← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

دروس من حياة أبي بكر ﵁ ونأخذ من هذا الدرس دروساً: أولها: أن التفاضل بخشية الواحد الأحد، وليس بكثرة الصيام ولا الصلاة، ولا الزكاة ولو أنها من أسباب الخير؛ لكن إذا لم تؤد إلى الخشية فيبقى التفاضل بها نسبياً فأفضل الناس أخشاهم لله. الأمر الثاني: أننا مهما فعلنا فلن نوازن ولو قلامة ظفر من فضل الصحابة رضوان الله عليهم، ولو أنفق أحدنا مثل أحد ذهباً أو فضة ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. الأمر الثالث: أن نوافل الأعمال هي المقربة من الواحد الأحد وهي التي تقرب العبد إلى الله، لا أسرته ولا وظيفته، ولا جاهه، ولا منصبه، لما صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿قال الله ﵎ -في الحديث القدسي- ما تقرب إلي عبد بأحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه﴾. الأمر الرابع: أن التوكل على الله لا ينافي الأخذ بالأسباب، فالرسول ﷺ مع أبي بكر تحصن بالدروع وأخذ السيوف والرماح ﷺ ، وكذلك أبو بكر، ومع ذلك يقول: ﴿يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟﴾ يقول بعض العلماء: ترك الأسباب قدح في العقل، والاعتماد عليها قدح في الشرع، والسلامة أن تجمع بين التوكل والسبب، وحتى نفهم هذا أضرب مثلاً بطالب يريد أن ينجح في الامتحان، قلنا له: ذاكر، فإذا ترك المذاكرة وقال: أنا أنجح متوكلاً على الله بدون مذاكرة ففي عقله شيء، وإذا اعتمد على المذاكرة ونسي الله فهذا قدح في الشرع. وإذا قال: أنا أنجح بلا مذاكرة، ولا توكل على الله فقد قدح في العقل والشرع، ويمكن أن يصل إلى درجة النفاق، وإذا أخذ بالتوكل والسبب فذاكر وتوكل على الله، فهو المؤمن الكامل، وكذلك كان أبو بكر قال بعض أهل العلم: ومن شدة توكل أبي بكر على الله أنه أنفق أمواله في سبيل الله وما خاف العنت، وقال بعض أهل العلم: إذا خفت لأنك ما بلغت هذا المستوى فلك أن تبقي بعض مالك، لأنه لا يصل إلى درجة أبي بكر إلا القليل من الناس، ﵁ وأرضاه. فهو أفضل الناس بعد الرسول ﵊، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه الصديق الأكبر وأنه أول الصحابة فضلاً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي خلافاً لأهل البدعة. وقد روى ما يقارب مائة وثلاثة وثلاثين حديثاً أو قريباً من ذلك كما في مسند الإمام أحمد، وفيه كذلك فائدة أن العلم ليس بكثرة الرواية، وأن الخوف من الله ليس بكثرة الكلام وإنما هو بخشية الله الواحد الأحد. أسأل الله أن يجمعنا وإياكم بـ أبي بكر الصديق، وأن يرينا وجه أبي بكر الصديق، وأن يجعلنا ممن يجلس مع رسول الله ﷺ وأبي بكر الصديق.

стр. 8402

عمر بن الخطاب ثانياً: عمر بن الخطاب وسنتعلم منه الزهد: في درس رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه نتعلم الزهد والعدل والشجاعة، الزهد في سيرة رجل، والشجاعة في سيرة إمام، والعدل في سيرة حاكم، وكلها تجتمع في سيرة عمر بن الخطاب ﵁. هو أبو حفص أسلم متقدماً قيل: في الثامنة عشرة من عمره أو التاسعة عشرة، كان قبل أن يسلم ميتاً لا يعرف الحياة، لأن الحياة في كتاب الله وسنة الرسول ﷺ معناها الحياة بالإيمان والقرآن: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. كان شجاعاً ﵁، أتى إلى الرسول ﵊ متوشحاً سيفه يريد البطش بالمسلمين، فسمع أن أخته أسلمت فاستمع لقراءتها، ثم دخل فضربها فأدماها، فقال: ناوليني الصحف، قالت: أنت مشرك نجس لا أناولك شيئاً من القرآن حتى تتطهر، فقرأ شيئاً من القرآن، وقرأ تلك الليلة: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه:١ - ٤]. فدخل الإيمان قلبه، وامتلأ بلا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، وذهب إلى الرسول ﷺ فبايعه على نصرة هذا الدين، فكان إسلامه نصراً لهذا الدين، ولشريعة محمد ﷺ .

стр. 8403

من فضائل عمر وسيرته أما فضائله فكثيرة، وقبل أن أتعرض لسيرته أتعرض إلى بعض فضائله: في الصحيح أن الرسول ﵊ يقول: ﴿عرض علي الناس البارحة -يعني: في المنام- وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله -يعني ما تفسير ذلك؟ - قال: الدين﴾ فدينه ﵁ أصبح سابغاً ساتراً كالثوب الأبيض عليه. وفي الصحيح قال ﷺ : ﴿أتيت البارحة بلبن فشربت حتى أني لأرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم﴾ فهو من أعلم الناس؛ لكن بخشية الله تعالى. أما من كراماته فما ذكر صاحب تاريخ داريا بسند صحيح قال: وقف عمر ﵁ يخطب الناس يوم الجمعة، وبينما هو في الخطبة إذ قطع الخطبة فجأة ثم رفع صوته يقول: يا ساريةُ الجبلَ يا ساريةَ الجبلَ! يا ساريةُ الجبل! فلما نزل قال الصحابة: مالك؟ قال: كشف الله لي الغطاء فرأيت جيش المسلمين في العراق ورأيت العدو قد حاصر سارية فناديته أن يعتصم بالله ثم بالجبل، وبعد شهر أتى سارية منتصراً فقالوا: هل أحسست بشيء؟ قال: في يوم الجمعة من شهر كذا سمعت صوت عمر والناس على المنابر يناديني يا سارية الجبل! فاعتصمت بالله ثم بالجبل فنصرني الله. أما سيرته فحدث عن العدل وحدث عن الخشية وحدث عن الزهد ولا حرج. أما في الزهد فقد ضرب المثال الأروع، يقولون: من يوم تولى الخلافة إلى أن توفي وعليه ملحفة واحدة يرقعها كلما تمزقت، وقد أتى سفير فارس إلى المدينة ليفاوض عمر، فدخل المدينة مع وفدٌ على مستوى عال، يريد أن يخاطب عمر بن الخطاب الذي دوى صيته في العالم، فسأل أين قصر عمر؟ قالوا: لا قصر له، قال: أين هو؟ قالوا: هذا بيته، وإذا هو بيت من طين، فذهب إلى البيت فضرب على الباب، فقال أهل عمر: ليس هنا، التمسه في المسجد فإنه ينام الضحى في المسجد، فذهب إلى المسجد والوفد معه وأطفال المدينة وجواري المدينة يلاحقون أهل فارس لأن عليهم الديباج والحرير في منظر بهيج ما رئي في الحياة، فما وجدوه في المسجد ودل الصحابة على مكانه فوجدوه تحت الشجرة نائماً ودرته -العصا- بجانبه، فوقف عليه هذا فأخذ يرتعد وأخذ يقول: هذا الخليفة؟ قالوا: هذا الخليفة، فقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت، يقول حافظ إبراهيم: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها إلى أن يقول: فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم ونمت نوم قرير العين هانيها وفي عام الرمادة وهو عام القحط والجدب وقف على المنبر فقرقرت بطنه من الجوع وهو في الخطبة، فقطع الخطبة وقال لبطنه: [[قرقري أو لا تقرقري، فوالله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين]]. وقال للناس في خطبة من الخطب وهو يتكلم إليهم: يا أيها الناس! اسمعوا وعوا، فقام سلمان الفارسي وقال: والله لا نسمع ولا نعي، قال: ولم يا سلمان؟! قال: أتكتسي ثوبين وتكسونا من ثوب واحد -كان يوزع من الغنائم من ثوب- فقال لابنه عبد الله: يا عبد الله! قم فأجب سلمان، قال: أما الثوب الثاني فإنه قسمي مع المسلمين أعطيته والدي، فقال سلمان: الآن قل نسمع وأمر نطع، فقال عمر: يا أيها الناس! ما رأيكم لو رأيتموني اعوججت عن الطريق هكذا، فقام أعرابي في المسجد وقال: يا أمير المؤمنين! والله لو رأيناك اعوججت عن الطريق هكذا لقلنا بالسيوف هكذا، فتبسم وقال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من لو مال عن الطريق هكذا لقالوا بالسيوف هكذا. أما معالم سيرته ﵁ في العدل، فإنها تأخذ مجلدات ومؤلفات، ومن شاء فليطالع ما كتب الأعداء فضلاً عن الأصدقاء، فالإنجليز كتبوا في سيرته وعدله. أما خشيته فلا إله إلا الله ما أخشاه لله! أخذ البكاء في خديه خطين أسودين، كان يقرأ غالباً في صلاة الفجر سورة يوسف، فإذا وصل إلى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] توقف حتى يسمع له نشيج وللمسجد غمغمة من البكاء، ومر بـ أبي بن كعب في صلاة التراويح، وعمر هو الذي جمع الناس وإن لم يصل معهم صلاة التراويح، بل كان يصلي في آخر الليل، وفي أثناء صلاة التراويح كان يجوب المدينة وينزل من سكة ويصعد الأخرى ويقف عند مفترقات الطرق، وعند مجامع الناس، وعند الأرامل، والأطفال، قال: والله لو أخذت شاة من المدينة لظننت أن الله يسألني يوم القيامة عنها، مر بـ أبي بن كعب وهو يقرأ في صلاة التراويح: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦]. قالوا: فألقى الدرة وهو في السكة يسمع القرآن ووقع على الأرض، قال ابن كثير: فعاده الناس من مرضه شهراً كاملاً ﵁ وأرانا الله وجهه في مستقر الرحمة، فقد كان صادقاً مع الله، وكان الرسول ﷺ يحدث أنه لو كان أحد نبياً بعده لكان عمر بن الخطاب ﵁ وأجزل مثوبته.

стр. 8404

زهد عمر ﵁ أما تقشفه فإنه تعلمه في مدرسة الرسول ﵊، دخل على الرسول ﷺ في مشربة، والرسول ﷺ نائم على حصير قد أثر في جنبه، وما في المشربة -الغرفة- إلا شيء من شعير معلق، فأتى عمر ينظر إلى الرسول ﷺ فوجد الحصير قد أثر في جنبه فدمعت عينا عمر، فقال له ﷺ : مالك يا ابن الخطاب؟ قال: يا رسول الله! ملوك فارس والروم في عيش هنيء وهم أعداء الله، وأنت حبيب الله في هذا العيش، قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قال: بلى. فأخذ من ذلك درساً لا ينساه. يقول جابر بن عبد الله ﵄: اشتريت لحماً من السوق وذهبت به إلى أهلي، وإذا بـ عمر مقبلاً فخبأت اللحم تحت إبطي -حتى الصحابة يخافون منه، لأنه يحاسب الأمراء، ويحاسب الناس؛ ممن اشتريت؟ وماذا شريت؟ وماذا تريد؟ - فلقي جابراً فأمسكه فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: لحم اشتهيته فاشتريته، قال: أكلما اشتهيت اشتريت! والله إني أعلمكم بما آكل ولكني أخشى أن أعرض على الله يوم القيامة فيقال لي: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الاحقاف:٢٠]. ودخل عليه الحارث بن زياد أحد الأمراء، وقد كان يوم عرفة يحاسب أمراءه على الأقاليم، أمير العراق، أمير الشام أمير مصر أمير اليمن، وكان يأتي بالرعية ويقول: تكلموا عن أميركم وواليكم -في حوار مفتوح- فأتى إليه الحارث بن زياد في المدينة فرأى عمر يأكل خبز الشعير بالزيت، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك أحق الناس بالعيش الهنيء والمركب الوطيء قال: ثكلتك أمك، والله لا تتولى لي ولاية، ظننت أنك تعينني على طريق الآخرة فإذا أنت تهوشني أو تهرشني على الدنيا، فعزله. وفي المدينة وهو جالس مع الصحابة رضوان الله عليهم من بقية العشرة المبشرين بالجنة، وعلماء الصحابة وهم ملء المسجد، وإذا برجل مصري يدخل ويبكي، فقال عمر: مالك؟ قال: ابن أميرك على مصر ضربني، قال: ولم؟ قال: سابقته على فرس فسبقته فقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين، فضربني. قال عمر: والله لأقتصن لك منه، ثم قال: عليَّ بـ عمرو بن العاص فأرسل إليه وحبس المصري القبطي عنده، فوصل عمرو بن العاص وابنه محمد فجمع عمر الصحابة كلهم ثم أخذ درته، وقال للصحابة: والله لا يحول بيني وبين عمرو بن العاص أحد، هذا الوالد، أما حساب الولد فسوف يأتي فيما بعد، فقام يضربه فيقول عمرو بن العاص داهية العرب: الله الله في رأسي، فقال: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً]] انظر إلى هذه الكلمة التي تسجل من نور، ثم قال للمصري: خذ العصا واضرب ابن الأكرمين، فأخذ يضربه فيصيح قال: اسكت فإنك أنت ابن الأكرمين -يستهزئ به- فلذلك علَّم ﵁ بسيرته وبكلامه العدل.

стр. 8405

عبادة عمر ﵁ أما عبادته: فأعظم عبادة الصدق مع الله، وقف عند الجمرات في آخر حجة حجها وقال: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتةً في بلد رسولك، قال له الصحابة: من يريد الشهادة يا أمير المؤمنين يخرج إلى قتال الأعداء، ولا يقتل في المدينة قال: هكذا سألته وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت، وعاد إلى المدينة، وفي أول ليلة رأى في المنام كأن ديكاً نقره ثلاث نقرات، فذهب في الصباح إلى أسماء بنت عميس الخثعمية زوجة جعفر بن أبي طالب زوجة الشهداء، هذه المرأة الصالحة ما تتزوج رجلاً إلا ويقتل شهيداً، حتى قال بعض الصحابة: من أراد الشهادة فليتزوج أسماء، قيل تزوجها ثلاثة أو أربعة كلهم قتلوا في سبيل الله، كانت تعبر الرؤيا. قال: يا أسماء! قالت: نعم. قال: رأيت البارحة كأن ديكاً ينقرني ثلاث نقرات فما تأويل رؤياي؟ قالت: يقتلك رجل من العجم، فاستودع الله نفسك يا أمير المؤمنين! فذهب فصعد المنبر آخر جمعة فأخذ يبكي ويقول: يا أيها الناس! من ظلمته أو شتمته أو اغتصبت شيئاً من ماله فليقتص مني قبل ألا يكون درهم ولا دينار. وفي صباح السبت وما أدراك ما صباح السبت؛ قام ليصلي الفجر، ولما قرأ في الركعة الأولى من سورة يوسف بكى وبكى الناس فركع، وتقدم له أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر سمه شهراً كاملاً حتى أصبح الخنجر أزرق من السم، والسبب أنه حاقد، وأن وراءه عصابة من أهل فارس وأخذ له حجة أن عمر ﵁ ما حكم بينه وبين مولاه، فضرب أمير المؤمنين ثلاث طعنات فوقع صريعاً على الأرض، وهو يقول: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، فحمل، وأكمل الصلاة ابن عوف وعاد أبو لؤلؤة فقتل سبعة أو ستة ثم قتل نفسه، أما عمر فحمل على أكتاف الرجال فكان يفتح عينه وهي تمتلئ بالدموع ويقول: هل أتممت الصلاة؟ قالوا: لا. فيقول: الله المستعان، وصل إلى بيته ووضع على الأرض فوضعوا رأسه على مخدة فقال: انزعوا المخدة من تحت رأسي علَّ الله أن يرحمني، ثم قال له ابن عباس: طوبى لك يا أمير المؤمنين! أسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك رحمة، أسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك، قال: يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا علي، ثم فاضت روحه بعد أن أكمل صلاة الفجر ﵁. وسيرته طويلة طويلة ولا يمل الإنسان من سيرة عمر، يقول ابن مسعود: إذا ذكر الصالحون فحيهلاً بـ عمر. قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها

стр. 8406

دروس وعبر من سيرة عمر وفي سيرته دروس: أولها: أنه لا ينبل العبد ولا يقرب من الله إلا بالصدق والإخلاص، وقد تجلت هذه في سيرته. الدرس الثاني: أن الزهد من أعظم الأعمال عند الله ، زهد أهل السنة لا زهد أهل البدعة، وهو الزهد في الحرام والمكروه، والزهد في المباح الذي يشغلك عن طاعة الله، قال ابن تيمية: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. هذه الكلمة تحفظ، لأن بعض الناس الآن يزهد في الثياب، وربما لا يشتري سيارة، ولا يسكن فلة، ثم يتعطل عن كثير من الفرائض والعبادات بسبب ترك هذه الأمور، وهذا ليس من الزهد، إذ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، أما ترك ما ينفع في الآخرة فحمق، وكل شيء لا ينفعك في الآخرة؛ مثل كثرة الثياب والسيارات، وكثرة المال إذا لم تنفق منه في مرضاة الله، أما إذا أنفقت من المال وخدمك في الآخرة ورفع درجتك فليس تركه من الزهد بل من الحمق. الدرس الثالث: العدل؛ وهذا على مستويات أدناها أن تعدل -كما يقول ابن تيمية - بين طالبين أو بين تلميذين، لو عرض لك تلميذان لتصحح لهما فظلمت أحدهما لقيت الله يوم القيامة ظالماً، والظلم يدخل على رب الأسرة بأن يحكم بين بناته أو أطفاله فيقدم هذا ويؤخر هذا، وقد أتى والد النعمان بن بشير إلى الرسول ﷺ وقال: أريد أن تشهد أني أعطيت النعمان هذا المال، قال: ألكل ولدك أعطيت ذلك؟ قال: لا، قال: استشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور، أو كما قال ﷺ . ومن الظلم ظلم القضاة، وظلم المسئولين على كافة مستوياتهم؛ كما قال ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾. ومن الدروس: أن الرؤيا الصالحة للمؤمن من المبشرات، ولكن لا تبنى عليها أحكام، فإذا رئيت لك رؤيا صالحة فاحمد لله، أو رأيت لرجل من الصالحين رؤيا فأخبره بها فهي من المبشرات التي تركها ﷺ لنا. ودرس أخير: أن عمر عند أهل السنة والجماعة هو في المرتبة الثانية بعد أبي بكر، ثم عثمان ثم علي؛ هذا ترتيبهم عند أهل السنة ولو خالف أهل البدعة، لأن أهل الرفض نسأل الله أن يعافينا مما أصابهم يسمون أبا بكر الجبت، ويسمون عمر الطاغوت، أولئك ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤].

стр. 8407

عثمان بن عفان ثالثاً: أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ونتعلم من سيرته ثلاث مسائل: أولها: الحياء. وثانيها: البذل. وثالثها: الخشوع. الحياء والبذل والخشوع كلها في سيرة عثمان ﵁. كان ﷺ جالساً في بيته معه أبو بكر وعمر بل ورد في الرواية عن عائشة أنه كان ﷺ كاشفاً عن فخذه، وقيل عن شيء من ساقه، فدخل أبو بكر فما تزحزح ﷺ عن مكانه، ودخل عمر فما غير مجلسه، فلما دخل عثمان ستر ﷺ رجله، فلما انتهوا قالت عائشة: يا رسول الله! دخل أبو بكر فما تغيرت، ودخل عمر فما حولت مجلسك، ثم دخل عثمان فرأيتك تسترت، قال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة. فالرجل الذي تستحي منه الملائكة هو عثمان بن عفان، يقول: والله ما مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ ، ويقول عنه أهل السير: ما اغتسل إلا جالساً حياء من الله، هو في الظلام يغتسل لكن معه الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] والاغتسال واقفاً حلال ومباح، لكنه يجلس حياء من الله: حياء من إلهي أن يراني وقد ودعت دارك واصطفاكا

стр. 8408

خشوعه ﵁ ونتعلم من عثمان ﵁ مع الحياء الخشوع، فقد كان ابن عباس ﵁ إذا قرأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] يقول: ذاك عثمان بن عفان، وقال المروزي في كتابه قيام الليل: صح عن عثمان وصحح هذا السند ابن حجر في فتح الباري أنه قام بالقرآن في ركعة واحدة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر في الحرم، والقصة مفادها أنه دخل الحرم وهو متلثم لئلا يراه إلا الله، وهو أمير المؤمنين الخليفة الذي إليه السلطة العليا في الدولة الإسلامية، فدخل وكان يحفظ القرآن، فاقترب من المقام بعد صلاة العشاء فكبر، فقرأ القرآن من أوله، وانتهى ومؤذن الفجر يؤذن، في ركعة واحدة. يقول أهل السير: وقد صح عنه أنه كان يفتح القرآن بعد صلاة الفجر فيقرأ حتى صلاة الظهر فيقول الصحابة: لو خففت على نفسك يا أمير المؤمنين! فيقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من القرآن، فهذا درس في الخشوع، والثابت عنه أنه كان يتوضأ في الليل ثم يقرأ ويصلي ويبكي، ثم يعود ينام قليلاً، فما يأتيه النوم من الخوف، ثم يقوم ويتوضأ، وهكذا حتى يطلع الفجر، فهو القانت بالقرآن، وهو المتدبر للقرآن، يقول حسان في مرثيته لـ عثمان بعد أن قتل: ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا يقول: هؤلاء المردة الفجرة ضحوا برجل عنوان السجود في وجهه، أشمط أي: شيخ لأنه بلغ الثمانين، يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً، وسوف نأتي إلى مصرعه في آخر هذا الدرس إن شاء الله.

стр. 8409

بذل عثمان ﵁ أما البذل فلا تسأل عنه، فهو من أكرم الناس يريد بذلك ما عند الله، ويشتري الجنة بماله، وله مواقف نبيلة في الإسلام لا يفعلها إلا مثله من الأخيار، وحينما أراد الرسول ﷺ أن يجهز جيش تبوك وهو ثلاثون ألفاً، ارتقى ﵊ المنبر في شدة الحر وقال لتجار الصحابة وأغنيائهم: من يجهز جيش تبوك وله الجنة! فسكت الناس لأنه ثلاثون ألفاً يحتاج إلى إبل وخيول ومال كثير، فمن يجهزه ضمن له النبي ﷺ الجنة. وكما سبق معنا أن ابن القيم قال: أنزل الله عقداً من السماء أملاه بنفسه، ووقع عليه محمد ﷺ ، وقبض الثمن الله، أما الثمن فأرواح المؤمنين، وأما السلعة فالجنة، وأما الشاهد فجبريل، قال فبايع محمد ﷺ الصحابة في مجلس العقد، فانفض المجلس والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع، فقال ﵊: من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ فسكت الناس، فقام عثمان وسط الناس بشخصه كأنه النجم، أو كأنه العلم وسط الناس وقال: أنا يا رسول الله! فدمعت عيناه ﷺ وقال: ﴿اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾. يقول: لو فعل الذنوب فإن هذه الجبال من الحسنات تأتي عليها فلا يضره ما يفعل، وهو لن يفعل شيئاً؛ لأن الله ثبته بالقول الثابت، لبذله في سبيل الله وبيعه نفسه من الله، وظمئ الصحابة فقال ﵊: ﴿من يشتري بئر رومة وله الجنة؟﴾. مشاريع الخير ليست تلاوة فقط، وليست ركعات، وليست تسبيحات، وليست صلاة ليل فقط، بل هي إيصال النفع للمسلمين، وهي أن تحيي أرواحاً، وتملأ بطوناً، وتروي أكباداً، هذا هو الإسلام قال: ﴿من يشتري بئر رومة من اليهود وله الجنة؟﴾ فاشتراها عثمان، فكان الصحابة يشربون من عطش ويبكون ويقولون: سقى الله ابن عفان من سلسبيل الجنة، غاب عن بدر، ولماذا غاب عن بدر؟ لأنه يمرض بنت الرسول ﵊، وقد زوجه أغلى شيء في حياته بعد هذا الدين، فمرضها فماتت، فزوجه ﵊ الثانية فمرضت وماتت، وأخذ ﷺ في مجلس الحزن بعد موت الثانية يقول: ﴿يا عثمان! والذي نفسي بيده لو كان عندنا غيرها لزوجناك﴾ ثم كناه ﷺ (ذا النورين) ويستحق كل خير، وتخلف عن بيعة الحديبية والسبب أن الرسول ﷺ أراد أن يفاوض كفار قريش لما أراد أن يزور مكة، فوقف له كفار قريش بالمرصاد، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من المعركة والقتل، فقال ﷺ : ﴿من يذهب يفاوض قريش؟ قم يا ابن الخطاب﴾ يعني: عمر، فقال عمر: يا رسول الله! أنا رجل صاحب فعائل في قريش -وصدق، أي: أنا لساني وسيفي فعلت أفعاعيل، وسوف ألقى جزائي بالمرصاد، هذا معنى الكلام- وأسرتي ضعيفة يا رسول الله! فأرسل رجلاً تحبه قريش وأسرته تحميه، قال: من هو؟ قال: ابن عفان فقال ﵊: ﴿قم يا عثمان﴾ فقام على جمل أحمر ووصل إليهم فحبسوه في الضيافة ثلاثة أيام، وأتى الخبر إلى الرسول ﷺ بأن عثمان قتل، وما قتل ولكنهم يضيفونه وتكرمه أسرته، فقال ﵊: عليَّ بالناس، فاجتمعوا جميعاً وظن أن عثمان بل تأكد أن عثمان قتل، فبايعهم على الموت، فلا حياة ولا استقرار ولا أمن حتى ينتصف من دمائهم، فلما وصل إلى بيعة عثمان قال ﷺ : ﴿وهذه عن عثمان﴾. قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١٨]. وتوفي ﵊ وبقي عثمان على العهد ينفق أمواله في سبيل الله، وإذا أظلم الليل وسكنت المدينة خرج وهو خليفة بالطعام على ظهره يطرق على الأيتام والمساكين والأرامل ويعطيهم الحبوب، والزبيب، والدقيق، والتمر ثم يعود يصلي إلى الفجر، يقول أحد السلف: والله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت عثمان يطعم الناس الثريد -والثريد الخبز مع اللحم- وإنه ليأكل خبز الشعير مع الزيت وهو خليفة! كان وجهه كفلقة القمر من كثرة تلاوته للقرآن، ومن انكب على القرآن والذكر فبإذن الله بعد سنوات يكون ووجهه كالنور، لأن القرآن نور على نور: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]. وصعد ﷺ جبل أحد معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وقيل الزبير، فارتج جبل أحد والحديث صحيح، سبحان الله! من جعل الجبال ترتج لهؤلاء النفر، ولهؤلاء الجيل الذين ساروا على الأرض؟ لا أطهر منهم إلا الأنبياء والرسل، سبحان الله! من جعل جبل أحد كما في صحيح البخاري ﴿يحبنا ونحبه﴾ يقول سيد قطب: الله أكبر حتى الجبال تحب المؤمنين، والمؤمنون يحبون الجبال، نعم. وبعض الجبال تكره المؤمنين والمؤمنون يكرهونها. ﴿جبل أحد يحبنا نحبه﴾ وهو من جبال الجنة، وجبل عير من النار، فالرسول ﷺ يحب هذه الجبال لمعانٍ الله أعلم بها، وهذا قديم عند العرب حتى يقول مجنون ليلى: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا يقول يأتي إلى قرية ليلى وليست فيها ليلى فيأتي يقبل الجدران، والسكك، والحوائط لأنها سكنها يقول: وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا فالمؤمنون يحبون هذا، والشاهد أنه ﷺ قال لـ أحد: ﴿اثبت فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد﴾ وبالفعل كان عثمان من الشهداء.

стр. 8410

فتنة مقتل عثمان ﵁ أتته شهادته وهو يقرأ القرآن على فراش الموت، عاش ثمانين سنة كلها في سبيل الله، وثار عليه ثوار والله الحكم العدل يحكم بين عباده في مقعد صدق عند مليك مقتدر؛ في يوم العرض الأكبر: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. صام في آخر يوم من حياته لله ، وكان كثير الصيام، ونام قبل العصر فاستيقظ وقال لأهله: أنا أفطر في الجنة إن شاء الله هذه الليلة، قالوا: كيف؟ قال: رأيت الرسول ﵊ وأبا بكر وعمر فقال لي ﷺ : يا عثمان! سوف تفطر عندنا الليلة، وبعد صلاة العصر بدأ الهجوم واقتحام منزله ﵁ من ثلة من الثوار المتمردين على الدولة الإسلامية من مصر، من لفائف وسفل وثوار ومتمردين مشاغبين، تجمعوا ثم اقتحموا منزله، وكانوا قبلها بيوم منعوا عنه الطعام والشراب، وحاصروه وكان صائماً فرئي كما في السير أنه قال: أتيت بدلو ماء بارد فشربت وأنا في النوم حتى رويت، وأما في اليوم الآخر من حياته ﵁ فاقتحموا منزله ودخلوا عليه وهو يقرأ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧] حتى وقعت دماؤه على هذه الآية، ضرب بالسيف على رأسه، ما قاتل أبداً؛ لأن الرسول ﷺ قال: ﴿يا عثمان! إنك سوف تقمص قميصاً فإذا أراد الناس أن تنزعه فلا تنزعه﴾ والقميص هي: الخلافة، وقال بعض أهل العلم أن الرسول ﷺ وصاه قال: لا تدافع عن نفسك، كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، فما دافع، وقال للحسن بن علي والحسين وعبد الله بن الزبير وهم يذبون عنه: أسألكم بالله إن كان لي عليكم طاعة فإني أمير المؤمنين أن تتركوني وتتركوا الناس، ولن أدافع عن نفسي، فاقتحموا عليه فضربوه بالسيف فرفع صوته فقال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧] وسالت دماؤه على المصحف، يقول أحمد شوقي: جرحان في كبد الإسلام ما التأما جرح الشهيد وجرح بالكتاب دمي يقول: جرحان في الإسلام ما التأما، جرح عثمان وجرح القرآن في كبد الأمة الإسلامية لم يلتئم بعد. ولف ﵁ ودفن ليلاً في البقيع ولم يكن في مقبرة الرسول ﷺ أو قريباً من الغرفة التي دفن فيها ﷺ ، لأن الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر دفنوا متقاربين متجاورين، القبر الأول قبر الرسول ﷺ ، ومن عند أكتافه يبدأ رأس أبي بكر ومن عند أكتاف أو صدر أبي بكر يبدأ عمر، وأتي ب عثمان ليدفن هناك فمنع الثوار دفنه فدفن في البقيع. وفي البخاري من حديث سعيد بن المسيب أن أبا موسى قال: ﴿خرج ﷺ فالتمسناه أين يذهب قال: فوجدناه قد خرج إلى مزرعة رجل من الأنصار فأتيت فوجدته قال: فدخلت وراءه وقلت: لأكونن حارس رسول الله ﷺ اليوم، لا يدخل أحد إلا بإذن، وهو وحده ﷺ قال: فأتى إلى بئر رجل من الأنصار فدلى رجليه في البئر وجلس ﵊. قال: ولما جلست عند الباب قلت: يا رب! تعال بأخي أبي عامر، عله أن يدرك شيئاً أو دعوة في هذه الخلوة، قال: فإذا بطارق يطرق قلت: من؟ قال: أبو بكر، قلت: انتظر أستأذن لك من رسول الله، قلت: يا رسول الله! أبو بكر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فأذنت له فأتى على يمين الرسول ﵊ فدلى رجليه في البئر كما فعل ﷺ ، -لأنهم يشاركونه في الحركات والسكنات لأنه المعلم العظيم- قال: فطرق الباب طارق، قلت: من؟ قال: عمر بن الخطاب - انظر إلى هذين يعيشان سواء، شيخا الإسلام، هذا الأول وذاك الثاني دائماً؛ حتى وضع حجر أساس مسجد الرسول ﷺ أتى ﷺ بالحجر فوضعها فقام أبو بكر فوضع الثانية وعمر وضع الثالثة فعرف الناس أن رجل الساعة أبو بكر ثم عمر وهكذا قال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فأذنت له، فأتى حتى جلس عن يسار الرسول ﷺ فدلى رجليه في البئر، قال: فإذا بطارق قلت: من؟ قال عثمان، قلت: انتظر استأذن لك من رسول الله ﷺ ، قال: فاستأذنت له فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. قال: فأتيت فقلت: ادخل يبشرك الرسول ﷺ بالجنة على بلوى تصيبك، قال: الله المستعان﴾ -وهي في صحيح البخاري، وهي كلمة حارة ومحزنة، (الله المستعان) أي: لا يستعان إلا بالله فدخل القف -هكذا يسمى- فوجده قد امتلأ فأتى فقابل الرسول ﵊ وأبا بكر وعمر ثم دلى أرجله مقابلاً لهم. قيل لـ ابن المسيب: فما أولت ذلك؟ قال: قبورهم، وأصاب فإنهم مجتمعون في مكان واحد وهو نازح في البقيع ﵁.

стр. 8411

دروس من حياة عثمان وسيرته طويلة ﵁ لكن أخذت منها نقاطاً نتعلم منها الخشوع والبذل والحياء. أما الحياء فكله خير كما قال ﵊، وتعريفه من سيرة عثمان: أنه ما صدك عن المحارم، فالحياء الذي يصدك عن المحارم هو الذي يحبه الله، أما الذي يمنعك عن طلب العلم، أو التفقه في الدين، أو سؤال العلماء، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فليس من الحياء في شيء بل هو الخجل المذموم. وفي البخاري موقوفاً على مجاهد بن جبر المفسر قال: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر، فلا ينبغي أن يكون بينك وبين العلماء حاجز؛ أن تقول: أستحي أن أسأله أو أن أناقشه في أمور منزلية، أو عائلية أو شخصية، لا. بل اسأله ﴿إنما شفاء العي السؤال﴾ كما قال ﵊، وقالت عائشة: [[نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين]] وكان أكثر الناس حياء موسى ﵇ وهو القوي الأمين، حيي لكن عن المحارم، بنت الرجل الصالح -قيل شعيب وقيل غيره- لما أتت تدله على منزل أبيها قال: تعالي ورائي، انظر إلى الأمين الذي يحفظ الله في الغيب، حتى لا ينظر إلى شيء منها، فكانت وراءه فكانت تقول: خذ يمينك، خذ يسارك، الطريق من هنا، الطريق من هناك حتى وصل إلى بيت أبيها، قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] أما القوة فزحزح الصخرة ولا يستطيع لها عشرة، وأما الأمانة فرأته في الطريق، ولذلك رزقه الله الرسالة الخالدة ورفع الله اسمه، وأنتم تسمعون في صلاة التراويح ما نقرأ صفحات إلا ويطالعنا حديث موسى، نعيش كما قال سيد قطب: معركة نسف وإبادة مع بني إسرائيل في هذه الليالي، يا بني إسرائيل، ولقد أرسلنا موسى، وإذ قال موسى، وواعدنا موسى، حتى قال بعض علماء الإسلام: كاد القرآن أن يكون لموسى، هذا هو الحياء المطلوب في الإسلام. وأما البذل: فهو البذل في سبيل الله بلا رياء ولا سمعة، بعض الناس يبذل للرياء والسمعة ملايين مملينة أو ألوفاً مؤلفة، ولكنه في الخير من أبخل الناس، وهذه صفة اليهود: ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء:٣٧] والبذل ليس فقط بالمال، بل قد يكون بالجاه؛ بأن تبذل جاهك عند المسئول شفاعة للناس، وقد يكون بالبسمة الحانية الرقيقة لإخوانك المسلمين، وقد يكون بأن تجود بوقتك لزوارك وضيوفك وللدعوة، يقول ابن القيم عن رجل: من كرمه أنه يسامر ضيفه ولا ينام حتى ينام الضيف. متيم بالندى لو قال سائله هب لي فديت كرى عينيك لم ينم أي: لو قال له الضيف أرجوك لا تنام لقال: لن أنام هذه الليلة، فهذا الكرم بالوقت، والكرم بالعلم، وهو أن يبذله لمستحقيه، وقد ذكر الله ذلك في كتابه. يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود وأما الخشوع فهو سيرة عثمان الدائمة، فالقرآن والبكاء، والمناجاة في السحر حين ينزل الله في الثلث الأخير فيعطي من سأل، ويغفر لمن استغفر، ويتوب على من تاب هي ديدنه. سلام على عثمان في الخالدين، وألحقنا الله به في الصالحين، وأجلسنا معه في مقعد صدق عند رب العالمين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم يتقبل الله عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

стр. 8412

علي بن أبي طالب رابعاً: علي بن أبي طالب. أبو الحسن ﵁ وأرضاه رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو بمكانة هارون من موسى من الرسول ﵊، وفي غزوة خيبر قال ﵊ للصحابة قبل أن يناموا: ﴿لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه﴾. قال عمر ما أحببت الإمارة إلا في تلك الليلة، لأن من مواصفات هذا الأمير أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وفي الصباح قال ﵊: أين علي بن أبي طالب؟ قالوا: يا رسول الله! هو مريض بالرمد، والله ما يرى مد يده، قال: عليَّ به، فذهبوا فأخذوا بيديه يقودونه حتى وقف بين يدي الرسول ﵊، فبصق في عينيه، لأن ريق الرسول ﵊ فيه بركة، وفيه من الخير ما الله به عليم، فإذا هو يبصر وقبلها يقول: اذهب، قال: والله يا رسول الله! ما أرى مد يدي، وقال: ادن مني، فدنا فتفل في عينيه فإذا هو يبصر، وقال: اذهب علَّ الله أن يفتح عليك، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، فذهب يهرول إلى حصن خيبر فنزل له مرحب اليهودي بطل من أبطال اليهود الشجعان، والشجعان في اليهود قليل لأن اليهود من أجبن الأمم في الأرض، لكن قد تأتي نادرة، ولكل قاعدة شواذ، فجاء مرحب هذا فنزل بالسيف وعليه لأمة، وكان كبير الجسم وأخذ يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب وما درى مرحب أن أمامه علي بن أبي طالب، وما درى أن أبا الحسن له بالمرصاد، شاب يشرب الموت مثل ما نشرب الماء، فنزل علي بن أبي طالب وقال: أنا الذي سمتني أمي حيدرة وحيدرة اسم الأسد، وللأسد عند العرب تسعة وتسعون اسماً، منها حيدرة، وقد كانت أمه تلاعبه وهو صغير وتقول: حيدرة، فقال: أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أكيلكم بالسيف كيل السندرة فاختلفا ضربتين، ثم ضربه علي بن أبي طالب فأطار رأسه كأنه ما خلق له رأس، وعاد يكبر ويهلل ويكبر معه المسلمون ويهللون. وخرج ﵊ إلى تبوك فأراد رجلاً أميناً ليكون على أهله وقرابته وعلى نساء المدينة، فاختار علي بن أبي طالب وقال: أنت خليفتي في المدينة، فلما خرج ﷺ من المدينة جاء المنافقون إلى علي، وانظر إلى أهل الغش والدسائس قالوا: ما تركك إلا تثاقلاً منك، فلبس سلاحه يريد أن يخرج إلى الغزوة مع الرسول ﷺ ، فلقيه وهو يبكي ويقول: يا رسول الله! تثاقلت مني وتركتني، فدمعت عيناه ﷺ وقال: ﴿أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي﴾ فأعاده إلى المدينة وفي سيرة علي ثلاث مبادئ: المبدأ الأول: مبدأ الشجاعة. المبدأ الثاني: مبدأ الزهد. والثالث: مبدأ الفصاحة.

стр. 8413

شجاعة علي ﵁ أما الشجاعة: فقد كان ﷺ إذا أراد أن يبارز جيشه جيش الكفار، انتدب علي بن أبي طالب، فحين أتى عمرو بن ود في الخندق وهو من أشجع الأبطال في العرب فقال: من يبارز؟ من يبارز؟ فسكت الصحابة، فقال علي: أنا يا رسول الله! وعلي في تلك الفترة في الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من عمره، فيلتفت ﵊ ويقول: إنه عمرو بن ود، قال: ولو كان عمرو بن ود، وفي المرة الثانية قال: من يبارز؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: إنه عمرو بن ود، قال: ولو كان عمرو بن ود، وفي الثالثة يخرجه ﵊ فخرج يكبر، فلما التقيا قال عمرو بن ود: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: حيهلاً بك يا بن شيخ الأباطح، لأن أباه أبا طالب شيخ مكة، ثم بدأ الصراع، يقول عمرو بن ود قبل المبارزة: والله ما أريد أن أهريق دمك وحلف بلاته وعزاه، فقال علي: ولكني والله الذي لا إله إلا هو أريد أن أهريق دمك، فاختلفا ضربتين وخيم الغبار على البطلين ثم انكشف الغبار وإذا علي ﵁ على صدر ذاك، وذبحه كما تذبح الشاة، وعاد إلى الرسول ﵊. وفي بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم تجلى الله إلى أهل بدر قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، قال كفار قريش: أعطنا ثلاثة نبارزهم فكان منهم علي بن أبي طالب فإنه من أشجع الناس، وفي قلبه شجاعة الله بها عليم، يقولون: كان يخوض معارك العراق كما ذكر ذلك ابن جرير وغيره فكان يأتي في الضحى فيقول بالسيف هكذا فيتقاطر الدم على كفه، ويقول به هكذا فيلمع مع الشمس، وكان إذا بارز رجلاً خلع درعه ونازله بلا درع، وهو الذي يقول: أي يومي من الموت أفر يوم لا يقدر أم يوم قدر يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر جلس عند جدار يقضي بين رجلين وهو الحاكم، وكان أميراً للمؤمنين، وإذا بالجدار يريد أن ينقض عليهم، فمر رجل فقال: يا أمير المؤمنين! الجدار يريد أن ينقض عليكم، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالوا: فلما قضى بين الاثنين وقام انهد الجدار مكانهم. وكلمة (حسبنا الله ونعم الوكيل) هي شعار الموحدين، قال ابن عباس: [[حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ يوم قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. فقد كان شجاعاً لأنه موقن بلقاء الله، ويعرف أنه لا يتقدم على أجله ولا يتأخر.

стр. 8414

زهده ﵁ أما زهده في الدنيا فحدث عنه ولا حرج، فقد عاش الفقر، أتى إلى الرسول ﷺ يخطب ابنته فاطمة التي والله لو كانت الدنيا ذهباً وفضة ما تساوي إصبعاً من أصابع فاطمة، ومحمد إقبال شاعر الباكستان يقول في فاطمة: هي بنت من؟ هي أم من؟ هي زوج من؟ من ذا يساوي في الأنام علاها أبوها محمد ﷺ ، وزوجها علي بن أبي طالب، أبناؤها الحسن والحسين. أما أبوها فهو أكرم مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها وعلي زوج لا تسل عنه فما أزكى شمائله وما أنداها إيوانه كوخ وكنز ثرائه سيف غدا بيمنيه تياها في روض فاطمة نما غصنان لم ينجبهما في الكائنات سواها أتى علي إلى الرسول ﷺ يريد أن يخطب ابنته فخجل علي ولم يتكلم في الموضوع، لأنه أمام سيد البشرية ومعلم الإنسانية ومزعزع كيان الوثنية ﷺ : حياء من إلهي أن يراني وقد ودعت دارك واصطفاكا فجلس، فقال ﷺ : ماذا تريد يا بن أبي طالب؟ كأنك تريد فاطمة، قال: نعم. قال: هل عندك مهر تدفعه؟ قال: لا والله يا رسول الله! ما عندي شيء. لا شيء عنده؛ لكن له قلب يؤمن بالله، وعنده رسالة خالدة، ودم يقدمه لخدمة هذا الدين، ونفس أغلى من الدنيا وما فيها، ولذلك يهون الذهب، وتهون الفضة، ويهون المنصب والوظيفة، ولا تساوي بلا إيمان الحذاء التي نطؤها. قال: ما عندك شيء؟ قال: ما عندي شيء، قال ﷺ : التمس لعلك تجد شيئاً، فنكس رأسه يفكر، لا خزائن ولا بنوك، لا شيكات ولا وظائف، ولا شيء، قال: يا رسول الله! عندي الدرع الحطمية التي أخذتها، درع مكسرة في البيت يلبسها علي في المعركة، لأنه عسكري دائماً ليل نهار. فقال ﵊: عليَّ بها، قال علي: فأتيت بها والله ما تساوي درهمين فعقد له ﷺ وقال: ﴿بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير﴾ وبدأ الحياة في بيت متواضع أظنه والله أعلم على طول الرجل كما وصف، وفراشه فرو متواضع يقول: ﴿زارنا ﷺ أنا وفاطمة على فرو حتى وجدت برد قدميه ﷺ فقال: ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ قالوا: بلى. قال: تسبحان الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبران الله أربعاً وثلاثين عند النوم، فذلكما خير لكما من خادم﴾. فهذا أحسن من جارية، وممن يخدمكم، فكان علي يأتي في الصباح إلى هذا الفرو فيضعه على الفرس، وفي الليل يفترشه وفاطمة ليناما عليه، لكن: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الإنسان:٨ - ١٣]. هل سمعت أبلغ من هذا الكلام، والله إنه ليهزنا ويقيم شعر الرأس من بلاغته: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢ - ١٣] الآيات. يقول علي: انتهى طعامنا من البيت أنا وفاطمة فقالت في الصباح: اذهب فالتمس لنا طعاماً، وليس لديهم مزرعة ولا وظيفة ولا مال، ولا بيت مؤجر ولا مساهمات في شركات، قالت فاطمة: اذهب فالتمس لنا رزقاً علَّ الله أن يرزقك هذا اليوم -للبطون فقط- قال: فأخذت عليَّ فرواً من البرد ثم تسللت إلى أرض اليهود، فدخلت على يهودي وهو يسني على السواني، وكانوا ينزحون الماء من البئر على الجمل، فقال اليهودي: يا غلام! وهو لا يدري من هو؛ إنه أبو الحسن من عظماء الدنيا، يا غلام! قال: نعم. قال: أتنزع لي غرباً بتمرة؟ قال: نعم. أنزع فكان علي كلما نزع غرباً أعطاه اليهودي تمرة حتى ملأ يديه، ويوم ملأ يديه ذهب، فلقيه ﷺ فقال: أين كنت يا بن أبي طالب؟ فأخبره، فقال: أين التمر؟ فأراه فدعا له ﷺ بالبركة، وأكل منه تمرة، والبركة ما بقي من أكله ﷺ تعادل الدنيا، فذهب إلى فاطمة فأخذ يأكل معها، فتلك حياة علي ﵁ حياة الزهد. ولذلك تولى الخلافة ومكث فيها خمس سنوات، وكان يأتي يوم عيد الفطر وقيل عيد الأضحى فيوزع بيت المال على الفقراء ويترك أهل بيته، يصلي ثم يكنس بيت المال، لا يترك الزبيب ولا الحبوب ولا المال، فيكنس البيت ثم يصلي ركعتين ثم يبكي ويقول: اللهم اشهد أني ما تركت درهماً ولا ديناراً ولا تمرة، وأتى في ليلة من الليالي فدخل على أهله بعد موت فاطمة في العراق فقال: هل عندكم شيء؟ قالوا: ما عندنا شيء، فخرج بسيف الرسول ﷺ ذي الفقار، قال: يا أهل العراق! قاتلكم الله، أموت جوعاً وأنا أمير المؤمنين بين أظهركم، والله ما في بيتنا خبزة ولا تمرة؛ من يشتري مني هذا السيف، فلطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله ﷺ ، فدفعوا له بعض المال أو اقترض بعض المال ﵁.

стр. 8415

فصاحة علي ﵁ أما فصاحته: فهو الخطيب حقاً، خطيبٌ كالسيل، وهو لم يدرس في جامعة ولا كلية ولا مدرسة، لكن علمه الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وتربى في بيت النبوة، ورضع من ثدي الرسالة، يأتي يوم الجمعة فينهل بالخطبة فيبكي الناس، وتقشعر الأبدان من كلامه، لأن كلامه صادق مؤثر. وفي ذات يوم سئل: يا أمير المؤمنين! كم بين العرش والأرض؟ لم يمترها ﵁ بل قال: بين العرش والأرض دعوة مستجابة، وهذا من أحسن ما يقال، دعوة مستجابة بين العرش والأرض، ولذلك تسري في ظلام الليل ويقول الله لدعوة المظلوم: ﴿وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين﴾ قيل له: كم بين الشرق والغرب؟ وهو لم يمتر الشرق والغرب، قال: مسيرة الشمس يوماً، لأنه فصيح جد فصيح، والرجل صاحب نسك، وكان يوقر الصحابة خلافاً لمن يدعي حبه الآن ممن تأثموا بحبه، لأنهم رفعوه فوق منزلته التي لا يرضاها هو، بل صح عنه بالتواتر أنه كان يقول على منبر الكوفة: خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر ﵁ وعنهم. وكان يقول: كان الرجل من أصحاب الرسول ﷺ إذا حدثني بحديث استحلفته، فإن حلف صدقته؛ أي: إذا جاء صحابي إلى علي بن أبي طالب يحدثه عن الرسول ﷺ قال: احلف أنك سمعت هذا الحديث، قال: فإذا حلف صدقته فعملت به ونفعني الله به ما شاء، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر -أي: أن علياً لم يستحلف أبا بكر وأبو بكر لو تكلم عن أهل الدنيا لصدق وبر -قال: إن الرسول ﵊ يقول: ﴿من أذنب ذنباً فتوضأ وصلى ركعتين واستغفر الله من ذاك الذنب، غفر الله له ذاك الذنب﴾. فخذوا هذا الحديث هدية بالمجان، والحديث صحيح في المسند: ولا يلزمك أن تذهب إلى الحاكم وإن أصبت حداً، لا. بل كما في الحديث وأورده ابن حجر في بلوغ المرام: ﴿من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله﴾ فأنت إذا أذنبت ولو بذنب كالجبل ثم راجعت نفسك، ورأيت أنك تعرض على الله وأنك محاسب، وأنك ضعيف؛ فقمت فتوضأت وصليت ركعتين واستغفرت الله غفر الله لك ذاك الذنب، ومصداقه قوله وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦]. وفي البخاري أن الرسول ﷺ دخل على فاطمة، وأنت إذا سألت المرأة وقلت أين هو، يعني: زوجها -قالت: ﴿غاضبته فخرج إلى المسجد﴾ - انظر الحياة؛ لا نعيش في الخيال، بعض الناس إذا رأى إنساناً يغاضب أهله قال: هذا ليس مسلماً، كيف يغاضب أهله؟ لكن هذه حياة الواقع، ومن يعيش حياة الناس ويرى المشكلات التي تدور يرى أن الناس لن يبلغوا درجة الملائكة، ﴿فأتاه ﷺ فوجده نائماً والتراب على جنبه، فأخذ ينفضه برجله ﷺ ويقول له: قم أبا تراب! قم أبا تراب!﴾ فكانت أحب كنى علي بن أبي طالب وأحسن من أن تقول له: يا أبا الحسن، وأهل الشام لما تقاتل هو وإياهم كانوا يقولون: أبا تراب فكان يفرح بهذه الكنية، كما يقول الأول: وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها يقول: يا ليت كل مسبة مثل هذه، لأن الرسول ﷺ هو الذي كناه، وفي صحيح البخاري أن الرسول ﷺ قام من الليل، فذهب إلى علي وفاطمة فأيقظهما فقال: ألا تصليان، ثم رجع إلى بيته فصلى ﵊ وانتظر هل يسمع الباب يفتح، وهل يسمع من يتوضأ، لأنههما قريبان منه، فما سمع فعاد فقال لـ علي: ألا تصليان؟ فقام علي يعرك عيونه من النوم ويقول: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أمسكها وإن شاء أرسلها، فانصرف النبي ﷺ وأخذ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤]. وتولى الخلافة بعد عثمان، وأقام زهداً وعبادة وصدقاً مع الله، فكان يأتي في ظلام الليل الدامس يصلي ويبكي، ويقول كما في حديث ضرار بن الحارث: [[يا دنيا يا دنية! طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها، زادك حقير، وعمرك قصير، وسفرك طويل، آهٍ من قلة الزاد، وبعد السفر، ولقاء الموت]] وكان شاعراً مجيداً من أفصح الناس، لكنه ما اشتغل بالشعر، بل انصرف إلى القرآن والحديث، لأن الشعر وحده ليس برسالة، يقول في مقطوعات له من أحسن ما يقال: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الموت نبنيها فاعمل لدار غدٍ رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها هذه من أحسن كلمات الموحدين، وبقي على الصفاء والزهد والعبادة، وبقي يتحسر على حياته مع الرسول ﷺ . حتى مرض قبل موته بأسابيع فقال له ابنه الحسن وهو أكبر أبنائه: يا أبتاه! أوصِ لنا، واكتب لنا كتاباً فإني أخاف أن تموت الليلة، قال: والله لا أموت الليلة. كيف يحلف أنه لا يموت الليلة؟ هل عنده صك أنه لا يموت الليلة؟ نعم. قال: والله ما أموت من هذا المرض؛ لأن رسول الله ﷺ وعد أنني لا أموت موتاً حتى تخضب هذه من هذه، يقول: أنا ما أموت على الفراش، ولن أموت إلا بالسيف، والله ما كُذِّبت ولا كَذَبْتُ، فشفي من مرضه واستمرت به الحياة قال: قال لي رسول الله ﷺ : ﴿تدري يا علي من أشقاها؟ قلت: يا رسول الله! قاتل الناقة، قال: وتدري من أشقاها؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أشقاها من يقتلك﴾ فأتى عبد الرحمن بن ملجم أحد الخوارج الخبثاء الحقراء، مبتدع ضليل مارد فاجر، أتى إلى امرأة اسمها الرباب فطلب الزواج منها وكانت جميلة فقالت: أتزوجك بشرط أن تقتل علي بن أبي طالب، فأخذ يسم سيفه بالسم شهراً كاملاً حتى أصبح السيف أزرق، ثم أتى في صلاة الفجر، وكان علي بن أبي طالب يوقظ الناس لصلاتهم، ودخل المسجد ووجد هذا الفاجر قد اضطجع على سيفه، جعله تحت بطنه في الطول وانبطح عليه، فأتى يركله بقدمه ويقول: إن هذه ضجعة أهل النار، فاستيقظ وقام علي يكبر فلما كبر لركعتي الفجر قام ذاك الفاجر فاستل السيف فضرب علياً في جبهته، ووقع الدم في لحيته ووقع على الأرض، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، ورفع إلى البيت ﵁، وأتى الناس يشهدون قال: الله الله لا يقتل إلا قاتلي، أي لا تزيدون في القتل، وأخذ أبناؤه يقولون: أوصنا، قال: أوصيكم بما وصى به إبراهيم ويعقوب بنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] جزاك الله عن الإسلام خير الجزاء، ما أحسن الكلمات! وما أصدق العبارات! وما أعطر السيرة والحياة الخالدة، ذلك هو أبو الحسن علي بن أبي طالب رابع الخلفاء.

стр. 8416

دروس من سيرة علي بن أبي طالب نستفيد من هذه السيرة دروساً: أولها: الزهد؛ وهو منزلة عالية، وهو الذي فارق بيننا وبين الصحابة، فالصحابة زهدوا في الدنيا فرفعهم الله وجعل الجنة مثواهم، ونحن أحببنا الدنيا فأخذت أوقاتنا وليالينا وأيامنا إلا من رحم ربنا. وثانيها: أن الشجاعة في ذات الله هي المحمودة، وأنه لا يمدح الجبان، ومن استخدم شجاعته في رضى الله كانت له شرفاً في الدنيا وذخراً في الآخرة، وبعض الناس شجاعته على جيرانه وإخوانه وأرحامه، حتى أن بعض القبائل ليس لديهم كلام إلا صبحنا آل فلان، ومسينا آل فلان، وضربنا آل فلان، وقاتلنا آل فلان وهم مسلمون، فهذه ليست بشجاعة، هذه معصية يحاسبون عليها عند الله، إنما الشجاعة على الكافر عدو الله، والشجاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما العنصريات، وشجاعة التفاخر على المسلمين فليست بشجاعة. وثالثها: أن الصدق في الكلمات دليل على صدق القلوب، فصادق القلب يجعله الله صادق اللسان، ولذلك كان علي بن أبي طالب صادقاً في كلماته، يقول ابن كثير: (باب في كلماته الحاصلة التي إلى القلوب واصلة). ورابعها: أن من تقلل من هذه الدنيا فما عند الله له خير وأبقى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] فقد ذهب علي بن أبي طالب، وذهب أبو بكر، وذهب عمر، وذهب عثمان، وذهب فرعون، وذهب قارون: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]. ستعلم أينا أهدى سبيلاً إذا عرضت على الله الأمور

стр. 8417

سعد بن أبي وقاص خامساً: سعد بن أبي وقاص. كنيته: أبو إسحاق، أسلم قديماً يوم سمع لا إله إلا الله محمد رسول الله، وسعد بن أبي وقاص قيل: هو الثالث في الإسلام وقيل: الرابع، وعلى كل فهو بالمنزلة العليا عند الله ، ولما أسلم غضبت أمه وكانت وثنية مشركة، فتهددته بكل شيء، وأضربت عن الطعام والشراب، وتألت ألاَّ تأكل ولا تشرب حتى يرجع ابنها عن دين الإسلام إلى الكفر، فحاول إقناعها فلم تقتنع، وحاول معها فلم تستجب، قال: [[يا أماه! والله الذي لا إله إلا هو لو أن لك ألف نفس فخرجت نفساً نفساً ما عدت عن ديني، فكلي واشربي أو دعي]] قالوا: فاستمرت ثم أكلت وشربت وأظنها أسلمت فيما بعد، والقصة في صحيح مسلم، فأنزل الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٥]. فلما استمر ﵁ في الإسلام كان يمين الرسول ﷺ ، وهو من خئولة الرسول ﷺ ، وكان ﵊ يقول: ﴿هذا خالي فليرني امرؤ خاله﴾ يقول: من عنده خال مثل هذا فليبرز لنا خاله الذي كخالي هذا. كان شديد البنية، متماسكاً، قائداً عسكرياً يصلح لقيادة الجيوش، ولذلك ولاَّه عمر ﵁ الجيش الإسلامي الذي فتح العراق، واجتاح دولة الأصنام والعمالة والضلالة، دولة المجوس، دولة كسرى، إمبراطورية التخلف، اجتاحها ودخل الإيوان، ولما رأى إيوان كسرى، قال: الله أكبر! فانصدع الإيوان، فقال وعيناه تدمع من الفرح، وبعض الناس عيناه تدمع من الفرح: طفح السرور علي حتى أنني من عظم ما قد سرني أبكاني قال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩]. يقول سعد: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك﴾ أي: ليكن مطعمك وملبسك وشربك حلالاً، ليستجيب الله دعاءك، وفي صحيح مسلم أن الرسول ﷺ : ﴿ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له﴾ فالمرابي والغشاش والمرتشي لا يستجيب الله دعائهم، ثم قال ﵊ ل سعد: ﴿اللهم أجب دعوته وسدد رميته﴾ فما كان يدعو بدعوة إلا تأتي كفلق الصبح، وإذا رمى كانت بإذن الله لا تخطئ أبداً. وفي معركة أحد كان ﵊ عنده كنانة، والكنانة تشبه الحقيبة فيها السهام، فكان يأخذ ﷺ السهم ويعطيه فيضرب سعد المشرك فتقع في عين المشرك أو في رأسه ولا تخطئ، فكان يتبسم ﵊، ويقول: ﴿ارم سعد فداك أبي وأمي، ارم سعد فداك أبي وأمي﴾. من يقول: فداك أبي وأمي؟ إنه محمد ﷺ ، ولم يظفر بكلمة فداك أبي وأمي إلا سعد، قال علي بن أبي طالب ما سمعت الرسول ﷺ يفدي أحداً بأبويه إلا سعد بن أبي وقاص يقول: ﴿ارم سعد فداك أبي وأمي﴾ فكان يرمي فتصيب بإذن الله . وأما إجابته الدعاء: فقد كان الله يستجيب دعوته؛ لأنه كان طيب المطعم والسريرة، والعمل والأخلاق، شاب لكنه يريد الله والدار الآخرة، ولاَّه عمر ﵁ على الكوفة أميراً، وكان أهل الكوفة مشاغبين، يشتكون أميرهم ولو كان من الملائكة، فقال لهم عمر: كيف أميركم؟ وكان عمر يجمع الناس في الحج من الأقاليم والمدن، ويسألهم: كيف أمراؤكم؟ فإذا شكوا من الأمير أتى بالأمير وأوقفه أمامهم وحاسبه وهم يرون، فقال: كيف سعد؟ قالوا فيه خير، ولكن شكوا بعض الأمور، فأرسل لجنة يرأسها محمد بن مسلمة أحد الأنصار الكبار الصادقين، وقال: اذهب إلى أهل الكوفة وسلهم عن سعد، فذهب يمر بمساجد الكوفة، كيف سعد بن أبي وقاص الأمير؟ قالوا: من أحسن الناس، عبد صالح، فذهب حتى وصل إلى مسجد من مساجد الكوفة فيها شيخ كبير أضل الله عقله، فقال: كيف سعد بن أبي وقاص؟ فقام هذا الشيخ وقال: أما إن سألتنا عن سعد بن أبي وقاص فإنه لا يخرج في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، هذه ثلاث مثالب. فقام سعد وهو يسمع الكلام، فقال: [[اللهم إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن]] قال: فاستجاب الله دعوته، فاستمر في الحياة حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري يغمزهن في شوارع الكوفة، ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد. وخرج سعد بن أبي وقاص من المسجد بعد أن صلى الجمعة، فإذا برجل يسب علي بن أبي طالب وقد قتل علي، فقال: لا تسب أخي، قال: والله لأسبنه، قال: لأدعون عليك، فلم ينزجر فقال: [[اللهم اكفنا هذا الظالم]] هذه القصة ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء، وبينما هذا الساب الذي سب علياً واقف مكانه وإذا بجمل أتى من ناحية الكوفة لا يلوي على شيء، فتأخر الناس عنه فاقترب من الرجل ثم لطمه بيده أو برجله فإذا الرجل ميت على الأرض، وهذا سنده صحيح. وكان سعد ﵁ من أقوى القواد، ولما أرسله عمر قال: يا سعد بن وهيب! لا يغرنك قول الناس إنك خال الرسول ﷺ ، فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، فكان يوصيه بتقوى الله ، وبطلب ما عند الله.

стр. 8418

سعد بن أبي وقاص في القادسية ولما أراد عمر أن يرسل الجيش وهو ما يقارب ثلاثين ألفاً إلى القادسية للمعركة، فشاور الصحابة، فكان كثير منهم يرى أن يخرج أمير المؤمنين قائداً للجيش، فخرج عمر ولبس السلاح، وأصبح القائد عمر، ولما وصل إلى ضاحية من ضواحي المدينة نزل يستعرض الجيوش، أتت جيوش من اليمن وجيوش من الجزيرة من غطفان وتميم، فلحقه علي بن أبي طالب قال: يا أمير المؤمنين! أرى ألاَّ تخرج قائداً وابق في المدينة، فإنه إذا هزم الجيش كنت وراءهم ردءاً وعوناً لهم ومدداً، وإنك لو ذهبت وهزمت سحق الإسلام واجتيحت عاصمة الإسلام، وصدق ﵁، قال عمر: من ترى أن نولي؟ قال: نفكر، فذهب الصحابة طيلة الليل وعمر في الخيمة يفكرون من الذي يولونه مكان عمر بن الخطاب يقود الجيش، وإذا ب عبد الرحمن بن عوف أقبل يهلل، فقال عمر: مالك؟ قال: وجدت الأسد في براثنه، قال: من هو؟ قال: سعد بن أبي وقاص، قال: أصبت أصاب الله بك الخير، فأتى بـ سعد فولاه ﵁ فذهب، وقاد الجيش، وكانت معركة القادسية من أعتى المعارك في الإسلام، قائدها سعد بن أبي وقاص، وأصابه مرض ﵁ في مقاعده حتى ما كان يستطيع أن يجلس، فكان يصعد على الحصن فيتكئ على صدره وبينه وبين الحجر وسادة، وكان يدير الجيش من فوق الحصن، ولما قطعوا جسر دجلة كانت تمر القوافل والكتائب الإسلامية؛ الخيول ثم الجمال ثم يمر الأبطال من طرف الجسر ليقاتلوا الأعداء، فقطع أهل فارس الجسر، فإذا بالناس في النهر، فغرق منهم مئات وماتوا، فنظر سعد ودعا الله أن ينجي جيش الإسلام وقال: يا خيل الله اركبي، أي امشي في النهر، فسمعته الخيل، والجمال، وجمَّد الله النهر، فما أصبح ثلجاً تنزلق عليه الأقدام، ولا ماء تغوص فيه، وإنما أصبح كأنه يبساً، لا تخاف دركاً ولا تخشى، فمر الجيش حتى نزل في الجهة المقابلة، واستمرت المعركة ثلاثة أيام كأنها من أيام الله الكبرى التي تمر بالأمم، حتى ذهل كثير من الناس، وشاركت الفيلة، وفقد بعض الناس أبناءهم وأعمامهم، وأتى القتل الرهيب الذي لا يعلمه إلا رب السماوات والأرض، وفي تلك الأيام أرسل رستم قائد فارس: جاسوساً وقال: اذهب وادخل في جيش المسلمين وانظر ماذا يفعلون في الليل، وادخل في جيشنا وانظر ماذا يفعلون، فذهب هذا الجاسوس في الليل فدخل في جيش المسلمين فوجد فرقة تقرأ القرآن، ووجد طائفة تبكي وتدعو الله، ووجد طائفة أخرى ركعاً لله، ووجد آخرين سجداً، ووجد آخرين يتذاكرون العلم والحديث والفتيا، ووجد سعداً يبكي في الليل ويرفع يديه ويطلب الله النصر، وعاد إلى جيش فارس فوجد طائفة يعاقرون الفتيات في الزنا، ووجد آخرين بكاسات الخمر، ووجد آخرين في نوم عميق يغطون، وفي سباتهم يعمهون، فعاد فأخبر رستم فعض أصابعه، وقال: هزمنا، هذه أول الهزائم، وفي صباح اليوم الثاني قال رستم: أخرجوني لأرى المسلمين هؤلاء، فأخرجوه فنظر، فإذا هم الألوف المؤلفة ورأى سعداً إذا كبر كبروا، وإذا ركع ركعوا، وإذا رفع رفعوا، وإذا سجد سجدوا، فأخذ القائد الفارسي يعض أصابعه، ويقول: علَّم محمد الكلاب الأدب، كذب عدو الله، بل علم محمد ﷺ الأسود الأدب. وفي اليوم الثالث أرسل إلى سعد قال: أرسل لي شاباً من جنودك أتكلم معه، يريد أن يعرف ما الذي حصل للعرب، فقد كانوا قبل ذلك بدواً، والآن يريدون يفتحوا أرض كسرى وقيصر. قال سعد: من نرسل؟ قالوا: أنت أبصر، قال: قم يا ربعي بن عامر! شاب في الثلاثين من عمره، لا تغير من هيئتك شيئاً واخرج إلى رستم قائد فارس الذي يقود مائتين وثمانين ألفاً، فادخل عليه وتكلم معه، فأخذ هذا الصحابي ﵁ أسماله البالية، وثيابه الممزقة، ورمحه في لفائف في قماش حتى الرمح ليس له خبء، وذهب بفرس كبير هزيل قحم عجوز، فأخذ يقوده وليس عنده حرس ولا موكب ولا أُبَّهة، ولا تاج ولا ثياب مثل ثياب الناس حتى دخل، فقيل: يستأذن عليك رسول سعد بن أبي وقاص، قال: أدخلوه، وقبل أن يدخلوه قالوا: أتى رستم فلبس تاج الذهب وألبس أمراءه والحاشية والبطارقة مثله ليرهب ربعي بن عامر، فدخل ربعي برمحه يخرق الوسائد التي وضعها ليعلمه أن الدنيا تافهة لا تساوي عندنا شيئاً، فقال له رستم: لماذا خرجتم؟ إن كنتم جياعاً أعطيناكم الأموال، وإن كنتم عراة كسوناكم، وإن كان بكم حاجة أعطيناكم حوائجكم، قال ربعي: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فقال رستم مستهزءاً: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور وهذا الرمح المثلم، وهذه الثياب الممزقة! لسان حاله: الذي يفتح الدنيا، ويصارع الدول عنده جيش، قال: فأعاد عليه الكلمة فغضب وأقسم بآلهته لا تخرج حتى تحمل تراباً من تراب إيواني هذا، وكان ساكناً في الصحراء وعنده سرادق، فحملوه في صحفة أو قصعة أو طست أو صحن تراباً فأخذه على رأسه وركب الفرس، فقال البطارقة ل رستم: مالك؟ إن معنى تسليمك التراب أنه يحتل الأرض، قال: أدركوه، فذهبوا وراءه فوجدوه قد دخل في جيش المسلمين، قال سعد: ما هذا الذي على رأسك؟ قال: تراب من ترابهم، قال: نصرنا ورب الكعبة، وفي اليوم الرابع أتى سعد ﵁ وقال: انتهت المفاوضات يعني باءت بالفشل، وما بقي إلا السيف الأملح، قال سعد: إني مصلٍّ الفجر وسوف أكبر بعد الصلاة تكبيرة، فإذا كبرت التكبيرة الأولى فاركبوا الفرسان، فإذا كبرت الثانية فاستقبلوا الأعداء، فإذا كبرت الثالثة فالقتل، فكبر الأولى فركب الخيالة على الخيول وأهل الجمال والمغامرون والمنازلون والمبارزون، وكبر الثانية فاستقبلوا الأعداء، وكبر الثالثة فبدأ القتل، واحتدمت المعركة ثم هزموهم بإذن الله، وكان من فشلهم أنهم كانوا يسلسلون كل عشرة بسلسلة لئلا يفروا، فكان إذا قتل واحد من العشرة أخذوا يسحبونه، فإذا قتل الثاني لم يستطيعوا أن يسحبوه فيسقط معهم الثمانية فتدوسهم الخيل، حكمة بالغة، وقدرة نافذة فما تغني النذر، حتى امتلأ بهم النهر ومر سعد ﵁ في كتيبته الخاصة به حتى وصل إلى المدائن أرض الخبث وعاصمة الكفر، فافتتحها ورأى إيوان كسرى الذي بقي عليه ألف سنة ففتحه بـ (الله أكبر) ثم جلس فيه يقرأ القرآن ﵁. واستمر في حياته مجاهداً حتى عزله عمر بقرار، وكان عمر ﵁ يريد أن يبقى الصحابة أصفياء أوفياء بلا دنيا ولا مهاترات، فاعتزل ﵁ ورجع إلى المدينة وقال له عمر: يا أبا إسحاق! ما عزلناك خيانة فيك، ولكن أضن بك على الدنيا أو كما قال، وأتى أهل الكوفة فقالوا: سعد بن أبي وقاص لا يحسن الصلاة، فقال عمر: تعال يا سعد! يقول أهل الكوفة: إنك لا تحسن الصلاة، فضحك سعد، وقال: سبحان الله! يعيرني بنو أسد أني لا أعرف أصلي، وقد أدخلتهم في الإسلام بسيفي هذا، وصدق، قال: ماذا تفعل؟ قال: أركد في الأوليين وأخفف في الأخريين، هذا الحديث في الصحيحين، قال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق. وقتل عمر فبقي على العهد وتولى عثمان وبقي على العهد، ولما قتل عثمان اختلفت الأمة وأتت الفتنة فاعتزلها وذهب إلى الصحراء ﵁ معه قطيع غنم، وصنع بيتاً من شعرٍ -خيمةً- وسكن هناك يقرأ القرآن ويبكي، فيأتي ابنه ويقول لأبيه: مالك ترعى الضأن والناس يتقاسمون الملك؟ قال: اغرب عني والله إني أولى الناس بالخلافة وإن الخلافة أولى بي من قميصي هذا، يقول: لو كنت أريد الخلافة كنت أطلبها ولكني سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي﴾ وهذا الحديث في صحيح مسلم. ولما أتته سكرات الموت أتت ابنته عائشة وقالت: يا أبتاه! تموت في الصحراء وحدك بعد أن رافقت الرسول ﵊، وصاحبت أبا بكر وعمر وعثمان؟ قال: يا بنية! لا تبكي علي؛ والله إني من أهل الجنة، قال الذهبي معلقاً في السير: صدق هنيئاً له ومريئاً ونحن نقسم بالله أنه من أهل الجنة، فقد أخبرنا محمد ﵊، يقول: ﴿أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وابن عوف في الجنة والزبير في الجنة وطلحة في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد بن نفيل في الجنة وأبو عبيدة في الجنة﴾ فنشهد أنهم من أهل الجنة، وذهب إلى الله، فلما سمع بجنازته بكت عليه المدينة المنورة وقالت عائشة: [[مروا بسعد علينا في البيوت حتى ندعو له]] أي: أزواج الرسول ﷺ وأمهات المؤمنين، فمروا بجنازته والبكاء يلاحق الجنازة، لأنه فاتح القادسية، وصاحب تلك المعارك الهائلة في الإسلام، فسلمت عليه عائشة ودعت له وبكت كثيراً وذهب إلى لقاء ربه.

стр. 8419

دروس وعبر من حياة سعد بن أبي وقاص ونأخذ من حياته دروساً:- أولها: أن إجابة الدعوة مقترنة بطيب المطعم، فمن أراد أن يستجيب الله دعاءه فليكن مطعمه، وملبسه، ومشربه، ومسكنه حلالاً، وإلا فلا يطمع في إجابة الدعاء. الدرس الثاني: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا أمرك الوالدان أو غيرهما بمعصية أو بمنكر، أو فاحشة فلا طاعة في ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥]. الدرس الثالث: أن الله ادخر للمؤمن أكثر مما في الدنيا، وأن الدنيا ليست غاية؛ لأن بعض الناس مقاييسهم ضحلة، ونظرتهم ضيقة، ينظرون إلى من أمده الله بصحة أو مال أو ولد أو عقار فيقولون: هذا لمنزلته عند الله، وهذا خطأ في الفهم وضلال في التوجه، لأن الله قد يحرم عبده المؤمن من الدنيا فيبقى فقيراً كـ سعد ﵁، يقول سعد ولا بأس أن نعود إلى كلمة له: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد أتت علي أيام في أول الإسلام ما لنا طعام إلا ورق الشجر، ولقد كنا نأكل من أوراق الشجر حتى تشرمت أشداقنا -أصبحت مثل أشداق الجمال من أكل أوراق الشجر- قال: فانتهى ورق الشجر حتى وجدت جلد ميتة فأخذته فأحرقته بالنار ثم سحقته ثم شربته على الماء]] هل بقي وراء هذا جوع؟ ولكن ادخر الله لهم الجنة، مقعد صدق عند مليك مقتدر. ومن سيرة سعد نأخذ أن الفضل في الإسلام بالبلاء الحسن والأسبقية، وليس بالتبجح بالكلمات، فإن أكثر الناس قدماً عند الله أكثرهم بذلاً وعطاء وعبادةً، وزهداً ودعوة وإخلاصاً وكرماً، فهذا هو المقدم عند الله، فلا للأسرة، ولا للمنصب، ولا للمال، ولا للولد. الدرس الخامس: اعتزال الناس عند الفتن، فإذا أتت الفتن والخصومات والمشاكل في القرى أو المدن فالأسلم للمؤمن أن يعتزل الفتنة، إما أن يبقى في بيته ولا يحضر إلا الجماعات والجمعة والعيد، وإما أن يخرج إلى قرية أخرى. وعند البخاري من حديث أبي سعيد: ﴿يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن﴾. فسلام على سعد في الخالدين، وجمعنا الله به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ونسأل الله أن يثبتنا كما ثبت عباده المؤمنين.

стр. 8420

ابن عباس سادساً: ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فمن هو هذا؟ إنه شاب نشأ في عبادة الله، وهو من أذكى الناس، وفتح الله عليه فتحاً لا يدور في الخيال ولا يخطر بالبال، علمه كالبحر، حتى قيل فيه لما ذكر علمه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] هو عبد الله بن عباس ﵁، ابن عم رسول الله ﷺ ، والده العباس عم رسول الله ﷺ . أسلم من صغره، وأوى إلى بيت الرسول ﷺ ، وكان حافظاً لله منذ نعومة أظفاره، ركب مع الرسول ﷺ ذات يوم على حمار، وبينما هما يمشيان في الطريق إذ قال ﵊: ﴿يا غلام! قال لبيك وسعديك قال: يا غلام! قال: لبيك وسعديك، قال: يا غلام! قال: لبيك وسعديك، قال: إني أعلمك كلمات﴾ هذه الكلمات -أيها المسلمون- تجمع أصول الإيمان، وأصول الإسلام، وأصول الوصاية، وهو من أعظم الأحاديث في الإسلام: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك،، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء إلا قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ رواه الترمذي بسند صحيح ورواه أحمد وزاد: ﴿واعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسراً، وأن الفرج مع الكرب﴾ أو كما قال ﵊. وهذا الحديث حديث عقدي في التوحيد، وفيه قضايا: أولها: أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، والمجلد الأول من فتاوى ابن تيمية حول هذه المسألة، وهو أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، وكثير من الناس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بلسانه، ويصلي، ويصوم، ويحج، ويعتمر، ولكنه يخاف الناس أكثر من الله، ويرهب الناس أكثر من الله، ويحب الناس أكثر من الله، ويخشى أن ينقطع رزقه من طريق الناس، فيخشى الناس أكثر من خشيته لله، ولذلك يقول ﵊: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك﴾ فالمسألة الأولى: أنه لا ينفع إلا الله. والمسألة الثانية: أنه لا يضر إلا الله، والله لو اجتمعت الدنيا عن بكرة أبيها لتضرك ولم يرد الله ذلك؛ فلا يمكن أن تصاب بضرر، ومصداق ذلك: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. والقضية الثالثة: أن من يحفظ الله يحفظه الله، ومفهوم المخالفة أن من ضيع أوامر الله يضيعه الله، واقرأ تاريخ الناس، وتصفح تاريخ ابن كثير وتاريخ ابن جرير وتاريخ ابن الأثير لتجد سيرة الرجل من أول حياته، فإذا وجدته في أول حياته معرضاً عن الله لا يصلي، ويستهزئ بالقرآن، فستجد في الأخير الطامة الكبرى؛ بأن يخزيه الله خزياً ما بعده خزي، ويكتب عليه اللعنة، ويأتيه من النكال والهوان والعذاب والأذى ما الله به عليم، واقرأ سيرة الرجل الآخر الذي قيل فيه: كان صالحاً يحافظ على الصلوات الخمس، ويحب القرآن والصدقات، فستجد العاقبة له، والعاقبة للمتقين. حفظ الله بالتقوى؛ أن تحفظ حدود الله وتحفظ جوارحك مع الله، يحفظك الله وقت الهرم، والشدة، والكرب، والحاجة، والموت، يوم العرصات، يوم الزحام، يوم العرض الأكبر على الله، فـ ابن عباس أخذ هذا الدرس وبدأ يحفظ الله من صغره.

стр. 8421

حرص ابن عباس على معرفة حياة النبي ﷺ وسنته وفي ليلة من الليالي -والحديث في الصحيحين - أحب أن يرى ما هو برنامج الرسول ﷺ في بيته، لأنه يرى الرسول ﷺ في المسجد، ويراه في الحج، ويراه في العمرة، لكن أحب أن يرى ماذا يفعل ﵊ في البيت، فتوخى ليلة ميمونة زوجة رسول الله ﷺ لأنها خالته، فدخل بعد صلاة العشاء مباشرة، وأتى ﵊ وابن عباس في الفراش وتلحف باللحاف، وتظاهر أنه نائم ولم ينم. نامت الأعين إلا مقلة تذرف الدمع وترعى مضجعك أراد أن يأخذ أخبار المصطفى ﷺ ، فدخل ﵊ فرآه، وكانوا ينامون مبكرين بعد صلاة العشاء، فقال لـ ميمونة: نام الغليم؟! والغليم تصغير الغلام للتحبيب يقول: قليبي تصغير قلبي للتحبيب، قالت: قد نام يا رسول الله! هذا الحكم على الظاهر وإلا فهو في الباطن ما نام، بل هو يسمع وينقل لنا هذه الكلمات بعد موته ﷺ قال: فأتى ﵊ إلى فراشة فذكر الله، وهلل وكبر ودعا، ثم سبح قال: فأخذ يسبح هوياً من الليل، أي: كثيراً من الليل، يسبح وهو على الفراش، لأنه أخشى وأبر من أوجد الله على الأرض، وأكرم من صور الله، قال: ثم نام حتى سمعت غطيطه، وفي رواية البخاري خطيطه، يعني: من النوم، وبقي ابن عباس يتابع الرسول ﷺ والرسول ﷺ نائم، قال: فقام بعد أن نام جزءاً من الليل فجلس، ما كان عندهم سُرج ولا كهرباء، بيت من طين إذا نام الإنسان فيه كان رأسه في طرف البيت ورجلاه في الطرف الآخر، ولكنه بيت من حول مجرى الإنسانية، ومن هدى البشرية، وزعزع كيان الوثنية، بيت أشرف من صوّر الله وخلق، لأن الدنيا لا تساوي عنده شيئاً، فقد أتى جبريل ﵇ بخزائن الدنيا من ذهب وفضة، وقال: أتريد أن أدعو الله أن يحول لك هذه الجبال ذهباً؟ قال: لا. أشبع يوماً وأجوع يوماً حتى ألقى الله. قال ابن عباس: فاستيقظ ﷺ والدنيا مظلمة، فأخذ ينظر إلى السماء ﷺ ويقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. إلى أن ختم العشر الآيات، وانظر إلى هذا الذكي اللماع كيف يحفظ الآيات والأدعية، والحركات والسكنات، وعمره بين الثامنة والعاشرة، ثم قام ﵊ وابن عباس يرقب بسمعه وبصره وقلبه، قال: فخرج ﵊، ثم أتى، خرج لحاجته يريد الوضوء، فقام ابن عباس إلى شن معلق بالبيت -قربة- فسكب ماء؛ لأنه من فقهه أن من خرج لحاجته يريد ماء، فسكب في الإناء ثم وضعه ثم عاد فنام، فأتى ﵊ وهو يذكر الله، فنظر إلى الماء وإلى الإناء، فقال: من وضع لي الإناء؟ يسائل نفسه لأنه في الليل وحده، ثم عرف أنه ابن عباس فقال: ﴿اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾ من الذي يدعو؟ إنه محمد ﷺ ، فهي دعوة مستجابة، فاستجاب الله له في تلك اللحظة، لأنه أبر الخلق، فقام فتوضأ ﵊، ثم أتى إلى المصلى وابن عباس لا زال يحفظ الحركات، والأدعية، والكلمات، قال: فاستقبل القبلة ثم كبر ثم قال: ﴿اللهم ربنا لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت﴾ من يستطيع أن يستوعب مثل هذه الكلمات؟! ثم أخذ يدعو فحفظ ابن عباس، فلما استمر في الصلاة قام ابن عباس فتوضأ ثم أتى عن يسار الرسول ﷺ ، والسنة أن المأموم المنفرد يقف عن يمين الإمام، لكن ابن عباس أتى عن يسار المصطفى ﵊، فالرسول ﷺ حرك يده ثم وضعها على أذن ابن عباس ففرك أذنه وهو غلام صغير، ثم حوله ﵊ حتى وضعه عن يمينه في الصلاة، فصلى ﵊ ما شاء أن يصلي، واستمر معه هذا الفتى وظفر بدعوة، ونستفيد من تلك الليلة أموراً: منها: أن لقيام الليل دعاءً خاصاً، وهو هذا الدعاء الثابت في الصحيح. ومنها: أن دعاء الاستفتاح فيه خلاف تنوع لا خلاف تضاد، فلك أن تدعو بما ورد في السنة من أدعية الاستفتاح. ومنها: أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام لا عن يساره. ومنها: أنه لا بأس بالحركة اليسيرة في الصلاة للحاجة. ومنها: كما قال ابن حجر: أنه لا بأس بفرك أذن المتعلم من يد المعلم؛ لأنه أزكى له أن تفرك أذنه، لكن فرك في حدود المعقول، فلا تفركها حتى يخرج الدم فيتوب ألا يفهم، هذه بعض فوائد الحديث. فخرج ابن عباس تلك الليلة وبدأ تأثير الدعوة في حياته: ﴿اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾ تستمر معه، كان لا يُسأل عن آية من آيات الله في المصحف إلا وينفجر كالبحر من العلم، يقول أحد تلاميذه: وقف ابن عباس يوم عرفة في الحج عند الصخرات على ناقته قال: فبدأ والحجيج أمامه ألوف مؤلفة يفسر سورة البقرة من صلاة الظهر إلى صلاة المغرب ما تلعثم، ولا سعل، ولا تنحنح، ولا توقف، قال: والله الذي لا إله إلا هو لو سمعته اليهود والنصارى لأسلموا عن بكرة أبيهم، يتفجر كالبحر ومن يوقف البحر إذا انفجر؟! كان من أفصح الناس، زد على ذلك أنه كان من أجمل الناس، قال عطاء بن أبي رباح أحد تلاميذه: والله الذي لا إله إلا هو لقد نظرت إلى القمر ليلة أربعة عشر في السماء وإلى وجه ابن عباس، فوالله الذي لا إله إلا هو لوجه ابن عباس أجمل من القمر ليلة أربعة عشر، كأن نوراً يتلألأ على وجهه من الحسن. وكان كذلك رجلاً ذا لباس حسن، وفيه أن الإسلام لا يعترف بالدروشة؛ إنسان يريد أن يستقيم وقد أمده الله بثياب ولباس حسن، فيأتي ويأخذ مقطعات من عهد السلطان عبد الحميد ويقول: هذا هو التواضع والزهد، أسأل الله أن يرفع لي درجتي!! لا. لا يعترف الإسلام بهذا، فهذا ابن عباس كان من أخشى الناس، وكان يلبس بردة حمراء مخططة بألف دينار، ووجهه كالقمر، ثم يتطيب الطيب حتى يقول أحد التابعين: رأيت على رأس ابن عباس طيباً لو كان لأحد لكان مالاً، أي: ميزانية؛ لأن الله مده بالمال والعلم، فكان يخرج على الناس بالبردة حتى أنكر عليه الخوارج وقالوا: كيف تلبس هذا؟ لأن الخوارج كانوا يلبسون ثياباً ممزقة، ويحتقر الصحابة صلاتهم إلى صلاتهم، وقراءتهم إلى قراءتهم، لكن لا فهم عندهم ولا استنباط، ولا فقه في الدين قال: أنا أفهم أم أنتم بالرسول ﷺ ؟ قالوا: أنت، قال: فلقد رأيته في البرود الحبرة التي تساوي كذا وكذا.

стр. 8422

برنامج ابن عباس اليومي أما برنامجه اليومي فكان إذا أصبح الصباح يجلس في الحرم عند الكعبة، فيبدأ بعد صلاة الفجر يدرس أهل القرآن، فإذا طلعت الشمس قام فصلى ركعتين ثم قال: علي بأهل التفسير؛ فيأتي أهل التفسير من الأمة الإسلامية، فيسألونه فيتفجر كالسيل الجرار أو كالبحر الزخار، فيقول: ارتفعوا، علي بأهل الحديث، فيفتي أهل الحديث، ثم يقول: ارتفعوا، علي بأهل الفقه فيأتي أهل الفقه، ثم يقول: علي بأهل الأدب وأهل الشعر، وقد قيل في سيرته: إنه كان يحفظ ثمانية عشر ألف بيت من الشعر، ويحفظ قصائد مطولة من أول مرة، جلس عنده شاعر مكة عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فألقى عليه قصيدة مرة واحدة فقال ابن عباس: إني قد حفظتها، قال: أعدها علي، فأعادها من أولها إلى آخرها وهي التي يقول فيها: أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكرٌ غداة غدٍ أم رائح فمهجر إلى أن يقول: وغاب قمير كنت أرجو غيابه وروح رعيان ورقد سمر ويوم وصل البيت هذا إلى سعيد بن المسيب سيد التابعين قال: قاتل الله عمر بن أبي ربيعة صغر ما عظم الله، يقول الله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يّس:٣٩]. أي أن الله سماه قمراً وهو يقول: قمير.

стр. 8423

صور من كرم ابن عباس ثم كان أكرم الناس، يقول ابن تيمية: بعض الناس يجود بالعلم وبعضهم يجود بالمال، أما ابن عباس فكان يجود بالمال وبالعلم، فقد كان يجلس في الحرم فإذا أتى وقت الإفطار قال لأهل الحرم من المسلمين جميعاً: هلموا إلى الفطور المبارك، فيأتي إلى بيوت آل العباس لأنهم من أسرة بني هاشم، أسرة الرسول ﷺ التي ما على الكرة الأرضية أسرة أشرف منها، لا في آسيا ولا في أفريقيا ولا في أمريكا، ولا في أستراليا؛ لا يوجد أشرف من بني هاشم، فكان يذهب بالناس فيأتون إلى لباب البر، ولباب العسل، وقد وضع على الناس فيأكلون ثم يغسلون وينزلون الحرم، فيدرسهم إلى الظهيرة ثم يصلي الظهر ثم يقول: هلموا إلى الغداء المبارك، فيذهبون وإذا اللحم بالخبز قد وضع في قدور وصحاف فيأكلون ثم يعودون إلى الحرم، فكان يبذل العلم والمال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. ولم يكسبه علمه غروراً، لأن بعض الناس إذا تعلم اكتسب بهذا العلم غروراً وعجباً، حتى تجد بعضهم يجعل الشهادة الجامعية أو نحوها وهي لا تساوي قرشين، يعلقها في البيت على برواز من زجاج، لكن انظر إلى أثرها في واقعه وحياته وعقيدته وسلوكه ومنهجه، ماذا تنفعك هذه الشهادة؟ إن كنت تفتخر بها فالخواجة حصل على شهادات البروفيسور، والشهادة العالمية، وجائزة نوبل، وهو في مسلاخ الكلب، وأبو بكر وعمر خرجا إلى الدنيا لا يحملون شهادة أول ابتدائي، ولكنهم فجروا طاقة الإنسان، ووجهوا الإنسان، وفتحوا بإذن الله عقل الإنسان، فبعض الناس ربما يكسبه العلم عجباً، حتى وجد أن بعض الناس ما أكسبته الثقافة إلا فجوراً وعتواً وتمرداً على آيات الله، وبعضهم أكسبته الثقافة تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يقول عز من قائل في هذا الصنف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].

стр. 8424

صور من خشية ابن عباس وكان ابن عباس من أخشى الناس لله، وقد ذكر عنه أهل السير والتراجم وغيرهم أنه كان يقف في الحرم من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر ليقرأ آية واحدة يرددها إلى صلاة الفجر ويبكي، والآية هي من سورة النساء قول الله ﵎: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣]. فكان يبكي لأن بعض المؤمنين قالوا: ربما يخفف الله عنا لأنا من أمة محمد، مثلما يفعل الجهلة الآن؛ يرتكبون من الكبائر أمثال الجبال فإذا نصحته قال: أمة محمد مرحومة، والرسول ﷺ يقول: ﴿شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي﴾. وأنت ما تدري أيها المسكين هل تدخل في أهل الشفاعة، أم أنك تحرم من الشفاعة أصلاً، أم أنك لاستهزائك وتهتكك في الحدود وانتهاكك لحرمات الله لا يمكن أن تدركك شفاعة الرسول ﵊ أبداً، لكن ابن عباس يقرأ هذه الآية فيتأمل اليهود والنصارى يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، فيقول الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] ما هو الرد؟ قال : ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨]. لماذا أخزاكم؟ ولماذا حعل منكم قردة وخنازير؟ ولماذا لعن كثيراً منكم؟ ولماذا هزمكم في كثير من المعارك؟ ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] فكان ابن عباس فيه خشية لله ، يقول عطاء: رأيت جفني ابن عباس كأنهما الشراكين الباليين من كثرة البكاء، الرجل جميل وجهه كالقمر، لكن من كثرة البكاء من خشية الله! إذا قرأ القرآن -لأنه عالم رباني- أصبحا كالشراكين الباليين في الحزام الذي يكاد ينقطع، ونسب إلى عمر أنه أخذ الدمع في خديه خطين أسودين من كثرة ما يبكي، ولذلك سبقوا غيرهم لكثرة خشيتهم لله .

стр. 8425

صور من حلم ابن عباس أما حسن أدبه، وكمال خلقه، فكان من أحلم الناس، صدره كالبحر، أتاه رجل في الحرم فسبه أمام الناس فتبسم ابن عباس، وقال للرجل: كيف تسبني وفي ثلاث خصال، قال الناس لـ ابن عباس ما هي الثلاث الخصال يا ابن عباس! قال: [[والله الذي لا إله إلا هو ما نزل قطر في بلاد المسلمين إلا فرحت به، وليس لي فيه ناقة ولا جمل]] انظر محبة الخير للناس، وبعض الناس الآن يكره إذا رأى جاره أو أخاه رزقه الله مالاً أو عقاراً أو ولداً، فهذا من أحقد الناس وأحسد الناس وفيه شبه من اليهود في قلبه، وقد وجد في بعض المجتمعات -والله- أن أحدهم إذا رزق بوظيفة، أو بنى عمارة فكأنها على قلبه ما كأنها على الأرض، قال ابن عباس: [[أما أنا فما سمعت بقطر نزل في أرض إلا فرحت به، وليس لي فيه جمل ولا ناقة، قال: ولا فهمت آية من كتاب الله إلا وددت أن الناس يعرفون منها ما أعرف، ولا سمعت بقاضٍ عادل إلا دعوت الله له وليس لي عنده دعوى]] فدعا الناس ل ابن عباس بالخير، وهذا ما يسمى صفو النفس وكمالها حتى تبلغ إلى الدرجة القصوى. ولذلك فقد شهد ﷺ لأحد الصحابة ثلاث مرات أنه من أهل الجنة، فنام معه صحابي ورأى صلاته فلم يجد كثرة صلاة في الليل، ولا كثرة ذكر قال: مالك؟ قال: هو ما رأيت غير أني أبيت وليس في قلبي غل على أحد، فرحم الله ابن عباس رحمة الأبرار.

стр. 8426

معاذ بن جبل سابعاً: معاذ بن جبل، أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام، كان يشهد العشاء مع النبي ﷺ ، ثم يرجع إلى قومه ويصلي بهم إماماً وهم مأمومون، ويجعل صلاته الثانية نافلة له ولهم فريضة، وفيه دليل على جواز ائتمام المفترض بالمتنفل، وأنتم ترون بعض الناس إذا أتى متخلفاً ونحن في التراويح والنافلة لا يدخلون معنا وهذا خطأ، بل الأحسن والسنة أن يدخل ولو كان مفترضاً ونحن متنفلون، فإمامة المفترض بالمتنفل واردة لحديث معاذ هذا وهو صحيح، وإمامة المتنفل بالمفترض واردة لحديث الأسود بن يزيد عن أبيه أنه ﷺ كان في مسجد الخيف، ثم مال فوجد رجلين فأنكر عليهما يوم تركا الصلاة وقال: ﴿مالكما؟ قالا: صلينا في رحالنا، قال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما والناس يصلون فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة﴾ أو كما قال ﵊، فهنا أربع صور صحيحة، إمامة المفترض بالمفترض وهذا بالإجماع، وهو الذي نفعله، إمامة المتنفل بالمفترض وإمامة المفترض بالمتنفل، وإمامة المتنفل بالمتنفل وكلها واردة، وعلى كل صورة حديث وإنما ذكرتها للفائدة. وكان معاذ ﵁ يطول بأصحابه إذا صلى بهم، فشكاه أحدهم بعد أن ترك الصلاة معه، وقد كان كما في بعض الروايات يقرأ سورة البقرة أو بعضها في صلاة العشاء، فأتى رجل كان يشتغل في النخل مجهداً، ثم دخل بيته فتوضأ وأتى يلحق معاذاً، فانتظر ركوعه وإذا هو يقرأ وكلما انتهى من مقطع من القرآن بدأ بالمقطع الآخر، معاذ عالم وفاهم وقلبه منشرح للعبادة نشيط، ولكن ظروف الناس تختلف؛ فيهم الضعيف والصغير وذو الحاجة والمريض، فمال هذا الرجل وانفصل فصلى وحده، ثم ذهب إلى الرسول ﷺ ، وقد سأل معاذ عنه ماله ما صلى معنا؟ قالوا: ترك الصلاة معك وصلى وحده قال: هو منافق، فذهب الرجل فشكاه إلى الرسول ﷺ ، فتغير الرسول ﷺ وغضب غضباً شديداً واستدعى معاذاً ليحاكمه وقال: ﴿أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ؟! اقرأ بالليل إذا يغشى وسبح اسم ربك الأعلى؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والصغير والمريض وذو الحاجة﴾ فأخذها معاذ درساً في التيسير ومراعاة الناس في الإمامة، ومراعاتهم في أحوالهم وحاجاتهم، وهو العدل الذي أتى به ، لكن حمل بعضهم لسوء فهمهم إلى التخفيف المفرط الذي يضيع روح الصلاة وخشوعها وهدوءها، فهؤلاء مخطئون في صلاتهم. وأرسله ﷺ إلى اليمن، لما أتى وفد اليمن فبايعوا الرسول ﷺ ، فنظر إلى أصحابه ليرسل أحدهم، ومن مواصفات الذي يرسل إلى اليمن أن يكون عالماً، وداعية وفقيهاً، وهي مجتمعه في معاذ ﵁، فهو عالم وداعية وفقيه، فأرسله ﷺ وودعته أمه وهي تبكي فقال: يا أماه! أَمْرُ رسول الله ﷺ ليس منه بد، فذهب، وودعه ﵊، وعند الترمذي أنه قال: ﴿يا معاذ! اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ وهو حديث حسن، وعند الذهبي في سير أعلام النبلاء بسند جيد: ﴿يا معاذ! اذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر﴾ وبقي في اليمن حتى توفي ﵊ ثم أتى إلى المدينة. وللفائدة فهناك شريط منشور بين الناس وقد سمعتموه عن وفاة الرسول ﵊ بصوت ملحن وهذا لا يصح، وفيه أحاديث مكذوبة وموضوعة على المصطفى ﵊، ومن ضمن الشريط قال: فدخل معاذ على أبي بكر فأنشد، قال: من بالباب؟ ثم ألقى محاضرة عند الباب، فأنشد معاذ قصيدة وأبو بكر قصيدة، وعمر قصيدة، وعثمان قصيدة، وعلي قصيدة، وكل هذا ليس بصحيح ولا حدث، والذي أتى بهذا الشريط عامي لا يفقه في الإسلام ولا في السنة شيئاً، فليتنبه له. وقبل أن يذهب معاذ إلى اليمن كان له مع الرسول ﵊ موقف، ففي الموطأ يقول: ﴿يا معاذ أحسن خلقك للناس﴾ ويظهر أنه كان فيه حدَّة، فالرسول ﵊ أتى يداوي هذه الأمراض بعلاج من عنده ﵊ علمه الله إياه، خرج مع الرسول ﷺ في غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، فذهب هو والمصطفى ﵊ والجيش، فاقتربت راحلة معاذ من راحلة الرسول ﷺ في آخر الليل، فأخذها معاذ فرصة ليسأل الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله! دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، فقال ﵊: ﴿يا معاذ لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ والحديث في الترمذي وعند أحمد بسند صحيح ﴿تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، قال: بلى. قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير، الصوم جنة﴾ يعني غطاء ووقاء وستر من النار ﴿والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا ﵊ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]-إلى آخر الآية- ثم قال ﵊: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ -يعني: ما يجمع لك أمرك ذلك- قال: بلى. يا رسول الله! قال: كف عليك هذا وأخذ بلسانه -أي: احبسه وألزمه بالخير وجنبه الشر- قال: يا رسول الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال: على وجوههم- إلا حصائد ألسنتهم﴾ وهذا الحديث أصل من أصول أهل الإسلام، وجعله النووي في الأربعين النووية، وفيه قضايا: أولها: لا عبادة إلا بتوحيد، ولا خير ولا بر إلا بعقيدة صحيحة. ثانيها: التدرج في التعليم، فلا تبدأ بتعليم الناس السنن وتنسى الفرائض، كأن تأتي إلى أناس لا يصلون الصلوات الخمس فتحدثهم في اللحى، وتقصير الثياب، فلو ربوا لحاهم وهم ملاحدة أو زنادقة فإن ذلك لن ينفع. ثالثها: أن أبواب الخير طرق إلى الجنة، وأن الناس يتفاضلون بالنوافل، ولذلك قال عز من قائل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] فالسابقون بالخيرات هم أهل النوافل، ولذلك يقول الرسول ﷺ في الحديث القدسي في الصحيحين عنه قال: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها﴾ الحديث. رابعها: أن اللبيب العاقل الفقيه قد يخفى عليه بعض المسائل، فـ معاذ خفي عليه أن الكلام من اللسان يؤاخذ به العبد، فأخبره ﵊ أن أكثر ما يدخل الناس النار الألسنة، وتسعة أعشار ذنوبنا وخطايانا من اللسان، فالكذب من اللسان، والغيبة، والنميمة، والاستهزاء، والبذاءة، والفحش، واللعن، وقذف المحصنات، والبهتان، والزور، كل هذه من ذنوب اللسان، ولذلك قال بعضهم: تسعة أعشار الذنوب من اللسان والعشر يوزع على بقية الأعضاء.

стр. 8427

حديث معاذ في التوحيد ومسائله ولـ معاذ حديث هو أصل في التوحيد والعقيدة، ركب مع الرسول ﷺ على حمار اسمه يعفور وقيل عفير، وسيد الخلق وأبرهم وأشرفهم يركب الحمار ولكنه يقود القلوب إلى باريها. يركب الحمار ولكنه أوجد رسالة خالدة أبد الدهر. يركب الحمار ولكنه أرسل كتائبه ترفع لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتبني العدل والسلام والإيمان. يركب الحمار ولكنه زرع في الدنيا الإيمان والحب والطموح. يركب الحمار ولكنه أخرج من الجزيرة العربية الساذجة علماء وشهداء وأدباء والله ما اكتحلت عين الدهر بمثل مرآهم؛ كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم أتطلبون من المختار معجرة يكفيه شعب من الأموت أحياه ومن هذا يستفاد التواضع في ركوب الدابة، وفيه أن صاحب الدابة أولى بصدرها، وفي الحديث جواز الإرداف على الدابة إذا لم تتضرر، وفيه أنه لا بأس بأن يحدث الفاضل المفضول في مسائل تخص الأمة، قال ﷺ : ﴿يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم﴾ وفيه أن من لا يعلم شيئاً فليكل علمه إلى الله، وهل يجوز لنا أن نقول بعد وفاته ﷺ : (الله ورسوله أعلم) كأن تسأل أنت في مسألة اليوم فتقول: الله ورسوله أعلم، وقد مات الرسول ﵊، الصحيح عند أهل العلم أنك تقول: الله أعلم، لأن الرسول ﷺ بعد موته لا يعلم شيئاً، أما في حياته فقد كان الصحابة إذا سئل أحدهم في مسألة وصعبت عليه قال: الله ورسوله أعلم، لكن إذا سئلت أنت في مسألة ولم تعرفها فقل: الله أعلم فقط، أما الرسول ﷺ فإنه لا يعلم بعد موته شيئاً، لأنه ميت في قبره موتاً الله أعلم به، لكن حرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وللفائدة صح الحديث في أجساد الأنبياء ولم يصح لفظ الشهداء، وقد سمعنا بعض الخطباء يقول: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء، فزيادة الشهداء ليست صحيحة. نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم لكن للفائدة فهو ﷺ لا يشفع في قبره ولو كان يشفع كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أو يستسقى به لفعل عمر ذلك وترك العباس، فهل ذهب إلى القبر وقال للرسول ﷺ : قد قحطنا يا رسول الله! فادع الله أن يسقينا، لا. بل ترك ذلك وذهب إلى العباس وقال: إنك عم الرسول ﵊ فادع الله أن يسقينا، وقال في دعائه: اللهم إنا كنا إذا قحطنا استسقينا برسولك فتسقينا، وإنا نستسقي إليك بعم رسولك فاسقنا، ولذلك تجد الخرافيين وأهل النقص والبدعة يشكو أحدهم مرضه كما أتى البرعي من اليمن ووقف في الروضة وهو شاعر اليمن المخرف البدعي: وهو من أقوى الشعراء صراحة، لكنه مخرف، يقول: يا رسول الله يا من ذكره في نهار الحشر رمزاً ومقاما فأقلني عثرتي يا سيدي في اكتسابي الذنب في خمسين عاما يقول أنا مذنب وعمري خمسون عاماً، وأريد أن تقيلني عثرتي هذا اليوم في الروضة، وهو ﵊ لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا ينجح أحداً ولا يشافي أحداً ولا يمرض أحداً، ولا يغني أحداً ولا يفقر أحداً، أتى برسالة بلغها إلى الناس وانتهى، ويقول البوصيري وهو شاعر لكنه خرافي أيضاً: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يازلة القدم يقصد الرسول ﷺ ، وأخطأ كل الخطأ وأساء كل الإساءة: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] ولذلك سر التوحيد تعظيم الله، وسر الشرك تعظيم غير الله، ومن أراد أن يتوسع في هذا الباب فعليه بالمجلد الأول من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ووالله إن هذا المجلد لو كتب بماء الذهب ما أُنصف، فإن فيه رقائق وهو يرفع القلب، ويصل القلب بالباري، ويخبرك من أنت ومن هو الله، ويفصل لك بين الخالق والمخلوق، ويفتح لك أبواباً في التوحيد ما سُمعت، وما كتبها إلا ذاك الإمام من الكتاب والسنة. فقال: ﴿ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم مضى برهة وقال: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً﴾ ﵊ في هذا الحديث كما يقول أهل العلم مسائل قد تربو على عشرين مسألة: منها طرح الإمام المسألة على التلميذ ليفهم ما عنده ولو كان العالم فاهماً لها. ومنها: أن من لا يعلم شيئاً يكل علمه إلى الله، ولذلك يخطئ كثير من طلبة العلم يوم يتقحمون الفتيا لئلا ينكسر جاه أحدهم، فيسأل عن مسألة، فيجيب لأنه إذا قال: لا أدري سيقول الناس: سبحان الله! درس في الشريعة، وأصول الدين، ولا يدري! وهذا خطأ فاحش، يقول علي بن أبي طالب ﵁: [[ما أبردها على قلبي إذا سئلت مسألة لا أعرفها فقلت: لا أدري]] ويقول : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦]. ومنها: أن الرسول ﵊ أتى بالتوحيد وهي رسالة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جميعاً وهو حق الله على العبيد كما ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد. ومنها: أن من أتى بالتوحيد ثم أتى بذنوب فهو إلى الله؛ إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، لكنه لا يخلد في النار، فـ أهل السنة يقولون: إن أهل الكبائر مسلمون ولا يخلدون في النار إن دخلوها، والخوارج أخرجوهم من الملة، وقد أخطئوا في ذلك، فصاحب الكبيرة نخشى عليه العذاب ونرجو له الرحمة من أرحم الراحمين، وقد يدخل النار سنوات أو مئات الأيام والأشهر فالله أعلم، هذا معتقد أهل السنة في أهل الكبائر، وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي﴾ وفي القرآن أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١]. وإذا سمعتم أحاديث الكفارات في السنة فهي كما قال أهل العلم من أهل السنة: كلها للصغائر، أما الكبيرة فيشترط لها التوبة، لقوله ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما لم تؤت كبيرة﴾ فأخرج هذا الاستثناء الكبيرة، ولذلك لا تكفر الكبيرة إلا بتوبة، وأما الصغائر فتكفر بما ذكر فليتنبه العبد؛ لأن بعض الناس الآن يصلون في رمضان وتجد المساجد الآن مزدحمة بالناس يصلون ويقرءون القرآن فإذا سألت بعضهم من الجهلة قالوا: لأنه كفارة ما بينه وبين رمضان الماضي، وقد ارتكب كبائر كالجبال لا يكفرها رمضان ولا يأتي عليها، فليتنبه لهذا. وأما معاذ ﵁ فشارك في اليرموك، وقاتل قتالاً شديداً، وقرأ سورة الأنفال على الناس حتى أبكاهم، وكان فصيحاً ﵁ خائفاً من الله، وحضرته الوفاة في عسقلان في أرض فلسطين، وسبب ذلك أنه سأل الله أن يموت شهيداً فأتاه الطاعون ﴿والطاعون شهادة لكل مسلم﴾ كم صح عنه ﷺ ، جاءه كالدرهم في كفه فحك هذا المكان فقال له الصحابة: شافاك الله يا معاذ! قال: لا. اللهم إنك تكبر الصغير وتبارك القليل، اللهم بارك في هذه القرحة ثم قيل له: لماذا؟ قال: كرهت الحياة وسئمت العيش. عمره يوم توفي ثلاث وثلاثون سنة فقط، كل هذا العلم والجهاد والتضحية في ثلاث وثلاثين سنة. عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر ولو كان يعطى من أعمار بعض الناس أعطي والله مقل العيون، حضرته الوفاة وأتته سكرات الموت قبل صلاة الفجر، فقال لابنته: اخرجي وانظري هل طلع الفجر، فخرجت وقالت: لم يطلع، فعاد فقال: اخرجي وانظري هل طلع الفجر، قالت: طلع، قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، هذا اليوم الذي يستقبله معاذ أول يوم من أيام الآخرة، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] وهذا أول يوم من المرحلة التي يقدم بها على عمله عند الله، ثم التفت وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الحياة لغرس الأشجار ولا لجري الأنهار ولا لرفع القصور، ولا لعمارة الدور وإنما كنت أحب الحياة لثلاث لمزاحمة العلماء بالركب في مجالس الذكر، ولمجالسة أقوام ينتقون لي أطيب الكلام كما ينتقى أطيب الثمر، وأن أعفر وجهي ساجداً لك في التراب وفي لفظ آخر في قصته وسيرته قال: بدل انتقاء أطايب الكلام كانتقاء أطايب الثمر قال: وأن أصوم الهواجر، وهي شدة الحر ثم فاضت روحه إلى مولاها وانتقل من الحياة في ثلاثة وثلاثين سنة كلها جهاد وعلم وعبادة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. هذه من سيرة معاذ المختصرة، ومن أراد أن يعود إليها باستفاضة فليراجع سير أعلام النبلاء المجلد الأول للذهبي فقد دبج في سيرته كلاماً أحسن من سبائك الذهب ومن عقود اللؤلؤ والمرجان.

стр. 8428

دروس وعبر من سيرة معاذ ونستفيد من سيرة معاذ دروساً: أولها: ينبغي على الإمام كما مر معنا في الصحيحين أن يتوخى حال المأمومين قوة وضعفاً وشيخوخة وحاجة ومرضاً، فلا يطول عليهم التطويل الممل، ثم لا يقصر تقصيراً مخلاً بل يكون وسطاً كما كان ﵊. ثانيها: أنه قد يخفى على العالم بعض الأمور فإنه قد خفي على معاذ وهو من أعلم الناس بعض المسائل وما نقص من قدره لأن علم الصحابة علم الخشية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ثم ألحقوا علم الجزئيات فقد يخفى على أحدهم جزئية ولا تنقص من قدره بل إذا قال: (لا أدري) ازداد ثقة عند الناس وتمكناً في فنه وعلمه. ثالثها: أن العلماء يتفاضلون، وأفضل علماء الأمة فيما نعلم أو قائدهم خلا الخلفاء الراشدين معاذ بن جبل، فقد حسن عنه ﷺ في حديث أنه قال: ﴿معاذ يأتي يوم القيامة أمام العلماء برتوة﴾. رابعها: أن طريق الجنة عمل عندنا، وليس كما قال غلاة الصوفية من تصوف فصفا، ومن أخذ الوفاء حتى تدرع بالوفاء، هذه كلمات ما أنزل الله بها من سلطان وخزعبلات: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] طريق الجنة عندنا في سورة يونس: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]. طريق الجنة عندنا في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣]. وطريق الجنة في قوله في فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١]. هذا أبو إسحاق الأندلسي يوصي ابنه ويقول في طريق الجنة: وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا وناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناده ذو النون بن متى إذا ما لم يفدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا وأنا أكرر مسألة هي معلومة لديكم أن الفارق بين علم السلف والخلف هي خشية الله، ولذلك لم يرتفع علماء الصحابة إلا بخشية الله، كان أحدهم لا يحفظ إلا ثلاثين حديثاً أو عشرين أو أربعين ولكنه من أعلم العلماء قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ووجد في المتأخرين من يحفظ القرآن كاملاً وآلاف الأحاديث ولكنه فاسق ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. سلام على معاذ في الخالدين، ورضي الله عنه مع الصديقين والشهداء والصالحين، وألحقنا الله به في جنة المكرمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 8429

السراج المنير من هو السراج المنير؟! إنه معلم الأمة وقائدها المصطفى ﷺ ، وهو الرحمة المهداة. والشيخ تعرض هنا لذكر صفاته ﷺ ، وكيف كانت عبادته، وأخلاقه، ودعوته، ومعاملاته، فكان بحق سراجاً منيراً.

стр. 8430

النبي ﷺ يربي الأجيال أعظم تربية الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، وصلى الله على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، وصاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. ولو أنه حسن فريد عذرته ولكنه حسن وثان وثالث فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وما دام أن الحسن ثلاثة، فأتقدم وأنثر على رءوسكم باقة من الشعر ثلاثة أبيات، ولكنها لا تعبر إلا عن الحب والوداد والصفاء وتعبر عن الإيمان وعن الحب والطموح. سلام الله أرفعه إليكم بأشواقي وحبي والتحية وأرفع من ربى أبها سلاماً إلى الأحساء في أحلى هدية ونادي الفتح أبلغه سلامي وشكري والوفاء بما لديَّه إن كان من شكر فلله الواحد الأحد، ثم لأهل الفضل؛ لأنّا أمة نقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت، فقد أحسن هذا النادي يوم جعل من رسالته الدعوة إلى الله ﵎، وأعلن تفوقه في عالم الإيمان ليقول للناس: إن الرياضة بلا إيمان ملعبة، وإن القلب بلا إيمان كتلة لحم ميتة، وإن العين بلا إيمان مقلة عمياء، وإن اليد بلا إيمان إشارة شلاء، وإن الكتاب بلا إيمان كلام مصفف، وإن القصيدة بلا إيمان كلام ملفف، فلا حياة إلا بالإيمان، ما جئنا لنلعب وما جئنا لنهدي إلى العالم الرياضة، فهم الذين أهدوا لنا الرياضة ولكن جئنا لنعيد الرياضة باسم الإيمان، وندخلها إلى العالم بالإيمان، ونعلم العالم أننا أمة الإيمان والحب والطموح. وعنوان هذا اللقاء المفتوح: السراج المنير وهو محمد ﵊، والله وتالله، وايم الله ما طرق العالم أفضل منه، ولا أنبل ولا أعدل ولا أجل منه أبداً، يعلم ذلك من يعلمه، ويجهله من يجهله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. يا أمة كانت ضائعة قبل الإسلام، هو الحديث الليلة عن رسولكم الذي أتى بالإسلام. يا أمة كانت تلعب بالعرض والدم والنار! هذا هو رسولكم ﷺ يذكر هذه الليلة. إن البرية يوم مبعث أحمدٍ نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها فأمدها مدداً وأعلى شأنها وأزال شانئها وأصلح بالها

стр. 8431

تربية لأبي بكر وعمر من جعل أبا بكر الصديق يصبح أول خليفة يبايع على الكتاب والسنة فتبكي القلوب قبل العيون؟ من جعل عمر بن الخطاب يقف ببردته الممزقة يوم الجمعة، وبطنه يقرقر من الجوع، فيقول لبطنه: [[قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين!]]؟ من جعل كسرى وقيصر الذين حكما أكبر دولتين في الأرض إذا ذكر عمر بن الخطاب في دواوينهم أغمي عليهم؟ يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه اليوم وفي هذه الليلة، أريد أن أتحدث عنه ﷺ ، لكن أصابني الدهش، وأصابني الذهول من أين أبدأ؛ وفي أي مكان أنتهي؛ وفي أي باب ألج إلى عظمته ﷺ ؟! إنني لا أتحدث عن عظيم فحسب، بل معلم للعظماء ولا عن عالم فحسب، بل أستاذ للعلماء، ولا عن أديب فكفى، بل مخرج للأدباء. أي عظيم للدنيا أو مصلح، إنما هو ورقة من شجرته ﵊:

стр. 8432

عقبة بن نافع رباه النبي ﷺ المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء الرسول ﵊ أدهشتني وأدهشتكم عظمته ولا تدهش إلا من يؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، جباهنا كانت في الأرض مدسوسة قبل مبعثه، فلما بعث رفع جباهنا، وانطلقنا بعد خمسٍ وعشرين سنة على الجبال وعلى المحيطات نرفع لا إله إلا الله، وقف عقبة بن نافع بفرسه على المحيط الأطلنطي يقول للماء: يا ماء! أوراءك أرض؟ والله، لو أعلم أن وراءك أرض لخضت البحر إليها لأنشر اسم الله العظيم هناك

стр. 8433

ربعي بن عامر يدخل ربعي بن عامر أحد الصحابة في القادسية على رستم قائد أنو شروان الضال المبتدع الخرافي الجاهل، فيضحك رستم، يضحك من العرب!! الذين كانوا بدواً لا حضارة لهم ولا ثقافة ولا معرفة، يطاردون الضب والجعلان، ويأكلون الخنافس، وينامون على وجوههم في الصحراء القوميون اليوم يقولون أنهم أهل تاريخ من قبل البعثة، وكذبوا لعمر الله، والترابيون يقولون: تاريخنا قديم من عهد عنترة، وحاتم الطائي، عنترة والله ما سفك إلا دماءكم، وحاتم الطائي إن أطعم بغاله وحميره فما كان يؤمن بالله. فلما أتى ﷺ دفع هذا الجيل ليأخذ منبر العالم، ويتكلم إلى المعمورة، ولذلك يصل ربعي بن عامر في ثيابه الخلقة التي ما غيرها -ما فتحنا الدنيا والله بعتاد هائل على الشعوب، لكن بإيمان وحب وطموح- فدخل على رستم وقال رستم وهو يضحك لوزرائه، ويلتفت إلى المسلم: أتريد أن تفتح هذه الدنيا بفرسك المعقور ورمحك المثلم، وبثيابك البالية؟! قال ربعي: [[نعم. إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]] وانتصر الإسلام وارتفعت لا إله إلا الله.

стр. 8434

قصة محمد بن واسع قتيبة بن مسلم يحاصر كابل، فلما حضر قال: أين محمد بن واسع؟ ومحمد بن واسع عابد زاهد عالم، قالوا: هو في طرف الجيش، قال: اذهبوا إليه وانظروا ماذا يفعل، فذهبوا ونظروا، فإذا هو يذكر الله ويدعو الله وإصبعه تشير إلى السماء، فعادوا إلى قتيبة فدمعت عينا القائد قتيبة، وقال: والذي نفسي بيده لأصبع محمد بن واسع، خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومن مائة ألف شاب طرير. وانتصر الإسلام يوم عرفنا الله، والأمة التي لا تعرف الله يعرفها نفسه بالأعداء، ويدعك أنفها في التراب حتى تعرفه ، وثقافة بلا إيمان والله لا تنتج إلا خسارة ودماراً وانهزامية، وأدب بلا إيمان ضياع لمعطيات الشعوب والأمم، ورياضة بلا إيمان ضحك على العقول، وضحك على العقلاء والعلماء وعلى الأمم جميعاً، يوم أتى ﷺ كان الناس بحاجة إلى مصانع، ومأكولات، ترك ذلك وبنى مسجده من طين، وبدأ من مسجده يبث الثقافة الهائلة والحضارة العامرة، يعلم في مسجده ﷺ ، أخرج أكبر العلماء وأجل المفسرين، وأكبر الأدباء، فما حصر مسجده في مهمة، إن بعض الناس قد ينكر استخدامنا لبعض الوسائل، ويقول: كيف تحضر هذه الوسائل في مثل المسجد؟ إننا نقول له: يا أيها المسلم! أنترك هذه الوسائل للكافر ليتعدى بها علينا ويبث بأفكاره في مجتمعاتنا بالوسائل ونبقى على الوسائل البدائية الساذجة القديمة؟ لا. والله لا يسبقنا، نحن أمة الإيمان والحب الطموح. الرسول ﷺ يعقد مهرجاناً أدبياً في مسجده ويحضر الشعراء في مسجده ويقرب المنبر بيديه الشريفتين لـ حسان ويقول: ﴿اهجهم وروح القدس تؤيدك﴾ الرسول ﷺ يعقد الندوات، ويحول المسجد إلى دار قضاء يفاوض القضاة ويطرح الأحكام والفتيا. الرسول ﷺ يجعل من المسجد مجلس شورى، ويجعل ﷺ من المسجد تعليماً وتربية وثقافة، من أين أدخل عليه ﷺ ؟ المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ آل عمران:١٥٩] الله يزكيه من فوق سبع سموات ويقول له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] عظيم صبرك، وعظيم حلمك وكرمك، كيف استطعت على أمة العرب التي هي كقرون الثوم متشاكسة متضاربة متحاربة متحاقدة، كيف جمعت بينها وألفت بين قلوبها؟ قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. إن أكبر معجزة أن يأتي ﷺ إلى أمة أمية، إلى أمة جاهلة وهو أمي، فيبني منها أعظم حضارة في تاريخ الإنسان. أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه من جعل الرجل من الصحابة يتذكر عظمة الله في كل ساعة وفي كل طرفة؟ عمر بن الخطاب يمر على راعي غنم ويقول لراعي الغنم: [[يا أيها الراعي! بعني شاة من غنمك، قال: إنها لسيدي وإن سيدي لا يسمح بذلك، قال: قل لسيدك أكلها الذئب، قال الراعي: الله أكبر يا عمر! أين الله؟ فبكى عمر حتى جلس، وقال: إي والله أين الله؟]] فمن علم الراعي مراقبة الواحد الأحد؟

стр. 8435

النبي ﷺ رحمة للمخلوقات كافة الرسول ﷺ وهو أول عنصر معي في هذه الليلة، يبدأ الدعوة فكيف طرح الدعوة؟ إنه رحمة مهداة، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين حتى يقول بعض المفكرين الإسلاميين: عجيبة الدعوة تعلن عالميتها في أول أيامها رسالته ﷺ -أي والله، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] وهذا عموم، يقتضي أنه رحمة علية الصلاة والسلام للمسلم وللكافر وللحيوان وللإنسان، وسأضرب أمثلة لذلك

стр. 8436

بكاؤه لموت ابنه إبراهيم يأتي ﵊ إلى ابنه إبراهيم وهو في السنتين، والابن فلذة الكبد وشذا الروح، يموت إبراهيم بين يدي المصطفى ﷺ ، فيبكي وتدمع عيناه الدموع الحارة الساخنة، ويقول وهو في ساعة الفراق: ﴿تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾ يُدفع له ابن بنته فيبكي ﵊، فيقولون: مالك يا رسول الله؟ يظنون أن العظماء لا يبكون، والعظماء لهم وقت للبكاء ووقت للصفاء، ووقت لرفع الراية إلى السماء، بكى ﵊ فقالوا: مالك تبكي؟ فقال: ﴿رحمة وضعها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء﴾.

стр. 8437

التجوز في الصلاة من أجل الأمهات يصلي بالناس فيسمع بكاء الطفل في آخر المسجد، يتذكر الأم والمرأة المسلمة، فيتعجل في صلاته، ويسلم ويقول: ﴿إني أريد أن أطيل في صلاتي فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي؛ كراهة أن أشق على أمه﴾ هذه الأحاديث عند البخاري ومسلم. يأتي ﵊ برحمته بالناس حتى في الصلاة، يقول: ﴿يا أيها الناس! من أمَّ منكم بالناس فليخفف فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف، وذا الحاجة﴾ يأتيه معاذ وقد طول في الصلاة حتى شكى إليه؛ فيغضب ﵊ لأن استجلاب القلوب لا يأتي بالعنف والشدة ويقول له: ﴿أفتان أنت يا معاذ؟ أفتنان أنت يا معاذ؟﴾.

стр. 8438

رحمته بالحيوان والكفار أما رحمته بالحيوان فيروي ابن مسعود في حديث حسن: ﴿أن حمرة -وهي نوع جميل من أنواع الطيور- رفرف على رأسه ﵊ وهو جالس تحت شجرة، فقال لأصحابه: أتدرون ما لهذا الطائر؟ قالوا: لا. قال: إنها تشكو، وقال: من فجعها بأفراخها؟ ردوا عليها أفراخها، ثم أعاد إليها ﷺ أفراخها في عشها﴾ فرجعت طليقة. جاءت إليك حمامة مشتاقة تشكو إليك بقلب صب واجف من أخبر الورقاء أن مكانكم حرمٌ وأنك ملجأ للخائف الرسول ﷺ رحمة حتى للكافر قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] وفي حديث حسن أنه ﷺ دخل مزرعة رجل من الأنصار فأتى جمل مجهود، فضرب بجرانه الأرض أمام المصطفى ﷺ ، فقال ﵊: ﴿إن هذا الجمل يشكو إليَّ ظلم صاحبه﴾ أليست رحمة؟ إي والله رحمة، رحمة بالطفل المسلم ﴿يأتي ﷺ بـ أمامة بنت زينب -كما في الصحيحين من حديث أبي قتادة - ويصلي وهي على كتفيه في الفريضة، فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها﴾ إنه الرحمة المهداة والنعمة المسداة ﷺ .

стр. 8439

دعوة المصطفى ﷺ والعنصر الأول: كيف عرض ﷺ دعوته للناس. أولاً: عرض دعوته بأساليب ثلاثة، بالأصالة والعمق، واليسر والسهولة بلا تعقيد. إننا إذا تكلمنا مع الناس في الدعوة والعلم اليوم، نطنطن بالكلام ونرجف بالحديث، نأتي بكلام فوق المستوى، نقول للناس: العقيدة تنطلق من أطر وتنبثق في بوتقة، وتنصهر في بوتقة، ولا يعرفون الأطر ولا يعرفون الانبثاق، ولا يعرفون البوتقة.

стр. 8440

قصة ضمام بن ثعلبة في الصحيحين من حديث أنس، قال: ﴿قدم ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، والرسول ﷺ في المسجد، فأتى هذا الرجل فعقل ناقته في طرف المسجد، ومضى يخترق الصفوف، وهو يقول: أين ابن عبد المطلب؟ -هو الرسول ﷺ وهو ابن عبد الله ولكنه أشهر في العرب بجده من أبيه، لأنه كما قال في حنين: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب قال الصحابة: هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق -الأمهق: المشوب بحمرة، المرتفق: المتكئ، فنادى الأعرابي لأنه ما تعلم الأدب والإيمان، ولا الحب والطموح، والله يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣]-. قال: يا ابن عبد المطلب! يا ابن عبد المطلب! -فأخذ ﷺ بلين ولطف، ويسر وسهولة، لأنه يسبي القلوب، لكن إلى باريها ﵎ قال: قد أجبتك، قال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة -أي: عندي سؤال خطير، وبالفعل أعظم سؤال في تاريخ البشرية! وأجل سؤال في تاريخ الإنسانية هو هذا السؤال! أعظم أطروحة وقعت على الأرض- إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فتبسم ﵊، وقال: سل ما بدا لك؟ قال: يا رسول الله! من رفع السماء؟ قال: الله، قال: من بسط الأرض؟ قال: الله -هذه مسلَّمات- قال: من نصب الجبال؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ وكان متكئاً فتربع واحمر وجهه من عظم السؤال، ثم قال: اللهم نعم. قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ وأخذ يسأله عن أركان الإسلام فلما انتهى، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، آمنت بما جئت به، أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، والله، لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص، ثم ولى -والرسول ﷺ ، يتابعه بالنظرات والبسمات والارتياح- ويقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾ هذه هي الجنة، هذا هو الطريق الميسور الذي بينه ﷺ ، ليكون قدوةً لدعاة العالم، ومن هذا الدرس، أو من هذا الحديث، نأخذ ثلاثة دروس: أولها: أن اليسر لا بد أن يصاحب الداعية في طرحه لقضاياه ودعوته بين الناس. ثانيها: البداية بالأولويات والكبار من المسائل. ثالثها: أن من أتى بالفرائض واجتنب المحرمات، دخل الجنة بإذن الله. يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها لمن؟ لمن أحسن العمل بالكتاب والسنة.
следующие страницы →