Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.
стр. 9241
اجنِ العسل ولا تكسر الخلية
الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه، اللين في الخطاب، البسمة الرائقة على المحيا، الكلمة الطيبة عند اللقاء، هذه حلل منسوجة يرتديها السعداء، وهي صفات المؤمن، كالنحلة تأكل طيباً وتصنع طيباً وإذا وقعت على زهرة لا تكسرها؛ لأن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، إن من الناس من تشرئب لقدومهم الأعناق، وتشخص إلى طلعاتهم الأبصار، وتحييهم الأفئدة، وتشيعهم الأرواح؛ لأنهم محبوبون في كلامهم، في أخذهم، في عطائهم، في بيعهم، في شرائهم، في لقائهم، في وداعهم.
إن اكتساب الأصدقاء فن مدروس يجيده النبلاء الأبرار، فهم محفوفون دائماً وأبداً بهالة من الناس، إن حضروا فالبِشر والأُنس، وإن غابوا فالسؤال والدعاء.
إن هؤلاء السعداء لهم دستور أخلاق عنوانه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] فهم يمتصون الأحقاد بعاطفتهم الجياشة، وحلمهم الدافئ،، وصفحهم البريء، يتناسون الإساءة، ويحفظون الإحسان، تمر بهم الكلمات النابية فلا تلج آذانهم، بل تذهب بعيداً هناك إلى غير رجعة، هم في راحة، والناس منهم في أمن، والمسلمون منهم في سلام ﴿المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم﴾ يقول ﷺ فيما يُروَى عنه: ﴿إن الله أمرني أن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني﴾ ووالله لقد وصلت من قطعك، وعفوت عمن ظلمك، وأعطيت من حرمك، فهنيئاً لك تلك المنزلة: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] بشر هؤلاء بثواب عاجل من الطمأنينة والسكينة والرضوان والهدوء، وبشرهم بثواب أخروي كبير، في جوار رب غفور ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
стр. 9242
(أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)
الصدق حبيب الله، الصراحة صابون القلوب، التجربة برهان، الرائد لا يكذب أهله، لا يوجد عمل أشرح للصدر وأعظم للأجر كالذكر ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وذكره سبحانه جنته في أرضه، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهو إنقاذ للنفس من أوصابها وأتعابها واضطرابها.
إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ ونترك الذكر أحياناً فننتكسُ
هل تذكرونا مثل ذكرانا لكم رب ذكرى قربت من نجحا
وهو الطريق الميسر المختصر إلى كل فوز وفلاح، طالع دواوين الوحي لترى فوائد الذكر، جرب مع الأيام بلسمه لتنال الشفاء، بذكره سبحانه تنقشع سحب الخوف والفزع والهم والحزن، بذكره تزاح جبال الكرب والغم والأسى.
الله أكبر كل هم ينجلي عن قلب كل مكبر ومهللِ
ولا عجب أن يرتاح الذاكرون، فهذا هو الأصل الأصيل؛ لكن العجب العجاب كيف يعيش الغافلون عن ذكره؟! ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢١].
يا من شكى الأرق، وبكى من الألم، وتفجع من الحوادث، ورمته الخطوب! هيا اهتف باسمه تقدس في عليائه، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥].
إنك بقدر إكثارك من ذكره ينبسط خاطرك، ويهدأ قلبك، وتسعد نفسك، ويرتاح ضميرك؛ لأن في ذكره معاني التوكل والثقة والاعتماد والتفويض وحسن الظن وانتظار الفرج، فهو قريبٌ إذا دُعِي، سميعٌ إذا نُودِي، مجيبٌ إذا سُئل، فاضرع واخضع واخشع، وردد اسمه الطيب المبارك على لسانك، توحيداً وتمجيداً وثناءً ومدحاً ودعاءً وسؤالاً واستغفاراً وسوف تجد بحوله وقوته السعادة والأمن والسرور والنور والحبور: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران:١٤٨] يقول ﵊: ﴿مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت﴾.
стр. 9243
(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)
الحسد كالآكلة المُلحة، تنخر العظم نخراً، إن الحسد مرض مزمن يعيث في الجسم فساداً، وقد قيل: لا راحة لحسود فهو ظالم في ثوب مظلوم، وعدو في جلباب صديق.
وقد قالوا: لله در الحسد ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله.
إنني أنهى نفسي ونفسك عن الحسد رحمة بي وبك، قبل أن نرحم الآخرين؛ لأننا بحسدنا لهم نطعم الهَمَّ لحومنا، ونسقي الغم دماءنا، ونوزع نوم جفوننا على الآخرين.
إن الحاسد يشعل فرناً ساخناً ثم يقتحم فيه.
التنغيص والكدر والهم الحاضر أمراض يولدها الحسد؛ لتقضي على الراحة والحياة الطيبة الجميلة.
بلية الحاسد أنه خاصم القضاء، واتهم الباري في العدل، وأساء الأدب، وخالف الشرع، وقدح في العقل.
يا لَلْحسد من مرض! لا يؤجر عليه صاحبه، ومن بلاء لا يثاب عليه المبتلى به، وسوف يبقى هذا الحاسد في حرقة دائمة حتى يموت، أو تذهب نعم الناس عنهم، كلٌّ يصالح إلا الحاسد.
أعطيت كل الناس من نفس الرضا إلا الحسود فإنه أعياني
ما لي له ذنب عليَّ علمتُه إلا ترادف نعمة الرحمن
وأبى فما يرضيه إلا ذلتي وذهاب أموالي وقطع لساني
إن الحاسد يريد شيئاً محدداً لا غيره، يريد أن تتنازل عن مواهبك أن تلغي خصائصك أن تترك مناقبك، فإن فعلت ذلك فلعله يرضى على مضض، نعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد، فإنه يصبح كالثعبان الأسود السام، لا يقر قراره حتى يفرغ سمه في جسم بريء.
فأنهاك أنهاك عن الحسد، واستعذ بالله من الحاسد، فإنه لك بالمرصاد.
стр. 9244
اقْبَل الحياةَ كما هي
حال الدنيا منغصة اللذات، كثيرة التبعات، جاهمة المحيا، كثيرة التلون، مُزجت بالكدر، خلطت بالنكد، وأنت منها في كبد.
دار متى أضْحَكَت في يومها أبكَتْ غداً، قُبحاً لها من دار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلباً في الماء جذوة نار
طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار
لن تجد ولداً أو زوجة أو صديقاً أو نبيلاً أو مسكناً أو وظيفة إلا وفيه ما يكدر، وعنده ما يسوء أحياناً، فأطفئ حر شره ببرد خيره، لتنجو رأساً برأس ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
أراد الله لهذه الدنيا أن تكون جامعة للضدَّين والنوعَين والفريقَين والرأيَين، خير وشر، صلاح وفساد، سرور وحزن، ثم يبقى الخير كله والصلاح والسرور في الجنة، ويُجمع الشر كله والفساد والحزن في النار، وفي الحديث: ﴿الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم ومتعلم﴾.
فعش واقعك، ولا تسرح مع الخيال، ولا تحلق في عالم المثاليات، اقْبَل الدنيا كما هي، وطوع نفسك لمعايشتها ومواطنتها، فسوف لا يصفو لك صاحب، ولا يتم لك فيها أمر، ولا يصلح لك حال؛ لأن الصفو التمام والكمال في الآخرة، وفي الحديث: ﴿لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر﴾ فينبغي أن نسدد ونقارب، وأن نعفو ونصفح، وأن نأخذ ما تيسر، ونذر ما تعسر، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
ومن ذا الذي تُرْضَى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبُه
إذا أنت لم تشرب مراراًَ على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربُه!
...
ولستَ بمستبق أخاً لا تذمه على شعث أي الرجال المهذبُ!
فلنُغْمِض الطرف أحياناً، ونسدد الخطى، ونتغافل عن أمور.
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
стр. 9245
تَعَزَّ بأهل البلاء
تلفت يمنة ويسرة، فهل ترى إلا مبتلى؟! هل تشاهد إلا منكوباً؟! هل تبصر إلا مصاباً؟! في كل دار نائحة، وعلى كل خد دمع، وفي كل وادٍ بنو سعد.
كم من المصائب! وكم من الصابرين! فلستَ أنت وحدك المصاب، بل مصابك أنت بالنسبة لغيرك قليل، كم من مريض على سريره من أعوام يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، يئن من الألم، يصيح من السقم؟! كم من محبوس مرت به سنوات، ما رأى الشمس بعينه، وما عرف غير زنزانته؟! كم من رجل وامرأة فقدا فلذات أكبادهما في ميعة الشباب وريعان العمر؟!
كم من مكروب؟! وكم من مديون؟! وكم من محبوس؟! وكم من عرض منهوب؟! وكم من دم مسفوك؟! وكم من عقل منهوب؟! وكم من مال مسلوب؟!
آن لك أن تتعز بهؤلاء وأن تعلم علم اليقين أن هذه الحياة سجن المؤمن، وأنها دار الأحزان والنكبات، تصبح القصور حافلة بأهلها وتمسي خاوية على عروشها، بينما الشمل مجتمع، والأبدان في عافية، والأموال وافرة، والأولاد كُثْر، ثم ما هي إلا أيام فإذا الفقر والموت والفراق والأمراض ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥].
فعليك أن توطن نفسك كتوطين الجمل المحنك الذي يبرك على الصخرة، وعليك أن توازن مصابك بمن حولك وبمن سبقك في مسيرة الدهر، ليظهر لك أنك معافى بالنسبة لهؤلاء، وأنه لم يأتك إلا وخزات سهلة، فاحمد الله على لطفه، واشكره على ما أبقى، واحتسب ما أخذ، وتَعَزَّ بمن حولك.
ولك في رسولنا ﷺ قدوة، وُضِع السلَى على رأسه، وأدميت قدماه، وشُجَّ وجهُه، وحُوصِر في الشعب، وطُرِد من مكة، وكُسِرَت ثنيتُه، ورُمِي في عِرض زوجته، وقُتِل سبعون من أصحابه، فَقَد ابنه، وماتت بناتُه، ورَبَطَ الحجر على بطنه، واتُّهِم بشتى التهم، صانه الله من ذلك، وهذا بلاء لا بد منه، وتمحيص لا أعظم منه! وقد قُتِل قبل ذلك زكريا، وذُبح يحيى، وهُجِر موسى، ووُضع الخليل في النار، وسار الأئمة على هذا الطريق، فضُرِّجَ عمر، واغتيل عثمان وطُعن علي، وجُلدت ظهور الأئمة، وسُجن الأخيار، ونُكِّل بالأبرار: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
قل للذي بصروف الدهر عَيَّرنا هل عاند الدهرُ إلا مَن له خطرُ
أما ترى البحر تعلو فوقه جِيَفٌ وتستقر بأقصى قعره دُرَرُ
وفي السماء نجوم لا عِداد لها وليس يُكْسَفُ إلا الشمسُ والقمرُ
стр. 9246
الصلاة!! الصلاة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣].
إذا داهمك الخوف، وطوقك الحزن، وأخذ الهم بتلابيبك، فقم حالاً إلى الصلاة، تثوب لك روحك، وتطمئن نفسك، إن الصلاة كفيلة بإذن الله باجتياح مستعمرات الأحزان والغموم ومطاردة فلول الاكتئاب: ﴿كان ﷺ إذا حزبه أمر قال: أرحنا بالصلاة يا بلال﴾ فكانت قرة عينه، وسعادته وبهجته.
وقد طالعتُ سِيَر أقوام أفذاذ كانت إذا ضاقت بهم الضوائق، وكشرت في وجوههم الخطوب، فزعوا إلى صلاة خاشعة، فتعود لهم قواهم وإرادتهم وهممهم.
إن صلاة الخوف فرضت لتؤدَّى في ساعة الرعب، يوم تتطاير الجماجم وتسيل النفوس على شفرات السيوف، فإذا الثبات والسكينة والرضوان والأُنس.
إن على الجيل الذي عصفت به الأمراض النفسية أن يتعرف على المسجد، وأن يمرغ جبينه ليرضي ربه أولاً، ولينقذ نفسه من هذا العذاب الواصب، وإلا فإن الدمع سوف يحرق جفنه، والحزن سوف يحطم أعصابه، وليس لديه طاقة تمده بالسكينة والأمن إلا الصلاة.
ومن أعظم النعم لو كنا نعقل: هذه الصلوات الخمس كل يوم وليلة، كفارة لذنوبنا، ورفع لدرجاتنا، وصلاح لأحوالنا، وسكينة لنفوسنا، دواءٌ لأمراضنا، تسكب في ضمائرنا مقادير زاكية من اليقين، تملؤ جوانحنا بالرضا، أما أولئك الذين جانَبوا المسجد وتركوا الصلاة، فمن نكد إلى نكد، ومن حزن إلى حزن، ومن شقاء إلى شقاء: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٨].
стр. 9247
(حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
تفويض الأمر إلى الله، والتوكل عليه، والثقة بوعده، والرضا بصنيعه، وحسن الظن به، وانتظار الفرج منه مِن أعظم ثمرات الإيمان، ومِن أجلِّ صفات المؤمنين، وحينما يطمئن العبد إلى حسن العاقبة، ويعتمد على ربه في كل شأنه يجد الرعاية والولاية والكفاية والتأييد والنصرة.
لَمَّا أُلقي إبراهيم ﵇ في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً.
ولَمَّا قيل لرسولنا ﷺ : ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
إن الإنسان وحده لا يستطيع أن يصارع الأحداث، ولا يقاوم الملمات، ولا ينازل الخطوب؛ لأنه خلق ضعيفاً عاجزاً؛ ولكنه حينما يتوكل على ربه، ويثق بمولاه، ويفوض الأمر إليه، يجد النصر والتأييد والفتح والإعانة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].
فيا من أراد أن ينصح نفسه: توكل على القوي الغني ذي القوة المتين؛ لينقذك من الويلات، ويخرجك من النكبات، واجعل شعارك ودثارك: (حسبنا الله ونعم الوكيل) فإن قل مالك، وكثر دينك، وجفت مواردك، وشحت مصادرك، فنادِ: (حسبنا الله ونعم الوكيل).
وإذا خفت من عدو، أو رعبت من ظالم، أو فزعت من خطب فاهتف: (حسبنا الله ونعم الوكيل).
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
стр. 9248
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ)
ِمما يشرح الصدر ويزيح الكرب: السفر في الديار، وقطع القفار، والتقلب في الأمصار، والنظر في كتاب الكون المفتوح؛ لتشاهد أقلام القدرة وهي تكتب على صفحات الوجود آيات الجمال؛ لترى حدائق ذات بهجة، ورياضاً أنيقة، وجنات ألفافاً.
اخرج من بيتك، وتأمل ما حولك وما بين يديك وما خلفك، اصعد الجبال اهبط الأودية تسلق الأشجار عُب من الماء النمير، ضع أنفك على أغصان الياسمين، حينها تجد روحك حرة طليقة، كالطائر الغرِّيد تسبح في فضاء السعادة، اخرج من بيتك، أرخِ الغطاء الأسود عن عينيك، ثم سر في فجاج الله الواسعة ذاكراً مسبحاً.
وكتابي الفضاء أقرأ فيه سوراً ما قرأتُها في كتابِ
إن الانزواء في الغرفة الضيقة مع الفراغ القاتل طريق ناجح للانتحار، وليست غرفتك هي العالم، ولستَ أنت كل الناس، فلم الاستسلام أمام كتائب الأحزان، ألا فاهتف ببصرك وسمعك وقلبك: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] تعال لتقرأ القرآن هنا بين الجداول والخمائل، بين الطيور وهي تتلو خطب الحب، وبين الماء وهو يروي قصة وصوله من التل.
إن الترحال في مسارب الأرض متعة يوصي بها الأطباء لمن ثقلت عليه نفسه، وأظلمت عليه غرفتُه الضيقة، فهيا بنا نسافر لنسعد ونفرح ونفكر ونتدبر: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران:١٩١].
стр. 9249
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)
التحلي بالصبر من شيم الأفذاذ الذين يتلقون المكاره برحابة صدر، وبقوة إرادة، وبمناعة أبية، وإن لم أصبر أنا وأنت فماذا نصنع؟!
هل عندك حل لنا غير الصبر؟! هل تعلم لنا زاداً غيره؟!
كان أحد العظماء مسرحاً تركض فيه المصائب، وميداناً تتسابق فيه النكبات، كلما خرج من نكبة دخل في أخرى، وكلما نجا من كربة تعرض لثانية، وهو متترس بالصبر، متدرع بالثقة بالله، حتى قال:
إن كان عندك يا زمان بقيةٌ مما يُهان بها الكرام فهاتِها
فجعل الله له فرجاً ومخرجاً.
هكذا يفعل النبلاء، يصارعون الملمات، ويطرحون النكبات أرضاً، دُخِل على أبي بكر وهو مريض، فقال مَن حوله: [[ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب قد رآني، قالوا: فماذا قال؟ قال: يقول: إني فعَّال لما أريد]].
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي والذي قد أصابني من طبيبي؟!
قال ابن المرتعش: ذهبت عيني من أربعين سنة، ما علمت ابنتي ولا زوجتي.
وفي مقالات لأحد المعاصرين أنه عرف جاراً له مقعداً من عشرين سنة، يقول: والله ما أَنَّ ولا اشتكى، وما زال يحمد ربه حتى مات، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] اصبر صبر واثق بالفرج، عالم بحسن المصير، طالب للأجر، راغب في تكفير السيئات، اصبر مهما ادلهمت الخطوب، وأظلمت أمامك الدروب، فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، و ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٦].
وقد قرأت سِيَر عظماء مروا في هذه الدنيا، وذهلت لعظيم صبرهم، وقوة احتمالهم، كانت المصائب تقع على رءوسهم كأنها قطرات ماء باردة، وهم في ثبات الجبال، وفي رسوخ الحق، فما هو إلا وقت قصير فتُشرق وجوههم على طلائع فجر الفرج، وفرحة الفتح، وعصر النصر، وأحدهم ما اكتفى بالصبر وحده، بل رضي وتبسم واحتسب فكان الثواب والأجر والفرج.
стр. 9250
وقفات
لا تحزن! لأنك بحزنك تريد إيقاف الزمن، وحبس الشمس، وإعادة عقارب الساعة، والمشي إلى الخلف، ورد النهر من مصبه.
لا تحزن! لأن الحزن كالريح الهوجاء، تفسد الهواء، وتبعثر الماء، وتغير السماء، وتهلك الحديقة الغَنَّاء.
لا تحزن! لأن المحزون كنهرٍ أحمق، ينحدر من البحر، ويصب في البحر، و ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾ [النحل:٩٢] وكالنافخ في قربة مثقوبة، وكالكاتب بأُصبُعه على الماء.
لا تحزن! فإن عمرك الحقيقي سعادتك وراحة بالك، فلا تنفق أيامك في الحزن، ولا تبذر لياليك في الهم، ولا توزع ساعاتك على الغم، ولا تسرف في إضاعة حياتك، فإن الله لا يحب المسرفين.
لا تحزن! فإن أموالك التي في خزائنك، وقصورك السامقة، وبساتينك الخضراء، مع الحزن والأسى واليأس زيادة في أسفك وهمك وغمك.
لا تحزن! فإن عقاقير الأطباء، ودواء الصيادلة، ووصفة الحكيم، لا تسعدك وقد أسكنتَ الحزن قلبكَ، وفرشتَ له عينكَ، وبسطتَ له جوانحكَ، ألحفته جلدك.
لا تحزن! وأنت تملك الدعاء، وتجيد الانطراح على عتبات الربوبية، وتحسن المسكنة على أبواب ملك الملوك، ومعك الثلث الأخير من الليل، ولديك ساعة تمريغ الجبين في السجود.
لا تحزن! فإن الله خلق لك الأرض وما فيها، وأنبت لك حدائق ذات بهجة، وبساتين فيها من كل زوج بهيج، ونخلاً باسقات لها طلع نضيد، ونجوماً لامعات، وخمائل وجداول، ولكنك تحزن!
لا تحزن! فأنت تشرب الماء الزلال، وتستنشق الهواء الطلق، وتمشي على قدميك معافى، وتنام ليلك آمناً.
لا تحزن! فإن المرض يزول، والمصاب يحول، والذنب يُغفر، والدين يُقضى، والمحبوس يُفك، والغائب يقدم، والعاصي يتوب، والفقير يغتني.
لا تحزن! أما ترى السحاب الأسود كيف ينقشع؟! والليل البهيم كيف ينجلي؟! والريح الصرصر كيف يسكن؟! والعاصفة كيف تهدأ؟! إذاً: فشدائدك إلى رخاء، وعيشك إلى هناء، ومستقبلك إلى نعماء.
لا تحزن! لهيب الشمس يطفئه وارف الظل، وظمأ الهاجرة يبرده الماء النمير، وعضة الجوع يسكنها الخبز الدافئ، ومعاناة السهر يعقبه نوم لذيذ، وآلام المرض تزيلها هناء العافية، فما عليك إلا الصبر قليلاً والانتظار لحظة.
لا تحزن! فقد حار الأطباء، وعجز الحكماء، ووقف العلماء، وتساءل الشعراء، وبارت الحيل أمام نفاذ القدرة ووقوع القضاء، وحتمية المقدور.
عَسى فرجٌ يكون عَسى نعلِّل نفسَنا بِعَسى
فلا تقنط وإن لاقيت هماً يقضب النفَسا
فأقرب ما يكون المرء من فرج إذا يئسا
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٦].
يا أحد! يا صمد! يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! يا رحمن يا رحيم! أسألك أن تذهب عنا الهم والغم والحزَن والكدر والوصب والنصَب.
اللهم إنا نعوذ بك من الشقاء والشَقوة والذلة والفقر.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبيه وآله وصحبه ومن والاه.
стр. 9251
فر من الحزبية فرارك من الأسد
حزبنا حزب واحد هو حزب الله، وما أتت هذه الحزبيات إلا مع نقص العلم الشرعي الموروث عن معلم الخير ﵊، وأيضاً مع كثرة الأهواء والاختلافات، وشهوات الأنفس، والمقاصد السيئة، والأمراض، وقلة البصيرة والمعرفة.
وقد أفاض الشيخ في هذا الموضوع، وبين كثيراً من معالمه، ووضح كثيراً من ملابساته.
стр. 9252
لا حزب إلا حزب الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عنوان هذا الدرس: فر من الحزبية فرارك من الأسد.
في مساء السبت (١٨/ من شهر المحرم/ ١٤١٣هـ).
وقبل أن أبدأ أعلن حبي وسعادتي وفرحتي هذه الليلة لضيوف وأحبة وقادمين ووافدين، وفدوا من الرياض ومن القصيم ومن الشرقية والغربية، ومن بعض دول الخليج، ونرحب بكل مسلم حضر هنا أو لم يحضر عربياً كان أو أعجمياً يحمل لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ورد عنه ﷺ أنه قال: ﴿بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: النَُّزّاع من القبائل﴾ فهم الذين أتوا من كل حدب وصوب، اجتمعوا من القبائل، من الأصقاع، من المدن، من الشعوب، من الأقطار، لا على سبب ولا على نسب، إنما على رابطة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهذه المحاضرة (فر من الحزبية فرارك من الأسد) لها مناسبة: فإنا لا نعلم حزبية شرعية إلا حزباً واحداً مؤيداً بالله وبرسوله ﵊ وهو حزب الله: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢].
فمن انتسب لحزب آخر أو تعصب لحزب آخر، أو اتخذ غير هذا الحزب، أو جعل حزباً داخل هذا الحزب ففرق بين هذا الحزب، فتولى بعض هذا الحزب وعادى بعضه وأحب بعضه وأبغض بعضه؛ فقد نكث ميثاق الله وقد عصى الله.
فكان لزاماً علينا أن يكون حزبنا واحداً وهو حزب الله، فليس عندنا من يوجب، ولا يجوز لأحد أن يوجب لأحد أن ينتسب لحزب ويوالي عليه ويعادي عليه، ويحب له ويبغض له، غير حزب الله الذي ذكره الله ورسوله ﷺ .
وإنما أتت هذه الحزبيات مع نقص العلم الشرعي الموروث عن معلم الخير ﵊، ومع كثرة الأهواء والاختلافات وشهوات الأنفس والمقاصد السيئة والأمراض وقلة البصيرة والمعرفة، فكان حقاً على الدعاة وطلبة العلم أن يبينوا ما هو الأسلم في هذه الطريقة.
واعلموا حفظكم الله أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يوجب على الأمة أن تتبع مذهباً من المذاهب، ومن قال للناس أو لعبد من العباد: أنه يجب عليه أن يكون حنبلياً أو شافعياً أو مالكياً أو حنفياً؛ فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ومن أوجب على أحد الناس من العباد أن يكون إخوانياً أو سلفياً أو تبليغياً أو سرورياً يوجبه وجوباً فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإن الله لم يسمنا إلا مسلمين، وارتضى لنا اسم المسلم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] وسمانا رسولنا ﷺ باسم السنة، فنحن أهل السنة ليس لنا اسم إلا هذا الاسم، لا نعرف إلا بهذا الاسم، وليس لنا شارة ولا حزب إلا حزب السنة يجمعنا عربينا وأعجمينا، شرقينا وغربينا، أحمرنا وأسودنا وأبيضنا، تحت اسم أهل السنة.
стр. 9253
الهوى من أعظم دواعي الفرقة والشتات
ومن أعظم دواعي هذه الفرقة الهوى، وأستميحكم عذراً فسوف أنقل نصوصاً في هذه المحاضرة لتكون مقيدة باعتبارات وبنقولات، وبحقائق ووثائق، من أهل السنة، وقد اعتمدت بعد الله وبعد كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبعد سنة رسوله ﵊ على كتاب الاعتصام والموافقات للشاطبي، وعلى كتيب الهوى وأثره في الاختلاف للشيخ عبد الله الغنيمان، وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وكتاب حكم الانتماء للدكتور بكر أبو زيد، وكتب مناهج أهل السنة للدكتور ناصر العقل، وكتاب الولاء والبراء للدكتور محمد بن سعيد القحطاني، وغيرها من الرسائل والكتب.
يقول الشاطبي: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار.
وروي هذا عن الشعبي فإن الهوى ما سمي هوى إلا أنه يهوي بصاحبه إلى النار والعياذ بالله.
ويدخل الهوى عند العباد في عبادتهم، فتجد بعضهم يعبد مع الله غيره، أو يخترع عبادات ما أنزل الله بها من سلطان بهواه، ويدخل الهوى مع أهل العلم، فتجد بعضهم يفتي بالهوى، أو يقول قولاً بالهوى ليس بالعلم، ويدخل مع أهل السياسات الشرعية، فتجد بعضهم يحكم بالهوى، وينفذ أحكام الله بالهوى أو أحكام غير الله فَيَضل ويُضل.
стр. 9254
ذم الهوى في الكتاب والسنة
قال ابن عباس ﵄: ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا ذمه.
ذكره الشاطبي في الموافقات.
وأصل الضلال اتباع الظن والهوى، قال : ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣].
ونزه الله رسوله ﵊ من الهوى، فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤].
وأنذر داود ﵇ وحذره أن يتبع الهوى فقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] إلى آيات أخرى كثيرة أخبر الله فيها أن الهوى هو أصل الشقاء وأصل الردى والبلاء.
ومتبع الهوى لا بد أن يضل سواء في الأخبار أو في الأحكام، فإن الله إذا ترك العبد وهواه أضله الله ضلالاً بيناً، فقد قال الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
وقد ورد عنه ﵊ أنه يقول: ﴿اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك﴾ أو كما ورد في الحديث.
стр. 9255
تحذير السلف من مجالسة أهل الأهواء
وقد حذر السلف من أهل الأهواء، ويقصدون بأهل الأهواء أهل البدع، وأهل الشهوات الخفية، الذين يتخذون الدين سلماً لأغراضهم، أو يريدون أن يخترعوا في دين الله، أو يريدون أن يملكوا الرقاب أو الأموال، أو يحوزوا الأنفس بطريق الدين، فيلبسون على العامة ويلبسون على البادئين في العلم، فقد حذر منهم السلف الصالح.
قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما تعرفون.
رواه ابن بطة في كتاب الإبانة، واللالكائي في كتاب السنة، والدارمي.
ومعنى هذا: أن الذي يثق بنفسه فيجلس مع أهل الأهواء لا يؤمن عليه أن يلبس عليه.
وأهل الأهواء كالعلمانيين والحداثيين والخوارج والرافضة والمرجئة والقدرية ومن في نفسه هوى وشهوة خفية هذا لا تجلس معهم ولو كنت تقول: إني سوف أنصحه؛ فإنه يعديك ولا محالة كما سوف يأتي.
وقال غيرهم: لا تجالسوا أهل الأهواء فإنكم إن لم تدخلوا فيما دخلوا فيه؛ لبسوا عليكم ما تعرفون.
رواه ابن بطة.
والمقصود: أنهم يلبسون الحق الذي معنا، فيشككونك فيما أنت عليه، وقد رأيت شباباً من أهل السنة منا، جلسوا مع الرافضة، وكان قصدهم أنهم يعيدون هؤلاء، وأولئك أكثر منهم جدلاً وثقافة، وبعضهم حجج في مذهبهم، فيجلس الشاب الذي في الثانوية أو في كلية الشريعة أو أصول الدين إلى هذا الحجة المليء بالهوى والضلال والغي، فيريد أن يرده، فيلبس عليه الحق الذي عند أهل السنة، فيأتي ويقول: والله ما أدري عن صحة الأحاديث التي في البخاري والترمذي، عن خلافة أبي بكر وعمر، فلا بد أن يتحقق منها، فانظر كيف ترك في قلبه مرضاً والعياذ بالله.
وقال ابن عباس: [[لا تجالسوا أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب]] رواه ابن بطة أيضاً.
ولذلك مر أحد السلف فوضع إصبعيه في أذنيه، قال: لئلا أسمع كلمة من صاحب هوى فتقع في قلبي.
وتقدم ثور بن زيد أحد رواة البخاري ومسلم وكان فيه قدر، فأتى يسلم على سفيان الثوري، فنفض سفيان يده وقال: المسألة تؤدي للدين.
يقول: لو كان غير الدين كنت سلمت عليك، لكن ما دام الدين فلا أسلم عليك، ولما مات أتى سفيان الثوري فاعتق الصفوف وخرج ليراه الناس ولم يصل عليه، لئلا يصلوا على هذا المبتدع.
وقال إبراهيم النخعي: لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضاء في قلوب المؤمنين.
رواه ابن بطة أيضاً.
أي: أن الله يسلب نور العقل بسبب الجلوس مع أهل الهوى وأهل الزيغ والانحراف.
والذين يريدون الجدل والخلاف بين المؤمنين وينقلون الكلام بين طلبة العلم، فيسبون هذا ويتتبعون سقطات هذا وغلطات هذا ويجمعونه، وربما سجلوه وربما كتبوه وينسون محاسنه وينسون مواقفه؛ فهؤلاء من أهل الهوى؛ لأنهم يريدون أن يحل الجدل محل العمل أو محل الكتاب والسنة.
وقال مجاهد بن جبر: لا تجالسوا أهل الأهواء؛ فإن لهم عرة كعرة الجرب.
أي: حكة كحكة الجرب.
ذكره ابن بطة.
فإن صاحب الهوى يترك في قلبك أثراً فتحتك من هذا الأثر فيدمي قلبك وهو هواه والعياذ بالله!
وقال محمد بن علي: لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.
ويلحق بذلك أيها الإخوة: من يشغل الناس بتوافه المسائل، أو المسائل التي ليس فيها علم، كمسألة دوران الأرض فيقيم المجلس ويقعده على هذه المسألة التي لا ينبني عليها عمل، ولا يسألنا الله عنها يوم القيامة، وليس فيها معتقد، ولم يتكلم فيها الصحابة، وكمسألة هل السحاب من البحر؟ وهل يتبخر البحر؟ مع أنه حقيقة تبخره الشمس بإذن الله في كلام طويل، ومسألة كروية الأرض، مع العلم أنها كروية، لكن هذه المسائل التي هي من الجدل وهي تمنع عن العمل فحذار من هذه.
قال : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠].
قال مصعب بن سعد: لا تجالس مفتوناً فإنه لن يخطئك منه إحدى اثنتين: إما أن يفتنك عن دينك فتتبعه، وإما أن يؤذيك قبل أن تفارقه.
ذكره ابن بطة أيضاً.
فالحذر الحذر من مجالسة هؤلاء، وإذا سمعت أحداً يخوض في آيات الله، يضرب بعضها في بعض، أو في أحاديث النبي ﷺ ، أو ينتهك حرمات أهل العلم، أو يخالف بين الدعاة، أو يأتي بنقل لعالم ليضرب به قول عالم آخر، فهذا من أهل الهوى فانفض يديك منه.
قال يونس بن عبيد ﵀: أوصيكم بثلاث: لا تمكنن سمعك من صاحب هوى، ولا تخلُ بامرأة ليست لك بمحرم ولو أن تقرأ عليها القرآن، ولا تدخلن على أمير ولو أن تعظه.
رواه ابن بطة.
وقال أبو قلابة يوصي أيوب السختياني: يا أيوب! احفظ عني أربعاً: لا تقل في القرآن برأيك.
لا يتحدث أحد رأيه بالقرآن، ولا يتخرس برأيه فإن كتاب الله محفوظ إلا ما ظهرت عليه الدلالة أو أيدته لغة العرب.
وإياك والقدر، وإذا ذكر أصحاب محمد ﷺ فأمسك.
كمن يقول الآن: هل الأفضل من كان مع علي أو من كان مع معاوية؟ وهل الأفضل الذين كانوا في حزب علي أو في حزب معاوية؟ فهذا ممن يدخل في أصحاب رسول الله ﷺ بما لا يحبه الله.
ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك فينبذوا فيه ما شاءوا.
وقال أبو الجوزاء وهو من أئمة التابعين: [[لئن تجاورني القردة والخنازير في دار أحب إليَّ من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء]].
стр. 9256
عاقبة مجالسة أهل الأهواء
وأتى عمران بن حطان وكان عنده علم، وهو شاعر الخوارج، وهو الشاعر القوي في شعره، وكان شعره من الشعر الخالد، ذهب إلى الخوارج لينصحهم وقال: أتزوج منهم امرأة عليَّ أؤثر فيهم وأردها وأرد أهلها إلى مذهب أهل السنة، فردته إلى مذهب الخوارج، وهو الذي يقول في قصائده الجميلة:
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها
أي: الدنيا
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنهم فيها عراة وجوّع
أراها وإن كانت تسر فإنها سحابة صيف عن قليل تقشع
وله من القصائد أخرى، لكن قصائده بعد أن تحول إلى مذهب الخوارج كانت سيئة وظالمة وآثمة كقوله لما قتل ابن ملجم علياً ﵁ يمدح ابن ملجم يقول:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه من خير خير عباد الله ميزانا
فرد عليه شاعر أهل السنة فقال:
يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا
إني لأذكره يوماً فألعنه وألعن الكلب عمران بن حطانا
فاستوى البيت وركب هذا البيت وأحسن شاعر أهل السنة.
وبعضهم دخل ليرد على الشيوعية فألحد والعياذ بالله، ككاتب من القصيم، وهو عبد الله القصيمي، وقد كان ذكياً لماحاً له كتاب صراع بين الإسلام والوثنية، أراد أن يرد على الشيوعيين الكادحين في عدن، ويرد على نظرية كارل ماركس، فالعياذ بالله اطلع على كتبهم فألحد، وخرج من القصيم وهو الآن يقيم في القاهرة وعمره ما يقارب ثمانون سنة، ملحد لا يصلي ولا يسجد، ويكفر بالمصحف ويسب الدين وأهله، وله كتب في ذلك، قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] وقد ناداه العلماء وخاطبوه واتصلوا به وكاتبوه، لكن طبع الله على قلبه والعياذ بالله، فهو في الثمانين فما اهتدى ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] قال بعض أهل العلم: هذه لأهل الأهواء.
فإن بعض الناس إذا حضر مجالس أهل الخير تمظهر بأنه من أهل الخير وناقش معهم المسائل العلمية، وأظهر لهم حب السنة فإذا خلا مع الشياطين من الإنس سب أهل الخير وأهل العلم وأهل الدعوة فهو من جنس هؤلاء: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥] وقد دل على ذلك حديث الرسول ﷺ ، فقد ذكر أبو داود وأحمد بأسانيد صحيحة أن الرسول ﵊ قال: ﴿من سمع بالدجال فلينأَ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث من الشبهات، وفي لفظ: مما يرى من الشبهات﴾ فالدجال من سمع به فلينأ عنه، ليبتعد وليفر عنه، ولا يثق بإيمانه، فإن الدجال يشبه على الناس، حتى إنه يأتي إلى الخربة فيقول: أخرجي كنوزك فتخرج بإذن الله كنوزها، ويقول للسماء: أمطري فتمطر، ويضرب الرجل ويشقه نصفين ويحييه بإذن الله، وهذه فتنة.
وكذلك قال أهل العلم: كل من صار على منهج الدجال؛ فالواجب على الإنسان أن يبتعد عنه وأن يتجنب الجلوس معه.
وقد رأيت بعض الناس تأثروا ببعض الكتابات وببعض الأشرطة التي نشرها بعض العلمانيين حتى إنه عنده علم وعنده سنة وعنده خير كثير فشبه عليه خاصة فأصبح يصدقهم ويرتاح لهم، وأصبح يشكك في الخير الذي يحمله أهل الخير.
قال أهل العلم: وعلى المسلم ألا يناظر هؤلاء إذا علم منهم الهوى.
كما قال بعضهم: "كلامهم ألصق من الجرب وأحرق للقلوب من اللهب"، ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم ويسبونهم فجالسوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم، فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر ودقيق الكفر حتى مالوا إليهم.
وذكر أن محمد بن السائب كان من أهل السنة فقال: نذهب ونسمع من هؤلاء شيئاً؛ فما رجع حتى أخذ بها وعلقت بقلبه والعياذ بالله.
ذكر ذلك بعض أهل العلم في كتبهم قالوا: والهوى كل ما خالف الحق وللنفس فيه حظ ونصيب ورغبة، فيميل بصاحبه إلى الشهوة والشهرة وحب الظهور، وإلى الانصراف عن الحق والعياذ بالله.
стр. 9257
الهوى أصل الضلال والكفر
وقد ذم الله اليهود وأخبر أنهم يتبعون أهواءهم، كلما أتى أحدهم هوى اتبعه، قال سبحانه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧].
وكانوا يشهدون أن الرسول ﵊ سوف يبعث وأنه من العرب، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة:٧٠].
وقد ذم الله الكفار العرب بأنهم اتبعوا أهواءهم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠].
وأمية بن أبي الصلت كان يبشر برسول يبعث وكان يظن أنه هو الرسول ولما بعث الله محمداً ﵊ كفر، وأخذ يسب الرسول ﷺ بالقصائد ويحرض عليه، وقالوا: بل كان يسب من قتل في بدر من المسلمين أو من حضر في بدر من المسلمين ويمدح المشركين والعياذ بالله، فقال ﷺ : ﴿آمن لسانه وكفر قلبه﴾ أو كما قال ﷺ .
ومما يجب على المسلم أن يعلمه: أن الهوى أصل الضلال وهو أصل الكفر وعليه أن يسأل الله الهداية، وقد صح عند مسلم عن عائشة ﵂ أن الرسول ﵊ كان يقوم من الليل, فيقول: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون﴾.
فإذا هدى الله العبد سدده، وفي صحيح مسلم: ﴿اللهم اهدني وسددني﴾.
стр. 9258
التحذير من اتباع اليهود والنصارى في التفرق والاختلاف
وعند أبي داود عن عبيد بن حصين قال ﷺ قل: ﴿اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي﴾.
وقد قص الله علينا أخبار الأمم الذين تفرقوا بسبب الهوى، وحذرنا الله من شبههم وحذرنا من طريقهم، بل قال أهل العلم: إذا كان التمذهب سبباً للخلاف والفرقة فإنه يحرم، إذا كان كونك حنبلياً وذاك حنفياً وذاك شافعياً وهذا مالكياً سبباً للخلاف والفرقة فإنه يحرم، أيضاً: إذا كان كونك إخوانياً أو سلفياً أو تبليغياً أو سرورياً سبباً للفرقة والخلاف بين المسلمين فإنه يحرم، قال : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال:٤٦].
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] وقال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] وقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة:١١٨] وقال سبحانه: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣].
فقد حذره سبحانه من الخلاف وحذر أمته كما حذر الذين من قبله من الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأخبرنا ﵊ أنه سوف يقع الخلاف بالأمة وسوف يتبع بعضنا بعض الذين من قبلنا من اليهود والنصارى، كما قال ﷺ عند البخاري والمسند لـ أحمد: ﴿لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟﴾ والقذة: ريشة السهم، وهو ما يشبه رصاصة البندق، والمعنى: أنا سوف نتبعهم في كثير من أمورنا، وقد وقع ما قال ﵊، فمنا من اتبعهم في المناهج، ومنا من اتبعهم في الزي، ومنا من اتبعهم في الأخلاق، ومنا من اتبعهم في المعتقد، ومنا من اتبعهم في السلوك، ومنا من عصم الله فلم يتبعهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
стр. 9259
واقعنا عندما اتبعنا الهوى
ومما وقعنا فيه أنها وقعت عندنا طوائف وفرق ومذاهب كالحنابلة والشافعية والمالكية وبعض الجماعات على ما فيها من خير، وأقول: إن فيها خيراً وإنه نصر بها الإسلام والدين، لكن وقع من بعض المنتسبين إليها ظلم وجهل، فبعض المنتسبين للجماعات أو المذاهب يقول: المذهب الصحيح -مثلاً-: مذهب الحنابلة وغيره من المذاهب لا يصح، حتى إن بعضهم يقول: الحق مع الشافعية لكن ننتصر لمذهبنا رياضة! ويذكر بعض الأحناف في كتبهم حديثاً عنه ﷺ : ﴿أبو حنيفة سراج أمتي﴾.
وهذا حديث كذب موضوع، وبعضهم يقول: يقول ﷺ : ﴿ينزل عيسى بن مريم على مذهب أبي حنيفة﴾.
وهذا حديث كذب موضوع إلى غير ذلك من الأحاديث، وبعضهم يقول: إن لم يكن الحق للأحناف فما أدري أين يكون الحق، وبعضهم يقول: على الأمة أن تتبع الشافعي لأنه من أسرة محمد ﷺ ؛ لأنه هاشمي، وهو أولى الناس بالاتباع، حتى إن ابن حجر في فتح الباري على جلالته ﵀ في قوله ﷺ : ﴿الأئمة من قريش﴾ قال: وفي الحديث دليل على أن الشافعي المقدم لأنه من قريش، وابن حجر شافعي، فأعجبه هذا الحديث فقال به.
ومنهم من ينتسب مثلاً إلى الإخوان أو إلى السلفيين أو إلى التبليغيين أو السرورين أو إلى جماعة، فيقول: الحق في هذه الجماعة، وهذه هي المقصودة، حتى بعض المنتسبين من الجهلة يقول: هي المقصودة بقول الرسول ﷺ : ﴿عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة﴾.
وبعضهم كتب كتاباً المتساقطون في الطريق، وهم الذين خرجوا من الجماعة فيقول: هؤلاء ضلوا وسقطوا في الطريق، مع العلم أنه قد يظهر للإنسان أن المصلحة أن يخرج من الجماعة، أو أن من المصلحة ألا يتبع هذه الجماعة فقد تحبسه من علم أو دعوة أو قد لا يناسب هو الجماعة أو يكون الخير له ألا ينتسب لها.
فأقول: هذه الجماعات فيها خير ونصر بها الحق، لكن لا يجوز لأحد أن يقول: كل الحق في هذه الجماعة وغيرها باطلة، أو يقول: هذه الجماعة هي الجماعة التي يرضى الله عنها وغيرها يغضب الله عليها، أو يقول: كلما جاء من هذه الجماعة فهو الصحيح، حتى إن بعضهم لا يسمع إلا لأشرطة من كان من دعاة جماعته، ولا يحضر إلا لخطباء جماعته، ولا يقرأ إلا لجماعته، ولا يطلع إلا على ما يكتبه جماعته أو كتبه جماعته، ولا يمدح إلا لمن انتسب إلى جماعته، وبالمقابل تجده يقدح في خطباء الغير وفي شعرائهم ودعاتهم وعلمائهم وهذا من الهوى، وفيه حظ من قوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣].
ومن أوجب على الأمة أن تتبع مذهباً من المذاهب أو جماعة من الجماعات -قلت لكم-: يستتاب هذا فإن تاب وإلا قتل وهي كفتوى شيخ الإسلام في بعض المسائل التي شابهت هذه المسألة بالقياس.
وقال ﵊: ﴿لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتى بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك﴾ رواه البخاري في كتاب الاعتصام.
فأخبرنا ﵊ أنه سوف يقع من أمته من يفعل ذلك.
ومن الناس من يتحزب لشيخ فيقول: هذا الحق مع الشيخ وعليك بسماع أشرطته ولا تسمع لغيره، وبعض الناس يتعصبون لشيخهم من أقليمهم أو من مدينتهم أو داعية من محلتهم، ويتنقصون الدعاة الآخرين، وهذا من الظلم والعدوان، بل على الإنسان أن يقبل الحق من أي أحد سواء كان من الشمال أم من الشرق أم من الغرب أم من الجنوب، من العرب أم من العجم، فإن دين الله موزع في الناس.
وقال ابن تيمية: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون، غير أن فرعون قدر فأظهر وغيره عجز فأضمر.
وهذا كلام جيد.
يقول: كل نفس تحمل ما تحمل نفس فرعون لكن فرعون قال: أنا ربكم الأعلى وغيره استحيا من الناس، وإلا فإن النفوس محشوة بحب الرياسة وحب العلو في الأرض وحب التعالي على الأقران، إلا من عصم ربك ومن هذب الله بالإيمان والعمل الصالح.
كان ابن عمر يسجد عند المقام عند الكعبة ويقول: [[اللهم إنك تعلم أني ما تركت الخلافة إلا من مخافتك]].
والله يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
وفي صحيح مسلم: ﴿أن سعد بن أبي وقاص كان في البادية، فأتاه ابنه والناس يختلفون على الخلافة بين علي ومعاوية، وأبوه من أولى الناس بالخلافة فهو أحد العشرة، فقال: يا أبتاه! يقتتل الناس على الملك وأنت ترعى الضأن في الصحراء، قال: اغرب عني فإني سمعت النبي ﵊ يقول: إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي﴾.
ورأيت في ترجمة إبراهيم بن أدهم من تواضعه ومسكنته ومن ترك العلو والكبر أنه مر بدارة في بغداد، فخرجت امرأة بصحن من رماد تريد أن ترميه في الزبالة وهو حار فيه جمر، فرمت بالصحن بما فيه من رماد فوقع على رأس إبراهيم بن أدهم الزاهد العابد الكبير، فأخذ يحتحت الرماد، فخرج أهل المحلة وأهل الحارة يعتذرون منه، فقال: لا عليكم، من استحق النار وصولح على الرماد فهو ناج بإذن الله.
يقول: أنا أخاف من نار جهنم وما دام المسألة مسألة رماد فالمسألة فيها خير.
стр. 9260
علامات التفرق والاختلاف والتحزب
فعلى العاقل من طلبة العلم والدعاة والأخيار والصالحين أن يتقي الله ولا يركب رأسه بالهوى وليتبع مذهب أهل السنة يكون سنياً فلا يتزيا بزي ليس بزي أهل السنة، فلا يقيد نفسه بقيد لم يقيده الله به، حتى قيل لبعض السلف: من هم أهل السنة؟ قال: الذين ليس لهم اسم إلا أهل السنة، فليس لـ أهل السنة اسم آخر لا حنبلي ولا شافعي ولا حنفي ولا نقشبندي ولا تيجاني ولا بطائحي ولا إخواني ولا سلفي -مع العلم أن لفظة سلفي قد يقصد به معنى صحيحاً وهو من يتبع السلف، ويقصد به معنى آخر وهو من يتبع جماعة السلفيين- ولا سروري.
مع العلم أنني لا أتعرض لهؤلاء لكني أقول: التزيي والموالاة على هذه والمعاداة والحب والبغض ليس من دين الله في شيء، ولم ينزل الله به من سلطان، بل نحن أهل السنة، ليس لنا اسم إلا أهل السنة، قبلتنا الكعبة ورسولنا محمد ﷺ ، نؤدي الفرائض ونتزود بالنوافل ونجتنب الكبائر والصغائر ونعبد الله على بصيرة، ونحن أهل السنة فإذا فعلنا ذلك جمع شملنا وصلحت قلوبنا وعظمت رسالتنا بإذن الله.
стр. 9261
حب الرئاسة
قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب! إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية.
قيل لـ أبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة.
فهي خفية تخفى على الناس وقد تخفى على صاحبها، وقد ذكرها ابن تيمية في المجلد السادس عشر من الفتاوى، وهذا كلام صحيح، فإنك قد تجد العبد يصلي الصلوات الخمس ويقوم الليل ويصوم النوافل وهو يحب أن يترأس على زملائه، ويحب أن يكون دائماً المقدم، حتى تجد أنه تنشأ حب الرئاسة وحب العلو في الأرض مع الطلبة، فتجد أحدهم حتى في الابتدائية يحب أن يكون عريفاً على الطلاب ويحب أن يكون هو قائد المنتخب، ويحب أن يكون هو مشكل المجموعة والمدير حتى في الحلقات الصغيرة، ويحب أن يكون صاحب المسئولية، وهذا من حب الرئاسة في قلبه، حتى ذكروا عن بعض الزهاد أنه بلغ به حب الرئاسة وحب التصدر إلى أن سفك دماء الأمة كما فعل محمد بن عبد الله بن تومرت وهو رجل فيه ربانية وفيه تأله كثير، وكان زاهداً عابداً من أهل المغرب، وقد ذكره الذهبي وترجم له ترجمة طويلة وكان يصلي الليل ويبكي من خشية الله ، وركب في سفينة إلى الإسكندرية ما معه إلا ثوب ومعه إبريق يحمل فيه ماء ومعه عصا، وكان لا يرى منكراً إلا غيره، فكان يضرب الخمر ويكسر جرار الخمر وهو راكب في السفينة، فأخذوه ورموا به في البحر بإبريقه وبعصاه فركب في خشبة حتى صعد إلى جزيرة، فأتى إلى أهل الجزيرة، فأنكر عليهم فأعادوه في البحر فركب في قارب آخر فأدخلوه إلى تونس، فدخل في مسجد في تونس فوجد أهل البدع فضربهم بعصاه فحبسوه في تونس، ثم أخرجوه إلى المغرب فأنكر في المغرب، فحبسوه مراراً كثيرة ثم ذهب إلى جبال في أقصى المغرب، واعتصم بتلاميذه ورباهم ثم أسس دولة الموحدين هو بنفسه، حتى يقول:
والله والله لو نفسي مشردة ما كنت عن ضرب أعناق الورى آبي
بأبيات طويلة، يقول: والله لو عرضت لي أعناق الورى وأعناق الظالمين لضربتها جميعاً، فأوصله هذا الأمر إلى أن أخذ المخالفين له، حتى ممن خالف في بعض الأمور فكان ينكسهم في الآبار على رءوسهم حتى ماتوا، بعض المسلمين حتى من أهل الأهواء أو البدع لكنهم مسلمون في الجملة، وكان إذا خالفه مخالف أخذ السيف وضربه فقسمه نصفين، وله كتاب المرشدة وأمره إلى الله ، إنما ذكرته مثالاً لأمثلة العباد الزهاد الذين قد يحبون العلو في الأرض والله المستعان.
стр. 9262
تعظيم الأشخاص ومحبتهم
ومن علامات ذلك: محبة من يعظمه في قبول قوله والاستماع له من غير تدبر وتعقل، فإنك تجد بعض الناس إذا عظمه شخص أحبه ولو كان فيه تقصير وقدمه على غيره، حتى تجد بعض المشايخ إذا أحبه بعض الطلبة، أو قبل على رأسه، أو أركبه في سيارته، أو بجله بالألفاظ أو ألقى عليه قصيدة أو دعاه إلى وليمة، تجده يحب هذا الطالب ويقدمه على بقية الطلبة، وتجد بعضهم يغضب إذا لم يقبله الطلاب على رأسه، ويقول: هؤلاء الطلبة ليس عندهم أدب ولا يستحون ولا يحملون الأخلاق الشرعية إلى غير ذلك، فأصبح هواه في العلو في تقبيل الرأس واليد، وفي التبجيل بالعبارات، وهذه من فعل أحبار اليهود والعياذ بالله، بل على العبد أن يفر من هذه، وأن يحاول على ألا يوافق الناس في تقبيل رأسه إلا إذا كان فيه مشقة أو أمن على نفسه من العجب، وعليه أن يفر من تقبيل الأيدي والأكف، لأن هذه لم ينزل الله بها سلطاناً، ولو أن الرسول ﷺ فُعل به هذا، لكن منزلته ﷺ غير منازلنا؛ فإنه آمن على نفسه من العجب وعصم الله سمعه وبصره وقلبه.
قال فيمن اتبع هواه وطلب العلو وحسد وبغى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٩١].
стр. 9263
الظلم والعدوان في الرد على الآخرين
ثم قد يحصل من الناس على بعضهم ظلم وعدوان، فتجد بعض الناس إذا أراد أن يرد على أحد الأشخاص رداً؛ اتهمه ونال عرضه وسبه وشتمه وهذا من الظلم العظيم، بل عليك أن ترد الخطأ فقط، وأن تبين وتذكر المحاسن كما فعل شيخ الإسلام ﵀، عندما رد على المعتزلة في درء تعارض العقل والنقل قال: أحسن المعتزلة في أنهم ردوا الملاحدة وأدخلوهم في الإسلام لكنهم أساءوا في أنهم أوقفوهم في مذهب الاعتزال.
فعليك إذا أردت أن ترد على شخص أو طائفة أن تعترف بما لهم من الحق، فمثلاً: إذا أردت أن ترد على الحنابلة فلا تتهم الحنابلة بالجمود، ولا ترد على أئمتهم، ولا تطلق لسانك وقلمك في أعراضهم، بل تقول مثلاً: الحنابلة من أحسن الناس معتقداً، وهم المحافظون على معتقد أهل السنة، وفيهم علماء أجلاء، وفيهم زهد وورع، لكن أخطئوا في هذه المسألة أو أخطأ فلان منهم في هذه المسألة، وكذلك الشافعية، وكذلك المالكية، وكذلك الأحناف، وإذا أخطأ رجل من جماعة الإخوان فلا تسب جماعة الإخوان جميعاً وتقول: هذه الجماعة فيها كذا وكذا فهذا من الظلم والعدوان.
وإن من أفرى الفرى أن يسب الشاعر القبيلة بأسرها فإن هذا لا يجوز، وأقول لكم: هذا لا يجوز، وحتى لا يجوز أن تتخذ القبائل سلماً للمعاداة وللتناحر والتباغض، فمثلاً تسب القبيلة بأسرها، هذا لا يجوز، يعني: خالفك رجل من القبيلة أو أساء إليك رجل من القبيلة؛ فإنه لا يجوز لك وحرام عليك أن تقول: القبيلة كلها فاجرة أو آثمة أو بخيلة أو جبانة، فإن هذا من الظلم والعدوان، وهذا مما ينبغي أن يذكر به الناس كثيراً.
وكذلك الشعوب لا ينبغي أن تقول مثلاً: الشعب الفلاني كله آثم أو كله جبان أو كله خائن أو كله مارد، فإن هذا من الظلم؛ بل تذكر الأشخاص الذين لهم فجور، مثلاً على سبيل المثال: شعب العراق فيه حزب البعث الكافر وصدام المجرم، وحزبه حزب البعث فلا يجوز لك أن تقول: كل عراقي آثم وكل عراقي فاجر، فإن فيهم من أهل السنة وفيهم علماء وفيهم عباد وفيهم دعاة وفيهم صالحون وفيهم شهداء، بل عليك أن تميز هذا من هذا، فتخرج الحي من الميت: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
стр. 9264
تزكية النفس
وبعض الناس -كما ذكر من أهل الأهواء يزعم أنه مصلح وبعيد عن الفساد كما قال الله تعالى عن فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦].
فهو يزعم أنه هو المصلح والمحافظ على الدين الحق والحارس له من التغيير والتبديل، وأما موسى ﵇ فإنه ممن يسعى لتغيير الدين والفساد في الأرض، وهكذا تقلب الحقائق لدى أهل الأهواء ومبتغي العلو في الأرض؛ فيصبح المفسد مصلحاً والمصلح حقاً لديه مفسداً، والكفر بالله ومنازعته سلطانه ديناً يجب أن يحمى ويصان، ودين الله يعتبر تغييراً للدين وتبديلاً للحق، فتجد هؤلاء يصنفون الناس حسب أهوائهم فمن وافقهم فهو حبيبهم، ومن خالفهم فهو عدوهم، والعياذ بالله.
стр. 9265
الحزبية دعوة جاهلية
إذا علم هذا أيها الإخوة، فقد ورد في السير والمغازي عنه ﷺ : ﴿أن غلامين اقتتلا، فقال غلام من المهاجرين: يا للمهاجرين؛ لأنه يقاتل الأنصار، ونادى الأنصاري: يا للأنصار، فقال ﷺ : أبدعوى أهل الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! دعوها فإنها منتنة﴾ رواه مسلم في صحيحه.
فذمها ﷺ لما قال هذا: يا للمهاجرين، ولما قال هذا: يا للأنصار، مع العلم أن اسم الأنصار واسم المهاجرين اسمان شرعيان وردا في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵊، لكن لما استخدما استخداماً خاطئاً منع ذلك ، ولذلك لا يجوز أن يستدعي الإنسان حزبه، أو فئته، أو طائفته على فئة من المسلمين الأخرى بهذا الطريق؛ فإن هذا محرم؛ لأن هذا طريق للتفكك وللقتال وللتشاحن، قال: وقريب من هذا ما حصل لـ سلمان يوم أحد لما رمى أحد المشركين وقال: ﴿خذها وأنا الفارسي -وسلمان فارسي- قال: خذها وأنا الفارسي، فقال له ﷺ : هلا قلت: وأنا الرجل المسلم﴾.
يقول: لماذا لم تقل: وأنا الرجل المسلم؟
ونحوه ما رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب العصبية نحو هذا.
وقد قال شيخ الإسلام ﵀: روِّينا عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل ابن عباس فقال: أأنت على ملة علي أم على ملة عثمان -لأن معاوية يميل إلى عثمان -؟ قال: لست على ملة علي ولا على ملة عثمان، لكن أنا على ملة رسول الله ﷺ حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.
وهذا عندما دخل عنده وقت المنازعات، ووقت ما حصل بين الأمة غفر الله للجميع.
ذكره ابن بطة في الإبانة واللالكائي.
وكان السلف يحذرون من الأهواء، ويقول أحدهم: ما أبالي أي النعمتين أعظم: أن هداني الله للإسلام أو جنبني هذه الأهواء.
فنعمة الله عليك أن لم يجعلك مبتدعاً، لا خارجياً ولا رافضياً ولا قدرياً ولا جبرياً ولكن جعلك سنياً حنيفاً مسلماً والحمد لله.
стр. 9266
حكم امتحان الأمة بما لم ينزل الله به سلطاناً
ولا يجوز التفريق بين الأمة وامتحان الأمة بما لم ينزل الله به من سلطان، فلا يجوز أن نمتحن الإنسان: هل أنت حنبلي، أو شافعي، أو حنفي، أو مالكي؟ أو يقول أحدهم: أصحابنا الحنابلة، وخصومنا الشافعية.
حتى في بعض كتب الفقه وهي التي يجب أن تمحى ولو بالدم، فيقولون: وقال خصومنا من المالكية، وقال خصومنا من الأحناف، وقال خصومنا من الشافعية، وأما أصحابنا فقالوا، فهذا خطأ، فالجميع أصحابنا وإخواننا، من اتبع الحق فعلينا أن نحبه وأن نتولاه وأن نكرمه.
ولا يجوز امتحان الناس: هل أنت إخواني أو سلفي أو سروري أو تبليغي؟ وما هي جماعتك التي تنتسب إليها؟ ولا بد لك من جماعة، بل جماعتك جماعة أهل السنة والجماعة، وهي الجماعة التي يرضاها ، ويرضاها رسوله ﷺ .
بل على المسلم أن يقول: أنا مسلم متبع للكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والله تعالى قد سمانا بالقرآن: المسلمين المؤمنين عباد الله، فلا نعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم، فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بهذه الأسماء، ولا يوالي عليها، ولا يعادي، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان، والواجب على كل من يتكلم في أمر من أمور الدين أن يكون مخلصاً لله متجرداً له متبعاً للسنة، فلا يتكلم بالهوى، ولا يريد بكلامه مقصداً آخر، بل يريد أن يعبد الناس لرب العالمين.
ويا شباب الإسلام! ويا دعاة الحق! ويا طلبة العلم! ويا رواد الصحوة! ويا أيها الصالحون! المقصد من الدعوة تعبيد الناس لرب العالمين، وأن يكون الناس عباداً لله، فيعلموا الدين الخالص الذي بعث به رسولنا ﵊.
وقد يوجد الخلاف ظاهره العدل والإنصاف وباطنة الشهوة والتشفي والحقد والعياذ بالله، فتجد بعض الناس يرد على بعض الناس يقول: لأقيم الحق، ولأنصر العدل، ولأبين الخطأ، ولكن قصده التشفي والعياذ بالله، وقصده أن يظهر ما في قلبه من عداوة، وقصده أن ينتقم من ذاك، وهذا خطأ لا يؤجر عليه العبد.
стр. 9267
عبادات ما أنزل الله بها من سلطان
ومن جنس هذا: من اتبع هواه، أو اتبع ذاته، أو شخصه، أو منصبه، أو وظيفته، قال ﵊ كما في البخاري في كتاب الجهاد، باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله: ﴿تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة وعبد القطيفة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش﴾ فسماه ﵊ عبداً لهذه الأمور؛ لأنه أحبها ووالى عليها، وأبغض عليها، حتى أن منهم كما ذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر والجاحظ في البخلاء والخطيب البغدادي في كتابه البخلاء: من كان يعبد الدرهم عبادة وهو يصلي لله ويحج ويعتمر ويزكي ويصوم، فكان أحدهم يخرج الدرهم من حقيبته فيقول: ما أحسنك! وما أجملك! دخلت موضعاً لن تخرج منه، أسأل الله أن يحفظك من كل مكروه، ثم يقبل وجه الدرهم، ثم يقبل باطنه، وقال: رحم الله يداً حملتك، ورحم الله حقيبة حفظتك، فلما حضرته الوفاة من حبه وجشعه بالمال، أخذ خرز الذهب فابتلعه في فمه ليموت معه.
قال ابن الجوزي: وقد رأينا بخيلاً عبداً للدرهم والدينار، حضرته الوفاة وعنده ذهب وفضة، وكان ناقماً على أبنائه، أي: مبغضاً لأبنائه، ما يريد أن يرثوا منه شيئاً، فأخذ آجرة عظيمة -طوبة- فجعل فيها الذهب والفضة ثم طين عليها ثم أمر أن تدفن تحت رأسه في القبر لتموت معه.
يقول : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥] فيريد يقرب الأمر حتى لا يكون هناك مشوار في أخذ الذهب والفضة وتكون قريبة وحامية يلسع بها في نار جهنم والعياذ بالله.
ومنهم من يقصر على نفسه فيعبد الدرهم والدينار ويوالي عليه ويعادي، ويكون ليله ونهاره.
وأقاصيصهم عجيبة في هذا، والملك لله.
قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] قال سيد ﵀: ومنهم من يتخذ الكرة هوى، فتجده يوالي عليها ويحب ويبغض.
بل والله إن بعضهم ترك الصلاة من أجل أن يحضر مباراة، ومنهم من يوالي على النادي حتى يضارب عليه، ومنهم من يلبس زي النادي ذاك، فإذا كان النادي أصفر صار صفارياً، أو أزرق صارت سيارته زرقاء، وعلمه أزرق، وكل شيء فيه أزرق، وعينه زرقاء.
وتجد بعضهم أصفر في كل شيء حتى حذاءه صفراء، وأظافره يصفرها؛ لأنه صفراوي، وما أدري ما ألوان الأندية، لكن على الأندية، وتجد بعضهم يقتحم ويضارب، وقد أخبرنا بعض الثقات ممن لا يشك في كلامهم أن بعضهم ضارب في سبيل الكرة حتى كسرت يده، فانظر إلى هذه التضحية.
ومنهم من كان هلالياً وامرأته نصراوية، فلما غلب الهلال النصر؛ قامت واحتجت فاحتج فاحتجت فاحتج فطلقها، وهذا قد ورد بأسانيد بعضها يسند بعضاً، ولها متابعات وشواهد واعتبارات.
стр. 9268
سوء المقاصد في الأعمال
قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣].
وفي حديث أبي هريرة الذي في الصحيح في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: من تعلم علماً ليقال: عالم قارئ، ومن قاتل ليقال: جريء شجاع، ومن تصدق ليقال: جواد كريم.
وقد رواه مسلم والترمذي وأحمد وغيرهم من أهل العلم.
فإذا علم هذا فعلى الإنسان أن يتقي الله، قال ﵊: ﴿من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه فله من عمله النار﴾ رواه الترمذي والدارمي وابن ماجة، وذكره الدارمي في باب: التوبيخ لمن طلب العلم لغير الله .
فنعوذ بالله من سوء المقاصد، بل على الإنسان أن يطلب العلم ليرفع الجهل عن نفسه؛ وليعبد الله على بصيرة وليعلم الناس.
فمباهاة العلماء: أن يظهر أنه يعرف ما يعرفون، فتجد بعضهم يتكثر بالمسائل كما يقول ابن تيمية، حتى تجد المسألة فيها خلاف بسيط، أو قولان لأهل العلم، فيقول: فيها سبعة أقوال، ثم يورد الأقوال، وتجده يزبد ويرعد كأنه جمل هائج والرسول ﷺ يقول: ﴿المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور﴾ وبعض الجهلة يقول: هذه المسألة اختلف فيها العلماء، وهو لا يدري أن للعلماء أصلاً فيها خلاف، وبعضهم إذا سأل في مسألة قال: فيها قولان، حتى إذا أخطأ في قول وإذا له قول آخر احتياط.
حتى أن جاهلاً سألوه: ما رأيك في المسألة الفلانية؟ قال: فيها قولان، قالوا: والأخرى؟ قال: فيها قولان، قالوا: ما رأيك في الله ؟ قال: فيه قولان.
وهذا مذكور في كتب أهل العلم ممن ذكره كثير منهم في التاريخ.
ومماراة السفهاء: هو مجادلتهم ومحاربتهم ومجاراتهم في السفه، فإن السفيه ليس لك أن ترد عليه، ولك أن تهجره وتتركه، وأن تعرض عنه، فإنه ممن يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً.
وأما صرف وجوه الناس: فهو الذي يحب المدح والثناء بالعلم وبنشره والعياذ بالله.
وفي الحديث الآخر: ﴿من طلب علماً مما يبتغى له وجه الله تعالى، لا يطلبه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا؛ لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة سنة﴾ وهذه الزيادة أي: زيادة: ﴿وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة سنة﴾ في موطأ مالك في كتاب: اللباس، باب: ما يكره للنساء لبسه، وغير الزيادة فإنها عند أبي داود وابن ماجة وأحمد والدارمي بأسانيد صحيحة.
وقال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمرَّ الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤].
إن تطيعوا رسول الله ﷺ تهتدوا، فأطلب من إخواني أن يمروا السنة على ظاهرهم، وإمرار السنة على ظاهرك أن تكون متزيناً بالسنة كقصر الثياب وإعفاء اللحية وقص الشارب والسواك، كعلامات أهل السنة الذين يظهرون بها، والباطن أن تكون متبعاً في معتقدك لرسول الله ﷺ ، متقلداً لواجبات الإسلام كالخوف والرجاء، والرغبة والرهبة والإنابة، وغيرها من أعمال القلوب، فاتباع الهوى نوع من الشرك، كما قال بعض السلف: شر إله عبد في الأرض الهوى.
وقد تعوذ السلف من الهوى؛ لأنه قائد يقود صاحبه إلى النار والعياذ بالله.
فكل من تكلم في مسألة أو موضوع بدون علم أو بدون أثارة من علم أو بدون نية حسنة، تجده يناقض نفسه، ويأتي برأي تافه ويتعسف ويلوي النصوص، وقد قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وتحكيم الرسول ﵊ أن يُرضى بسنته ظاهراً وباطناً، وأن تحكم أخلاقه ﵊ وسلوكه وأفعاله وما ورد عنه ﵊، وأن يكون الحاكم في أمرك رسول الله ﷺ ، وأن تجعله شيخك وإمامك ومربيك وأستاذك، وأن تتعلم على يديه كأنك حضرت أصحابه رضوان الله عليهم، وكأنك جاورتهم، فلا تقبل القول إلا إذا كان عليه شاهدان من الكتاب والسنة، ولا تقبل الأمر إلا إذا كان عليه بينة من بينات محمد ﷺ ، ولا تقبل الأمر إلا إذا كان موافقاً لسنته ﷺ .
وقال النووي: روِّينا في كتاب الحجة بسند صحيح أن الرسول ﷺ قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به﴾ مع العلم أن ابن رجب وبعض أهل العلم يضعفون هذا الحديث، لكن معناه صحيح، فإنه لا يؤمن أحد من الناس حتى يكون هواه تبعاً لهوى رسول الهدى ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] وقد ورد عنه ﵊ أنه قال: ﴿من رغب عن سنتي فليس مني﴾ وكان يقول: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ وكان يقول: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ فعلى العبد أن يحكم الرسول ﵊، فلا يحكم أباه، ولا شيخه، ولا أستاذه، في أي أمر من أمور دينه، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] فعند التنازع علينا أن نرد إلى الكتاب والسنة وأهل العلم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧].
قضية أبينها لكم بضرب مثل ردت إلى غير أهلها، مثل قضية: التطرف، هل عند المسلمين هل عند أهل الصحوة هل عند الدعاة هل عند طلبة العلم هل عند الملتزمين والمتدينين تطرف؟ من الذي يفتي في هذه المسألة؟ نسمع كثيراً من الناس هم عوام -صراحة- لا يملكون كتاباً ولا سنة، وليس عندهم شريعة، يحكمون على الشباب بالتطرف، نقول: من نسأل؟ نسأل العلماء: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] فنذهب إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وإلى فضيلة الشيخ محمد الصالح بن عثيمين وإلى الشيخ الفوزان وإلى الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ اللحيدان والشيخ ابن جبرين والشيخ البراك والشيخ ابن قعود وغيرهم من مشايخنا وعلمائنا فنقول: هل هؤلاء الشباب فيهم تطرف؟
هل مثلاً: من أعفى لحيته، وقصر ثوبه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصام وصلى ودعا، هل هو متطرف؟
هل رأيتم في شبابنا تطرفاً؟ ما هو التطرف؟
إنا نسمع من إعلام الشرق والغرب اتهام الشباب بالأصولية والتطرف، هل هم متطرفون أم لا؟
فإن أفتونا وأخبرونا أن عندهم تطرفاً قبلناه وصدقنا، وإلا فلا نسأل غيرهم، ولا يجوز لأحد أن يتحدث غير هؤلاء في هذه المسائل، وقس عليها من أمثالها.
أيضاً: هذه الجماعات التي في الساحة لك أن تتعاون معها إذا أصابت، وإذا أساءت فعليك أن تجتنب إساءتها، حتى ولو لم تكن أنت في الجماعة، فمثلاً: أحسن السلفيون في مسألة، أو في كتاب، أو في مشروع، فقم معهم وأسندهم، أحسن الإخوان في مسألة قم معهم وأسندهم وعاونهم، أحسن التبليغيون في مسألة قم معهم وأسندهم وعاونهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم، وفي حديث عند الترمذي بسند فيه كلام: ﴿لا يكون أحدكم إمعة، إذا أحسن الناس أحسن وإذا أساءوا أساء، ولكن وطنوا أنفسكم، إذا أحسنوا فأحسنوا وإذا أساءوا فاجتنبوا إساءتهم﴾ أو كما قال ﵊.
стр. 9269
التحذير من مخالفة شرع الرسول ﷺ
قال محذراً المخالفين لشرع رسوله ﵊: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
قال بعض العلماء: فليحذر من لم يتبع الرسول في أقواله وأعماله ظاهراً أو باطناً أن يطبع الله على قلبه، وأن يزين له سوء عمله فيراه حسناً، فيزداد شراً على شر، أو يصيبه الله بعقاب عاجل مؤلم لا يتخلص منه مع ما أعد له في الآخرة من النكال والإهانة.
وقال ابن كثير: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول ﵊ أن تصيبهم فتنة أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة، أو يصيبهم عذاب أليم أي: في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك، ثم ذكر الحديث في الصحيحين، قال رسول الله ﷺ : ﴿إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله؛ جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل ينزعهن، ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها﴾ رواه البخاري في الرقاق باب: الانتهاء عن المعاصي، ومسلم كتاب: الفضائل، باب: شفقته ﷺ على أمته.
وهذا له تفسير عند أهل السنة: أنهم الذين خالفوا الرسول ﷺ ، وقد وضح لهم الأمر واستبان لهم لكن ركبوا رءوسهم وأشربوا الهوى في قلوبهم.
قال محذراً الأمة من الفرقة والخلاف: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١].
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ [الروم:٣١ - ٣٢].
قيل: شيعاً: أحزاباً وفرقاً وطوائف، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] فأمر الله عباده أن يتقوه بفعل ما أمرهم به من الاجتماع على دينه، متحابين متعاونين على الخير، وألا يموتوا إلا وهم مستسلمون له سبحانه، منقادون لأمره، متبعون لرسوله، محبون لشرعه، كارهون لما خالف نهجه .
هذه من المسائل التي اختلف فيها الناس قديماً وحديثاً: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣] وإنما قلت هذا؛ لأن بعض الناس يجعل من نفسه حكماً في مسائل الخلاف، فقوله أو ما وافق قوله في وجهات النظر أو في المسائل الخلافية هو المعتبر، بل بعضهم حتى في مسائل الفروع التي اختلف فيها أهل العلم: كضم اليدين على الصدر، والجهر ببسم الله، والقراءة خلف الإمام في الجهرية، وغيرها من المسائل، فيجعل قوله هو الصحيح وقول غيره هو الخطأ، وفي مسائل أخرى فمثلاً: هل فقه الواقع ضروري أو غير ضروري؟ مع العلم أنه من قال: ضروري فلا يكفر، ومن قال: غير ضروري فلا يكفر، وأن الناس ليسوا مكلفين أن يُمتحنوا في هذا، هل فقه الواقع من الشريعة؟ هل علينا أن نتعلم فقه الواقع أو نتركه؟ هذه ليست من مسائل الاعتقاد، ولا أجمع عليها العلماء، وهي وجهات نظر، فعلى العبد إذا لم يأت منه خير أن يكف شره عن المسلمين.
стр. 9270
ضرورة الإعذار في خلاف التنوع
واعلموا أيها المسلمون! أن خلاف التنوع لا يفسد القلوب، وقد اختلف أصحاب الرسول ﵊ في مسائل، وكانوا مجتمعين متحابين متآلفين يصلون سوياً، ويدعو بعضهم بعضاً، ويجلسون سوياً، ويتزاورون ويتجاورون والحمد لله.
فقد اختلفوا في مسائل كثيرة مذكورة في كتب أهل العلم، ومن استعرض المغني يجد أن مسائل الإجماع في المسائل الفرعية قليل، وأنَّ أكثرها مختلفون فيها، ومع ذلك تحابوا وتصافوا وتجاوروا وتزاوروا ولم تأت بينهم ضغينة.
فمن الصحابة من ضم يده اليمنى على اليسرى على صدره، ومنهم من ضمها تحت السرة، وهذا لم يعب على هذا، ولم يبغض هذا، ولم يعاد هذا، ومنهم من أفطر في السفر، ومنهم من صام في السفر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، ومنهم من كان يحرك إصبعه في التشهد ومنهم من كان لا يحركها، ولم يعب هذا على هذا، إلى مسائل أخرى.
حتى في بعض مسائل المعتقد، فإن منهم من رأى أن الرسول ﷺ رأى ربه لما عرج به ﵊، مع العلم أن الراجح أن الرسول ﷺ لم ير ربه، ومنهم من قال: إنه ﷺ لم ير ربه، ولم يعب هذا على هذا، ولم يسب هذا هذا، ولم يعاد هذا هذا، فلماذا نختلف على مسائل كهذه.
وقد سمعت أن بعض الناس في بعض المسائل في التراويح تغاضبوا في بعض الأحياء، وتهاجروا من أجل أن إماماً صلى بهم إحدى عشرة ركعة، وكانوا يرون أن يصلي بهم ثلاث عشرة ركعة، فبعضهم ترك صلاة التراويح، وذهب إلى مسجد آخر وهجر أهل هذا المسجد، وهذا من الجهل؛ فإن إحدى عشرة ركعة سنة، وورد في بعض الألفاظ ثلاث عشرة ركعة، والراجح إحدى عشرة ركعة، ولو اجتمع الناس على الأمر المرجوح لكان خيراً.
وقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي أثابه الله: أن أناساً في بلد من البلدان تضاربوا في المسجد في صلاة التراويح، يقول بعضهم: ثلاثاً وعشرين ركعة، وبعضهم إحدى عشرة ركعة، فاختصموا وتشاجروا وبعضهم أخذ عصياً، وبعضهم تحزب في طرف المسجد فحضر عالم من العلماء، قالوا: ما رأيك يا شيخ نصلي ثلاثاً وعشرين ركعة أو نصلي إحدى عشرة ركعة؟ قال: أرى أن تغلقوا المسجد ولا تصلوا في هذه الليلة، هذا الأحسن، وصدق في فتواه فإن دخولهم بيوتهم وتركهم للتراويح على اجتماع القلوب وعلى الخير أحسن من أن يجمعوا وهم متناحرون على رأي من الآراء أو يبقوا في خصام وجدل.
وقس على ذلك زكاة الحلي فإن بعض الوعاظ دار في المساجد وقام بعد الجمعة حتى في مساجد أبها وحذر الناس وقال: انتبهوا أيها الناس لا يضللونكم الذين قالوا: إن في الحلي زكاة، بل ليس فيها زكاة.
وهل هذا تضليل؟! وقد أفتى كثير من علماء الإسلام بأن فيها زكاة، وهي فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وأفتى بعضهم بأن ليس فيها زكاة.
أما الذي يحذر الناس من هذه الفتوى فما أصاب، ولماذا هذا الجدال؟! ولماذا إشغال الناس بهذه المسائل؟ والمعاداة والموالاة ليستا من دين الله، قال الشاطبي: كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها، ولم يورد ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة؛ علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت وجلبت العداوة والتنابز والتنافر والقطيعة؛ علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء، وأنها التي عني الرسول ﷺ بتفسير الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ [الأنعام:١٥٩] فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى، فالإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف، فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين.
ذكره في الموافقات وفي الاعتصام.
стр. 9271
الأسئلة
стр. 9272
حكم النية في الوضوء
السؤال
هل النية شرط في الوضوء؟ أي: هل يشترط في وضوئك أن تنوي أنه وضوء؟
الجواب
لأهل العلم في هذه المسألة قولان:
ذهب أهل الرأي الأحناف والثوري ﵏: إلى أن النية ليست شرطاً في الوضوء، والوضوء من باب التنظيف، فلو غسلت أعضاءك على سنة الوضوء، ولم تنو أنه وضوء؛ جاز لك عندهم أن تصلي به الصلوات، عند الأحناف والثوري وأهل الكوفة، وقالوا: هو ليس عبادة إنما هو تنظيف لنفسك.
وذهب الإمام أحمد والأوزاعي وأبو عبيد وابن المنذر والليث بن سعد: إلى أنها شرط، وهو الصحيح، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ فلا بد لمن أراد أن يتوضأ من نية، وهو الذي وافقت عليه النصوص، وهو الراجح في المسألة، فإذا غسلت أعضاءك كالوضوء ولم تنو به الوضوء لا يجزئك حتى تنوي أنه وضوء، فمن اغتسل تبريداً أو توضأ تبريداً لا لنية الوضوء فلا يجزئه بل لا بد من النية.
стр. 9273
حكم غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء
السؤال
هل غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء واجب أم سنة؟
الجواب
هذه هي أيضاً مما اختلف فيها أهل العلم وإنما أبينها لطلبة العلم:
فقد ذهب مالك والشافعي: إلى أن غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء مستحب، وأن من فعل ذلك فلا شيء عليه، أي: من أدخلهما قبل أن يغسلهما.
وذهب الإمام أحمد وهو قول للإمام علي بن أبي طالب ولـ أبي هريرة ولـ ابن عمر ولـ ابن المنذر ولجمع من أهل العلم: إلى أنه يجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وهو الصحيح، دل على ذلك الحديث الصحيح: ﴿إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً﴾ أو كما قال ﷺ .
стр. 9274
حزب الله المذكور في القرآن
السؤال
قلت في أول المحاضرة: إن علينا جميعاً أن نجتمع تحت حزب الله، ويوهم هذا أن المقصود هو حزب الله الذي في لبنان؟
الجواب
لا لم أرده ولم يفهم الناس إن شاء الله، بل حزب الله المذكور في القرآن: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢].
стр. 9275
كتاب تنبيه الغافلين
السؤال
ما رأيكم في كتاب: تنبيه الغافلين للنيسابوري؟
الجواب
فيه أحاديث كثيرة موضوعة ومكذوبة على الرسول ﷺ ، وأرى أن طريق الهجرتين ومدارج السالكين ورياض الصالحين والترغيب والترهيب تغني عنه، وفيه بعض اللفتات الجميلة.
стр. 9276
حكم الانتماء لأي جماعة إسلامية
السؤال
إذا كان الانتماء إلى إحدى الجماعات العاملة للإسلام التي تجعل الكتاب والسنة هي الأساس والمبدأ مع محبة كل العاملين للإسلام به من دون تفضيل لأحد منهم على أحد من دون تخطئة، فما الرأي؟
الجواب
ليس فيه بأس أن يعمل أحد مع جماعة إسلامية تريد الله والدار الآخرة؛ بشرط ألا يوالي على هذه الجماعة ولا يعادي، وبشرط ألا يوجب على الناس أن يتبعوا هذه الجماعة، أو يقول: إن هذه الجماعة هي المصيبة وغيرها مخطئة، أو أن جماعة المسلمين تنحصر في هذه الجماعة ومن شذ عنها شذ في النار، فهذا لا بأس أن يتعاون معه، لكن المسلم يتعاون مع الجميع فيما يحسنون ويتجنب الإساءة في الجميع.
стр. 9277
حكم الولاء والعداء على طائفة
السؤال
إذا علمت أن بعض الناس يوالي ويعادي على طائفة فماذا أفعل؟
الجواب
تنصحه وتبين له الحق وتدعو له بالرشد والصواب.
стр. 9278
أضرار البث المباشر
السؤال
ما رأيكم في البث المباشر؟
الجواب
كان هناك وعد أن تكون هناك محاضرة، وقد دللتكم على بعض المحاضرات ككتاب الدكتور ناصر العمر، ومحاضرة للدكتور محمد عبده يماني قديماً يبين أضرار البث المباشر وماذا سوف ينقله للناس إلى غير ذلك، فعسى أن أجمع بعض الوثائق وبعض المعلومات وأذكرها لكم إن شاء الله.
стр. 9279
حكم ترك الموظف عمله من أجل حضور المحاضرة
السؤال
هل يجوز للموظف أن يترك عمله لحضور هذا الدرس؟
الجواب
لا يجوز له أن يترك عمله ليحضر هذا الدرس، فإن أذن له رئيسه والمسئول عنه حضر، وإلا فليبق في وظيفته لأن ذاك واجب وهذا نافلة، ويمكن أن يصله الشريط الإسلامي إن شاء الله ويستمع للمحاضرة أو الدرس.
стр. 9280
حكم مناقشة بعض المواضيع العلمية مع بعض الناس
السؤال
هل قراءة الكتب المختصة في العلوم العلمية كالأحياء والكيمياء والفلك ومناقشة هذه الأمور مع بعض الناس من الأمور المضيعة للوقت؟
الجواب
لا.
كلٌ بحسبه وبنفعه وفائدته، إن كنت تناقش هذه المسائل للنفع والفائدة في المجلس وهناك من يستفيدون أو طلبة علم متخصصون، أو وراءها فائدة فلا بأس، أما تأتي إلى أناس لا تتسع عقولهم لهذه المسائل، وتأتي إلى أناس لا يعرفون الوضوء كأعرابٍ وجهلة وتخبرهم عن ثاني أكسيد الكربون ومكونات الهواء ونسبة الهيدروجين والنيتروجين غيرها فإن هذه طلاسم، وهذه لا تصلح أن تتحدث بها وهي مضيعة للوقت [[حدثوا الناس بما يعرفون هل تريدون أن يكذب الله ورسوله]] فحدث الناس بما يعرفون، وبعضهم قد يتكلم في هذه المسائل ليتبجح وليظهر أن عنده علماً، حتى إن بعضهم يتكلم ويرطن الرطانة مع والديه العجوزين يتكلم لهما بالإنجليزي، يقول الشيخ محمد الغزالي الداعية الكبير، على أن هناك بعض الملاحظات لا يسلم منها البشر وقد بينت في كتب للفضلاء، لكن لفتات تعجب، يقول: كنت أستمع إلى صوت أمريكا مرة في الليل، وهناك برنامج عندهم ما يطلبه المستمعون، فسمعت رجلاً من العرب من بلد عربي يدرس هناك، أرسله أبوه عجوز وأمه في بادية في خيمة ينامون على زبالة، وقد أرسلوه يدرس هناك، فيقول له المذيع: ماذا تريد أن تهدي لأهلك في بلدك العربي؟ قال: أغنية شادية، قال: فعجبت لهذا الرجل خرج من بلاد محمد ﷺ من بلاد الرسالة، وكان ينتظر منه أن يدعو أولئك إلى الإسلام وأن يدخلهم في دين الله زرافات ووحداناً، فذهب هناك ووالداه ينامان على قمامة وزبالة في خيمة مقطعة في الصحراء يهدي لهم أغنية شادية، وهذا فكر هابط، فقصدي: أن معلومات الناس، أو فهم الناس، أو مواقف الناس، أو إدراك الناس مختلفة، هم درجات عند ربك.
следующие страницы →