← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قضية تنقيع المساويك وهنا قضية خطيرة -يا أيها الأخوة- فانتبهوا لها، فقد أثارت استغراب كثير من الإخوة، وقد أوقفتني، وهي: أن كثيراً من الإخوة، وباعة المساويك يغشون المسلمين، وينقعون المساويك، فانتبهوا لهذا ﴿لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين﴾. يقول: اكتشفنا أن بعض باعة المساويك يأتي بها وهي قديمة فينقعها، فيوهم العالم الإسلامي أنها جديدة، وهي منقعة: ﴿من غشنا فليس منا﴾. وأقول: أولاً: هذه تحية لأهل المساويك، فأنا أشكرهم وأسأل الله أن يعلمهم الأدب، فكم أزعجونا في أثناء خطبة الجمعة: من يشتري الزين، من يشتري الزين؟ وهذا يقع منهم بعد النداء الثاني. ثانياً: أطلب منهم أن يتأخروا عن أبواب المساجد، فلا يزاحموا المسلمين. ثالثاً: أطلب منهم ألا ينقعوا المساويك، وأن يأتوا بها جديدةً غضةً طرية، وأن يبيعوها في وقتها، وإن نقعوها فعليهم أن يخبروا بأنهم نقعوها حتى لا يوصلوا العالم الإسلامي في داهية دهياء.

стр. 772

حكم التأجير لمن لا يصلي تأجير البيوت لمن لا يصلي صلاة الجماعة من قِبَل القائمين على مكاتب العقارات، ممن همهم المال وليس مراقبة الله ، فهو يأتي بأناس لا يصلون، أو لا يحافظون على صلاة الجماعة، فيؤجر لهم بيته، فهم لا يؤجرون البيت على الرجل فقط، بل هم يؤجرون البيت على الرجل وأهله، فيبقى الرجل في البيت ما يقارب السنة، لا يصلي في المسجد، ويشتكي أهل الحارة منه. وإذا قيل لصاحب المكتب: اتق الله، قال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] هذا مالي وهذا بيتي. فهذا من نقص الأمانة وسوف يسأله الله عن ذلك: ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾. أرى أن يكون في المكاتب العقارية شرط الصلاة في المسجد، يعني: للرجال؛ إلا من عذر شرعي، وعلى المكتب أن يُنبِّه على ذلك، فإن نقض المستأجر الشرط فعليه أن يخرج من البيت؛ لأنه نَقَضَ الشرط، وعند الترمذي وغيره من حديث عمرو بن عوف المازني أنه ﷺ قال: ﴿المؤمنون على شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً﴾. هذا هو المطلوب، فاتقوا الله في ذلك. كذلك قضية تأجير المحلات التجارية على أهل التسجيلات الغنائية محرم، وقد أفتى بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ محمد العثيمين في كثير من المناسبات، ويحرم التأجير أيضاً على من يبيع الدخان، وأصحاب أفلام الفيديو المهدمة المهدِّدة لأمن وسلامة المجتمع الإسلامي، ومن فعل معهم ذلك، فقد تعاون معهم على الإثم والعدوان.

стр. 773

حكم العادة السرية ورد ثلاثون سؤالاً عن العادة السرية، وحكمها، والتوبة منها ثم العودة. وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى بأنها محرمة، والواجب اجتنابها، وقد استدل الشافعي على تحريمها بقوله : ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] فعلى العبد أن يتقي الله وأن يبحث عن البديل في الزواج، أو الصيام، أو الاشتغال بالحق، فالعادة السرية محرمة ومسببة لأمراض عدة. وقد أفتى العلماء الآن بتحريمها، وهو الصحيح المعتبر.

стр. 774

حكم التعامل مع الشركة الخليجية للاستثمار الشركة الخليجية للاستثمار أو دار المال، وردت أسئلة عنها، وهي: أن الشركة الخليجية للاستثمار قد حوَّلت كثيراً من أموالها، وهي تتعامل مع البنوك الربوية، وقد سمعنا أنها لا تتعامل مع البنوك الربوية، أو أنها لا ترصِّد أموالها هناك، وقبل فترة أخبرني بعض الإخوة بذلك، لكن أخبرنا بعض الإخوة ممن تعامل معهم أنهم حولوا له رصيده من بنك ربوي، وأنهم يتعاملون مع البنوك الربوية. فأنا أطلب من القائم على هذه الشركة -وأنا أعرفه وهو رجل فاضل خيِّر- فعليه أن يتقي الله ، وأن يأتي بالبديل، والعجيب أن محمداً ﵊ الذي أتى بكل ما يتطلبه الإنسان من حاجات؛ حتى أنه ما ترك طائراً يطير بجناحيه إلا أعطانا منه خبراً! ثم يموت ﷺ ولا يبين لنا حلاً للمال، حتى يقول بعضهم: لا بد من الربا شئتم أم أبيتم، لا نستطيع أن نعيش إلا بالربا؟! وهذا كذب: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥]. فالرسول ﷺ بين لنا مصارف الأموال، وهي شريعة جعلها الله للإنسان، أما فيها قسم للمال؟! أما فيها تدبير لدخل الإنسان، كالمضاربة، والشركة، والبيوع الحلال؟! فكل هذه في شريعة الله ، ولكن كما قال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].

стр. 775

مشكلة الملتقى الثقافي في أبها وردت أسئلة كثيرة ورسائل من الخاص والعام، فهنا يقول: الملتقى الثقافي في أبها ما رأيكم فيه؟ ولماذا يشارك فيه مجلس سعيد السريحي وهو حداثي، ومعه لفيف من الحداثين؟ سعيد السريحي: سماه بعض الدعاة والمفكرين الإسلاميين: سعيدوف السريحي، سموه سعيدوف على وزن سخروف وبرجنيف وجرباتشوف، اسْتُقْبِل هذا وتُرِك له المجال، فأخذ يتهجم، ومُنع الدعاة وطلبة العلم من المداخلة والمشاركة، وهذا في الصيف القريب في أبها، ومعه لفيف آخر، والدعاة لم يسمح لهم بالمشاركة ولم يُدْعَوا أصلاً، ولو حضروا ما استطاعوا أن يتكلموا؛ لكن يسمح لـ سعيدوف وأمثاله أن يتكلم، أما الآخرون فإنهم من منظرهم يمكن أنهم لا يستطيعون الكلام، أو لا يجيدون فن الكلمة. إذا عَيَّر الطائي بالبخل مادِرٌ وعَيَّر قساً بالفهاهة باقِلُ وقال السهى للشمس أنت كسيفةٌ وقال الدجى للبدر وجهك حائلُ فيا موت زُرْ إن الحياة ذميمة ويا نفسُ جدي إن دهرك هازلُ رواد محمد ﷺ وأبناؤه وجيله لا يستطيعون أن يعبروا بالكلمة ولا يبدعوا القصيدة، ولا يرتجلوا الخطبة، ومَن أهل الإبداع إلا نحن؟! ومن أصحاب المنبر إلا هؤلاء الجيل الطاهر النظيف البار الراشد؟! لكن ما الحيلة؟! ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتلَّ بالماء فيجوز لك أن تحضر الملتقى الثقافي، ولكن اجلس على الكرسي ولا تتكلم ولا ترفع إصبعك، اسمع سعيدوف وغيره، ثم اذهب. السؤال ولماذا لم تشارك أنت -وأنت من أبناء المنطقة- في النادي ولا في الملتقى الثقافي؟! الجواب ما دُعِيتُ، ولو ذهبتُ ما لقيتُ مجالاً، فماذا أفعل؟

стр. 776

مشكلة اختلاف المؤذنين واختلاف القبلة وهنا قضية اختلاف المؤذنين في الوقت في مدينة أبها، واختلاف القبلة. الجواب نعم ضربت أبها مثالاً رائعاً في اختلاف المؤذنين، فبعض المؤذنين يتأخر ربع ساعة أو ثلث ساعة، نؤذن ونصلي ونخرج، فيستيقظ الشيخ وهو كبير السن من نومه، فيتوضأ بعد أن يسخن له ماءً، ثم يتمضمض ويذهب إلى المسجد فيؤذن، فيفتح المكرفون ربع ساعة، ويستقبل القبلة فيؤذن، فهذه مأساة. وأنا أخاطب مدير الأوقاف -وهو رجل راشد خيِّر، فيه طيبة وفضل- أن يوجد حلاً لهذه المشكلة، وهي أصلاً في الجنوب منتشرة في القرى والمدن، لكنها طيبة، فحلت في الرياض ومكة والمدينة، وجدة، أما هنا فلا زالت، فلا بد من وقت منضبط يحاسب عليه المؤذنون حتى يؤذنوا في وقت واحد، أما أن هذا يُفطر وهذا يتسحر، وهذا يصلي وهذا يخرج من المسجد، فتصبح المسألة فوضى فليس بصحيح هذا. أيضاً اختلاف القبلة، يقول بعضهم: إنهم يستقبلون جهة وادي ابن هشبل وبعضهم جهة وادي الدواسر، وبعضهم في جهة قنا والبحر، وبعضهم جهة مكة. والإجماع بين أهل العلم أنه لا يجوز إلا استقبال مكة، وأما قنا فليست من القبلة ولا وادي الدواسر، فهذا الإجماع الذي أجمع عليه العلماء، فأنا أدعو الإخوة إلى توحيد القبلة في جهة واحدة فقط، لا في ثلاث جهات.

стр. 777

حكم الاجتماع على الاستسقاء السؤال هل يجوز للناس أن يجتمعوا فيستسقوا لأنفسهم؟ الجواب نعم يجوز لهم أن يجتمعوا فيستسقوا لأنفسهم، وأن تجتمع القبيلة وأهل المدينة، وإمام المسجد والخطيب ويتشاورون فيعلن في الناس أن عليكم غداً أن تخرجوا متذللين متخشعين، خائفين لنستسقي، ولذلك يبارك الله في هذه؛ لأنها تأتي عفوية من القلب. أما إذا خرج الناس بسيارات فاخرة وبشوت لماعة ذهبية، وعقول منكسة أو بلا عقول، فإنهم لا يسقون. ولذلك استسقينا خمس مرات فباءت بالفشل، بل اشتدت الحرارة أكثر، فقد كان عندنا غيم، فلما استسقينا اشتدت الشمس. وقد استغاث الناس ربهم في كثير من المواطن فما خيب رجاءهم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. وقد أخبرنا أحد الثقات من الأعيان والصلحاء في قصة حضرها، يقول: "في القديم -وهو كبير السن- قال: كنا في قبيلة اجتمعنا وبحثنا عن طالب علم، في وقت كان طالب العلم كالكبريت الأحمر، يُبحث عنه ليقرأ الرسالة ويكتبها، قال: فما وجدنا، فقلنا: يا جماعة الخير! هل فيكم من يحسن صلاة الاستسقاء؟ قالوا: لا نعرف، فقالوا: ما رأيكم، قحطنا وأجدبنا واحتجنا للغيث؟ فقال أحدهم: نرى أن نجتمع ونسأل الله في مجلس، فإنه قريب . فقالوا: إذاً موعدكم الصباح في الوادي الفلاني، فنزلوا جميعاً كباراً وصغاراً وأطفالاً ونزلوا بمواشيهم، وقام كبارهم فحلَّقوا في حلقة كبيرة. وقام كبيرهم -شيخ القبيلة- وقال: اللهم إنا نسألك أن تسقينا وتغيثنا، والله الذي لا إله إلا هو! لو كنت مكاننا وكنا مكانك ما نرضى لك هذا الحال -قال: لو كنت في ضربنا ولو كنا في ضربك، هذا من نية ومن صدق- قال: والله ما أتى وقت صلاة العصر إلا والسيل في الوديان". ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] ولكن بنية صادقة مع الواحد الأحد ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩]. يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلِ ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحلِ اغفر لعبد تاب من زلاته ما كان منه في الزمان الأوَّلِ وقال آخر: لطائف الله وإن طال المدى كلمحة الطرف إذا الطرف سجى كم فرج بعد إياس قد أتى وكم سرور قد أتى بعد الأسى سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزلْ مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخَطا وهناك قبيلة من القبائل في الجنوب خرجت فاستسقت قبل أيام، فأمطرها الله وأتى السيل معها، أي في ذلك اليوم أتى السيل، وأنا أعرف الذين حدثونا بهذا، ولله الحمد ولكم أن تجربوا.

стр. 778

رباً يتساهل فيه بعض الناس السؤال صرف العشرة بتسعة، أو الإجبار على الشراء، وهذا موجود في البوفية أو المطعم أو الدكان، فتذهب إليه فتطلب منه حاجة، فيقول: لا أصرف لك إلا العشرة بتسعة، أو لا أصرف لك حتى تشتري مناديل، فما حكم ذلك؟ الجواب هذا لا يجوز للآتي: أولاً: لأن فيه صورة من صور الربا، لأن الرسول ﷺ قال: ﴿مثلاً بمثل، يداً بيد، سواء بسواء﴾ رواه مسلم من حديث عبادة. وثانياً: فإن فيه بيعاً وشرطاً، وفي سنن أبي داود: ﴿نهى ﷺ عن بيع وشرط﴾.

стр. 779

اختلاط سكن الرجال بالنساء الأجانب الاختلاط في سكن العمال والعاملات، مثل: المطارات والشركات وبعض الفنادق، فقد يختلط فيها سكن الرجال والنساء من العاملات والخدم والشغالات ونحو ذلك، وهذا أمر محرم يُنَبَّه عليه، ووصيتي لأهل المؤسسات أو القائمين على هذه الشركات أو المطارات، أن يتقوا الله في ذلك وأن يفصلوا بين هؤلاء وهؤلاء، وأصلاً وجود الشغالات والعاملات ومثل هذا يُعتبر من الأمور المؤسفة التي تبعث الحزن في القلب. وفي بعض الأسئلة طرائف ونكات وأنا آتي بملح أحياناً من الأسئلة حتى لا نهملها؛ لأن فيها خيراً وتنبئ عن روح مرحة يحملها الكثير منكم، أثابكم الله.

стр. 780

طرائف السؤال بعض الغتر تسرق الأقلام، فما رأيكم في حل مثل هذه المشكلة في حضور المحاضرات والدروس؟ الجواب أولاً: أنصحك نصيحة وأنصح غترتك نصيحة أخرى، فعليك بلبس غتر غير مهيئة لسرقة الأقلام، فجرب أن هذه المكتلة عدوة للأقلام، فمثلاً عليك أن تتقي الله في ذلك، ولو حصل لك ذلك ووجدت قلماً في غترتك، ولم تعرف صاحبه فبإمكانك أن تبيعه وتتصدق بقيمته على صاحبه أو تعطيه من يحتاج له ولا يستطيع شراء قلم، لكن انتبهوا! من خاف الله سدد.

стр. 781

عدم الاهتمام بالقرآن يقول: القضية عدم الاهتمام القرآن الكريم في الثانوية الصناعية والتجارية، والكلية التقنية، وكلية التربية، والمعهد المهني، والمعهد الصحي. الجواب كأن هذه خارج الخارطة، أي: كأن قلم التكليف رفع عن هذه المدارس، وكأن أهلها لا يصلون، وهم يصلون، ولا يحتاجون قرآناً، وهم يحتاجون قرآناً. وأصل القضية أن القرآن لا يعفى منه قسم إسلامي ولا كلية ولا مدرسة، ولا مصنع ولا شركة، لا مهني ولا تقني ولا فني، ولا تكنولوجي ولا طبي ولا هندسي، ولا أي شيء، ولابد للعاملين حتى النزلاء في السجن أن يدرسوا القرآن. فمسألة المصحف -القرآن الكريم- لا يمكن أن يعتذر أحد من هؤلاء مثلاً، فيقول الصناعي: أنا تخصصي صناعة، كيف تطالبني بالقرآن؟ أقول: نعم، حصة ومحاضرة؛ لأن طلبة المسلمين بين يديك، يصلي الواحد منهم كل يوم خمس مرات، ماذا يقرأ؟ كيف يلقى الله؟ كيف يجود كتاب الله؟ كم يحفظ من القرآن؟ فيا أيها القائمون على الثانوية الصناعية التجارية، والكلية التقنية، وكلية التربية والمعهد المهني، والمعهد الصحي، وغيره؛ اتقوا الله، قرروا حصصاً بدلاً من حصص الفراغ، أو بعض الرياضة التي بُلِيَت بها الأمة واستهلكت أوقات الأمة في مثل هذا، اجعلوها للقرآن، اجمعوا شباب المسلمين على كتاب الله ، تعاونوا مع الجمعيات الخيرية في المدارس، وادفعوا لهم من الرواتب التي تفيض من صندوق الشاي والقهوة، فاجعلوا لهم ستمائة أو سبعمائة ريال، يدرس أبناء المسلمين حتى يخرج مهندساً قارئاً للقرآن، أو طبيباً قارئاً للقرآن، حاملاً أداة وآلة وقارئاً للقرآن، فقاسمنا المشترك القرآن.

стр. 782

مشكلة ظلم العمال يقول: مسألة نشكو منها إلى الله وهي منتشرة في المجتمعات، وهي ظلم العمال. كثير من أهل المؤسسات وأهل رءوس الأموال يظلمون عمالهم ظلماً عظيماً، في الرواتب، والتعامل، والإجازات، وغيرها، وسوف أفرد الحديث على ذلك وسوف تكون عنوان الخطبة -خطبة الجمعة المقبلة إن شاء الله-: ظالم من الدرجة الأولى.

стр. 783

التعاون على البر والتقوى السؤال هنا أخبركم أن قرى بني مازن والعزيزة وبعض قرى ربيعة ورفيدة، قاموا بمشروع مبارك وهو أنهم منعوا بيع الدخان في متاجرهم، ودكاكينهم، فهل من شكر؟ الجواب أشكرهم من الأعماق، وأسأل الله أن يحفظهم ويرعاهم وقد فعلوا خيراً يؤجرون عليه، وسمعت أنهم أقاموا حفل تكريم لمن فعل ذلك، وأنهم قد جردوا متاجرهم من هذا الخبث وقد أحسنوا بهذا، وقد فعلوا كما فعلت بعض المدن، كـ القويعية الآن ليس فيها شريط غنائي واحد، والزلفي ليس فيها ولا فيديو واحد مهدم، وليس فيها شريط غنائي، كثير من المدن تسلك هذا المسلك، فهم فعلوا الخير ويؤجرون عليه، والواجب أن يشكروا من جميع المسلمين وأن يُدعى لهم. ثم إنه يطالب كذلك أن تحتذي بقية القرى حذوهم فيما فعلوا. وكذلك يضيفوا إلى ذلك المجلات الخليعة فإنهم يقاطعوها. ثم أدعو مثلاً الإخوة أن يقاطعوا البيع والشراء من بعض المحلات، التي تروج المجلات الخليعة والدخان وبعض السلع المحرمة، وأن يشجعوا المتاجر الإسلامية بالبيع والشراء، فهم يؤجرون على ذلك. السؤال قضية منتشرة بين الشباب خاصة، وبين كبار السن كذلك، وهي: ترك السنن الرواتب؟ الجواب وهذا صحيح، نرى كثيراً من الناس يصلي مع الناس الفريضة، ثم يخرج من المسجد، ولا يصلي السنة الراتبة، وقد سئل الإمام أحمد عمن يترك السنن والرواتب والوتر، فقال: رجل سوء، رجل سوء، ويحاسب العبد يوم القيامة على فريضته، فإذا نقصت كملت من السنن الرواتب. فيا إخوتي! اللهَ اللهَ في السنن الرواتب، وهي عشر ركعات، قال ابن عمر في الصحيحين: ﴿حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر في بيته﴾ فحافظوا على هذه والوتر معها. وقضية أخرى أن بعض الشباب أرسل رسائل، يقولون في الرسائل: لم أجد وظيفة؛ ولكن وجدت عملاً؛ ولكن هذا العمل تجسس على المسلمين، فهل يجوز لي هذا العمل وهل يجوز استلام الرواتب؛ لأني أتجسس على المسلمين؟ الجواب: لا يجوز لك ذلك؛ ولا يجوز لك أن تتوظف جاسوساً على عباد الله ؛ فإن هذا أمر محرم، ودخلك يحاسبك الله عليه، ولا تطعم أطفالك حراماً، وأخاف عليك من دعاء طلبة العلم والعلماء والمسلمين. فأنا أنصحك وأنصح نفسي ألا تتوظف في هذا العمل فتكون جاسوساً على عباد الله ولك أن تخبر عن الشرور، وعن المفاسد التي تحيق بالأمة والفتن، لكن أن تكون جاسوساً، فإن هذا الاسم الشرعي لا يستخدم في غير ما استخدم له، فإن الرسول ﷺ يقول: ﴿لا يدخل الجنة قتات﴾ وهو النمام الذي ينقل الكلام على وجه الإفساد، ومثل هؤلاء الذين ينقلون الكلام ويشوهون صورة العلماء أو الدعاة أو طلبة العلم أو الأخيار، أو أنهم يدخلون الرعب والخوف في قلوب المسلمين؛ لا يكونون أمناء على أعراض المسلمين وأموالهم، وهؤلاء الجواسيس محرم عملهم في الإسلام. أما قضية التعاون على البر والتقوى، فهذا مطلوب، فإذا رأيت -مثلاً- إنساناً يروج مخدرات أو إنساناً يسعى بالفساد في الأرض، أو إنساناً له مخطط رهيب في معاداة الإسلام والمسلمين، فإن عليك أن تخبر، وهذا من التعاون على البر والتقوى. فهذا المطلوب وهذا المعلوم، ولا يؤخذ تحت مظلة الخدمة لمصلحة العامة أو الأمن أو غير ذلك، فإن هذا ليس وارداً في دين الله والأسماء تعفي أصحابها من الحكم الشرعي.

стр. 784

رسالتان من شابين رسالتان من شابين أرسلاهما: الرسالة الأولى: يقول: أنا لا أستطيع أن أصف نفسي بعد كلامك، إنني أحقر من أن أتشرف بحضور هذه البشكة -يعني الجلسة يسميها البشكة وكأنه قريب عهد ببشكة، تاب الله عليه وحفظه- قال: لأني شاب من هؤلاء الذين تعنيهم في كلامك والحمد لله الذي تفضل عليّ بالحضور، وأريد أن أتوب، ولكن هل تظن أن الله يغفر لي؟ الجواب أولاً: حياك الله وهذا مكسب عظيم، وشرف جسيم أن نحتضنك وتحتضننا هذه الليلة، ونسأل الله أن يثبتك على الحق ويشرح صدرك، ويتولانا وإياك. أما الله فإنه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣]. أما الله فهو القائل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦]. وأما الله فإنه القائل ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ويقول سبحانه في الحديث القدسي الذي رواه الترمذي وأحمد بسند صحيح: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾. وهذا الشاب الآخر يقول: يا شيخ! أنا أحد الشباب الذين تتكلم عنهم، وأبشرك فأنا من هذه الليلة سوف أسير معكم على هذه الطريق إن شاء الله، وكنا نراكم ونتمنى أن نصير مثلكم، والله يرحم الحال، ولكن نلعب على أنفسنا، ونحن مرتاحون والله يعلم، ادعُ لنا بالهداية أنا وإخواني الباقين، وأعتبر أن يوم السبت الموافق ٢٦/ ٤/١٤١٢هـ هو بداية حياتي الحقيقية. الجواب حياك الله في فرصة وحياة جديدة لك، وهذا إشراق جديد؛ لأن الإنسان ميت: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] فأنت وأمثالك أمل لهذا الدين ومستقبل زاهر له. فأنا أدعوك لمواصلة الحضور ومواصلة سماع الشريط الإسلامي وصحبة الصالحين، وحب أهل العلم والدعاة، ثم المحافظة على الصلوات الخمس، وكثرة النوافل ومصاحبة كتاب الله، وسوف تجد أن الله سوف يشرح صدرك ويزيدك هدىً وبصيرة، قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 785

مَن تاب من إيداع ماله في البنك السؤال أنا رجل كان يودع ماله في البنك الأهلي، ثم تاب بعد سماع هذه المحاضرة. الجواب جزاك الله خيراً وحفظك، فالآن وصلت رسالتك، وهذه من سرعة استجابة الناس للحق، وهذه الفطرة المعطاءة التي يباركها الله لأول طرفة، فكأنهم نهر إذا أحس بالحديد يفجر ذاك المعين، فيتدفق هذا الماء العذب، ماء العطاء والتوبة، وهي الاستجابة الحقة لله ولرسوله، وهذه النوعية مثل نوعية أبي ذر وبلال التي استجابت من أول وهلة. أما النوعية التي تسمع المواعظ والدروس تُلقى عليها ثم لا تستجيب، فهي من نوعية أبي جهل وأبي لهب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] شكراً لك ولقلبك واستجابتك وهنيئاً لك، ومن الآن. الآن ميلادي الجديد به ولدت وعمري أيامي ويقول آخر إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار

стр. 786

الإنفاق لتغيير الشر إلى خير وصلتني رسالة من صاحبها يقول: أحبك في الله. ويقول: إذا وجدتَ رجلاً يدفع تكاليف بناء مسجد الموصلية إلى البنك الأهلي، وأنا أقوم بإتمام المسجد كله، فأنا مستعد؟ الجواب أولاً: أحبك الله الذي أحببتنا فيه. ثانياً: المسألة كأنه يقول: ابحثوا لنا عن رجل يدفع ما سلف من التكاليف إلى البنك الأهلي وأنا أتمم الباقي، والباقي من المشروع كثير وأنت مشكور مأجور، ولعلك تتصل بي أو بفضيلة الشيخ جبريل البويصلي إمام المسجد والذي هو مدرس بكلية الشريعة. وفي ختام هذه المحاضرة أبتهل إلى المولى أن يحفظنا وإياكم، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يحفظ ويسدد شباب المسلمين، وأسأله أن يصلح ولاة الأمر، وأن يهديهم سبل الرشاد، وأن يوفقهم لما يحبه ويرضاه وأن ينصر بهم الدين، وأن يهيئي لهم البطانة الناصحة الصادقة، التي تدلهم على الحق وتحذرهم من الباطل. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 787

معاني وبدع الأعياد ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد وللعيد آداب وسنن فصل فيها الشيخ في هذه المادة، ونبه قبل ذلك إلى الأعياد البدعية؛ كأعياد الميلاد ويوم المرأة والمولد النبوي وعيد الشجرة، وأكد أنه لا عيد للمسلمين إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، وبين ما فيهما من المعاني الدالة على الأخوة والتكاتف والتآلف بين المسلمين، وختمت هذه المادة بذكر هديه ﷺ في العشر الأواخر من رمضان، وبين آداب المعتكف، وتطرق لزكاة الفطر مبيناً بعض أحكامها.

стр. 788

الأعياد البدعية الحمد لله القائل: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: أيها الناس: قبل أيام استقبلنا شهر رمضان المبارك وبعد أيام سوف نودعه ليختم حياةً عشناها معاً، ترفع فيها صحفنا إلى الله بحسنات وسيئات، وبعد أيام سوف نستقبل ويستقبلنا العيد وسوف نعيش لحظاته. ونحن معشر أهل الإسلام: لنا عيدان اثنان فحسب؛ عيد فطرنا يوم أن نفطر من صيامنا، ويوم أن نضحي نسكنا لله ، ولا نحتاج إلى غيرهما من الأعياد؛ لأن أيامنا كلها أعياد، وليالينا كلها أفراح، وساعاتنا كلها سرور وحبور.

стр. 789

عيد الميلاد ليس عندنا عيد ميلاد؛ لأن عيد الميلاد أضحوكة يضحك بها الإنسان على نفسه، وسخرية يسخر بها الرشيد إذا سفه وضحل عقله على كيانه، كيف يحتفل بميلاده!! وهو لم يولد بعد في عالم الحياة!! إن المولود حقيقة من ولد لله، وعاش ومات لله، أما هؤلاء الدجالون الخرافيون الذين عندهم عيد ميلاد فلم يولدوا بعد؛ لأن من ولد إنما ولد لله ، قال الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] إنهم لم يخرجوا من الظلمات ولم يولدوا بعد، فكيف يحتفلون بعيد الميلاد!!

стр. 790

يوم المرأة وليس عندنا معشر أهل الإسلام! عيد المرأة، ولا يوم المرأة؛ لأن عيد المرأة عندنا كل يوم، نحن الذين جعلوا للمرأة أعيادها كل يوم وكل ليلة، كرمناها وأهانها غيرنا، وقدمناها وأخرها غيرنا، وحفظناها وضيعها غيرنا، وسترناها كما تستر الشمس بين السماكين، والعين بين الحاجبين، والدر في الصدف، وأخرجها غيرنا وزعموا أنهم هم الذين كرموها، وكذبوا لعمرو الله، فليس لها عندهم عيد ميلاد بعد أن هتكوا كرامتها وحجابها وسترها وديانتها، يهتمون بها إذا بلغت الخامسة عشرة حتى تبلغ الثلاثين، وقبل الخامسة عشرة وبعد الثلاثين لا يهتمون بها؛ لأنهم سفكوا كرامتها، ودعكوا حرمتها وسترها، فأي عيد ميلاد لها؟! نحن أهل عيد المرأة ويوم المرأة، يوم جعلنا ابنها يتقرب إلى الله بحبها، كلما سمع قوله ﷺ : ﴿الجنة تحت أقدام الأمهات﴾ ونحن الذين جعلنا زوجها يكد ويتعب ويكدح، كلما سمع قوله ﷺ : ﴿الله الله في النساء، خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي﴾ أو كما قال ﷺ ؛ فمن المظلومة إذن، المرأة عندهم أو عندنا؟! تقول كاتبة ساخرة، ماحقة، ماكرة: المرأة المظلومة، ونقول: من هي المظلومة يا ظالمة! أهي عندكم يوم أن ظلمتموها، وعطلتم أهميتها في بيتها، وهتكتم حجابها وسترها، أم هي عندنا يوم كرمناها، ورفعناها، وشرفناها؟

стр. 791

عيد الشجرة ليس عندنا معشر أهل الإسلام: عيد للشجرة، لأننا نهتم بالإنسان أكثر مما نهتم بالشجرة، نحن أهل دين جاء للإنسان، وجاء لتربية الإنسان لا لتربية الكلاب والشجر، نربي الشجرة ونزرعها ونسقيها، ثم نقتل الإنسان، ونجلده ونسجنه، ففي أي كتاب هذا؟!! وفي أي أسطورة؟!! ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]

стр. 792

المولد النبوي ليس عندنا معشر أهل الإسلام! عيد المولد النبوي للرسول ﷺ ؛ لأن أهل عيد المولد عندنا خرافيون، دجالون، سفهاء، جهلة، لا علم عندهم، ولا عقل، ولا دين؛ لأنهم أحيوا مولده ﷺ وذبحوا تعاليمه بسكين الدجل والخرافة. أعيد ميلاده ﷺ أن نجتمع ونرقص وقد عطلنا تعاليمه في الحياة، ومنهجه في الواقع، وسنته في دنيا الناس؟!! أعيد ميلاده ﷺ أن يتراقص الناس كما يتراقص الحمير، وينشدون ثم تتساقط عمائمهم كما تتساقط مبادؤهم من رءوسهم؟!! أهذا عيد ميلاد له ﷺ ؟! ما هذه الخرافات!! وما هذه الطقوس!! وما هذه التماثيل التي عكف عليها الجهلة!! أحسبت ديني سبحةً وعمامة وقصائداً أطري بها المختارَا كلا فديني دعوةٌ أبديةٌ قد أنبتت في العالمين منارَا رُكزت بصحراء الحنيف وأرضعت بدماء من قد بايعوا المختارَا

стр. 793

سنن العيد من سننا أيها الناس يوم العيد: أن نخرج إلى الصحراء، والسر في هذا الخروج بعد أن نترك العمارات، والفلل، أن الصحراء تعرفنا ونعرفها، وتحبنا ونحبها، يوم سجدنا على ترابها آلاف السجدات لله، ويوم بنينا عليها آلاف المساجد للحي القيوم، ويوم أدخلنا في ترابها آلاف الشهداء، فحق علينا أن نعود إلى الصحراء مرة ثانية. ونخرج يوم العيد يا أيها الناس! مهللين مكبرين، نقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، نكبر يوم العيد لتكون العظمة والقداسة والاحترام كل الاحترام لله؛ ولئلا يشعر بعض الناس أننا لا نعظمه ولا نحتفل به في مثل هذا اليوم، فنقول له: لا. لا كبير، ولا عظيم، ولا كريم إلا الله، فنقول: الله أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، وأكرم من كل كريم. ونخرج يوم العيد: فنلبس ثيابنا الجديدة الجميلة؛ لأننا أهل الجمال، زرعنا الجمال، وسقيناه، وأنبتناه، وقطفناه، فلا جمال إلا في ديننا، والله ربنا جميل يحب الجمال، طيب يحب الطيب، لا نعترف بالدروشة، ولا نقر بالخرافة، ولا نتحاكم إلى التزمت. نظهر بالجمال في المبادئ والأفكار، ونظهر بالجمال في العقائد والمنقولات والأخبار، ونظهر بالجمال في الشعار والدثار، فنحن أهل الجمال، ولا يسبقنا إليه حي. نلبس وقت الفاقة ووقت المجاعة: الصبر والرضا، ونلبس وقت الغنى ووقت الحبور والسرور: الشكر والثناء، ووقت الأعياد: الجمال والحبرات والمظاهر الحسنة، ونلبس وقت الجهاد: الدروع والرماح والسيوف على مبدئنا: البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها ونخرج يوم العيد فنصلي ركعتين، ويخطب إمامنا يوم العيد ليعلن مبادئنا في الصحراء؛ لا أسرار فيها ولا ألغاز، بل هي واضحة وضوح السماء، صريحة صراحة الصحراء، صافية صفاء الفضاء، فمن أراد أن يسمع مبادئنا فليسمعها في هذا اليوم، ومن أراد أن يستقرئ أخبارنا فليستقرئها يوم العيد وليسمع ماذا سوف يقول الخطيب. ونخرج يوم العيد جماعات؛ لنعلن المحبة والتآلف والتناصر والتعاون، ونشجب الخلاف والفرقة، فمهما اختلفنا في الفرعيات، فإننا نتفق في الأصول، والمبادئ، والأسس والقواعد، فكأننا نقول لأعداء الإسلام، ولمن يريد الكيد للإسلام: هانحن عدنا مرةً ثانيةً متآلفين، متآخين، متحابين: إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها ونخرج يوم العيد من طريق ونعود من طريق أخرى؛ لنقول للفقراء: هانحن نلاحقكم في كل طريق، ونتابعكم في كل مكان؛ لنرفع من جوعكم؛ لأن ديننا لا يقر مبدأ التمايز، بأن يسكن إنسان في الطابق العاشر يطاف عليه بصحافٍ من ذهب، ولحم طير مما يشتهون، وفاكهة مما يتخيرون، وينام صنف آخر على التراب لا يجد كسرة الخبز، ففي أي شريعة هذه؟!! أفي شريعة حمورابي! أم في قوانين نابليون! أم في خزعبلات هتلر! إن محمداً ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يخرجون يوم العيد ومعهم الفقراء، ويعودون ومعهم الفقراء، ويشبعون ويشبع معهم الفقراء، ويجوعون ويجوع معهم الفقراء. ونحن في يوم العيد: لنا أن نروح عن أنفسنا بشيء من الدعابات، والأشعار، ومن طيِّب الأخبار، ومن نكات السمر مع الإخوان والسمار؛ بشرط أن تكون في حدود الوقار، لا نثلم فيها عرضاً، ولا ننتهك فيها كرامة، ولا نفضح فيها مستوراً.

стр. 794

فرق بين عيدنا وعيدهم هذا عيدنا، أما عيد غيرنا فهم يرقصون على الهزائم، ويفرحون بالفشل، ويصفقون على الخيبة في عالم لم ننصر فيه بعد أن تولينا عن لا إله إلا الله. أيرقص الذين خرموا حرمة شهر رمضان، وأكلوا فيه، وهزموا فيه، وأسقطوا لا إله إلا الله في رمضان وفي غيره أيرقصون فيه؟! فلماذا يرقصون؟!! أللخيبة أم للفشل! إن أقواس النصر ورفع الأعلام والعيد أن تنتصر الأمة، وأن يعود كيانها ووحدتها وقوتها ومركزها العالمي، وأن يتأخر كل ذنب متأخر، وأن يتقدم كل صنديد متقدم، فهذا هو مفهوم العيد، لا نقول للعيد كما قال المتشائم الأول: عيدٌ بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمرٍ فيه تجديد أما الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيدٌ دونها بيد ولكن نقول: مرحباً بالعيد، وأهلاً وسهلاً به، ففيه يعود الصفاء إلى قلوبنا، والرحمة إلى أرواحنا، والودُّ إلى نفوسنا. عيدٌ بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمرٍ فيه تجديد نحن الأشاوس ما شجت أرومتنا وفي حظيرتنا نجبٌ صناديد نعم. نحن وإن غفلنا فلن نموت، وإن سكتنا فلن ننتهي، وإن ظن الناس أن هذا الدين قد تأخر فسوف يتقدم، لأنه دين عالميٌ أيها الناس! يعيش في المواسم، وفي الصيام والأعياد وفي الليل والنهار.

стр. 795

لمن العيد ؟! فهذا عيدنا إخوة الإسلام! فلمن العيد إذاً؟! العيد لمن احترم وصام رمضان، وعرف الله فيه وفي غيره العيد لمن عادت على قلبه أنسام التوبة، وراجع حسابه مع الله. العيد لمن صفَّى معاملته مع الله، وتاب من الزلل. نخرج يوم العيد أيها الناس! فنتهم أنفسنا قبل اتهام الناس، ونبش للناس، ونبتسم لهم، ونعانقهم؛ لأن بيننا وبين الأحبة غيوماً تحدث من نقص البشر، ومن ذنوبهم وخطاياهم فنتهم أنفسنا بحدتنا وغضبنا ونقصنا وتقصيرنا، ونعذر إخواننا بصبرهم وإخلاصهم وتضحيتهم فنعود متفوقين ناجحين، فهذا هو عيدنا. إذاً فإن أعيادنا إنما هي عيد الفطر وعيد الأضحى ويوم الجمعة، وأما أعياد الذي لا يعقلون، الذين أخذ الله سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم، فعيد الشجرة ينبتونها ويسقونها، ثم يقتلون من يسقي الشجرة. وعيد المرأة؛ وهم الذين كفنوها ودفنوها وأقاموا على جثتها مآتم. وعيد ميلاد النبي ﷺ ؛ وهم الذين أماتوا سنته، وذبحوا تعاليمه، وعطلوا شرائعه في الأرض. وأعياد كثيرة تفوق الحصر؛ لا يمكن أن تقال، يفهمها اللبيب، ويعرفها الأريب، ويدركها الأديب. يا عباد الله! ننتظر العيد بكل فرحة، ونأمل من الله أن يعيد لنا كرامتنا ومجدنا وعظمتنا وسؤددنا؛ حتى نكون دعاة خير، ورسل هداية، ومشاعل حق، وقادة ركب، وأساتذة عالم، ولا نكون متأخرين، ولا فاشلين، ولا ضالين مضلين. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم

стр. 796

العشر الأواخر من رمضان وأحكامها الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد، أيها الناس: ﴿كان من هديه ﷺ في العشر الأواخر أن يشد مئزره ويوقظ أهله ويحيى ليله﴾ ﵊. فهو دائبٌ في العبادة أبداً، ولكن إذا دخلت العشر اغتنمها، فهي فرصةٌ لا تعوض؛ لأن فيها ليلة هي خير من ألف شهر. وكان ﵊ يعتكف في هذه العشر الأواخر من شهر رمضان؛ فكان ينقطع عن العالم الخارجي، ويجلس مع الله في مناجاة وتبتل وذكر ودموع وخشوع؛ ليعيد لقلبه ﵊ -وهو المعمور دائماً وأبداً- يعيد له أنسه المعهود، الذي ربما تغير من خلطة الناس، وكلامهم، ومن ممارسة مشاكلهم، فهذه العشر كان يعتكف فيها ﷺ في مسجده؛ فلا يخرج إلا لحاجة لا بد منها.

стр. 797

آداب المعتكف والمعتكف له آداب منها: ١ - أن يبقى في مسجد تجمع فيه الصلاة. ٢ - أن لا يخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها. ٣ - أن يعتزل الجماع وما يدعو إليه. ٤ - أن يكثر من قراءة القرآن، والصلاة، ومن الذكر مطلقاً. فهذا هو هديه ﷺ في العشر الأواخر.

стр. 798

زكاة الفطر وهنا مسألة أيها المسلمون! ينبه عليها لأهميتها وهي زكاة الفطر التي أمر ﷺ بإخراجها. قال ابن عمر ﵄: ﴿أمرنا ﷺ أن نخرج زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من بر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب عن الذكر والأنثى، والحر والعبد، والكبير والصغير﴾ فهذا الصاع يخرج يوم العيد قبل الصلاة بعد الفجر من يوم العيد، ومن أخرجه قبل يومين أو ثلاثة أيام من يوم العيد فحسنٌ جميل. يقول ابن عباس ﵄: ﴿فرض ﷺ زكاة الفطر طعمةً للمساكين، وطهرةً للصائم من اللغو والرفث، فمن أخرجها قبل الصلاة فهي زكاة متقبلة، ومن أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات﴾. أيها الناس: هذه الصدقة تخرج طعاماً ولا تخرج دراهم ودنانير؛ لأن الحكمة من إخراج الطعام هي إطعام الجائع والمسكين في الحال، فكأن العالم الإسلامي بعدده الضخم الذي يربو على البليون، أو على ألف مليون، إذا أخرج كل واحدٍ منهم -الكبير والصغير، والذكر والأنثى- صاعاً يوم العيد فتصير بليون صاع، ألف مليون صاع؛ فيا لهذه العظمة، ويا لهذه الكثرة الكاثرة، وهو تعليم من الله ومن رسوله ﷺ لئلا تنسينا فرحة العيد جوع الجائعين، وظمأ الظامئين، ومسكنة المساكين. نخرج يوم العيد لئلا يبقى فقير ولا مسكين، فادفعوا زكاتكم زكى الله عنكم أعمالكم، وطهروا لغوكم ورفثكم طهركم الله؛ فإنها صدقة سنها ﷺ ، تخرج كما قالها في النص ﵊، ومن اضطر، أو رأى الحاجة في أن تكون دراهم فلا بأس بذلك؛ نص على ذلك شيخ الإسلام، الجهبذ النحرير ابن تيمية. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة. اللهم ارض عن آله الأخيار، وصحبه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين! اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم أنزل السكينة عليهم، اللهم اجعل عيدهم نصراً أكيداً يا رب العالمين! وتفوقاً باهراً يا أكرم الأكرمين! اللهم اخز كل عدوٍ للإسلام، اللهم اشغله في نفسه، اللهم فتت كيده، واعم بصيرته، ومزق قلبه، والعنه لعنة فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض يا رب العالمين! اللهم اجمع كلمتنا، ووحد صفوفنا، وسدد آراءنا، وصوب سهامنا في نحور أعدائنا يا رب العالمين! اللهم لا تشغلنا بالتوافه في حياتنا، اللهم لا تجعل الفرقة أساسنا ومبدأنا، اللهم لا تمزق صفوفنا يا رب العالمين! واجمع قلوبنا على ما تحبه وترضاه يا أكرم الأكرمين! اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واهدنا سبل السلام، ووفقنا لما تحبه وترضاه. اللهم أصلح شباب المسلمين؛ اللهم تب عليهم، وكفر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، ووفقهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك، واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! ربنا إننا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة، حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 799

قل هو الله أحد سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن في الأجر والمثوبة، يا ترى ماذا تحمل في طياتها من دروس لهذه الأمة؟ وما هي الفوائد التي تستنبط من هذه السورة التي لم تتجاوز السطرين؟ كل هذا ما ستعرفه في هذا الدرس.

стр. 800

فضل القرآن إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عنوان هذا الدرس: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). حمداً لمن بلغنا المراما وزادنا من فضله إكراما ثم صلاة الله تترى ما سرى برق على طيبة أو أم القرى مع السلام يغشيان أحمدا وآله المستكملين الرشدا شعب إذا لم يعبد الله الصمدْ ولم يردد قل هو الله أحد لن يعرف النصر ولا لن يعرفه في ذلة وقلة ومتلفة الله يستثير الهمم إلى كتابه، ويمدح كلامه، ويوجه الأمه إلى هذا الدستور الخالد، ويتحدى أعداءه، ويُبَكِّت خصومه، فيقول مثنياً على كتابه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]. ويقول متحدياً العروبة والعرب، وهم أهل اللسان: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد:٣١] والجواب مسكوت، ومعنى الجواب عند أهل العلم: لكان هذا القرآن. ويقول الله أمام الشعراء والأدباء والخطباء: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨]. ويقول مقسماً أنه حق: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣]. ويقول منادياً للتبرك به في العمل والتلاوة والمنهجية والمدارسة والتحكيم: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢]. وقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]. وبَكَّتَ أعداءه، ووصفهم بإقفال القلوب، وأنهم لا يفهمون ولا يفقهون ولا يعون: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. ثم قال مخبراً أن غير كتابه من تأليف البشر ومن تصنيف الناس، عُرضة للنقص إلا هذا الكتاب، فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]. ثم ذكر أن كتابه لا يأتيه الباطل، ولا تلعب به الأهواء، وأنه ليس من صنع البشر، وليس من ولادة الطين، فقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص:٢٩]. وقال : ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولكن الدرس هذا هو في سورة حبيبة إلى قلوبنا، لها أثر خاص، وطعم خاص، وذكريات خاصة، كان يحبها ﵊ ويعيش معها، وهي تعريف بالله الله الناصر، القدير الواحد، المحاسب، الشهيد، يعرف نفسه للبشر، ولم يكن البشر يعرفونه، وما كانت العقول تعرف من هو الله، وما كانت العرب والعجم تتطلع إلى درجة أن تتعلق بالله، حتى علقها به رسول الهدى ﵊.

стр. 801

أسباب نزول سورة (الإخلاص) وفي السورة مسائل: المسالةالأولى: أسباب نزول هذا السورة: من أسباب النزول: سببٌ طريفٌ لطيف: ففي مسند أحمد، وعند ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري، وعند البغوي في (معجمه): أن المشركين اجتعموا فقالوا: يا محمد! انسب لنا ربك، نريد نسبته، أباه وجده، من أي عشيرة؟ من أي قبيلة؟ فتوقف ﵊ حياءً من إلهي أن يراني وقد ودعتُ صحبك واصطفاكا ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا ماذا يقول ﵊؟ وكيف يجيب عن هذا السؤال المبهم المدهش المحيِّر؟! سؤال من أناس سفهاء وجهلة وأغبياء وبلداء، فتوقف ﵊، فأنزل الله كلاماً عن النسبة والنسب، وكلاماً عن التعريف: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. من يستطيع أن يَنْظُم مثل هذا الكلام؟! من يستطع أن يرد ويجمع هذه المقالات البدعية الضالة المنحرفة في سطرين، ثم يصبح السطران ثلث القران، في الفضل والأجر والمثوبة. القرآن ثلاثة أثلاث، ثُلُثُه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]: أجرها تعادل ثلث القرآن، فهي تحمل المعطيات للأمة، والصدارة، والشجاعة، والهوية الروحية لشباب الإسلام، ولأتباع محمد ﷺ إلى يوم الدين. وسوف أتعرض بإذن الله في آخر الدرس إلى شرك الخوف، التي عالجته هذه السورة، وطردته، وبَكَّتَت أهله، واستهزأت بأصحابه، شرك الخوف، الذي وقعت فيه الأمة، إلا من رحم ربك، وأصبح الناس أو أكثرهم واقعين فيه. ومن أسباب النزول: ﴿أن عامر بن الطفيل ملاعب الأسنة، كان من أشجع العرب، كان فاجراً -يقول: يا محمد! اقسم بيني وبينك الأرض، لك نصف الأرض، ولي نصف الأرض، وأسلِّم لك بالرسالة- وهل الدنيا مناصفة؟! وهل أتى ﷺ لابتزاز الأراضي؟! وهل كان ﷺ تاجر قصور؟! وهل كان ﷺ يريد باستين وحدائق؟! إنه يريد مبادئ يركبها على دماء البشر لترتفع (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) - فرفض ﵊، فقال عامر بن الطفيل: (يا محمد! إِلامَ تدعو؟) قال: إلى الله ، قال: صفه لنا، أمِنْ ذَهَبٍ هو؟ أو مِنْ فضة؟ أو مِنْ حديد؟ -أي: تركيبه الجسماني، أمن ذهب؟ أو من فضة؟ أو من حديد؟ - فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]﴾ رواه البغوي والخازن، عن ابن عباس، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير وكثير من أهل العلم. العرب العرباء بغير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لا تساوي شيئاً. والعروبة التي يدندنون بها بغير إسلام عروبة البعث، أو عروبة الماركسين، أو عروبة العَلْمَنَة الَخوَنَة، أو عروبة المرتزقة، لا تساوي شيئاً بغير ﴿ الجواب =٦٠٠٦٢٢١> قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]. هم قَتَلَةٌ بغير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] نَهَبَةٌ، سَرَقَةٌ، خَوَنَةٌ، ويوم يرتفع عليهم تاج ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] يرفعهم الله من الحضيض. ومن أسباب النزول: كان العربي قبل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] يأتي إلى الصنم، ويجد الثعلب يبول على الصنم، فيسجد هو للصنم، وقد ذُكِر: أن أعرابياً أتى إلى صنم ليعبده، فوجد الثعلب يبول على رأسه، قال: أَرَبٌّ يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالبُ يقول: أهذا الله الذي يرزقنا؟! أهذا الله الذي يوحد مسيرتنا؟! أهذا الله الذي يوجهنا؟! أهذا الله الذي ينزل علينا الدستور؟! أهذا الإله تبول عليه الثعالب؟! لو كان إلهاً صِدْقاًَ ما بالت عليه الثعالب. وأتى أعرابي آخر إلى صنم آخر، فوجد ثعلباً خرج من وراء الصنم، فخافت راحلتُه ونفرت فسقط الأعرابي على وجهه، وقال: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ففرقنا سعدٌ فما نحن من سعدِ وسبب البيت: أن هذا الأعرابي طلق زوجته في الجاهلية، فاستفتى أعيان القبيلة: مَن يرد علي زوجتي؟ قالوا: إلهك سعد، في مناة -في أرض ثقيف- قالوا: اذهب إلى سعد بالناقة، وقدم له لبناً، لعَلَّه أن يرد زوجتك، فذهب بالناقة، فلما اقترب واللبن معه على الجمل، خرج الثعلب من وراء الصنم، فنفرت الناقة، فسقط على رأسه، أراد أن يرد الزوجة، ففرت الناقة، قال: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ففرقنا سعدٌ فما نحن من سعدِ فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].

стр. 802

النبي ﷺ ودعوته إلى توحيد الله وعند أبي داود وغيره بأسانيد صحيحة، أن حصين بن عبيد الخزاعي، والد عمران، وفَدَ على الرسول ﵊ والرسول ذاك الإمام المعصوم، والقائد النِّحرير، والشيخ الجليل يضحك من عقول العرب، والله إنها تستدعي أن يضحك الإنسان طويلاً. فإذا أراد الأعرابي أن يسافر استشار الصنم: هل يسافر أم لا؟ وإذا أرادت زوجته أن تلد أتى إلى الصنم وقدم له لبناً أو دهناً أو سمناًَ. فأتى هذا الأعرابي، فقال ﷺ : ﴿كم تعبد؟ قال: سبعة﴾ هذه السبعة ليست من الجن الذين يقولون: سبعة، فسبعة هنا بمعنى: ٦+١=٧، فهؤلاء يتخيلون في هذه الوثنية الحادثة، أن اسم (٧) سوف يضره. ولا يضر إلا الله، ولا ينفع إلا الله. لَعَمْرُك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانعُ دعها سماوية، تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوسِ سماوية: أي: أن الأمر من السماء. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هذه تجري في دماء المؤمنين، تجعلهم شجعاناً، لا يخافون إلا الله، وسوف يأتي حديث عن ذلك. فقال الرسول ﷺ : ﴿كم تعبد؟ قال: سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء -فأوقفه ﵊ أمام عقله وإرادته، وضميره، وأمام مستواه، وفكره وقال-: مَنْ لِرَغَبِكَ وَلِرَهَبِكَ؟﴾ أي: مَنْ لك إذا اشتدت عليك الضوائق، وضاقت عليك الحيل؟ ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرجُ ضاقت فلما استحكمتْ حلقاتُها فُرِجَتْ، وكنتُ أظنها لا تفرجُ ويقول أبو العلاء الأعمى، ولكنه -أحياناً- يأتي بأبيات جيدة، يقول حين دخل على ملك المعرة صالح بن عبد الله: أطلق لي أسارى المعرة. قال: لا. لا أطلقهم لك. قال: أطلقهم. قال: لا. وفي الأخير قدر الله أن يغلبه ملك آخر يطلقهم، فأطلقهم، فدخل عليه في اليوم الثاني، فقال: تقضون والفلك المسير ضاحكٌ وتقدرون فتضحك الأقدارُ يقول: أنت يتيم، ليس عندك شيءٌ، فالذي يقضي وينفع ويحيي ويميت هو الله. الشاهد أن الرسول ﷺ قال: ﴿مَنْ لِرَغَبِكَ وَلِرَهَبِكَ؟﴾. يعيشُها الطالبُ في قاعة الامتحان، يوم تُقَدَّم له ورقةُ الأسئلة، وتقدم أمامه ورقةَ الإجابة، فلا أبوه يعطيه الإجابة، ولا أمه قريبة منه تُغَشِّشه، ولا الأستاذ يستطيع أن يلقنه، ولا اللجنة تسمح له، فهنا يتصل بالواحد الأحد، وحينها يأتيه المدد إن كان تقياً. ويعيشها الفلاح في مزرعته، حين تموت أشجاره، وتذوب أزهاره، وتجف أمطاره، فيتلفت، فلا الزراعة تعطيه، ولا الناس يمنحونه، ولا القريب يثيبه غيثاً أو يعطيه مطراً، فهنا يلتفت إلى الله. ولذلك أوقف ﷺ العرب أمام هذه القضية. فعند أحمد في المسند من حديث أبي تميمة الهجيني، قال: وفدتُ على الرسول ﵊، وكان ﷺ يعطي كل إنسان بمدده، أو ببيئته التي يعيش فيها، أو بقدرته على التلقي، البدوي يخطابه بواقعه من البادية، والملك يخاطبه بملكه وديوانه، والوزير بوزارته، والمتعلم بعلمه، وأهل الكتاب يخاطبهم بعلم الكتاب، والمنافقون بما عندهم من وساوس وخطرات نفاقية، والمشركون بمعالم الوثنية، كلٌّ يعطيه بحسب بيئته وطبيعته. يقول أبو تميمة: فلما وفدتُ قلت: يا رسول الله، إلام تدعو؟ قال: إلى الله؟ ثم قال ﷺ : ﴿إلى الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإذا أصابتك سنة مُمْحِلَة فدعوتَه أمطر عليك أرضك، وإذا ضلت ناقتك في الصحراء فدعوتَه رد عليك ناقتك﴾ لا إله إلا الله! لا يعرف البدوي إلا الناقة، وإلا الأرض إذا أجدبت، وإلا المطر إذا جف، فهذه القضايا التي يعيشها ردها ﵊ على من يكفله في ذلك. ولا بد من مخاطبة الناس ببيئاتهم. ذكر ابن قتيبة في عيون الأخبار قصة، وذكرها أيضاً ابن عبد ربه، وغيره من الأدباء، والقصة معروفة: وفد أعرابي من الصحراء على المتوكل الخليفة العباسي المناصر للسنة - المتوكل هو الذي نصر الإمام أحمد، ووقف معه، وأكرمه، وأعلى قدره- فدخل الشعراء يوم عيد الفطر على المتوكل يمدحونه، فقام الأعرابي الذي أتى من الصحراء، لا يعرف إلا الكلب والتيس، وقال للخليفة: أنتَ من ماجد وصولٍ كريم من كثير العطايا قليل الذنوبِ أنتَ كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوبِ يمدح الخليفة بصورتين اثنتين، فهو يقول له: ما أنتَ بحفظك للود ووفائك للعهد إلا كالكلب الذي معنا في الصحراء، وأحفظ الحيوانات للود الكلب، ومن حفظ الكلب أنه لا ينبح صاحبه، وأنتَ في شجاعتك وفي منازلتك الأبطال وفي قتالك المعارك مثل التيس. فقام الوزراء والجنود يريدون أن يبطحوه أرضاًَ، ويضربونه ضرباً حتى لا يدري أين القبلة، فقال الخليفة: دعوه، من أين أتيتَ يا أخا العرب؟ قال: من الصحراء، قال: دعوه، هذا لا يعرف إلا الكلب والتيس؛ لكن أنزلوه في الكرخ، فإني أراه عنده موهبة شعرية ثم ليأتني بعد سنة، فأنزلوه في خيمة في طرف بغداد عند الرصافة، بين الجسر والكرخ، فرأى الحدائق، ورأى الحضارة، الدنيا، والأسواق، وبعد سنة أتى ودخل على الخليفة وقال: عيون المها بين الرصافة والجسر جَلَبْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري ثم مدح الخليفة، فعذره وأجازه. قال الرسول ﷺ : ﴿كم تعبد؟ قال: سبعة، قال: مَنْ لِرَغَبِكَ وَلِرَهَبِكَ؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض، واعبد الذي في السماء﴾. هذه قضيته ﵊ أن يبين للناس أنه لا ينفع إلا الذي في السماء، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]. والله يقول: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] والعرب تدري من هو الذي في السماء. الأعرابي وهو مشرك يعبد الصنم، إذا تَرَجْرَجَتْ به سفينتُه في البحر، التَفَتَ إلى السماء، ودعا: يا ألله! يا ألله! يا ألله! ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] مثل الطلبة الآن، لما طلعت النتائج؛ قليل مِنْهم مَنْ يحضر ليصلي في الجماعة، وقليل مِنْهم مِنْ يقرأ القرآن، ومَنْ يسبح، هل يضحكون على الله؟! الضحك على الله عيب، يقول : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] ويقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]. فالذي يضحك على إرادة الواحد الأحد إنما يضحك على نفسه، فالله يعلم ما تكنه الصدور، وما تخفيه الضمائر. فالمقصود: أن الناس يعرفون من هو الله، ويعرفون أنه في السماء. رأيتُ في ترجمة عيسى ﵇ أنه مرَّ، وكان يشفي -بإذن الله- من الأمراض، وكان يعالج، وكان -بإذن الله- يحيي الموتى، فمر ببقرة، وقد اعترض ولدها في بطنها، وأصبحت في مشقة، وفي كرب لا يعلمه إلا الله، فالتفتت البقرة إلى السماء وقالت: يا عيسى، يا روح الله، ادع الله أن يفرج عني، فدمعت عينا عيسى، ودعا اللهَ ففرج عنها. فالكائنات كلها تصمد إلى الله، ولذلك يقول الشاعر: يا رب حمداً ليس غيرك يُحْمَدُ يا من له كل الخلائق تصمدُ أبواب كل ملوكنا قد أوصدت ورأيت بابك واسعاً لا يوصدُ الصالحون بنور وجهك آمنوا عافوا بحبك نومهم فتهجدوا

стр. 803

دعاء الله وتوحيده ترى الجهات والسلاطين، إذا طرقتهم في الثالثة ليلاً أو الرابعة، لا يفتحون لك وقد يغضب عليك وإذا أتيتهم في غير وقت الزيارة لا يسمحون لك، ولا يستقبلون معاريضك، ولا يسمعون بكاءك، ولا شكايتك، ولا يرحمون دموعك، إلا إذا أتيت في وقت خاص، بأمر خاص، وإذن خاص، وشفاعة خاصة، ثم هو على مزاجه، إن شاء أعطاك وإن شاء رفض. أما الواحد الأحد، ففي كل لحظة، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. ولذلك فإن الله يُدْخل في أي وقت. قال يوسف بن أسباط: عجباً لك يا بن آدم! خُلِّي بينك وبين الماء البارد، تتوضأ وتدخل على الله متى شئتَ. قال الصحابة وهم في سفر: ﴿يا رسول الله! أربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟﴾. أي: هل هو قريب فنتكلم إليه بالصوت الخافت؟ أم هو بعيد فنرفع أصواتنا؟ ﴿فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]﴾ وهي من أعظم الآيات المؤثرة في حياة العبد، أن تناجي الواحد الأحد في أي وقت، فيسمع دعاءك. قال بعض المفسرين: إن يوسف ﵇ لبث في السجن سبع سنين لسبب واحد، لأنه كان يقول لزميله في السجن كما في القرآن الكريم: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف:٤٢] أي: اذكرني عند سيدك، الملك، فإذا دخلتَ عليه وقد أطلقك، فحاول إذا أتى ذكري أن تذكرني عَلَّه يطلقني من السجن، فأوحى إلى يوسف: ذكرتَ ربه ولم تذكر ربك؟! لماذا لم تذكر حاجتك إلى الواحد الأحد؟! ولماذا لم تقل أنتَ: يا الله، يا الله؟! من الذي يمنعك أن ترفع يديك إلى الواحد الأحد؟! إنه قريب سميع مجيب. خرج الصحابة، فلما أصبحوا في الربع الخالي، تقطعت بهم المياه وتقطعت بهم الأسباب والأنفاق والحبال، وأصبحوا في درجة من الهلاك والظمأ، لا يعلمه إلا الواحد الأحد، قالوا لأميرهم العلاء بن الحضرمي: [[ادعُ لنا ربك قال: يا عليُّ! يا عظيم! يا حكيم! يا عليم! فأرسل الله سحابة، فأمطرتهم، فشربوا واغتسلوا وملئوا أوانيهم. ]] أليس الله هو القريب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].

стр. 804

فضائل سورة الإخلاص ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد ﵁ وأرضاه: ﴿أن رجلاً كان يردد في عهد الرسول ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لا يزيد عليها، قام من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، يردد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] حتى الفجر، فأتى إلى الرسول ﵊ وسأله الصحابة في ذلك، كأنهم تقالُّوها، قال: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن﴾. فمن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فكأنما قرأ ثلث القرآن في الأجر والمثوبة. وأخرج الإمام أحمد ﵀ من حديث أبي سعيد قال: قال ﵊: ﴿أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ قالوا: وأينا يستطيع ذلك يا رسول الله؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ثلث القرآن﴾ فمن قرأها حصَّل ثلث القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فكأنما قرأ القرآن مرة بالأجر والمثوبة، لا بالمعلومات والقضايا، فإن هذا أمر آخر. وورد في الصحيح ﴿أن رجلاً جعله ﷺ أميراً على سرية، فخرج معهم، فكان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] دائماً، لأنه يحبها، فكان يتأملها ويتعلق بها، فأخبروا رسول الله ﵊، فقال: سلوه، لم يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]؟ فسألوه، قال: إن فيها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأها، قال ﵊: حبك إياها أدخلك الجنة﴾. وفي لفظ آخر: ﴿أخبروه أن الله يحبه﴾. ما دمتَ أحببتَ كلامه، وما دمتَ تعلقت بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فهذا هو الشرف العظيم. يا شباب الإسلام! يا جيل محمد! يا كتيبة الإسلام! يا عصابة الحق! إن من المدهش والمذهل والمحزن والمبكي أن تستمع لبعض الناس يقال له في مقابلة: ماذا تحب؟ فيقول: أغنية فلان، بتلحين فلان، وكلمات فلان، فيقال له: إلى من تهديها؟ فيقول: إلى أبي وجدي، وإلى أخي وإخوتي، وإلى أبنائي وبناتي. قارنوا بين هذا وبين ذاك العصامي الرجل الأول الذي عاش مع محمد ﷺ المجاهد الشاب الذي تعلق بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وقرأها في كل ركعة. وفي الصحيح: ﴿أن رجلاً جعله ﷺ إماماً لقومه في قباء من الأنصار، فكان كلما قرأ الفاتحة قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثم أتى بسورة، فقال له قومه: إما أن تكتفي بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فهي تكفي، وإما أن تقرأ غيرها، فقال: إن أردتم أن أؤمكم قرأت بكم في كل ركعة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وإلا فابحثوا عن إمام غيري، وعلموا أنه ليس عندهم إمام غيره، لما فيه من الخير، فأخبروا الرسول ﵊ فَبَيَّن أن حبه لها أدخله الجنة، وأن الله يحبه﴾ سبحان الله العظيم!!

стр. 805

لماذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن المسألة الثانية: لماذا كانت ثلث القرآن؟: قال بعض العلماء: إن القرآن ثلاثة أنواع: الأول: أحكام. الثاني: وعد ووعيد. الثالث: أسماء وصفات. فـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أسماء وصفات، فهي ثلث القرآن. فثلثٌ: أحكام، وتشريع. وثلثٌ: وعد ووعيد، وخبر عن الجنة والنار، وعن الآخرة. وثلثٌ: أسماء وصفات. فتكفلت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) بالأسماء والصفات، فهي ثلث القرآن. وعن أبي الدرداء ﵁ وأرضاه فيما رواه مسلم وغيره، قال: ﴿قال رسول الله ﷺ : إن الله جزَّأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) جزءاً من أجزاء القرآن﴾ قال القرطبي: وهذا نص، وبهذا المعنى سُمِّيَتْ سورة الإخلاص.

стр. 806

إكثار النبي ﷺ من قراءة سورة الإخلاص وكان ﵊ يحبها كثيراً، ويقرأ بها هي وسورة الكافرون في ركعتي الفجر التي قبل الصلاة، ويقرأ بهما في ركعتي الطواف، ويقرأ بهما في سنة المغرب البعدية، يداوم على هاتين السورتين في هذه النوافل؛ فإنه يبتدئ النهار ﵊ بركعتي الفجر؛ لأن ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] نفت الشرك، وبينت المفاصلة بين التوحيد والشرك، بين (لا إله إلا الله) وبين لا إله والحياة مادة، بين أولياء الله وبين أعداء الله، بين الكفر وبين الإيمان، بين الظلام وبين النور، أما (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الركعة الثانية فأخلصت التوحيد لله، وأخلصت الولاء، وذكرته في أجل المحامد؛ فإن الله يحب المدح، الله ممدوحٌ يحب المدح، ولا أحدٌ أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، ونزَّه نفسه، وأثنى على نفسه، وحمد نفسه، قال الأسود بن سريع: ﴿ركبت مع الرسول ﵊ رِدْفاً له، فقلت: يا رسول الله! إني نَظَمْتُ أبياتاً أمدح بها ربي، فتبسم ﵊ وقال: أما إن ربك يحب المدح﴾ ولذلك انظر إلى استهلالية سورة الأنعام، السورة الهائلة التي شيعها سبعون ألف مَلَك، حتى أنزلوها في الأرض، ولذلك سورة الأنعام هذه رهيبة رهيبة، فهي سياط من الآيات تضرب القلوب، وتستولي على الأرواح، وتطارد النفس من كل أقطارها، افتتحها بهجوم أدبي على أعدائه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]. ونزه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨١ - ١٨٣]. وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥]. وأخبر بكلٍّ من حكمته، ورحمته، ولطفه. وفي صحيح مسلم: عن عمرو بن الشريد، قال: ﴿رَدِفْتُ رسول الله ﷺ على الدابة -بغلة أو حمار- فقال لي: أتحفظ شيئاً من شعر أمية بن أبي الصلت؟ قلتُ: نعم. يا رسول الله! قال: هِيْه! أنشدني -كان ﵊ لا يحفظ الشعر، أتى بشيء أحسن من الشعر، ولو كان يحفظ الشعر لقال عنه الكفار: شاعر، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩]- فقال: فأنشدتُه بيتاً، فقال: هِيْه، فزدته، فقال: هِيْه، فزدتُه، فقال: هِيْه، حتى أنشدتُه مائة قافية﴾. من ضمن الشعر المنشود: أن أمية بن أبي الصلت نَظَمَ قصة موسى لما أرسله الله إلى فرعون. وأمية هذا مات كافراً، سبحان الله! آمن لسانه وكفر قلبه؛ لأنه يريد أن تكون النبوة فيه، يريد أن يؤتى صحفاً منشرة، فما أعطاه الله النبوة، فكفر بالرسول ﵊. فمن ضمن قصائده: أن الله لما أرسل موسى إلى فرعون قال له: أأنتَ يا فرعون رفعتَ هذه؟ أأنتَ يا فرعون نصبتَ هذه؟ أأنتَ أنبت الحب؟ أأنت خلقتَ الزهر؟ فقال نَظْماً: فقولا له أأنت سويت هذه بلا عمدٍ حتى استقلت كما هيا وقولا له من ينبت الحب في الربى فيصبح هذا الحب بالحب دانيا ثم أخذ يقول: وقولا له، وقولا له، وقولا له، فتأثر له ﵊ وقال: ﴿آمن لسانُه، وكفر قلبُه﴾ ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد:٣٦]. وفي صحيح البخاري وغيره: ﴿أنه ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه، أخذ كفيه الشريفتين العادلتين الرحيمتين فقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاثاً، ثم نفث فيهما ومسح ما أقْبَل من جسمِه ورأسَه وما والى من وجهه. يفعل ذلك ثلاثاً، ثم ينام﴾. لماذا؟ ليحفظه الله، وهو محفوظ. وإذا العناية لا حظتك عيونُها نَمْ فالحوادث كلهن أمانُ

стр. 807

النبي يوصي عبد الله بن خبيب بسورة الإخلاص كان يحب أن تكون آخر كلامه ﷺ قبل أن ينام. في السنن ومسند أحمد: عن عبد الله بن خبيب، قال: ﴿كنت أمشي في ظلام، وكان ﷺ وراءه- ولا يدري أن المعلم والشيخ وراءه في الظلام- قال ﷺ : يا عبد الله بن خبيب! قلتُ: لبيك وسعديك يا رسول الله﴾. وانظر إلى الشباب المتفتح، وإلى الكتيبة الخالدة، وفتيان محمد ﷺ ، كان الواحد منهم إذا ناداه في المعركة يقول: لبيك، فيقدم رأسه ودمه رخيصاً كالتَّفْلَة في الأرض. ﴿فقال: لبيك يا رسول الله، قال: (قُلْ) قلتُ: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: (قُلْ) قلتُ: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاثاً إذا أصبحتَ، وثلاثاً إذا أمسيتَ لا يضرك شيء﴾ أو كما قال ﷺ . معنى ذلك: أنها حرز حريز، وأنها حياطة من الله وسياج، فلا يضرك معها شيء. وإذا قلتها بعقيدة في الصباح، فمن ذا الذي يضرك، إذا أراد الله ألا يضرك أحد فمن ذا الذي يضرك. وعن وهب بن منبه وقد ذكر ذلك ابن كثير وغيره -: أن الله يقول في الحديث الصحيح القدسي: ﴿وعزتي وجلالي، ما من عبد اعتصم بي، فكادت له السماوات والأرض، إلا جعلت له من بينهن فرجاً ومخرجاً﴾ أسمعتم؟! من الذي يقسم؟ الله! ﴿وعزتي وجلالي ما من عبد اعتصم بي، ثم كادت له السماوات والأرض ومن فيهن، إلا جعلتُ له من بينهن فرجاً ومخرجاً، وعزتي وجلالي ما من عبد اعتصم بغيري، إلا أسخت الأرض من تحت قدميه﴾. فالأذلاء الحقراء هم الذين يعتصمون بغير الله، والخونة العملاء هم الذين يلتجئون لغير الله، أما المؤمنون الشجعان فهم الذين يفوضون أمرهم إلى الله قال تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥]. ويقول : ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦]. وقال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٤]. وكان ﵊ يحب أن يرددها كثيراً، ويقرأها، ويتأملها، وأن يعيش معها، ولكن تعالوا الآن لنعيش مع مفرداتها، وجملها الرائعة البديعة، التي هي تثبت -صراحةً- أن هذا القرآن ما كان له أن يُفْتَرى من دون الله، ومن غير الله ما يُسْتَطاع، وأن من معجزاته أنه ما يُنْظَم على نفسه، ولا يُوْصَل إلى قدره، ولا يُرَتَّل مثله أبداً، لا من شاعر، ولا من كاتب، ولا بليغ، ولا خطيب، أو عالم، أو مفكر. هذه مسألة.

стр. 808

تفسير سورة الإخلاص

стр. 809

تفسير (قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد) أي: الواحد الأحد، الذي لا نظير له، ولا وزير، هكذا يقول ابن كثير، هل تعلم لله سمياً؟! هل تعلم له نظيراً؟! والله يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١]. معنى الآية: لا والله لا استشرتُ في خلق السماوات والأرض، ولا طلبتُ إدلاءهم بأصواتهم، ولا كانوا حضوراً، ولا أعانوني في البناء، ولا رفعوا معي هذا السقف، ولا بسطوا معي هذه الأرض، ولا نصبوا هذه الجبال، بل كانوا في عالم العدم، أخِسَّة، حقراء، ليسوا موجودين كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الانسان:١ - ٣]. يقول فرعون: أنا خلقتُ الخلق، فأتى الشيطان يضحك على فرعون، فطرق عليه الباب، وفرعون في القيلولة نائم، قال: من؟ قال الشيطان: أما عرفتني؟! قال: ما عرفتُك، قال: تخلقني ولا تعرفني؟! أي إنك تقول: أنك تخلق العالم، أفتخلقني ولا تعرفني؟! لأن فرعون يقول: أنا الذي خلق الناس. وهذه الدعوة قديمة، فـ النمرود الكذاب المجرم، الذي مرغه إبراهيم في التراب، يقول كذلك. فيأتي جمع من الناس، فيصفقون له في المهرجان، ويقول: أنا خلقتكم. فيقولوا: يعيش يعيش يعيش، فيقول: ورزقتكم، وأميتكم، قالوا: يعيش يعيش يعيش، فأراد إمام التوحيد وشيخ العقيدة إبراهيم أن يدخل عليه حتى يمرغ وجهه في التراب، فدخل عليه، كما يصف الله تلك الحادثة: ﴿ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. ويقال: أن الفرق بين فرعون والنمرود: أن إبراهيم هو الذي بدأ بالسؤال، أما فرعون فهو الذي بدأ بالسؤال مع موسى. فكان النمرود أذكى قليلاً، وإلا فهما كما يقول عمر، قيل لـ عُبادَي: أي حماريك أخس، قال: [[هذا ثم هذا]] فذاك حمار وهذا حمار؛ لكن بعض الحمير أذكى من بعض. ويقول صاحب (كليلة ودمنة): جمع الأسد الحيوانات وقال: عندي فكاهة، قالوا: تفضل يا أبا حسل، فأورد الفكاهة، فضحكوا جميعاً إلا الحمار لم يضحك وفي اليوم الثالث ضحك الحمار، فقال له الأسد: ما لك؟ قال: فهمتُ الفكاهة الآن. الشاهد أن إبراهيم قال: للنمرود ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] قال: كيف؟ فأخرج النمرود مسجونين، فقتل أحدهما وأطلق الآخر وقال: هذا أحييه أطلقتُه، وهذا أميتُه ذبحتُه، قال إبراهيم: ما دمتَ أنك أستطعت أن تحيي وتميت -والنمرود بالطبع كذاب فهذه ليست إحياء وإماتة- وهي مسألة أخرى، قال: ماهي؟ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] قال الله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. فالله لا وزير له، ولا نديم، ولا شبيه، ولا عديل. ولذلك فإن الله لا ينام، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر:٤١]. وورد أن موسى ﵇، عندما التقى مع الله قال: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]. ويوم صُعد بالرسول ﷺ وعرج به قال: يا رب! كيف شرَّفته وقد بُعِثَ بعدي؟! قال ابن تيمية ﵀: هذه غيرة محمودة، تنافس في الحق، ليس حسداً. وفي بعض الآثار أنه قال: يا رب! اجعلني من أمة محمد. كان يريد أن يتفضل بأمته على الأمم، وفي الأخير يقول: اجعلني أنا من أمة محمد. وهذا ثابت. ففي (سنن النسائي) بسند صحيح أن الرسول ﷺ يقول: ﴿والذي نفسي بيده، لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي﴾. اسمع بعض أسئلة موسى إلى الله : قال: يا رب، أتنام؟ -سبحان الله! لقد التقى بالله يكلمه- قال: يا رب! أتنام؟ قال: يا موسى! لا تنم هذه الليلة، فما نام، فأتت الليلة الثانية، فقال: لا تنم، فلم ينم، فأتت الثالثة، قال: لا تنم، فلم ينم، فلما أتت الرابعة قال: يا موسى، خذ قارورتين واملأهما ماءً، فأخذ قارورتين ووقف وملأهما ماءً، فأخذ ينعس، وكادت القارورتان أن تَصْطدمان، فكان ينتبه، ولما أتى في الثلث الأخير من الليل اصطدمت القارورتان، وتكسرت، فقال الله: يا موسى! لو نمتُ لذهبت السماوات والأرض. وأنزل الله مصداق ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] فسبحان الخالق البديع الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت! اسمع هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣] من القائم على كل نفس؟ الله. انظر إلى كل إنسان في الزحام وفي الكثرة وفي الملايين، فالله يحاسبه ويراقبه كأنه ليس مشغولاً إلا به، مع العلم أنه كما قال ابن القيم: يُغْني فقيراً، ويُفقر غنياً، ويرد ضالاً، ويهدي عاصياً، ويتوب على تائب، ويخلع هذا، ويولي هذا، وينزع هذا، ويعطي هذا، ويمنع هذا، ويحيي هذا، ويمرض هذا، ويشفي هذا ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. ولا يطلق هذا اللفظ على أحد إلا على الله ؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وقال القرطبي: الواحد: الوتر، والله يحب الوتر فهو واحد لا ثاني له، ويحب من الأفعال الوتر، ولذلك كانت هيئات الوضوء، أو الغَرفات ثلاثاً، والطواف بالبيبت سبعاً، والسعي سبعاً، وأيام الأسبوع سبعاً، وينتهي النهار بالوتر، وهي صلاة المغرب، والليل بالوتر المعروف، فالله وتر يحب الوتر. قال: لا شبيه له ولا نظيراً ولا صاحبة ولا ولداً، والله يغضب من يسمي له صاحبة، قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١] وما اتخذ الله من شريك، ولا نديد ولا مثيل يشاركه. فتعالى الله ! ومما يروى من قصص بني إسرائيل وأهل السنة يروون قصص بني إسرائيل: ﴿حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج﴾. فقيل: كان بنو إسرائيل إذا غاب موسى اغتابوه وسبوه وشتموه، فإذا حضر هابوه، فدعا موسى ربه وقال: يا رب! أسألك أن تكف ألسنة الخلق عني. ولذلك يقول الله : ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩] وقال الله: يا موسى! ما اتخذتُ ذلك لنفسي، إني خلقتُهم، ورزقتهم، وأعافيهم، وأشافيهم ومع ذلك هم يسبونني. وورد في الصحيح: ﴿كَذَبَنِي ابن آدم﴾ وفي لفظ: ﴿كَذَّبَنِي ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فيقول: إني لا أعيد الخلق كما بدأتُه، وإعادته عليَّ أهون من بدئه، وأما شتمه إياي فيقول: إن لي صاحبة وولداً، وتعاليتُ وتقدستُ، لا صاحبة لي ولا ولداً﴾. وفي بعض الألفاظ: ﴿شتمني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وسبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، أما شتمه إياي فإنه يشتم الدهر، وأنا الدهر، أُقَلِّب الليل والنهار كيف أشاء﴾ والآن الناس يشتمون الدهر، فيسب أحدهم فيقول: فضح الله هذا اليوم وهذا الأسبوع وهذا العام، وفضح الله يوماً عرفتُكَ فيه، ولا بارك الله في زمن لقيتُك فيه، أو صاحبتُك فيه. نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا إن الجديدَين في طول اختلافهما لا يفسدان ولكن يفسد الناسُ فالليل والنهار لا شيء، ولذلك يقول الشاعر الجاهلي متعتباً على الدهر: لحا اللهُ هذا الدهر إني وجدته بصيراً بما ساء ابنَ آدم مُوْلَعا فالدهر لا دخل له، إنما الذي يقلب الليل والنهار هو الله، وهو مسبب الأسباب .

стр. 810

تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ) الصمد لها معانٍ عند أهل السنة من المفسرين، وغيرهم من اللغويين. فقيل الصمد: هو الذي تصمد له الكائنات، أي: تحتاج له، وتتلهف له، وتتجه إليه، وتطلبه، من هو المستغني عن الله؟ من هو الآن الذي يعيش أو سوف يعيش وقد استغنى عن الله طرفة عين؟ هل تستطيع الدواب أو العجماوات أو الطيور أو الزواحف أو الملوك أو الكفرة أو التجار أن يستغنوا عن الله طرفة عين؟ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] يسمع دبيب النمل فيعافي ويشافي، وتُرْفَع إليه الحاجات، فلا يمنعه كفر الكافر أن يرزقه، بل يعافيه، ويعطيه، ويبتليه، ويشافيه، وهو كافر بالله، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]. قال ابن الجوزي: ذهب بعض الصالحين، فرأى عصفوراً يأتي إلى نخلة فيقع عليها، كل يوم، فتعجب هذا الرجل الصالح، قال: العصفور ليس من عادته أن يعشعش في النخل، العصفور لا يبني عشه في النخل، لكنه يبني في الأرض، أو في الشجر القصير، فتسلق هذا الرجل الصالح إلى رأس النخلة، فوجد حية عمياء، نشبت في رأس النخلة، ليس لها طعام، فإذا احتاجت إلى أكل، أتى هذا العصفور بطعام ولحم، فإذا اقترب منها زقزق، ففتحت فمها، فألقى اللحم في فمها. فمن الذي دَلَّ؟ ومن الذي عرَّف؟ ومن الذي ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]؟ من الذي عَلَّم النحلة أن تذهب المسافات الشاسعة ثم تعود إلى مكانها، والعاملة تشتغل في بناء هذا البناء، ومنها الآخذة والطاعمة والشاربة. من الذي عَلَّم النمل أنه سوف يمر فصل شتوي قارس البرد كثير الأمطار، لا تستطيع أن تخرج إلى الحب، فتعد وتحسب حسابها من فصل الصيف، فتدخر الحبوب في مخزونها، فإذا أتى الشتاء لا تخرج النمل، ثلاثة أشهر لا يخرج النمل إلا أحياناً؛ لأن عنده مكنون. وأيضاً لا ينبت الحب في بيوتها كما قاله أهل العلم، وهذا من (مفتاح دار السعادة) لـ ابن القيم، قالوا: لماذا لا ينبت الحب الذي في بيتها؟ فقالوا: تأتي النملة إلى الحبة فتخرقها من وسطها، أو تفلقها فلقتين فتصبح غير قابلة للإنبات، ثم تكدسها، وهذه هندسة علمها الذي ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. ولذلك سوف أعيد وأكرر كثيراً هاتين المقولتين لموسى، فيقول بعض المفسرين: لله در موسى لَكَمَ فرعون على وجهه؛ لأن فرعون يقول: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] قال: يا مجرم يا بليد يا حقير! ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] أنت يا فرعون لما ولدتك أمك، من الذي هداك للثدي؟ فالطفل أول يوم يخرج من بطن أمه لا يعرف أحداً إلا أمه، فمن الذي هداه إلى أمه وإلى ثديها؟ ومن معاني الصمد: أي: السيد، أتى سعد بن معاذ على بغلةٍ فلما رآه الأنصار قاموا، قال ﷺ : ﴿قوموا إلى سيدكم﴾ فقاموا، قيل في الصحيح: أقبل على حمار، وفي (السِّيَر) على بغلة، فأقبل على حمار مُنْكَأ الجراح، وكان عظيماً شديداً، اهتز له عرش الله، وقامت الملائكة بأقطاب العرش، تقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. فلما أقبل، قال ﷺ : ﴿قوموا إلى سيدكم﴾ والقيام للسادة، إذا كان من باب الحب والاحترام فلا بأس به، أما إذا كان من باب التعظيم كالقيام على رأسه، فلا. كان بعض الفضلاء جالساً فأتى عالم من العلماء أقبل كالفجر، فقام الأديب، فقال العالم: لا تقم، في القيام نظر، وهو مكروه، فقال الأديب: قيامي -والإله- إليك حقٌ وترك الحق ما لا يستقيمُ وهل رجل له لب وعقلٌ يراك تجي إليه ولا يقومُ؟ هل يوجد في الدنيا أحدٌ يراك تقوم مقبلاً إليه، ولا يقوم؟ قال: ﴿قوموا إلى سيدكم﴾ قال ابن عباس: [[السيد الذي كمل في سؤددُه، وعَظُم شرفُه والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كملت عظمته، والحليم الذي كمل في حلمه، والعليم الذي كمل في علمه، والحكيم الذي كمل في حكمته]]. وقال أحد الشعراء العرب، يمدح بعض السادة العرب، يقول: ألا بَكَّرَ الناعي بخير بني أسدْ بـ عمرو بن مسعود وبالسيد الصمدْ المعنى: فوجئنا قبل الفجر بالصائحة والنائحة والباكية، تبكي سيدين شريفين: عمرو بن مسعود، وبالصمد الآخر. وكانت العرب تمدح الرجل الملك، فتقول: يا صمد! أي: يا مَن يُصْمَد إليه. وعند أحمد في المسند من حديث المقداد بن الأسود، أن رسول ﷺ كان إذا نصب سترة لا يصمد إليها، والحديث فيه: الوليد بن كامل، وهو ضعيف، وبعضهم يحسِّنه، ولكن الظاهر أنه ضعيف. والمعنى -على فرض صحة الحديث- أن رسول الله ﷺ ما كان يصمد للسترة صمداً، بل كان يجعلها على حاجبه الأيسر، أو حاجبه الأيمن. فالذي يُصمد إليه هو الله. والصمد له على نوعين: الأول: صمود خاص. الثاني: صمود عام. الصمود الخاص: صمود المؤمنين له في الضراء والسراء. الصمود العام: صمود الكائنات فلا يستغني عن الله أحد. قالوا للإمام مالك: ما دليل القدرة؟ والظاهر -والله أعلم- أن القائل هو هارون الرشيد -كما ذكر ذلك ابن كثير في التفسير- في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. فقال هارون الرشيد لـ مالك: ما دليل القدرة يا مالك؟ قال: اختلاف اللهجات، وتعدد النغمات في شتى الحاجات أمام الواحد الأحد. أما ترى الناس يوم عرفة يَتَكَلَّمون بأكثر من أربعمائة لغة على صعيد عرفة يتكلمون في ساعة واحدة إلى الحي القيوم، إلى من على العرش استوى، فيفهم لغاتهم، ويجيب طلباتهم، ولا يعييه سؤال عن سؤال، ولا إجابة عن إجابة، هذا يتكلم بالعربي، وهذا يتكلم بالإنجليزي، وهذا بالفرنسي، وهذا بالباشتو، وهذا بالأوردو، وهذا بالفارسي، وهذا بالأطلسي، وهذا بلغة عالمية، وهذا بمحلية، ومع ذلك كلهم يريدون الخير، ويصمدون إليه، فيجيبهم وهم في صعيد واحد. أليس هو الصمد سبحانه؟! بلى. وقال الحسن وقتادة: [[الصمد: هو الباقي بعد خلقه]]. الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠]. ويقول : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. ويقول : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. فلا يموت . ولذلك يأمر عباده وأولياءه أن يتوكلوا عليه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]؛ لأن غيره يموت. تريد أن تتوكل على الذي يموت؟ لا. توكل على الذي لا يموت . وقال الحسن: [[الحي القيوم: الذي لا زوال له]] فلا يزول ولا يحول . يقول أحد الصالحين: سبحانك يا من لا يزول ولا يحول! سبحانك يا من يغير ولا يتغير! أي: يغير غيره ولا يتغير. الله يقول لأعدائه وهو يُبَكِّتُهم وقد سكنوا في القصور: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥]. فهو يغير ولا يتغير، تعالى الله . وقال الربيع بن أنس: [[هو الذي لم يلد ولم يولد]] فجعل تفسير الصمد الآية التي بعدها، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد السابع من الفتاوى: قيل لبعض العلماء: ما دليل قدرة الله؟ قال: دليل قدرة الله نَقْضُ الهمم، وإماتة العزائم. من الذي ينْقُضُ هِمَّتَك؟ إنه الله، تهم بالشيء، وتجزم أن تفعله، وتقسم أن تفعله ثم ينقض همتك، ويشتت عزيمتك. وقيل للإمام أحمد كما في تفسير ابن كثير: ما دليل القدرة؟ قال: بيضة الدجاجة، أما سطحها ففضة بيضاء، وأما باطنها فذهب إبريز، تفقس، فيخرج منها حيوان سميع بصير، ألا يدل على السميع البصير؟ بلى. وللعلماء عن القدرة كلام، ففيها أمور عظيمة لا يَفِي المقام ببسطها، وليس هناك مجال لعرضها. وقال عكرمة: يقول ابن عباس: [[الصمد هو الذي لا جوف له]]. فتَصْمُد له الكائنات، وتسأله المخلوقات، بشتى اللغات، وبتنوع الحاجات، على مر الأوقات، والأزمان في الأرض والسماوات. فلا يعييه شيءٌ عن شيء. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة بعد إيراد كثير من هذه الأقوال: إن الصمد هو الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم الظاهرة والباطنة، وإذا أمرٌ لم يسهله الله لم يتسهل. يقول الشاعر: إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده فالاجتهاد مع عدم التوفيق لا خير فيه ولا فلاح، والخيبة والخسران من نصيبه. قالوا: الصمد: أي: الذي انتهى سؤدده وعظُم. وقيل: الصمد: الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وقد اختاره البيهقي مع بعض العلماء.
следующие страницы →