Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.
стр. 8366
المسألة الثامنة: حكم التسوك بسواك الغير
هذا وارد، ولكن النفوس لا تقبل إلا من قريب عزيز، كزوجة مثلاً، لهذا كانت عائشة تقول: ﴿كان ﷺ يعطيني سواكه لأغسله﴾ وقبل أن تغسله تبدأ به فتتسوك لأن آثاره ﷺ مباركة، فهذا الأمر وارد عند أهل العلم، وقد ناقشوا هذه المسألة؛ هل الأثر المستعمل يقاس على الماء المستعمل؟ هل هو طاهر أم لا؟ أو يصبح طاهراً في نفسه غير مطهر لغيره؟ هل يقاس السواك في ذلك بهذه المسألة؟
ولذلك عقد البخاري في كتاب الوضوء (باب استعمال فضل وضوء الناس.
وقال أمر جرير بن عبد الله البجلي) أهله أن يتوضئوا بفضل سواكه أو كما قال.
وفي الصحيح قال ﷺ : ﴿أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما﴾ فهذا الأمر وارد، والرسول ﷺ تسوك بسواك عبد الرحمن صهره ﷺ ابن أبي بكر، فلا لائمة في ذلك، ولذلك عقد البخاري (باب: دفع السواك إلى الأكبر) يعني الأكبر فالأكبر، لكن قد تتأذى أو تأبى النفوس ذلك.
стр. 8367
المسألة التاسعة: صاحب سواكه ﷺ
الرسول ﷺ خُدم من أصحابه رضوان الله عليهم وأرضاهم ولهم الشرف أن يخدموه، ولذلك كان شرف ابن مسعود في الحياة الدنيا بعد تبليغه للرسالة، وخدمته للرسول ﷺ أن يكون تجهيز السواك وإحضاره ومهمة البحث عنه منوطة به ومسندة إليه، فكان هو الرجل المعروف الذي يحضر السواك للرسول ﷺ ، حتى يقول أبو الدرداء لأهل العراق [[أليس فيكم صاحب السواك، والنعلين والوساد؟!]] أو كما قال، فكان ﵁ يصعد الشجر فيأخذ للرسول ﷺ السواك أو يأخذ من أصول الأراك وهو أحسن ما يتسوك به، وتعرفون في السير أنه صعد شجرة فهبت الريح، ومالت بجسمه النحيل الخفيف الهزيل، لكنه يحمل قلباً كبيراً نبيلاً شريفاً قوياً، فتضاحك الصحابة من دقة هذا الجسم، فقال ﷺ : ﴿أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾ فـ ابن مسعود كان صاحب سواكه ﷺ .
стр. 8368
المسألة العاشرة: الأراك خير سواك
تفنن أهل الأدب في ذلك، وقالوا: لا نرى إلا أنه السواك الذي يقدم على كل نبتٍ من نبات الأرض، ومدح شعراؤهم من يتسوك بالأراك، وعدوه من أعظم الخصال، وفيه ميز، وقد أثبت أهل الطب في هذا العصر أن الأراك من أعظم المواد في قتل الجراثيم وفي إزالة أمراض الفم، وإزالة القذى والأذى والروائح المنتنة منه، بل هو بلسمٌ شافٍ، وألف بعضهم في ذلك كتباً، ودل على ذلك قوله ﷺ في الصحيح ﴿من أخذ شيئاً من غير حقه طُوِقَهُ من سبع أرضين، قالوا: يا رسول الله، ولو كان شيئاً يسيراً؟ قال: ولو كان قضيباً من أراك﴾ قال بعض أهل العلم: أي مسواك، وفي بعض الآثار أنه كان ينتقي له ﷺ من الأراك أسوك أو سوك على وزن كتب، قال ابن قتيبة: تُنطق سوك على وزن كتب.
стр. 8369
المسألة الحادية عشرة: حكم التسوك بالإصبع
قالت عائشة ﵂ وأرضاها كما في الطبراني: ﴿يا رسول الله الرجل يذهب فوه -أي: تسقط أسنانه- ماذا يفعل؟ -أي هل يتسوك؟ - قال: نعم، قالت: كيف يا رسول الله؟ قال: ليتسوك بإصبعه﴾ وهذا الحديث ضعفه ابن حبان، والصحيح أنه ضعيف وسوف يأتي معنا.
وفي المسند عن علي قال: ﴿رأيت رسول الله ﷺ توضأ فغسل يديه، ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً ثم غسل وجهه ثلاثاً﴾ وقال في المضمضة ﴿فتمضمض بإصبعه ﷺ ﴾ وهذا الحديث قد مر معنا في دروس ماضية، وهذا الحديث يقبل التحسين، ولو أن بعض أهل العلم قد ضعفوه كما سوف يأتي.
стр. 8370
المسألة الثانية عشرة: حكم السواك للصائم
هل يتسوك الصائم؟ وهل السواك لا يخدش عليه صيامه؟ وهل يفرق بين السواك الرطب والسواك اليابس؟ وهل يتسوك أول النهار وآخر النهار، أم أول النهار فقط؟ أم ماذا؟
الصحيح في ذلك أن الصائم يستحب له أن يتسوك أول النهار وآخره بالسواك الرطب واليابس، وأنه لا شيء فيه، ولا حرج، بل هو أفضل وهو السنة، والدليل على ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء أو عند كل صلاة﴾ وجه الاستدلال بهذا الحديث في هذه المسألة أنه عمم المقال هنا، فهل هو في اختصاص الحال؟ أو اختصاص بعض الوقت؟ لأن العموم في الزمان كالعموم في الأفعال والأفراد.
فعمم ﷺ عند كل صلاة، ولم يقل إلا للصائم في أول أو في آخر النهار، والدليل الآخر: حديث عامر بن ربيعة، في سنن الترمذي، قال: ﴿رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي ولا أعد يتسوك وهو صائم﴾ هذا الحديث حسن رواه الترمذي، فدل على أنه ﷺ كان يتسوك أول النهار وآخره، وأما حجة الذين قالوا بالسواك أول النهار وترك السواك آخره فلهم حجتان اثنتان: دليلٌ نقلي من المصطفى ﷺ ، ودليلٌ عقلي وهو تنظير، وهؤلاء هم الشافعية.
فعندهم حديث وهذا من باب النقل، وعندهم تنظير وهذا من باب العقل، والعالم إذا أعوزه الدليل النقلي فعليه أن يأخذ دليلاً عقلياً ليحاج به.
وهذه مسألة في أصول الفقه.
فأما دليلهم النقلي فقوله ﷺ : ﴿استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي﴾.
وأما دليلهم العقلي فهو التنظير، قالوا: يقول ﵊: ﴿ولخلوف﴾ قال القاضي عياض: بضم الخاء لا بفتحها (خُلوف) ﴿ولخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك﴾ فقالوا: الخلوف هذا وهو رائحة من الفم، إذا تسوك العبد فإنها تزول، فلا يتسوك في آخر النهار، لأنه سوف يزول هذ الخلوف الذي يحبه الله.
والرد عليهم: أما بالنسبة للحديث الذي استدلوا به فلا يصح فقد رواه البيهقي وفي سنده من لا يعتمد، ولا يصحح حديثه ولا يقبل؛ لأن حديثه ضعيف ضعفه أهل العلم وعدد من الحفاظ، وأما قولهم إنه يزيل الخلوف، فالرد عليهم وهو رد ابن القيم حيث يقول: إن الخلوف يأتي من المعدة، ولا يأتي من الفم، والله ليس في حاجة -يعني لهذه الروائح التي يأتي بها العبد- بل الله طيب يحب الطيب، جميلٌ يحب الجمال، يحب الروائح الطيبة، أما الخلوف هذا فإنه يأتي بسبب الجوع، ينبعث من المعدة إذا خلت من الطعام، فلا دخل للفم فيه، وهذا رد موجه، وصحيح يؤخذ به، فاقتضى أن السواك في أول النهار وفي آخره سيان، وهناك حديث ﴿استاكوا إذا كنتم صياماً أول النهار ولا تستاكوا بعد العصر﴾ لكنه ضعيف كأخيه السابق، وورد عند ابن ماجة: ﴿أن الرسول ﷺ كان يستاك أول النهار وآخره﴾ وقد علقه البخاري في صحيحه من كلام ابن عمر، قال: وقال ابن عمر: ﴿كان ﷺ يتسوك أول النهار وآخره﴾ وهذا الحديث أورده البخاري معلقاً.
وللفائدة نقول: الحديث المعلق هو الذي سقط من أول إسناده مما يلي المحدث شيخه فأكثر، أو سقط السند كله فهذا معلق.
والمرسل -على المناسبة- هو: أن يُسقَط الصحابي من السند ويصل التابعي الحديث بالرسول ﷺ .
ومرسل منه الصحابي سقط وقل غريب ما روى راوٍ فقط
والمنقطع؟ ما سقط من سنده راوٍ فأكثر، ويشمل المعلق والمعضل والمرسل ويشمل ما سقط منه السند كله أو سقط راوٍ واحد أو أكثر رواته فهذا يسمى منقطعاً.
والحديث المعضل؟ هو: ما سقط منه راويان بموضع ما على التوالي، يعني الرجل وشيخه، الرجل وتلميذه، فهذا معضل.
والحديث المقطوع -وهو غير المنقطع- وهو ما وقف على التابعي فمن بعده.
والموقوف: ما وقف على الصحابي.
والمرفوع: هو المنسوب إلى الرسول ﷺ ، وما هو الحديث المدبج؟ نعم، هو أن يروي الرجل عن آخر والآخر عنه.
وما روى كل قرينٍ عن أخه مدبجٌ فاعرفه حقاً وانتخه
وبقي فيه مسائل وأحكام، ولكن ليس هذا المقصود من الدرس وإنما توقفنا لأنه عرض لنا هذا العارض، فأردنا أن نوضحه أكثر.
стр. 8371
المسألة الثالثة عشرة: بنو إسرائيل وتركهم للسواك
بنو إسرائيل تركوا السواك، والرسول ﷺ شنع عليهم، فقد ورد عنه ﷺ أنه قال للصحابة: ﴿ما لكم تأتوني قلحاً! استاكوا فإن بني إسرائيل تركوا السواك فزنت نساؤهم﴾ نسأل الله العافية، ولذلك قال ابن عباس: [[يا عجباً لأحدكم أيريد أن تتجمل له زوجته وهو لا يتجمل لها!]] وكثير من الناس يريد من المرأة أن تتجمل وهو لا يتجمل لها، ويريد أن تتطيب وهو لا يتطيب، فلها من الحقوق مثل ماله، فاقتضى ذلك أن يعتنى بالسواك، ولذلك لو ألف مؤلفٌ كبير في السواك لما أنصف، ولو بيع بأغلى الأثمان لكان رخيصاً، لأنه من أعظم خصال الرجل، وتركه يؤدي إلى الأذى وإلى تأذي المنادى من رائحة الفم، والمحادث والمسار، فعلى المؤمن أن يعتني بهذه الخصلة، وأن تكون نصب عينيه.
стр. 8372
المسألة الرابعة عشرة: التيمن في السواك
قالت عائشة: ﴿كان ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وفي طهوره وفي شأنه كله﴾ هل قالت: في هذا الحديث وفي سواكه؟ لا.
قالت وفي شأنه كله، هل ثبت في سواكه؟ نعم، ثبتت عند أبي داود من طريق إبراهيم بن إسماعيل قال: ﴿وفي سواكه وفي شأنه كله﴾ ما هو الذي نفهمه من التيمن في السواك؟ هل المقصود باليد اليمنى أو من يمين الفم؟ من يمين الفم، هذا قول بعض أهل العلم، ومنهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يرى أنه يمين الفم، التيمن هو يمين الفم، وأن السواك باليسرى، لكن يبدأ باليمين، يقول: "يحمل على هذا المحمل" وسبقه إلى ذلك ابن تيمية شيخ الإسلام في المجلد الحادي والعشرين الصفحة ١٠٨ من الفتاوى يقول: بل القواعد أو الظواهر الشرعية تدل على أن السواك باليسرى، ثم أتى بتنظير على أن السواك من باب إزالة الأذى، فهو كالاستنجاء والاستجمار والاستنثار، فتزال هذه كلها باليسرى فيتسوك العبد باليسرى، ولكنه لم يأت بدليل، وهو ليس معصوماً، إنما المعصوم محمد ﷺ ، وهنا من باب التبيين فالسؤال الذي يقول: لماذا لم يأت ولو حديثٌ واحد منه ﷺ يذكر أنه تسوك ﷺ باليسرى؟ أنا أدري أنه سوف يرد راد ويقول: لماذا لم يأت حديث أنه تسوك باليمنى؟ يعني مسكوت عنه، فما هو الجواب؟
نقول: إن الأصل استخدام اليمنى دائماً، الرسول ﷺ يستخدم اليمنى دائماً، مثلاً يقولون: كتب الرسول ﷺ رسالة، هل ننتظر حتى يقولون كتب بيمينه ﷺ ، لا.
لأن الناس يكتبون بأيمانهم، أو صافح ﷺ وفد الأزد.
هل يقال: صافحهم بيمينه ﷺ ؟ يمينه هذه لا دلالة لها إذا أتت كما يقول أهل العلم إنما هي للتأكيد، يقول عز من قائل: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨] هل يطير الطائر بغير جناحيه، لكن هذه جاءت لا مفهوم لها إلا للتأكيد، ولا طائر يطير بجناحيه، وإلا فإنه لو قال: (ولا طائر يطير إلا أمم أمثالكم) لفهم بأنه بجناحيه فالمعهود أنه ﷺ يستخدم اليمنى دائماً، فلا ننتظر حتى يقول لنا قائل: كان يتسوك بيمينه لأنه سوف يسألنا: وأين دليلكم أنتم أنه يتسوك بيمينه ﷺ ؟
لكن نقول المعهود الذي ينقل وهو معروف ومشهورٌ من سيرته ﷺ أنه يتسوك بيمناه، وأما اليسرى فإنها خلاف العادة، ولذلك لو أشار ﷺ باليسرى، قال: رأيته أشار باليسرى لأنها خلاف العادة، أو قال: رأيته شرب واقفاً ﷺ ، لكن هل نقل إلينا؟ قال: رأيت الرسول ﷺ أكل جالساً، لأنه معروف أنه يأكل وهو جالس ﷺ ، أو يقول: رأيت رسول الله ﷺ نام على جنبه، أجل أين ينام؟! أو رأيت الرسول ﷺ يمشي على رجليه، لأنه معروف هذا، فاقتضى أنه ليس باليسرى فيبقى على اليمنى.
والأمر الثاني: أنه من باب التكريم، فإن كان من باب التكريم فهو يستاك باليمنى وهو رأي النووي وابن حجر والشافعية، أنه باليد اليمنى وهو الذي يظهر والله أعلم، وهو من الأحسن والأطيب أن يتسوك خاصة عند الصلاة وعند قراءة القرآن باليمنى وعندما يقابل الناس لأن اليسرى لها مواطن، وإذا قابل الناس وهو يتسوك باليسرى فإن فيه شيء وفيه غضاضة، والأولى أن يتسوك باليمنى هذا ما ظهر لي في هذه المسألة.
ونقول: إذا كان في المجامع وعند الصلاة فإنه يتسوك باليمنى لطهارة اليمنى، ولأنه يقابل الناس، فكأنها الأحسن، ولو تسوك باليسرى فليس عليه شيء والمسألة أسهل من ذلك، لكن من باب مناقشة المسائل بالتعمق والتدقيق فيها، فإن بعض أهل العلم مثل ابن تيمية وهو شيخ الإسلام الذي لم تشغله القضايا الكبرى عن القضايا الصغرى بل تكلم فيها لأن بعض الناس الآن يقول: الناس صعدوا سطح القمر وأنتم محاضرة من المغرب إلى العشاء في السواك وما ورد فيه! وهذا نقول له: إن من جلالة هذا الدين أن يأتي بهذه الأحاديث كلها، ومعلم الخير ﷺ عالج أكبر المسائل والمشاكل وأعظم مهمات الدين كما عالج هذه الصغار، أما هؤلاء فلم يجلسوا معنا ولم يصعدوا سطح القمر!
ثم إن بعض الناس يقول: المسألة ليست مسألة سواك، المسألة مسألة عقيدة.
لا.
مسألة سواك وثياب ولحية وغيرها، هذا الدين كما أتى به ﷺ ، أما تكلم ﷺ في أكثر من عشرين حديثاً في السواك؟ بلى، هل شغله التكلم عن السواك أن يبلغ دعوة الله، وأن يصلح الأمة ويجمع شملها ويرفع راية الجهاد؟ لم يشغله ذلك، فاقتضى أن يعطي كل مسألة حقها ولا بأس بالتخصص والتعمق حتى في صغار المسائل.
стр. 8373
المسألة الخامسة عشرة: غسل السواك
هذا نقوله من باب التلطيف، تقول عائشة ﵂: ﴿كان ﷺ يناولني سواكه فأغسله﴾ فاقتضى أن من السنة أنه كلما مر على السواك وقت طويل على استخدامه فللعبد أن يغسله وينظفه حتى يعود نظيفاً إلى فمه، لأن بعض الناس يظن أنه إذا تسوك فإن السواك لا يأتيه شيء، يعني أنه لا يتأثر فيربطه بعمامته، ويبقى مدة طويلة جداً وهو يقول: السواك لا يتأثر والحمد لله، حتى يحمر ويبيض ويسود، حتى تنظر إليه وكأنه ليس بشجر ولا بحديدٍ ولا بنحاس، فاقتضى أن يغسل بالماء وبالنسبة للفرشاة أو ما يستعمل بدل السواك فهذه ليست واردة ولا ينصح بها، لأنها تؤثر على اللثة ولا تزيل جميع أمراض الأسنان كما قال أهل الطب، ولكن السواك أشرف وأرفع وأنبل وأفيد وأحسن، لا لأنه سنة فحسب، لكن للفوائد التي من ورائه.
стр. 8374
المسألة السادسة عشرة: فضل ماء السواك هل يتوضأ به ؟
إنما ذكرته لأن البخاري ذكره، فقال: وأمر جرير بن عبد الله أهله أن يتوضئوا بفضل سواكه أي: أنه أتى بإناء فوضع فيه ماءً ثم وضع السواك فيه، فهل له أن يتوضأ بهذا الماء، هل يعد هذا الماء مستعملاً؟
الجواب
يجوز له أن يتوضأ به ويغتسل به ولا شيء فيه؛ لأنه طاهر، والماء على الصحيح قسمان: نجس وطاهر، أما أنه طهور ونجس وطاهر، فهذا ليس عليه دليل كما يقول ابن تيمية لعدم وروده في السنة.
ففضل السواك يتوضأ ويغتسل به، وقد وضع جرير بن عبد الله سواكه في فضل ماء ثم توضأ به، وكذلك هي السنة، فلا شيء فيه بإذن الله، فليفهم ذلك، فالماء المستعمل الذي يخرج من المتوضئ إذا توضأ لك أن تتوضأ به أنت، وإذا وقع على وضوئك فلا يُبطل وضوءك وليس كما يقوله بعض أهل الفقه، أو بعض أهل المذاهب، لا، بل تتوضأ به وليس عليك حرج.
стр. 8375
المسألة السابعة عشرة: متى يتأكد استحباب السواك ؟
يتأكد في مواطن عند القيام من النوم -وقد أسلفنا ذلك- لتغير الفم، وعند تغير الفم بطارئ يطرأ على الإنسان فيجد فمه متغيراً، فليباشر بالسواك.
وعند الوضوء: إذا أتى يتوضأ إما قبل الوضوء وإما بعده، وكان بعض الصالحين إذا أتى ليتوضأ تسوك ثم توضأ.
وعند الصلاة: أي عند القيام إلى الصلاة أو عند الإقامة ليكون ملابساً للحالة الراهنة التي يقوم الناس فيها، إذا أقيمت الصلاة فليبدأ الإنسان بالتسوك.
وعند تلاوة القرآن: وفي بعض الأحاديث أن الملك من الملائكة إذا قام العبد يقرأ أو يصلي وضع فمه على فمه، فعليه أن يعتني بهذا الأمر.
وعند طول السكوت، لأن السكوت يغير رائحة الفم، فليتسوك.
وعند كثرة الكلام، لأن بعض الناس إذا جلس أزعج أو أرعد وأزبد، وتكلم طويلاً ولو لم يكن فيه فائدة، كالتحدث عن حادث سيارة، أو بيت سقط على أهله، أو رجل تزوج، فأتى بقصة الزوج من أولها إلى آخرها، من صلاة الفجر إلى قرب وقت صلاة الظهر، فاقتضى ذلك أن يتسوك وأن يتعاهد هذا، قالوا: من كثرة الكلام، وكذلك الجوع الشديد كالصائم.
وبعد الطعام، قال ابن عمر كما في كتاب الزهد للإمام أحمد: [[لئن أتسوك بعد الطعام خير لي من وصيف]] أي من خادم، ومن سنن الصالحين بعد الطعام ثلاثة أمور:
غسل اليدين، وحمد الله، والسواك والتخلل بالمخاليل، هذه وأما حديث ﴿حبذا المتخللون من أمتي﴾ فلا يصح حديثاً، بل إنه حديث ضعيف أو واهٍ مكسر الأضلاع.
стр. 8376
المسألة الثامنة عشرة: حكم السواك بالريحان
يحذر ابن القيم من السواك بالريحان ومن بعض العطور، أي من بعض الشجر التي فيها عطور كالزهور لأنها تورث الجذام أو البرص!! فيحذر منها.
والسنة أن يتسوك ببعض الأشجار، كالأراك، وكالعرعر، وكالطرفاء وما يدخل في ذلك، أما أبو نوس والزهور والرياحين فإن ابن القيم يقول: أثبت أهل الطب أنها تورث الجذام، أو البرص بالفم.
стр. 8377
المسألة التاسعة عشرة: أسنانه ﷺ وما ورد فيها
قال: أسنانه كانت كأنها البرد ﵊ من كثرة ما يتسوك، وقيل: كان إذا تبسم تبسم عن مثل الجمان، والجمان هذا دقيق اللؤلؤ أو أشرف اللؤلؤ، جمان منظم، وهذا أمدح ما يمدح به الناس، لذلك كان الشعراء في الجاهلية يمدحون بها كما كان في الإسلام، كما يقول خالد بن يزيد بن معاوية: وقد ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته:
تبسمت فأضاء الليل فالتقطت حبات منتثر في ضوء منتظم
لا حرج أن ينشد ويقال ويستشهد به، ولسنا بأروع من ابن برير الذي عبأ تفسيره بهذه الشواهد ولا من الذهبي وابن تيمية.
يقول: يعني عجباً من هذا العقد التي انتثر فأضاء الليل لما تبسمت، فلما أضاء الليل قال: قامت تلتقط الدر وهي تتبسم في ضوئها، وهذه من قصيدة لـ خالد بن يزيد من أعظم القصائد يسميها الذهبي: (الطنانة الرنانة).
فأسنانه ﷺ كانت كأنها البرد، مما أعطاه الله، لأن الله كمل صورته باطناً وظاهراً، وأصلح مظهره ومخبره، فوجهه أحسن الوجوه، وفمه أحسن الأفواه، وأسنانه أحسن الأسنان ﵊، صلح باطناً وظاهراً.
محاسنه هيولى كل حسنٍ ومغناطيس أفئدة القلوب
стр. 8378
المسألة العشرون: فوائد السواك
عدها ابن القيم حتى أربى بها حول الثلاثين، وابن حجر يوافق على ثمانية عشرة، وأما غيرها ففيها كلام، فمن فوائده:
يزيل رائحة الفم، ويطرد النوم، وهذا مجربٌ بالاستقراء في الغالب، فمن غلبه النوم أو أراد أن يذاكر بعد صلاة الفجر فعليه أن يستخدم السواك كثيراً، فإنه ينشط ويطرد النوم؛ ولذلك القائم ليصلي في الليل عليه بالسواك.
وينهي البلغم، وهذا مجرب، لذلك أكثر الناس بلغماً الذي لا يتعهد السواك أي لا يستخدم السواك كثيراً.
ثم يعين على إخراج الحروف، ولذلك كان من السنن لمن يتلو القرآن أن يتسوك قبل أن يتلو القرآن ليعين على مخارج الحروف ويخرجها بقوةٍ وبرشد، كذلك يرضي الرب للحديث المتقدم عند ابن خزيمة والترمذي وأحمد ﴿مطهرة للفم مرضاة للرب﴾.
أيضاً يبيض الأسنان وهذا معروف لا يستشهد ولا يستدل عليه.
كذلك ذكر ابن القيم وكثير من الأطباء أنه يساعد على الهضم، فمن تعشى فأكثر وأغلقت الصيدليات أبوابها فليقم وليأخذ السواك وليدر في بيته وليستعن بالله وليكثر من ذكره ليهضم طعامه، فهذا مجرب.
وتضاعف به الصلاة، وقد مر معنا الحديث الضعيف: ﴿صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بلا سواك﴾ رواه البيهقي وضعفه.
ويعين على التلاوة والذكر وهذا أمر معروف فإن الذاكر يستعين بالسواك على ذكر الله .
فهذه بعض فوائد السواك وإلا فهي كثيرة جداً ومن أراد التوسع فليرجع إلى كلام ابن القيم وابن حجر.
стр. 8379
المسألة الحادية والعشرون: مواطن يجتنب فيها السواك
مواطن يجتنب فيها السواك ولا يستاك العبد فيها، هذه المواطن ثلاثة:
أولها: في أثناء الصلاة، فهو محرم في أثناء الصلاة، وإنما قلت هذا لينبه لأن بعض الناس قد يجهل بهذا الحكم، فيظن أن قوله ﷺ : ﴿عند كل صلاة﴾ أي قبل الصلاة وأثناء الصلاة وبعد الصلاة، فيتسوك في الصلاة، وقد يأتي جاهل لم يسمع بهذا الحديث فيفعل ذلك، ولذلك تكلم بعض الناس في حياته ﷺ في أثناء الصلاة، فالتسوك أثناء الصلاة محرم.
ثانيها: في أثناء استماع خطبة الجمعة، وهذا وارد عند كثير من الناس، الخطيب على المنبر وهو يتسوك بالسواك، وهذا من باب اللغو واللهو واللعب، والتشاغل عن الخطيب ولا يؤمن أن يفوت عليه أجر الحضور في الصلاة والخطبة؛ لأن الرسول ﷺ قال: ﴿من مس الحصى فقد لغى﴾ ومس الحصى ليس لأجلها إنما العلة التشاغل، والذي يأخذ السواك يوم الجمعة والخطيب يخطب كالذي يمس الحصى ويتشاغل ما الفرق بينهما؟ فلا يفعل في أثناء الخطبة، لكن للمسلم أن يتسوك بين الخطبتين، إذا جلس الخطيب يخرج سواكه ويستخدمه لأنه ليس وقت خطبة، ولا وقت استماع، فليتنبه لهذا الأمر، لأنه مشهور ونرى كثيراً من الناس أثناء الجمعة يخرج بعضهم سواكه ويتسوك وينظر إلى الصفوف، ويفكر، ويشرد ذهنه، فلا ينبغي له ذلك، لأن مس الحصى كالتشاغل بالسواك، هما سيان.
ثالثهما: في أثناء تلاوة القرآن، فله أن يتسوك قبل التلاوة لكن إذا أخذ المصحف وأصبح يقرأ القرآن فلا يتشاغل عنه بالتسوك، وهذا فيه كراهة؛ لأن فيه تشاغل وتلهٍ عن القرآن.
إذاً؛ هي ثلاثة مواطن:
١ - في أثناء الصلاة وهو محرم.
٢ - في أثناء خطبة الجمعة واستماعها من المأموم وهو محرم أيضاً، وربما يكون فيه شقٌ من الكراهة، إن لم نقل بالتحريم، لكن التحريم وارد، لأنه كمس الحصى.
٣ - عند أو في أثناء التلاوة، وهو يتلو كتاب الله نظراً لأنه ينافي التدبر، ويُتشاغل به عن سماع كتاب الله.
стр. 8380
الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة في السواك
بقيت مسألة وهي: ما هي الأحاديث التي وردت في كتاب أو في باب السواك بحد ذاته؟ أقول: الأحاديث فيه على ثلاثة أضرب، أحاديث صحيحة، وأحاديث حسنة، وأحاديث ضعيفة.
فالصحيح ما اتصل رواته بنقل العدل الضابط، الثقة عن مثله إلى آخر السند، وخلا من شذوذٍ وعلةٍ قادحة.
وأما الحديث الحسن: فهو ما رواه العدل الخفيف الضبط -ليس التام- عن مثله إلى آخر السند.
والحديث الضعيف: ما لم تكن شروطه كشروط الصحيح والحسن.
أ- الأحاديث الصحيحة في فضل السواك:
فأما الأحاديث الصحيحة في باب السواك فهي على حد علمي خمسة أحاديث وربما تزيد، لكن التي جمعتها خمسة أحاديث، فليتنبه لها.
أولاً أحاديث عائشة ولها حديثان وحديث لـ أبي هريرة، وحديث لـ أبي موسى، وحديث لـ حذيفة.
فأما حديث عائشة الأول: فقالت: ﴿كان ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك﴾ رواه مسلم عن شريح بن هانئ، والحديث الثاني لـ عائشة: قوله ﷺ : ﴿السواك مطهرة للفم مرضاة للرب﴾ رواه الترمذي وأحمد وابن خزيمة، وهو حديث صحيح.
والحديث الثالث: لـ أبي هريرة: ﴿لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة،﴾ وفي رواية: ﴿مع كل وضوء﴾ رواه البخاري ومسلم.
والحديث الرابع: حديث حذيفة: ﴿كان ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك﴾ رواه البخاري.
وحديث أبي موسى: ﴿أتيت إلى رسول ﷺ وسواكه على طرف لسانه وقد قلصت شفتاه وهو يتهوع يقول: أع أع﴾ هذا الحديث صحيح رواه البخاري.
واعلموا أن السواك في الحمام لا بأس به، ولم يرد نهيٌ فيه، وهو من باب إزالة الأذى، فللمسلم أن يتسوك في الحمام.
هذه خمسة أحاديث صحيحه عنه ﷺ تحفظ بطريق التبويب أو بطريق المسانيد، أن تذكر في هذا الباب تقول: لـ عائشة حديثان، ولـ حذيفة حديث، ولـ أبي موسى حديث، ولـ أبي هريرة حديث، فتبقى محفوظة إن شاء الله ومعلومة.
ب- الأحاديث الحسنة في فضل السواك:
وأما الأحاديث الحسنة في هذا الباب فهي ثلاثة أحاديث، هي في درجة الحسن.
الحديث الأول: حديث عائشة: ﴿كان ﷺ لا يستيقظ من نومٍ ليلاً أو نهاراً إلا تسوك﴾ رواه أحمد، وأبو داود وسنده حسن.
والحديث الثاني: حديث عامر بن ربيعة الذي مر معنا: ﴿رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي ولا أعد يتسوك وهو صائم﴾ رواه الترمذي وأحمد وأبو داود ودرجته حسن.
الحديث الثالث: حديث علي ﵁ وأرضاه قال: ﴿توضأ ﷺ فمضمض ودلك أسنانه بإصبعه ﵊﴾ رواه أحمد وهو حديثٌ حسن.
جـ- الأحاديث الضعيفة في فضل السواك:
وأما الأحاديث الضعيفة بحفظ الله فهي أربعة أحاديث في كتاب أو في باب السواك.
أولها حديث ﴿صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بلا سواك﴾ رواه البيهقي والحاكم في المستدرك وفي سنده محمد بن إسحاق، وعلة محمد بن إسحاق التدليس، صاحب سيرة ابن إسحاق، وقد دلس في هذا الحديث، والتدليس: أن يوهم السامع أنه سمع هذا الحديث من شيخ قد سمع منه ولكنه لم يسمع هذا الحديث، فيقول: عن فلان، فيظن الناس أنه سمع هذا الحديث لأنه دائماً يسمع منه، فيدلس والتدليس هو التمويه والزخرفة.
والحديث الثاني: حديث عائشة الذي رواه ابن ماجة، وهو ضعيف عن عائشة ﴿من خير خصال الصائم السواك﴾.
والحديث الثالث: ﴿إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي﴾ رواه البيهقي وسنده ضعيف، أو في سنده رجل ضعيف.
الحديث الرابع: قالت عائشة: ﴿قلت يا رسول الله: الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: نعم، قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل إصبعه في فيه﴾ أو كما قال ﷺ ، ويغني عنه حديث علي الحسن في التسوك بالإصبع، وهذا الحديث ضعيف رواه الطبراني، وفيه عيسى بن عبد الله الأنصاري ضعفه ابن حبان.
فلتفهم هذه الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة، ومن أراد أن يحقق مسألة فعليه أن يجمع النصوص ثم يصححها، ثم يجمع أقوال أهل العلم، ثم يرجح ثم يخرج بالقول الصحيح من المسألة هذا هو الصحيح.
وفي ختام هذا الدرس نتوجه إلى الله سبحانه أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن ينفعنا بما علمنا، وألا يجعل علمنا وبالاً علينا، وأن يهدينا سواء السبيل، وأن يفقهنا في ديننا.
اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8381
مدرسة الأموات
البعث والنشور من أعظم قضايا الإيمان، بل هو ركن من أركانه، آمن به من آمن، وكفر به من كفر، وقد بعث الرسول ﵊ إلى قومه، وهم ينكرون البعث والنشور، ولا يؤمنون به، فعالج هذه القضية ليل نهار والقرآن ينزل عليه يعضده في أمره، وما ذكر فيه الإيمان بالله إلا ذكر الإيمان باليوم الآخر، وقد عالج القرآن هذه القضية مرة بالمصارحة ودمغ الباطل، ومرة بالاستقراء والمقارنة، ومرة بالقصص؛ فأخرج الله للأمة على يد الرسول ﷺ جيلاً لا يشكون طرفة عين في البعث والنشور.
стр. 8382
القرآن يعالج الكفر بالبعث والنشور
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ باني صرح الفضيلة، ومزعزع كيان الرذيلة، وصاحب الشفاعة والوسيلة والأخلاق الجميلة، والمناقب الجزيلة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
أيها الناس: كانت العرب قبل مبعثه ﵊ لا تؤمن بالبعث والنشور، وترى أن اليوم الآخر خرافة، وأن البعث بعد الموت أسطورة، وأن النشور من القبور خيالٌ لا يمكن أن يصدق، وأكذوبة تأباها العقول، فأتى ﵊ يعالج هذه القضية ليل نهار، فاستهلكت نصف دعوته.
كان القرآن إذا ذكر الإيمان بالله وحده ذكر الإيمان باليوم الآخر، وعالج القرآن هذه القضية مرة بالمصارحة بدمغ الباطل والشرك قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧].
ومرة بالاستنتاج والمقارنة قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:٩ - ١١].
ومرةً ثالثة بضرب الأمثلة والقصص العظيمة التي تبين لنا كيف يحيي الله الأموات، أما الكفار فرفضوا رفضاً قاطعاً أمام الرسول ﵊ أن يؤمنوا باليوم الآخر، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] يموت بعضنا، ويولد بعضنا، ويميتنا الدهر؛ وليس هناك يوم آخر ولا بعث ولا نشور ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون:٨٢] أهذا كلام يصدق؟ أإذا أصبحنا رفاتاً وحمماً ورماداً من يعيدنا لنكون أحياء؟
ويأتي المجرم الكبير العاص بن وائل إلى الرسول ﵊، وتبلغ به السخرية والاستهزاء والتبجح على الله ورسوله ﵊ أن يأتي بعظم أجوف -عظم إنسان- فيحتُّه أمام الرسول ﵊؛ ثم ينفخه أمام الوجه الشريف، والعينين الجميلتين، ويقول: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن كان رفاتاً؟ فيقول ﵊: ﴿نعم.
ويدخلك الله النار﴾ السؤال واحد بجوابين، كان الجواب أن يقول: نعم.
أو لا، لكنه قال: ﴿نعم.
ويدخلك الله النار﴾ فيأتي جواب القرآن صريحاً، صادقاً، عظيماً قوياً قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ [يس:٧٨] ولم يسم من ضرب المثل؛ لأنه تافه حقير صغير ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] من يعيدها يوم تصبح رفاتاً وتراباً، ورماداً؟! ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] الذي خلقها من العدم، وأوجدها بعد أن لم تكن شيئاً، هو المتكفل بإعادتها لتكون أمةً جديدةً حية تحاسب بين يدي الله.
стр. 8383
قصص تعالج الكفر بالبعث والنشور
أما القصص: فيقول بعد قصصٍ جميلة من قصص القرآن: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] هذا عند كثير من المفسرين رجل صالح من بني إسرائيل، أو نبي، خرج بحماره ومعه عنبٌ ولحم على هذا الحمار، وهو طعامه في السفر، فمر على قرية قريبة من بيت لحم في فلسطين، فوقف على القرية وكان عهده بالقرية وهي حية ناطقة، سميعةً بصيرة، تغرد أطيارها وتهتز أشجارها، وتلمع ورودها، وينبس أحياؤها، وإذا بالقرية خامدة ميتة، لا بشر ولا حيوان، ولا طيور ولا شجر، قرية هوت على عروشها، وتهدمت منازلها، فأخذ كفاً بكف وضرب اليمنى على اليسرى، وقال وهو ينظر إلى السماء: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] يقول: كيف يحيي الله هذه الأرض؟! كيف يعيدها؟! أين البشر، أين الأحياء، أين العجماوات، أين الشجر والزهر والورد؟ لا شيء، فأراد الله أن يجري عليه عملية الإحياء.
يقول بعض العصريين: أدخله الله بحماره المختبر، هكذا؛ ليرى هو بنفسه كيف يميته الله ويميت حماره، ويحييه الله هو وحماره، فأماته الله وأمات الحمار مائة سنة، أما خُرجهُ وعنبه ولحمه فما أصابه شيء، لم يتعفن، ولم تصبه آفة، ولم تتغير رائحته، بقي في آنيته في خُرجِ حماره مائة سنة.
قال أهل العلم: أماته الله في الضحى وبعثه بعد مائة سنة في وقت العصر، فلما بعثه الله نظر إلى الشمس، وقال: تأخرت في منامي وانقطع عني السفر، فأوحى الله إليه: كم لبثت مكانك؟ قال: (يَوْماً) ثم أدركه الورع والصدق، فقال: (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ).
قال الله له: أين حمارك؟ قال: لا أدري؛ فنظر فوجد جلد حماره قد بَلي من كثرة السنين التي مرت، وإذا عظام الحمار ناخرةٌ باليةٌ هامدة، أصبحت رماداً، وإذا خُرجُه بطعامه وعنبه ولحمه.
قال الله عزوجل: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] فقال الله للرفات كوني عظاماً، فتركبت عظام الحمار؛ يداه ورجلاه، وصلبه وهيكله، بلا لحم، وبلا عصب، ولا دم، وبلا عيون، ولا آذان، فلما استقامت العظام أمامه؛ أمر الله اللحم أن يكسى على العظم، ثم ركب الله جلد الحمار، ثم عينيه، ثم أذنيه، ثم نفخ فيه الروح، فهز الحمار رأسه، قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢٥٩].
وقال سبحانه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩] لم يتغير، من الذي جعل الطعام الذي من طبيعته التغير أن يبقى مائة سنة لا يتغير؟!! وجعل الإنسان والحيوان الذي قد يعيش مائة سنة يموت ويبلى ثم يعود حياً؟!! إنه الله.
ثم قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] فلا يخطر على بالك وسواس الجاهلية، ولا خرافة الإلحاد والزندقة أن الله لا يبعث من في القبور.
قصةٌ ثانية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة:١٢٦] وهذا إمام التوحيد، وشيخ العقيدة، لا يشك أبداً، ولا يتطرق إليه الشك، إيمانه كالجبال، هو الذي أتى بلا إله إلا الله، وهو الرجل الذي كان يقول وهو بين السماء والأرض، يوم قذف به إلى النار، وقد أتاه جبريل وهو بين السماء والأرض، يقول له: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، فلما اقترب من النار، قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
خرج إبراهيم ﵇ مسافراً من أرض العراق.
قال بعض العلماء: وصل إلى دجلة، وقيل: الفرات، فوجد بقرةً منحورةً على ضفة النهر، وهذه البقرة أتت إليها نسور السماء والصقور والغربان والذئاب والكلاب والسباع تنهش منها، كل ينهش منها نهشة حتى تركنها عظاماً، فالتفت وقال: يا رب! أتعيد هذه من بطون الوحوش يوم القيامة؟ كيف تعيدها وقد أصبحت هذه البقرة جزراً، وأصبحت نهباً ونهشاً في بطون العجماوات ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة:١٢٦] هو مؤمن، ولكن يريد أن يرى بعينه كيف يحيي الله الموتى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:١٢٦] أأنت شاك إلى الآن؟ أرسلناك بالتوحيد والعقيدة وأنت تسأل هذا السؤال؟!.
يقول ﵊ كما في صحيح البخاري وقد وصل إلى هذه الآية، وتبسم وقال: ﴿رحم الله إبراهيم، نحن أحق بالشك من إبراهيم﴾ معنى ذلك: لو كان يشك لكنا نحن نشك؛ لأنه أعظم منا إيماناً، وهذا من باب التواضع وهو يريد أن يبرئ إبراهيم ﵇.
﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:١٢٦] قالوا: ليس الخبر كالمعاينة، قال الله: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة:١٢٦] أربعة أصناف أخذها إبراهيم.
قالوا: من البط والوز والحمام وطائر من عنقاء مغرب، وما علينا إلا أن تكون طيراً كما قال القرآن، أربعة أصناف، فقال الله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:١٢٦] أي: ضمَّهنَّ، وقيل: قطِّعهُنَّ، فقطع رءوس الأربعة الطيور، ثم نثر لحمها وعظامها وريشها، وخلط بعضها ببعض، ثم جعلها على أربعة جبال وعلى كل جبلٍ قطعة من هذه الطيور، وأخذ رءوس الطيور الأربعة بيده، ثم نزل في بطن الوادي، قال الله: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:١٢٦] فنزل فقال: أيتها الطيور! إن الله يأمركِ أن تأتي، فأقبلت أرجلها، وأيديها، وأجنحتها، وريشها، ولحمها، كل طائر يركب في جسمه ورأسه ولا يركب في رأسٍ آخر.
فلما أصبحت في يده وركبت فرفرفت فأطلقها فطارت ونفرت بإذن الله.
هذه قضية البعث والنشور، وهي قضيةٌ كبرى، لا بد أن تعالج في أندية الناس ومجالسهم صباح مساء حتى يعيشوها حياةً واقعيةً يرونها رأي العين؛ ليصلح إيمانهم، وتستقيم أحوالهم، وتصلح أخلاقهم.
стр. 8384
أهل الكفر يعالجون قضية الإيمان باليوم الآخر
قضية اليوم الآخر قضيةٌ عالجها حتى أهل الكفر، هذا الفيلسوف وعالم النفس الألماني كانت يقول في قانون الوجود: إن في النظر إلى الحياة دليلاً على أن هناك يوماً آخر؛ لأن مسرحية الوجود لم تنته بعد، قيل له: كيف لم تنته مسرحية الوجود؟ قال: لأننا نرى في الحياة ظالماً ومظلوماً، وغالباً ومغلوباً، ثم يموت الظالم والمظلوم، والغالب والمغلوب فلا ينتقم من هذا لهذا، ولا ينتصر لهذا من هذا، دليل على أن هناك يوماً آخر سوف يكون فيه إكمال هذه المسرحية.
شهد الأنام بصدقه حتى العدا والحق ما شهدت به الأعداء
وسوف يكون هناك تعريج على حياة الصحابة، وموقفهم من اليوم والآخر، جعلنا الله وإياكم من المؤمنين الصالحين الصادقين.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم
стр. 8385
الصحابة والإيمان باليوم الآخر
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد: فقد رفع ﵊ قلوب أصحابه إلى درجة أن ترى اليوم الآخر كأنها تراه رأي العين.
أثر عن علي ﵁ وأرضاه أنه قال: [[والذي نفسي بيده! لو كشف الله لي الغطاء، ورأيت الجنة والنار، والحوض والصراط والميزان، ما زاد ذلك على ما عندي من إيمان مثقال ذرة]] معنى ذلك: أنه أصبح يتصور اليوم الآخر كيومه الذي يعيشه الآن، وهذا الفارق بيننا وبين الصحابة؛ أن إيماننا إيمان ظن، وإيمانهم يقين، وأنهم يعملون لليوم الآخر كما نعمل نحن ليومنا الحاضر، وأنهم كانوا يتمنون على الله أن يبقي نعيمهم ولذتهم وسعادتهم لليوم الآخر، ونحن نتمنى أن يعجل لنا ربنا سعادتنا وراحتنا ونصرنا في هذه الدار، وكانوا يعيشون طموحاً ليومٍ آخر، إذا رأوا قصور أهل الدنيا تمنوا من الله قصوراً في الجنة، وإذا رأوا بساتين أهل الدنيا سألوا الله بساتين وحدائق الجنة، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان:١٠].
مر عمر ﵁ وأرضاه على جابر بن عبد الله، وقد اشترى جابر لحماً من السوق لأهله، فقال عمر ﵁ وأرضاه: [[يا جابر! ما هذا؟ قال: لحمٌ يا أمير المؤمنين، قال: أتأكل اللحم دائماً؟ قال: اشتهيته -يا أمير المؤمنين- فاشتريته، قال: أكلما اشتهيت اشتريت؟! والذي نفسي بيده! إني لأعلمكم بأحسن المطاعم، لكن أخشى أن أعرض على الله مع قومٍ قال فيهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠]]] كان عمر يؤجل أكل اللحم ولذائذ المطعومات والمشروبات والملبوسات ليوم العرض الأكبر، كان يرى أنه إذا قدم شيئاً واستهلك شيئاً إنما هو على حساب نعيمه وسعادته عند الله عزوجل.
ويحضر الصحابة بدراً، ويخرجون صفوفاً للقاء العدو، ويسلون السيوف، ويقول ﵊ لهم: ﴿يا أهل بدر! إن الله قد اطلع عليكم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، يا أهل بدر! والذي نفسي بيده! ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة﴾ فيأتي عمير بن الحمام الأنصاري -الذي كان يأكل التمرات من الجوع- فيقول: يا رسول الله! أسألك بالله ما بيننا وبين الجنة إلا أن يقتلنا هؤلاء؟ قال: إي والذي نفسي بيده، فألقى التمرات من يده، وأخذ غمد السيف فكسره على ركبته، وقال: بخٍ بخٍ إنها لحياة طويلة إذا بقيت حتى آكل هذه التمرات، فتقدم وقتل فلقي الله شهيداً، لماذا؟
لأنه صدَّق موعود الله ، وعلم أن هذا يقين لا شك فيه.
стр. 8386
علامات عدم اليقين باليوم الآخر
إن من علامات التسويف وعدم اليقين باليوم الآخر: الركون إلى الدنيا والتلذذ بها، وطلب طول العيش والبقاء، حتى إن البعض يهرب من الموت، ولا يحب مرور ذكره على مسمعه؛ لأنه تنغيص للحياة.
وتجد بعض الناس يتضايق كثيراً يوم تعاد عليه أنباء الموتى، وأخبار القبور والوعيد والزجر في القرآن، ويقول: دعونا نأكل ونشرب في أمنٍ وسعادة.
إن بعضهم ركن إلى وظيفته ومنصبه وحياته؛ حتى نسي اليوم الآخر تماماً، ولو كان يصلي، ويزكي، ويَحج ويعتمر.
قيل للفضيل بن عياض: كيف ذكرك للآخرة؟ قال: والله ما رفعت رجلاً إلا ظننت أني لا أضعها.
وقال الربيع بن خثيم: إنني أنتظر الموت مع تردد الأنفاس.
كلما أُخرِج نفساً أرى أن الله سوف يقبض روحي قبل أن يعود إليَّ النفس.
هذا فارق بيننا وبين السلف، ومن أعظم ما يذكرنا لقاء الله واليوم الآخر، تدبر القرآن، والوقوف مع آياته، وعجائبه، وزيارة القبور التي شهدت مصرع العظماء والزعماء والأغنياء والشرفاء والنبلاء.
أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر
تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيما مضى معتبر
تروح وتغدوا بنات الثرى فتمحو محاسن تلك الصور
هذه قضيته ﵊ الثانية الكبرى مع قضية التوحيد، قضية البعث والنشور، والتي آمن بها بعض الناس بلسانه ولم يؤمن بها وجدانه وعمله.
فنسأل الله لنا ولكم إيماناً صادقاً، ويقيناً ثابتاً، وإسلاماً واضحاً، وثباتاً على الحق حتى نلقى الله.
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صل على نبيك وحبيبك، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين.
وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين.
اللهم اهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وثبتنا على الحق حتى نلقاك.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، التي تدلهم على الحق وتجنبهم الباطل.
اللهم أصلح شباب المسلمين.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك في كل مكان.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 8387
الرد على شبهة
الحق والباطل دائماً في صراع، ودعاة الباطل دائماً يكيدون للإسلام، ومن مكائدهم التشكيك في نبوة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، ومن هؤلاء رشاد خليفة، والخميني، والقذافي.
ولا ينبغي لأهل الحق أن يقفوا ساكتين بل ينبغي لهم أن يردوا على افتراءاتهم حتى لا يغتر بها عوام الناس.
ومما يجب أن نذكره للناس معجزات الرسول كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج، ونبع الماء من بين أصابعه، وقبل ذلك كله معجزة القرآن الكريم.
стр. 8388
من دلائل النبوة
الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام للسنة، فانقادت لاتباعها، وارتاحت لسماعها، وأمات نفوس أهل الباطل بالبدعة بعد أن تمادت في ابتداعها، وتغالت في نزاعها، والصلاة والسلام على من اتصلت به أنوار الهدى بعد انقطاعها، والذي ارتفعت به كلمة التوحيد في شمولها واتساعها، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادةً أدخرها لي ولكم ليوم العرض الأكبر على الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله: سمعتم، أو قرأتم ما فعل المبطلون المجرمون في مقالاتهم، وفي نشراتهم، وفي صحفهم من اعتراض على نبوة نبينا ﵊، واتهام له أن نبوته أتت بالصدفة، وتزعَّم كبر ذلك وإجرام ذلك ما يسمى بـ رشاد خليفة، وهو رجل مبتدع ضال، أضله الله على علم، يعيش في أمريكا، وله حزب كبير، وله أتباع وطائفة، أنكر السنة، ثم أنكر نبوة النبي ﵊، واتفقت هذه المقالة مع آخر كتاب صدر للخميني المبتدع الضال، والذي قال فيه: إن نبينا ﵊ كانت نبوته صدفة واتفاقاً وأخذها ولم تكن له.
وثالثة الأثافي صاحب الكتاب الأخضر الذي قال: إن الرسول ﵊ رجل بدوي بسيط، وإنه لعب على البدو بالمقالات حتى ظنوه نبياً، وليس بنبي، وليس الغريب أن يصدر هذا الكلام عن هؤلاء المجرمين: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيرا ً) [الفرقان:٣١] ولكن الغريب أن يقف أهل الحق، وأهل الفكر، وأهل العلم، وأهل القلم جامدين خامدين لا يكتبون، ولا يردون، ولا يخطبون، ونبوة نبينا ﵊ كالشمس، بل أعلى وأوضح من الشمس في رابعة النهار.
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ وينكر الفم طعم الماء من سقم
الرسول ﵊ ثبتت معجزات نبوته بالآيات الكونية والشرعية والسماوية والأرضية، والرسول ﵊ له أكثر من ألف معجزة، والرسول ﵊ سخر الله له الكون حتى جعل له من الكون آيات ومعجزات، فالقمر شق له، الشجر جاءت تمشي إليه، والحمامة وقفت على رأسه، والعنكبوت نسجت على غاره ﵊، والماء نبع من بين أصابعه الكريمة، والغزال توقف له، علَّم الناس بعلم من علم الغيب الذي علَّمه الله إياه، فقد دبرت له أكثر من عشر محاولات اغتيال، ويخبر بمن دبرها وصنفها، ومن أنتجها وأخرجها.
стр. 8389
القرآن أعظم معجزة لرسول الله ﷺ
وأكبر معجزة لرسولنا ﵊ معجزة القرآن الكريم، الذي مر عليه ما يقارب خمسة عشر قرناً، وهو لا يزداد إلا قوةً ونصراً وتأييداً من رب العزة : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
تحدى الله به أفصح أمة نطقت بالضاد، أمة الخطباء، أمة الأدباء، أمة الشعراء، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] وقال : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [الأحقاف:٨] وفي آية ثالثة: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤].
نزل ﵊ إلى الحرم، فاجتمع إليه سادات قريش، وخطباء قريش، وأدباء قريش، فقال بعضهم لبعض: أرسلوا رجلاً منكم إلى هذا الرجل الذي سب آلهتنا، وسفه آراءنا، وذم أجدادنا، واسألوه ماذا ينقم علينا، فأرسلوا عتبة بن ربيعة فلما وصل إلى الرسول ﵊، قال: ﴿ماذا تريد يا محمد منا؟ إن كنت تريد زوجةً زوجناك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كنت تريد مالاً سودناك وأعطيناك، فقال ﵊: أفرغت يا أبا الوليد قال: نعم، قال: اسمع، فلما أنصت اندفع ﵊ يقرأ عليه سورة فصلت، فلمَّا بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] قام عتبة ووضع يده على فم الرسول ﵊، وقال: أسألك بالله وبالرحم، ثم عاد، فإذا وجهه مغبرٌ مقيتٌ كسيفٌ، فقال له الكفار: لقد جئتنا بغير الوجه الذي ذهبت به﴾ وحين سأل المشركون الوليد بن المغيرة أن يقول في القرآن شيئاً قال: لقد سمعت الشعر هزله ورجزه، وسمعت السحر نفثه ورفثه، وسمعت الشعوذة، وسمعت الكهانة، والله ما هو بسحر، والله ما هو بشعر، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، إن له لحلاوة، وإن أعلاه لمورق، وإن أسفله لمغدق، فقالوا: لا تفارق مجلسنا حتى تقول في القرآن شيئاً، فعبس بوجهه وبسر، وتلفت ماذا يقول، فقال: إن هو إلا سحر يؤثر، فقال الله له: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر:١١ - ١٣] كان فقيراً ممحلاً، فآتاه الله من الأموال حتى إنه كان يقسِّم الذهب بالفئوس، وآتاه عشرة من الأولاد ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:١٥ - ٢٦] جهنم يدخلها؛ لأنه كذَّب بآيات الله.
فهذا القرآن تحدَّى الله العرب أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من سوره أو بسورة أو بآية من آياته، فلم يستطيعوا، ولذلك كان القرآن أعظم معجزة لرسولنا ﵊.
стр. 8390
انشقاق القمر
خرج ﷺ إلى الناس، وقد اجتمعوا في الحرم، فقال: ﴿يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله؛ تفلحوا﴾ فقال له أبو جهل ويحلف باللاَّت والعزى لا نؤمن لك حتى يشق له القمر، فيقول ﵊: أفإن شقَّ الله لي القمر أتؤمنون بي؟، قالوا: إي وكرامة عين لك، فنظر ﵊ إلى القمر ليلة أربعة عشر وهو في كبد السماء، وقد امتلأت الدنيا من جماله وصفائه وبهائه، والناس ملء الحرم، فدعا الله أن يشق له القمر، فانشق القمر قسمين فلقتين فاتجهت فلقة إلى عرفات وفلقة إلى جبل أبي قبيس، والرسول ﵊ يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، وهم ينظرون ويرون ويبصرون، فماذا كان ردهم؟ نفضوا ثيابهم، وقاموا من مجالسهم، يقولون: سحرنا محمد، سحرنا محمد، ولذلك سوف يوردهم الله النار يوم القيامة، ويقول لهم وهم يرون النار: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥].
ويقول الله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر:١٤ - ١٥] يقول الله جل ذكره: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:١ - ٥].
стр. 8391
الإسراء والمعراج
ومن معجزات رسولنا ﵊ معجزة الإسراء والمعراج، بات ﵊ في بيته في مكة، نام على فراشه، فأتاه جبريل، وقال: إن الله يأمرك أن تتهيأ ليسرى بك إلى بيت المقدس، ومن بيت المقدس إلى السماء السابعة ليكلمك الله، فتهيأ ﵊، وركب البراق، وهو دابة تشبه الفرس، تضع حافرها عند انتهاء بصرها، وذهب معه، فقطع مع جبريل مئات الأميال في لحظة من ليلة، فوصل بيت المقدس، فدخله في الليل، أول دخوله إلى القدس، إلى القدس السليب، إلى القدس الذي ضيعه المسلمون يوم ضيعوا لا إله إلا الله.
فدخل ﷺ وربط الفرس، فجمع الله له الأنبياء والرسل كلهم -كما يقول ابن كثير وغيره- فلما التفتوا من يصلي بهم قدَّموا رسول الهدى ﷺ ، فصلى بهم ركعتين.
أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم
كنت الإمام لهم والجمع محتفلٌ أعظم بمثلك من هاد ومؤتم
لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر، أو كالجند بالعلم
حتى بلغت مكاناً لا يطار له على جناح ولا يسعى على قدم
وقيل: كل نبي عند رتبته ويا محمد هذا العرش فاستلم
فلما انتهى ﷺ من الركعتين، نظر إلى وجوه الأنبياء والرسل، إلى أفضل من خلق الله، وأشرف من خلق الله، وأصدق من بعث الله، فأراد أن يسألهم كما قال الله له في سورة الزخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] أراد أن يسألهم فرأى الجلالة، ورأى الصدق والإخلاص في وجوههم فاكتفى بالمنظر عن السؤال.
ثم صعد هو وجبريل ﵉ إلى السماء الدنيا، وبينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، وجرم السماء خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، فطرق جبريل، فقيل له: من؟
قال: جبريل وعرفوه، قالوا: من معك؟
قال: محمد ﵊، ومر ﵊ بإخوانه الأنبياء والرسل، يسلم عليهم واحداً واحداً، رأى يوسف ﵇، وقد أوتي شطر الحسن، ورأى يحيى بن زكريا، ورأى آدم في سماء الدنيا، وعن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة يلتفت إلى اليمين فيضحك، ويلتفت إلى اليسار فيبكي، فقال لجبريل: من هؤلاء؟
قال: أما الذين عن يمينه فأهل الجنة، وأما الذين عن يساره فأهل النار نعوذ بالله من أهل النار، ورأى هارون، ورأى موسى في السادسة، فسلم عليه وكلمه، ورأى إبراهيم أبا الأنبياء في السابعة، فكلمه وآنسة ولاطفه حتى وصل ﷺ إلى بساط حديث القدس، ولم ير ربه، قيل له: ﴿هل رأيت ربك يا رسول الله؟ قال: نور أنى أراه﴾ وكلمه الله، وفرض عليه الصلوات الخمس، الصلوات الخمس كانت خمسين، فاستحيا ﷺ أن يراجع ربه، فلمَّا عاد إلى موسى في السادسة، قال: كم فرض الله عليك؟
قال: خمسين صلاة، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، وقد جربت أنا بني إسرائيل بأقل من ذلك، فعد إلى ربك، فراجع ﷺ ربه حتى خفف الله علينا إلى خمس صلوات، فهي في الأجر خمسون، وأما في العمل فهي خمس، فجزى الله موسى عنا خير الجزاء.
ورأى ﷺ الجنة والنار، وعاد إلى الدنيا، عاد إلى مكة، عاد إلى بيته في مكة، وأمسى في فراشه، وفي الصباح خرج يصلي ﷺ فاجتمع كفار قريش يتضاحكون يقول أبو جهل: ماذا حدث لك يا محمد البارحة؟
يستهزئ ويستهتر ويضحك، ولكن سيعلم الظالمون لمن عقبى الدار، فقال ﵊: حدث البارحة أمر عجيب عظيم، قالوا: ماذا حدث؟
قال: أسري بي إلى بيت المقدس في فلسطين، وصليت بالأنبياء، فتمايلوا من الضحك، وانظروا إلى مرارة الموقف، ومرارة التكذيب، والرسول ﷺ فريد غريب ما له ناصر إلا الله، ولا له مؤيد إلا الله، يضحكون عليه، فيقول أحدهم وكان شيخاً كبيراً في السن أظنه الوليد بن المغيرة قال: يا محمد! ما جربنا عليك كذباً، إن كنت صادقاً وأنه أسري بك؛ فنحن نعرف بيت المقدس سافرنا إليه في التجارة، وعرفناه باباً باباً، فصِفْ لنا بيت المقدس وذهابه ﷺ كان في ظلمة الليل الدامس، ولم ير الأبواب كلها، ولم ير النوافذ والسواري، فعرق ﷺ ، وأصابه من الكرب ما الله به عليم؛ لأنه إذا لم يستطع فمعناه أنه يكذب!
وكيف يكذب على الدنيا وعلى المعمورة؟! فقرب الله له بيت المقدس حتى رآه في ناحية الحرم، فأخذ يصفه باباً باباً، ونافذةً نافذةً، فقال: والله ما زدت ولا نقصت شيئاً.
ثم قال ﷺ : سوف تقدم قافلتكم غداً التي أرسلتموها للتجارة غداً يتقدمها جمل أورق، عليه غرارتان، ورعى منكم رعيان في وادي كذا وكذا، وسوف يقدمون غداً، وقد انكسرت رجل ناقة من نوقهم، وانتظروا الصباح، فقدمت القافلة، وعليها الجمل الأورق وعليه غرارتان، وأتى رعيان الإبل، فسألوهم ماذا حدث؟
قال راعٍ منهم: انكسرت رجل ناقتي ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] وهذه ثلاث معجزات من ألف معجزة للرسول ﵊.
لقد شهدت السماء بنبوته، ولقد شهدت الأرض برسالته، ولقد آتاه الله من الآيات والمعجزات ما هو كفيل بدمغ كل مفترٍ على الله، ودجال على الله ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 8392
من معجزات الرسول ﷺ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
أمَّا بَعْد:
لقد ظهرت معجزات رسولنا ﵊ الكونية كمعجزاته الخُلقية والخَلقية، تصوروا إنساناً يعيش (٦٣) سنة، فلا يكذب كذبة، ولا يغدر غدرة، ولا يخون خيانة، ولا ينظر نظرة سيئة، ولا يخالف مخالفة، والرسول ﵊ من رآه لأول وهلة، علم أنه رسول الله، يقول أبو هريرة وقد سئل عنه: ﴿والذي نفسي بيده، كأن الشمس تجري في وجهه﴾ ويقول أنس: ﴿والذي نفسي بيده، لقد نظرت إلى وجه رسول الله ﷺ وإلى البدر ليلة أربعة عشر، فلوجهه ﷺ أجمل وأحسن وأبهى من البدر ليلة أربعة عشر﴾.
стр. 8393
قصة ابن سلام مع الرسول ﷺ
رآه عبد الله بن سلام أحد أحبار اليهود، وهو يروي القصة، قال: رأيت الناس انجفلوا -أي: اجتمعوا في سوق المدينة- فكنت فيمن اجتمع، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ قدم من مكة مهاجراً، قال: فزاحمت حتى رأيت وجهه، فلمَّا رأيت وجهه إذا وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب -وجهه وجه صادق، وجهه وجه مخلص، وجهه وجه منيب- قال: فسمعت كلامه فإذا هو يقول: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام، فقلت: يا رسول الله! أسألك عن ثلاث - وهذا الرجل عالم من علماء بني إسرائيل علمهم الله في التوراة أموراً علمها رسول الله ﵊ قلت: يا رسول الله! أسألك عن ثلاث لا يعلمها إلا نبي، قال: اسأل، قلت: ما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوا الجنة؟ ولماذا يشبه الولد أباه، أو أمه؟ وما هي أول علامات الساعات الكبرى؟ قال: أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوا الجنة زيادة كبد الحوت، وأما لم يشبه الولد أباه أو أمه، فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فإذا علا هذا على هذا أشبه أباه، أو أمه، وأما أول علامات الساعة الكبرى، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، قلت: والذي بعثك بالحق نبياً إنك لرسول، والله لا يعلمها إلا رسول، فأنا يا رسول الله! من أحبار اليهود ومن علمائهم، اجعلني في هذه المشربة -غرفة وراء الرسول ﵊ واجمع اليهود، واسألهم عني قبل أن تخبرهم أني آمنت وأسلمت، فأدخله ﷺ ، وجمع اليهود، وقال: كيف ابن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، قال: أفرأيتم إن آمن وأسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، قال: فإنه آمن، فخرج عليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وسيئنا وابن سيئنا، وخبيثنا وابن خبيثنا، فأنزل الله قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠] ويقول الله لهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].
стр. 8394
حمرة ترفرف على رأس رسول الله ﷺ
﴿تأتي حمامة، والرسول ﵊ جالس بين أصحابه، فترفرف على رأسه - كما في سنن أبي داود - فيقول ﵊: أتدرون ماذا تقول هذه؟ - عندها فراخ وعش- قالوا: ما ندري يا رسول الله! قال: إنها تشكو إلي أن رجلاً منكم أخذ فراخها من فجع هذه بفراخها؟ ردوا عليها فراخها، قال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فأعاد فراخها في عشها، فعادت مرفرفة شاكرة﴾ ولذلك يقول أحد الأدباء:
جاءت إليك حمامةٌ مشتاقةٌ تشكو إليك بقلب صبٍ واجفِ
من أخبر الورقاء أن مكانكم حرمٌ وأنك ملجأٌ للخائفِ
стр. 8395
جمل يشكو لرسول الله ﷺ
وفي السير بأسانيد جياد، ﴿أن جملاً من جمال الأنصار شرد في مزرعة، ودخل ﷺ المزرعة، فرآه الجمل، فيأتي إليه ويضع خده في الأرض، وتدمع عين الجمل، فيقول ﵊: أتدرون ماذا يقول هذا الجمل؟ قالوا: لا والله، قال: والذي نفسي بيده، إنه ليشكو إليَّ ظلم صاحبه، يجيعه ويظمئه ويحمله مالا يطيق، ثم أتى إلى الرجل فوعظه وأدبه وعلمه﴾ ولذلك يقول الله له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
стр. 8396
الماء ينبع من بين أصابع النبي ﷺ
يظمأ الصحابة، وينقطع ماء الغسل والوضوء عنهم، فيأتون بصحفة فيقدمونها إلى الرسول ﵊، وهم سبعمائة، أو أكثر، فيقول: هل عند أحد منكم ماء؟ فيقول أحد منهم: عندي ماء في شن -في قربة صغيرة- فيقول: تعال به، فيصب على أصابعه الشريفة والرسول ﵊ يقول: بسم الله، فتثور أصابعه كالأنهار تمتلئ الصحاف ويتوضأ السبعمائة، ويشربون، ويغتسلون، ويسقون خيولهم، والرسول ﷺ يتبسم ويقول: أشهد أني رسول الله.
إي والله أشهد أنك رسول الله، أشهد أنك رفعت علم الإنسانية، وأنك أوضحت معالم البشرية، وأنك دكدكت أركان الوثنية.
стр. 8397
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
لقد عاش الرسول ﷺ بين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما ذاك إلا لأنهم تربوا على يد المعلم الجليل رسول الله ﷺ ، وتخرجوا من مدرسة النبوة.
ومن هؤلاء الخلفاء الراشدين، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الذين قادوا الأمة بعد رسول الله ﷺ ؛ ومنهم سعد بن أبي وقاص، خال رسول الله وقائد معركة القادسية، ومنهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ومنهم أيضاً إمام العلماء معاذ بن جبل.
стр. 8398
أبو بكر الصديق ﵁
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها المؤمنون: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
هذا درس رمضاني بعنوان: "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"
وهؤلاء الرجال هم أصحاب الرسول ﷺ والتابعون لهم بإحسان، وأئمة أهل الإسلام.
أولاً: الصحابي الجليل أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وأبو بكر أول الخلفاء الراشدين وأول العشرة المبشرين بالجنة ﵃ وأرضاهم.
أبو بكر لم يملك شيئاً من ميزات الدنيا إلا أنه عبدٌ لله، وكان أول من أسلم من الرجال، وقدَّم ماله للرسول ﷺ حتى كان ﷺ يقول: ﴿لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن﴾ ﵊.
هو تيمي من قريش، لم تكن أسرته بتلك القوية العريقة، ولكن رفعه إسلامه وإيمانه، يقول عمر: قلت في نفسي لأسبقن أبا بكر هذا اليوم، فأخذ نصف ماله فذهب به إلى الرسول ﷺ فقال-: يا رسول الله! خذ هذا النصف من المال، قال: ماذا أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم نصف المال، فجاء أبو بكر فتصدق بماله كله، فقال ﷺ : ماذا أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قال عمر: والله لا أسابق أبا بكر بعدها أبداً.
وكما هو معلوم أن النار لها سبعة أبواب أعاذنا الله من النار ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢].
وللجنة أبواب ثمانية؛ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الداخلين من تلك الأبواب.
بشرى لنا معشر الإسلام أن الرسول ﵊ يقول: ﴿ما بين المصراع والمصراع في الباب الواحد كما بين أيلة إلى صنعاء -وأيلة هي بيت المقدس الذي يرضخ اليوم تحت الاحتلال، هذا مقدار الباب الواحد- وإنه يأتي يوم القيامة وهو كظيظ من الزحام﴾ فنسأل الله أن يجعلنا ممن يزاحم في ذاك الباب، فقال ﵊ كما في صحيح البخاري: ﴿إن للجنة أبواباً ثمانية فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة﴾ يعني من أكثر من الصلاة حتى اشتهر بها، ولا يقصد مجرد الصلوات الخمس؛ لأن كل إنسان يصلي الصلوات الخمس، لكن يقصد ﵊ الذي يتنفل حتى يعرف بالصلاة، قال: ﴿فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله! أيدعى أحد من تلك الأبواب الثمانية؟ قال: نعم.
وأرجو أن تكون منهم﴾ هو يدعى يوم القيامة من الأبواب الثمانية، هو أول المصلين، ومع الصائمين في أولهم، ومع الذاكرين في مقدمتهم، ومع المجاهدين ﵁ وأرضاه.
وفي الأثر المشهور: والله ما فاقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بإيمان وقر في قلبه، فميزة أبي بكر على غيره من المسلمين أنه يعبد الله كأنه يراه، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد أنه قال وهو على المنبر: [[يا أيها الناس! استحيوا من الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إني لأذهب إلى الخلاء فأضع ثوبي على وجهي حياءً من الله]] بلغت منزلة مراقبته لله أنه يستحي منه في وقت قضاء الحاجة، لأنه يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه ، وهذه درجة الإحسان.
وقد امتاز أبو بكر ﵁ كذلك بالخشية، وهذا الذي ينبغي أن نستحضره في هذا الشهر الكريم، خشية الله ، لأن المقصد من الصيام والصلاة هو خشية الله ﵎، فامتاز أبو بكر من بين الناس بشدة خشيته لله، يذكر عنه الإمام أحمد في كتاب الزهد يقول: دخل أبو بكر مزرعة رجل من الأنصار بعد موت الرسول، وفي أثناء دخوله إذا بطائر يطير من شجرة إلى شجرة، فجلس أبو بكر يبكي، قال له الصحابة: مالك يا خليفة رسول الله؟ قال: ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت طائراً أرد الماء وأرعى الشجر ثم أموت لا حساب ولا عقاب
فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيٍ
ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيّ
ومن ميز الصالحين هضم النفس، تجد المصلي الصائم المتصدق العابد يهضم نفسه، وتجد المعجب المغرور المنافق يمدح نفسه، قال البخاري في كتاب الصحيح: وقال الحسن البصري: "ما خافه -أي النفاق- إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق".
стр. 8399
من مواقف أبي بكر الصديق المشرفة
وأبو بكر ﵁ وقف مع الرسول ﷺ ، ففي أخطر مواقف تاريخه الرسول ﷺ كان أبو بكر معه، وأنا أذكر ثلاثة مواقف:
الموقف الأول في الغار:
وصاحب الغار إني سوف أذكره وطلحة بن عبيد الله ذي الجود
دخل ﷺ الغار هارباً من قريش، فأعلن الكفار حالة الاستنفار في مكة، وسدوا الطرق الداخلة إلى مكة والخارجة، فدخل ﵊ مع صاحبه أبي بكر في الغار، وجلس ﵊ هو وأبو بكر حتى طوق المشركون الغار.
ولكن حينما أراد الله أن يحفظ رسوله سخر عنكبوتاً فنسجت بيتاً على فم الغار، ومن العادة أن الإنسان إذا دخل الغار شق بيوت العنكبوت، وأتت الحمامة وبنت عشها في فم الغار وباضت في هذا العش، فأتى كفار قريش معهم السيوف تقطر حقداً وضغينةً على المصطفى ﵊، أرادوا الدخول وإذا ببيت العنكبوت، وإذا بعش الحمامة، فوجموا وقد نظم هذا المعنى بعضهم فقال:
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطم
ثم صعدوا على ظهر الغار فأخذ أبو بكر ينظر فيرى أقدامهم فيقول: يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا، فيتبسم ﵊ تبسم الواثق الذي امتلأ قلبه إيماناً وثقة بالله، الذي يتبسم للمستقبل، يحفر الخندق في المدينة وتقع مسحاته ﵊ على الصخر ويبرق من الصخر بارق فيقول: ﴿تفتح لي قصور كسرى وقيصر إن شاء الله﴾ فيضحك المنافقون ويقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، ولكن والله فتحها الله عليه وفتح ما هو أكبر وأكثر، فوصلت جيوشه إلى أسبانيا وإلى السند وإلى الهند فيقول: ﴿يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ وخرج من الغار بسلامة الله وحفظه ورعايته: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ولذلك يقول أحد العلماء من المفكرين: الرسول ﵊ يقول لـ أبي بكر في النكبات: إن الله معنا، أتاه الفقر من كل جانب فقال: لا تحزن إن الله معنا، أتته بعض الغلبة أو ما تسمى بالهزائم فقال: لا تحزن إن الله معنا، اجتمع عليه اليهود والمشركون والمنافقون فقال: لا تحزن إن الله معنا.
والموقف الثاني في بدر: قام ﵊ قبل معركة بدر بليلة واحدة، ومعركة بدر تصفية بين الحق والباطل، فوقف الرسول ﷺ يدعو في الليل حتى سقط برده من على كتفيه وهو يقول: ﴿اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد اليوم﴾ ثم أخذ يدعو ﵊ ويبتهل إلى الله، فأتى أبو بكر فرد عليه البردة وقال: كفاك مناشدة لربك يا رسول الله! فو الله لينجزن الله لك ما وعدك.
قال أهل العلم: كان الرسول ﷺ أعرف بالله، فإن الله يحب الملحين بالدعاء، ويحب المتضرعين والباكين، ويحب الذين يخلصون ويكثرون في الدعاء، بخلاف المخلوقين فإن أحدهم إذا ألححت عليه في الطلب غضب، أما الله فإنه كلما دعوته رضي عنك، وإذا رأيت العبد يكثر من الدعاء والابتهال فاعرف أنه مؤمن، واعرف قيم الناس وميزان الناس بكثرة دعائهم.
الموقف الثالث: يوم خرج رسول الله ﷺ في الهجرة وتبعه سراقة بن مالك فكان ﷺ يمشي في الطريق ويقرأ القرآن ويلتفت، فيقول أبو بكر: يا رسول الله! الطلب وراءنا، قال: يا أبا بكر! لا تحزن إن الله معنا، ثم دعا على فرس ذلك في قصة طويلة، قال أهل العلم: فكان أبو بكر يأتي مرة عن يمين النبي ﷺ ومرة عن يساره ومرة أمامه ومرة خلفه، فيقول ﷺ : يا أبا بكر! مالك مرة عن يميني ومرة عن شمالي ومرة أمامي ومرة خلفي؟ قال: يا رسول الله! أذكر الرصد -الكمين- فأتقدم ليأتيني ولا يأتيك، وأذكر الطلب فأكون خلفك وأخاف أن تؤتى عن يمينك فأتيامن، وأخاف أن تؤتى عن يسارك فأتياسر أو أتشامل أو كما قال.
وتولى الخلافة بعد الرسول ﷺ ، وكان هزيل الجسم حتى أنه كان يوتر قبل أن ينام، لكن في قلبه همة عالية تنسف الجبال، صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولما توفي ﵊ كان أبو بكر غائباً عن المدينة فقد كان له مزرعة، فكان في مزرعته في عالية من عوالي المدينة معه فرس وإذا بـ المدينة ترتج بالبكاء، واختلط بكاء النساء بالأطفال والرجال، فأعظم مصيبة في تاريخ الإنسان، موت الرسول ﵊.
وإذا أتتك من الأمور مصيبة فاذكر مصابك بالنبي محمدِ
وأتاه الخبر وهو في المزرعة، فركب فرسه ومعه عصا، وأتى إلى مسجد الرسول ﷺ في المدينة، وإذا الناس يموجون مثل البحر لا تسمع ماذا تقول لسانك من كثرة البكاء، قال: مالكم؟ قالوا: توفي الرسول ﵊، فسكت وما كلم أحداً وقال: الله المستعان إنا لله وإنا إليه راجعون! فثبته الله، وشق الصفوف حتى وصل إلى بيت الرسول ﷺ في حجرة عائشة التي هو مدفون فيها ﷺ .
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
فدخل وكشف الغطاء عن وجه الرسول ﵊ فإذا هو قد مات، فقبل وجهه، ودمعت عينا أبي بكر على وجه المصطفى ﵊ ثم قال له: [[بأبي أنت وأمي؛ طبت حياً وطبت ميتاً، أما الميتة التي كتبت عليك فقد ذقتها، ولكن والله لا تموت بعدها أبداً]] ثم خرج على الناس فسكتهم وأتى إلى عمر ﵁ عند المنبر في المسجد، وقد سل عمر سيفه وقال: [[من زعم أن الرسول ﵊ قد مات ضربت عنقه بهذا السيف، إنما يغيب ﷺ بعض الأيام كما غاب موسى يكلم ربه]] كما يقول : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢].
فأتى أبو بكر وعمر يخطب وقال: اسكت يا ابن الخطاب! ثم ارتقى أبو بكر المنبر وقال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد:
فمن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]
فخر عمر مغشياً عليه من البكاء، يقول عمر بعد أن رشوه بالماء واستفاق: والله الذي لا إله إلا هو كأني ما سمعت هذه الآية إلا ذاك اليوم، ثم قام أبو بكر ﵁ فخطب الناس خطبة في اليوم الثاني، فما استطاع من البكاء أن يتكلم، يتصور ذكريات الشباب والفتوة والحياة مع الرسول ﷺ ، يتذكر من كان إماماً بهم وخطيباً، ويتذكر المسجد ومن بناه، ويتذكر هذا الدين ومن أتى به، فإذا هو قد مات، فما استطاع أن يتكلم لأنه يتدفق بالبكاء فقام عمر فتكلم كلمة أبي بكر وأثنى على أبي بكر.
стр. 8400
منجزات أبي بكر الصديق في عهد الخلافة
واستمر أبو بكر ﵁ في الخلافة سنتين وستة أشهر وقيل أكثر أو أقل، لكنه ما بقي إلا فترة وجيزة، ومع ذلك فقد أنجز فيها منجزات نذكر بعضها ثم نخلص بدروس بعد ذلك إن شاء الله.
منها حروب الردة فقد ارتدت العرب أو أكثرها بعد وفاة الرسول ﷺ ، فقوم من العرب يقولون: الرسالة قد انتهت بموت الرسول ﷺ ، وقوم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله قد ماتت، وقوم يقولون: الكتاب هذا قد انتهى بموت هذا الرسول ولو كان رسولاً حقاً ما مات، فارتدوا على أعقابهم كافرين، وطائفة من العرب ما ارتدوا وإنما أنكروا الزكاة، قالوا: كانت تدفع للرسول ﵊ وقد مات، إذاً فلا ندفعها، حتى يقول شاعرهم:
رضينا رسول الله إذ كان بيننا فما بالنا نرضى بحكم أبي بكر
أيملكها بكر إذا قام بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فقام أبو بكر في يوم الجمعة وقال: [[ما رأيكم في من منع الزكاة؟ فقام عمر وقال: لا نقاتلهم ونأخذهم بالتي هي أحسن، وقال للصحابة: ما رأيكم؟ فقالوا: لا نقاتلهم، وقال للمسلمين من المهاجرين والأنصار: ما رأيكم؟ قالوا: لا نقاتلهم، وقال للعرب من المسلمين: ما رأيكم؟ فقالوا: لا نقاتلهم، فقام ﵁ وسل سيفه وصعد المنبر وقال: والذي نفسي بيده لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، فقال عمر: فلما رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر لقتالهم علمت أنه الحق]] فقاتلهم وانتصر عليهم ﵁.
ومضى في زهدٍ وعبادةٍ، وفي تقوى لله، وكان ﵁ يتميز بالخشية كما تقدم، فإنه يقوم يصلي بالناس فلا يدرون ما يقول من البكاء.
وفي صحيح البخاري لما مرض ﷺ مرض الموت قال: ﴿مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس﴾ فتقول بنت أبي بكر عائشة: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام لم يسمعه الناس من البكاء، قال: ﴿مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس﴾.
وحضرت أبا بكر الوفاة فمرض حتى مات يوم الإثنين، وفيه قال: متى توفي الرسول ﵊؟ قالوا: يوم الإثنين، قال: ما هو هذا اليوم؟ قالوا: يوم الإثنين، فقبض في ذاك اليوم، ولما أتته سكرات الموت أتته ابنته عائشة فاقتربت منه وقالت: يا أبتاه! صدق الأول يوم يقول:
لعمرك ما يغني الثواء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فالتفت إليها مغضباً وقال: يا بنية! لا تقولي ذلك ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [قّ:١٩ - ٢٢].
وقال: إذا أنا مت فاذهبوا ببغلتي هذه، واذهبوا بثوبي إلى عمر وقولوا لـ عمر: يا عمر! اتق الله لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي، فذهبوا إلى عمر بالبغلة والثوب -هذا ميراث أبي بكر من الدولة الإسلامية، هذا الذي خلفه من تراثه وتجارته وكان أتجر الناس، لأنه قدم كل شيء في سبيل الله- فبكى عمر حتى جلس وقال: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر.
стр. 8401
دروس من حياة أبي بكر ﵁
ونأخذ من هذا الدرس دروساً:
أولها: أن التفاضل بخشية الواحد الأحد، وليس بكثرة الصيام ولا الصلاة، ولا الزكاة ولو أنها من أسباب الخير؛ لكن إذا لم تؤد إلى الخشية فيبقى التفاضل بها نسبياً فأفضل الناس أخشاهم لله.
الأمر الثاني: أننا مهما فعلنا فلن نوازن ولو قلامة ظفر من فضل الصحابة رضوان الله عليهم، ولو أنفق أحدنا مثل أحد ذهباً أو فضة ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
الأمر الثالث: أن نوافل الأعمال هي المقربة من الواحد الأحد وهي التي تقرب العبد إلى الله، لا أسرته ولا وظيفته، ولا جاهه، ولا منصبه، لما صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿قال الله ﵎ -في الحديث القدسي- ما تقرب إلي عبد بأحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه﴾.
الأمر الرابع: أن التوكل على الله لا ينافي الأخذ بالأسباب، فالرسول ﷺ مع أبي بكر تحصن بالدروع وأخذ السيوف والرماح ﷺ ، وكذلك أبو بكر، ومع ذلك يقول: ﴿يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟﴾ يقول بعض العلماء: ترك الأسباب قدح في العقل، والاعتماد عليها قدح في الشرع، والسلامة أن تجمع بين التوكل والسبب، وحتى نفهم هذا أضرب مثلاً بطالب يريد أن ينجح في الامتحان، قلنا له: ذاكر، فإذا ترك المذاكرة وقال: أنا أنجح متوكلاً على الله بدون مذاكرة ففي عقله شيء، وإذا اعتمد على المذاكرة ونسي الله فهذا قدح في الشرع.
وإذا قال: أنا أنجح بلا مذاكرة، ولا توكل على الله فقد قدح في العقل والشرع، ويمكن أن يصل إلى درجة النفاق، وإذا أخذ بالتوكل والسبب فذاكر وتوكل على الله، فهو المؤمن الكامل، وكذلك كان أبو بكر قال بعض أهل العلم: ومن شدة توكل أبي بكر على الله أنه أنفق أمواله في سبيل الله وما خاف العنت، وقال بعض أهل العلم: إذا خفت لأنك ما بلغت هذا المستوى فلك أن تبقي بعض مالك، لأنه لا يصل إلى درجة أبي بكر إلا القليل من الناس، ﵁ وأرضاه.
فهو أفضل الناس بعد الرسول ﵊، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه الصديق الأكبر وأنه أول الصحابة فضلاً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي خلافاً لأهل البدعة.
وقد روى ما يقارب مائة وثلاثة وثلاثين حديثاً أو قريباً من ذلك كما في مسند الإمام أحمد، وفيه كذلك فائدة أن العلم ليس بكثرة الرواية، وأن الخوف من الله ليس بكثرة الكلام وإنما هو بخشية الله الواحد الأحد.
أسأل الله أن يجمعنا وإياكم بـ أبي بكر الصديق، وأن يرينا وجه أبي بكر الصديق، وأن يجعلنا ممن يجلس مع رسول الله ﷺ وأبي بكر الصديق.
стр. 8402
عمر بن الخطاب
ثانياً: عمر بن الخطاب وسنتعلم منه الزهد:
في درس رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه نتعلم الزهد والعدل والشجاعة، الزهد في سيرة رجل، والشجاعة في سيرة إمام، والعدل في سيرة حاكم، وكلها تجتمع في سيرة عمر بن الخطاب ﵁.
هو أبو حفص أسلم متقدماً قيل: في الثامنة عشرة من عمره أو التاسعة عشرة، كان قبل أن يسلم ميتاً لا يعرف الحياة، لأن الحياة في كتاب الله وسنة الرسول ﷺ معناها الحياة بالإيمان والقرآن: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
كان شجاعاً ﵁، أتى إلى الرسول ﵊ متوشحاً سيفه يريد البطش بالمسلمين، فسمع أن أخته أسلمت فاستمع لقراءتها، ثم دخل فضربها فأدماها، فقال: ناوليني الصحف، قالت: أنت مشرك نجس لا أناولك شيئاً من القرآن حتى تتطهر، فقرأ شيئاً من القرآن، وقرأ تلك الليلة: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه:١ - ٤].
فدخل الإيمان قلبه، وامتلأ بلا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، وذهب إلى الرسول ﷺ فبايعه على نصرة هذا الدين، فكان إسلامه نصراً لهذا الدين، ولشريعة محمد ﷺ .
стр. 8403
من فضائل عمر وسيرته
أما فضائله فكثيرة، وقبل أن أتعرض لسيرته أتعرض إلى بعض فضائله:
في الصحيح أن الرسول ﵊ يقول: ﴿عرض علي الناس البارحة -يعني: في المنام- وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله -يعني ما تفسير ذلك؟ - قال: الدين﴾ فدينه ﵁ أصبح سابغاً ساتراً كالثوب الأبيض عليه.
وفي الصحيح قال ﷺ : ﴿أتيت البارحة بلبن فشربت حتى أني لأرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم﴾ فهو من أعلم الناس؛ لكن بخشية الله تعالى.
أما من كراماته فما ذكر صاحب تاريخ داريا بسند صحيح قال: وقف عمر ﵁ يخطب الناس يوم الجمعة، وبينما هو في الخطبة إذ قطع الخطبة فجأة ثم رفع صوته يقول: يا ساريةُ الجبلَ يا ساريةَ الجبلَ! يا ساريةُ الجبل! فلما نزل قال الصحابة: مالك؟ قال: كشف الله لي الغطاء فرأيت جيش المسلمين في العراق ورأيت العدو قد حاصر سارية فناديته أن يعتصم بالله ثم بالجبل، وبعد شهر أتى سارية منتصراً فقالوا: هل أحسست بشيء؟ قال: في يوم الجمعة من شهر كذا سمعت صوت عمر والناس على المنابر يناديني يا سارية الجبل! فاعتصمت بالله ثم بالجبل فنصرني الله.
أما سيرته فحدث عن العدل وحدث عن الخشية وحدث عن الزهد ولا حرج.
أما في الزهد فقد ضرب المثال الأروع، يقولون: من يوم تولى الخلافة إلى أن توفي وعليه ملحفة واحدة يرقعها كلما تمزقت، وقد أتى سفير فارس إلى المدينة ليفاوض عمر، فدخل المدينة مع وفدٌ على مستوى عال، يريد أن يخاطب عمر بن الخطاب الذي دوى صيته في العالم، فسأل أين قصر عمر؟ قالوا: لا قصر له، قال: أين هو؟ قالوا: هذا بيته، وإذا هو بيت من طين، فذهب إلى البيت فضرب على الباب، فقال أهل عمر: ليس هنا، التمسه في المسجد فإنه ينام الضحى في المسجد، فذهب إلى المسجد والوفد معه وأطفال المدينة وجواري المدينة يلاحقون أهل فارس لأن عليهم الديباج والحرير في منظر بهيج ما رئي في الحياة، فما وجدوه في المسجد ودل الصحابة على مكانه فوجدوه تحت الشجرة نائماً ودرته -العصا- بجانبه، فوقف عليه هذا فأخذ يرتعد وأخذ يقول: هذا الخليفة؟ قالوا: هذا الخليفة، فقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت، يقول حافظ إبراهيم:
وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها
فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها
إلى أن يقول:
فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهم ونمت نوم قرير العين هانيها
وفي عام الرمادة وهو عام القحط والجدب وقف على المنبر فقرقرت بطنه من الجوع وهو في الخطبة، فقطع الخطبة وقال لبطنه: [[قرقري أو لا تقرقري، فوالله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين]].
وقال للناس في خطبة من الخطب وهو يتكلم إليهم: يا أيها الناس! اسمعوا وعوا، فقام سلمان الفارسي وقال: والله لا نسمع ولا نعي، قال: ولم يا سلمان؟! قال: أتكتسي ثوبين وتكسونا من ثوب واحد -كان يوزع من الغنائم من ثوب- فقال لابنه عبد الله: يا عبد الله! قم فأجب سلمان، قال: أما الثوب الثاني فإنه قسمي مع المسلمين أعطيته والدي، فقال سلمان: الآن قل نسمع وأمر نطع، فقال عمر: يا أيها الناس! ما رأيكم لو رأيتموني اعوججت عن الطريق هكذا، فقام أعرابي في المسجد وقال: يا أمير المؤمنين! والله لو رأيناك اعوججت عن الطريق هكذا لقلنا بالسيوف هكذا، فتبسم وقال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من لو مال عن الطريق هكذا لقالوا بالسيوف هكذا.
أما معالم سيرته ﵁ في العدل، فإنها تأخذ مجلدات ومؤلفات، ومن شاء فليطالع ما كتب الأعداء فضلاً عن الأصدقاء، فالإنجليز كتبوا في سيرته وعدله.
أما خشيته فلا إله إلا الله ما أخشاه لله! أخذ البكاء في خديه خطين أسودين، كان يقرأ غالباً في صلاة الفجر سورة يوسف، فإذا وصل إلى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] توقف حتى يسمع له نشيج وللمسجد غمغمة من البكاء، ومر بـ أبي بن كعب في صلاة التراويح، وعمر هو الذي جمع الناس وإن لم يصل معهم صلاة التراويح، بل كان يصلي في آخر الليل، وفي أثناء صلاة التراويح كان يجوب المدينة وينزل من سكة ويصعد الأخرى ويقف عند مفترقات الطرق، وعند مجامع الناس، وعند الأرامل، والأطفال، قال: والله لو أخذت شاة من المدينة لظننت أن الله يسألني يوم القيامة عنها، مر بـ أبي بن كعب وهو يقرأ في صلاة التراويح: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦].
قالوا: فألقى الدرة وهو في السكة يسمع القرآن ووقع على الأرض، قال ابن كثير: فعاده الناس من مرضه شهراً كاملاً ﵁ وأرانا الله وجهه في مستقر الرحمة، فقد كان صادقاً مع الله، وكان الرسول ﷺ يحدث أنه لو كان أحد نبياً بعده لكان عمر بن الخطاب ﵁ وأجزل مثوبته.
стр. 8404
زهد عمر ﵁
أما تقشفه فإنه تعلمه في مدرسة الرسول ﵊، دخل على الرسول ﷺ في مشربة، والرسول ﷺ نائم على حصير قد أثر في جنبه، وما في المشربة -الغرفة- إلا شيء من شعير معلق، فأتى عمر ينظر إلى الرسول ﷺ فوجد الحصير قد أثر في جنبه فدمعت عينا عمر، فقال له ﷺ : مالك يا ابن الخطاب؟ قال: يا رسول الله! ملوك فارس والروم في عيش هنيء وهم أعداء الله، وأنت حبيب الله في هذا العيش، قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قال: بلى.
فأخذ من ذلك درساً لا ينساه.
يقول جابر بن عبد الله ﵄: اشتريت لحماً من السوق وذهبت به إلى أهلي، وإذا بـ عمر مقبلاً فخبأت اللحم تحت إبطي -حتى الصحابة يخافون منه، لأنه يحاسب الأمراء، ويحاسب الناس؛ ممن اشتريت؟ وماذا شريت؟ وماذا تريد؟ - فلقي جابراً فأمسكه فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: لحم اشتهيته فاشتريته، قال: أكلما اشتهيت اشتريت! والله إني أعلمكم بما آكل ولكني أخشى أن أعرض على الله يوم القيامة فيقال لي: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الاحقاف:٢٠].
ودخل عليه الحارث بن زياد أحد الأمراء، وقد كان يوم عرفة يحاسب أمراءه على الأقاليم، أمير العراق، أمير الشام أمير مصر أمير اليمن، وكان يأتي بالرعية ويقول: تكلموا عن أميركم وواليكم -في حوار مفتوح- فأتى إليه الحارث بن زياد في المدينة فرأى عمر يأكل خبز الشعير بالزيت، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك أحق الناس بالعيش الهنيء والمركب الوطيء قال: ثكلتك أمك، والله لا تتولى لي ولاية، ظننت أنك تعينني على طريق الآخرة فإذا أنت تهوشني أو تهرشني على الدنيا، فعزله.
وفي المدينة وهو جالس مع الصحابة رضوان الله عليهم من بقية العشرة المبشرين بالجنة، وعلماء الصحابة وهم ملء المسجد، وإذا برجل مصري يدخل ويبكي، فقال عمر: مالك؟ قال: ابن أميرك على مصر ضربني، قال: ولم؟ قال: سابقته على فرس فسبقته فقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين، فضربني.
قال عمر: والله لأقتصن لك منه، ثم قال: عليَّ بـ عمرو بن العاص فأرسل إليه وحبس المصري القبطي عنده، فوصل عمرو بن العاص وابنه محمد فجمع عمر الصحابة كلهم ثم أخذ درته، وقال للصحابة: والله لا يحول بيني وبين عمرو بن العاص أحد، هذا الوالد، أما حساب الولد فسوف يأتي فيما بعد، فقام يضربه فيقول عمرو بن العاص داهية العرب: الله الله في رأسي، فقال: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً]] انظر إلى هذه الكلمة التي تسجل من نور، ثم قال للمصري: خذ العصا واضرب ابن الأكرمين، فأخذ يضربه فيصيح قال: اسكت فإنك أنت ابن الأكرمين -يستهزئ به- فلذلك علَّم ﵁ بسيرته وبكلامه العدل.
стр. 8405
عبادة عمر ﵁
أما عبادته: فأعظم عبادة الصدق مع الله، وقف عند الجمرات في آخر حجة حجها وقال: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتةً في بلد رسولك، قال له الصحابة: من يريد الشهادة يا أمير المؤمنين يخرج إلى قتال الأعداء، ولا يقتل في المدينة قال: هكذا سألته وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت، وعاد إلى المدينة، وفي أول ليلة رأى في المنام كأن ديكاً نقره ثلاث نقرات، فذهب في الصباح إلى أسماء بنت عميس الخثعمية زوجة جعفر بن أبي طالب زوجة الشهداء، هذه المرأة الصالحة ما تتزوج رجلاً إلا ويقتل شهيداً، حتى قال بعض الصحابة: من أراد الشهادة فليتزوج أسماء، قيل تزوجها ثلاثة أو أربعة كلهم قتلوا في سبيل الله، كانت تعبر الرؤيا.
قال: يا أسماء! قالت: نعم.
قال: رأيت البارحة كأن ديكاً ينقرني ثلاث نقرات فما تأويل رؤياي؟ قالت: يقتلك رجل من العجم، فاستودع الله نفسك يا أمير المؤمنين! فذهب فصعد المنبر آخر جمعة فأخذ يبكي ويقول: يا أيها الناس! من ظلمته أو شتمته أو اغتصبت شيئاً من ماله فليقتص مني قبل ألا يكون درهم ولا دينار.
وفي صباح السبت وما أدراك ما صباح السبت؛ قام ليصلي الفجر، ولما قرأ في الركعة الأولى من سورة يوسف بكى وبكى الناس فركع، وتقدم له أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر سمه شهراً كاملاً حتى أصبح الخنجر أزرق من السم، والسبب أنه حاقد، وأن وراءه عصابة من أهل فارس وأخذ له حجة أن عمر ﵁ ما حكم بينه وبين مولاه، فضرب أمير المؤمنين ثلاث طعنات فوقع صريعاً على الأرض، وهو يقول: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، فحمل، وأكمل الصلاة ابن عوف وعاد أبو لؤلؤة فقتل سبعة أو ستة ثم قتل نفسه، أما عمر فحمل على أكتاف الرجال فكان يفتح عينه وهي تمتلئ بالدموع ويقول: هل أتممت الصلاة؟ قالوا: لا.
فيقول: الله المستعان، وصل إلى بيته ووضع على الأرض فوضعوا رأسه على مخدة فقال: انزعوا المخدة من تحت رأسي علَّ الله أن يرحمني، ثم قال له ابن عباس: طوبى لك يا أمير المؤمنين! أسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك رحمة، أسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك، قال: يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا علي، ثم فاضت روحه بعد أن أكمل صلاة الفجر ﵁.
وسيرته طويلة طويلة ولا يمل الإنسان من سيرة عمر، يقول ابن مسعود: إذا ذكر الصالحون فحيهلاً بـ عمر.
قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
следующие страницы →