Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.
стр. 7876
وصية النبي ﷺ للأعرابي
في الترمذي بسند حسن: ﴿أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ -والأعراب أهل مصائب في حياته ﷺ ، الأسئلة الثقيلة، الجفاء، تعكير جو الهدوء والسكينة في المسجد، الضجة والصجة، تضييع الوقت والمحاضرات والكلمات على رسول الله ﷺ فيأتي هذا الأعرابي ويتربص بالمسجد ويدخل، ويتخطى الصفوف ويقف أمام الرسول ﵊، ما ظنكم برسول الله ﷺ وهو يتحدث إلى جماهير تريد أن ترفع لا إله إلا الله، وتنصر لا إله إلا الله، فيقاطعه هذا الأعرابي.
وفي الأخير يقول الأعرابي لما جلس الرسول ﷺ بين الناس كما رواه أهل الصحيحين عن أنس؛ يقول: أين ابن عبد المطلب -ما كأنه يعرف العلم، وما كأنه يعرف البشير النذير، فيقول الناس: ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق، الأمهق: المشوب بحمرة، المرتفق: المتكئ، فيتقدم إليه- فيقول: يا بن عبد المطلب -لا يقول: يا رسول الله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣]- فيقول: قد أجبتك، فقال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة -انتبه إن سؤالي صعب، ومشكل، إنه مدهش محير فأجبني- قال: سل ما بدا لك، فيقول هذا الأعرابي: من رفع السماء؟ -إن أكبر معجزة عند الأعراب رفع السماء، وهي معجزة حقاً- قال رسول الله ﷺ : الله.
-وهم يعرفون أنه الله- قال: من بسط الأرض؟ قال: الله.
قال: من نصب الجبال؟ قال: الله.
قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ قال: اللهم نعم.
واحمر وجهه ﷺ -إنه سؤال عظيم، داهية من الدواهي أن يسأل عن التوحيد- فيقول: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم.
ثم أخذ يسأله عن أركان الإسلام فلما انتهى ولى وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص﴾.
فقال ﷺ : ﴿أفلح الرجل، ودخل الجنة إن صدق﴾ فإذا بالتوحيد يعرض في خمس دقائق، لا عرض المنطق، ولا الفلسفة وعلم الكلام الذين تبر الله سعيهم، أتوا يعرضون العقيدة في طلاسم، فأفسدوا عقيدة الناس في قلوب الناس، العقيدة تعرض كهذا العرض، لا أحاجي، لا ألغاز، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الله لا يغفل عن المأمون الخليفة العباسي في إدخاله علم المنطق على المسلمين، إي والله، لن يغفل الله عنه، ولن يدعه -إن شاء الله- إلا بحساب، كيف يدخل علماً ماجناً خسيساً رخيصاً عند من أتوا بالوحي صافياً منقىً من السماء؟!
فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا
стр. 7877
التوحيد وحصين بن عبيد
عند أبي داود وفي مسند أحمد والترمذي بأسانيد جيدة أن حصين بن عبيد أتى إلى رسول الله ﷺ -والرسول ﷺ متوقع أن الرجل له آلهة كثيرة، لأن بعضهم له عشرون وثلاثون من الآلهة، حجارة وخشباً وطلاسم واعتقادات- فيقول ﵊: يا حصين بن عبيد! كم تعبد؟ قال: سبعة؟! قال: سبعة؟! قال: نعم.
قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض، وواحدٌ في السماء، قال عليه الصلاة السلام: فمن لرغبك ولرهبك؟ -إذا ضاقت بك الضوائق، إذا نزلت بك الكوارث، واحتدمت عليك الأمور- قال: الذي في السماء، فقال ﵊: فاترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء﴾: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴿[الزخرف:٨٤] ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].
стр. 7878
وصيته لأبي ذر بالتوحيد
وعند ابن حبان عن أبي ذر قال: ﴿قال لي رسول الله ﷺ : لا تشرك بالله، وإن قتلت، وحرقت﴾ فكل شيء إلا الشرك بالله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١١٦] هذه قطوف من وصاياه ﷺ في التوحيد، فيها اليسر والأصالة والعمق والوضوح كل الوضوح، توحيد خالص، كل كائنة تعرف أن لا إله إلا الله، اللمعة من الضوء، القطرة من الماء، الورقة من الشجر، البسمة، اللفظة، كل كائن:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
стр. 7879
باب العبادة
وأما في العبادة فإن الرسول ﵊ طرق أبواب العبادة، وأعطى كل إنسان ما يلائمه، واعلموا: أن أبواب الجنة ثمانية:
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا
وقل لـ بلال العزم إن كنت صادقاً أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا
стр. 7880
دخول أبواب الجنة بحسب العبادة
روى البخاري في كتاب الجهاد عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿قال رسول الله ﷺ : إن للجنة أبواباً ثمانية، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد -فينبري أبو بكر ﵁، وتنبري الهمة العالية- فيقول أبو بكر: هل يدعى أحد من تلك الأبواب الثمانية؟ -رضي الله عنك، إنها همة تمر مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء- فيقول ﷺ : نعم، وأرجو أن تكون منهم﴾.
فيأتي ﵊ فيطرق تلك الأبواب الثمانية لمن أراد أن يدخل من تلك الأبواب، على قوى الناس، وعلى تأهيلاتهم ورغباتهم، لأن من رغب في الذكر قد لا يرغب في الصيام، ومن رغب في الصيام لا يرغب في الصلاة، قالوا لأعرابي: ألا تصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فإن الرسول ﵊ قال: ﴿من صام ثلاثة أيام من كل شهر أذهب الله عنه وحل الصدر، وكان كصيام الدهر﴾ فقال الأعرابي: أنا في كلفة وهم من رمضان، وأزيد عليه ثلاثة أيام من كل شهر! فلما بشروه بطلوع هلال رمضان، كما يتبشر الصوام القوام، نظر إلى الهلال فكأنه يرى سيفاً في السماء، ثم قال: والله لأشتتنك بالأسفار.
стр. 7881
وصية النبي ﷺ بالإكثار من ذكر الله
الرسول ﵊ يراعي التأهيلات والقوى عند الناس فيوجههم إلى الأمور التي يمكن أن يبرعوا فيها، يأتي إليه عبد الله بن بسر، كما في الترمذي بسند حسن وإذا هو شيخ كبير يتكئ على عصاه، فتر من كبر سنه، فماذا عسى أن يقول له ﷺ ؟ هل يقول له: جاهد في أفغانستان، أو في فلسطين؟ لا ﴿قال: يا رسول الله؛ إن شرائع الإسلام كثرت علي، فأخبرني بباب أتشبث به من الأعمال -الصلاة شاقة عليه، الصيام كليف عليه- فقال له ﵊: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ لأن الذكر يلائم أهل البنية النحيلة، والذين لا يستطيعون المدافعة ولا المصاولة ولا المجاولة.
يقول ابن تيمية في وصيته لـ أبي القاسم المغربي: واعلم أنه كالإجماع بين العلماء أن الذكر أفضل وأيسر وأسهل عمل، وصدق ﵀، فالرسول ﷺ يوصي هذا بالذكر، وإن كان من وصية فالله الله في ذكر الله، فإنه والله الباب الذي يفتح على الله ، إنه الغفران والسكينة، إنه باب المعرفة والتوبة.
يقول ابن القيم في روضة المحبين: يقول تقي الدين بن شقير: خرجت وراء شيخ الإسلام ابن تيمية فلما أصبح في الصحراء من حيث أراه ولا يراني، نظر إلى السماء ثم دمعت عيناه، ثم قال: لا إله إلا الله، ثم قال:
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا
إن الذكر أعظم ما يمكن أن يتقرب به إلى الله، ولذلك كان ﷺ يوصي به فيما يقارب سبعين حديثاً صحيحاً وحسناً، ولذلك يقول ابن رجب عن أبي مسلم الخولاني الذاكر العابد، كانت لسانه لا تفتر من ذكر الله:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
يقول: دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية، فإذا أبو مسلم يتمتم بلسانه، فظن معاوية ﵁ أن الوسواس قد أصاب أبا مسلم، قال: أجنون هذا يا أبا مسلم؟ قال: بل حنون يا معاوية.
حنون إلى الله، حنون إلى روضات الخير والذكر، التي أوجدها الله ، وأبو مسلم -بالمناسبة- هو الذي وقف موقفاً حازماً أمام الطاغية الكذاب الأثيم الأسود العنسي، يوم ادعى النبوة وذكر أن جدته أوحت إليه بطلاسم وخزعبلات من الإفك والدجل والكذب على الله، فقال له الأسود العنسي: أتشهد أني رسول الله؟ قال: أشهد أنك من الكذابين الثلاثين الذين ذكرهم الرسول ﷺ ، فجمع له حطباً، وأوقد له ناراً، وألقاه في النار، لكن سلالة أهل التوحيد، وسلالة إبراهيم ﵇ ما انقطعت أبداً.
قال وهو يلقى في النار: حسبنا الله ونعم الوكيل، فإذا بعناية الله التي كانت لإبراهيم تتكرر ثانية: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] وكانت برداً وسلاماً على أبي مسلم الخولاني، فاستقبله الصحابة لما نجا من النار، قال الأسود العنسي: هذا ساحر أخرجوه من اليمن، واستقبله عمر بحفاوة أيما حفاوة، وقال: حيهلاً بمن جعله الله شبيهاً بإبراهيم الخليل.
стр. 7882
وصية النبي ﷺ أحد أصحابه بالجهاد
ويأتي ﵊ إلى رجل مجاهد، عنده عضلات تؤهله إلى أن يضرب بسيف الله، وإلى أن ينتقم من أعداء الله، هو غيلان الثقفي كما عند أبي داود ﴿فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ قال: عليك بالجهاد في سبيل الله﴾ الجهاد في سبيل الله، رفع راية الله، سكب الدم الغالي، لرفع لا إله إلا الله.
ويأتيه أبو أمامة، فإذا هو صابر محتسب، فيقول: ﴿دلني يا رسول الله على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ فيقول: عليك بالصيام فإنه لا عدل له﴾ رواه أحمد، لأنه ﵊ يعرف أن أبا أمامة من الذين يستطيعون الصيام، ومن الذين يثابرون على الصيام، فبابه باب الصيام، فلا مشاحاة في الأبواب، بل ادخل وحاول أن تدخل، لكن انظر إلى الباب الذي يناسبك، وتستطيع أن تستمر فيه.
стр. 7883
رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه
عند الترمذي والإمام أحمد من حديث معاذ ﵁ وأرضاه، قال: ﴿كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة -قال بعض الحفاظ: غزوة تبوك - فاقتربت منه، قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يقربني من الجنة، ويباعدني عن النار؟ -ما أحسن السؤال! وما أحسن الإيراد! وما أعجب المقال! - فقال ﵊: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ فاسمع إلى مؤهلات الجنة، واسمع إلى الأبواب التي توصل إليها، واسمع إلى هذه الخصائص التي أتى بها محمد ﷺ ، والمفاتيح التي تدخلك أبوابها، لا الشهادات!! لا المؤهلات!! لا المناصب!! لا الجاه والشهرة والرياء والسمعة!! كلها تسقط هباءً منثوراً: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].
قال ﵊، وهو يتحدث عن الأعمال الموصلة إلى الجنة: ﴿تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصيام جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا ﵊ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] ثم واصل الوصية ﵊، فقال: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا، وأخذ بلسان نفسه، فتعجب معاذ -أفي الكلام حساب وعقاب؟! أفي المقال نكال وعذاب؟! - فقال: يا رسول الله! أئنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال ﵊: ثكلتك أمك يا معاذ -إلى الآن ما فهمت هذه القضية- وهل يكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال: على أنوفهم- إلا حصائد ألسنتهم﴾ هذه وصية أهداها ﷺ ، تحمل العبادات، بل مفاتيح الجنة.
стр. 7884
كثرة السجود
ويأتيه ﵊ شباب فتيان متقاربون في السن، فيقول: ما حاجتكم؟ -فأهل الأموال طمعوا في الأموال، وأهل الجاه طمعوا في الجاه، وأهل الثياب طمعوا في الثياب، لأن بعض الناس يرضيه أن تكسوه ثوباً، لا أن تهدي له علماً أو نصحاً أو فائدة- فأعطى ﷺ كل إنسان منهم ما يريده، إلا ربيعة بن مالك ﵁ قال: ﴿كنت أبيت مع النبي ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال يا ربيعة سل، قلت: أسألك مرافقتك في الجنة؟ قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك.
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾ رواه مسلم، وفي لفظ آخر: ﴿فإنك لن تسجد لله سجدة، إلا رفعك بها درجة﴾.
كلما سجدت لله سجدة رفعك بها الله درجة، إن عظمتك أيها المسلم، وسموك وإخلاصك ونصحك أن تكرم وتعفر هذا الوجه بالسجود لله، فوالله ثم والله ثم والله إما أن تسجد لله، أو تسجد لغير الله، إما أن تسجد للواحد الأحد، أو تسجد لمنصبك، ولبطنك، ولشهوتك، ولزوجتك، ولذلك يقول ﵊: ﴿تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار﴾ فسماه عبداً؛ لأنه عبد هواها وعشقها، وأحبها حباً جماً.
فإما أن تكون عبودية لله، وإما أن تكون عبودية للهوى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣]:
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
стр. 7885
إزالة الأذى من طريق المسلمين
يأتي أبو برزة كما عند الترمذي، فيقول: ﴿يا رسول الله! دلني على عمل؟ قال: أزل الأذى عن طريق المسلمين﴾ إن أبواب الخير عدد الأنفاس، لكن أين السالكون؟ إن طرق السعادة عدد الشعاع، ولكن أين الماضون؟ إن مفاتيح الخير لا تعد ولا تحصى، ولكن أين الفاتحون؟ أين الذين يريدون الله؟ أين الذين يريدون ما عند الله ؟ إن هذه الطرق سلكها وأوصى بها ﷺ ، ولكن بثلاث خصائص: بالأصالة والعمق، والإيجاز والاختصار، ثم بمراعاة الحال.
стр. 7886
باب الزهد
ويأتي ﷺ إلى الزهد، والناس في الزهد بين غال وجاف، وأحسن من عرفه -فيما أعلم- شيخ الإسلام ابن تيمية، لأن بعض الناس قال: أن تزهد في الحرام، إذا: فما زهدت إذا لم تزهد إلا في الحرام، لأن الدنيا أكثرها حلال إذاً: فابتن ما شئت، واسكن فيما شئت، وكل ما شئت، والهى بما شئت، فإذا لم يكن الزهد إلا في ترك الحرام فلا زهد في الدنيا، وقال غيرهم: الزهد في المباحات وأخطئوا، وقال غيرهم: الزهد ألا يكون عندك شيء، وهؤلاء هم غلاة الصوفية الذين يتربع أحدهم إلى تلاميذه، فيقول: الحمد لله أصبحنا وأصبح الملك لله، قالوا: ماذا حدث؟ قال: تذكرت البارحة ما أكلت رطباً من أربعين سنة!! ومن أحرمك الرطب من أربعين سنة، والرسول ﷺ أكل الرطب، وأكل اللحم، وتزوج النساء، ونام، وقام، وأكل الحلوى والعسل، فهل أنت أفضل منه!
يقول الذهبي لما قال رجل من غلاة الصوفية: لقد جعت ثلاثة أيام، فرأيت صوراً غريبة عجيبة أمام عيني، فاستبشرت بذلك!! قال الذهبي معلقاً: والله ما كانت صوراً ولكن عقلك خاش وفاش من الجوع، فتصور لك الشيطان، إنهم يخيسون من الجوع، فيأتون بوساوس ويقولون: إلهامات، حتى ما بقي عليهم إلا أن يقولوا نزل عليهم جبريل ﵇، فأوحى إليهم وحياً، وإنما نزل عليهم ما نزل على مسيلمة الكذاب في اليمامة، يوم أن أخرج الوساوس من رأسه سيف الله خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه.
стр. 7887
حقيقة الزهد عند ابن تيمية
يقول ابن تيمية الزهد هو: ترك ما لا ينفع في الآخرة، جملَّ الله حالك، وبيض وجهك، وهل التأليف إلا هذا! وهل الكلام إلا مثل هذا! هو ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة، أما ما ينفع فالزهد فيه حمق وجنون وسفه، فكل ما ينفعك فلا تزهد فيه، لأنه يقربك من الله، ويقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: تركت أكلات كنت آكلها عجيبة طرية شهية -يسيل معها اللعاب، هذه من كيسي ليست من كيسه- فما استطعت أن أقوم الليل، ولا أن أقرأ القرآن، فعدت إلى مألوفي في الطعام، فقرأت خمسة أجزاء في كل يوم.
إن بعض الطعام والمنام والملبس والمسكن والمركب يعينك على تقوى الله، فتركه ليس من الزهد، وأبواب الزهد التي طرقها ﷺ ما يقارب أربعة أبواب: زهد في الدنيا وفي الحطام، وزهد في الإمارة والشهرة، وزهد في الناس وما أدراك ما الناس؟ وهي الخلطة التي يكسب منها الرياء والسمعة، ثم زهد الملهيات والمضيعات.
стр. 7888
الزهد في الدنيا
أما أروع حديث في الزهد فهو لـ ابن عمر في البخاري، يقول: كنت في السوق، فأخذ ﷺ بمنكبي وقال: ﴿يا عبد الله! كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل﴾ فارتسمت هذه الكلمة في ذهن عبد الله ﵁ وأرضاه، نسي كلام الناس إلا هذه الكلمة ﴿كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل﴾ فكان غريباً بمعنى الكلمة، ترك كل شيء بمعنى الغربة التي يريدها ﷺ ، حتى كان يسجد في الحرم ويمرغ وجهه وهو يبكي ويقول: [[اللهم إنك تعلم أني ما تركت الخلافة لقريش إلا من مخافتك]] إي والله، وإلا فباستطاعته أن ينال الخلافة، فإنه ابن عمر بن الخطاب:
نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا
فترك هذا لأن الرسول ﷺ قال له: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل﴾ فكان دائماً غريباً في ملبسه وخلطته وكلامه، وبيته، وكان غريباً في منهجه، يقول: ما شبعت منذ فارقت رسول الله ﷺ أربعة عشر سنة، يأكل دون الشبع وفوق الجوع، أورد ذلك ابن رجب في جامع العلوم والحكم.
ولذلك أتاه رجل من أهل العراق، فما وجد هدية إلا جوارش، والجوارش حبوب تحبب الأكل إلى الإنسان ليأكل أضعاف ما كان يأكله، لئلا يبقي شيئاً في الصحفة ولا في القدر، فأتى لـ ابن عمر ﵁ وقال: هذه جوارش يا عبد الله قال ابن عمر: وما الجوارش؟ قال: حبوب تحبب لك الأكل، وتضريك على الطعام، قال: والله ما شبعت منذ فارقت رسول الله ﷺ وتريدني أن أشبع الآن؟ فلسنا في هذا الكلام، ولا في هذا المنهج، ولكن انظر كيف وجهه ﷺ إلى الزهد في الدنيا عامة.
стр. 7889
الزهد فيما عند الناس
عند ابن ماجة بسند حسن، عن سهل بن سعد قال: ﴿أتى رجل إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس﴾ إن السؤال يدل على السائل، ولذلك تكتشف عقل الرجل ونباهته ويقظته من سؤاله وإيراده، وبعض الناس يبهر بالمظهر، فإذا تكلم فإذا هو ليس بذاك، فيعود إلى تقويمه وإلى وزنه:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
جاء رجل إلى أبي حنيفة، فإذا عليه لباس ما شاء الله تبارك الله، طول وجسامة وثياب براقة لماعة، وعمامة مكورة، فجلس أمام أبي حنيفة وكان أبو حنيفة ماداً رجله اليمنى، فردها متأدباً مع هذا الرجل الداهية، فطال المجلس، وأبو حنيفة مستحٍ متوقر خجول، فالتفت إلى الرجل فقال: ألك حاجة؟ قال: الرجل سؤال يا أبا حنيفة، سؤال أكربه وأسهره في الليل، قال: ما هو سؤالك؟ قال: متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس، قال: فإذا لم تغرب الشمس إلا نصف الليل فمتى يفطر؟ فمد رجليه وقال: آن لـ أبي حنيفة أن يمد رجليه كلتيهما، ليست رجلاً واحدة.
وهل يأتي الليل إلا بعد غروب الشمس، فالرجل من عقله وحصافته يقول: ﴿دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس؟ قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾ كأن السؤال على وزن الجواب، لا زيادة ولا نقص، لكنه أعظم وأنفع وأبرك وأنور، فهذه وصاياه ﵊ في الزهد في الدنيا.
стр. 7890
الزهد في الإمارة
وأما في الإمارة فالرسول ﷺ كان يتطلع في الصحابة، ومن غرائز الناس حب الشهرة، وحب الظهور، وحب الترأس، نسأل الله العافية والسلامة.
ذكر الذهبي في ترجمة عبد الله بن الزبير: أنه ﵀ ورضي عنه كان يحب أن يتقدم ويتصدر، حتى أرسله أبو بكر ﵁ بسارق ليؤدبه هو وشباب معه من المدينة، فذهبوا به إلى ضاحية، فقال: من أميركم في هذه الرحلة؟ يريد أن يقولوا: أنت، فقالوا: أنت فأخذ يأمر فيهم وينهى من المدينة حتى عاد إلى المدينة.
فالمقصود: أن الرسول ﷺ كان يلمح في وجوه أصحابه هذه الغرائز، فكان يعالجها ويداويها ﵊، أتى له عبد الرحمن بن سمرة العبسي القرشي الشهير، كما في الصحيحين فقال ﷺ وهو يوصيه: ﴿يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة -احذر- فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إلى نفسك، وإن أعطيتها بلا سؤال أعنت عليها﴾ فكان يقول ﷺ : احذر الترأس، احذر التصدر وازهد، وبالفعل كان هذا الرجل لا يحرص على الإمارة، وأخذ بوصية الرسول ﷺ ، فرزقه الله الإنابة، وكان أميراً وهو الذي فتح سجستان، فاسألوا عن سجستان، واسألوا كابول، واسألوا عن الذين عفروا وجوههم هناك سجداً لله، وسكبوا دماءهم هناك لتشهد لهم عند الله، من هم إلا أصحاب محمد ﷺ :
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
ومن رمى نار المجوس فأطفأت وأبان وجه الصبح أبيض نيراً
فهم أصحاب رسول الله ﷺ .
وعند الترمذي وغيره من أهل السنن قال: ﴿قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ -ما هو الأمر الذي ينجيني من عذاب الله- فقال ﵊: كف عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك﴾ وكانت من أعظم الوصايا له وأرضاها، فأوصاه بقلة الخلطة التي لا تنفع، وتضيع الوقت، يوم لا وقت عند المسلمين إلا في الهراء، والغيبة والنميمة، وشهادة الزور، الوقت الذي أصبح أرخص سوق له هو السوق عند المسلمين، وأصبحوا يتعاملون بالوقت أرخص من الدراهم والدنانير، ونسوا قوله ﵎: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
فأين الوقت يا أمة الوقت؟ وأين الساعات الطويلة التي كل ساعة كفيلة بأن ينتج فيها العالم كتاباً، والداعية دعوة، والتاجر تجارة رابحة، والمعلم مهنة طيبة، أين هذه؟ إنها ساعات رخيصة، إن شيخ الإسلام ابن تيمية -كما تعلمون- ألف كتاب التدمرية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، وجئنا لندرسه فأخذنا فيه سنة وما فهمناه التدمرية: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥].
هذا الوقت الصغير القصير لا يتحمل إلا قيلولة عند المترفين منا، ويضيع الوقت من صلاة العصر إلى صلاة المغرب في شرب الشاي، وأما من المغرب إلى العشاء ففي الجولات والصولات التي لا تنفع في دنيا ولا في آخرة، وأما من بعد العشاء، ففي السهرات وما أدراك ما السهرات وما السمرات في أعراض الأحياء والأموات!! ولا تنفع هذه الأوقات إلا أن تؤهل بتأهيل الله ، يقول ﵊: ﴿لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع﴾ وذكر العمر والشبابا.
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
يقولون -كما تعرفون ذلك-: إن ابن عقيل الحنبلي ألف كتاب الفنون ثمانمائة مجلد في وقت الراحات، ولذلك كان هذا الكتاب عجباً من العجب، ما ألفه إلا في أوقات الراحة، فهل نستطيع أن نقرأ ثمانمائة مجلد.
стр. 7891
باب الأدب والأخلاق
وأما العنصر الرابع من أبواب وصاياه ﷺ فهو باب الأدب والأخلاق، كيف طرق ﷺ هذا الموضوع؟ وكيف أهدى وأسدى لهذه الأمة ما يكفيها وما يشفيها، نحن لسنا بحاجة -نقولها صراحة وبقوة وبشجاعة وبعمق- إلى علم النفس الذي يرد علينا من الغرب، ولا التربية، ولا علم الكلام، تربيتنا وعلم نفسنا من كتابنا وسنة نبينا محمد ﷺ ، فلا حاجة لنا بغيرهما، فقد أغنانا الله بما عندنا، فلا نورد المريض على الصحيح، إنهم مرضى، فكيف نستشفي من المرضى؟! إنهم موتى فكيف نطلب الحياة من الموتى؟! إنهم جوعى فكيف نطلب الشبع من الجوعى؟! لا والله:
والمستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
يقول ابن تيمية -وقد تكررت هذه الكلمات في مناسبات-: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أُرسل به محمد ﷺ ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه وله عذاب أليم.
أحكامنا وآدابنا وأخلاقنا وعقيدتنا وسلوكنا وشئون حياتنا في كتابنا وسنة نبينا ﷺ ، فلا نحتاج إلى غيرنا أبداً، نحن نصدر إلى الأمم ولا نستورد، نحن نعطي ولا نأخذ، نحن نوجه ولا نتوجه إلا من الله الحي القيوم، لأننا خير أمة أخرجت للناس، فالرسول ﵊ كان يأمر بحسن الخلق.
أتاه أبو ذر كما في الصحيح -ولم يسمه في الصحيح- فقال: ﴿يا رسول الله أوصني -والرسول ﷺ يعرف ما هو مرض هذا الرجل وداؤه المزمن، ويعرف العلاج الذي ينبغي أن يصرف له- فقال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب﴾ فكانت هذه وصيته ﷺ ، وعلم فيما بعد أن بلية هذا السائل من غضبه ﵁ وأرضاه، لا يتحمل، لأن فيه حدة متناهية، فأراد ﷺ أن يضع العلاج، وأن يضع الدواء على الداء، فقال: لا تغضب لأنه يغضب، أما أن يأتي إلى إنسان قطع الحلم جنبيه، ومزق فؤاده وأصبح لا يغضب أبداً، يستغضب ولا يغضب، ويضرب على رأسه وهو يضحك، فيأتي ويقول: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب، قال: لا تغضب، أو يأتى إلى إنسان يغضب من مر الهواء، ومن شرب الماء، فيقول: عليك أن تقلل من الحلم، وعليك بالحزم، وعليك بالصرامة، فليس هذا من هديه ﷺ ، ولا من وصاياه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥] قال: لا تغضب.
وقال له معاذ كما في الترمذي: ﴿يا رسول الله أوصني؟ قال: أحسن خلقك للناس﴾ وقد كان معاذ ﵁ وأرضاه، يُرى فيه بعض الحدة، فقال له ﷺ : ﴿أحسن خلقك للناس﴾ وقال لرجل آخر كان مغضباً دائماً، لا يلقى الناس إلا مكفهراً مشمراً غضباناً صئولاً جريئاً كأن القيامة قامت، لا يتبسم أبداً، فقال: ﴿يا رسول الله! أوصني؟ قال: عليك بالمعروف، ثم قال ﵊، ولو أن تبسط وجهك لأخيك، وعند أحمد: ولو أن تسلم على أخيك ووجهك منبسط إليه﴾.
ويقول ﵊ لثالث: ﴿لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلق أخاك بوجه طليق﴾ وفي لفظ: ﴿بوجه طلق﴾ وكلها تؤدي إلى أن تنبسط وجوه الأحباب إلى الأحباب، وأن يتخالق الناس ويتعاملوا بالود والمحبة، وأن تتعلم تلك الوجوه التي تكفهر في وجوه الناس ولا تبتسم أن الله لا يرفعها بالتزمت، ولا بالغضب، ولا يرفعها بالاكفهرار، إنما بالبسطة والخلق، وعقلاء العرب قبل الإسلام مجمعون على أن بسطة الوجه من الكرم.
يقول أولهم:
تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله
فالرسول ﵊ في جانب الأدب والخلق كان يوجه الناس إلى ما يرفعهم عند الله.
ولذلك يقول كما في السنن: ﴿إن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم﴾ ويقول كما عند الترمذي: ﴿ألا أنبئكم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون﴾.
وضرب ﷺ الأسوة والقدوة في كل وصية أوصى بها: في التوحيد، فهو الذي أنزل الله عليه التوحيد، وفي العبادة فهو أعبد الناس لرب الناس، وفي الزهد فهو أزهد الناس في الحطام، ما خلف شيئاً، وإنما خلف رسالة وأمة ومنهجاً ربانياً قائماً، وفي الخلق فهو أحسن الناس خلقاً، يقول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] عظيم صبرك، وحلمك، وتواضعك عظيم، وأي خلق فوق خلقه ﷺ ؟! يقول أنس ﵁ وأرضاه: ﴿كان ﵊ أحسن الناس خلقاً﴾ ويقول جرير بن عبد الله ﵁ وأرضاه: ﴿ما رأيت رسول الله ﷺ إلا تبسم في وجهي﴾ ويقول أبو سعيد الخدري كما في الصحيحين: ﴿كان ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها﴾ ويقول بهز بن حكيم: ﴿كان رسول الله ﷺ ألين الناس عريكة﴾ ويقول عبد الله بن سلام: ﴿لما رأيت وجهه ﷺ وهو منبسط، قلت: والله ما هذا بوجه كذاب﴾.
حتى يقول ابن رواحة لما رأى ذلك الوجه المشرق المنبسط:
لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبئك بالخبر
فهذا شيء من وصاياه، وإنها لطويلة وكثيرة، ومن أراد وصاياه فليعد إلى كتب السنة، وليعش مع رسول الله ﷺ ، ليعش مع العلم الأصيل، ومع الثروة الغزيرة النافعة النفاذة، ليعش مع الرياض المؤنقة، رياضه ﵊، فإنه لا خير إلا عنده، ولا نور إلا من مشكاته، ولا ماء صافياً إلا من نبعه، وأما المصادر الأخرى فقد جربت، إنها كدرة مشوبة.
فيا أمة الإسلام!! ويا أبناء من حملوا لا إله إلا الله في ديار الإسلام، ويا من يريد الوصايا، هذه وصاياه ﷺ لأصحابه ولكم، ولكل مسلم يريد الله والدار الآخرة.
لكل من يريد الله، ويريد ما عند الله، فاقبلوها وادخلوا أبواب الجنة فقد فتحت لكم: فحي هلاً بكم، فمن كان من أهل الذكر فالذكر نصيبه، ومن كان من أهل الصيام فالصيام حظه، ومن كان من أهل الصلاة؛ فالصلاة له، وما أحسن أن تضرب من كل غنيمة بسهم، وأن تشارك مع المصلين في صلاتهم، فإذا أنت الخاشع العابد، وأن تشارك مع الذاكرين في ذكرهم، فإذا أنت الشاكر الذاكر، وأن تشارك مع المجاهدين في جهادهم؛ فإذا أنت البطل المقدام، وأن تشارك مع الصوَّام في صيامهم؛ فإن خلوف فمك أطيب من ريح المسك.
تقبل الله منا ومنكم أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا وسيئاتكم في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
أسأل الله كما جمعنا هنا في روضة طيبة طاهرة، أن يجمعنا هناك في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يوم أن نرى ربنا ، ويوم نرى رسولنا ﷺ ، ويوم نرى مفاتيح الخير أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، ورسل السلام وقواد لا إله إلا الله، وحملتها، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 7892
الأسئلة
стр. 7893
قصيدة في الزهد
السؤال
هناك أسئلة كثيرة توالت تطلب أن تسمعنا شيئاً من قصائدك الأولى نكل الاختيار فيها إليك، والثانية نختارها نحن؟
الجواب
أخاف أن تختار أنت ما أريد أن أختاره أنا، أما القصيدة الأولى التي أختارها والتي تناسب هذا المقام فهي الدمعة الخرساء، تنسب إلى علي ﵁ وأرضاه، وقيل: لـ إبراهيم الصولي، ولا يضرنا لهذا أو لهذا قال:
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الموت نبنيها
فاعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها
فعلى هذا المنوال قلت:
دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها
عارَّية المال قد ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها
والأينق العُصْر قد هضت أجنتها وثلة المرء قد ضجت بواكيها
يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها
هامت إليك فلما أجهدت تعباً رنت إليك فحنت قبل حاديها
إذا تشكت كلال السير أسعفها شوق القدوم فتعدو في تدانيها
حتى إذا ما بكت خوفاً بخالقها ترقرق الدمع حزناً من مآقيها
لا العذر يجدي ولا التأجير ينفعها وكيف تبدي اعتذاراً عند واليها
فإن عفوت فظني فيك يا أملي وإن سطوت فقد حلت بجانيها
إن لم تجرني برشد منك في سفري فسوف أبقى ضليلاً في الفلا تيها
стр. 7894
القصيدة البازية
السؤال
فضيلة شيخنا ووالدنا الشيخ عبد العزيز بن باز رجل تمثلت فيه أخلاق السلف، ونطقت من أفعاله، وأطبقت القلوب على محبته، ولشيخنا الشيخ عائض قصيدة في مدح الشيخ عبد العزيز بن باز نرجو أن يتحفنا بها؟
الجواب
هذه القصيدة تعرف: بالبازية، نسبة إلى الشيخ عبد العزيز بن باز، وقد سبقني أحد الشعراء المصاقيع المناطيق، في مدح فضيلة الشيخ، وأعرف شعراء منهم تقي الدين الهلالي العالم الكبير المحدث، يقول في قصيدة له طويلة:
خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل باز إنهم بالثناء أحرى
وزهدك في الدنيا لو ان ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرى
أما المجذوب فهو الذي ذكر الباز في قصيدته فقال فيها:
روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهم
فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجم
فلم أرَ بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي
وقصيدتي البازية قلت:
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي
والمدح يا والدي في غيركم كذب لأنكم لفؤادي بلسم شافي
يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي
يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافي
مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي
وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولع بإرجاف
بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إشراقه الضافي
تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصداف
أقبلت في ثوب زهد تاركاً حللاً منسوجة لطفيلي وملحافي
تعيش عيشة أهل الزهد من سلف لا تبتغي عيش أوغاد وأجلاف
أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي
كالشدو تملك أشواقي وتأسرها بنغمة الوحي من طه ومن قاف
ما أنصفتك القوافي وهي عاجزة وعذرها أنها في عصر أنصاف
يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعاف
يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلاف
стр. 7895
قصيدة في مدح الأفغان
السؤال
طلب القصائد كثر، ويخيل إلي -أيضاً- أن الوجوه لا زالت تطلب، أن تؤثر بقصيدة ثالثة، ما رأيك يا شيخ؟
الجواب
أصبحت أمسية، كنا نظن أنها محاضرة، فتحولت بحفظ الله إلى أمسية.
هذه مقطوعة في جهاد المجاهدين الأفغان:
مروا بقلبي فقد أصغى له البان لي في حمى الحب أصحاب وخلان
نعم لك الله ما قد تبت من ولهٍ أما لكم صاحبي صبر وسلوان
أنا يراعتك اللاتي كتبت بها رسالة الحب ما في ذاك نكران
دع ذا وهات قوافٍ منك صادقةً لأمةٍ مجدها بالأمس فينان
والله لو أنصف التاريخ أمتنا لسجل المدح حسناً وهو سهران
كنا نمر ونار الحرب موقدةٌ ونمتطي سفناً والبحر غضبان
الصانعو الزهد والدنيا بحوزتهم يروي علاها أبو ذر وسلمان
والساكبو العلم من مشكاة دوحتهم علم ابن عباس ياقوتٌ ومرجان
قطوف آدابنا بالبر يانعة إذا تحاكى لها المنطيق حسان
مجالس العلم تروي كل قصتنا إن قلت حدثنا يحيى وسفيان
وإن طلبت مثالاً من أرومتنا يكفيك عن مضرب الأمثال أفغان
يا أمة النصر والأرواح أفنان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا
هم الرعود ولكن لا خفوت لها خسف ونسف وتدمير وبركان
كم ملحد ماجن ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجان
وبلْشفيٍ أتى كالعير منتخياً رأى المنايا فأضحى وهو جعلان
ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بشعبه لشراها وهو جذلان
فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ
يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرصان
سياف في حكمه شاه بمملكة لها من الدهر طول الحق برهان
стр. 7896
كتب في الوصايا
السؤال
هل هناك كتب مؤلفة في موضوع الوصايا النبوية؟
الجواب
أما هذا الموضوع؛ فأعرف فيه رسائل اسمها: الوصايا الخالدة، ولو أنه جمع بعض الأحاديث الموضوعة وخلطها بالصحيحة وسيرها للناس، وهذا يحتاج إلى تمحيص، وهنالك كتابات لـ ابن رجب في وصاياه ﷺ ، أو الأحاديث التي أوصى بها مثل: احفظ الله يحفظك، اسمها: الاقتباس في وصية الرسول ﷺ لـ ابن عباس، وبعض الوصايا التي كتب عنها ابن رجب مثل جامع العلوم والحكم، أما كتاب يجمع الوصايا فما أعرف في ذلك شيئاً.
стр. 7897
كتب أنصح بقراءتها
السؤال
سؤال تكرر كثيراً عن الكتب التي تنصحون بقراءتها؟
الجواب
الكتب التي أنصح بقراءتها، أول ما أنصح به وهو بإجماع المسلمين ومن يريد الله والدار الآخرة كتاب الله ، أن يتدبر، وأن يقرأ، وأن يفهم وأن يعمل به، ثم الكتب الستة التي عليها مدار رحى الإسلام، وفيها رسالة الرسول ﷺ ظاهرة شاهرة باهرة، وهي الصحيحان، وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة، وسنن النسائي، ومن وسبَّع بـ المسند فما أخطأ، ومن ثمن في كتب العلم بالحديث فما ضل سواء السبيل، بل اهتدى -إن شاء الله- كثيراً.
ثم كتب ابن تيمية وابن القيم وابن كثير، وليست العبرة بكثرة الكتب، ولكن العبرة بالقراءة، فإن بعض الناس قد يجمع كتباً في بيته لكنه يجعلها ديكوراً وزينة ومظهراً ومنظراً ورياءً وسمعةً نسأل الله العافية، إنما العبرة بالقراءة والاطلاع والهضم والعمل.
стр. 7898
كيفية التعامل مع الأقارب والأصدقاء العصاة
السؤال
تكررت أسئلة وهي يوجود أقارب أو أصدقاء أو إخوة في البيت يرتكبون بعض المعاصي، نصحوا فلم ينتصحوا، فما تنصحون تجاههم؟
الجواب
مما يجب على الداعية: العلم والحكمة، فإن من يدعو بعلم بلا حكمة يضر بدعوته، ومن يكن عنده حكمة بلا علم فليس له قبول، فالذي أنصح به الحكمة مع الفقه في الدين، وهؤلاء أهل المعاصي على طبقات، فإن من يسبل إزاره لا يعامل معاملة تارك الصلاة، فإنه لا بد من حكمة في هذا، ووضع الناس في مواضعهم.
أما نصيحتي لك مع أقاربك فأولاً: أن تنهج منهج الرسول ﷺ وهو الحكمة، ولين الجانب، والمعاملة الطيبة، عل الله أن يهديهم على يديك: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول في الرسول ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
فأول وسيلة الصبر والحكمة، فإذا لم تجد هذه وقد صبرت أياماً وأشهراً وفترة وردحاً من الزمن فعليك بالهجر الجميل، والهجر الجميل فعله ﷺ ، وأوصاه الله به، قال ابن تيمية: الهجر الجميل هو الذي لا أذى فيه، لأن في القرآن صبر جميل، وهجر جميل، وصفح جميل.
فالهجر الجميل الذي لا أذى فيه، فإذا لم يجد الهجر الجميل فالمقاطعة، لكن بعد أن تبين له بالطرق وبالصبر وبالحكمة، ثم تهجره، فقد يؤثر فيه الهجر كما فعل ﷺ مع بعض الصحابة، ثم إذا لم يجد هذا فالمقاطعة بشرط أن يكون هذا العمل مما يقاطع عليه كترك الصلاة، أما الذنوب والخطايا التي يقع فيها الناس فعليك بالمناصحة له والصبر عليه، كالغيبة وكاللغو وكالفجور في اليمين، وغيرها من الذنوب التي لا يخلو منها الناس.
стр. 7899
علاج الهموم والأحزان
السؤال
انتشرت في هذه الأزمان الأمراض النفسية، وهي تعالج بعلاج مستورد من دول الغرب الفاقدة للعقيدة والإيمان، وفاقد الشيء لا يعطيه، فضيلة الشيخ: الهم والحزن وضيق الصدر هل يمكن معالجته؟ أو ثمة علاج ممكن أن توجه إليه؟
الجواب
نعم؛ إذا تيقن كل مسلم -يعيش لهذا الدين، ويستظل بمظلة هذا الدين- أنه لا شفاء ولا نور ولا هداية ولا علاج للمسلم ظاهراً وباطناً إلا في كتاب الله ، وفي سنة رسوله ﷺ ، ومن يدعي هذه الأمور، أو يظهر الاحتياج إليها فكأنه يقول بلسان حاله: إن في ديننا نقص، إن في كتابنا نقص، إن في سنة نبينا ﷺ ثلم، وقد أخطأ سواء السبيل، وغلط غلطاً بيناً، بل الشفاء والعلاج في كتاب ربنا وفي سنة نبينا ﷺ .
فأما هذا الموضوع بحد ذاته وبعينه وهو موضوع الهم والحزن والغم فقد عالجه القرآن أيما علاج، وذكر الله أنه نجَّا موسى من الغم لما دعاه، وأنه نجَّا يونس من الغمِّ والكرب لما ناجاه بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] ونجا الله كثيراً من المكروبين لما دعوه، والتجئوا إليه، فهو كهف الملتجئين، وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿دعاء الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم﴾.
وعند أبي داود عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من قال: لا إله إلا الله سبحانك إني كنت من الظالمين -وفي لفظة له: دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين- ما قالها مهموم إلا فرج الله همه﴾ أو كما قال ﵊.
وفي سنن أبي داود أنه ﷺ قال: ﴿من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل همّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب﴾ فعلاجنا وعلاج همومنا وغمومنا وأحزاننا وما نجده من كرب ومن زلازل ومحن وفتن، إنما هو القرآن وسنة الرسول ﷺ ، لكن إذا أحسن الاستشفاء بالكتاب والسنة من قلب مقبل على الكتاب والسنة، فطلب الشفاء كل الشفاء من القرآن، وعند الترمذي بسند حسن قال: ﴿كان النبي ﷺ يقول إذا اهتم: اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي، وذهاب حزني﴾.
فهذه هي البلاسم، وهذه هي العلاجات، وهذا هو الدواء: قراءة القرآن بتدبر، الاستشفاء بالفاتحة، الارتقاء بالمعوذتين وقل هو الله أحد، بهذه الآيات البينات عل الله أن يزيل الهم والغم والحزن:
وناد إذا سجدت له اعترافاً كما ناداه ذو النون بن متى
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
فأي علاج عند الخائفين المنكوسين، وأي علاج عند المرتكسين على رءوسهم في الضلالة والعمالة والجهالة، أيطلب الشفاء من المريض! إنما يطلب منهم من هو من أمثالهم وأضرابهم وأشكالهم الذين أعجبوا بهم، فهم يحشرون معهم، ﴿والمرء يحشر مع من أحب﴾ فنحن نسأل الله أن يجعلنا ممن نحبه، ونحب رسوله، وأن يشافينا ويعافينا بكتابه وسنة نبيه ﷺ .
стр. 7900
صحة الحديث: (أنزلوا الناس منازلهم)
السؤال
فضيلة الشيخ حفظك الله: قرأت حديثاً للرسول ﷺ معناه: ﴿أنزلوا الناس منازلهم﴾ أرجو توضيح مدى صحة هذا الحديث، وإذا صح؛ فهل معناه أن الدين الإسلامي يفرق بين الناس؟
الجواب
قوله ﷺ : ﴿أنزلوا الناس منازلهم﴾ في مقدمة الإمام مسلم للصحيح عن عائشة قالت: ﴿كان ﷺ ينزل الناس منازلهم﴾ وهذا الحديث رواه أبو داود ووصله، وسنده حسن، فما دام صح هذا الحديث وقبل فمعناه والله أعلم: أي اجعلوا لكل شخص ما يناسبه من التبجيل والإكرام والتقدير والاحترام، وهذا في الآداب والحقوق، وهذا في السلوك لا في المقاضاة، فإنه ليس معنى أن ننزل الناس منازلهم أن يأتي كبير غني وفقير متخاصمان، فننزل ذاك منزلته ونعطيه حق هذا الفقير، هذا إجحاف وهذا مناف لمعنى الحديث، فهذا معناه في الآداب وفي الحقوق العامة، أن نعطي كل إنسان ما يناسبه، فإن بعض الناس يناسبه أن تجلسه في صدر المجلس، وبعضهم لا بأس أن تجلسه في طرف المجلس، وبعضهم يناسبه أن تمشي وتشيعه ماشياً حافياً وأن تقدم حذاءه له لعلمه وجلالته وفضله وتقواه ونبله، فلا بأس بذلك.
فإنزال الناس منازلهم إعطاء كل ذي حق حقه، وعند مسلم في كتاب الصدقات: ﴿أن عائشة ﵂ وأرضاها جاءها فقير فأعطته درهماً، فجاءها رجل أحسن حالاً من الفقير الأول فأعطته ديناراً، فسئلت عن هذا فأجابت: أن الرسول ﷺ كان ينزل الناس منازلهم﴾ إذاً: معناه أن نعطي كل إنسان ما يستحق، وأن نتفضل على الناس بما يناسبهم.
يقول الإمام الشافعي كما في ترجمته في سير أعلام النبلاء: ما رفعت إنساناً فوق مقامه إلا حطني عن مقامي أو كما قال، فالمقصود: أن نعطي كل ذي حق حقه، لا نجحف ولا نقصر والله ولي الهدى والرشاد.
стр. 7901
حكم الفوائد الربوية
السؤال
وضعت مبلغاً في بنك وكانت له فائدة، ومن هذه الفائدة الربوية اشتريت قطعة أرض، ومر عليها أكثر من خمس سنوات فأصبحت قيمتها كبيرة، فما الحكم في هذه الثروة؟
الجواب
أولاً كما تعرفون إدخال المال في البنك الربوي لا يجوز، وأخذ الفائدة لا تجوز، وشراء الأرض من الربا لا يجوز، واستثمار مال الربا لا يجوز: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] فالذي أراه أن تتبرع بهذا المال من الفائدة التي دخلت عليك في هذا المال، إما أن تنفقها في وجوهها وأن تبقي على رأس المال: ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] فالمال الأول الذي أدخلته تعود إليه وتحاسب نفسك حتى تستقر عليه.
وأما هذه الفائدة فإنها ربا دخلت عليك بسبيل محرم، فعليك أن تتبرع بها، إما أن تصرفها في المصارف، ويا ليتك تسلم من الذنب، وأما الأجر فما أدري أن في الربا أجراً، وليس في الصدقة من الربا أجر، لكن عليك أن تعود برأس المال وعفا الله عما سلف.
стр. 7902
الندم على الذنوب في الكبر
السؤال
هناك شيخ إذا مر له موقف من مواقف بدأ يتذكر فعل المعاصي التي فعلها، ويتألم ويتحسر ويلوم نفسه حتى إنه لا ينام أحياناً بسبب هذا التفكير وهذا القلق، وكل هذا بعد أن هداه الله وتاب، فماذا يفعل؟ وبماذا تفسر هذا حفظك الله؟
الجواب
أما فعله وماذا يفعل وماذا أوصيه به؛ فأوصيه بالتوبة والاستغفار وأن يندم على ما فات، لكن لا يوصله هذا الندم إلى أن يحرم على نفسه الطعام أو الشراب أو المنام، أو يتلف روحه، فإن الله يغفر الذنب: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] ويقول : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
فأوصيك أن تتوب وأن تستغفر، وأن تؤمل في الله الأمل الذي يسرك، فإن الله أفرح بتوبتك من الرجل الذي ظلت راحلته، فوجدها في الصحراء بعد أن كان عليها طعامه وشرابه، واعلم أن الله يقبل توبة التائبين، وأن التائب أحب إليه من هذا الرجل الذي ظلت منه ناقته بعد أن وجدها، ثم واجبك أن تندم على ما فات، لكن لا يوصلك الندم إلى هذه الدرجة التي تشكو منها، فاعلم أن الله غفور رحيم، وأن رحمته واسعة، وأنه يقبل التوبة ويعفو عن عباده ويعلم ما تفعلون.
ثم اعلم أمراً ثانياً: أن الحسنات يذهبن السيئات، فكل سيئة عملتها حاول أن تفعل مكانها حسنة: ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢] ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] عسى الله أن يتوب علينا وعليك، وأن يتقبل منا ومنك أحسن ما عملنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
وعند مسلم عن أبي موسى ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها﴾.
وعند مسلم عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : ﴿يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة﴾ وفي رواية:: ﴿مائة مرة﴾ فإذا كان هذا رسول البشر ﷺ ، فنحن أهل الذنوب والخطايا، مصداقاً لقوله ﷺ كما عند مسلم: ﴿والله، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم﴾ وعند الترمذي: ﴿كلكم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ تاب الله علينا وعليك وعلى كل مسلم، وتقبلنا فيمن تقبل.
стр. 7903
وسائل تقوية الإيمان
السؤال
عشت فترة من حياتي كنت أحس فيها بلذة الطاعة، وحلاوة الإيمان، وأنس الذكر والمناجاة، إلا أني الآن أحس أن عزمي على الطاعة قد ضعف، وإيماني قد فتر، فبماذا توجهنا وتنصحنا إلى ما يزيد إيماننا ويقويه، ويعيدني إلى حالتي السابقة؟
الجواب
لا بد من الاعتراف بتقصير النفس، يقول ابن تيمية ﵀ فيما نقل عنه ابن القيم في مدارج السالكين: السائر إلى الله يسير بنظرين: نظر في جلال النعمة، ونظر في عيب النفس والعمل، فإذا علمت ذلك فاعلم أنك بشر، وأنك تخطيء وأن السيئة مكتوبة عليك، فأبوك آدم أخطأ ولكنه تاب.
(وهذه شنشنة نعرفها من أخزم) (ومن يشابه أبه فما ظلم).
فإذا علم ذلك فاعترف لنفسك بالخطأ، ولكن تب إلى الله ، والفتور هذا لا بد من الاعتراف به فإنه واقع على الناس والأشخاص.
ففي صحيح مسلم عن حنظلة بن الربيع الأسيِّدي الكاتب، أنه شكا إلى أبي بكر وقال: نافق حنظلة! قال: مالك؟ قال: نكون مع رسول الله ﷺ فيحدثنا عن الجنة والنار، حتى كأنا نراها رأي العين، فإذا خرجنا من عنده ﷺ عافسنا الأطفال والضيعات ونسينا كثيراًُ، فقال أبو بكر: وأنا كذلك، فذهبوا إلى الرسول ﷺ فأخبروه، فقال: ﴿والذي نفسي بيده، لو تظلمون كما كنتم عندي في الذكر لصافحتكم الملائكة في السكك، ولكن ساعة وساعة﴾.
وعقد النووي باباً على هذا في صحيح مسلم، فقال: باب جواز أخذ بعض الساعات في المباحات، فالفتور هذا وارد، وصح عن ابن مسعود أنه قال: [[إن للقلوب إقبالاً وإدباراً، فاغتنموها عند إقبالها، وذروها عند إدبارها]] وعن عمر فيما صح عنه قال: [[يا أيها الناس! إذا أقبلت قلوبكم فأكثروا من النوافل، وإذا أدبرت فألزموها الفرائض]].
فإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذا الفتور وارد، وله أسباب، وأعظم أسباب الفتور والخمول والكسل هي المعاصي، ما ظهر منها وما بطن، فإنها تودي بالعبد إما إلى موت القلب، وإما إلى قسوة القلب والران، فعليك كلما عصيت أن تتوب، وأن تستغفر، وأن تجدد إيمانك.
وعند أبي يعلى أن النبي ﷺ قال: ﴿جددوا إيمانكم، قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: لا إله إلا الله، فإن الشيطان يقول: أهلكت بني آدم بالسيئات والخطايا، وأهلكوني بالاستغفار ولا إله إلا الله﴾ ثم المباحات تضعف الإيمان كثيراً وتقسي القلب، أعني: الإكثار منها والمبالغة فيها، كالإكثار من الضحك ومن الكلام الذي لا ينفع، والإكثار من الخلطة، والإكثار من النوم، والإكثار من الأكل والشرب، إلى غير ذلك.
وأما ما أنصحك به: فعليك بكتاب الله ، فداو مرضك، وحاول أن تبرئ به سقمك، وحاول أن تستشفي به فإنه نعم الشفاء، ثم مجالسة الإخوان الصالحين وحبهم، وزيارتهم، والقرب منهم، وسماع كلماتهم، ثم بحضور مجالس الخير والدعوة، ثم بكثرة الذكر، بأن تلهج بذكر الله صباح مساء، ثم بتذكر الموت، وأن تزور المقابر، وأن تقرأ الرقائق، وأن تعد العدة للقاء الله، ثم إني أنصحك بمجانبة جلساء السوء، فإنهم ضلال وإنهم والله أعدى من الجرباء، وهم الذين يفقدون الشخص إيمانه ويقينه ودينه وخلقه، نسأل الله أن يثبتنا وإياك وكل مسلم.
стр. 7904
وقفة مع كتاب الدعاء المستجاب
السؤال
ما رأيك في كتاب الدعاء المستجاب؟
الجواب
كتاب الدعاء المستجاب لا أنصح بقراءته، لأن فيه أحاديث لم تصح عن المعصوم ﷺ ، وفيه بعض الأمور التي قيدها بأوقات وبهيئات وبأزمنة لم تصح عن المعصوم ﷺ ، وإنما يتلقى الدين بأذكاره ونوافله وفرائضه وسلوكه وآدابه من المعصوم ﷺ ، وفيما صح غنية وكفاية وشفاء عن هذا الكتاب، فأنصحك يا أخي بكتاب الوابل الصيب لـ ابن القيم، والكلم الطيب، وكتاب الأذكار للنووي، وكتاب الحصن الحصين ولو أن فيه ضعف وهو لـ ابن الجزري، ولكن معه تحفة الذاكرين، فإذا جمعت هذه الكتب وقرأت كتب الأحاديث التي في الذكر والأدعية في الكتب الصحاح والحسان كفاك هذا، وهذا الكتاب لا أنصحك به، لما خلط فيه صاحبه، نسأل الله أن يعفو عنا وعنه.
стр. 7905
التوسل بالأعمال الصالحة (١)
في قصص الأولين عبرة، ونحن في هذا الدرس مع قصة من قصص بني إسرائيل، وفيها من العظات والعبر والدروس المتعلقة بالعمل والاعتقاد شيئاً مفيداً، إنها قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار.
стр. 7906
فضل مجالس الذكر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته ومع روضة من رياض الجنة، ومع الحبيب ﷺ ، ومع كلامٍ نقف على أبوابه التي قدَّسها الله وعظَّمها وجعله أسوة وقدوة لمن أراد أن يهتدي وأن يقتدي.
من زار بابَك لم تبرح جوارحُه تروي أحاديث ما أوليت من مننِ
فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر والسمع عن حسنِ
الرسول ﷺ جعله الله مقياساً وميزاناً لمن أراد أن يهتدي وأن يقتدي، وكل من أراد أن يخالف نهجه أو سنته فهو الضلال بعينه، والعالم اليوم -من باب ذكر النعم بين يدي هذا الدرس- عالم مقيت إلا من حفظ الله وعصم، ولذلك يقول جل ذكره: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] إلحادٌ مُزْرٍ، وطغيان وكفر، وبدع تترى، وفواحش تئن منها الأرض إلى السماء، وما هناك إلا ثلة قليلة يعيشون على منهج رسول الله ﷺ ، ومن هذه القلة القليلة أناس قليلون يحبون مجالس رسول الهدى ﷺ ، وأنتم حينما تجلسون في هذا المجلس تحفكم الملائكة، والله يباهي بكم، وكما يقول عطاء بن أبي رباح: [[مجلس واحد يكفِّر سبعين مجلساً من مجالس اللهو واللغو]].
وأي لذة في الحياة؟ أهي اللذة البهيمية التي يعيشها الكافر؟ أهي اللذة الجنسية التي يطمع فيها الملحد؟ لا، إنها لذة الاتصال بالواحد الأحد ﵎.
стр. 7907
نص حديث الثلاثة النفر
درْسُنا هذا يرويه عبد الله بن الفاروق عمر بن الخطاب.
نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً
ولنستمع إلى الحديث، ثم العرض، ثم الشرح بإذن الله: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غارٍِ فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة؛ فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه.
وقال الآخر: -أي: الثاني- اللهم إنه كان لي ابنة عم، وكانت أحب الناس إليَّ -وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء- فأردتُها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألَمَّت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففَعَلَتْ؛ حتى إذا قدرت عليها -وفي رواية: فلما قعدت عندها- قالت: اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه! فانصرفتُ عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها.
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج.
وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت له أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين وقال: يا عبد الله، أدِّ إليَّ أجري، فقلتُ: كلُّ ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق أجرك، فقال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون﴾ رواه الشيخان البخاري ومسلم.
стр. 7908
عرض إجمالي لقضايا الدرس
في هذا الحديث قضايا:
أولها: موقفنا من الإسرائيليات.
ثانيها: صدق اللجوء وإخلاص الدعاء في الأزمات إلى الواحد الأحد.
ثالثها: التوسل بصالح الأعمال، وهل يجوز لك أن تتوسل بصالح العمل.
أم لا؟
رابعها: بر الوالدين وما جاء فيه.
خامسها: فضل العفة، ومخالفة الهوى، وقصص من قصص الصالحين والأخيار.
سادسها: فضل السماحة وأداء الأمانة.
سابعها: إثبات كرامات الأولياء ونماذج من ذلك.
стр. 7909
من سيرة الراوي عبد الله بن عمر
هذا الحديث يرويه عبد الله بن عمر، يقول صاحب الكتاب: عن أبي عبد الرحمن، يكنيه، والكنية تعريف وسِمَة، ومن هدي السلف الصالح التكنية، والكنى إكرام للرجل، لذلك يقول الشاعر اليمني:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب
كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب
والرسول ﷺ كان يكني أصحابه ولو لم يكن لهم أولاد، فكان يقول للخليفة الأول: يا أبا بكر، ولـ علي: يا أبا الحسن، ولـ عمر: يا أبا حفص، وعثمان ﵁ له كنيتان: أبو عمرو، وأبو محمد.
والشاهد أن الكنية جارية، وربما كَنَّى ﷺ مَن لم يكن له أولاد من أصحابه، فكان يقول لأخي أنس وهو طفل صغير يلعب بنغْر معه: ﴿يا أبا عمير ما فعل النُّغَير؟﴾.
стр. 7910
ابن عمر ورواية الحديث ورؤياه المنامية
وعبد الله بن عمر من أكثر الصحابة رواية، بل هو من الرواة السبعة، ومن أكثر من روى الحديث النبوي عن المصطفى ﷺ .
عاش عبد الله بن عمر في كنف النبوة، وترعرع في رياض السنة، ورتع في مروج العلم النافع الذي ورثه من محمد ﷺ ، عاش زاهداً عابداً مخبتاً داعية إلى الله حنيفاً ولم يكُ من المشركين.
أسلم مع أبيه وهاجر الهجرة، وما تزوج إلا بعد أن وصل إلى المدينة، كان أعزب في أول لياليه، فكان ينام في المسجد، فيقول عن نفسه: ﴿كنت أعزب أنام في المسجد، وأرى الناس يسألون الرسول ﷺ عن الرؤيا، فتمنيت أن أرى رؤيا في المنام لأقصها على رسول الله ﷺ ﴾ وذلك أن الرسول ﷺ كان إذا صلى الفجر التفت إلى أصحابه وقال: هل رأى أحد منكم رؤيا البارحة؟ لأن الرؤيا فيها ما يصدق وفيها ما يكذب، وهي ثلاثة أقسام:
رؤيا من الرحمن، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا أضغاث أحلام.
فأما التي من الرحمن فهي التي من الرجل الصالح، في علم صالح بإذن الله وبشرى خير، فهي من المبشرات.
وأما رؤيا الشيطان فهي ما يوعد به الشيطان في المنام من زلازل وفتن ومحن وبأساء وكوارث ومصائب؛ فهذه من الشيطان، ولا تخف منها، ولها علاج.
وأما أضغاث الأحلام فهي مجريات الحياة التي تحدث عليك في النهار، كأن ترى الطريق وفيها سيارات تذهب وتجيء، ووقوف عند الإشارة، وأن ترى الناس يخرجون من المدارس، وأن ترى أطفالاً أمامك، وأن ترى بقالات مفتوحة أمامك، هذه مجريات الحياة، ليس فيها أمر زائد ولا ناقص، ولا يتطلب منك الأمر أن تسافر إلى الرياض إلى سماحة العلماء، وتقول: رأيت البارحة كأن سيارة تمشي في الخط وتقف عند الإشارة، فما هي تعبير رؤياي هذه؟ أفتوني مأجورين.
فهذه أمور مجريات.
والشاهد: أن ابن عمر قال: فتمنيت أن أرى رؤيا، قال: فرأيت في المنام كأني في حديقة خضراء، وكأن عندي قطعة من إستبرق أو من حرير لا أشير إلى مكان إلا أخذتني هذه القطعة إلى ذلك المكان، قال: وإذا برجلين اثنين أخذاني بيدي؛ أحدهما باليمنى والآخر باليسرى، فأخذاني إلى بئر مطوية، لها قرنان -أي: ما يوضع عليها العجلة-، قال: فنظرا إليها فقالا لي: لا ترع لا ترع -وفي لفظ: لَمْ تُرَعْ لَمْ تُرَعْ، أي: لا تخف- قال: فأتيت فذهبت إلى أختي حفصة زوج رسول الله ﷺ .
لا يستطيع ابن عمر من جلالة الرسول ﷺ ومن مهابته وعظمته أن يقص عليه الرؤيا؛ لأنه رجل شاب، والشاب دائماً عرضة للخجل والحياء، والرسول ﷺ ما أخذ هيبته وما أخذ جلالتة بالجبروت؛ لا، فإنه كان أشد الناس تواضعاً وأسهل الناس وأيسرهم، يقف مع الطفل، ومع العجوز، لكن وضع الله عليه من المهابة ما الله به عليم، والشاب من عادته ألا يتجرأ على السؤال والحديث، حتى في الصحيحين يقول ابن عمر: ﴿كنت جالساً مع قوم من أصحاب الرسول ﷺ ، فقال ﵊ وقد أتي بِجُمَّار -أي: أتي إلى الرسول ﵊ بِجُمَّار- وهو قلب النخلة الأبيض، فمكث ﷺ برهة ثم التفت إلى أصحابه، فقال: شجرة لا يسقط ورقها؛ مثلها مثل المؤمن! أخبروني ما هي؟ قال ابن عمر -صاحبنا هذه الليلة-: فوقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت أن أذكرها للرسول ﷺ وفي القوم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي﴾ هؤلاء الأجلة أهل بدر، وأحد، وأهل منائر الإسلام، وأهل المنابر، وأهل عتاق المذاكي، وأهل السيوف، وأهل قيام الليل، وعلماء الأمة، وحُفَّاظ التاريخ بين يدي الرسول ﷺ ، فاستحيا أن يتقدم ويقول: هي النخلة، ﴿قال: فوقع الناس في شَجَر البوادي، أحدهم يقول: الطرفاء، وأحد يقول: السمر، وأحد يقول: السلم، وأحد يقول: الطلح، فلما انتهوا قال ﷺ : هي النخلة، قال: فذهبت إلى البيت مع أبي، فقلت: يا أبتاه! لقد علمت بالشجرة التي حدثنا الرسول ﷺ أنها النخلة، فقال عمر: والذي نفسي بيده لوددت أنك أخبرت الرسول ﷺ ، وأن لي بها كذا وكذا، وعَدَّ أموراً وأموالاً من الدنيا﴾ يقول: لماذا تأخرتَ بالجواب وهذا وقت المبارزة، وأريد أن تبدي قوتك وذهنك وفهمك عند الرسول ﷺ ؟ لكنه استحيا!
ونعود إلى رؤياه ﵁، قال: ﴿فقصصتها على حفصة، فقصتها على الرسول ﷺ ، فقال: نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل﴾ قال نافع مولى ابن عمر تلميذه الكبير: [[فكان ابن عمر لا ينام من الليل إلا قليلاً، حتى إذا سافر في الصحراء كان يصلي ويقول: يا نافع، هل طلع الفجر؟ فأقول: لا، ما طلع، فيعود فيصلي، فيقول: هل طلع؟ فأقول: لا، فيصلي، فإذا قلت: طلع أوتر بركعة ثم صلى الفجر]].
стр. 7911
أثر حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب) في حياة ابن عمر
وابن عمر يقول: ﴿نزلت إلى السوق -ولكن رواية البخاري ليس فيها هذه الزيادة- فأخذ ﷺ بمنكبَيَّ -أي: بمجامع ثيابه من منكبَيه، وفي لفظ: بمنكبِي- فقال: يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾.
وكان ابن عمر يقول: [[إذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك]].
فبَقِيَت كلمةُ: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ تَرِنُّ في أذنه، فكان من أزهد الصحابة على الإطلاق.
رأته عائشة ﵂ بعد وفاة الرسول ﷺ ، وهو يذهب إلى السوق في بردة لا تساوي عشرة دراهم، فدمعت عيناها وقالت: [[ابن عمر من الذين دفنوا في البرد يوم أحد مع الرسول ﷺ ]] أي: مِن الشهداء.
يقول سائل لـ نافع: [[ما هو عمل ابن عمر إذا دخل بيته؟ قال: كان يتوضأ ويقرأ في المصحف، ويتوضأ ويقرأ في المصحف، ويتوضأ ويقرأ في المصحف]].
وابن عمر من الأولياء الكبار وإنما أذكر هذه القصص تربية وأسوة وقدوة؛ علَّ الله أن ينظر إلينا بنظرة خير فيجعلنا ممن أحبهم إذا لم نعمل بعملهم.
استمرت به الحياة، وازدحم الناس على الملك بعد مقتل عثمان، وقد كان من المرشحين المرموقين للخلافة، لكنه تركها لحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ رأى الذهب والفضة فما أخذ منه شيئاً لحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ رأى المناصب تبذل إليه فما أخذها لحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ رأى البغال، والشهب، ورأى الخيول المسومة، ورأى اللذائذ، والقصور تشرف عليه من بغداد ودمشق، فتركها يوم فَتَحَ المسلمون الفتوح لحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ كان إذا حج بكى عند المقام ومرغ وجهه بالتراب وقال: [[اللهم إنك تعلم أني ما تركت الدنيا إلا من مخافتك]].
стр. 7912
عبد الله بن عمر وابناه: سالم، وعاصم
توفي على أحسن حال ﵁، وترك لنا عِلماً جماً، وترك لنا ولداً صالحاً باراً عالماً هو سالم بن عبد الله، وكان لا يفارقه أبداً، والعجيب أن سالماً هذا شابَ أكثر من شيب والده عبد الله، فكان ابن عمر إذا التقى به من سفر تعانقا وتباكيا كثيراً، ويقول ابن عمر: [[انظروا للشيخ يُقَبِّل الشيخ]] حتى كان يترك بعض الأسفار ليستقر مع سالم، وكان يترنم ببيت من الشعر يقول:
يلومونني في سالم وألومهم وجلدة بين العين والأنف سالم
وله أخ اسمه عاصم، استمر في طلب العلم والاستقامة، ثم وافاه الأجل فتوفي، فكان يبكي عليه ويقول:
فليت المنايا كن خلفن عاصماً فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا
وأصل البيت:
فليت المنايا كن خلفن مالكاً فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا
فحوله إلى عاصم.
ومالك المقصود به في البيت هذا مالك بن نويرة، أخو متمم، الذي قُتل في حربه مع خالد، ومتمم هذا كان أعور العين، ومن شعراء العرب، وكان مالك هذا من سادات العرب ومن كبارهم وأجاويدهم، فلما قُتِل بكى عليه أخوه حتى بكت عينه العوراء، وقال أعظم مرثية في تاريخ الإنسان
روى الترمذي بسنده عن عطاء قال: وقَفَتْ عائشة على قبر أخيها عبد الرحمن، فبكت طويلاً فاستشهدت بأبيات متمم في أخيه حيث قال:
وكنا كندمانَي جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتُبَّعاً
فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماعٍ لم نبت ليلةً معا
إلى أن قال:
فليت المنايا كن خلفن مالكاً فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا
وزاد أحدهم بيتاً له:
بكت عيني اليمنى فلما زجرتُها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وكانت من أعظم ما رُثِي به في التاريخ، حتى قال عمر: [[أدخلوا عليَّ متمماً]]؛ لأن عمر أنكر قتل خالد لـ مالك أخيه وقال: [[أبرأ إليك مما صنع خالد، وقال لـ أبي بكر اعزل خالداً، فما فعل أبو بكر وقال: والله لا أغمد سيفاً سله رسول الله ﷺ ، إن خالداً سيف من سيوف الله]] فلما تولى عمر كان أول مرسوم في خلافته عزل خالد، قيل: لهذه الأسباب، وقيل: لغيرها، فقال: [[أدخلوا عليَّ متمماً، قال: ماذا قلتَ في أخيك؟ فذكر أبياتاً، فبكى عمر حتى رثي له، وقال: يا ليتني كنت شاعراً فأرثي أخي زيداً - الذي مات في اليمامة، وهو زيد بن الخطاب - قال: أسلم قبلي، وهاجر قبلي، واستشهد قبلي]].
الشاهد: أن ابن عمر ﵁ ترك لنا سالم بن عبد الله بن عمر، سالم الزاهد العابد الذي دخل في الحرم يطوف، فدخل سليمان بن عبد الملك الخليفة وقيل: هشام، فطاف فلما رآه الخليفة وحذاؤه في يديه وعليه ثياب وعمامة لا تساوي ثلاثة عشر درهماً، قال: من هذا؟ قالوا: عالم المسلمين، فتقدم إليه وقال: أتريد مني حاجة؟ قال سالم: أما تستحي في بيت الله أن تقول لي هذا الكلام، فلما انتهى وقف له الخليفة ببني أمية وبالوزراء الذين معه والجيش حتى خرج، فقال: سألتك هل لك حاجة في الحرم فأخبرتني أن لا، فهل لك حاجة؟ قال: أمن حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا، قال: أما الدنيا فوالله ما سألتها من الذي يملكها سبحانه فكيف أسألها منك؟!
ولذلك يقولون: مات سالم بعين من هشام بن عبد الملك كما ذكر الذهبي أنه عانه هشام حيث نظر إليه وكان عليه أبهة العبادة، وجمال قيام الليل والحسن، فقال: يا سالم، أتأكل اللحم؟ قال: آكله في الأسبوع مرتين، قيل: فعانه فقتله، قال أهل المدينة: [[لا بارك الله في هشام أخذ أبناءنا إلى الثغور فقُتلوا، وقَتل عالمنا بعينه]].
وقد ذكرتُ هذا الأجل الرؤيا الخيرة، حتى أن البخاري كتب كتاب الرؤيا وذكر فيه أكثر من أربعين حديثاً.
стр. 7913
استطراد مع أبي دلامة
دخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور وقال: يا أمير المؤمنين! قال: نعم، قال: رأيت في البارحة أني قبَّلت رأسك وأعطيتني ألف دينار! قال أبو جعفر: أما التقبيل فأنا أؤوله لك، وأما الألف دينار فلا أفعله.
قال: لا والله هي حاجتان لا بد منهما، قال أبو جعفر: فوالله لا أتركك تقبل رأسي أبداً، قال: اعطني ألف دينار وسامحك الله في التقبيل.
وهذا من الكذب في الرؤيا، وإلا فيمكن أنه ما رأى، والله أعلم، ولكن حصل على ألف دينار.
وأبو دلامة -للمناسبة- دخل على الخليفة المهدي بن أبي جعفر، فقال له الخليفة: آذيتنا بحوائجك دائماً -أي: دائماً تسأل: أعطوني مالاً، أعطوني خيلاً، أعطوني كذا، آذيتنا دائماً- فقال: يا أمير المؤمنين! والله لا أسألك إلا حاجة سهلة، قال: ما هي؟ قال: أعطني كلباً للصيد، قال: أعطوه كلباً، قال: وأعطني خادماً، إذا صاد الكلب الصيد يمسك الصيد، قال: أعطوه خادماً قال: وفرساً أحمل عليه الصيد، قال: أعطوه فرساً، قال: وداراً أطبخ فيها الصيد!!
стр. 7914
بنو إسرائيل في القرآن والسنة
حديث درسنا من الإسرائيليات عن الرسول ﷺ ، فإنه إذا قال: (كان فيمن كان قبلكم) فالغالب أنه من بني إسرائيل، لما قال ﷺ : ﴿لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم، أو سُنَنَ من كان قبلكم حذو القذة بالقذة الحديث، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال فمن وفي رواية صحيحة: ومَن الناسُ إلاَّ هم﴾ فكان الغالب في حديثه ﷺ إذا قال: (كان فيمن كان قبلكم) أن يعني به بني إسرائيل.
стр. 7915
أسباب كثرة الحديث عن بني إسرائيل
وبنو إسرائيل أخذوا قطاعاً كبيراً في القرآن والسنة، وأنت تقرأ سورة البقرة يتكرر فيها: يا بني إسرائيل، يا بني إسرائيل، يا بني إسرائيل، لماذا؟ لثلاثة أسباب:
أولها: لكثرة بني إسرائيل؛ فإنهم الأمة الثانية في الترتيب في العدد بعد أمة محمد ﷺ .
الثاني: لأن موسى نبي الدعوة والرسالة، عاش صراعاً عالمياً مع فرعون.
ثالثاً: أنهم أهل مخالفه، وأهل لعنة، وأهل إعراض وبُعد؛ فكأن القائل يقول:
إياكِ أعني واسمعي يا جاره!!
ومصائب قوم عند قوم فوائد!!
следующие страницы →