Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.
стр. 8436
بكاؤه لموت ابنه إبراهيم
يأتي ﵊ إلى ابنه إبراهيم وهو في السنتين، والابن فلذة الكبد وشذا الروح، يموت إبراهيم بين يدي المصطفى ﷺ ، فيبكي وتدمع عيناه الدموع الحارة الساخنة، ويقول وهو في ساعة الفراق: ﴿تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾ يُدفع له ابن بنته فيبكي ﵊، فيقولون: مالك يا رسول الله؟ يظنون أن العظماء لا يبكون، والعظماء لهم وقت للبكاء ووقت للصفاء، ووقت لرفع الراية إلى السماء، بكى ﵊ فقالوا: مالك تبكي؟ فقال: ﴿رحمة وضعها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء﴾.
стр. 8437
التجوز في الصلاة من أجل الأمهات
يصلي بالناس فيسمع بكاء الطفل في آخر المسجد، يتذكر الأم والمرأة المسلمة، فيتعجل في صلاته، ويسلم ويقول: ﴿إني أريد أن أطيل في صلاتي فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي؛ كراهة أن أشق على أمه﴾ هذه الأحاديث عند البخاري ومسلم.
يأتي ﵊ برحمته بالناس حتى في الصلاة، يقول: ﴿يا أيها الناس! من أمَّ منكم بالناس فليخفف فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف، وذا الحاجة﴾ يأتيه معاذ وقد طول في الصلاة حتى شكى إليه؛ فيغضب ﵊ لأن استجلاب القلوب لا يأتي بالعنف والشدة ويقول له: ﴿أفتان أنت يا معاذ؟ أفتنان أنت يا معاذ؟﴾.
стр. 8438
رحمته بالحيوان والكفار
أما رحمته بالحيوان فيروي ابن مسعود في حديث حسن: ﴿أن حمرة -وهي نوع جميل من أنواع الطيور- رفرف على رأسه ﵊ وهو جالس تحت شجرة، فقال لأصحابه: أتدرون ما لهذا الطائر؟ قالوا: لا.
قال: إنها تشكو، وقال: من فجعها بأفراخها؟ ردوا عليها أفراخها، ثم أعاد إليها ﷺ أفراخها في عشها﴾ فرجعت طليقة.
جاءت إليك حمامة مشتاقة تشكو إليك بقلب صب واجف
من أخبر الورقاء أن مكانكم حرمٌ وأنك ملجأ للخائف
الرسول ﷺ رحمة حتى للكافر قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] وفي حديث حسن أنه ﷺ دخل مزرعة رجل من الأنصار فأتى جمل مجهود، فضرب بجرانه الأرض أمام المصطفى ﷺ ، فقال ﵊: ﴿إن هذا الجمل يشكو إليَّ ظلم صاحبه﴾ أليست رحمة؟
إي والله رحمة، رحمة بالطفل المسلم ﴿يأتي ﷺ بـ أمامة بنت زينب -كما في الصحيحين من حديث أبي قتادة - ويصلي وهي على كتفيه في الفريضة، فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها﴾ إنه الرحمة المهداة والنعمة المسداة ﷺ .
стр. 8439
دعوة المصطفى ﷺ
والعنصر الأول: كيف عرض ﷺ دعوته للناس.
أولاً: عرض دعوته بأساليب ثلاثة، بالأصالة والعمق، واليسر والسهولة بلا تعقيد.
إننا إذا تكلمنا مع الناس في الدعوة والعلم اليوم، نطنطن بالكلام ونرجف بالحديث، نأتي بكلام فوق المستوى، نقول للناس: العقيدة تنطلق من أطر وتنبثق في بوتقة، وتنصهر في بوتقة، ولا يعرفون الأطر ولا يعرفون الانبثاق، ولا يعرفون البوتقة.
стр. 8440
قصة ضمام بن ثعلبة
في الصحيحين من حديث أنس، قال: ﴿قدم ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، والرسول ﷺ في المسجد، فأتى هذا الرجل فعقل ناقته في طرف المسجد، ومضى يخترق الصفوف، وهو يقول: أين ابن عبد المطلب؟ -هو الرسول ﷺ وهو ابن عبد الله ولكنه أشهر في العرب بجده من أبيه، لأنه كما قال في حنين:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
قال الصحابة: هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق -الأمهق: المشوب بحمرة، المرتفق: المتكئ، فنادى الأعرابي لأنه ما تعلم الأدب والإيمان، ولا الحب والطموح، والله يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣]-.
قال: يا ابن عبد المطلب! يا ابن عبد المطلب! -فأخذ ﷺ بلين ولطف، ويسر وسهولة، لأنه يسبي القلوب، لكن إلى باريها ﵎ قال: قد أجبتك، قال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة -أي: عندي سؤال خطير، وبالفعل أعظم سؤال في تاريخ البشرية! وأجل سؤال في تاريخ الإنسانية هو هذا السؤال! أعظم أطروحة وقعت على الأرض- إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فتبسم ﵊، وقال: سل ما بدا لك؟
قال: يا رسول الله! من رفع السماء؟ قال: الله، قال: من بسط الأرض؟ قال: الله -هذه مسلَّمات- قال: من نصب الجبال؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ وكان متكئاً فتربع واحمر وجهه من عظم السؤال، ثم قال: اللهم نعم.
قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ وأخذ يسأله عن أركان الإسلام فلما انتهى، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، آمنت بما جئت به، أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، والله، لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص، ثم ولى -والرسول ﷺ ، يتابعه بالنظرات والبسمات والارتياح- ويقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾ هذه هي الجنة، هذا هو الطريق الميسور الذي بينه ﷺ ، ليكون قدوةً لدعاة العالم، ومن هذا الدرس، أو من هذا الحديث، نأخذ ثلاثة دروس:
أولها: أن اليسر لا بد أن يصاحب الداعية في طرحه لقضاياه ودعوته بين الناس.
ثانيها: البداية بالأولويات والكبار من المسائل.
ثالثها: أن من أتى بالفرائض واجتنب المحرمات، دخل الجنة بإذن الله.
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
لمن؟ لمن أحسن العمل بالكتاب والسنة.
стр. 8441
قصة الأعرابي الذي أخذ ببرد النبي ﷺ
الرسول ﵊ في مجلس آخر يتكلم مع الصحابة، وفجأة دخل أعرابي، يأتي إلى أكرم من خلق الله، وإلى أعظم من عبد الله وأكرم من أوجد الله فيسحبه ببردته -والحديث في الصحيحين - وبردته ﷺ كانت نجرانية حاشيتها غليظة، فأثر ذلك برقبته، سحبه سحباً، فالتفت إليه ﷺ غير مغضب، كان وجهه بساماً، إن وجهه طليق، يقول جرير بن عبد الله في صحيح البخاري: ﴿ما رآني ﷺ إلا وتبسم في وجهي﴾ هكذا يكون المسلم، وهكذا تكون الدعوة؛ قيل لأحد العلماء: ما هو السحر الحلال؟ قال تبسمك في وجوه الرجال.
وأحد الشعراء يذم قوماً بانقباض الوجه وبالغضب وبالتزمت، ويمدح قوماً ببسطة الوجه فيقول:
وجوههم من سواد الكبر عابسة كأنما أوفدوا غصباً إلى النار
هانوا على الله فاستاءت مناظرهم يا ويحهم من مناكيد وفجار
ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضاً أهدوك من نورهم ما يتحف الساري
من تلق منهم تقل لا قيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
نعود إلى الحديث: أنه دخل أعرابي على رسول الله ﷺ فسحبه ببردته؛ فالتفت ﷺ ، يضحك كما في رواية أنس سبحان الله! لا تغادره البسمة حتى في هذا الموقف، أي نعم؛ فقال أعطني -والكلام أسوأ من الفعل- قال: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا من مال أمك، ما هو الداعي لجرح الشعور؟ لماذا يفترض هذه الأسئلة؟ فهمَّ الصحابة أن يقتلوه، وعمر متهيء وجاهز كل لحظة أن يقتله، كان عمر ﵁ وأرضاه، إذا رأى رجلاً يخالف، قال: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه، ولو فتح له ﷺ الباب لقتل نصف الناس، لكنه ﷺ يهدئ ويقول: دعه يا عمر! ويأخذه ﷺ إلى بيته، فيعطيه ثياباً وحباً وزبيباً؛ لأنه ما أراد حباً وإيماناً وطموحاً، فلما أعطاه قال: أحسنت إليك؟ قال: نعم.
جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، قال: اخرج إلى أصحابي وأخبرهم بما فعلت بك ليذهب ما يجدونه في صدورهم عليك، فخرج وقال أمام الصحابة: أحسنت إليك يا أعرابي؟ قال: نعم جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، ثم عاد إلى قبيلته وقال: أيها الناس! أسلموا، فإن محمداً ﷺ يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة -أو الفقر- فأسلموا عن بكرة أبيهم، فيقول ﷺ محللاً القصة، ومعلقاً على الحدث أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي؟ قالوا: لا ندري، قال: كرجل كانت له دابة فرت منه، فأخذ يلاحقها فلما رأى الناس هذا الرجل يلاحق الدابة، ذهبوا يبحثون عن الدابة فما زادت إلا فراراً، فقال لهم: يا أيها الناس! اتركوني ودابتي، فإني أعلم بها فأخذ شيئاً من خضار الأرض ولوح للدابة به فأتت وربطها واستسلمت له، فلو تركتكم وهذا الأعرابي لكفر ودخل النار، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
стр. 8442
الأصالة والعمق في دعوته ﷺ
إن عظمته ﷺ تأتي من عرضه للدعوة، باليسر والسهولة، والأصالة والعمق، والأصالة هي وضع الأمور مواضعها وكان ﷺ يعرف التخصصات، فيأتيه الرجل يسأله عن أفضل عمل فينظر إليه ﷺ ، في سنن الترمذي عن عبد الله بن بسر: ﴿أنه أتى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله﴾ لأنه شيخ كبير، شيخ دنف وقرب من المقبرة لا يستطيع الصيام، ولا يستطيع كثرة الصلاة.
يأتي إلى النبي ﷺ غيلان الثقفي -والحديث صحيح وهو رجل تام البنية- فيقول: ﴿يا رسول الله! دلني على أفضل عمل؟ قال: عليك بالجهاد في سبيل الله﴾ يأتيه رجل له والدان مقعدان، فيقول: أريد أن أجاهد، قال: ﴿أحي والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد﴾ أي أسلوب في الأصالة هذا الأسلوب.
إن كثيراً من الناس يعرضون الدعوة عامة بدون النظر إلى ظروف الناس وطاقاتهم وملابساتهم، أما هو ﷺ فكان أصيلاً في إيصال المعلومة إلى أذهان الناس.
أما العمق فإنه ﷺ كان عميقاً في أداء رسالته للناس، يرسل معاذاً إلى اليمن، والحديث في الصحيحين، قال: ﴿إنك سوف تأتي قوماً أهل كتاب﴾ -انظر إلى قضية أهل كتاب أي: فاعرف من تخاطب، واعرف أنك في مجتمع متعلم- ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة﴾ ثم أخذ يتدرج معه ﷺ ، حتى انتهى، هذه نبذة من عرضه لدعوته للناس، لكن تعالوا ننظر إلى عبادته ﷺ .
стр. 8443
عبادة المصطفى ﷺ
يا أيها المسلمون! يا شباب الصحوة! يا روافد الخير! يا طلعات اليُمن! يا من حمل أجدادهم لا إله إلا الله، محمد رسول الله للبشرية! يا من قال فيهم شاعر الإسلام محمد إقبال وهو يحييهم:
نحن الذين استيقظت بأذانهم دنيا الخليقة من تهاويل الكرى
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأطفئت فأبان وجه الصبح أبيض نيراً
يا أيها الشباب الصاعد! ويا أيها الشيوخ المقبلون على الله! يا أيتها الفتاة التي عرفت إيمانها وحبها وطموحها! أقرب الطرق إلى الله طريق العبادة، مدح الله الأنبياء فختم مدحهم فقال: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣] وأصلح زوجة زكريا له فبماذا أصلحها؟ لأنه طويل أو عريض أو بدين أو سمين، لا والله، قال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] السبب: ﴿إنهم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] حفظ الكنز على الولدين في سورة الكهف فقال: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢] فحفظ الله الكنز، لأن أباهما كان صالحاً.
стр. 8444
النبي ﷺ يوصف ويمدح بالعبادة لله
يمدح الله رسوله ﷺ ، فما قال له: يا أبا القاسم، وما قال له: يا أيها الهاشمي، ولا قال له: يا ابن عبد المطلب، إنما قال له: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١].
ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً
شرفك في عبادتك، وقربك من الله في عبادتك، جاء في صحيح مسلم عن ربيعة بن مالك ﵁ قال: ﴿كنت أبيت مع النبي صلى الله عيله وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال: يا ربيعة! سل، قلت: أسألك مرافقتك في الجنة؟ قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليباً
كم تكرر هذه الأبيات، ولكن تكرر وتكرر.
كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى
ابن تيمية دخل على ابن قطلوبك، قال: يا ابن تيمية! أتريد ملكنا؟ أتريد مالاً؟ فابتسم ابن تيمية ابتسام المستعلي بإيمانه، وقال: والله، ما ملكك ولاملك آبائك وأجدادك، يساوي عندي فلساً.
إن ابن تيمية يريد الجنة، ويريد رضا الله، وما عند الله.
وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان: ﴿فإنك لن تسجد لله سجدة، إلا رفعك بها درجة﴾.
стр. 8445
ميزة العبادة عند النبي ﷺ
تميزت عبادته ﷺ بثلاث خصائص:
أولها: اليسر وهي في الدعوة كذلك.
ثانيها: الجودة، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] وجد من الناس من يصلي في اليوم خمسمائة ركعة، غلاة الصوفية صلوا خمسمائة ركعة، لكن بعضهم كان ينام واقفاً، يصلي ويصلي حتى ينعس واقفاً، وهذه ليست عبادة، يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس: مروا على رجل يصلي الفريضة من الصوفية وهو ينعس قالوا: مالك؟ قال: ما نمت البارحة، أصلي النافلة، قال له أحد العلماء: أتسهر في نافلة حتى تنعس في فريضة؟ وذكر الخطابي في كتاب العزلة: أن أحد غلاتهم وجهلتهم حجب عينه بورقة، قالوا: مالك؟ قال: إسراف أن أنظر بعينين إلى الدنيا.
هذا هو فقه العجائز، فقه عجائز نيسابور، هذا هو الورع البارد، يقول: إسراف أن أنظر بعينين إلى الدنيا، والله يقول وهو يمتن على العبد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ.
وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ.
وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] فكيف يجعل الله له عينين وهو يريد عيناً واحدة، إنه الجهل، فميزة عبادته ﷺ ، الجودة مع اليسر.
والمسألة الثالثة: مراعاة الأحوال:
فكانت ميزته في الجهاد جهاداً، وفي الصلاة خشوعاً، وفي الذكر اطمئناناً وسكينة، وفي التعليم تفهيماً.
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها
стр. 8446
بكاء النبي ﷺ من خشية الله
يقف ﵊ -والحديث عند ابن أبي حاتم بسند جيد- على باب امرأة من الأنصار، وذلك يوم كانت المرأة المسلمة المصلية في الليل، يوم كانت تتذكر موعود الله، يوم كانت المرأة المسلمة كالدرة في بيتها، والإسلام جعل المرأة درة محمية مصونة مرعية مشرفة مكرمة.
يقول استالين هذا الروسي اليهودي: المرأة شيطانة، وكذب فإنه هو الشيطان الرجيم، ولينين يقول لها: فتانة لا يكون لها نصيب في المجتمع، والجاهليون الوثنيون المشركون من قريش وغيرهم لا يجعلون لها حظاً في الميراث، ولا يجعلون لها سمة ولا شارة ولا كلاماً.
وغاندي المجرم الهندي، يأتي إلى المرأة ويقول: متى كانت المرأة إنسانة؟ سبحان الله! والله يقول في كتابه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] والله يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وهذا استطراد لا بد منه في مثل هذا المكان، فيوم كانت المؤمنة مرعية في بيتها تعرف الله، وتربي الأجيال، وتخرج العلماء والدعاة من البيت.
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم نبت إن تعاهده الحياء بالري أورق أيما إيراق
﴿يمر ﵊، ببيت من الأنصار ويسمع من وراء الباب عجوزاً تقرأ وتردد ولا تدري أن الرسول ﷺ يسمع لها، فتردد قوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وتبكي؛ فأخذ يبكي معها الرسول ﷺ ، ويقول: نعم أتاني كلما قالت هل ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] يقول: نعم أتاني، نعم أتاني﴾.
عجوز، فأين أبطال الإسلام وأين شباب الإسلام من قيام الليل؟
قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار
قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار
وفي سنن أبي داود بسند صحيح، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ ، وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء﴾ والمرجل هو القدر إذا استجمع غلياناً.
وعند ابن مردويه والطبري ﴿أن الرسول ﵊، مر به بلال قبل صلاة الفجر، فسمع المصطفى ﵊، يقرأ قوله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] ثم يقول ﵊ ل بلال: أنزلت علي آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبرها﴾.
الرسول ﷺ يعيش مع القرآن، لأن تربيته مع القرآن وكتابه الوحيد هو القرآن، وعظمته في القرآن.
القرآن يوم كان كتاب المسلم الوحيد، القرآن يوم عرفنا قيمته، يوم كنا نجعله المصدر الوحيد، فتحنا الدنيا، ووزعنا الهداية على البشر.
في الصحيحين عن ابن مسعود ﵄ قال: ﴿قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ عليَّ القرآن، قلت: يا رسول الله! كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ -يالعظمة راعي الغنم الذي أصبح بعد عشر سنوات من أكبر العلماء في الدنيا، من رعي الغنم إلى قيادة الأمم والتعليم، والتوجيه، والإسداء، والتربية- قال: إني أحب أن أسمعه من غيري فبدأ يقرأ من سورة النساء حتى بلغ قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال ﵊: حسبك الآن، قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان ﵊﴾ إن أمة هجرت القرآن، ومالت إلى المجلة الخليعة والأغنية الماجنة لا تستحق النصر ولا الفتح، ولا تستحق أن تقود البشرية.
اسمع لـ ابن القيم في الغناء:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
يا أيتها الأمة! التي تريد لقاء الله، وفتحه ونصره! لا تتلذذي بلذاذة الأوتار والعيدان، لماذا تنتصر إسرائيل؟ إخوان القردة والخنازير، لماذا يضربون الأطفال بالهراوات والشيوخ والنساء ثم لا يكون معنا إلا شجب وننديد واستنكار؟!!
فأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب
إذا تبدت لنا الميراج تقصفنا سعت لتسقطها الصيحات والخطب
ظنوا القنابل أبواقاً مزخرفة والطائرات هي الإترنج والعنب
كيف انهزمنا، وما تلك بعادتنا سيخبر السيف عنا والقنا السلب
نعم نصرنا لأن الله غايتنا وليس يمنعنا من ربنا سبب
إن من يعرف الله يعرفه الله، وإن من يحفظ الله يحفظه الله.
أما ذكره فكانت حياته ذكر، والذكر أصبح من أرخص موجودٍ عند المسلمين لكن من يذكر؟!
ملهيات وأغنيات، مغنين ومغنيات، ماجنين وماجنات، أحياء وأموات، ولا يذكر الله إلا الخلص الذين يسحبون أنفسهم من أوهاق المجتمع، ويريدون وجه الله، ويقولون: لبيك يا ربنا
وا إسلاماه! وا إسلاماه! هؤلاء هم الذاكرون الله كثيراً والذاكرات، هنيئاً لهم الذكر.
يقول ابن القيم: كان الرسول ﷺ : كل كلامه ذكر، أنفاسه، وعمله وقيامه وجلوسه ونومه لربه .
فأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
وناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى
صلى الله وسلم على من أنقذنا من النار، صلى الله وسلم على من قادنا إلى بر الأمان، صلى الله وسلم على من رفع رءوسنا وكانت مخفوضة، وأنار عقولنا وكانت ضيقة مظلمة، وفتح عيوننا وكانت مقفلة.
стр. 8447
تواضعه ﷺ
أما الرسول ﵊ في جانب التواضع، وهو جانب يحتاجه كل داعية وكل طالب علم وكل مسلم، والله رفع رسوله ﷺ ، بالتواضع.
стр. 8448
الحث على التواضع
يقول : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] ويقول : ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء:٣٧] وقد صح عنه ﵊ في الصحيحين أنه قال: ﴿من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه﴾ وصح عنه في صحيح مسلم عن عياض بن حمار أنه قال: ﴿إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد﴾ التواضع سمة الأخيار، التواضع صفة الأبرار، التواضع إشارة الذين يريدون عقبى الدار، كلما تواضعت كلما ارتفعت، ولذلك من شعر بمركب النقص تكبر على عباد الله، ومن شعر بمركب الوفاء تواضع لعباد الله، الدر يغوص في البحر ولكن الجيف تطفوا على الماء.
يقول الرسول ﷺ وهو يتحدث بنعمة الله عليه في التواضع: ﴿لو دعيت إلى كراع -أو ذراع- لأجبت، ولو أهدي إلي كراع -أو ذراع- لقبلت﴾ والحديث صحيح.
стр. 8449
أكل المصطفى على التراب تواضعاً
يأكل ﷺ على التراب، وهو أشرف من خلق الله، فتقول امرأة: انظروا إليه يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، قال: وهل هناك أعبد مني؟
وفي مسند أحمد بسند حسن ﴿رجل اسمه ابن قيلة يأتيه، فلما رأى بهاء وجلالة الرسول ﷺ ، أخذ يرتعد، فقال ﵊: هون عليك، فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة﴾ نعم.
أنت ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة، ولكنك رفعت للإسلام علماً، وبنيت للمسلمين دولة، ودكدكت بلا إله إلا الله حصون الوثنية.
الرسول ﷺ في دعوته وتواضعه يزور الفقير، يجلس مع الأرملة، يمسح رءوس الأطفال؛ لأنه رحمة للعالمين؛ ولأنه بعث للناس كافة بهذا الدين لينقذهم من النار.
في صحيح البخاري عن أنس قال: ﴿كان لي أخ اسمه أبو عمير مات له نغر كان يلعب به، فزاره ﵊، يواسيه في هذه المصيبة ويقول: يا أبا عمير ما فعل النغير﴾ صلى الله وسلم عليه.
стр. 8450
جوانب أخرى من حياته ﷺ
стр. 8451
جانب الصبر في حياة المصطفى ﷺ
أما جانب الصبر في حياته -وهذا هو الجانب الذي يريده الداعية والشاب- فالصبر لا أحسن منه.
قيل لـ ابن تيمية شيخ الإسلام: بم تنال الإمامة في الدين؟ قال: بالصبر واليقين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] قال الإمام أحمد: بحثت عن الصبر في القرآن، فوجدته في أكثر من تسعين موضعاً.
الصبر ما أحسنه! لو كان رجلاً لكان حكيماً، ولو كان شجرة لكانت يانعة القطاف، ولو كان زهرة لكانت طيبة الشذى، الصبر زادك إلى لقاء الله، وهو ثلاثة أقسام:
صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على المصائب.
وأصبر الناس محمد ﵊، تضرب بناته في أول الرسالة والدعوة فيصبر، ويقول الله له: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥] فيصبر ويتبسم، لأن الله يقول له: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥] يحوط عليه الكافر المستعمر من يهودي ومشرك ومنافق في الأحزاب، فيتبسم لأن الله يقول له: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
والصبر سوف يطول بنا ولكني أخرج من هذا الحديث إلى مسائل:
أولها: يا أيتها الأمة الخالدة! التي عاشت بالجهاد! وعاشت بالتضحية.
يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل
وتوقف التاريخ في خطواتها قبل الرحيل
سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل
وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل
стр. 8452
اتباع النبي ﷺ هو طريق النجاح والفلاح
يا أيتها الأمة! يا أيها الرجال الأبرار! يا أيتها النسوة التي يردن الله والدار الآخرة! أدعوكم في هذه الجلسة، وهو سر الحديث، وبيت القصيد في هذا الحديث إلى اتباع محمد ﵊.
أرض لم تشرق عليها شمس رسالته أرض ملعونة، قلب لا يصله النور قلب مغضوب عليه، فيا أيها الناس كافة ذكراناً وإناثاً! قدوتكم محمد ﵊، والله لا تدخلوا الجنة حتى تتبعوه، وحتى تدخلوا من بابه وحتى تأتوا من سنته.
يا من عطل سننه، أخذ شيئاً وترك شيئاً، لقد أخطأت خطأ بيناً.
إن الكمال في اتباعه، وإن الجلال في الاقتداء به، السمو والجمال والعظمة في جعله قدوة.
يا مدعي حب طه لا تخالفه الخلف يحرم في دنيا المحبينا
أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهويناً
خذها جميعاً تجد خيراً تفوز به أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا
يأتون إلى رجل قزم -ملحد فاجر- كـ هتلر ونابليون فيذكرون تاريخه، ويذكرون سموه وعبقريته، وحبه وإيمانه وطموحه، وهو لا حب ولا طموح ولا إيمان، خسيس من الأخسة، مجرم من المجرمين، سفك الدماء، ولعب بالأعراض، وينسون محمداً ﵊، الذي أنقذ الله به البشر، وهدى به الإنسانية.
يا رب! أشهدك وأشهد من حضر هذه الليلة، أننا لا نعلم مصلحاً أعظم من رسولك ﷺ ، وأننا نخبر الناس جميعاً أن من أراد الجنة فليسلك طريقه ﵊.
الرسول ﵊، يوم يقف في البيت ليعلم أهل البيت أنه رسول للبيت، ويقف على المنبر خطيباً ويعلم الخطباء أنه رسول للخطباء، وللمجاهدين أنه للمجاهدين، وللقادة والساسة أنه قائد ومعلم لهم.
ويا أيتها المرأة! قدوتك رسول الله ﷺ ، يوم ربى عائشة ويوم ربى أسماء، وزينب.
منا الفواطم ربات العلاولنا كل الزيانب من أهل وعمات
يأتي إلى عائشة فيربيها بالقرآن ﷺ ، ويأتي إلى ابنته فاطمة فأول ما يرضعها التوحيد.
يا من ربى ابنته وطفلته على الموسيقى والأغنية الماجنة، لقد هدمت بيتك ومستقبل أطفالك، ولعبت على البشرية وضحيت بمستقبل الأمة، إن فاطمة بنت الرسول ﵊، سقاها ﷺ التوحيد مع اللبن، يقول محمد إقبال في فاطمة:
هي بنت من؟ هي أم من؟ هي زوج من؟ من ذا يساوي في الأنام علاها
أما أبوها فهو أشرف مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها
وعلي زوج لا تسل عنه فما أزكى شمائله وما أنداها
إيوانه كوخ وكنزه ثرائه سيف غدا بيمينه تياها
أي جيل ذاك الجيل؟! إن من يربي بيته على التوحيد، ومن ينقذ بيته من الضلالة ويرده إلى الإيمان، هو من أعظم المصلحين في العالم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
يا من يصلي الصلوات الخمس ووضع يده على صدره وترك بيته تعشعش فيه الشياطين وتفرخ، والأبالسة! أي رسالة أديتها للإسلام؟ يا من سمح بالأغنية الماجنة تعصف في البيت بدل القرآن الكريم وسورة طه ومريم! أي صلاة تصليها؟
يا من سمح للمجلة الخليعة المتهتكة أن تسكن بيته، وأتى ليصلي وأبدل مكان المصحف المجلة! أي صلاة تصليها؟
يا من ترك أبناءه مع كل من هب ودب وتركوا الإيمان والحب والطموح والرسالة، أي صلاة تصليها؟
стр. 8453
التربية على الاقتداء بالنبي ﷺ وحبه
يا أيها المسلمون! يا أمة لا إله إلا الله! نحن لا نعترف بالدروشة، الإسلام عميق يجعلك مسلماً في البيت وفي السوق وفي البقالة وفي المكتب وفي الوظيفة، هذه حياة المسلم، وهذه أصالته.
ويا أيتها الأم التي أرضعت طفلها اللبن: أرضعيه لا إله إلا الله محمد رسول الله، أرضعيه الإيمان والحب والطموح، لينشأ مسلماً ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانة﴾ أنتِ المسئولة، والله لو علَّمت طفلك الإيمان، ما زاغ وما ألحد ولا أصبح حداثياً زنديقاً.
والله لو علمته الإيمان، ما تفسخ وفسق وعهر وتفلت عليك وعلى أبيه وعلى البيت.
والله لو لقنته الإيمان لخرج باراً رشيداً عاقلاً مسلماً جبهته في السماء، والله لو لقنته الإيمان لخرج داعية تبكي تحت أرجله أعواد المنابر، ينفع الإسلام والمسلمين، وينفع المستقبل الذي هو لهذا الدين.
وأنت أيها الأب! أنت بعكازتك لا تجدي ولا تربي، إن الضرب لا يدخل به التوحيد للقلوب، وإن الحبس لا يعلم به الناس الإسلام، وإن السوط والحديد ليس من منهج الأنبياء والرسل، إن معنى الإسلام أن تدخل الإسلام والحب والطموح فتغرسه في صلاتك وصدقك وأمانتك ووضوحك.
قل لي بالله أيها الأب! كيف تصلي وتقبع كالعجوز في بيتك، والمسلمون أعلنوا تفوق الإسلام يوم صفوا الصفوف في المسجد، تعال إذا سمعت الله أكبر الله أكبر فأثبت إيمانك بالدخول إلى المسجد، وإن لم تفعل فقد أثبت فشلك وانهزاميتك، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: [[أن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن الصلاة من سنن الهدى، والله لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد رأيتنا يؤتى بالرجل من المرض يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف]] مريض، لكنه ما استطاع أن يصلي في البيت.
فيا شباب الإسلام! يا أهل العضلات! يا أهل الأوقات! يا أهل المطعومات والمشروبات، والفلل والمركوبات! هذا هو الإسلام في المسجد، إسلام صفوف، إسلام إعلان وعمل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].
عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، كان يرفع كفيه مع كل صباح، قالوا: مالك؟ قال: أسأل الله الميتة الحسنة؟ قالوا: ما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد، فحضرته سكرات الموت في صلاة المغرب وهو في البيت، فسمع أذان المغرب، قال: احملوني إلى المسجد، قالوا: أنت في سكرات الموت والله عذرك.
قال: سبحان الله! أسمع حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح ولا أجيب داعي الله! لا والله.
فحملوه على الأكتاف، هذا هو الحب والإيمان والطموح، وأنزلوه فصلى مع الناس، فلما أصبح في آخر سجدة قبض الله روحه فسبحان الله.
ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا
يقول سعيد بن المسيب: [[الحمد لله: والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام في جماعة منذ أربعين سنة]] هنيئاً لك وحياك الله، هذا هو الإيمان والحب والطموح.
يقول الأعمش سليمان بن مهران راو في الصحيحين سماه الذهبي: شيخ الإسلام، يقول لأبنائه وهم يبكون عليه: ابكوا أو لا تبكوا، والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الجماعة ستين سنة.
رحمك الله، والله لقد أحسنت إلى نفسك وما أحسنت إلا إلى نفسك.
نعم.
من تردى تردى على نفسه، ومن أحسن أحسن إلى نفسه، فهنيئاً لأولئك الملأ.
سعد بن أبي وقاص يقول عنه الذهبي لما حضرته الوفاة، من الذي لا يعرف سعداً، الذي لا يعرف سعداً كأنه لا يعرف شيئاً.
بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر
قلت تعرفن الفتى قلن نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر
أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذي دكدك إمبراطورية كسرى، دخل المدائن فلما رأى إيوان العمالة والضلالة والدجل، قال: الله أكبر فانصدع الإيوان، وأخذت تدمع عيناه ويقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٦] سعد بن أبي وقاص الذي يقول: يا رسول الله! ادع الله أن أكون مستجاب الدعوة، قال: ﴿يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة﴾ ثم قال ﵊ له: ﴿اللهم أجب دعوته وسدد رميته﴾ فحضر غزوة أحد -والحديث في الصحيحين - كان يأتي بأسهمه في أحد إلى الكفار فيطلق السهم فلا يقع إلا في عين كافر، لأنه مسدد الرمية، فانتشى ﵊، وفرح وأخذ يتبسم ويعطيه الأسهم، ويقول: ﴿ارم سعد فداك أبي وأمي﴾.
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
هؤلاء أبطال الإسلام، سعد لا بأس أن أقف معه قليلاً:
حضرته الوفاة وهو في الغابة أو في الصحراء، فبكت ابنته عائشة، فقال: ﴿ابكي أو لا تبكي، والله إني من أهل الجنة﴾.
قال الذهبي: صدقت هنيئاً لك.
ونحن نقول: نشهد بالله أنك من أهل الجنة؛ لأنها بشهادة المصطفى ﷺ .
إن تاريخاً ليس فيه محمد ولا أصحابه، تاريخ وثنية وتاريخ تخلف، وتاريخ ملعون.
يقول الذهبي في ترجمة ابن الراوندي الفيلسوف المحسوب على الإسلام، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ابن الراوندي الكلب المعثر ابن الراوندي الملحد، لأن ابن خلكان ترجم لـ ابن الراوندي فذكر أدبه وشعره ونسي عمالته، وضلالته وإلحاده، فيقول ابن كثير: ابن خلكان، ترجم لـ ابن الراوندي وترك إلحاده كأن الكلب ما أكل له عجيناً، ما كأنه اعتدى على حرمات الإسلام، ولذلك نأتي الآن نصفق للأدباء وهم ضلال زنادقة، ونمدح كثيراً من المغنيين وهم الذين أفسدوا الأمة، وما قدموا لها شيئاً، هم الذين سفكوا دم الأمة، وأذهبوا مروءتها، وهم الذين أخذوا لباسها وجلالها وعظمتها، إي والله، هذا هو المعهود، ولذلك يأتي ابن سيناء في بعض الأقسام العلمية، فيقولون: قسم ابن سيناء، ابن سيناء فرخ من فروخ الصابئة، وذنب من أذناب المجوس، يقول ابن تيمية عن كلمة عنه: إن كان صح عنه ما يقول، فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين.
هذا ابن الراوندي ألف كتاب الدامغ على القرآن، قال الذهبي: كان ذكياً، نعم.
من أذكياء العالم، لكنه قال: لعن الله الذكاء بلا إيمان، وحي الله البلادة بالتقوى، بليد مؤمن أحسن من ذكي عبقري كافر، لأن الكافر في مسلاخ الحمار والكلب، أرأيت الحمار والكلب هو لا يقدم خيراً لنفسه، ولا لأمته.
فيا أيتها الأمة! كيف نجعل من الرسول ﷺ قدوة؟
أن نلقن أبناءنا حب الرسول ﷺ ونعلمهم بعظمة الرسول ﷺ .
حدثني بعض الإخوة أن في البوادي في بلادنا من يأتون إلى كتاب عنترة بن شداد، بدو فيدرسون أبناءهم على السرج سيرة عنترة بن شداد ماذا فعل عنترة بن شداد؟ أسك أصم لا يعرف شيئاً، كان يذبح ويجلد بلا شريعة وثني، فيعلمونه فينشأ هذا الطفل وأعظم شخصية عنده في الحياة عنترة بن شداد، والجارية تودد والزير سالم، والجساسة، وفلانة وفلانة خزعبلات لماذا؟
لأنهم ما وجدوا من الدعاة الذين يعرضون لهم الدعوة في البوادي، نحن اشتغلنا بالماجستير والدكتوراه، نقابل بين نسخة بولاق، ونسخة دار الشروق، وضاعت الأمة، بين بياض بالأصل، بل سواد في الأصل -أنا لا أقول: إن هذه الرسالة لا تنفع، بل هي مطلوبة وجديرة، ولكن من لتعليم الأمة؟ ومن لتعليم الجهاد؟ من لهؤلاء البدو الرحل لإخراجهم من الضلالات والجهالات وتعليمهم الوضوء؟
إذا أتينا نحاضر البدو قلنا: تنطلق دعوة الإسلام وديكتاتورية الدعوة في الإسلام من أطر، لا يفهمون الأطر، ولا ديكتاتورية ولا بوتقة، يفهمون (قال الله، وقال رسوله ﷺ الحديث طويل وطويل، ولكن للأسئلة مكان ولها دور، وخير المتكلمين من سكت والناس يقولون: ليته يتكلم، وشر المتكلمين من يتكلم والناس يقولون: ليته يسكت، فأعوذ بالله أن أكون من الثاني.
قال الجدار للوتد لم تشقني قال اسأل من يدقني
فشكر الله لكم:
زاد معروفك عندي عظماً وهو في نفسك مشهور خطير
تتناساه كأن لم تأته وهو عند الناس مشهور كبير
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8454
الأسئلة
стр. 8455
حكم الجهاد في أفغانستان
السؤال
هل الجهاد في أفغانستان فرض كفاية أم فرض عين؟ وما هو قول الشيخ فيمن تبع فتوى الدكتور عبد الله عزام؟ وهل هو برضا الوالدين أو بغير رضاهما؟
الجواب
سلام على الجهاد والمجاهدين، وسلام الله على المجاهدين الأفغان، الذين افترشوا الأرض والتحفوا السماء، الذين أعلنوا: إن القوة للإسلام والعظمة لهذا الدين، الذين ذلوا الكافر أمام شعوب الأرض:
يا أمة النصر والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا ولا لانوا
هم الرعود ولكن لا خفوت لها خسف ونسف وتدمير وبركان
كم ملحد ماجن ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجان
وبلشفي أتى كالعير منتخياً رأى المنايا فأضحى وهو جعلان
فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ
أما الجهاد في أفغانستان يطلب من كل مسلم، وأنا لا أدخل في فرض العين، ولا في فرض الكفاية، لكثرة التذبذب والصراع بين أهل العلم وأهل الفكر في ذلك، ولا نزيدها شيئاً.
تكاثرت الضباء على خراشٍ فما يدري خراش ما يصيد
إنما أنا أدعو إلى الجهاد، أما قول الشيخ عبد الله عزام، أنه لا يستأذن من والديه، فالشيخ نجله ونحبه لأنه قال وفعل وصدق، وكثير من الناس يقول ولا يفعل، أما هو بنفسه وماله وأهله ذهب إلى هناك، وأما بدون إذن الوالدين فليس بصحيح، بل النصوص تدعو إلى إذن الوالدين، إنسان يذهب ويترك أباه وأمه يبكيان في البيت، إنسان يرمل أسرته وليس لهم عائل بعد الله إلا هذا، ليس بجهاد ﴿ففيهما فجاهد﴾ والحق لا بد أن يقبل بالدليل، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١٤٨].
فلا بد من الدليل ولا دليل، والشيخ نحترم رأيه، لكن هذا نقوله بإذنه سبحانه والعون من الله -أنه لا بد من إذن الوالدين، فإذا لم يأذن الوالدان فلا جهاد.
стр. 8456
لا حضارة للعرب قبل الإسلام
السؤال
قلت في بداية حديثك: إنه ليس للعرب حضارة قبل الرسول ﷺ ، وكذلك هناك كتاب يقولون غير ذلك، فما موقفنا من هؤلاء الكتاب من الناحية العامية والتاريخية؟
الجواب
قبل أن أجيب على السؤال الثاني، أناديكم أيها الإخوة! أن تقفوا من الجهاد الأفغاني موقف المناصر من لم يستطع أن يجاهد بنفسه فبماله، ومن لم يستطع بماله، فبالدعاء في ساعة الجمعة، وفي أدبار الليل، وفي السحر، وفي أدبار الصلاة.
وانتصار المجاهدين انتصار المسلمين، ورفع لا إله إلا الله، وبذل المال والتضحية به في سبيله .
أما ما ذكر الأخ أنني قلت: إنه ليس للعرب حضارة، فأنا أعني الحضارة التي كانت مفهومة ذلك الوقت عند الناس، حضارة اليونان، حضارة فارس، أما الشذر والمذر الذي ذكره الأخ، أنهم كانوا يقولون شعراً أو أدباً، فهذا ليس بحضارة، امرؤ القيس يقول في نجد قصيدة، ويأتي الغطفاني ويقول قصيدة أخرى، وزهير في أرض الحجاز يقول قصيدة ثالثة، هذه ليست بحضارة، أُمة لم تعرف الرقي ولا الأدب ولا السلوك، ولا التطور، ولا الثقافة، ولا المنهجية ولا النظام ليست بأمة متحضرة، يقول رستم وهو ينظر إلى جيش المسلمين قبل القادسية، ينظر إليهم صفوفاً وهم ثلاثون ألفاً، يصلون وراء سعد، يعض أصابعه رستم ويقول: علم محمد الكلاب الأدب.
стр. 8457
قضايا في الرياضة
السؤال
بماذا تنصح لاعبي الكرة جميعاً ومن يلعبون الرياضة، وقد وردت أسئلة في هذا المنوال كثيرة، ويتعلق بعضها بما هو السروال الذي يتمشى مع الشريعة الإسلامية في لبسه في أثناء تأدية الرياضة، وهل تنصح بمزاولة الرياضة للشباب المسلم؟
الجواب
هذا السؤال ذو شقين، أما أهل الرياضة، فأنا أناديهم من هذا المكان الطاهر ومنهم من هم معي خاصة المشرفين على نادي الفتح، ومن أمثالهم من الأندية أن يتقوا الله في رسالتهم، وألا يجعلوا الغايات وسائل والوسائل غايات، أنا قلت في أول الحديث: إن الرياضة ليست غاية للمسلمين، هي وسيلة، وأسألهم بالله أن يدخلوا الإيمان مع الرياضة ومع الأدب لنبقى مؤمنين، لا عب مؤمن لا بأس به بالشروط، أما من ناحية ما يلاحظ على الأندية، فكأن الملاحظات تدور على ثلاثة أوجه:
الولاء والبراء: ففي كثير من الأندية يكون الولاء والبراء للنادي، حتى يوالي ويعادي عليه أكثر من ولائه لله القهار ومن عدائه لأعداء الله، أصبحت حياته للنادي، يموت له ويعيش له، يقول: أنا مع النادي حتى الموت، وهذا ليس بوارد، أنت مسلم أنت مؤمن، أنت تحمل رسالة، فأما أن توالي وتعادي على النوادي، فالولاء والبراء عقيدة من عقيدة أهل السنة والجماعة لا تصرف لغير الله، وصح عنه ﷺ ، أنه قال: ﴿من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان﴾.
المسألة الثانية: لوحظ في بعض الأندية ترك الصلاة والعياذ بالله، أو تأخير الصلاة عن وقتها، وهذا منكر وإثم عظيم.
والمسألة الثالثة: اللباس، اللباس الساتر في الإسلام لعورة الرجل والتي أتت به الأحاديث من السرة إلى الركبة، أما بعض العلماء يوم قال العورة المغلظة، فنحن لسنا في المغلظة الآن ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه:١٢١] في وقت كان يلومهم الله على هذا لأن الخطيئة أنزلت عنهم لباسهم، ولكن بسنن الدارقطني: عورة الرجل من السرة إلى الركبة، وفي حديث جرهد الذي هو حسن، قوله ﷺ : ﴿غط فخذك، فإن الفخذ عورة﴾ ويستدل بعضهم بحديث أنس في صحيح البخاري: ﴿أن الرسول ﷺ أجرى فرسه في زقاق خيبر فانكشف فخذه﴾ قيل في
الجواب
هذا فعل، وقوله ﷺ يقدم على فعله.
الجواب الثاني: أنه انكشفت لأنه ﷺ كان يجري ما كان متعمداً ومتهيئاً ومترسلاً في فعله.
الجواب الثالث: أن الرسول ﷺ له في بعض الأمور أشياء وليست لأمته؛ فهذه التي تلاحظ، وأنا أنصح بإدخال الإيمان في النوادي.
وأما مسألة هل ندخل النوادي أم لا؟ فلا بأس أن ندخلها دعاة ونحمل رسالة علَّ الله أن يهدي بنا ويسمع وينفع بنا، فإن الرسول ﷺ في السير ﴿أتى إليه ركانة، فقال: يا محمد! لا أسلم حتى تصارعني، وكان من أقوى العرب، فقام ﵊ ليصارعه، فصرعه من أول مرة، ثم صارعه ﷺ ، فصرعه مرة ثانية، ثم ثالثة، فقال ركانة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله﴾ كل وسيلة مباحة يخدم بها الدين، وترفع بها راية لا إله إلا الله، وينفع بها الناس لا بأس بها، أما أن نبقى في المساجد وننتظر من الناس أن يأتوننا، فالناس لا يأتوننا، بل نحن نأتي الناس لأننا دعاة، الذين أتوا المسجد أتوا ليصلوا نقوم عليهم بعد الصلاة نقول: صلوا يا جماعة الخير، صلوا بارك الله فيكم، ما أتوا إلا ليصلوا، لكن الذين يصلون في بيوتهم ينبغي أن تذهب إليهم هذا هو المطلوب، وهذا هو الوارد.
стр. 8458
حكم مشاهدة التلفاز
السؤال
أيضاً وردت أسئلة كثيرة عن حكم مشاهدة التلفاز، وبالأخص المسلسلات والأغاني وما شابهها خصوصاً في النساء التي يقضين الوقت الكثير في البيوت، فما حكم ذلك فضيلة الشيخ؟
الجواب
التلفزيون سلاح ذو حدين، لا يحكم به لجرمه، فهو من حديد وبلاستيك ومن أغطية ومن قماش، وأجهزة، وإنما يحكم بالمادة التي تعرض فيه، فكلما عرض فيه محرم فهو محرم لهذا التحريم الذي ورد فيه؛ من أغنية ماجنة، ومسلسل خليع، وتمثيلية فاجرة تهدم الأمة، أما مادة طيبة؛ قرآن، حديث، حلقة، فلا بأس به، على أن من الناس قناعاتهم الخاصة، للناس من يتورع من إدخاله في بيته، وهذا أمر محمود لأنه قد لا تضبط برامجه، وقد يساء استعماله، وقد يأتي حتى من برامج الخير التي فيه، بأن تفتتن المرأة بمن تنظر إليه، فأنا رأيي فيه أنه بالمادة التي تعرض فيه، والله أعلم.
стр. 8459
المسجد لا يحل للحائض ودور المرأة في الإسلام
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تدخل المسجد وهي حائض، وأيضاً هل للمرأة دور كبير في الإسلام؟
الجواب
المرأة لا تدخل المسجد وهي حائض، لعموم الأحاديث التي نهت عن ذلك، منها حديث أبي داود بسند جيد عن علي ﵁ وأرضاه، قوله ﷺ : ﴿إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب﴾ وفي صحيح البخاري، عن عائشة قالت: ﴿كان رسول الله ﷺ يدلي لي رأسه من المسجد وأنا في بيتي وهو معتكف وأنا حائض فأرجل رأسه﴾ فلم يسمح لها رسول الله ﷺ ، بدخول المسجد، وإنما سمح للجنب أن يعبر المسجد، لقوله سبحان وتعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣].
أما المكث في المسجد فليس للجنب ولا للحائض، ويجوز للحائض أن تعبر إذا لم تجد الطريق إلا أن تعبر من باب إلى باب، ولكن لا تمكث ولا تجلس، وإذا أرادت أن تسمع لمحاضرة، فلتعتزل في مكان خارج المسجد لقول أم عطية: ﴿أمر العواتق وذوات الخدور أن يشهدن الصلاة مع الرسول ﷺ ، وأن يحضرن الخير ويعتزلن المصلى﴾.
стр. 8460
حد تقصير الثوب وحكم إطلاق اللحية
السؤال
ما هو الحد الذي يجب على المسلم أن يعمله فيما يتعلق بتقصير الثوب وإطلاق اللحية، وأيضاً: هناك جانب من الأسئلة يسأل عمن يستهزئ بمن يربي لحيته ويقصر ثوبه، وهي من أوامر الله سبحانه وأوامر رسوله؟
الجواب
أما الحد في الثوب، فإزار المؤمن إلى نصف ساقه، ولك من نصف الساقين إلى ما فوق الكعبين، أما ما فوق نصف الساقين فليس بثوب بل فنيلة وقد قلت ذلك كثيراً، أن يجعل ثوبه إلى ركبتيه، فليس بثوب يسمى فنيلة، والفنيلة شيء والثوب شيء آخر، وقد يكون ليس بساتر للعورة إذا سجد، فإلى نصف الساق فوق الكعبين لأنه صح فيها حديثان:
الحديث الأول: قوله ﷺ : ﴿لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء﴾ قالوا: من جر ثوبه خيلاء فعاقبته أنه لا ينظر الله إليه، وقوله ﷺ : ﴿ما زاد عن الكعبين ففي النار﴾ فهو خيلاء وغير خيلاء، لأن بعض الناس يسبل اليوم، فإذا قلت له: لماذا تسبل؟ قال: أنا لا أسبل خيلاء، أسبل بلا خيلاء، لقول الرسول ﷺ ، لما قال لـ أبي بكر: ﴿إنك لست ممن يفعل ذلك﴾ -يعني خيلاء- فهم يعتبرون بهذا وقد أخطئوا النجعة وما أصابوا، فإنه من استرخى إزاره تحت الكعبين فهو في النار هذا أمر.
وأما اللحية فيبقيها على هيئتها ولا بأس بمشطها، وتنسيقها، وترسيلها وتطييبها حتى يظهر بمظهر طيب، وأما من يستهزئ بهذه الشعائر، فهذا عليه أن يتوب فقد نافق نفاقاً اعتقادياً، ووصل إلى درجة الكفر، قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ.
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦].
وقد بلي الإسلام بمثل هؤلاء الأشكال؛ ما وجدوا حرباً في المجتمع إلا حرب شباب الخير والهداية والنور، جعلوهم عرضة لهم في كل مجلس، (متطرفون) -كلمة وزعتها الصهيونية العالمية - وتبثها كثير من الإذاعات، متطرف لأنه متمسك، لأنه عرف طريق الجنة، متطرف لأنه عرف الإيمان والحب والطموح، أما المطبل والمزمر والماجن والسكير والعربيد ليس بمتطرف بل هو معتدل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
стр. 8461
الخشوع لا يشترط فيه إخراج الدموع
السؤال
هل يجب في الخشوع لله استخراج الدموع أم لا؟ وهل يؤجر مثل ما يؤجر مخرج الدموع؟
الجواب
الباكي من خشية الله مأجور بنصوص كثيرة، منها: ﴿عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خيشة الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله﴾ وذكر الله النصارى وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة:٨٣] وقال : ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٧ - ٦٢] وذكر أنبياءه فقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم:٥٨] فوصفهم بالبكاء، أما أن يشترط البكاء في الخشوع فليس بشرط، فبعضهم لا يبكي لكنه محكم لكتاب الله ولسنة رسول الله ﷺ في أهله ونفسه وبيته، وكثير من الناس يبكي لكنه مخالف بأقواله وأفعاله في المجتمع، فالبكاء ليس بشرط؛ لكنه زيادة في الخير والأجر والمثوبة، أما الخشوع فواجب: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢].
وهذا أمر لا بد أن يتنبه إليه ولكن على المسلم أن يجر الدموع، فإذا لم تدمع عيناه عليه أن يتباكى، كما قال عمر.
стр. 8462
الزوج هو الذي يختار زوجته
السؤال
هل اختيار الزوجة يأتي حسب اختيار الزوج أم الوالدين، وحتى لو كان في ذلك غضبهما أو زعلهما، فما الحكم؟
الجواب
الزواج ليس على اختيار الوالدين لكن على اختيار الزوج، والزوجة يختارها الزوج لا الوالدان، لأنها ليست بسيارة ولا أرض، هي زوجة تكون عشيرته، وقريبته، وسكنه في الحياة، فكيف يتدخل الوالدان، لهم إن شاء الاستشارة، أما أن يقولا: اترك هذه أو هذه فلا، وهذا الزواج قد يصبح زواجاً فاشلاً، يزوج إنسان بامرأة لا يرغبها ولا يحبها، وفي الأخير ينهار معها في حياته ويقصم حياتها، ولذلك جعل رسول الله النظر وقال: ﴿لينظر إلى ما يدعوه إلى النكاح منها والزواج بها﴾ عليه أفضل الصلاة والسلام.
стр. 8463
حكم المدخنين والجلوس مع المتهاون بالصلاة
السؤال
ما حكم المدخنين، وما حكم أصدقاء المدخنين، فهل يجوز لهم دخول منازلهم أو المبيت معهم أو النوم معهم؟ وأيضاً: حكم المتهاون في أداء صلاة الفجر في المسجد مع الجماعة، خصوصاً بالنسبة للطلاب الذين يسكنون في السكن الجامعي، حيث أن هناك بعض الطلبة يذهبون إلى الصلاة مأجورين، وبعضهم ينام، فما حكم السكن معهم؟
الجواب
الدخان فيما ظهر وهو القول الصحيح أنه محرم بعموم النصوص في الكتاب والسنة، منها قوله : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
وبإجماع العقلاء أن الدخان من الخبائث، إذا علم هذا فالمدخن مرتكب للإثم، ملوم وليس مشكور، آثم فاسق، لكنه لا يبلغ إلى درجة الكفر، أما زيارته بقصد إصلاحه فلا بأس، ولك أن تجفوه من باب جفاء أهل المعاصي، ولكن لك أن تجيب دعوته إذا دعاك إلى طعام، إذا كان يصلي أو يصوم، وتنبهه على هذا الخطأ، لأننا إذا هجرنا كل من فيه معصية تركنا المجتمع كل المجتمع، ولك أن تنام عنده، ولا تنسى دعوته إلى الصراط المستقيم.
أما أهل السكن ومن تخلفوا عن صلاة الفجر فقد ارتكبوا إثماً، في صحيح مسلم، عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾.
والتخلف عن صلاة الفجر من علامات النفاق، وهي من فعل المنافقين، والإخوة الذين في السكن إن كان لهم مصلى في السكن يجتمعون فيه هذا من الأصلح، وبقاؤهم في المصلى ليجتمع إليهم الشباب، فلهم ذلك، إن كان المتخلف يريد أن يصلي في المصلى فله ذلك، وأما إن كان هذا المتخلف لا يصلي في المصلى ولا في المسجد، فاذهب أنت إلى المسجد، ومن تخلف عن صلاة الجماعة فهو فاسق أيضاً، وقد دل أكثر من ثلاثة عشر حديثاً صحيحاً على وجوب صلاة الجماعة، وأنه لا يترك الوجوب بأي حال إلا بعذر شرعي.
стр. 8464
التساهل في الحجاب
السؤال
وردت أسئلة كثيرة عن حكم من يتساهل في عدم أمر زوجته بالتحجب عن غير محارمها، وخصوصاً أقاربه وأهله، وفيمن يتساهل عن ذلك الكثير وحتى لو كانت الزوجة من المحجبات؟
الجواب
هذه مسألة وجدت حتى أصبحت ظاهرة بين بعض الملتزمين، أن يترك الحبل لزوجته على الغارب، فتجالس أقاربه وهم أجانب، تجالس أخاه، وتجالس ابن عمه فتقع في الإثم، وهذه المرأة أمانة في عنقك، وأكبر ما تنجيها من العار والدمار والنار أن تحجبها وتسترها وتصونها، فعليك أن تتقي الله في حجاب المرأة، وقد دلت النصوص على وجوب الحجاب وأنه هو الأسلم في الوجه، لا كما يقول بعض الناس: إن الوجه لا يحجب، فإن معنى ذلك: أن محاسن المرأة ومفاتن المرأة تعرض على الناس، وهذا ليس مقصوداً في الإسلام، فإن جمال المرأة وروعتها في وجهها، فعلى الإخوة أن يتقوا الله في ذلك.
ظاهرة أخرى، أن الحمو أخو الزوج يتساهل في دخوله على زوجة أخيه يستأذن منها، يدخل في بيتها، والرسول ﷺ ، سئل كما في صحيح البخاري عن الحمو، قال: ﴿الحمو الموت﴾ ولأنه لا يشكك فيه، ولكن يأتي الخطر من جانبه.
стр. 8465
كيف تكون المحبة والتضحية لرسول الله ﷺ
السؤال
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم معاصرين للرسول ﷺ ، لذلك بان حبهم وتضحيتهم للرسول ﷺ ، فنالوا رضوان الله ورسوله ونحن كيف يكون حبنا وتضحيتنا للرسول ﷺ ، وهو موارى في التراب؟
الجواب
نعم.
كما تفضل السائل أكبر أو أعظم صحابة أحبوا صاحبهم هم أصحاب الرسول ﵊، يأتي أبو دجانة فيتترس على الرسول ﵊، وتقع الأسهم على ظهره ويقول: [[نفسي لنفسك الفداء يا رسول الله]] الصاحب سعد بن معاذ الذي يقول: [[يا رسول الله! صل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وأعط من شئت، واحرم من شئت، والذي نفسي بيده! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد]].
الصحابية نسيبة الأنصارية تأتي فيقول ﵊: ﴿ما التفت إلى ناحية إلا وجدتها تسترني من السهام﴾ أبو عبيدة يأتي إلى المصطفى ﵊، فيرى حلق المجن قد غارت في جبينه الطاهر، فينزعها بثنيتيه فتتساقط، وكان أحسن جميل عمله في الإسلام، الصحابي الخامس: ﴿يأتي فيمص الدم من الرسول ﵊ -وهذا اسمه سعد بن مالك بن سنان الخدري: أبو سعيد، والحديث صحيح- فيمص الدم فيقول له ﷺ : مج الدم -يعني: أخرج الدم- فيقول: والله، لا أمجه أبداً، فيبتلعه ويشربه﴾.
الذهبي في سير أعلام النبلاء يروي بسند صحيح أن عبد الله بن الزبير ﴿أعطاه ﷺ فضلة دم حجامة -الحجامة التي احتجمها ﷺ أعطاه في صحن، وقال: اذهب به فاجعله في مكان لا يراه أحد، فذهب به، فلما اختفى بين البيوت وعُمْرُ عبد الله بن الزبير عشر سنوات شرب الدم؟ وعاد بالصحن والرسول ﷺ يدري، قال: أين وضعت الدم؟ قال: وضعته في مكان لا يراه أحد، قال: ويل لك من الناس، وويل للناس منك؛ ولن تمسّك النار﴾ وهذا الحديث صحيح، فأما ويل لك من الناس، فإنك قد خالطت دمي بدمك فسوف تصاب بمثل ما أصبت، لأن العظماء محسودون، يقول زهير:
محسدون على ما كان من نعم لا ينزع الله منهم مالهم حسدوا
إن العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام الناس حسادا
وأما قوله: ﴿وويل للناس منك﴾ فإنك سوف تكون عظيم، لأن دمي في دمك وسوف يتضرر بك قومك، لا تمسك النار في الآخرة، كيف تمسه النار وقطع دم الرسول ﷺ سرت في شرايينه؟! ولذلك كان عظيماً، وقتله الحجاج بن يوسف ورفع على المشنقة وأصبح في ريع الحجون عند المقبرة للرائحين والغادين، حتى صدقت عليه القصيدة وليتها فيه، التي قالها أبو الحسن الأنباري، في أحد الوزراء يوم صلب على باب بغداد، قال:
علوٌ في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
علو في الحياة والممات: يقول كنت عالياً في الحياة، ويوم مت كنت عالياً ما دفنوك.
كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات
كأنك واقف فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء كمدهما إليهم بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أن يواروا فيه تلك المكرمات
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافيات
هذا الفداء وهذا التطراد، كيفما تقدم حبك للرسول ﷺ ، نحن والله لا نطالب أنفسنا وإياكم بأن نفعل كما فعلوا:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع
نطلب أن نربي لحانا كما كان ﷺ يربي لحيته، وأن نقصر ثيابنا، وأن نشتري مساويك، وأن نحافظ على الصلاة، ثم نعود إلى بيوتنا لنأكل ونشرب، ولكن نطالب أنفسنا ألا نرتكب حراماً، هذا إسلام قدم لنا طازجاً جاهزاً، ما علينا إلا أن نتبع وأن نتمسكن وإذا سمعنا قنبلة أو غارة قلنا: ﴿أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق﴾ فنحن نطالب أنفسنا باتباعه وحبه من هذا المسلك، في صحيح البخاري: ﴿أن الرسول ﷺ قال وقد سأله أعرابي: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: المرء يحشر مع من أحب﴾ قال أنس: [[فنحن والله نحب رسول الله ﷺ ونحب أبا بكر وعمر وإن لم نعمل بأعمالهم]].
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة
стр. 8466
الديمقراطية لم يأت بها النبي ﷺ
السؤال
نسمع في سيرة الرسول ﷺ أنه عاش مع أصحابه الديمقراطية الحقة، فما المقصود بـ الديمقراطية الحقة؟
الجواب
هذه من كيس السائل، الديمقراطية من كيسه صنفها وألفها وأخرجها للناس، الرسول ﷺ لم يكن ديمقراطياً، ولم يكن ديكتاتورياً، إنما كان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين، الرسول ﷺ كما يقول أحمد شوقي:
الاشتراكيون أنت إمامهم لولا دعاوى القوم واللأواء
كذب.
الرسول ﷺ لم يكن اشتركياً، كان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين، أما الديمقراطية فمعناها الشورى، ولذلك يقول أحمد شوقي:
فالحكم عدل والخلافة بيعة والأمر شورى والحقوق قضاء
وهذا صحيح، فنسميها شورى ولا نسميها ديمقراطية، لأن في الناس حكماً فيدرالياً، وهو الذي يجعل منصباً واحداً في مجالس معه كمجلس الشيوخ والنواب، وديمقراطياً برلمانياً، وديكتاتورياً أن يستقل هو بالمسئولية، فالرسول ﷺ كان هو الإمام، وكان هو الذي يشير ويقول : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] وأما الديمقراطية فخذها في جيبك وإذا خرجت فارمها خارج المسجد.
стр. 8467
حديث (من سب صحابتي فقد سبني)
السؤال
هل هذا الحديث صحيح: ﴿من سب صحابتي فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله فقد كفر﴾؟
الجواب
هذا الحديث موضوع فلا يصح عن الرسول وهو كذب وليس من كلامه ﷺ ، وإنما في المسألة حديثان، حديث صحيح وحديث حسن:
الحديث الصحيح: قوله ﷺ ﴿لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه﴾ والحديث الحسن في سنن الترمذي قوله ﷺ : ﴿الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم عرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم﴾.
стр. 8468
بر الوالدين
السؤال
أحب أن أهدي لك هذا البيت:
أهلاً وسهلاً بالضيف يأتي بيته الثاني الرحيبا قد فتحنا قبل فتح الباب للضيف قلوبا
أما السؤال فأقول: كيف أكون باراً بوالدي؟
الجواب
شكراً على بيتك وإن دل على شيء، فإنما يدل على إيمانك وحبك وطموحك، وأنا أقول فيك وفي هذه الشبيبة أنكم أشبه بقول القائل:
هينون لينون أيسار بني يسر صيد بهاليل، حفاظون للجار
لا ينطقون عن الفحشاء إن نطقوا ولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
أما قولك كيف تكون باراً بوالديك:
فعليك أن تطيعهما في طاعة الله ؛ فإن أمراك بمعصية فلا تطعهما، كلما أرادا شيئاً لا يغضب الله فنفذ هذا الأمر وشرط البر الرضا، أن يرضى الوالد وترضى الوالدة عنك، إذا رضيا عنك فقد كنت باراً بوالديك، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء:٢٣].
стр. 8469
الفكر وأقسامه
السؤال
ذكر فضيلتكم في محاضرة العلم الأصيل والعلم الدخيل أنكم كنتم تكثرون في بداياتكم القراءة في الفكر، فما هو المقصود بقولكم: الفكر، نرجو توضيح ذلك؟ مع ذكر بعض الكتب المؤلفة في الفكر وما المقصود بها؟ وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الفكر طغى عند المسلمين لما اضطروا إلى الرد على المفكرين الغربيين وأمثالهم من أعداء الإسلام من المستغربين والمستشرقين، والفكر ليس بعلم، هو قضايا واقعية وحوداث جدت بالأمة تراد أن يرد عليها، شبه وضعت في الساحة، بعض الردود من القرآن والسنة، وبعضها ردود عقلية، الفكر أشبه شيء بعلم المنطق، والفكر قسمان:
قسم محمود، وهو ما دافع أهله عن الإسلام والمسلمين فجزاهم الله خيراً، كما فعل الأستاذ سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي، وغيرهم من العلماء فجزاهم الله خيراً.
وفكر لا رسالة له، كتابة جزئية، كما تجد بعض الصحفيين يكتب في مسائل ويشغل بها الناس ويقيم الدنيا ويقعدها، فهذا لا خير فيه، الفكر بقسميه، أما الثاني فحرام، حرام أن تكون رسالة المسلم في الحياة الفكر الثاني الذي ليس له رسالة، والفكر الأول يؤخذ بقدره ويكون الأصل العلم (قال الله، قال رسوله) والتحقيق، والدليل، والجلسات الهادئة، لأن الفكر لا يمكن أن يستمر معك، والإسلام يعترف بالعلماء ولا يعترف بالمفكرين.
стр. 8470
كيفية اكتساب العلم
السؤال
ما هي قصتك في اكتساب العلم، أرشدنا أفادك الله، فنحن نريد أن نتأسى بك؟
الجواب
الإنسان صعب أن يتكلم عن نفسه، وما أنا إلا عبد فقير ذليل:
إلهي لا تعاقبني فإني مقر بالذي قد كان مني
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومني
إذا فكرت في ندمي إليها عضضت أناملي وقرعت سني
إنما عليكم أن تبحثوا عن ابن تيمية والعظماء العباقرة العمالقة، ابن القيم، ابن كثير الإمام أحمد، مالك، الشافعي الصحابة، واقرءوا تراجمهم في مثل سير أعلام النبلاء للذهبي.
стр. 8471
قصائد من تأليف الشيخ عائض
السؤال
نطلب من الشيخ أن يمتعنا بقصائده مثل التي قالها في سماحة الشيخ ابن باز أو التي قالها في فضيلة الشيخ ابن عثيمين، أو التي قالها في أمريكا أو عن المجاهد الكبير عبد رب الرسول سياف، فنترك الشيخ ليلقي ما عنده؟
الجواب
قصيدة أمريكا قصيدتان، هزلية وجدية:
أما الجدية: أمريكا التي رأيت:
يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل
وتوقف التاريخ في خطواتها قبل الرحيل
سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل
وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل
هذه الأمة الإسلامية أجدادكم يعني:
يا أمة ضرب الزمان بها جموح الكبرياء
رأس الدعي على التراب ورأس عزمك في السماء
لو كان مهرك يا مليحة من براكين الدماء
لهفا إليك اللامعون وفر منك الأدعياء
يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال
وهي البريئة خدرها فيض عميم من جلال
شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال
موتاً أتاتورك الدعي كموت تيتو أو جمال
يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد
كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد
القاتلو الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد
جثث البرايا منهم في كل رابية وواد
ما زرت أمريكا فليـ ست في الورى أهل المزار
بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار
لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار
وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار
ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام
قد زادني مرأى الضلا ل هوىً إلى البيت الحرام
وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام
ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام
أما الهزلية فاسمها: نشرة الأخبار:
يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي
مصلياً على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي
قد جئت من أبها صباحاً باكراً مشاركاً لحفلكم وشاكراً
وحملتنا في السما طيارة تطفح تارة وتهوي تارة
قائدها أظنه أمريكي تراه في هيئته كالديك
يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا
وهذه أخبار هذي النشرة مسافة السير ثلاث عشرة
من الرياض عفشنا ربطنا وفي نيويورك ضحى هبطنا
أنزلنا في سرعة وحطنا وقد قصدنا بعدها واشنطنا
ثم ركبنا بعدها سيارة مستقبلين جهة السفارة
منزلنا في القصر أعني ريديسون يا كم لقينا من قبيح وحسن
في بلد أفكاره منكوسة تثقله بصائر مطموسة
يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيرا
ما عرفوا الله بطرف ساعة وما أعدوا لقيام الساعة
فهم قطيع كشويهات الغنم جد وهزل وضياع ونغم
فواحش قد أظلمت منها السما والأرض منها أوشكت أن تقصما
من دمر العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا
من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان بالأتراك
من الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا
استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا
منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا نصنع السيارة
ثم أتينا لمباني الكونجرس ولم نجد مستقبلاً ولا حرس
بها ملايين حوت من الكتب في كل فن إنه هو العجب
ومعنا في ركبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان
وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة
ومعنا عبد العزيز الغامدي ابن عزيز صاحب المحامد
والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش
فهو أبونا في مقام الترجمة لأننا صرنا صخوراً معجمة
ثم هبطنا في مطار دنفرا جلودنا في البرد صارت كالفرا
ثم دخلنا عند تكسس في دلس عند شباب كالنجوم في الغلس
وهل أتاك إذ حضرنا الرابطة كم ضم من ساقطة ولاقطة
من عالم وفاهم وشاعر وأحمق وناهب وقاصر
وكل من يعمل للإسلام أخٌ ولا عبرة بالأسامي
شعبهم لم يعبد الله الصمد ولم يردد قل هو الله أحد
لن يعرف النصر ولا لن يعرفه اضحك له وغطه بالمنشفه
أما قصيدة سياف فاسمها المدوية:
سياف في ناظريك النصر يبتسم وفي محياك نور الحق مرتسم
وفيك ثورة إسلام مقدسة بها جراح بني الإسلام تلتئم
حطمت بالدم أصناماً محجلة وصافحت كفك العلياء وهي دم
ثأرت لله والدين الحنيف فلم يقم لثأرك طاغوت ولا صنم
على جبينك من سعد توقده وخالد في رُأَى عينيك يقتحم
قامت عزائمك الكبرى لمعركة بها بني العرب ودوا أنهم عجم
حلق إذا شئت فالأرواح طائرة فعن يمينك من عاهدت كلهم
وصغ من المهج البيضاء ملحمة يظل يقرأها التاريخ والأمم
موتاً على صهوات البيد يعشقه أهل البسالة في عليائهم شمم
لا موت من تسكر اللذات فطنته حياته في الورى سيان والعدم
سياف خذ من فؤادي كل قافية تجري إليك على شوق وتستلم
قد صغتها أنت إسلاماً ومكرمة وفي سواك القوافي أشهر حرم
منك المعاني ومني نسجها وأنا نظم وأنت على ألفاظها حكم
أنفاسها منك إلا أنها مثلاً وروحها فيك إلا أنها كلم
بها حياء إذا سارت لحضرتكم ماذا تقولوا ويكفي أنك العلم
حب ولكن شعري لا يحيط به من ذا يبلغه عن خاطري لكم
لمن تركت القصور الشم في دعة لمن تركت نعيماً كله ألم
لمن تركت المقاصير التي رفعت لكل أرعن للذات يلتهم
سواك يرشف كأس من سلافته وأنت ترشف كأساً ماؤه الكرم
كادت معاليك أن ترويك معجزة لكن تواضعك الأسمى لها كتم
كأنما أنت كررت الألى ذهبوا هذا صلاح ومحمود ومعتصم
السائرون وعين الله ترقبهم الخائضون وبحر الهول مضطرم
الواهبون نفوساً أفعمت ورعاً الشاربون رحيق الموت إن هجموا
الساجدون ونار الحرب موقدة الذاكرون وزحف الهول محتدم
أكفانهم نسجوها من دمائهم على مطارفها النصر الذي سلموا
ماتوا ولكنهم أحياء في غرف من الجنان وذابوا لا فقد تلموا
سارت إلى الحرب أرواح مكرمة لو لم تسر لسرت نار الفنا لهم
لعل في الموت سراً كيف يعشقه جيل فكم شربوا منه وكم طعموا
الميت الشهم يوصي الحي في لهف والحي يغبط موتاهم ويغتنم
صاغوا الترانيم من صوت المدافع إذ سواهم يحتويه الناي والنغم
فكل أصيد منهم هب منطلقاً كالنجم كم من شياطين به رجموا
لو خاطب الموت فرداً واحداً وهم مليون شهم لأموا الموت واستهموا
قنابل الموت صيغت من جماجمهم فالموت أصبح من غاراتهم يدم
والطائرات على صيحاتهم سقطت صرعى وربانها فوق الربى سحموا
يكبرون فتهتز الربى فرقا ويهتفون فيسعى النصر نحوهم
من كل أطلس عزرائيل يشبهه في فيلق النصر لا يبكون ميتهم
تلك المكارم لا دنيا مزخرفة قد مازج الماء منها الذل والندم
يا رب أنت ولي المسلمين ومن سواك من هذه الأصنام ينتقم
أنزل على جندك الأسمى ملائكة وراء جبريل روح القدس ينتقم
ثبت قلوباً بك اللهم قد علقت ساروا إليك وماتوا فيك واعتصموا
بيض الوجوه على الرمضاء قد سجدت إليك وحدك أنت المالك الحكم
стр. 8472
آخر قصيدة أنشدها الشيخ
السؤال
هناك طلب من الشيخ بأن يلقي آخر قصيدة أنشدها؟
الجواب
لا أدري ما هي آخر قصيدة إلا مقطوعات:
مقطوعة في جبيل وهي مقتبسة من مقتطفات قديمة:
يا مجمع الخير حيوا لي محياه نداء حق من الفصحى سمعناه
وفي جبيل لقاءات وأمنية مع الشباب الذي قد طاب مسعاه
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلاينا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله
وأختتم بقولي:
سلام الله أرفعه إليكم بأشواقي وحبي والتحية
وأرفع من ربى أبها سلاماً إلى الأحساء في أحلى هدية
ونادي الفتح أبلغه سلامي وشكري والوفاء بما لديه
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8473
دور الأدب في معايشة النكبات
إن الأدب في اللغة العربية هو البيان الساحر الذي يبين الحقائق والمستشكلات، وقد كان للأدب بين العرب مكانة ومنزلة، والإسلام أشاد بالشعر والبيان، فقد كان الرسول ﷺ يشجع شعراءه، فيذبون عن الإسلام، وكذلك أصحابُه مِن بعده، ومَن بعدهم.
إن الأدب الذي يوافق المكارم ويصفها، ويمدح الكرم والجود، ويصف الشجاعة هو الأدب الباقي، والأدب الذي يتألم لما يحصل للمسلمين هو الأدب الرائع الجميل، فلابد أن نحييه وننشره ونحافظ على بلاغته وفصاحته.
стр. 8474
الكلمة ما لها وما عليها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمَّا بَعْد:
فإن الكلمة تحكم الكون منذ البدء.
فسِّر وجود الكون يكمن في كلمة، أليس الخالق ﵎ يقول لخلقه: (كن فيكون) وبالكلمة نحيا.
أليست حياتنا سلسلة كلمات تحمل عقائد وشرائع وعهوداً ومواثيق وعقوداً وإجراءات وبالكلمة ندين؟
أليس مفتاح الإيمان كلمة أو عدداً من الكلمات؟
ألسنا نتعبد الله بكلمات؟
أليس نهاية المطاف كلمة أو عدداً من الكلمات؟
أوليس أنه قد تقتلنا كلمة واحدة، وترفعنا كلمة، وتخفضنا كلمة، وتبكينا كلمة، وترضينا كلمة، وتغضبنا كلمة؟
إذاً: فالكلمة سلطان لا ينازع في عالم البشر، فحين نفرح نخف إلى الكلمات نستسرها فرحتنا وبهجتنا وسرورنا، وحين تضيق علينا السبل ويتملكنا الكرب لا نجد إلا الكلمات، ننفس بها عن همومنا، ونفرج بها كربنا، فنجهر بالدعاء إلى الله القادر تارة، ونبث شكوانا للخلائق تارة أخرى، وكل ذلك بكلمات منثورة ومنظومة.
والأدب أيها الأحبة في الله! هو الكلمة في أرقى صورها الجمالية، وهو الشعر، والقصة، والرواية، والخطبة، والخاطرة، والمقالة؛ فما موقع أرقى أشكال الكلمة من حياتنا؟
إن موقعها في الصميم، وأمة بلا أدبٍ أمة بلا حياة، أمة جافة خاوية، وأدبٌ لا يمثل أمة أدبٌ جاف خاوٍ.
ودور الأدب في الحياة مما لا يجادل فيه، فإذا اشتدت الخطوب، وقطب الزمان حاجبيه، ففي الأدب ملجأ ومتسع، ونحن المسلمين نعتز دائماً بموقف الأدب من الرسالة الشريفة، حيث وقف الشعراء مع الرسول ﷺ في ضيقه، ونصروه وآزروه ونافحوا عنه بتشجيع منه عليه أفضل الصلاة والتسليم.
ونحن نعتز كذلك بتراثنا الأدبي العظيم الذي نستجلي فيه وبه وقفات شرفية لأدبائنا وشعرائنا مع أمتهم، وقد ترك أُدباؤنا الأوائل نتاجاً عظيماً في صدر الإسلام وعهد الفتوحات، وتركوا لنا مثل ذلك بعد سقوط الأندلس، وخلال الحروب الصليبية، وفي هذا العصر وجد أدبٌ متميز واكب الأحداث العظام في الحربين العالميتين وفي فلسطين وأفغانستان وغيرهما، وكما نلمسه هذه الأيام مواكباً للأحداث المؤلمة الحاضرة.
أيها الأحبة في الله: لتجلية أكثر لدور الأدب في معايشة النكبات، دعاكم النادي الأدبي في الرياض إلى هذه المحاضرة التي تسعدنا جميعاً أن يتحدث إلينا فيها مفكرٌ وأديب إسلامي هو الشيخ: عائض القرني.
стр. 8475
الأدب في غير موضعه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله القائل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥].
والصلاة والسلام على من قال فيه ربه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩] فهز بفصاحته البلغاء، وأسكت بمنطقه الشعراء، وأفحم ببيانه العرب العرباء، وعلى آله وأصحابه اللُّسَّن المفوَّهين، والكماة الباسلين.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وشكر الله لأهل الفضل فضلهم، وعلى رأسهم الأستاذ الجليل والأديب النبيل عبد الله بن إدريس رئيس النادي الأدبي في الرياض، أدام الله سعوده، وسدد جهوده، وقد دعاني لإلقاء هذه المحاضرة بعنوان: (دور الأدب في معايشة النكبات) وهي تحمل الرقم (٣٠٢) فلبيت دعوته، وأقول له كما قال أبو الطيب المتنبي لـ سيف الدولة:
أتاني رسولك مستعجلاً فلباه شعري الذي أدخر
ولو كان يوم وغىً قاتماً للبَّاه سيفي والأشقر
أصرف نفسي كما أشتهي وأملكها والقنا أحمر
أيها الحضور! الأدب كلمة مؤثرة حية تبعث في الشعوب الحياة، عاشها رسول الهدى ﷺ بنفسه متكلماً وسامعاً، وخطيباً وفقيهاً ومفتياً، وقبل أن أبدأ اسمحوا لي بكلماتٍ سطرتُها، ومعذرة إن ندَّ بيان أو اختل لفظ.
سيدي علل الفؤاد العليلا أحيني قبل أن تراني قتيلا
إن تكن عازماً على قتل روحي فترفق بها قليلاً قليلا
الأدب الراقي سوف أذكره بعد هذه الأسطر؛ لكن أتحدث عن أدبٍ رخيص، وعن أدبٍ متبذل، وعن أدبٍ ليس مقصوداً في الإسلام.
نعيش اليوم أدباً في مجموعة لا تحمل مبدأً، ولا يتعامل مع قضيتنا الكبرى، ولا يتحمس لرسالتنا الخالدة.
أدباً غلب عليه التذبذب، ويبدل المواقف بحسب المنافع والأغراض.
أدباً يسترضي الخواطر، ويجامل على حساب الحق.
فإذا قائله أول من يُكَذِّبُه ولا يؤمن به، أدباً مزوقاً مستهلكاً، مجته الآذان، وعافته القلوب، وتمردت عليه الأجيال؛ لأنه لا يلبي حاجتها، أدباً يجعل السارق محترماً، والأمين خائناً، والسفاك فاتحاً عظيماً، وإمام المسجد متطرفاً مريباً، والمتزلج على الثلج وجامع الطوابع حكيماً عبقرياً.
أدباً سهلاً لسذج البادية، تلطيخ صحف الأمة بساقط القول ومتبذل الهراء، فأصبح دراويش الأعراب حملة فكر، وروَّاد قلم، في حين أَفَلَ نجمُ الطليعة وغاب شمس الرواد وأصحاب المبادئ.
إذا عَيَّرَ الطائي بالبخل مادر وعيَّر قساً بالفهاهة باقل
وقال السهى للشمس أنت كسيفة وقال الدجى للبدر وجهك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
أدباً مجمركاً! عليه الوصاية، يصف الزوارق البحرية في شواطئ اللهو والضياع، ويبكي على موت أرانب الصحراء، ويحدثنا عن امرئ القيس وتدمر، والأمة تغرق في بحور الدماء، وتئن تحت سياط الجلادين، وتموت في زنزانات الطغاة الدجاجلة، وتحاصر بطوابير الملحدين المرتزقة.
следующие страницы →