← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

إكثار النبي ﷺ من قراءة سورة الإخلاص وكان ﵊ يحبها كثيراً، ويقرأ بها هي وسورة الكافرون في ركعتي الفجر التي قبل الصلاة، ويقرأ بهما في ركعتي الطواف، ويقرأ بهما في سنة المغرب البعدية، يداوم على هاتين السورتين في هذه النوافل؛ فإنه يبتدئ النهار ﵊ بركعتي الفجر؛ لأن ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] نفت الشرك، وبينت المفاصلة بين التوحيد والشرك، بين (لا إله إلا الله) وبين لا إله والحياة مادة، بين أولياء الله وبين أعداء الله، بين الكفر وبين الإيمان، بين الظلام وبين النور، أما (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الركعة الثانية فأخلصت التوحيد لله، وأخلصت الولاء، وذكرته في أجل المحامد؛ فإن الله يحب المدح، الله ممدوحٌ يحب المدح، ولا أحدٌ أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، ونزَّه نفسه، وأثنى على نفسه، وحمد نفسه، قال الأسود بن سريع: ﴿ركبت مع الرسول ﵊ رِدْفاً له، فقلت: يا رسول الله! إني نَظَمْتُ أبياتاً أمدح بها ربي، فتبسم ﵊ وقال: أما إن ربك يحب المدح﴾ ولذلك انظر إلى استهلالية سورة الأنعام، السورة الهائلة التي شيعها سبعون ألف مَلَك، حتى أنزلوها في الأرض، ولذلك سورة الأنعام هذه رهيبة رهيبة، فهي سياط من الآيات تضرب القلوب، وتستولي على الأرواح، وتطارد النفس من كل أقطارها، افتتحها بهجوم أدبي على أعدائه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]. ونزه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨١ - ١٨٣]. وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥]. وأخبر بكلٍّ من حكمته، ورحمته، ولطفه. وفي صحيح مسلم: عن عمرو بن الشريد، قال: ﴿رَدِفْتُ رسول الله ﷺ على الدابة -بغلة أو حمار- فقال لي: أتحفظ شيئاً من شعر أمية بن أبي الصلت؟ قلتُ: نعم. يا رسول الله! قال: هِيْه! أنشدني -كان ﵊ لا يحفظ الشعر، أتى بشيء أحسن من الشعر، ولو كان يحفظ الشعر لقال عنه الكفار: شاعر، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩]- فقال: فأنشدتُه بيتاً، فقال: هِيْه، فزدته، فقال: هِيْه، فزدتُه، فقال: هِيْه، حتى أنشدتُه مائة قافية﴾. من ضمن الشعر المنشود: أن أمية بن أبي الصلت نَظَمَ قصة موسى لما أرسله الله إلى فرعون. وأمية هذا مات كافراً، سبحان الله! آمن لسانه وكفر قلبه؛ لأنه يريد أن تكون النبوة فيه، يريد أن يؤتى صحفاً منشرة، فما أعطاه الله النبوة، فكفر بالرسول ﵊. فمن ضمن قصائده: أن الله لما أرسل موسى إلى فرعون قال له: أأنتَ يا فرعون رفعتَ هذه؟ أأنتَ يا فرعون نصبتَ هذه؟ أأنتَ أنبت الحب؟ أأنت خلقتَ الزهر؟ فقال نَظْماً: فقولا له أأنت سويت هذه بلا عمدٍ حتى استقلت كما هيا وقولا له من ينبت الحب في الربى فيصبح هذا الحب بالحب دانيا ثم أخذ يقول: وقولا له، وقولا له، وقولا له، فتأثر له ﵊ وقال: ﴿آمن لسانُه، وكفر قلبُه﴾ ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد:٣٦]. وفي صحيح البخاري وغيره: ﴿أنه ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه، أخذ كفيه الشريفتين العادلتين الرحيمتين فقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاثاً، ثم نفث فيهما ومسح ما أقْبَل من جسمِه ورأسَه وما والى من وجهه. يفعل ذلك ثلاثاً، ثم ينام﴾. لماذا؟ ليحفظه الله، وهو محفوظ. وإذا العناية لا حظتك عيونُها نَمْ فالحوادث كلهن أمانُ

стр. 807

النبي يوصي عبد الله بن خبيب بسورة الإخلاص كان يحب أن تكون آخر كلامه ﷺ قبل أن ينام. في السنن ومسند أحمد: عن عبد الله بن خبيب، قال: ﴿كنت أمشي في ظلام، وكان ﷺ وراءه- ولا يدري أن المعلم والشيخ وراءه في الظلام- قال ﷺ : يا عبد الله بن خبيب! قلتُ: لبيك وسعديك يا رسول الله﴾. وانظر إلى الشباب المتفتح، وإلى الكتيبة الخالدة، وفتيان محمد ﷺ ، كان الواحد منهم إذا ناداه في المعركة يقول: لبيك، فيقدم رأسه ودمه رخيصاً كالتَّفْلَة في الأرض. ﴿فقال: لبيك يا رسول الله، قال: (قُلْ) قلتُ: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: (قُلْ) قلتُ: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاثاً إذا أصبحتَ، وثلاثاً إذا أمسيتَ لا يضرك شيء﴾ أو كما قال ﷺ . معنى ذلك: أنها حرز حريز، وأنها حياطة من الله وسياج، فلا يضرك معها شيء. وإذا قلتها بعقيدة في الصباح، فمن ذا الذي يضرك، إذا أراد الله ألا يضرك أحد فمن ذا الذي يضرك. وعن وهب بن منبه وقد ذكر ذلك ابن كثير وغيره -: أن الله يقول في الحديث الصحيح القدسي: ﴿وعزتي وجلالي، ما من عبد اعتصم بي، فكادت له السماوات والأرض، إلا جعلت له من بينهن فرجاً ومخرجاً﴾ أسمعتم؟! من الذي يقسم؟ الله! ﴿وعزتي وجلالي ما من عبد اعتصم بي، ثم كادت له السماوات والأرض ومن فيهن، إلا جعلتُ له من بينهن فرجاً ومخرجاً، وعزتي وجلالي ما من عبد اعتصم بغيري، إلا أسخت الأرض من تحت قدميه﴾. فالأذلاء الحقراء هم الذين يعتصمون بغير الله، والخونة العملاء هم الذين يلتجئون لغير الله، أما المؤمنون الشجعان فهم الذين يفوضون أمرهم إلى الله قال تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥]. ويقول : ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦]. وقال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٤]. وكان ﵊ يحب أن يرددها كثيراً، ويقرأها، ويتأملها، وأن يعيش معها، ولكن تعالوا الآن لنعيش مع مفرداتها، وجملها الرائعة البديعة، التي هي تثبت -صراحةً- أن هذا القرآن ما كان له أن يُفْتَرى من دون الله، ومن غير الله ما يُسْتَطاع، وأن من معجزاته أنه ما يُنْظَم على نفسه، ولا يُوْصَل إلى قدره، ولا يُرَتَّل مثله أبداً، لا من شاعر، ولا من كاتب، ولا بليغ، ولا خطيب، أو عالم، أو مفكر. هذه مسألة.

стр. 808

تفسير سورة الإخلاص

стр. 809

تفسير (قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد) أي: الواحد الأحد، الذي لا نظير له، ولا وزير، هكذا يقول ابن كثير، هل تعلم لله سمياً؟! هل تعلم له نظيراً؟! والله يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١]. معنى الآية: لا والله لا استشرتُ في خلق السماوات والأرض، ولا طلبتُ إدلاءهم بأصواتهم، ولا كانوا حضوراً، ولا أعانوني في البناء، ولا رفعوا معي هذا السقف، ولا بسطوا معي هذه الأرض، ولا نصبوا هذه الجبال، بل كانوا في عالم العدم، أخِسَّة، حقراء، ليسوا موجودين كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الانسان:١ - ٣]. يقول فرعون: أنا خلقتُ الخلق، فأتى الشيطان يضحك على فرعون، فطرق عليه الباب، وفرعون في القيلولة نائم، قال: من؟ قال الشيطان: أما عرفتني؟! قال: ما عرفتُك، قال: تخلقني ولا تعرفني؟! أي إنك تقول: أنك تخلق العالم، أفتخلقني ولا تعرفني؟! لأن فرعون يقول: أنا الذي خلق الناس. وهذه الدعوة قديمة، فـ النمرود الكذاب المجرم، الذي مرغه إبراهيم في التراب، يقول كذلك. فيأتي جمع من الناس، فيصفقون له في المهرجان، ويقول: أنا خلقتكم. فيقولوا: يعيش يعيش يعيش، فيقول: ورزقتكم، وأميتكم، قالوا: يعيش يعيش يعيش، فأراد إمام التوحيد وشيخ العقيدة إبراهيم أن يدخل عليه حتى يمرغ وجهه في التراب، فدخل عليه، كما يصف الله تلك الحادثة: ﴿ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. ويقال: أن الفرق بين فرعون والنمرود: أن إبراهيم هو الذي بدأ بالسؤال، أما فرعون فهو الذي بدأ بالسؤال مع موسى. فكان النمرود أذكى قليلاً، وإلا فهما كما يقول عمر، قيل لـ عُبادَي: أي حماريك أخس، قال: [[هذا ثم هذا]] فذاك حمار وهذا حمار؛ لكن بعض الحمير أذكى من بعض. ويقول صاحب (كليلة ودمنة): جمع الأسد الحيوانات وقال: عندي فكاهة، قالوا: تفضل يا أبا حسل، فأورد الفكاهة، فضحكوا جميعاً إلا الحمار لم يضحك وفي اليوم الثالث ضحك الحمار، فقال له الأسد: ما لك؟ قال: فهمتُ الفكاهة الآن. الشاهد أن إبراهيم قال: للنمرود ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] قال: كيف؟ فأخرج النمرود مسجونين، فقتل أحدهما وأطلق الآخر وقال: هذا أحييه أطلقتُه، وهذا أميتُه ذبحتُه، قال إبراهيم: ما دمتَ أنك أستطعت أن تحيي وتميت -والنمرود بالطبع كذاب فهذه ليست إحياء وإماتة- وهي مسألة أخرى، قال: ماهي؟ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] قال الله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. فالله لا وزير له، ولا نديم، ولا شبيه، ولا عديل. ولذلك فإن الله لا ينام، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر:٤١]. وورد أن موسى ﵇، عندما التقى مع الله قال: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]. ويوم صُعد بالرسول ﷺ وعرج به قال: يا رب! كيف شرَّفته وقد بُعِثَ بعدي؟! قال ابن تيمية ﵀: هذه غيرة محمودة، تنافس في الحق، ليس حسداً. وفي بعض الآثار أنه قال: يا رب! اجعلني من أمة محمد. كان يريد أن يتفضل بأمته على الأمم، وفي الأخير يقول: اجعلني أنا من أمة محمد. وهذا ثابت. ففي (سنن النسائي) بسند صحيح أن الرسول ﷺ يقول: ﴿والذي نفسي بيده، لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي﴾. اسمع بعض أسئلة موسى إلى الله : قال: يا رب، أتنام؟ -سبحان الله! لقد التقى بالله يكلمه- قال: يا رب! أتنام؟ قال: يا موسى! لا تنم هذه الليلة، فما نام، فأتت الليلة الثانية، فقال: لا تنم، فلم ينم، فأتت الثالثة، قال: لا تنم، فلم ينم، فلما أتت الرابعة قال: يا موسى، خذ قارورتين واملأهما ماءً، فأخذ قارورتين ووقف وملأهما ماءً، فأخذ ينعس، وكادت القارورتان أن تَصْطدمان، فكان ينتبه، ولما أتى في الثلث الأخير من الليل اصطدمت القارورتان، وتكسرت، فقال الله: يا موسى! لو نمتُ لذهبت السماوات والأرض. وأنزل الله مصداق ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] فسبحان الخالق البديع الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت! اسمع هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣] من القائم على كل نفس؟ الله. انظر إلى كل إنسان في الزحام وفي الكثرة وفي الملايين، فالله يحاسبه ويراقبه كأنه ليس مشغولاً إلا به، مع العلم أنه كما قال ابن القيم: يُغْني فقيراً، ويُفقر غنياً، ويرد ضالاً، ويهدي عاصياً، ويتوب على تائب، ويخلع هذا، ويولي هذا، وينزع هذا، ويعطي هذا، ويمنع هذا، ويحيي هذا، ويمرض هذا، ويشفي هذا ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. ولا يطلق هذا اللفظ على أحد إلا على الله ؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وقال القرطبي: الواحد: الوتر، والله يحب الوتر فهو واحد لا ثاني له، ويحب من الأفعال الوتر، ولذلك كانت هيئات الوضوء، أو الغَرفات ثلاثاً، والطواف بالبيبت سبعاً، والسعي سبعاً، وأيام الأسبوع سبعاً، وينتهي النهار بالوتر، وهي صلاة المغرب، والليل بالوتر المعروف، فالله وتر يحب الوتر. قال: لا شبيه له ولا نظيراً ولا صاحبة ولا ولداً، والله يغضب من يسمي له صاحبة، قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١] وما اتخذ الله من شريك، ولا نديد ولا مثيل يشاركه. فتعالى الله ! ومما يروى من قصص بني إسرائيل وأهل السنة يروون قصص بني إسرائيل: ﴿حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج﴾. فقيل: كان بنو إسرائيل إذا غاب موسى اغتابوه وسبوه وشتموه، فإذا حضر هابوه، فدعا موسى ربه وقال: يا رب! أسألك أن تكف ألسنة الخلق عني. ولذلك يقول الله : ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩] وقال الله: يا موسى! ما اتخذتُ ذلك لنفسي، إني خلقتُهم، ورزقتهم، وأعافيهم، وأشافيهم ومع ذلك هم يسبونني. وورد في الصحيح: ﴿كَذَبَنِي ابن آدم﴾ وفي لفظ: ﴿كَذَّبَنِي ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فيقول: إني لا أعيد الخلق كما بدأتُه، وإعادته عليَّ أهون من بدئه، وأما شتمه إياي فيقول: إن لي صاحبة وولداً، وتعاليتُ وتقدستُ، لا صاحبة لي ولا ولداً﴾. وفي بعض الألفاظ: ﴿شتمني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وسبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، أما شتمه إياي فإنه يشتم الدهر، وأنا الدهر، أُقَلِّب الليل والنهار كيف أشاء﴾ والآن الناس يشتمون الدهر، فيسب أحدهم فيقول: فضح الله هذا اليوم وهذا الأسبوع وهذا العام، وفضح الله يوماً عرفتُكَ فيه، ولا بارك الله في زمن لقيتُك فيه، أو صاحبتُك فيه. نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا إن الجديدَين في طول اختلافهما لا يفسدان ولكن يفسد الناسُ فالليل والنهار لا شيء، ولذلك يقول الشاعر الجاهلي متعتباً على الدهر: لحا اللهُ هذا الدهر إني وجدته بصيراً بما ساء ابنَ آدم مُوْلَعا فالدهر لا دخل له، إنما الذي يقلب الليل والنهار هو الله، وهو مسبب الأسباب .

стр. 810

تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ) الصمد لها معانٍ عند أهل السنة من المفسرين، وغيرهم من اللغويين. فقيل الصمد: هو الذي تصمد له الكائنات، أي: تحتاج له، وتتلهف له، وتتجه إليه، وتطلبه، من هو المستغني عن الله؟ من هو الآن الذي يعيش أو سوف يعيش وقد استغنى عن الله طرفة عين؟ هل تستطيع الدواب أو العجماوات أو الطيور أو الزواحف أو الملوك أو الكفرة أو التجار أن يستغنوا عن الله طرفة عين؟ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] يسمع دبيب النمل فيعافي ويشافي، وتُرْفَع إليه الحاجات، فلا يمنعه كفر الكافر أن يرزقه، بل يعافيه، ويعطيه، ويبتليه، ويشافيه، وهو كافر بالله، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]. قال ابن الجوزي: ذهب بعض الصالحين، فرأى عصفوراً يأتي إلى نخلة فيقع عليها، كل يوم، فتعجب هذا الرجل الصالح، قال: العصفور ليس من عادته أن يعشعش في النخل، العصفور لا يبني عشه في النخل، لكنه يبني في الأرض، أو في الشجر القصير، فتسلق هذا الرجل الصالح إلى رأس النخلة، فوجد حية عمياء، نشبت في رأس النخلة، ليس لها طعام، فإذا احتاجت إلى أكل، أتى هذا العصفور بطعام ولحم، فإذا اقترب منها زقزق، ففتحت فمها، فألقى اللحم في فمها. فمن الذي دَلَّ؟ ومن الذي عرَّف؟ ومن الذي ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]؟ من الذي عَلَّم النحلة أن تذهب المسافات الشاسعة ثم تعود إلى مكانها، والعاملة تشتغل في بناء هذا البناء، ومنها الآخذة والطاعمة والشاربة. من الذي عَلَّم النمل أنه سوف يمر فصل شتوي قارس البرد كثير الأمطار، لا تستطيع أن تخرج إلى الحب، فتعد وتحسب حسابها من فصل الصيف، فتدخر الحبوب في مخزونها، فإذا أتى الشتاء لا تخرج النمل، ثلاثة أشهر لا يخرج النمل إلا أحياناً؛ لأن عنده مكنون. وأيضاً لا ينبت الحب في بيوتها كما قاله أهل العلم، وهذا من (مفتاح دار السعادة) لـ ابن القيم، قالوا: لماذا لا ينبت الحب الذي في بيتها؟ فقالوا: تأتي النملة إلى الحبة فتخرقها من وسطها، أو تفلقها فلقتين فتصبح غير قابلة للإنبات، ثم تكدسها، وهذه هندسة علمها الذي ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. ولذلك سوف أعيد وأكرر كثيراً هاتين المقولتين لموسى، فيقول بعض المفسرين: لله در موسى لَكَمَ فرعون على وجهه؛ لأن فرعون يقول: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] قال: يا مجرم يا بليد يا حقير! ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] أنت يا فرعون لما ولدتك أمك، من الذي هداك للثدي؟ فالطفل أول يوم يخرج من بطن أمه لا يعرف أحداً إلا أمه، فمن الذي هداه إلى أمه وإلى ثديها؟ ومن معاني الصمد: أي: السيد، أتى سعد بن معاذ على بغلةٍ فلما رآه الأنصار قاموا، قال ﷺ : ﴿قوموا إلى سيدكم﴾ فقاموا، قيل في الصحيح: أقبل على حمار، وفي (السِّيَر) على بغلة، فأقبل على حمار مُنْكَأ الجراح، وكان عظيماً شديداً، اهتز له عرش الله، وقامت الملائكة بأقطاب العرش، تقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. فلما أقبل، قال ﷺ : ﴿قوموا إلى سيدكم﴾ والقيام للسادة، إذا كان من باب الحب والاحترام فلا بأس به، أما إذا كان من باب التعظيم كالقيام على رأسه، فلا. كان بعض الفضلاء جالساً فأتى عالم من العلماء أقبل كالفجر، فقام الأديب، فقال العالم: لا تقم، في القيام نظر، وهو مكروه، فقال الأديب: قيامي -والإله- إليك حقٌ وترك الحق ما لا يستقيمُ وهل رجل له لب وعقلٌ يراك تجي إليه ولا يقومُ؟ هل يوجد في الدنيا أحدٌ يراك تقوم مقبلاً إليه، ولا يقوم؟ قال: ﴿قوموا إلى سيدكم﴾ قال ابن عباس: [[السيد الذي كمل في سؤددُه، وعَظُم شرفُه والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كملت عظمته، والحليم الذي كمل في حلمه، والعليم الذي كمل في علمه، والحكيم الذي كمل في حكمته]]. وقال أحد الشعراء العرب، يمدح بعض السادة العرب، يقول: ألا بَكَّرَ الناعي بخير بني أسدْ بـ عمرو بن مسعود وبالسيد الصمدْ المعنى: فوجئنا قبل الفجر بالصائحة والنائحة والباكية، تبكي سيدين شريفين: عمرو بن مسعود، وبالصمد الآخر. وكانت العرب تمدح الرجل الملك، فتقول: يا صمد! أي: يا مَن يُصْمَد إليه. وعند أحمد في المسند من حديث المقداد بن الأسود، أن رسول ﷺ كان إذا نصب سترة لا يصمد إليها، والحديث فيه: الوليد بن كامل، وهو ضعيف، وبعضهم يحسِّنه، ولكن الظاهر أنه ضعيف. والمعنى -على فرض صحة الحديث- أن رسول الله ﷺ ما كان يصمد للسترة صمداً، بل كان يجعلها على حاجبه الأيسر، أو حاجبه الأيمن. فالذي يُصمد إليه هو الله. والصمد له على نوعين: الأول: صمود خاص. الثاني: صمود عام. الصمود الخاص: صمود المؤمنين له في الضراء والسراء. الصمود العام: صمود الكائنات فلا يستغني عن الله أحد. قالوا للإمام مالك: ما دليل القدرة؟ والظاهر -والله أعلم- أن القائل هو هارون الرشيد -كما ذكر ذلك ابن كثير في التفسير- في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. فقال هارون الرشيد لـ مالك: ما دليل القدرة يا مالك؟ قال: اختلاف اللهجات، وتعدد النغمات في شتى الحاجات أمام الواحد الأحد. أما ترى الناس يوم عرفة يَتَكَلَّمون بأكثر من أربعمائة لغة على صعيد عرفة يتكلمون في ساعة واحدة إلى الحي القيوم، إلى من على العرش استوى، فيفهم لغاتهم، ويجيب طلباتهم، ولا يعييه سؤال عن سؤال، ولا إجابة عن إجابة، هذا يتكلم بالعربي، وهذا يتكلم بالإنجليزي، وهذا بالفرنسي، وهذا بالباشتو، وهذا بالأوردو، وهذا بالفارسي، وهذا بالأطلسي، وهذا بلغة عالمية، وهذا بمحلية، ومع ذلك كلهم يريدون الخير، ويصمدون إليه، فيجيبهم وهم في صعيد واحد. أليس هو الصمد سبحانه؟! بلى. وقال الحسن وقتادة: [[الصمد: هو الباقي بعد خلقه]]. الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠]. ويقول : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. ويقول : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. فلا يموت . ولذلك يأمر عباده وأولياءه أن يتوكلوا عليه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]؛ لأن غيره يموت. تريد أن تتوكل على الذي يموت؟ لا. توكل على الذي لا يموت . وقال الحسن: [[الحي القيوم: الذي لا زوال له]] فلا يزول ولا يحول . يقول أحد الصالحين: سبحانك يا من لا يزول ولا يحول! سبحانك يا من يغير ولا يتغير! أي: يغير غيره ولا يتغير. الله يقول لأعدائه وهو يُبَكِّتُهم وقد سكنوا في القصور: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥]. فهو يغير ولا يتغير، تعالى الله . وقال الربيع بن أنس: [[هو الذي لم يلد ولم يولد]] فجعل تفسير الصمد الآية التي بعدها، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد السابع من الفتاوى: قيل لبعض العلماء: ما دليل قدرة الله؟ قال: دليل قدرة الله نَقْضُ الهمم، وإماتة العزائم. من الذي ينْقُضُ هِمَّتَك؟ إنه الله، تهم بالشيء، وتجزم أن تفعله، وتقسم أن تفعله ثم ينقض همتك، ويشتت عزيمتك. وقيل للإمام أحمد كما في تفسير ابن كثير: ما دليل القدرة؟ قال: بيضة الدجاجة، أما سطحها ففضة بيضاء، وأما باطنها فذهب إبريز، تفقس، فيخرج منها حيوان سميع بصير، ألا يدل على السميع البصير؟ بلى. وللعلماء عن القدرة كلام، ففيها أمور عظيمة لا يَفِي المقام ببسطها، وليس هناك مجال لعرضها. وقال عكرمة: يقول ابن عباس: [[الصمد هو الذي لا جوف له]]. فتَصْمُد له الكائنات، وتسأله المخلوقات، بشتى اللغات، وبتنوع الحاجات، على مر الأوقات، والأزمان في الأرض والسماوات. فلا يعييه شيءٌ عن شيء. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة بعد إيراد كثير من هذه الأقوال: إن الصمد هو الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم الظاهرة والباطنة، وإذا أمرٌ لم يسهله الله لم يتسهل. يقول الشاعر: إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده فالاجتهاد مع عدم التوفيق لا خير فيه ولا فلاح، والخيبة والخسران من نصيبه. قالوا: الصمد: أي: الذي انتهى سؤدده وعظُم. وقيل: الصمد: الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وقد اختاره البيهقي مع بعض العلماء.

стр. 811

تفسير (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) أما قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] ففيه قضايا: من هذه القضايا ما يلي: القضية الأولى: لا والد لله ولا ولد، وليس له صاحبة. واليهود قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]. والنصارى قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]. والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، فنفى الله عنه الولد والوالد. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠]. القضية الثانية: لماذا بدأ فقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] فبدأ بالولد، مع أن الوالد أهم؟ قالوا: لأنه لم يُقَل أحد: إن الله له والد، لم يُقَل هذا، أو لم ينتشر ولم يشتهر، وليس هناك ملة أو نحلة تقول: إن الله له والد؛ لكن اليهود يقولون: إن لله ولداً، والنصارى يقولون: إن لله ولداً، ومشركو العرب يقولون: أن لله ولداً. ومشركو العرب ﴿وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:١٩]. والمعنى: أشهدوا خلقهم؟! هل حضروا؟ هل رأوا تركيبهم؟ وأما النصارى فقالوا: عيسى ابن الله لعنهم الله. وقال اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]. فرد الله عليهم بنفي الولد أولاً، ثم أتى بالوالد، وإلا فالوالد أهم. قال: (لَمْ يَلِدْ) فلم يلد كما ولدت مريم. (وَلَمْ يُولَدْ) كما وُلِدَ عيسى، وعزير، وقد رد على النصارى، واليهود، ومشركي العرب في هذه القضية التي أتوا بها. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾ [مريم:٨٨]: وهذا القول، ذنبٌ كبير، وليس هناك ذنب أكبر منه. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥] وهذا رد على هذه المقالة الفاجرة الخائنة، وعلى أصحابها، حسيبنا الله عليهم.

стр. 812

تفسير قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً) والكفو: هو المثيل، والشبيه، والنديد. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً﴾ [الإخلاص:٤] أي لم يكافئه أحد، يقال: فلان كافأ فلاناً، أي: شابهه ونادَّه وأصبح مثيلاً له. فالله لا مثيل له لا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، ولا في جزئية من جزئيات صفاته ، فلا كفء له أحد، أي: لا يوجد أحد. وقرئت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢]: قرئت: على التنوين وصلاً وعلى الضم قطعاً، بتفخيم لفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ الثانية، وقرئت وصلاًَ بترقيقها. وقرئت ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحد﴾ [الإخلاص:٤] من غير همزة (كُفُواً) على واو، وقرئت: بهمزة (كُفُؤاً) على الواو، وقرئت: (كِِفُواً) بكسر الكاف، قرأها بعضهم وهي قراءة غريبة، والمشهور: (كُفُواً) من غير همزة، أو (كُفُؤاً) بالهمزة.

стр. 813

تفسير قوله تعالى: (أحد) (أحدٌ) أي: ليس له هناك نديد، ولا شبيه، ولا مثيل. ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]. قال المفسرون: أي مُحْضَرون للحساب، ولو كان بينهم وبين الله نسب ما أحضرهم ولا حاسبهم، مثلما قالت اليهود والنصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨].

стр. 814

دروس من سورة الإخلاص

стр. 815

الوحدانية في حياة المسلم ١/ وحدانية الحب: أن تحب الله أعظم من كل شيء، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] حباً يستولي على مشاعرك، أحب إليك من والدك وولدك والناس أجمعين، حباً لا يوازنه شيء، وعلامة الحب: أن تتمنى الشهادة صباح مساء, يعني: بأن تبيع نفسك من الله، فتكسب هذا الدم الذي يجري في شرايينك، رخيصاً لمرضاة الواحد الأحد ، هذا هو الحب. والحب: أن تقدم محابَّ الله على محابِّك، فتستيقظ لصلاة الفجر، والجو قارس، والفرش وثير، واللحاف دافئ، والتعب كثير، والنوم عميق، فتنتفض كالأسد وتطير إلى المسجد فتصلي هناك، وفي صحيح مسلم أن الأسود قال لـ عائشة: كيف استيقاظه ﷺ في صلاة الليل؟ قالت: [[كان إذا سمع الصارخ يثب]] وإني أعلم ماذا تريد من قولها: يثب، تقصد: يثب كالأسد، كما قال تعالى: ﴿يا يحي خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] أما المنافق فلا يثب، بل يتدحرج إلى المسجد كأنه يجرجر بالحبال، ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] فهم مثبطون، ميتون، كسالى؛ لأن حياة الحب لا تجري في دمائهم، ولا تجري في عروقهم. ٢/ وحدانية الرجاء: ألا ترجو إلا الله، ولا تسأل إلا هو، ولا تعتمد إلا عليه، فالفتوحات والمكرمات منه ، وإذا لم يرد الله أن ينفعك لا ينفعك أحد، ولا يقدم لك خيراً أحد. ٣/ وحدانية الخوف: الناس اليوم يعيشون في شرك الخوف، عندهم التمائم وهي محرمة، والطواف بالقبور، والشعوذة، والكهانة، وغالب الناس لا يعبدون الأصنام، ولا يسجدون للحجارة، ولا يستقسمون بالأزلام، ولا يعبدون الكواكب، ولا يسجدون للنجوم؛ ولكن أصابهم الله بشرك الخوف، وشرك الخوف من نواقض (لا إله إلا الله) وقد تكلم عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والشيخ محمد بن عبد الوهاب. شرك الخوف الذي دبَّ، واسأل نفسك، تجد أن شرك الخوف عندك، وأنك تخاف من البشر أكثر من خوفك من الله، وأنك وإن أظهرت الشجاعة فإنك في وقت ساعات الصفر وفي وقت الشدائد تنهار، وليس عندك من رصيد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ما يقدم رأسك رخيصاً لخدمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله. واسأل نفسك، ولا تكذب عليها، وقف أمام نفسك خصيماً، واسألها طويلاً: أأنتَ تعيش شرك الخوف؟ نعم. ستجد نفسك أنك تعيش شرك الخوف، وأن غير الله أهول عندك وأهيب من الله، ومن علامة ذلك: أنك تتحرز وتتحفظ وتحتاط من البشر، أما من الله فلا تحتاط، ولا تتحفظ ولا تتحرز، ومن علامة ذلك أيضاً: أنك تظن أنهم يذهبون برزقك، وسوف يعطلون مصالحك، وسوف يضرونك، وسوف يُذْهِبون عليك حياتك، وأنت ستحذر غيرك، حتى أنك تسمع التحذيرات: الله، الله، خافوا! اتقوا! تحفظوا! احتاطوا! احترزوا! الناس متربصون! أعدوا لك خططاً! درسوا لك دراسة! يريدون توريطكم بورطة! حفروا لكم حفرة!!! لماذا؟! من هو المصرف المدبر؟! من هو القادر الحكيم؟! من الذي بيده مقاليد الأمور؟! من هو الغالب على أمره؟! أنه الله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١] ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] اسمع العبارة: (جَمَعُوا لَكُمْ) أي: رصدوا وخططوا، والله يقول: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف:٧٩] أي: أننا نبرم قبلهم، هم يبرمون ونحن نبرم قبلهم ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]. فيقول : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران:١٧٣] ارتفعت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في قلوبهم، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. أنا أخبركم بتلاميذ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ثم أوقفكم أمامهم، وهم أجدادكم؛ لتروا كيف عاشت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] قذائف في قلوبهم، وكيف عاشت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] على ألسنتنا، نرددها في صلاة المغرب وصلاة الفجر، لكن إذا أتينا إلى التطبيق في الواقع، ما استطعنا. نحن أشبه الناس برجل يقرأ كتلوج السيارة كيف تُقاد، وكيف تُساق، ثم يركبها ويريد أن يقودها، فلا يستطيع، أو برجل يريد أن يَتَمَرَّن على التمارين السويدية، فيقرأها في كتاب رياضي، ثم يأتي ليطبقها، فما يعرف؛ لأنه قرأها نظراً، أو رجل مريض مصاب بالسرطان، فقرأ في كتاب كيف يعالج السرطان بالحبة السوداء؟ ثم أطبق الكتاب وقال: الحمد لله الذي شفاني يوم قرأت هذا الكتاب. السلف عاشوا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الحياة. سعيد بن جبير يدخل على الحجاج، فيقول الحجاج: والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، قال: لو أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً. ودخل أبو نصر التمار على المأمون، قال المأمون: والله، لأذبحنك، وأبو نصر التمار من أئمة أهل السنة، يقول إن القرآن غير مخلوق، والبدعي الضال المأمون يقول: إن القرآن مخلوق، فيقول له: قل: القرآن مخلوق، وإلا ذبحتُك، قال: تذبحني؟! قال: نعم. فأخذ زرارة من قميصه في يوم شاتٍ وقطعه ثم رمى به على وجه المأمون، وقال: والله، لرأسي في الحق أخف من هذا الزرار. ومَرَّ بي شاعر نبطي موحد، واسمحوا لي، ولو جعلتها استطراداً أو بين قوسين، ولو أنني لا أحبذ الشعر النبطي ولا أشجعه، لكني عجبت من هذا الصنديد النبطي الموحد، فبعض النبط موحد، وبعضهم ملحد. بعضهم يتغنى بجنات عرضها السماوات والأرض، ويناجي ربه، ويقول قبل المعركة: هبت هبوب الجنة وين أنت يا باغيها؟ وبعضهم يتغنى بالخدود والقدود والرموش والخمر والسهر والضياع. قلتُ: إن شرك الخوف دبَّ في أعراق وأعماق كثير من الناس، فلم يريدوا أن يتخلصوا من شرك الخوف، لا أن يوحدوا الخوف لله ، فلا يُخف إلا من الله، ولا يُرجى إلا الله، والرسول ﵊ يقرر هذا لـ ابن عباس، يقول -فيما صح عنه-: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشي قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصحف﴾. ويقول ﷺ : ﴿واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾. والله يقول عن الناس ليقرر لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥]. هل سمعتم أن نفساً ماتت قبل حينها؟ نشرت جريد الندوة قبل شهر قصيدة بديوي الوقداني، أحد الموحدين الشعراء النبطيين، في قصيدة طويلة، منها ثلاثة أبيات أعجبتني، فيقول: إن المنايا إذا مدت مخالبها تدركك ولو كنت في جو السما العالي يقول: أن الموت إذا كُتب عليك، ولو طلعت إلى السماء فسوف يلحقك، فيقول: لا تخف من الموت، الذي يموت في المعركة، مثل الذي يموت في غرفة النوم، والذي يموت تحت الدبابة في سبيل الله مثل الذي يموت تخمة من الكبسة، سواء. إن المنايا إذا مدت مخالبها تدرك ولو كنت في جو السماء العالي اضرب نحور الفيافي مع تراقيها واغرب عن الهم تمسي خالي البال دوس المخاطر ولا تخش عواقبها الموت واحد ولا عند القدر جالي وهذه الأبيات من عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد قلتُ لبعض الطلاب: أضيفوها في آخر الطحاوية، خاصة البيت الأخير منها في قوله: دوس المخاطر ولا تخش عواقبها الموت واحد ولا عند القدر جالي يقول: ماذا تخشى؟ أنتَ ميتٌ ميت، انصر دين محمد ﷺ ، لا تخف إلا من الله، ما دام أن دين محمد ﷺ ينتصر بهذه الطريقة فانصره، فإنك إن لم تُقْتَل مُتَّ. يقول الحجاج الطاغية لعجوز ذبح ابنها في أول النهار، وأتى به بعد صلاة الظهر، فدخلت تتوكأ على عصا، قال: هِيْه! يهنأك ابنك الفاجر، ذبحتُه قبل صلاة الظهر، قالت: لو لم تذبحه لمات. لله درها، تقول: لو لم تذبحه لمات، نعم، هو كذلك. يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥]. ويقول وهو يعلن لأوليائه، حَمَلَة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أن عليهم ألا يخافوا إلا منه، يقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢]. فيقول النبطي: دُسِ المخاطرَ ولا تخشَ، ولا تكن جباناً هياباً خائفاً، وكن أشجع من البعثيين، وأشجع من الماركسيين، فهؤلاء البعثيون أقاموا أنظمة في العالم العربي على أكتافهم، ذبَّحوا الشعوب، والواحد منهم يقدم نفسه في متفجرات ويفجر الدبابة وهو بعثي، وتجد شباب محمد ﷺ الواحد منهم يطير من خياله ويُغْمَى عليه إذا دعي للجهاد. وشرك الخوف ينقض التوحيد، مثل النجاسة التي تنقض الوضوء، فما فائدة أن تحفظ متناً وتحفظ القرآن وأنت تخاف من غير الله أخوف من الله؟! وشاعر آخر نبطي موحد يقول: أنا يا كَرى مِثْلَكْ يِحِبِّ العُلا شَجْعانْ يِراهِنْ بْرَاسِهْ ما يْخَافِ الشماليةْ والشمالية عند الشعراء النبطيين: السجن، فيسمون السجن الشمالية رمزاً. فيقول: أنا لا أخاف من السجن، فهو ينظر إلى طائر وهو مسجون في قفص، فيلتفت إلى شجرة من النافذة، وإذا الكرى يغني صباحاً، والكرى: طائر مثل الحمام. فيقول: غنِّ أو لا تغنِّ، حتى أنا في السجن أغني؛ لأني لا أخاف إلا من الله . أنا يا كَرى مِثْلَكْ يِحِبِّ العُلا شَجْعانْ يِراهِنْ بْرَاسِهْ ما يْخَافِ الشماليةْ أنا بِعْتْ رُوحي من محمَّدْ وَلَدْ عدنانْ قَبَضْتِ الثمنْ، واللهْ يِشْهَدْ على النيَّةْ يقول: أنا يا طائر بعتُ رأسى، والذى اشترى: الله، والثمن: الرأس، والسلعة: الجنة. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] هذا من معالم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وهي أن لا تكون مشركاً في خوفك. ٤/ وحدانية الطاعة: فلا تكن مشركاًَ في طاعتك، بأن توجه بعض طاعتك إلى الناس، وبعضها إلى الله، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].

стр. 816

الصمدانية في حياة المسلم درس الصمدانية يدرسه أولياء الله في بيوت الله، في مثل هذه المجالس، وهي حاجة القلوب إلى بارئها، فلا يهدي القلوب إلا الله، ولا يردها إليه إلا الله, ولا يشرحها إلا هو، والقلوب تفيض إليه بالشكاوى، فيردها سليمة قوية ثابتة بحكمته، قال تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح:١٨].

стр. 817

الرزق في حياة المسلم فلا يرزق إلا الله ، فإذا فتح الله أبوابه فلا رادَّ لما فتح، وإذا أغلق فلا فاتح لما أغلق.

стр. 818

تفريج الهموم في حياة المسلم فإذا أتتك هموم، فأفضها على الله. يقول عبد القادر الجيلاني: إذا اشتد بي الهم، وضعت خدي على التراب وقلتُ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] فيفرج الله الهم. الله أكبر! كل هم ينجلي عن قلب كل مكبر ومهللِ

стр. 819

الهداية في حياة المسلم فلا يهدي إلا الله، وحاجة القلوب إلى هدايتها من ربها أحوج من حاجة البطون إلى الطعام، وإلاَّ فالناس الآن كدُّهم من أجل حاجة البطون، أما حاجة القلوب فقليل، حتى أنك تجد أحدهم إذا عرض له عارض بأن يحضر الدرس أو المحاضرة فبها ونعمت، وإن أتاه ضيف ترك؛ لكنه من الصباح إلى الثانية والنصف ظهراً وهو يطلب هذه اللقمة، ويَكُد، ويُضارِب في السوق، ويُسْجَن ويُحْبَس، ويَخْرُج، ويراجع، وينزل، ويطلع من أجل هذا البطن، ثم يموت.

стр. 820

معالم الشجاعة في سورة الإخلاص فإن من مقاصد القرآن أن يربي العباد على عبادة الله وحده، لا عبادة العبيد. فما الفائدة أن تقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وأنت عبد لغير الله. فبعض الناس عبدٌ لوظيفته، وبعضهم عبدٌ لسيارته، وبعضهم عبدٌ لملبسه، قال ﷺ في الصحيح: ﴿تَعِسَ عبد الدرهم، تَعِسَ عبد الدينار، تَعِسَ عبد الخميصة، تَعِسَ عبد الخميلة، تَعِسَ وانْتَكَس، وإذا شِيْكَ فلا انْتَقَشَ﴾. فالنبي ﷺ لا يريد هؤلاء، فالجبناء لا يربيهم، إنما يربي ﷺ مثل: مصعب بن عمير، الذي قُطِّعَ في أحد، مثل: عمير بن الحمام، الذي كسر غمد سيفه على ركبته في بدر، وقال: [[بَخٍ بَخٍ -والذي نفسي بيده- إنها لحياة طويلة إذا بقيت إلى أن آكل هذه التمرات، فقاتل حتى قتل]]. ومثل أنس بن النضر، الذي ضرب ثمانين ضربة، فطارت روحه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].

стр. 821

التعريف بالواحد الأحد فالله يعرف بنفسه في القرآن، ولا يعرف بالله أحدٌ كتعريفه بنفسه . فإن الله لما التقى بموسى في المكالمة، قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]. وعرف نفسه للناس، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. ليس تعريف المناطقة أو علماء الكلام الجبناء الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، لا متصلاً ولا منفصلاً، لا جوهراً ولا عَرَضاً. بخلاف أهل السنة الذين إذا سُئلوا عن التعريف قالوا: ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [طه:٩٨] وإذا سُئلوا قالوا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].

стр. 822

لوازم سورة الإخلاص هل نقرؤها ونحفظها فقط؟ لماذا لا نعلمها الناسَ ولا نرسلها في القرى والبوادي، ولا نجلس بها في بيوتنا؟ لماذا لا نحررهم من عبودية غير الله إلى عبودية الله؟ ولا نعلمهم التوحيد؟ وأقول لكم: ليس عندنا عبودية أصنام، ولا أوثان، لكن عندنا عبودية الخوف من غير الله أعظم من خوفنا من الله. ووالله إن من المصلين الصائمين من يخاف من غير الله أخوف من خوفه من الله أضعافاً مضاعفة، كيف يقول: سمع الله لمن حمده؟! كيف يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]؟ كيف يلقى الله يوم العرض الأكبر؟! يقول أعز من قائل: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥] لا تخافوهم وخافونِ؛ لابد أن نواصي الناس بهذا الأمر، لا يتقدم أحدٌ خطوة، ولا يكتب حرفاً، ولا ينفذ أمراً إلا بيد الواحد الأحد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١]. هذه قضية كبرى من قضايا هذه السورة، أردتها لأمور، منها: أولاً: أننا نريد أن نرتبط بالقرآن، وسوف نحرص -بإذن الله- على أن تكون الدروس والمحاضرات مرتبطة بالقرآن وبواقع الناس. ثانياً: أن هذا الوقت وقت اصطياف، وقد وفد إلينا كثير من أهل الخير وأهل الفضل والدعوة، ونريد أن نتذاكر نحن وإياهم واجبنا نحو الدعوة، ونحو البذل والعطاء لشريعة محمد ﷺ ، ونحو التضحية بالقول الجميل وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونفي الشرك من القلوب، وإزالته من البيوت. ثالثاً: أن الأمة طالما عاشت خواء عقدياً، لا يعلمه إلا الله، فهي تتعلق بغير الله، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] فنعوذ بالله من التعلق بغيره. ونسأل الله ألا يجعل لنا حاجة إلى غيره، وأن يعلق قلوبنا به، وأن يقطع ما بيننا وبين الناس إلا بسبب يقربنا منه . اللهم إن الناس تعلقوا بأسباب وبأنساب وحبال، اللهم لا أسباب عندنا ولا أنساب ولا حبال إلا ما أمدنا بك. اللهم فاجعل نسبنا وسببنا وحبالنا متعلقة بك. اللهم إن الناس استعز بعضهم ببعض، ولا عزة لنا ولا قوة ولا عشيرة ولا كياناً يحمينا إلا أنت. اللهم فدافع عنا، فإنك قلتَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]. اللهم واحفظنا، فإنك قلتَ: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]. اللهم من أراد بنا وبالمسلمين وبالعلماء والدعاة وأهل الخير مكراً فأشغله بنفسه، وخذه أخذ عزيز مقتدر، واقتله بسيفه، ودمره تدميراًَ، واجعله يا رب العالمين أُلْعُوبة، وأُعْجُوبة، وعظة وعبرة لمن سواه.

стр. 823

الأسئلة

стр. 824

دروس للوافدين في العطلة السؤال هل في الصيف دروس للمصطافين؟ الجواب الذي أعرفه: أنه - بالنسبة للدروس عندنا في المسجد - كل يوم بعد الفجر هناك دروس خاصة لطلبة العلم، ومن يريد الحضور، وكل يوم بعد صلاة المغرب، إلا يوم السبت، فإنه درس عام، وهو هذا اليوم؛ ولكن أعتذر غداً، فإن عندي سفر، والعودة -إن شاء الله- صباح الخميس، حيث يكون هنا درس - بإذن الله - ثم تستمر الدروس بعدها. ووصيتي لإخواني، خاصة الوافدين من مناطق أبها: أن ينفعوا المنطقة بالكلمات الطيبة أدبار الصلوات، وأن ينتشروا في المساجد، وأن يعظوا الناس، ولا يطيلوا عليهم، إنما يشرحوا لهم القضايا الإيمانية، وقضايا الفقه، وما ينفعهم ويفيدهم في أمور دينهم ودنياهم؛ فإن لهم الذكر الجميل والثواب الجزيل عند الواحد الأحد. ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ ولا نريد من المسلم أن يكون سلبياً، بأن يأتي يصيف مع أهله، فيبقى في فيلا، أو في فندق، ويذهب إلى المنتزهات، لأننا أصلاً ليست حياتنا لهواً ولعباً، وليست حياتنا حياة طفولية، لماذا المنتزه والنظر إلى الماء والرابية والزهر؟ نحن لا نأخذ هذه الساعة إلا لنستعين بها على ساعة الجد، أما قضية أننا مضَّينا العطلة الصيفية، ورأينا المنتزهات، وذهبنا إلى الحدائق الغَنَّاء، وعدنا فلا ينبغي هذا، نعم، هذه تستعين بها على طاعة الله؛ لكن لا بد أن تكون إيجابياً في عطلتك الصيفية، وفي نزهتك، وأن تقدم شيئاً لأبناء هذه المنطقة، الذين يرحبون بكلمة الحق من أهل الحق، وبكلمة الخير من أهل الخير.

стр. 825

الموضوعات التي يفضل أن يطرقها الداعية السؤال نلمح تقصيراً في بعض المنتزهات في صلاة الجماعة؟ الجواب هذه من القضايا التي يطرقها المسلم الداعية، تطرق في المنتزهات هذه الموضوعات: الموضوع الأول: شرح التوحيد للناس. الموضوع الثاني: التحذير من الشرك والبدع والخرافات. الموضوع الثالث: التنبيه على صلاة الجماعة. الموضوع الرابع: الغناء، وخطره. الموضوع الخامس: الربا. الموضوع السادس: حفظ الوقت. الموضوع السابع: حسن الخاتمة، لقاء الله . الموضوع الثامن: تجديد التوبة. هذه الموضوعات الثمان هي مدار بحث الدعاة التي يجب أن يتعرضوا لها باستفاضة كثيرة.

стр. 826

نصيحة لمن وقع في الخوف المحرم السؤال ماذا أفعل وقد أصابني الله بالخوف؟ الجواب يظهر من كلام السائل: أنه أصابه الله بالخوف من غيره. فالخوف نوعان: الأول: خوف طبيعي:- لا يسلم منه أحد، مثل خوف الإنسان من الأسد؛ فإنَّ من جِبِلَّة الإنسان أنه يخاف من الأسد؛ إلا بعض الصالحين الكبار، مثل: صلة بن أشيم لم يخف من الأسد، بل الأسد خاف منه، ومثل: عقبة بن نافع، فإنه تكلم للوحوش ففرت منه، ودخلت جحورها، ومر بالجيش. وأما جِبِلَّة الناس وغالبيتهم فإنهم يخافون من الأسد. فهذا الخوف طبيعي لا يجب أن تتخلص منه؛ لأنه جِبِلِّي. الثاني: خوف مصطنع: لكن الخوف الذي سيطر على الناس حتى عطلهم عن معتقداتهم وعباداتهم، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن ممارساتهم لحقوقهم، وإصلاح مجتمعهم وإصلاح أنفسهم، حتى أصبح الواحد منهم يُمِيْتك وأنت حي، فيدخل عليك، فإذا جلس معك أذاب قلبك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ويُوصف لك أن غير الله يحمل الضر والنفع، والإحياء والإماتة، والتقديم والتأخير، فإنه يجرد الله من الألوهية، إذاً: ما هو حظ الألوهية في قلبه؟! إذاً: ما معنى لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟ إذاً: ما معنى الصلاة؟! بعض الناس الآن يريد أن يعيش سلبياً، فيقول: أنا مؤمن، لكن خليني في حالي وشأني، أنا من بيتي إلى المسجد، أما أن تدخلني في قضية فأرجوك اتركونا، منكرات ما منكرات، فواحش ما فواحش، أمر ما أمر، منكر ما منكر، هذه كلها أرجوك لا تدخلني فيها، الله يرضى عليك، لكن هذا الضعيف الجبان، تعالَ إليه وخذ متراً من أرضه، فسيأتيك بالفأس ويفلق رأسك. ففي أمور الدنيا شجعان إلى أقصى درجة الشجاعة، أما أمور الدين فمنهارون إلى آخر درجة الانهيار، وإلاَّ فأهل بدر وأحد وجيل محمد ﷺ أهل المبادئ هم يحملون ذلك. إن الإنسان ليخجل. عندي مذكرة أتى بها بعض الشباب الجيش الذين دخلوا الكويت، مذكرة عن الجيش العراقي البعثي المجرم، كتابه يُقرأ في الصباح حصة وفي المساء حصة، مكتوب على الغلاف: أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة، وتدخل إلى الداخل وإذا هو يعلمك الشجاعة حتى يفور دمك، ولذلك فهم شجعان هؤلاء الأخباث، قدموا أرواحهم كثيراً؛ لكن في الرخص، وإلى النار والعياذ بالله. ثم تجد الماركسيين الذين أخذوا بعض الأنظمة الفاسدة يحملون هذه المبادئ، كذلك العلمانيين، والشيوعيين واليهود، وتجد المسلم لا يريد أن يقول كلمة، ولا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، خوفاً على بطنه وعلى سيارته، وسوف يلقى الله يوم القيامة ويسأله عن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]. أيبعثنا محمد ﷺ جبناء؟! نحن أبناء أحد وبدر يخرجنا للناس جبناء؟! أنا ابن أنصارك الغر الأُلى سحقوا جيش الطغاة بجيش منك جرار يخرجنا محمد ﷺ جبناء؟! أما كان ربعي بن عامر من تلاميذه ﵊ يوم يقول لـ رستم: [[إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].

стр. 827

النهي عن تخطي الصفوف في المسجد هناك ملاحظات أيها الإخوة، قد تكررت كثيراً، منها: الأولى: تخطي الصفوف:- الرجاء عدم تخطي الصفوف في خطبة الجمعة أو أثناء الدرس؛ لأن هذا مخالف للشريعة، ومخالف للأدب في الإسلام، ولاحترام الناس كمسلمين، أمامك أناس محترمون، وأنا أجزم جزماً وأقولها في كل مناسبة: أن صفوة البلد هم الذين أمامي هنا، ما تجد صفوة البلد، ولا أخيار الناس إلا الذين يأتون إلى هذه المجالس الإيمانية، والله يرعاهم ويحفظهم بعين رعايته، ويقول لهم في آخر الجلسة: انصرفوا مغفوراً لكم، قد رضيتُ عنكم وأرضيتموني. فاحترام مشاعر هؤلاء يهمنا كثيراً، وقلبي يُفَجَّع إذا رأيتُ الإنسان يتخطى الرقاب، ويأتي في الصف، وتجده يزحم الناس برجله في رءوسهم وفي أكتافهم، أي أدب هذا؟! وأي نظام؟! وأي احترام للمشاعر؟! الرسول ﷺ ينهى أن يشير بالسكين إلى أخيه ولو مازحاً، ولا يبصق أمامه، ولا يمد رجله أمام المسلم، فالمسلم له كرامة واحترام وقدسية. الثانية: وضع الأحذية في المسجد الخارجي خصوصاً والناس يصلون فيه، فلا ينبغي ذلك. الثالثة: مزاحمة النساء عند الخروج فللنساء باب خاص، ولكم باب. الرابعة: تلقي الركبان، وبيع الحاضر إلى البادِ فقد نهى ﷺ عن تلقي الركبان، وعن بيع الحاضر إلى الباد.

стр. 828

حكم إسبال الثياب وحلق اللحى السؤال إسبال الثياب، وحلق الدقون، الدخان، الغناء، أرجو التعليق على هذا. الجواب يا أخي، هذه مفهومة عند الناس، لا أعرف أحداً جالساً الآن إلا وهو يعرف أن حلق اللحية حرام. من الذي يقول: إن حلق اللحية حلال؟! حتى الذي يحلق لحيته. من الذي يقول: إن الدخان حلال؟! من الذي يقول: إن الإسبال حلال؟! من الذي يقول: إن الغناء حلال؟! لكن أردتُ أن أتحدث الليلة عن شرك الخوف، فهو شرك يخرج من الملة، أما مثل حلق اللحية فما تُخْرِج من الملة؛ لكن يُفَسَّق بها، وأجمع أهل العلم على تحريم حلقها، ولها موضوع خاص، لكني هنا أتكلم في الأسس والقواعد الكلية للدين؛ لأن شرك الخوف يكون في الإنسان وهو لا يشعر، حتى إنك تجد الإنسان يربي لحيته ويقصر ثوبه وعنده شرك الخوف، أي: ينقض لا إله إلا الله؛ لأن من نواقض التوحيد: شرك الخوف، وهو: أن يخاف من غير الله أخوف من الله.

стр. 829

كيفية الاستفادة من العطلة الصيفية السؤال ماذا نفعل في العطلة الصيفية؟ الجواب تجعلها جزءاً من حياتك، وأنت مسئول عنها يوم القيامة، وتنظم لنفسك برنامجاً في أول هذه العطلة، وتجعل لنفسك خطة لا بد أن تنهيها، ولا بد أن تنفذها قبل أن تنتهي العطلة الصيفية. مثلاً: أنا أقترح اقتراحاً وكثير ممن يسأل هذه الأسئلة، من أهل المتوسط، ويدخل فيهم الابتدائي، والثانوي، والجامعة، ومن يأتي من المثقفين والإخوة من كافة الأعمال والوظائف والمؤسسات والإدارات والشركات والمصانع، كلهم على هذه المستويات الثلاث. فأنا أقترح -مثلاً- في العطلة الصيفية -وهي شهران أو أكثر أو أقل- لأهل المتوسط ومنهم الابتدائي: أن يقرءوا فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ويقسمون الكتاب على هذه العطلة بفهم ومساءلة ومناقشة، مع حفظ جزئين من القرآن. وأقترح على أهل الثانوي: أن يقرءوا في العطلة: كتاب (معارج القبول) للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، أن يقرءوه بتمهل، طيلة العطلة، مع حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم. وأقترح على أهل الجامعة، ومن في منزلتهم: قراءة: (شرح الطحاوية) وهو معتقد أهل السنة والجماعة، في هذه العطلة، بفهم وتدبر ومناقشة، مع حفظ أربعة أجزاء من القرآن. ثم وزع هذه طيلة الأيام، خذ العطلة من أولها إلى آخرها، وقسمها أياماً، وقسم الكتاب والأجزاء عليها، واجعل لك حصة يومية، ثم شارك في المخيمات والمراكز الصيفية، واحضر الدروس؛ لكن هذا برنامج ثانوي بالنسبة لك، يسمى: رأس مال، وأما المكسب: فهو ما يأتي من الدروس والحلقات والمحاضرات. لا نشكو من قلة الوقت، اسمحوا لي أن أقول: إنا لا زلنا بدائيين في مسألة النظام، غلبنا الكافر بتنظيم الحياة، الأمم الأخرى أمم مبرمجة، تعمل ببرنامج، وتنتج ببرنامج، وتدرس ببرنامج. وأنا أسألكم بالله: أما تلاحظون -مثلاً- الأوربيين والأمريكان في قاعات المطارات، وفي صالات الانتظار، وفي الطائرات، وفي الناقلات، وفي الحافلات، أما تجدون الواحد منهم إذا ركب يخرج كتاباً ويقرأ؟ هذا أمر ظاهر، أصبح ظاهرة مستقرة؛ لكن نحن العرب لا تجد منا من يقرأ، الواحد منا وهو راكب يعدِّد السيارات، الرائحة والآتية، وإذا جلس في المطار ينظر إلى الحقائب التي تدخل بالسلم في الكمبيوتر، فيلمحُها ويوصِّلُها ويأخذ الثانية ويوصِّلُها، والثالثة ويوصِّلُها، حتى أنه لا يصعد الطائرة إلا ورقبته قد أصبحت كأنها ليست منه، وتجد الواحد إذا جلس على الرصيف يعدد الناس، يتعرَّف على النازل والطالع، والخارج والداخل، والإشارات متى تُنَوِّر ومتى تنطفئ، لسنا أمة قارئة، ولا أمة منتجة، لا نقدم للعالم شيئاً، نشكو حالنا إلى الله، وإذا قرأ الكثير منا، فـ (٩٩. ٩%) يقرءون جرائد أو مجلات، وقراءتها جائزة، وهي لا تنقض الوضوء! لكن تقرأ بقدر الحاجة، لكن أين من يقرأ القرآن، وكتب أهل العلم؟ هذا الذي نريد أن نقوله لكم. وفي ختام هذه المحاضرة أشكركم شكراً جزيلاً. وأسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية، وأن يجمعنا بكم في دار الكرامة. وصلَّى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.

стр. 830

التحدي بالمعجزة مهد الشيخ لموضوع الإعجاز والتحدي بذكر أماكن الخير ومن يشهدها، وذكر لنا مثالين من حياة سلفنا الصالح، ثم شرع بالحديث عن سورة البقرة وآية التحدي للكفار فيها، مبيناً أن رحمة الله هي التي تنال بها الجنة مع ذكر مثال من تاريخ بني إسرائيل على ذلك. وبعد ذلك بين تدرج القرآن في تحدي معارضيه، وذكر أمثلة ممن حاولوا معارضة القرآن فانتقم الله منهم، وذكر أن القرآن معجز بجملته، واقتبس عبارات مناسبة للموضوع من كلام سيد قطب ﵀. ثم ذكر كلاماً مطولاً عن أهل الجنة ووصف حالهم ونعيمهم، وتطرق في ثنايا الكلام لذكر مزالق أهل الأدب، والكلام عن التقوى ومعانيها في القرآن.

стр. 831

مقدمة عن أماكن الخير وأماكن الشر الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، وتَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. من الوجوه وجوه لا تُرى إلا في الخير، لا تُرى إلا في الصلاة، وفي مجامع الخير، وفي دروس الهدى، وفي حلقات الذكر، وهذه وجوه الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، وجوه الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦]. ومن الوجوه وجوه لا تُرى إلا في الشر، ولا تُرى إلا في مجامع الفساد، وفي الساعات الحمراء من ساعات البغي والفجور: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٢٣]. عمر ﵁ وأرضاه نزل إلى السوق، فرأى سارقاً سرق، ورأى جمعاً من الناس يطاردونه، قال: [[مالكم! ستره الله وتفضحونه، قبح الله تلك الوجوه التي لا ترى إلا في الشر]]. وأبو هريرة دخل إلى المسجد فرأى حلقاً من الناس يتحدثون بالآيات والأحاديث، فأتى إلى تجار الدنيا وهم يبيعون الطعام والحب والزبيب والتمر في السوق، فقال: أتريدون ميراث الرسول ﵊؟! قالوا: نعم. قال: فإنه يوزع الآن في المسجد، فتركوا تجارتهم وتسابقوا إلى أبواب مسجده ﷺ ، فما رأوا حباً ولا تمراً، ولا زبيباً ولا دقيقاً، وإنما رأوا قال الله وقال رسوله ﷺ ، ورأوا حلقاً للذكر، ووجوهاً ناصعةً مؤمنة، وسجدات تلوح على الجباه، وقلوباً تتحرك بلا إله إلا الله:- من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسرى بها الساري قال التجار: يا أبا هريرة! أين الميراث؟ قال: ماذا وجدتم؟ قالوا: وجدنا حلق الذكر تفسيراً وحديثاً، قال: [[فهذا والذي نفس أبي هريرة بيده! ميراثه ﷺ ، ما ترك درهماً ولا ديناراً، ولا داراً ولا عقاراً، وإنما ترك العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر]]. كفاك عن كل قصر شاهق عمد بيت من الطين أو كهفٌ من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم

стр. 832

فضل سورة البقرة والسورة التي نحن بصددها هي سورة البقرة، وهي عظيمة جد عظيمة، ومذهلة جد مذهلة، أما عظمتها فلأنها أكبر سورة في القرآن، وهي سرادق القرآن، ثم تأتي كذلك من أن الرسول ﵊ قال: ﴿إن بيتاً تقرأ فيه سورة البقرة لا يقربه شيطان﴾ ثم إنها حفلت بالأحكام، فقد تكلمت عن المؤمنين، ثم تكلمت عن الكافرين، ثم تكلمت عن المنافقين، ثم دعت الناس لتوحيد رب العالمين أجمعين، ثم نزلت نزلات استطلاعية -كما يقول سيد قطب - ونزلات نسفٍ وإبادةٍ على بني إسرائيل، فلما انتهى الله من بني إسرائيل أتى بالأحكام، ما بين نكاح وطلاق وقصاص، وما بين صيام وحج، ثم ختمها بالنفقة، وفي غضونها أعاجيب وقصص لبني إسرائيل، فسبحان الله كم حوت من حكم! عرض له ﷺ شباب يريدون الغزوة، فقال: ﴿أيكم أكثر أخذاً للقرآن؟ فقال شابٌ: أنا يا رسول الله! أحفظ سورة البقرة. قال: أتحفظها؟ قال: نعم. قال: فاذهب فأنت أميرهم﴾. فالإمرة بمثل هذا والتصدر والتقدم في الدنيا والآخرة بمثل هذا أيضاً، ولذلك يقول عمر ﵁ -كما في صحيح مسلم -: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين﴾. ومع السياق، ومع النور، ومع الروعة والجمال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤] هاتان الآيتان جاءتا بعد أن نادى الله الناس جميعاً لعبادته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ثم ذكر نِعَمَهُ، وما أودعه في الأرض من ثمراتٍ وخيرات، فقد غمرك بالنعم من مشاش رأسك إلى أخمص قدميك. فأنت تتقلب في نعمة الله، وتمشي في ستره، وتشرب ماء الله، وتأكل رزقه، فأين تذهب من نعم الله؟! ولذلك قالوا لبعض أهل العلم: كيف نتفكر في النعم؟ قال: تفكروا في الطعام كيف تأكلونه وكيف تخرجونه؟! وقد قال ابن السماك لـ هارون الرشيد: يا هارون! أسألك بالله لو منعت شربة، أتفتديها بنصف ملكك؟ قال: إي والله، فلما شرب، قال: يا هارون! أسألك بالله لو منعت إخراجها أتفتدي إخراج الشربة هذه من جسمك بنصف ملكك؟ قال: إي والله، قال: ملك لا يساوي شربة ليس بملك.

стр. 833

برحمة الله تنال الجنة وذكر أهل السنن والتواريخ أن من عباد بني إسرائيل، وبنو إسرائيل فيهم عجب عجاب، سوف يذكر الله لنا من أعاجيبهم أموراً تذهل وتشيب الرأس، ويقول ﵊: ﴿حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج﴾ فهذا عابد من بني إسرائيل جلس في جزيرة، ليس عنده جليس يؤذيه، ولا امرأة تقليه، ولا عنده جارٌ يؤذيه ويشتمه ويسبه، إنما كان عابداً لله صباح مساء، عنده رمانة يأكل منها، وعنده عين ثجاجة باردة يشرب منها، فلما عبد الله خمسمائة سنة توفاه الله الذي يتوفى الأنفس، فحاسبه ربه، قال: يا عبدي! أتريد الجنة بعملك أم تريد الجنة برحمتي؟ والله أرحم الراحمين. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته﴾ وفي لفظ مسلم: ﴿قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته﴾ فيا من ظن أنه أكثر من الصلاة، كأنك ما صليت، ويا من ظن أنه أكثر من الصيام والجهاد والصدقة والبر والإحسان، كأنك ما تصدقت ولا وصلت ولا بررت ولا فعلت شيئاً، غمرتك نعم الله، فعملك كأنه ذرة في بحر. إذاً فهو هباء منثور. فحاسبه الله، ولكن هذا العبد اغتر بعمله، صلاته خمسمائة سنة، وصيامه خمسمائة سنة، وذكره خمسمائة سنه، قال: بل أدخل الجنة بعملي. ولذلك فإن لـ ابن القيم وقفة عجيبة عملاقة على عادته، وعلى تيقظه وذكائه، يقول: يقول الله : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] والرسول ﷺ يقول: ﴿لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله﴾ فكيف نجمع بين الآية والحديث؟ الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] بصلاتكم، بصيامكم، بجهادكم، بحجكم، ولكن الرسول ﵊ ينفي، ويقول: لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله إلا برحمة الواحد الأحد، قال ابن القيم: ويجمع بينهما بأحد جمعين: أحدهما: أن نزول المنازل داخل الجنة وارتفاع الدرجات يكون بأعمالنا، وأما الدخول الأولي فبرحمة الله. إذاً فالدخول لا يحصل لك إلا برحمة أرحم الراحمين، وإن لم تدركك رحمته فقد تقطعت بك الحبال، وانتهت بك الأسباب، وتدهدهت عليك الجبال، وضاعت عليك الحيل. فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان ولذلك ذكر ابن تيمية وغيره المكفرات العشر منها: الحسنات الماحية -أي الأعمال الصالحة- والمصائب المكفرة، ودعوات المؤمنين، وما يجده الإنسان في سكرات الموت، وما تجده في القبر، وما تجده يوم العرض الأكبر، وما تجده عند الصراط والميزان والحوض، وشفاعة سيد الخلق ﷺ ، وشفاعة الأخيار من الأولياء، ثم تأتي العاشرة: رحمة أرحم الراحمين، قال: فإن لم تدركك رحمة أرحم الراحمين، فقد شردت على ربك، كما يشرد البعير الشارد على أهله، فمن يرحمك إذا لم يرحمك الله؟! فـ ابن القيم يرتضي هذا الجمع، قال: الدخول: برحمة الواحد الأحد، ونزول المنازل: بالأعمال، ولذلك بعض الناس يرى في الجنة كالكوكب الدري، وبعضهم في الدرجة الثانية: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:١٦٣]. فأما أبو بكر فلا تسل عن درجته، فهو في قصر كالربابة البيضاء يراه من دخل الجنة، فهو في المنزلة الأولى من الصالحين بعد الأنبياء والرسل، ثم يتلوه عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم يأتي الناس على حسب منازلهم، والمحروم من حرم دخول الجنة: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. وبعض الناس يجمع بجمع آخر، فيقول: عمله من رحمة الله، فالرسول ﵊ يقول: ﴿لن يدخل أحد منكم الجنة إلا برحمة الله﴾ يقول: عمل الناس من رحمته ، فيرحمهم فيعملون صالحاً، ثم ينزلون منازلهم ويدخلون الجنة بعملهم، هذا جمع آخر.

стр. 834

تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) قال الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] يا أيها الناس! يا عباقرة الدنيا! يا أذكياء المعمورة! يا من ظن نفسه فصيحاً! أو بليغاً، أو شاعراً مجيداً، أو صحفياً، أو قصصياً! تعالوا إلى القرآن، هذا إعلان التحدي، وهو إعلان لم يواجه ولم يجابه منذ خمسة عشر قرناً، ومن في رأسه شيء فليأت، ومن في رأسه حب لم يطحنه اليقين، ولا التوحيد والعقيدة الصحيحة، فليقاوم ولو بآية أو بسورة ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة:٢٣] أي: في شك، وقد سبق في أول السورة أن قلنا إن الريب يطلق على الشك، وعلى التهمة، أما الشك فهو الارتياب في القلب، يقول الله: ﴿َإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة:٢٣] أي: من صدق هذا القرآن، أما صدقتم؟! أما تعلمون أنه حق؟! أما تدرون أنه صدق كالفجر؟! إن كنتم شاكين، فائتوا بسورة من مثله، وقيل: إن كنتم في اتهام لهذا القرآن، يقول جميل بثينة في إحلال التهمة محل الريبة: تقول بثين يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريب تقول: اتهمتني، فيقول هو: وأنت متهمة، فكلنا متهمون، وهذا جميل أذكره، ومجنون ليلى وكثير عزة والشريف الرضي وأبا نواس، وأمثالهم من شعراء المرأة؛ للاستشهاد بشعرهم، وإلا فليست حياة المؤمن كحياة هؤلاء، حياة ستين سنة في حب امرأة، يحبها ويولول بصوتها، وبشعرها وأسنانها، إنها ليست بحياة حياة الذين لا يعقلون، ولا يعلمون، فليست الدنيا حياة مسرح وأغنية وفن، وقد قيل لأحدهم: كم عمرك في الفن؟ قال: أربعون سنة، بل أربعون صفراً، أربعون في ظلام، وأربعون وأنت ضائع، وأربعون وأنت ما رأيت النور أبداً، وميلادك إنما يكون يوم تتوب توبة نصوحاً. قيل لأحد الصالحين وهو في الستين: كم عمرك؟ قال: سنتان، قالوا: سبحان الله! أنت في الستين، قال: ما تبت إلا قبل سنتين، أما ثمان وخمسون فكانت في ضياع، فميلادنا يبدأ من يوم نتوب توبة نصوحاً. ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا ولذلك كررت -وسوف أكرر- كلام ابن تيمية في مختصر الفتاوى، قال: "للإنسان ميلادان: الميلاد الأول: يوم أتت به أمه، والميلاد الثاني: يوم تاب إلى الله وأقبل عليه، فأما الميلاد الأول فالخلق كلهم مشتركون فيه، فالثور تَلدُهُ أُمه، والنعجة، والدجاجة، والحمامة، والإنسان، فالإنسان سواء هنا أو هناك؛ الخواجة، الأشقر، الأسود، الأحمر. فهذا ميلاد. لكن الميلاد الثاني لا يولده إلا المؤمن: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. عمر كم عمره؟ ثلاث وستون سنة، أسلم وهو شاب! لكنه ألغى عمره الأول، فكان ميلاده يوم قال: لا إله إلا الله. سعد بن معاذ أسلم وعمره ثلاثون سنة، فشطب على الثلاثين، وألغاها من الحساب، وبقيت له سبع سنوات، وهي عند الله خيرٌ من سبعة قرون. عمر بن عبد العزيز عاش أربعين سنة، أما ثلاثون شهراً فتولى أمر الأمة، وما قبلها لم يحتسب من عمره. وقد قال أبو تمام في محمد بن حميد الطوسي وقد مات شهيداً: عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيتُ الكريمَ الحرَّ ليس له عمر ولذلك بعض الناس يعيش في الإسلام سنة، وهي خيرٌ عند الله من ثلاثين قرناً، وبعضهم يعيش مائة سنة، وهي لا تساوي لحظة واحدة. فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر (يا أيها الناس) قال أهل التفسير: الخطاب للناس عامة. (مِمَّا نَزَّلْنَا) في القرآن تأتي أنزلنا، وتأتي نزلنا، وللسيوطي وأمثاله لطائف في هذا، يقول: إذا قال: (نزلنا) فهو على التفصيل، أي: (نزلناها) آية آية، سورة سورة، مقطعاً مقطعاً، وإذا قال: أنزلنا، فمعناها: أنزلنا القرآن مرة واحدة من السماء السابعة أو من اللوح المحفوظ -وهو الصحيح- إلى سماء الدنيا. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] أي: جملة، من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وإذا قال: نزلنا، فمعناه: آية آية، منجماً مقطعاً.

стр. 835

معجزات الرسل من جنس ما أبدع فيه أقوامهم ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ يا أيها الناس! ويا أيها العرب العرباء! فالله يتحدى الناس والأجيال بما أجادوا فيه من العلم، كل علم يجيدون فيه أو فن يتحداهم به. فموسى ﵇ أتى إلى قوم معهم السحر، فقد بلغوا في السحر الذروة، فأعطاه الله العصا، فتلقفت ما صنعوا، وأخذت حتى عصيهم وحبالهم، فأكلتها جميعاً في بطنها، فتغلب عليهم. وإبراهيم ﵇ أتى إلى قوم بلغوا الذروة في علم الفلك والنجوم، فتحداهم بذلك، فأعجزهم وأربى عليهم. وعيسى ﵇ أتى إلى قوم أهل طب، وتخصص، فأعطاه الله إحياء الميت بإذنه، وإبراء الأكمه بإذنه فيبصر، وإبراء الأبرص بإذنه فيذهب مرضه. ومحمد ﵊ أتى إلى العرب العرباء، وهي أفصح أمه أخرجت للناس، العربي البدوي في خيمته تخرجه فيلقي خطبة طنانة رنانة، لا يلحن فيها، ولا يتلعثم، ولا يخطئ، ولا ينسى، فيأتي من عند شاته وناقته، فيلقي قصيدة تقارب مائتي بيت أو مائة بيت، كلها على نسج رفيع، وليس عنده قلم ولا ورقة، يحفظها في ذهنه كأنها قذائف، فأتى ﷺ إلى مجتمع من أفصح المجتمعات، فأعطاه الله القرآن، فقال ﷺ : تعالوا، هذا القرآن، وأنتم أفصح العرب وأفصح الناس، وأنتم أفصح أهل الدنيا، هذا هو القرآن فأين شعراؤكم؟ هذا هو القرآن فأين خطباؤكم؟ هذا هو القرآن فأين فصحاؤكم؟ ولذلك لم يسمع أنهم أرادوا أن يتحدوا القرآن، لكن بهتوا!! يقول جبير بن مطعم بن عدي -أبوه المطعم بن عدي هو الذي أجار الرسول ﷺ في مكة، وقد مات كافراً- حتى يقول ﵊ في أسارى بدر: ﴿والذي نفسي بيده! لو كان المطعم بن عدي حياً لتركت هؤلاء النتنى له﴾ أي: عفوت عنهم، ابنه جبير هذا يقول: أقسمت باللات والعزى لا أسلم ولا أومن بمحمد أبداً، لكن القرآن -كما يقول سيد قطب وغيره- نفّاذ، فينفذ ويخترق الجدران. فلذلك أقسم ألا يؤمن، ولا يسلم، ولا يشهد أن لا إله إلا الله!! والرسول ﷺ في المدينة يصلي بالناس صلاة المغرب، فأتى بناقته، فسمع صوت الرسول ﵊، وكان في صوته صحالة، وفيه قوة ونبرة تصل إلى القلوب مباشرة، يقرأ: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور:١ - ٤] قال: [[فو الله لقد كاد قلبي أن يطير]]. الطفيل بن عمرو الدوسي الزهراني الذي أبو هريرة حسنة من حسناته، وتلميذ من مدرسته، سمع أن الرسول ﵊ بعث، فارتحل بناقته من بلاد زهران، سبحانك يا رب! تأتي بـ سلمان من بلاد فارس، ومن كرمان، وتأتي بـ الطفيل من زهران، وتأتي بـ صهيب من بلاد الرومان، وتأتي بـ بلال من الحبشة السودان، ويسلمون ويؤمنون ويدخلون الجنة، وأبو لهب وأبو طالب عند الركن والحطيم يتردون في نار الجحيم. عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطم فأتى الطفيل بن عمرو الدوسي وكان شاعراً مجيداً خطيباً يعرف الكلام، عاقلاً، داهية، فركبت ناقتي وسمعت بمبعث رسول الله ﵊، قال: فو الله ما إن نزلت مكة، إلا وتعلقت قريش بناقتي. كلما أتى إنسان من خارج قريش تعلقوا بناقته، يقولون له: انتبه عندنا رجلٌ مجنون! معنا ساحر في هذا المكان! رجلٌ جالس في الحرم معتوه، يتكلم بلا عقل، فانتبه واحذر!! قال: فوالله ما زالوا بي حتى أخذت القطن، فوضعته في أذني. لكن القرآن أقوى من القطن، فهو يدخل ولو كان في الأذن قطن، فيصل إلى القلوب، قال: فدخلت؛ فرأيته في الحرم ما أراه إلا ساحراً أو كاهناً، وهذا الفعل من الدعايات الرخيصة، والشائعات المغرضة، جعلت من الرسول ﵊ ساحراً وشاعراً، والله يقول: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢]. ويقول: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٤ - ٨] فكان ينظر إليه، فقال: فكنت أسمعه يقرأ فلا أسمع شيئاً، فالقطن في الأذن ولكن الله يهدي من يشاء، قال: فما زلت أقترب، فقلت في نفسي: -أراد الله هدايته- لماذا لا أضع القطن، وأنا رجل، لبيب، فاهم، شاعر، أعرف جد الكلام من هزله، فإن سمعت شيئاً أعجبني اتبعته، وإلا تركته! قال: فوضعت القطن، ويوم وضع القطن في تلك اللحظة وإذا بالقرآن يصل إلى أذنه، ويدخل إلى قلبه، فينتفض ويأتي إلى الرسول ﵊، ويضع يده ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. فهو القرآن الذي يريد الله أن يوصله إلى الناس.

стр. 836

سبب الإشارة إلى الرسول ﵊ بقوله: "عبدنا " يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] من هو عبده؟ إنه محمد ﵊، ولم يقل رسولنا، ولم يقل نبينا، لسببين: السبب الأول كما يقول أهل العلم: بأن الله نادى الناس في أول المقطع بعبادته، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] فكأنه يقول: مثل محمد عبدنا، ولم يقل رسولنا، والله إذا أراد أن ينبه الرسول ﵊ على قضية في بيته قال: يا أيها النبي. وإذا أراد أن يخبره بقضية من قضايا الرسالة قال: يا أيها الرسول، واسمع إلى قضايا الرسالة: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ [المائدة:٦٧] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] ثم يتحدث عن الزوجات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩] فهو يناديه في هذه القضايا الاجتماعية بالنبي، ويناديه بالرسالة للعالمين، ويناديه بالعبودية في موطن التشريف، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] مثلما فعل عبدنا ﷺ فهو أعبد الناس وأعرفهم. وإذا أراد الله أن يتحدث عن التوحيد والشرك قال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وفي صحيح البخاري في كتاب العلم، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث﴾ ولم يقل: أرسلني، وإنما قال: بعثني؛ لأنه بعث بالتوحيد، فكأنه بعث في أموات، وأحمد شوقي -أمير الشعراء كما يسمونه- يقول: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم يقول: إن كان عيسى ﵇ يبرئ ويحيي الموتى بإذن الله، فأنت أحييت شعباً وجيلاً وملايين من الناس، فالناس الذين يحيون الآن، وآلاف مؤلفة ممن ماتوا، وآلاف وملايين ممن سوف يأتون كلهم يحيون بالحياة التي أتى بها ﷺ . قال: والسبب الثاني في موطن التشريف له ﷺ ، يقول: أنت عبدنا، فإذا زكاه الله قال: عبدنا، ولذلك يأبى الرسول ﵊، أن يرفعه أحد عن درجته: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١].

стр. 837

استطراد في موضوع عبودية الرسول ﷺ أتى أعرابي إلى الرسول ﵊، والأعراب لهم دواهي يأتون بها أكبر من الجبال، فدخل الأعرابي بعصاه المسجد، وقال: ﴿يا محمد! إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله -واللفظ عند أبي داود وغيره- إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال ﷺ : ويحك إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد﴾. وقال له رجل آخر: ﴿ما شاء الله وشئت، قال: قل: ما شاء الله وحده﴾ وجاء وفد بني عامر بن صعصعة -والحديث صحيح- فقالوا للرسول ﷺ : ﴿أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، وأطولنا طولاً، قال: يا أيها الناس! قولوا ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان﴾. إذاً: فالكمال لله، والعظمة لله، والإنسان له الفقر والعوز، ولذلك يقول ﵊: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ وأما إطراء المخرفين من الصوفية، ليرفعوه عن منزلته، ويقولون: نحن نحبه، ويقول أحدهم: يا جلاء همومي! يا جلاء غمومي! يا جلاء بصري! يا ذهاب بصري! ويا بقاء سمعي! فهذا ليس بكلام شرعي. وهذا البرعي شاعر اليمن، وهو شاعر مجيد ظريف في الذروة، ولكنه مخرف متخلف في النهاية، يقول: يا رسول الله يا ذا الفضل يا بهجة المحشر جاهاً ومقاما فأقل لي عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاماً - من يقيل العثرات؟ - الله. - من يغفر الذنوب؟ - الله. - من يكشف الكروب؟ - الله. وهو ﷺ ميت في قبره، مات ولكنه حي بحياة الله أعلم بها، حياة برزخية لا تأكل جسمه الأرض، ولكنه لا يرفع الحوائج في قبره إلى الله، ولا يغيث الناس، ولا يشفي المرضى، ولا ينجح الراسبين، ولا يقضي الدين عن المدينين، ولا يقرب بين المتباعدين، وإنما يفعل ذلك الواحد الأحد، والله يقول عن المشركين: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣]. والبوصيري له قصيدة البردة، وهي من أحسن القصائد إي والله، لكنه كدرها، وأساء في آخرها إساءة بليغة، وإلا فقد بدأها بمطلع عجيب، وأتى بأبيات مليحة جد مليحة، يقول: أمن تذكر جيرانٍ بذي سلم مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضم إلى أن يقول: بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم وليته استمر على هذا الحسن والإشراق والإبداع! لكنه في الأخير قال: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم سبحان الله! يقول: من جودك الدنيا والآخرة، ومن علمك علم اللوح المحفوظ والقلم. إن لم تكن في مقامي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم وهي إساءة، فلا يغفر الذنوب إلا الله، ولا يكشف الكروب إلا الله. إذاً: هو عبد يجوع كما يجوع الناس، ويظمأ كما يظمأ الناس، لكن شرفه الله بالنبوة، فلا ينطق عن الهوى فهو معصوم، ولذلك هناك فرق بين أن نقول: عبد وبين أن نظن أنه كبعض الناس يخطئ ويذنب كما يخطئ الناس ويذنبون، فهو معصوم، ثم لا نقول: إنه رسول كذلك ليس فيه بشرية، ولذلك لم يجعل الله الرسول ﷺ ملكاً، لماذا لم يجعله ملكاً؟ لأنه لو كان ملكاً لما اقتدى به الناس، فلو كان رسولنا ملكاً، وقلت للناس: افعلوا مثلما يفعل الرسول، لقالوا: هو ملك، فإذا قلت لهم: لماذا لا تصومون كما يصوم؟ قالوا: هو ملك، لماذا لا تصدقون كما يصدق؟ قالوا: هو ملك، فجعله الله بشراً، ومع بشريته إلا أنك تقول لأحدهم: لماذا لا تفعل كذا؟ فيقول: وأين نحن من رسول الله ﷺ ؟! نعم أين نحن؟! لكنه قدوتك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. وأعود إلى قصة الإسرائيلي في أول الكلام، فقال الله : ﴿تدخل الجنة برحمتي أو بعملك﴾ قال: بعملي، قال: حاسبوه، فالحساب قبل الدخول: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] فأتى الملائكة فحسبوا النعم التي أعطاه الله، والعبادة التي عبد في كفة الميزان، فوجدوا عبادته في خمسمائة عام لا تعادل نعمة البصر، قال الله: خذوه إلى النار، قال: لا. برحمتك يا رب. فالآن عرف، فأدخله الجنة برحمته. إذاً: فلا يدخل الجنة أحدٌ إلا برحمة الواحد الأحد.

стр. 838

التدرج في التحدي والإعجاز ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] فتحدى المشركين من العرب في القرآن على ثلاث مستويات: بالقرآن كله فما استطاعوا! قال: بعَشْر سور فما استطاعوا! قال: بسورة فما استطاعوا! يقول : ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩] فهذه بالقرآن، وقال : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] وهذه بالقرآن، فأخفقوا وفشلوا، فما سمعنا أن جاهلياً أتى ليعارض القرآن. فقال الله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣] فما استطاعوا. فانتقل بهم في سورة يونس: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨] فما استطاعوا.

стр. 839

محاولة الفيلسوف الكندي وابن الراوندي معارضة القرآن لكن وجد في القرن الرابع والخامس بعض الملاحدة -نعوذ بالله من إلحادهم- أتوا ليتحدوا القرآن، سمعوا هذه الآيات فقالوا: نحن نأتي بمثله، منهم ابن كندة الفيلسوف الطبيب، دخل بيته وأغلق عليه الباب، وكان زنديقاً ونعوذ بالله من الزندقة، ونعوذ بالله من لعنة الله وغضبه، فقد حوى على قلبه جثمان إبليس فاسود قلبه. أحد الناس يذكر عنه ابن تيمية أنه قيل له: مالك لا تصدق بالقرآن؟ قال: قلبي ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، قال: عليك أن تصلي وأن تتقي الله، وأن تستغفر عسى الله أن يتوب عليك، قال: لا أستطيع: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]. فأتى ابن كندة الفيلسوف، وقيل الفيلسوف الكندي، وبعضهم يخلط هذا بغيره، لكن تمييزه أنه الفيلسوف الكندي، فقال له تلاميذه: ماذا تفعل يا شيخنا؟ -هو شيخهم وليس بشيخنا- شيخنا نحن مثل الإمام أحمد، ومالك، والشافعي، وابن تيمية، وابن القيم، فأحمدنا أحمد بن حنبل وأحمد أهل البدعة أحمد بن أبي دؤاد. لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم فقالوا: ما لك يا شيخنا اعتزلت؟ فقال: أريد أن أكتب كتاباً أبلغ من القرآن؛ ففتح المصحف وهو وحده في الغرفة، فوقعت عينه على قوله في أول سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] فتوقف ورفع القلم، وضرب رأسه، وقال: نادى، وأمر، ونهى، واستثنى، وبين، وختم في آية، فأتى ليرد جسمه فوجد نصف جسمه قد يبس وشل: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦]. وابن الراوندي الكلب كما سماه ابن كثير، أتى وألف كتاب الدامغ على القرآن؛ لأنه يهودي ابن يهودي، وتدسس على الإسلام في لباس الإسلامية مثلما يفعل بعض الناس، يتظاهر أنه مسلم ويريد الخير، لكن تراه يطعن في كلامه بالرسول ﵊، كنافخ الشمس: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] أتى الخبيث الملعون، فكتب كتاب الدامغ، يقول: أدمغ به القرآن، فدمغه الله في الدنيا والآخرة وأخزاه، حتى لما أتته الوفاة أخذ الدود يتناثر من عينيه وأنفه ولسانه، وأخذ يزوره بعض أهل السنة، قالوا: ما زرناك عواداً لكن زرناك شامتين، نشمت بك، ونرى نَصَف الله فيك.

стр. 840

انتقام الله من أهل البدع والظلمة وأهل البدعة كذلك أنزل الله بهم بأسه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وقد كررت القصة، لكن لا بد أن تكرر مرة ثانية وثالثة وعاشرة، ابن الزيات وأحمد بن أبي دؤاد، ورجل ثالث تعاونوا على الإمام أحمد، إمام أهل السنة حتى سجنوه وجلدوه بالسياط؛ لأنه يريد الحق، فأما الإمام أحمد فالتجأ إلى الله، ليس عنده حرس ولا سياط في الدنيا، لكن عنده قوة الله. يا غارة الله جدي السير مسرعة في سحق أعدائنا يا غارة الله أحد الصالحين ضربه سلطان على وجهه، فدمعت عيناه، قال: لأشكونك إلى من لا يظلم عنده أحد، قال: ومن تشكو في الدنيا؟ قال: أشكوك إلى الله الواحد الأحد، قال: متى تشكوني، أئذا مت؟! قال: بل أشكوك في الثلث الأخير، يوم تذهب الدعوات في الثلث الأخير إلى الواحد الأحد. قيل لـ علي بن أبي طالب: كم بين التراب والعرش؟ قال: دعوة مستجابة، التراب والعرش لا يقدر بالكيلو مترات ولا بالأميال، فآل البرمكي أسرة سفكوا الدماء، وتبجحوا في الأموال، وظلموا الناس؛ فأتى شيخ كبير السن أخذوا ولده وذبحوه، فرفع يديه في السحر في الثلث الأخير: اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر. فأصبحوا في اليوم الثاني، فغضب عليهم هارون الرشيد حبيبهم وصاحبهم فقتل شبابهم وأخذ كبارهم فجعلهم في السجون حتى جعل كبيرهم في السجن سبع سنوات، يقولون: طال شعر لحيته، وأظفاره، وشعر رأسه، حتى دخلوا عليه، قالوا: أين أنت؟ قال: لست في الدنيا ولا في الآخرة، قالوا: مالك؟! قال: ما رأيت الشمس ولا الهواء سبع سنوات، قالوا: من الذي وضعك في هذا المكان بدل الرفاهية وبدل النعيم؟ -بلغ من نعيمهم أنهم أخذوا يطلون قصورهم بماء الذهب- فقالوا: فمن الذي وضعك هنا؟ قال: دعوة ذاك الشيخ في الثلث الأخير. فهؤلاء الثلاثة الذين دعا عليهم الإمام أحمد استجاب الله فيهم، قال لـ أحمد بن أبي دؤاد: اللهم اسجنه في جسمه؛ فشل جسمه حتى عاده تلاميذ الإمام أحمد، قالوا: يا أحمد بن أبي دؤاد! ما أتيناك عواداً؛ بل أتيناك شامتين، فكيف أنت؟ قال: أما نصفي هذا فلو وقفت عليه ذبابة، فكأن القيامة قامت، وأما نصفي هذا فلوا قرض بالمقاريض ما أحسست به أبداً. وأما ابن الزيات الوزير، فغضب عليه الخليفة؛ فجعله في فرن مطبق، ثم ضرب المسامير في رأسه حتى خرج نخاعه ودماغه من أنفه، وأما ذاك فتردى وقطعت يداه ورجلاه، فقد غضب عليه سلطان آخر، وهذا في الدنيا. ولذلك لا يطلب العون إلا من الواحد الأحد. فالمقصود أنني أتكلم عن أهل الهوى وأهل البدعة ممن يريد معارضة السنة أو القرآن.

стр. 841

بم يكون الإعجاز في القرآن ؟ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] أي: تعالوا بسورة من مثله، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: أي سورة؟ سورة كبيرة أو صغيرة؟ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] هل تستطيع العرب أن تأتي بمثلها؟ تقول المعتزلة: السور التي تحصل بها الإعجاز هي الطويلة، أما مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] والتي هي من ثلاث آيات فلا، وكذبوا. بل أي سورة، معنى الإطلاق لا يستطيع العرب ولا غيرهم من الفصحاء أن يأتوا بسورة من مثله، وحقق ذلك ابن كثير وغيره من أهل العلم ﵏ أن أي سورة مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فلا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا أبداً. وانظر الآن إلى إعجاز القرآن، فالقصيدة تسمعها ستين بيتاً، لا يكون فيها إلا بيت أو بيتان من أحسن ما يكون، وأما غيرها فكذب ودجل وخداع. وتعال الآن إلى موازنة، ولله المثل الأعلى، ولكلامه المثل الأعلى، فنأتي إلى الوصف، يقول : ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] أليس هذا وصفاً حقيقياً، ثابتاً لا فيه عوج ولا كذب ولا تمويه، إي والله! ويقول في الوصف الآخر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠] لكنه جمال في الأسلوب، ما قال: طويلات، بل قال: (بَاسِقَاتٍ). (لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) ولم يقل: جيد ولا طيب، بل قال: نضيد. وتعالوا الآن إلى الشعراء، يقول بشار بن برد يصف الجيش: كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه كذب على الله! ما كان هذا، ذلك الأعرابي يصف المرأة بالنخلة، ويصف وجهها بالقمر، ويصفها لرشاقتها بالغزال، ويصف الكف بشيء من اللجين، وهذا كذب وخداع، ولذلك يقول : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٧]. والله إذا أراد التهديد في القرآن اقشعرت الأبدان، وإذا أتى بالنعيم ووصف النعيم ارتاحت القلوب إلى نعيم الواحد الديان، وإذا ذكر الموت أبكى العيون، وإذا ذكر الدنيا وآياتها أتى بالعجب العجاب، وإذا وصف الحدائق والبساتين أتى بشيء تسيل له المقل عجباً، وتندهش له العقول، فسبحان من أنزل هذا القرآن. قال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣] من الشهداء؟ قال ابن عباس: آلهتكم، تعالوا بالأصنام والحجارة، تعالوا بالأوثان وادعوها لتعاونكم في الإتيان بمثل هذه الآيات. وسبق في أول جلسة من جلسات التفسير أن ذكرت كلاماً جيداً لـ سيد قطب حيث، يقول: القرآن كلام، وكلامنا نحن كلام، وكلها من حروف، أنت تقول: محمد علي سعيد والقرآن فيه هذه الألفاظ، فكلها من هذه الحروف، قال: ولكن الفارق مثل هذا التراب، خلق الله من هذا التراب الإنسان، فالإنسان يشابه القرآن؛ لأن القرآن من الكلام الموجود والإنسان من التراب الموجود، والإنسان لا يستطيع أن يصيغ من التراب إنساناً فيأتي فيصنع الخزف والأواني والصحاف والأباريق، فهذه الأباريق والأواني والخزف مثل كلامنا نحن، والإنسان مثل كلام الله ، وأصل المادة واحدة، ولذلك يتحدى الله فيقول: ﴿الم﴾ [البقرة:١] هذه الحروف تعالوا بمثلها، هذه المادة الخام موجودة، اصنعوا مثل القرآن، لكن ما استطاعوا. ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣] قيل: آلهتكم، وقيل: شهداؤكم أعوانكم، وأذنابكم، وأقزامكم، وعملاؤكم، ومن يسير في مسيرتكم، ومن يجلس معكم في ظلام الليل، ومن يؤزكم بالكلام، تعالوا أنتم وكل عميل على وجه الأرض، وكل ذنب، وملحد، وائتوا بسورة من مثل هذا القرآن. قال : ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] قيل وهو الصحيح: إن كنتم صادقين أنه ليس من عند الله فتعالوا بمثله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] وقيل: إن كنتم صادقين أنكم تستطيعون أن تأتوا بمثله، فالمادة معكم والكلام موجود، فتعالوا بمثله، وخسئوا، وخسروا، وخابوا، وما استطاعوا وما فعلوا. قال : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] معجزتان اثنتان: المعجزة الأولى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) تحداهم الله أن يأتوا بمثل القرآن، فلم يستطيعوا. المعجزة الثانية: قال: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) قال أهل العلم: تحداهم الله بالقرآن أن يأتوا بمثله، أو بسورة، أو بعشر سور، ثم قال لهم في نفس القرآن: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) وبالفعل قال هذا الكلام بقوة، وورد هذا بغير خوف، وبغير جزع وهلع، وفي الحقيقة ما مر في التاريخ تحدٍّ للقرآن والحمد لله، ولا استطاع أحد أن يتحداه ولا أن يأتي بمثله، وهذا معجزة أخرى أن يقول الله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) فما فعلوا. والمعتزلة يقولون: إن التحدي في القرآن والإعجاز، أن الله كتب على الناس ألا يستطيعوا أن يأتوا بمثله، ولو لم يكتب عليهم لاستطاعوا، وقد كذبوا، بل لا يستطيعون، ما استطاعوا أبداً، يقولون: إنه في القدر أن الله منعهم أن يأتوا بمثله، ولو لم يمنعهم لكان باستطاعتهم أن يأتوا بمثله، ولا والله! لا يستطيعون أن يأتوا بمثله أبداً. يقول الأصمعي: خرجت في البادية فرأيت أعرابية فأخذت أقرأ، وفي بعض روايات هذا القصة أن أعرابية سمعت قارئاً يقرأ يقول: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] وهي لا تدري أهو قرآن أم لا، فهي عجوز أعرابية بدوية، قالت: سبحان الله! كلام من هذا؟ قالوا: وماذا تريدين؟ قالت: أتى بأمرين، وبنهيين، وبشارتين، كلام من؟ قالوا: كلام الله.

стр. 842

روعة القرآن يدركها من لا يفهمه يقول سيد قطب: ركبت أنا وبعض الصحبة من الإخوة سفينة نريد أوروبا فأبحرنا، قال: فحانت صلاة الجمعة، وكنت قد رأيت النصارى يقيمون بعض الطقوس التعبدية، فأخذتني الحمية الإسلامية، والغيرة على الدين؛ فجمعت زملائي، وقلت: أصلي بكم الجمعة في السفينة ليرانا النصارى، قال: فقمت فألقيت خطبة، قال: ومعنا امرأة يوغسلافية من يوغسلافيا -فرت من حرب تيتو -: فأخذت هذه المرأة تنظر إلينا وتسمع الخطبة، لا تعرف من العربية حرفاً واحداً، فأخذت تنظر، قال: وأديت الخطبة، ثم نزلت، فأديت الصلاة، فقرأت في الصلاة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فلما سلمت وإذا دموعها على خديها، فتقول للترجمان: سله كلام من هذا الذي صلى به؟ قال سيد قطب: فأخبرت الترجمان أنه كلام الله، فاندهشت وزاد بكاؤها، قال: ولم تمكنا الفرصة أن نوصل لها الدعوة، وأن نخبرها بالإسلام، فانظر إليها، فهي يوغسلافية لا تجيد حرفاً واحداً، وسرى القرآن إلى شرايينها، ووصل إلى قلبها.

стр. 843

رحلة الروح مع كتاب الله ويقول سيد قطب في سورة النجم: كنت أسمر أنا ورفقة معي بعد صلاة العشاء في القاهرة، وفجأة سمعنا صوت الراديو يرتفع بصوت مقرئ يقرأ بسورة النجم، قال: فسكتنا ننصت، فأنصتوا، قال سيد قطب: فأما أنا فسافرت روحي -وهو يجيدها لأن قلمه سيال بديع- سافرت مع المصطفى ﵊ في رحلته: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:١ - ٣] قال: ففارقت الجلاس، وهذا من باب قول ابن تيمية: "إذا جلست مع البطالين فسافر بروحك واترك جسمك معهم". أما الجسم موجود، وأما الروح فسافرت إلى بارئها: ﴿دعها فإن معها سقاءها وحذاءها، ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها﴾ قال: ثم أتاني التأثر، وقد رفع القارئ صوته، فحاولت أن أحبس عن زملائي التأثر فبكيت، قال: فلما بلغ قوله : ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٧ - ٥٨] قال: والله لقد تحول البكاء إلى هزة عضلية في جسمي، ولم أقدر أن أمسك جسمي أبداً. ولذلك انظر إلى هذا الكلام في الظلال، كأنه كلام رجل دخل الجنة، ثم أتى يكتب من الجنة، ولو أن لنا كطلبة علم ملاحظات على الظلال -والعصمة لكتاب الله في بعض الصفات وبعض المواقف، لكن الكتاب عجيب، وفيه دفعة قوية وفهم وعمق وأصالة، فرحمه الله رحمة واسعة، ولا يعفيه من أن ينتقد من كثير من العلماء خاصة في بعض المسائل، وهذا أمر له مجال وبسط آخر.

стр. 844

توضيح معاني التقوى ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] يا أيها الناس! اتقوا النار، يقولون: التقوى وردت في القرآن باتقاء الله، واتقاء اليوم الآخر، واتقاء النار ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١] ويقول : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة:٢٤]. والتقوى هي: أن تجعل بينك وبين الشيء وقاية، يقول النابغة الذبياني: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد فهذه حياة الجاهلية، حياة الربابة والعزف على الموسيقى، لم يكن فيها قرآن، ولا كان فيها أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا صحيح البخاري، ولا صحيح مسلم، بل حياة الضياع والهيام، ولا بأس بالاستشهاد بهذه، فإن فيها ملاحة، وظرفاً، وشيئاً عجيباً من شعر العرب يقول: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد فاتقتنا: جعلت بيننا وبينها وقاية، ولذلك تعريف التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. وعرفها بعض أهل السنة كـ ابن تيمية قال: هي أن تؤدي المأمور، وتجتنب المحذور وتصدق الخبر، وقال بعضهم ونسب إلى علي بن أبي طالب، وكلماته لها طريق إلى القلوب، قال: [[هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل]] وقال ابن مسعود: [[التقوى هي: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر]] وقال بعضهم: التقوى أن تعمل الحسنة على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك السيئة على نور من الله، تخاف عقاب الله، إلى غير تلك التعريفات. لكن هنا من نوع آخر قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة:٢٤] انجوا بأنفسكم، وخافوا من الله، وادخلوا في الدين، وأسلموا لله، مادمتم قد عجزتم عن معارضة القرآن؛ فلماذا لا تسلمون؟ ومعجزة رسولنا ﵊ هي القرآن.

стр. 845

تفسير قوله تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] ما هي الحجارة؟ قالوا: حجارة الكبريت الأسود، قالها كثير من المفسرين أنها الكبريت الأسود الذي تحرق به النار، وهو أشد هيجاناً، وأشد حرارة وتلهباً، حتى يوم بلغ العلم الحديث ذروته، أصبحت أكبر المصانع في العالم، مصانع الاحتراق وإذابة الحديد تستخدم الكبريت الأسود، لكن لا تستوي الناران: أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها فأعوذ بالله من نار وقودها الناس والحجارة، حتى يقول بعض المفسرين: سبحان الله! يقرن الناس وهم لحم ودم وعصب وجلد وعين وسمع وبصر، وهم مضغة بحجارة لا تسمع ولا تبصر ولا تعي، وهذا من أشد الإهانات، قال : ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤] قيل: يوقدها الناس والحجارة، وقيل: يدخل الحجارة مع الناس من قلة المبالاة بهؤلاء الكفرة. فرجل أعطاه الله سمعاً وبصراً وقلباً، ثم لا ينقذ نفسه من النار، أليس كالحجر؟ بلى. رجل لم يعرف طريق الخير فهو مثل الحجر؛ لأنه لا حياة له، له سمع لا يسمع به، وله بصر لا يبصر به، وله قلب لا يفقه به، ولذلك جعل الله منزلته كمنزلة الحجارة: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] لأن الأنعام لا عقول لها تكليفية، وأما هم فأوتوا العقول، ثم تردوا أشد من الحيوان والبهائم نسأل الله العافية والسلامة.
следующие страницы →