإبلهم وغنمهم، فعلموا أنه لا يأتي بالغيث إلا الذي فوق سبع سموات, فخرجوا: فلما اقتربوا من المصلى كان على أحدهم غترة من العمامات القديمة, وعادة بعض القبائل أنه إذا أردت طلباً من رئيس أو من وجيه، أو من رجل ذي سلطان، أو من رجل كريم ومقدم في جماعته يلقي عليه غترته, أي: يدخل عليه أن ينفذ هذا الأمر, قالوا: فتقدم هذا الشيخ الكبير الصادق الذي علم الله صدقه, قال: يا رب! وضعت بين يديك عمامتي, والله لو كنت مكاني وكنت مكانك ما أرضى لك هذا الحال! قالوا: فلما رجعوا يقول هذا الداعية: والله ما رجعوا من المصلى إلا والسيول تجرف جرفاً، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] علم الله جهله ولكن علم لجوءه إلى الله الواحد الأحد.
ولذلك ذكروا عن عيسى كما ذكر صاحب الإحياء وابن قتيبة في عيون الأخبار أن أحمقاً من بني إسرائيل كان له حمار, فأمطرت السماء وأنبتت الأرض من كل زوج بهيج، فانبسط هذا الإسرائيلي، فأخذ الحمار يرعاه وقال: يا رب! لك الحمد والشكر، والله لو كان لك حماراً لأرعاه مع حماري!
فالله جل وعلا من الأسماء والصفات ما هو بها جدير، وإنما أقصد ضرورة صدق اللجوء وكيف نلتجئ إلى الله؟ وكيف نصدق فالله يأخذ بصدق القلوب, ويعفو سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عما يأتي به العبد من سوء أدب معه .
стр. 7624
من أسباب الهداية: مجالسة الصالحين وزيارتهم
السبب الرابع هو: مجالسة وزيارة الصالحين: وقد قال الإمام الشافعي رحمه لله:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة
ومن الأخطاء: أن ترى بعض الشباب هداه الله قبل مدة وجيزة مع أهل الخير، ثم تجده مع الفسقة فإذا قيل له: ما لك؟ قال: أريد أن أدعوهم إلى الاستقامة والالتزام، وأصبحت هذه ذريعة في يد كل إنسان، ويبقى سنتين وثلاث وعشر سنوات، وهم لم يتأثروا به، بل قد يسحبوه معهم، لأن بعض الناس ضعيف الشخصية، إذا جلس مع أهل الفساد جرّوه.
إذاً حضور مجالس الخير هي من أسباب الهداية قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] والله وتعالى يضل: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة:٢٧] وعهد الله قيل: ما أخذه الله من الناس من أنه لا إله إلا هو, وقيل: إذا عاهدوا قوماً نقضوه, وقيل: عهود الإسلام جملة وتفصيلاً وهو الصحيح.
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة:٢٧] لمن هذا الخطاب؟ قيل: لبني إسرائيل، وقيل: للمشركين، وقيل: للمنافقين، والصحيح أنه للجميع.
وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ بصاحبك الذي لا تصحبينا
وهذا شيخ كبير عجوز ضعيف نحيل فقير جاء إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله! ابني جعت ليشبع، وظمئت ليروى, وسهرت لينام, وتعبت ليرتاح, فلما شب -يا رسول الله- وأملت فيه الأمل بعد الله تغمط حقي, ولوى يدي, وظلمني، وضربني, فدمعت عيناه ﷺ , هل تتصور في العالم أفجر من إنسان رباه أبوه ثم بعد أن صار شيخاً كبيراً، معدماً ممقوتاً، أو محتقراً مصغراً عند الناس يريد أن يلتجئ بعد الله إلى ابنه، فيأتي هذا الابن بقوته وعضلاته فيضطهد هذا الشيخ! هذا ظلم عظيم, قال ﵊ أقلت فيه شعراً؟ -لأن العرب تنفس عن همومها بالأشعار, امرئ القيس طال عليه الليل فقال:
الا عم صباحاً أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن إلا سعيد منعم قليل الهموم لا يبيت بأوجال
فالشاهد أن العرب كانوا ينفثون همومهم بأشعار، فقال: نعم يا رسول الله, قال: ماذا قلت؟ قال: قلت لابني:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل
إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ
كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تهمل
ثم يقول:
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفضاضة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترعَ حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
يقول: ليتك فعلت كالجيران, ليتك تفعل مثل الناس, بعض أبناء الجيران أبر إليهم, وقد رأينا من بعض الآباء إذا أراد أن يرسل أحداً إلى الأسواق يعصيه ابنه فلا يرسله، ولا ينقله في مشواره ولا يؤدي له خدمة, فلا يؤدي له إلا أبناء الجيران.
ولذلك ورد في بعض الآثار: [[لئن يربي أحدكم في آخر الزمان جرواً خير من أن يربي ابناً]] لا صلاة ولا صيام ولا قراءة ولا نوافل ولا صلاح ولا طاعة, إنما هو جثة هامدة في البيت, أبشر به في كل شر وأبشر به في كل جريمة، وأبشر به في كل معصية, لكنه عند الخير معطل, فهذا من باب القطيعة، بل من أعظم القطيعة؛ نسأل الله العافية والسلامة.
ذكر أهل السير والأدب والأخبار: أن رجلاً من العرب أتاه ابنه في عشية من العشايا فقال له الأب: لم تخلفت؟ قال: وأنت تقول: لم تخلفت؟ فأخذ يد أبيه فلواها! وقال:
وربيته حتى إذا ما تركته أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
تغمط حقي ظالماً ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه
قالوا: فلوى الله يد الابن حتى مات وهي ملوية! ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦].
وقال : ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٧] والقطيعة أن تقطع كل ما أمرك الله أن تصله، ومن قطعه فقد شمله هذا التنبيه والتهديد, أمرك الله أن تصل ما بينك وبينه, وما بينك وبين أبيك, وما بينك وبين أمك, وما بينك وبين أرحامك, وما بينك وبين الناس.
وعند الطبراني في حديث قدسي: أن الله يقول: ﴿يا بن آدم! هي ثلاث: واحدة بيني وبينك, وواحدة لك, وواحدة بينك وبين الناس, فالتي بيني وبينك: أن تعبدني، وأن تشكرني، وتكف عن معاصيّ لأرحمك, والتي لك: كلما استغفرتني غفرت لك, والتي بينك وبين الناس: أن تأتي إلى الناس بما تحب أن يأتوا به إليك﴾ وهذا من باب الصلة التي أمر الله بها ﵎.
стр. 7625
بيان معنى الإفساد في الأرض
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٧] الفساد في الأرض قال بعضهم: بقتل الأنفس كما يفعل بعض السفاكين المجرمين, تجده يسفك البشر سفكاً ذريعاً, ويقتل الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء المتهمين، ويعلن حالة الإعدام، والإبادة, قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢٠٤] إذا تكلم أمام الجماهير فإذا به يتكلم كلاماً معسولاً ولكن كلامه عسل، وضربه أسل, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦] هذا مثل من أمثال الناس.
стр. 7626
إضلال المؤمنين وردهم عن الهدى من الإفساد في الأرض
ومنهم من يفسد في الأرض بكلامه، فتجده دائماً يزعزع الإيمان في قلوب الناس, إذا رأى شاباً مهتدياً هداه الله وبصره، ودله الله وسدده، بعد أن كان في الظلام وفي حيرة، بعد أن كان مع الأغنية الماجنة، والمجلة الخليعة، ومع رفقاء السوء، والمقاهي والمنتديات، والساعات الحمراء، فلما هداه الله أتى إليه ذاك يقول له: أصبحت مطوعاً؟! متزمتاً؟! متطرفاً؟! شوهت جسمك، وشوهت نفسك، وخربت مستقبلك، وهدمت طريقك, فيبقى يوسوس له حتى يفسده وهذا من الإفساد في الأرض.
فكثير من الناس زعزعوا بهذا الكلام, وقد جلسنا مع شباب كثير قد اهتدوا لكن لما جالس المفسدين أضلوه، يأتي إليه الأول فيسخر منه، ثم الثاني فهزه بكلمة، ثم الثالث ثم الرابع حتى ترك الهداية! فهذا من الإفساد في الأرض.
стр. 7627
من الإفساد في الأرض إشاعة الفاحشة وتتبع العورات
وقيل: من الإفساد في الأرض قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:١٩] الرجل المفسد في الأرض هو الذي يحب الفساد, لذا بعض الناس يكتب في الصحف والمجلات: المرأة مظلومة, المرأة لا تزال مقيدة, المرأة هنا ما عرفت النور, ماذا يريد؟! يريد شراً ويريد جحيماً وفاحشة، لكن ظاهره من قبله الرحمة وباطنه من قبله العذاب, فيظهر للناس أنه يريد الخير للمرأة لكنه يريد التبرج والسفور, ويريد أن تشارك في الأعمال والوظائف ليفسد المجتمع, وقد رأينا جيراننا وما حولنا من القرى ماذا فعلوا، فضاعت شيمهم، وقلوبهم وعقولهم، ومناهجهم يوم خرجت المرأة لتعمل موظفة ورئيسة ووزيرة، حينها ضاعت قلوبهم وأفكارهم وعقولهم.
ومن الناس من يفسد في الأرض بأن تجده دائماً في الأسواق يتابع أعراض المسلمين, عينه تزني، وكذا يده، وبطنه، وفرجه, كلما أتى له مدخل فعل ذلك, فهو من المفسدين في الأرض إلى غير ذلك من الأمور التي تشمل الإفساد، فهي كلمة عامة تشمل كل ما يغضب عليه ويبغضه ولا يحبه من إفساد العامة والخاصة، الظاهر والباطن، من المعاني والمحسوسات، والله المستعان!
стр. 7628
كيف نعرف المفسدين في الأرض
يقول تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:٢٧] يكفي عن هذه الكلمة أن يقول الله عنهم: خاسرون, وإذا حكم الله على عبد بأنه خاسر فهو الخاسر, لأن بعض الناس يسمونه الضائع لأن ماله ضاع، لكن لم نسمع من أحد ضاع دينه فسمي بالضائع، وبعضهم إذا حفظ ماله وضيع دينه، قالوا: حافظ، رجل فيه من الفهم والتسديد كذا، ولو كان رجلاً محتالاً وداهية, ولو كان منسلخاً من العبودية لله.
فهم ينظرون بمنظار التقويم والنور والهداية، أولئك هم الخاسرون, كتب الله عليهم الخسران.
فأقول -وسوف أكرر-: إن معايير الناس تختلف، فأهل الهداية، وأهل العلم، والتربية، والفكر، والعقل يقوموِّن العبد بصلاحه, والضائعون يقومونه بما يأتي من فساد, الآن المغنّي هل ترون أنه خاسر أم صالح؟ في منظر العقلاء والراشدون حتى من أعداء الله الكفار أنهم لا ينظرون إلى هؤلاء الراقصين والداعرين والمغنين إلا بمنظار الدون, ولذلك يوجد في بعض المذكرات لا يتولى في الحكومة ولا أن يكون عضواً في مجلس النواب، أو في مجلس الشيوخ، أو في مجلس الكونجرس إلا شخص غير ملابس لجريمة ما، وهذا موجود نيكسون الأمريكي عزل وسبب عزله من منصبه أنه تورط في فضيحة أو ترجيت وهي شركة ألبان، لكن الذي كشفته صحيفة في أمريكا اسمها أوترجيت , وقالوا: مرتشي وهو رئيس حكومة؟! فعزلوه
فالعقلاء دائماً يقومون الناس بصلاحهم ولو كان صلاحاً عاماً, ولكن أهل الحقارة والنذالة والضياع يقومِّون الناس بضياعهم, يأتون بمغنٍ مسكين ضائع, قالوا: كيف صعدت؟ كيف رأيت النور؟ كيف شققت مستقبلك؟ كيف بلغت إلى هذا المستوى؟ مستوى ماذا؟ مستوى الحضيض.
بل هو منكوس يصعد إلى الأسفل, فهذا ليس بمستقبل، بل خداع للأمة, وخداع للشباب, إذاً المستقبل لمن عرف طريق الجنة, ولمن حافظ على الصلوات الخمس, ولمن حفظ القرآن.
يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران
ويا حريصا ًعلى الأموال يجمعها أقصر فإن سرور المال أحزان
من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من سادوا ومن هانوا
إلى أن يقول:
من استعان بغير الله في طلب فإنما نصره عجز وخذلان
أو كما قال وهو أبو الفتح البستي في قصيدته الجميلة العظيمة التي وقرها أهل العلم وعرفوا حقها.
فإذاً: إذا حكم الله على عبد أنه خاسر فهو الخاسر حقيقة.
стр. 7629
معنى آية (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً)
قال : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨].
بعد أن ذكر الآيات الكونية وبشارة أهل الإيمان وضرب الأمثلة وصرف الأحكام والآيات الكونية والشرعية, قال: كيف تكفرون بالله؟! ما لكم لا تؤمنون؟! ما هو السبب في كفركم؟! هل الآيات قليلة؟! هل المعجزات ضحلة؟! هل العلامات ما ظهرت في الأفق؟! كيف تكفرون بالله؟!
سبحان الله! وكأن القرآن يوقفك وحدك، ويقف أمامك ويقول لك: كيف تكفر بالله؟! كيف تجحد الله؟! كيف تعطل حقوق الله؟! كيف تنسى الله؟!
стр. 7630
معنى قوله: (وكنتم أمواتاً)
قال الله : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ [البقرة:٢٨] قال ابن عباس: [[كنتم نطفاً]] أي: نطفة, وقال غيره: كنتم عدماً, أي: كنتم أمواتاً في عالم العدم, لأنه إن كان ميتاً فلا يكون عدماً, يعني: كنتم أمواتاً في الأصلاب؛ لأن الميت له وجود, قال في الذي لا يوجد: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢].
ولذلك لما أتى العاص بن وائل وفت العظم ونفخه وقال: ﴿يا محمد! تزعم أن ربك يحيي هذا؟! قال: نعم ويدخلك النار﴾ قال : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فكيف تكفرون وكنتم ماءً، أو كنتم قبل الماء في العدم فأتى بكم الله من العدم, فلما أحياكم وبصَّركم وأسمعكم ورزقكم وأطعمكم وسقاكم وساقكم وأوقفكم كفرتم بالله!! هذا جحدان ونكران، وهذا هو -والله- أخبث المعتقدات، ولم يحصل ظلم في العالم أظلم من الكفر.
стр. 7631
معنى قوله: (فأحياكم)
يقول الله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] أي: أحياكم بالنفخ في الروح, ثم كساكم الله : ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] هذه هي الميتة الأولى وهي الموتة التي يموتها كل الناس, ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] يوم البعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] أي: قال سبحانه: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١].
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] الكافر يموت مرتين، والمؤمن يولد مرتين, فالمؤمن يولد أول مرة يوم ولدته أمه, والمرة الثانية: يوم ولد مع القرآن، ويوم عاش مع الإيمان، ويوم سجد للواحد الديان.
والكافر يموت مرتين: يوم مات في الحياة الدنيا حين مات ويوم مات عن النور والهداية قلبه، فالكافر قطعة لحم ميتة، ولعنه الله وغضب عليه, والموت الثاني: يوم يلقى ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى, قال : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] وهذه الآية فيها إثبات ميتتين:
الأولى وهي عندما أتى من العدم.
والثانية: إثبات ميتتين وإثبات الإحياء بعد الموت, وإثبات اليوم الآخر والرجوع إلى الله, وإثبات الحساب, وسوف يرى كل إنسان ما قدم.
سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار
وقال العظيم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
وطلب بعض الإخوة أن أذكر المسلمين لصيام الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر.
وأقول: صدق أثابه الله, وله الأجر الكثير عند الله, فإن الرسول ﵊ كما صح عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر, وأن أوتر قبل أن أنام, وركعتي الضحى﴾ قال بعض أهل العلم: أيام البيض لم يتركها ﷺ حضراً ولا سفراً، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وهي تعادل صيام الدهر.
في الختام أسأل الله لي ولكم الهداية والتوفيق.
стр. 7632
من آداب النبوة (٣)
في الحلقة الثالثة من آداب النبوة كلامٌ نفيس حول تكنية الأطفال وتكنية الرجل الذي لم يولد له، وهذا وإن كان محور هذه المادة وموضوعها الأساس إلا أنها احتوت كذلك على العديد من الفوائد الجليلة كآداب الضيافة، ومحبة الصحابة للرسول ﷺ ، وآداب الزيارة، والتواضع وغير ذلك.
стр. 7633
شرح حديث: (يا أبا عمير ! ...)
الحمد لله الذي رفع السماوات بلا عمد، والذي بسط الأرض في مدد، الذي خلق الإنسان في كبد، والصلاة والسلام على أبي الزهراء سيد الأولياء، وخيرة الأصفياء، ما ترقرق الماء، وما لمعت النجوم في الظلماء، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ومع الإمام البخاري في كتاب الأدب، وهو يجدد الأبواب تلو الأبواب، ناقلاً عن المصطفى ﵊: هديه، ودله، وشمسه، ونوره، وعظمته، التي ما لحقها أحدٌ من البشرية، ولا أتى أحدٌ من الإنسانية بالخير لأمته، ولا أدخل أحدٌ لقومه بمثلما أتى به محمدٌ ﵊.
يقول البخاري رحمه الله تعالى: باب الكنية للصبي، وقبل أن يولد للرجل.
ثم قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الوارث عن أبي التياح، عن أنس ﵁ وأرضاه، قال: ﴿كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخٌ يقال له: أبو عمير قال: أحسبه فطيماً، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ نغرٌ كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا﴾ وهذا الحديث يعرف بحديث: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾.
وقد تهجم بعض الزنادقة، وأذناب الملاحدة على أهل السنة ونقلة الحديث، وقالوا: إنهم يروون أحاديث لا فائدة فيها، يقول هؤلاء الملاحدة والزنادقة ومن سار مسيرتهم: المحدثون لا فهم لهم، فهم يروون أحاديث لا تعقل وليس فيها فوائد! مثل حديث: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾ أي فائدة في هذا الحديث؟!
ومثل حديث: ﴿أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها﴾ فهذه لا يُستنبط منها شيء، فلماذا يشغلون الناس بالأسانيد وكثرة الكلام، وليس هناك فائدة؟!
وانبرى لهم الإمام ابن القاص، أحمد بن أبي أحمد الطبري، وأخرج أكثر من ستين فائدة، ثم أتى ابن حجر حافظ الدنيا، وعلامة الزمان وأستاذ القاهرة، وصاحب فتح الباري الذي لا هجرة بعد الفتح، فأخرج فوائد تلحق على تلك فتصبح سبعين فائدة.
فلنسمع لهذا الحديث وللقضايا التي عالجها العلماء، والتي هي من القضايا الحارة في حياة المسلم، والتي أديرت بكئوس من الفضل بين الفضلاء، وعلى بساط من النبل بين النبلاء.
стр. 7634
جوانب من عظمة الرسول ﷺ
الرسول ﵊ من عادته أنه سهل ميسر، ولذلك يقول أحد الغربيين في كتاب له: إن محمداً -يقصد الرسول ﷺ سهل في عظمته، بسيط في هيبته.
وينقل هذا أبو الحسن الندوي في كتاب السيرة، أي: سهل ممتنع، كيان متحرك، رجلٌ حضاري يقود الأمة من الجاهلية إلى الإسلام، وينقل تاريخاً لم يكن ينقله ألف كسرى وكسرى، وألف قيصر وقيصر، في ثلاث وعشرين سنة يؤسس دولة ينقطع حلق الدهر لا يدرك مداها.
هذه الدولة الإسلامية التي أخرجت العلماء، والأدباء، والشجعان، والأساتذة، والمعلمين، أسسها ﷺ بهدوء، وهو جالس في بيت من طين في المدينة، ويأخذ الأمور بالتي هي أحسن وبهدوء وعظمة، ولكنه غَيَّر العالم.
وكذلك الفرنسي الآخر الذي يقول: كان محمدٌ يصلح بين الشعوب وهو يشرب فنجان القهوة في بيته في المدينة، والقهوة لم تكتشف إلا في القرن السادس، لكنه ظن أن القهوة قديمة، وبعض الناس أتى من بلاد غير بلاد العرب، فرأى العرب يشربون القهوة، فأخذ يشربها، قال: هذه القهوة تؤلمني، لكن -والله- لما علمت أنها من السنة وأن الرسول ﷺ كان يشربها؛ شربتها، قلنا له: ليست من السنة، قال: لا.
أنتم تشربونها وكل شيء تفعلونه من السنة، فهو جاهل.
فهم يظنون أن العرب إذا فعلوا شيئاً أن الرسول ﷺ يفعله.
فالرسول ﷺ ليسره وسهولته، يعطي كلَّ واحد حَقَّهُ من الإجلال والإكرام والإعظام.
ومن يتصور أن رسولاً كالرسول ﵊ يعطي الأطفال وقتاً من وقته الثمين الغالي، الذي هو أغلى من الذهب والفضة، ويجلس مع الأطفال، فهذا الحديث قضية كبرى، وقصة يتحدث البخاري عنها في باب هو من ضمن الفوائد الستين أو السبعين من الباب.
стр. 7635
ملخص قصة حديث: (يا أباعمير) وفوائدها
يقول البخاري -وهو يتساءل- لطلبة العلم وللمسلمين: باب الكنية للصبي.
هل يحق لنا أن نكني الصبي فنقول: يا أبا محمد! يا أبا علي! وهو لم يتزوج، ولم يكن له أبناء؟
ثم قال: وقبل أن يولد للرجل، فالرجل الكبير الذي عنده زوجات لكن ليس له ولد، هل نكنيه أم لا؟ فهذه قضية.
وملخص الحديث أن الرسول ﵊ سمع بفاجعة ومصيبة وكارثة حدثت في المدينة، وحلت في بيت من بيوت الأنصار، وهذه الكارثة هي موت طائر صغير كالعصفور لطفل كان يلعب به، وهذا الطفل اسمه أبو عمير، فاسمه كنيته، أي: ليس له اسم إنما الاسم الكنية، وهذا جائز في العربية وعند المحدثين، فأُخبر الرسول ﵊ أن هذا الطفل مات طائره، وقد كان له طائر فربط رجله بحبل ليلعب به في البيت.
فأخبر الرسول ﷺ مباشرة، وأتاه الخبر الفاجع، وانتقل ﵊ إلى بيت أبي عمير، وهو أخو أنس خادم الرسول ﷺ ليعزيه، وليرفع له أسمى آيات العزاء والمواساة على هذا الفقيد الغالي الذي أصيبت به الأمة الإسلامية في عقر دارها.
ووصل ﷺ بحفظ الله ورعايته ودخل على الصبي، وقال وهو يظهر الأسى: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾ قال: مات يا رسول الله.
فالرسول ﷺ أظهر التأسف، ومعه شيء من البسمة الرقيقة التي عاشها ﷺ ، وطالما جذب بها القلوب وسبى بها الأرواح، وسوف يأتي بسط لهذه القضية، وما هو الحوار الحار الذي دار بين المعلم الكريم والزعيم العظيم، وبين هذا الطفل الصغير؟ فهذه قضية.
وصل ﵊، وبعد أن انتهى من مراسيم العزاء، قام إلى بساط هناك، فأشار أن ينضح ليصلي بأهل البيت، فصلى بهم ركعتين ﵊، وفيها أكثر من عشر قضايا سوف تأتي معنا.
следующие страницы →