Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.
стр. 9276
حكم الانتماء لأي جماعة إسلامية
السؤال
إذا كان الانتماء إلى إحدى الجماعات العاملة للإسلام التي تجعل الكتاب والسنة هي الأساس والمبدأ مع محبة كل العاملين للإسلام به من دون تفضيل لأحد منهم على أحد من دون تخطئة، فما الرأي؟
الجواب
ليس فيه بأس أن يعمل أحد مع جماعة إسلامية تريد الله والدار الآخرة؛ بشرط ألا يوالي على هذه الجماعة ولا يعادي، وبشرط ألا يوجب على الناس أن يتبعوا هذه الجماعة، أو يقول: إن هذه الجماعة هي المصيبة وغيرها مخطئة، أو أن جماعة المسلمين تنحصر في هذه الجماعة ومن شذ عنها شذ في النار، فهذا لا بأس أن يتعاون معه، لكن المسلم يتعاون مع الجميع فيما يحسنون ويتجنب الإساءة في الجميع.
стр. 9277
حكم الولاء والعداء على طائفة
السؤال
إذا علمت أن بعض الناس يوالي ويعادي على طائفة فماذا أفعل؟
الجواب
تنصحه وتبين له الحق وتدعو له بالرشد والصواب.
стр. 9278
أضرار البث المباشر
السؤال
ما رأيكم في البث المباشر؟
الجواب
كان هناك وعد أن تكون هناك محاضرة، وقد دللتكم على بعض المحاضرات ككتاب الدكتور ناصر العمر، ومحاضرة للدكتور محمد عبده يماني قديماً يبين أضرار البث المباشر وماذا سوف ينقله للناس إلى غير ذلك، فعسى أن أجمع بعض الوثائق وبعض المعلومات وأذكرها لكم إن شاء الله.
стр. 9279
حكم ترك الموظف عمله من أجل حضور المحاضرة
السؤال
هل يجوز للموظف أن يترك عمله لحضور هذا الدرس؟
الجواب
لا يجوز له أن يترك عمله ليحضر هذا الدرس، فإن أذن له رئيسه والمسئول عنه حضر، وإلا فليبق في وظيفته لأن ذاك واجب وهذا نافلة، ويمكن أن يصله الشريط الإسلامي إن شاء الله ويستمع للمحاضرة أو الدرس.
стр. 9280
حكم مناقشة بعض المواضيع العلمية مع بعض الناس
السؤال
هل قراءة الكتب المختصة في العلوم العلمية كالأحياء والكيمياء والفلك ومناقشة هذه الأمور مع بعض الناس من الأمور المضيعة للوقت؟
الجواب
لا.
كلٌ بحسبه وبنفعه وفائدته، إن كنت تناقش هذه المسائل للنفع والفائدة في المجلس وهناك من يستفيدون أو طلبة علم متخصصون، أو وراءها فائدة فلا بأس، أما تأتي إلى أناس لا تتسع عقولهم لهذه المسائل، وتأتي إلى أناس لا يعرفون الوضوء كأعرابٍ وجهلة وتخبرهم عن ثاني أكسيد الكربون ومكونات الهواء ونسبة الهيدروجين والنيتروجين غيرها فإن هذه طلاسم، وهذه لا تصلح أن تتحدث بها وهي مضيعة للوقت [[حدثوا الناس بما يعرفون هل تريدون أن يكذب الله ورسوله]] فحدث الناس بما يعرفون، وبعضهم قد يتكلم في هذه المسائل ليتبجح وليظهر أن عنده علماً، حتى إن بعضهم يتكلم ويرطن الرطانة مع والديه العجوزين يتكلم لهما بالإنجليزي، يقول الشيخ محمد الغزالي الداعية الكبير، على أن هناك بعض الملاحظات لا يسلم منها البشر وقد بينت في كتب للفضلاء، لكن لفتات تعجب، يقول: كنت أستمع إلى صوت أمريكا مرة في الليل، وهناك برنامج عندهم ما يطلبه المستمعون، فسمعت رجلاً من العرب من بلد عربي يدرس هناك، أرسله أبوه عجوز وأمه في بادية في خيمة ينامون على زبالة، وقد أرسلوه يدرس هناك، فيقول له المذيع: ماذا تريد أن تهدي لأهلك في بلدك العربي؟ قال: أغنية شادية، قال: فعجبت لهذا الرجل خرج من بلاد محمد ﷺ من بلاد الرسالة، وكان ينتظر منه أن يدعو أولئك إلى الإسلام وأن يدخلهم في دين الله زرافات ووحداناً، فذهب هناك ووالداه ينامان على قمامة وزبالة في خيمة مقطعة في الصحراء يهدي لهم أغنية شادية، وهذا فكر هابط، فقصدي: أن معلومات الناس، أو فهم الناس، أو مواقف الناس، أو إدراك الناس مختلفة، هم درجات عند ربك.
стр. 9281
محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين
السؤال
يقول: ذكرت أن محمد بن تومرت أسس دولة المرابطين في المغرب والصحيح أنها دولة الموحدين؟
الجواب
صدقت، مؤسس دولة الموحدين ابن تومرت، ودولة المرابطين يوسف بن تاشفين، نعم، ومن الموحدين عبد المؤمن بن علي فهو قائد جيشه في الأخير، وكان في قرية مع عجوز، أمه عجوز تطعمه فقد مات أبوه، وأتى ابن تومرت يزور القرية يدعو إلى الله، فقد كان داعية كبيراً ربانياً، فوجد عبد المؤمن بن علي هذا كبير الجثة نائماً والنحل أقبل عليه من كل جهة، قال ابن تومرت: سوف يقبل عليه الجيش ويلتف كما يلتف به النحل، ثم أيقظه وعلمه القرآن وأخذه ورباه معه، فقاد جيشاً ما يقارب ثلاثمائة ألف ودخل قريته، فلما دخل قريته خرجت العجائز على سطوح المنازل يزغردن وينشدن، وتقول عجوز وهي تصيح: هكذا يدخل الغريب، فوقف الشعراء، فيقول الشاعر في عبد المؤمن هذا:
ما هز عطفيه بين البيض والأسل مثل المؤيد عبد المؤمن بن علي
قال: احذف القصيدة وابق هذا البيت، واملئوا فمه جوهراً.
فملئوا فمه جوهراً، فهذا من أخبارهم وأثاب الله الأخ، فـ يوسف بن تاشفين ولي من أولياء الله وعابد فيه خير كثير.
أسأل الله أن يجمعنا بكم في دار الكرامة، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يجمعنا على الحق، وأن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يجعلنا من أتباع رسوله، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 9282
في وداع الألباني
إن علماء الأمة هم قادتها وروادها وحراسها، وفقد عالم منهم ثلمة في الإسلام ونخر في عظم الأمة، ولقد فجع المسلمون في كل بقاع العالم بوفاة الشيخ المحدث: محمد ناصر الدين الألباني.
стр. 9283
كلمة في رثاء الشيخ الألباني
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ
توفيت الآمال بعد محمدٍ وأصبح في شغلٍ عن السفرِ السفر
هذا العام -في الحقيقة- عام الحزن، فقد رزئت فيه الأمة الإسلامية بفقد قمم شماء، وجبال راسيات.
قبل أيام حملنا على أكتافنا جنازة إمام أهل السنة والجماعة الشيخ عبد العزيز بن باز، وقبل أيام ودعنا محدث العصر، ومجدد علم الحديث، الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني.
وقد قلنا في حينها عن الشيخ ابن باز بعض ما يستحق، أما الألباني فنحن نشهد الله على محبته، ونحن تلاميذ على كتبه، وكيف ننسى الألباني وكتبه معنا تسامرنا، وتحدثنا، وتزين مكتباتنا وبيوتنا، وتشرح صدورنا، وتبهج قلوبنا.
كيف ننسى الألباني وهو مجددٌ في هذا الفن، أنفق عمره، وأعطى لياليه وشبابه وقوته لميراث محمدٍ ﵊، حارب البدع، ودعا إلى منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة، وصحح الحديث، ونفى عنه الكذب والوضع، واشتغل برجال السند، وحقق تحقيقاً باهراً.
كيف ننسى الألباني وكلما دخلنا مكتبةً وجدنا صحيح الجامع، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، وإرواء الغليل، وذلك الميراث المبارك، فلا نملك إلا أن نقول:
جزى الله الألباني خير ما جزى عالماً مجدداً إماماً عن أمة محمدٍ ﷺ .
إن محبة الألباني دليلٌ على الاعتصام بالسنة عند هذا الجيل، وهو -في حد علمي- أول من رد الناس إلى الدليل في هذا العصر مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
إن ابن باز والألباني كالشمس والقمر في علم الحديث والأثر والسنة، وإنني أسأل الله أن يرحم الألباني وابن باز، وأن يجمعنا بهم في دار الكرامة.
стр. 9284
واجبنا نحو العلماء
والواجب على أهل العلم، وأهل الصحافة والأقلام، والأدباء والشعراء، أن يتحدثوا عن مآثر هؤلاء العلماء الذين هم نجوم الأمة وكواكبها، وحياتها ونورها، فإن الله استشهد على ألوهيته العظمى بالعلماء مع الملائكة، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].
مات في اليوم الذي مات فيه الألباني أحد الشعراء؛ فمجدته الصحف والمجلات، والأدباء والكتاب، ومات الألباني فما انتضى وما كتب وما تكلم إلا القليل، وبين الألباني وهذا الشاعر بعد الثرى عن الثريا، فالثريا هو الألباني سطوعاً ودعوةً وعلماً وسنةً وتجديداً وصحة منهج، وذاك الشاعر فيه انحراف في المنهج، وغواية، وصدود عن منهج الله، وتهتكٌ وإعراض.
فيا أمة الإسلام! يا جيل محمد ﷺ ! يا طلبة العلم! عودوا إلى ميراث الألباني وميراث ابن باز، ومحمد بن عبد الوهاب، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، اقرءوه، وافهموه، وتدبروه.
أيها الإخوة: ترحموا على الألباني كلما قرأتم حرفاً من كتبه، فإن هذا جزاء المعروف، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، فنشكر ربنا أن هيأ مثل الألباني لنصرة دين محمدٍ ﷺ ، والذود عن السنة المطهرة، وأشهد الله على محبة الألباني، فهو معي ليلاً ونهاراً في ميراثه وكتبه، وعطائه المبارك الذي يوصله -بإذن الله- إلى جناتٍ ونهر: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]
علوٌ في الحياة وفي المماتِ لحقٌ أنت إحدى المعجزاتِ
ونقول للألباني وابن باز:
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا
اللهم صلِّ وسلم على المعلم الذي أخرج لنا هذه النماذج الخالدة، والقدوات الرائدة، والعلماء البررة، وعلى أصحابه ومن سار على منهجه إلى يوم الدين، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وتقبلوا تحيات أخيكم عائض القرني من الرياض.
стр. 9285
كيف نحافظ على الإيمان
إن أعظم نعم الله علينا أن هدانا للإيمان ووفقنا للإسلام؛ وبين لنا الطرق التي نستطيع من خلالها المحافظة على الإيمان، والتطلع إلى ثماره ونتائجه، وكل هذه ستجدونها في طيات هذا الموضوع.
стр. 9286
طرق المحافظة على الدين والإيمان
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، المؤيد بجبريل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها المسلمون! إن من أعظم نعم الله علينا أن هدانا للإيمان، فله الحمد وله الثناء الحسن أن دلنا على هذا الطريق وقربنا وأبعد غيرنا، ورزقنا الهداية بمبعث محمد ﵊، فلا إله إلا الله ما لدعوته من أثر! ولا إله إلا الله كم لرسالته من نفع! فمن اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي أرسل به محمداً ﵊؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً، ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذابٌ أليم.
وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي؛ إلا دخل النار﴾ قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠] ما أحوجنا إلى الإيمان! وما أفقرنا إلى الهداية!
يا مسلمون! من نحن قبل رسالته ﵊؟ أمةٌ -والله- ضائعة، لا تاريخ لها ولا هداية، ولا نور ولا حضارة، حتى بعث الله لنا محمداً ﵊، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] أمة كانت تعبد الوثن، وتسجد للصنم، وتزاول الخمر والزنا والفاحشة، لا مبادئ لها، ولا قيم، ولا سلوك، ولا أخلاق، ولا نظام.
إن البرية يوم مبعث أحمدٍ نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمةٍ جبت الكنوز فكسرت أغلالها
لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها
فما هي الطريقة المثلى لنحافظ على هذا الإيمان؟ وبالخصوص في هذا البلد الظالم أهله، الذي ما عرف الله ثراه، وما سجد لله إلا القلة القليلة، كيف نحافظ على الإيمان؟ وكيف نربي شجرة الإيمان؟ وكيف نحافظ على صرح الإيمان؟
إن ذلك بأسباب:
стр. 9287
المحافظة على الفرائض
أولها -إخوتي في الله-: المحافظة على الفرائض، وأعظمها الصلاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] أول ما نبدأ بالصلاة، وأول ما يُفقد من الدين الصلاة، ولذلك قال ﵊ فيما صح عنه: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ وقال ﵊: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾ الصلاة في وقتها روعة المثل والمبادئ، وعظمةُ الإقرار لله بالوحدانية تتمثل في الصلاة.
كتب عمر إلى سعد -رضي الله عن الجليلين النبيلين- يوم كنا سادة الأمم، يوم كنا قادة الشعوب، يوم كان عمر بملحفه الممزق المرقع إذا ذُكِرَ عند كسرى أُغمي على كسرى:
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدمٌ له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
كتب إلى سعد وهو في القادسية: [[الله الله في الصلاة، فإن أخوف ما أخاف عليكم ترك الصلاة]] فإذا تركت الصلاة فهو الانهزام والفشل، وإذا تركت الصلاة فهو الزنا والربا والخمر والإلحاد والخروج عن القيم، ولذلك عرف السلف الصلاة فقدَّروها حق قدرها.
حضرت الوفاة سعيد بن المسيب سيد التابعين، فبكت بنته عند رأسه، فقال: يا بنية! لا تبك عليّ، والله ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في مسجده ﵊.
وقال الأعمش -العالم الزاهد الكبير- لابنته: والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام في جماعة أربعين سنة.
إن مصداقية التمثل بهذا الدين في الصلوات الخمس، وإن انتصارك على الشهوات في بلد الشهوات والمغريات، هي أداء الصلوات الخمس في جماعة بخضوعٍ وركوعٍ وسجود.
ولذلك قال ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير: يا رب! أسألك الميتة الحسنة، قالوا: وما الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد، فقبض الله روحه وهو ساجد.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] وإيمانٌ ليس فيه صلاةٌ جماعة بخشوع ليس بإيمان، وإيمان ليس فيه صلاةٌ بأداء وحرارة ليس بإيمان، وإن من علامات النفاق ترك الصلاة جماعة، حتى قال ابن مسعود: [[كنا نعد من يتخلف عن الصلاة منافقٌ معلوم النفاق]].
نشتكي أحوالنا ونشتكي أمراضنا نشتكي أدواءنا ولم نعرف ما هو المرض.
إننا يوم تخلينا عن معالم الإيمان، سلبت ديارنا، وانتهكت مبادئنا، وذهبت عقيدتنا إلا في قلوب من رحم الله ﵎.
فلسطين ما ذهبت إلا يوم ضعف الإيمان، وما دمرت أفغانستان إلا يوم ذهب أمثال قتيبة فاتح كابل وأمثالها من المدن؛ ولذلك أنلوم من؟ نلوم أنفسنا، ونلوم ما نحمله في قلوبنا من عدم توطدٍ لهذا الدين.
أمتي هل لك بين الأممِ منبرٌ للسيف أو للقلمِ
أتلقاك وطرفي حاسرٌ أسفاً من أمسك المنصرم
ألإسرائيل تعلو رايةٌ في حمى المهد وظل الحرم
أوما كنت إذا البغي اعتدى موجةٍ من لهبٍ أو من دمِ
يا إخوتي في الله! يا حملة الإيمان في بلاد الطغيان! يا قادة الفكر الموجه! يا ممثل الرسالة الخالدة! لا يمكن أن نحافظ على الإيمان إلا بأصول الإيمان، ومن أعظمها الصلاة.
стр. 9288
التفكير في مخلوقات الله وآياته
ومن أسباب زيادة الإيمان كما ورد عن أهل العلم والفضل: التفكر في آلاء الله الكونية، والشرعية، فكل شيء يدلك على الله، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠].
يقول سيد قطب ﵀ وهو ينقل عن عالمٍ من علماء هذه البلاد كأنه ابتدع، في كتابه الإنسان لا يقوم وحده اسمه كريسي موريسون، يقول: من دلَّ النحلة على خليتها إذا فارقتها؟ أعندها إريال، قال سيد قطب: بل علَّمها الذي علَّم كل شيء: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤] الذي علم النحلة هو الله جل الله في علاه قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] هو المعلم سبحانه وآياته تشهد على وحدانيته.
وفي كل شيٍ له آيةٌ تدل على أنه واحدُ
فيا عجباً كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحدُ
إن مما يُربِّي الإيمان، ومراقبة الواحد الديان، واستظهار عظمة الله والخوف منه؛ التفكر في آياته.
نقل ابن كثير في تفسير قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] عن الإمام مالك أن هارون الرشيد سأله: ما دليل قدرة الواحد الأحد؟
فقال الإمام مالك: اختلاف الأصوات، وتعدد اللهجات، واختلاف النغمات؛ تدل على فاطر الأرض والسماوات.
ويقول الإمام أحمد في تعريف بسيطٍ لقدرة الباري، ولزيادة الإيمان التي تحدثها هذه الآيات: يا عجباً! هذه البيضة، أما سطحها ففضة بيضاء، وباطنها ذهبٌ إبريز! ألا تدل على السميع البصير؟! جلَّ الله.
يقول شاعر الإيمان في السودان:
قل للطبيب تخطفته يدُ الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
والنحل قل للنحل يا طير البوادي ما الذي بالشهد قد حلاكَا
وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله: كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
لا إله إلا الله! إن عقيدة المسلم دائماً تتزايد وتربو بما يرى ويشاهد من آيات الله البينات، ولذلك فقد وجب علينا وجوباً أن نتفكر في آيات الله الواحد الأحد، وأن نتملى فإنه إيمانٌ سهلٌ بسيط، يدركه الأعرابي في الصحراء، ففي الصحيحين عن أنس ﵁ وأرضاه قال: ﴿قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله ﷺ وهو متكئ بين أظهرنا فقال: أين ابن عبد المطلب؟ قلنا: هذا الرجل الأبيض الأمهق المرتفق، فقال له الرجل: يا بن عبد المطلب! فقال له النبي ﷺ : قد أجبتك، قال: إني سائِلك فمشددٌ عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، قال: سل عما بدا لك.
فقال: من رفع السماء؟ قال: الله.
قال: من نصب الأرض؟ قال: الله.
قال: من نصب الجبال؟ قال: الله.
قال: من بسط الأرض؟ قال: الله.
قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ قال: اللهم نعم.
قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم.
قال: أنشدك بالله! آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم.
قال: آمنت بما جئت به، وأنا رسول الله من ورائي من قومي والله لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر ثم تولى، فقال ﵊: لئن صدق ليدخلن الجنة﴾.
كل شيءٍ يدلك على الله، السماء الماء الضياء السناء المدر الشجر البشر كلها تقول: إن هناك إلهاً حكيماً قديراً بصيراً.
يا مسلمون! إن أعظم ما نحافظ عليه لنحفظ كياننا ومستقبل أمتنا، هو هذا الدين الذي أتى به محمدٌ ﵊، حفظ الإيمان، وكل شيءٌ يضيع ويهدر في سبيل أن يحفظ علينا هذا الدين.
إن هويتنا بين العالم والشعوب هو الإيمان، وإن أسباب ضعفنا بين الأمم يتأتى من ضعف إيماننا ويقيننا وطلب نصرنا مع الله، خرج ثلةٌ من الأفغان عليهم ثياب بالية، ومعهم أسلحةٌ بسيطة يحاربون الحمر البلشفيين، أعظم قوى الأرض، فسحقوها، وقطعوا دابرها إلا قليلاً وأشرفت على الهلاك: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] قال لهم الناس: تعالوا إلى هيئة الأمم المتحدة، قالوا: آمنا بالله وكفرنا بـ هيئة الأمم، قال لهم الناس: تحاكموا إلى مجلس الأمن، قالوا: آمنا بالله وكفرنا بـ مجلس الأمن.
يا أمةٌ في عمرها لم تحى إلا بالجهاد
كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد
القاتلي الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد
стр. 9289
الإكثار من النوافل
ومن أسباب زيادة الإيمان! النوافل، أن تكون عبداً لله، وليست العبودية كما قالت المرجئة: إيمانٌ يكمن في القلب وتصديقٌ ومعرفة، فإن هذا قد يوجد بعضه عند فرعون وقارون وهامان.
إنما الإيمان: صلاةٌ ونافلة سجودٌ وتسبيح، الإيمان دعاءٌ وبكاء، وتوجه وتوسل إلى الحي القيوم، ففي صحيح مسلم عن ربيعة بن مالك الأسلمي قال: ﴿يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾ وعند الإمام مسلم من حديث ثوبان ﴿فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة﴾ طريق الجنة النوافل، وقد صح عنه ﵊ كما عند البخاري أنه قال: ﴿يقول الله : ما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به﴾ الحديث.
معنى هذا: أن في الناس مقتصدين، وسابقين بالخيرات، أما السابق هذا فله نوافل، وأيامه أوراد ولحظاته وأنفاسه كلها تسبيح، وتوجه للحي القيوم.
ألا إن أعظم ما يحفظ الإيمان النوافل، وإن مصداقية المؤمن تكمن في كثرة النوافل، وكثرة السجود، ألا وإن كثرة السجود والإكثار من الذكر وتدبر القرآن سياجاتٌ وخطوطٌ دفاعية عن الإيمان، ألا وإن أعظمنا عند الله قدراً أطوعنا له، وأحسننا تبتلاً إليه، وأكثرنا له عبودية، فتبارك الله رب العالمين.
إخوتي في الله! إن النوافل أمرها عظيم عند أهل العلم، ولذلك ذكروا في تراجم الصالحين أخباراً مشيدة عن تبتلهم في الليالي، وكثرة ذكرهم، وتدبرهم.
إن قضية الجفاف الروحي الذي نعيشه اليوم سببه إرهاصات وثقافات أتت لتقول للإنسان: لا داعي للنوافل، فالدين قشور ولباب!!
أتت لتقول للإنسان: القضايا النظرية لا بد أن تحلل تحليلاً عقلياً لتصلح هذه الأمة.
ألا يا أيها الأخيار! ألا يا أيها الأبرار! إني أدعو نفسي وإياكم إلى كثرة النوافل، وإلى التسديد والمقاربة، وإلى معرفة أن الطريق والهداية لا تكون إلا في القرب من الله.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.
стр. 9290
ثمرات ونتائج الإيمان
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
إذا الإيمان ضاع فلا أمانٌ ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دينٍ فقد جعل الفناء لها قرينا
لا حياة لنا إلا بالإيمان، وضرورته أهم من ضرورة الماء والهواء، وفقدان ذلك إنما يكون هلاكاً وموتاً، وأما فقدان هذا فهو الموت المحقق في الدنيا والآخرة.
إخوتي في الله! إذا حصلنا على الإيمان وحافظنا عليه، فما هي ثمراته ونتائجه؟
له ثمراتٌ عشر، وأعدُّ ثلاثاً للمقام:
стр. 9291
الحياة الطيبة
أولاً: أعظم ثمرات الإيمان: الحياة الطيبة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] حرامٌ على من أعرض عن الله الحياة الطيبة، وحرامٌ عليه السعادة والسرور، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
قال أحد الصالحين بعد أن تاب: "ذقت كل شيء فما وجدت كالتقوى".
وقال إبراهيم بن أدهم وهو مؤمنٌ صالحٌ مقبل على الله: "نحن في سعادة لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليه بالسيوف".
العيش مع الله! السعادة الكامنة في الإيمان، وفي النوافل التي جعلت المؤمن يرى الذهب والفضة كأنها أكواماً من تراب، ويرى القصور كأنها ثكناتٍ من صخور، ويرى المناصب كأنها لا شيء؛ لأنه بإيمانه ويقينه وإقباله على الله استثمر الإيمان.
стр. 9292
الفوز بالجنة والنجاة من النار
ثانياً: الفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم نجنا من النار!! فالنار أمرها عظيم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢]
الفوز بالجنة، تقول بعض طوائف المبتدعة: نحن نعبد الله لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، فكذبهم أهل السنة، وقالوا: لا.
إن من أعظم المطالب عند أهل الإسلام: الفوز بالجنة، والفوز بالجنة هو الذي جعل من حنظلة، الصحابي الشاب يترك، زوجته الجميلة في الليلة الأولى، ويترك أهله وبيته وعقاره، ويأخذ سيفه ويقبل على الله غير مغتسلٍ لعجلة أن يقدم روحه في سبيل الله، ويقول وهو في الطريق: [[يا رب! خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] وحديثه صحيح.
ومن الذي باع الحياة رخيصةً ورأى رضاك أعز شيءٍ فاشترى
أمَّن رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
قُتل في المعركة، وعلم الله أنه صادق، وارتفعت نفسه إلى الحي القيوم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] فاضت روحه، التفت ﵊ فرآه يغسل بين السماء والأرض في صحاف الذهب بماء المزن قال: ﴿سلوا أهله! قالوا: مات جنباً فلم يغتسل، قال: لقد غسلته الملائكة﴾ هنيئاً لك الصدق يا حنظلة، وهنيئاً لك الخلود، وهنيئاً لك العيش الطيب.
وكم نذكر من النماذج التي ربَّاها محمد ﵊ على سمعٍ وبصر، يأتي جعفر الطيار في مؤتة فتقطع يمناه، فيأخذ الراية باليسرى، فتُقطع اليسرى، فيحتضن الراية، فتكسر الرماح في صدره وهو يقول متبسماً:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبةٌ وباردٌ شرابها
والروم رومٌ قد دنا عذابها كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليّ إن لاقيتها ضرابها
أيُربَّى على هذا إلا من عرف طريقه إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض.
لم يمنِّ محمدٌ ﵊ أصحابه بالملك، ولا بالمناصب، ولا بالعمارات، ولا بالسيارات، قالوا: نريد ملكاً، قال: الجنة، قالوا: نريد طعاماً، قال: الجنة، قالوا: نريد ذهباً وفضة، قال: الجنة.
صح عند البخاري وغيره أن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري قتل في المعركة، ضرب بأكثر من ثمانين ضربة، فأتى ابنه جابر يبكي وأبوه مقتول، فقال ﵊: ﴿يا جابر! ابك أو لا تبكي، والذي نفسي بيده! ما زالت الملائكة تظلل أباك بأجنحتها حتى رفعته، والذي نفسي بيده! لقد كلَّم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان، فقال: تمنى، فقال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا، فأُقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون فتمنى، قال: أتمنَّى أن ترضى عني، فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً﴾
أيفعل البلشفي الأحمر الذي يقاتل عن مبادئ لينين واستالين يفعل هذا؟! لا والله، يقاتل لمبادئ رخيصة، ويفرون من المعارك؛ لأنهم يريدون الحياة، وأصحاب محمد عليه الصلاة السلام يريدون ما عند الله، يريدون الجنة، ولذلك كان السلف الصالح دائماً يتطلعون إلى الجنة، ومن ثمرات إيمانك: أنك إذا بخست حظاً من الحظوظ أو أحرمت طعاماً، أو لم تحصل على منصب، أو لم تنل منزلة أو شهرة، فاعلم أن الجنة تنتظرك إذا صدقت مع الله.
نسأل الله لنا ولكم الجنة.
стр. 9293
حفظ الله للعبد
ثالثاً: من ثمرات الإيمان: حفظ الله للعبد، وإنني أكتفي في هذه الخطبة أن أقدم لكم حديثاً يجب علينا أن نحفظه حفظاً وتطبيقاً وعملاً وسلوكاً، فقد ورد عند الترمذي وأحمد من حديث ابن عباس بسندٍ صحيح أن الرسول ﵊ قال له: ﴿يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
قال بعض السلف: "والله إن الله يحفظ الصالح في أهله وماله، وفي جويرية أهله، ومن ضيع الله ضيعه الله".
سنة من سنن الله الكونية الخلقية، والأمرية الشرعية، أنَّ من ضيع الله في أوامره؛ ضيعه في مستقبله، وفي علمه، وفي دراسته ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣].
стр. 9294
وصايا لشباب الصحوة
يا شباب الإسلام! يا دعاة الحق! يا حملة الرسالة! عندي في ختام هذه الخطبة ثلاث وصايا، ونصائح، أسأل الله أن ينفع بها:
стр. 9295
الحرص على طلب العلم الشرعي
الوصية الأولى: أن نتوجه توجهاً صادقاً إلى مصدر التلقي -الكتاب والسنة- فنحرص كل الحرص على العلم الشرعي، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] علم قال الله وقال رسوله، التحفيظ، معرفة أين مصدرنا، أين أساس عظمتنا، أين حبلنا الممدود من الأرض إلى السماء؟ الكتاب والسنة.
стр. 9296
نبذ الخلاف
الوصية الثانية: نبذ الخلاف، وعدم التهميش وإطاعة الشيطان في التحريش؛ فإن هذا من الغرض الذي هدم به كياننا، وضربت به أمتنا ضربةً ما بعدها ضربة، وأن نتآلف، ونتقارب، وننسى الجفاء، ونستبدل الكلمة الفضة الغليظة بالكلمة السهلة اللينة، علَّ الله أن يجمع شملنا.
стр. 9297
الانتباه إلى الأخطار التي تحدق بالأمة
الوصية الثالثة: أن نتنبه إلى الأخطار المحدقة، وعلم الواقع والأخطار التي تحاك ضد الأمة الإسلامية، وما أوتينا إلا من عقر دارنا، وما ابتلينا إلا من ذنوبنا وخطايانا، ويوم نسدد مسيرتنا مع الله، ويوم نحفظ الله، يحفظنا الله، ويرعانا، ويهدينا.
رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، ربنا كفر عنا سيئاتنا، وتقبل منا أحسن ما عملنا فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم رد علينا مقدساتنا، وإيماننا، وعظمتنا، اللهم أعد لنا مجدنا المسلوب، اللهم ثبتنا على الحق وعلى نهج محمد ﷺ حتى نلقاك، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم على رسولك الذي أرسلته للعالمين مبشراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه، وكل من سار على منواله إلى يوم نلقاك.
стр. 9298
أول ليلة في القبر
إن ذكر الموت والقبر وما فيهما من الأهوال العظام، والأحوال الجسام، قد أقض مضاجع الصلحاء، وأبكى الأتقياء والعلماء، سيما تذكرهم أول ليلة في القبر وما فيها من الوحشة وتغير الحال، وهول المطلع وخوف سوء المنقلب؛ ولذلك سارعوا بالأعمال الصالحة رجاء حسن المنقلب والعاقبة.
стр. 9299
هول القبر ووحشته
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
فارقت موضع مرقدي يوماً ففارقني السكون
القبر أول ليلةٍ بالله قل لي ما يكون
ليلتان اثنتان يجعلهما كل مسلمٍ في مخيلته: ليلة وهو في بيته مع أطفاله وأهله، منعماً سعيداً في عيشٍ رغيد، وعافية وصحة، يضاحك أطفاله ويضاحكونه، مع زوجته وأقاربه، والليلة التي تليها مباشرة ليلة أتاه الموت فوضع في القبر لأول مرة يقول الشاعر العربي:
فارقت موضع مرقدي يوماً ففارقني السكون
يقول: انتقلت من مكان إلى مكان، وذهبت من موضع نومي في بيتي إلى بيتٍ آخر؛ فما أتاني النوم، فبالله كيف تكون الليلة الأولى في القبر حين يوضع الإنسان فريداً وحيداً إلا من العمل؟ لا زوجة ولا أطفال ولا أنيس: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
أول ليلة في القبر؛ بكى منها العلماء، وشكا منها الحكماء، ورثى فيها الشعراء، وصنفت فيها المصنفات.
أُتي بأحد الصالحين وهو في سكرات الموت، قد لدغته حية، وكان في سفرٍ فنسي أن يودِّع أمه وأباه، وأطفاله وإخوانه، فقال قصيدةً يلفظها مع أنفاسه، وتعتبر أم المراثي العربية في الشعر العربي، يقول وهو يزحف إلى القبر:
فلله دري يوم أترك طائعاً بني بأعلى الرقمتين وماليا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني وأين مكان البعد إلا مكانيا
يقول: كيف أفارق أطفالي في لحظة؟ لماذا لم أستأذن أبوي؟ أهكذا تختلف الحياة؟ أهكذا أذهب؟ أهكذا أفقد كل ممتلكاتي ومقدراتي في لحظة؟
ويقول عن نفسه: يقول لي أصحابي والذين يتولون دفني: لا تبعد، أي: لا أبعدك الله، وأين مكان البعد إلا هذا المكان؟ وأين الوحشة إلا هذا المنقلب؟ وأين المكان المظلم إلا هذا المكان؟ فهل تصور متصورٌ هذا؟
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] كلا! آلآن تراجع حسابك؟ آلآن تتوب؟! آلآن تنتهي عن المعاصي؟!
يا مدبراً عن المساجد ما عرف الصلاة! يا معرضاً عن القرآن! يا منتهكاً لحدود الله! يا ناشئاً في معاصي الله! يا مقتحماً لأسوارٍ حرمها الله! آلآن تتوب؟ أين أنت قبل ذلك؟
стр. 9300
حزن زوجة الحسن بن الحسن على زوجها
قال مؤرخو الإسلام: مات الحسن بن الحسن من أولاد علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وكان عنده زوجةٌ وأطفال، وكان في سن الشباب، والموت لا يستأذن شاباً ولا غنياً، ولا أميراً ولا ملكاً، ولا وزيراً ولا سلطاناً، الموت يقصم الظهور، ويخرج الناس من الدور، وينزلهم من القصور، ويسكنهم القبور بلا استئذان.
مات الحسن بن الحسن مات فجأة، ونقلوه إلى المقبرة، فحزنت عليه امرأته حزناً لا يعلمه إلا الله، وأخذت أطفالها وضربت خيمةً حول القبر -وهذا ليس من عمل الإسلام، ولولا أنَّ مؤرخي الإسلام ذكروه ما ذكرته- وأقسمت بالله لتبكين هي وأطفالها على زوجها سنةً كاملة هلعٌ عظيم، وحزنٌ بائس، وبقيت تبكي، فلما انتهت السنة أخذت أطناب الخيمة وحملتها، وأخذت أطفالها في الليل، فسمعت هاتفاً يقول لصاحبه في الليل: هل وجدوا ما فقدوا؟ فردَّ عليه هاتفٌ آخر يقول: لا.
بل يئسوا فانقلبوا، ما وجدوا ما فقدوا، ما وجدوا ضيعتهم ولا وديعتهم.
كنز بحلوان عند الله نطلبه خير الودائع من خير المؤدينا
قال: لا.
بل يئسوا فانقلبوا، ما كلمهم من في القبر، وما خرج إليهم ولا ليلةٍ واحدة، وما قبَّل أطفاله، وما رأى فتاته، لا.
ولذلك هذه هي أول ليلة، ولكن لها ليالٍ أخرى إذا أُحسن العمل، قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١].
نحن في أبها فقدنا قبل شهرٍ أو ما يقاربه شابين اثنين، من أسرتين من أسر أبها، وقع عليهم حادث انقلاب وهم سائرون في طاعة الله، فكانت اللوعة، وعزاؤنا في الله أنهما كانا شابين صالحين، مستقيمين على أمر الله، أمَّا أحدهما فكان صاحباً للقرآن والقرآن صاحبه، والرسول ﷺ يقول: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ هذا الشاب كان يختم القرآن كل سبعة أيام، وقال والده: كان يقوم الليل، وما أحسن قيام الليل! فلذلك خفَّت المصيبة؛ لأنه قدم على روضة من رياض الجنة إن شاء الله، وزميله الآخر كان مستقيماً على أمر الله، لا يعرف إلا المسجد، والمصحف، والرفقة الصالحة، ولكن: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
стр. 9301
أبو العتاهية يعظ هارون الرشيد
أتى أبو العتاهية يقول لسلطان من السلاطين الذين غرتهم قصورهم، وما تذكروا أول ليلةٍ ينزل فيها القبر، ونحن نقول لكل عظيمٍ ومتكبرٍ ومتجبر: أما تذكرت أول ليلة؟
هذا السلطان بنى قصوراً في بغداد، فدخل عليه الشاعر يهنئه بالقصور، ويقول له:
عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
يجري عليك بما أردت مع الغدو مع البكور
عش ما بدا لك سالماً، عش ألف سنة، أو مليون سنة سالماً معافى مشافى، وما تريد من طعام وشراب فهو عندك، لكن اسمع ما يقول:
فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور
فبكى السلطان حتى أُغمي عليه.
أول ليلة في القبر، وأنا أطالب نفسي وإياكم -يا معاشر المسلمين- أن نهيئ لنا نوراً في القبر أول ليلة، فوالله لا ينور لنا القبر إلا الإيمان والعمل الصالح، فلنقدم لنا ما يؤنسنا في القبر؛ يوم ننقطع عن الأهل والمال والولد والأصحاب.
стр. 9302
قصة ذي البجادين
خرج ﷺ إلى تبوك، وفي ليلة من الليالي نام هو والصحابة، وكانوا في غزوةٍ في سبيل الله، قال ابن مسعود ﵁ وأرضاه: ﴿قمت في الليل فنظرت إلى فراش الرسول ﵊ فلم أجده في فراشه، فوضعت كفي على فراشه فإذا هو بارد، وذهبت إلى فراش أبي بكر فلم أجده على فراشه، فالتفت إلى فراش عمر فما وجدته -وسط الليل- قال: وإذا بنورٍ في آخر المخيم في طرف المعسكر، فذهبت إلى ذلك النور، فإذا قبرٌ محفور، والرسول ﵊ قد نزل في القبر، وإذا جنازةٌ معروضة، وإذا ميتٌ قد سجي في الأكفان، وأبو بكر وعمر حول الجنازة، والرسول ﵊ يقول لـ أبي بكر وعمر: دليا لي صاحبكما؟ فلمَّا أنزلاه، أنزله ﵊ في القبر، ثم دمعت عيناه ﵊، ثم التفت إلى القبلة ورفع يديه، وقال: اللهم إني أمسيت عنه راضٍ فارضَ عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أخوك عبد الله ذو البجادين مات في أول الليل، قال ابن مسعود: فوددت والله أني أنا الميت﴾.
حين سمع قوله ﷺ ﴿اللهم إني أمسيت عنه راضٍ فارض عنه﴾ وإذا رضي الله عن العبد أسعده.
وإنما هي مسائلة لمن نسي الله وأوامره وانتهك حدوده، نقول له: هل تذكرت يا أخي أول ليلة في القبر؟!
стр. 9303
عمر بن عبد العزيز وتذكره الموت
كان عمر بن عبد العزيز أميراً من أمراء الدولة الأموية يغيِّر ثوب من ديباج في اليوم أكثر من مرة، الذهب والفضة عنده، والخدم، والقصور، والمطاعم، والمشارب، وعنده كل ما اشتهى وطلب وتمنى، ولمّا تولى الخلافة، وملك الأمة الإسلامية، انسلخ من ذلك كله؛ لأنه تذكر أول ليلة في القبر، وقف على المنبر -يوم الجمعة- فبكى وقد بايعته الأمة، وكان حوله الأمراء والوزراء، والشعراء والعلماء، وقواد الجيش، قال: [[خذوا بيعتكم، قالوا: لا نريد إلا أنت]] فتولاها، فما مر عليه أسبوعٌ أو أقل إلا وقد هزل وضعف وتغيَّر لونه، وما عنده إلا ثوبٌ واحد، قالوا لزوجته: ما لـ عمر قد تغير؟ قالت: والله لا ينام الليل، والله إنه يأوي إلى فراشي فيتقلب كأنه ينام على الجمر، ويقول: [[آه! توليت أمر أمة محمدٍ؛ يسألني يوم القيامة الفقير والمسكين والطفل والأرملة]].
يقول له أحد العلماء: يا أمير المؤمنين! رأيناك قبل أن تتولى الملك وأنت في مكة في نعمةٍ وصحة وعافية، فما لك تغيرت؟ فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف، ثم قال للعالم وهو ابن زياد: كيف يا ابن زياد لو رأيتني في القبر بعد ثلاثة أيام؛ يوم أجرد عن الثياب، وأوسد التراب، وأفارق الأحباب، وأترك الأصحاب، كيف لو رأيتني بعد ثلاث، والله لرأيت منظراً يسوءك.
فنسأل الله حسن العمل.
والله لو عاش الفتى في عمره ألفاً من الأعوامِ مالك أمره
متلذذاً فيها بكل لذيذةٍ متنعماً فيها بسكنى قصرهِ
لا يعتريه الهم طول حياته كلا ولا ترد الهموم بصدرهِ
ما كان ذلك كله في أن يفي فيها بأول ليلةٍ في قبرهِ
والله لو عاش ألف سنة وما طرقه همٌ ولا غمٌ ولا حزن، والله لا يفي بأول ليلةٍ في القبر، ووالله لننزلنَّها جميعاً.
стр. 9304
القبر أول منازل الآخرة
فيا عباد الله! أسأل الله لي ولكم الثبات، ماذا أعددنا لضيافة تلك الليلة، يقول رسولنا ﵊: ﴿القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار﴾.
كان الخليفة عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه إذا شيع جنازة بكى حتى يُغمى عليه؛ فيحملونه كالجنازة إلى بيته، قالوا: ما لك؟ قال: سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿القبر أول منازل الآخرة، فإذا نجا العبد فيه أفلح وسعد، وإذا خسر -والعياذ بالله- خسر آخرته كلها﴾.
والقبر روضةٌ من الجنان أو حفرة من حفر النيرانِ
إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 9305
التهيؤ للقبر بالعمل الصالح
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر
أتيت قبور الرؤساء والمرءوسين الملوك والمملوكين الأغنياء والفقراء، فناديتها: أين المعظم والمحتقر؟
تفانوا جميعاً فما مخبرٌ وماتوا جميعاً ومات الخبر
فيا سائلي عن أناسٍ مضوا أما لك في ما مضى معتبر
تروح وتغدو بنات الثرى فتمحو محاسن تلك الصور
أرأيت أن قبراً مُيِّز عن قبر؟! أأنزل الملك في قبرٍ من ذهبٍ أو من فضة؟! والله لقد ترك ملكه، وقصوره، وجيشه، وكل ما يملك، ولُبِّس قطعة من القماش كما نلبس، وأنزل التراب.
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
стр. 9306
صور من العاملين للآخرة
كثيرٌ من الناس علموا بالقبر وأول ليلةٍ فيه فأحسنوا العمل، ولذلك تجدهم متهيئين دائماً، يريدون الله والدار الآخرة، ثبتهم الله في الليل والنهار، يترقبون الموت كل طرفة عين.
خرج رجلٌ من الصالحين، وشيخٌ من المشايخ -أعرفه- من مدينة الرياض يريد العمرة بزوجته وأطفاله، وكانت زوجته صائمة قائمة ولية من أولياء الله، وفي تلك السفرة حدث شيء غريب وهو أنها ودعت أطفالها، وكتبت وصيتها، وقبَّلت أطفالها وهي تبكي؛ كأنه ألقي في خلدها أنها سوف تموت ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] ذهب واعتمر بزوجته وكان هو وإياها في بيتٍ أُسس على التقوى، إيمانٌ وقرآنٌ، وذكرٌ وصيامٌ، وقيامٌ وعبادة، لا يعرفون الغيبة ولا الفاحشة ولا المعاصي، ولما رجع قطع طريق الطائف إلى الرياض فأتى الأجل المحتوم إلى زوجته ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧] ذهب إطار السيارة فانقلبت، فوقعت المرأة على رأسها، لكنها إن شاء الله شهيدة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] وخرج زوجها من الباب الآخر ووقف عليها، وهي في سكرات الموت، تقول: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله، الله الله الله وتقول لزوجها: عفا الله عنك، اللقاء في الجنة، بلغ أهلي السلام ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١].
إي والله: أسأل الله أن يجمع تلك الأسرة في الجنة، وأن يجمعنا وأحبابنا وأقاربنا في الجنة.
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
عاد الرجل وحده إلى الرياض، ودخل بيته، واستقبله الأطفال، وكان قد دفن زوجته وأتى بلا زوجة حياةٌ سهلةٌ وبسيطة، ولكن الموقف المرعب أن إحدى أطفاله، قامت تقول: أين أمي؟! قال: سوف تأتي، قالت: لا والله لا بد أن أرى أمي، وانهار الرجل، وقال لتلك الطفلة: سوف ترينها -بإذن الله- في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، يعمل لها العاملون، ليست كدنيانا الحقيرة السخيفة التي يعمل لها الذين لا يريدون الله والدار الآخرة ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣].
فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهبٌ والمسك طينتها والزعفران حشيشٌ نابت فيها
يا إخوتي في الله! يا شيخاً كبيراً احدودب ظهره ودنا أجله! هل أعددت لأول ليلة؟
يا شاباً متنعماً غرَّه الشباب، والمال والفراغ، هل أعددت لأول ليلة؟
إنها أول الليالي، وإنها إما أول ليلةٍ من ليالي الجنة، أو أول ليلةٍ من ليالي النار.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، وصلوا على أصحابه وترضوا، وعلى أحبابه.
أسأل الله لي ولكم الرضوان والسعادة في الدنيا والآخرة، وأسأل الله أن يصلح ولاة الأمر، وأن يهديهم سواء السبيل، وأسأل الله أن يصلح شباب الإسلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويكفر عنهم سيئاتهم، ويهيئهم بعملٍ صالحٍ لأول ليلة من ليالي القبر.
أسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت، ولا يُظْلِمَ أبصارنا وبصائرنا، ولا يجعلنا قوماً انحرفوا عن منهج الله، وابتغوا معاصي الله، وغفلوا عن آيات الله؛ فعموا وصموا، وظلوا وابتعدوا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 9307
إخاء غير مفتعل
رابطة الأخوة في الله رابطة قوية لا تعادلها أي رابطة، وقد أسس الحبيب المصطفى ﷺ مدرسة لتأليف القلوب، هذه المدرسة يدرس فيها مواد كثيرة تقوي رابطة الأخوة بين المؤمنين، بيّن فيها ﷺ حقوق الإخاء وأمراضه.
في هذا الدرس تجد بياناً مفصلاً لما سبق.
стр. 9308
الأسباب الداعية لطرح موضوع الأخوة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنني أشكر الله الذي جمعني بكم في هذا المجلس الطيب العطر الطاهر، الذي هو من آثار الإخاء الذي أقامه محمد ﵊، ثم أشكر من كان سبباً في هذا الموسم الثقافي، ومن كان سبباً في هذا اللقاء الطيب بكم.
إن عنوان المحاضرة هو: (إخاء غير مفتعل).
اخترت هذا العنوان لسببين:
السبب الأول: لكثرة إهمال الناس في للإخاء، ولكثرة الخطيئة بين الأصفياء.
السبب الثاني: حاجتنا -بالأخص- في هذه الفترة الحرجة من فترات التاريخ، التي تتطلب منا أن نكون صفاً واحداً كالبنيان الواحد؛ يشد بعضه بعضاً، صفوفاً متراصة كصفوفنا في الصلاة.
أما عناصرها فإليكم إياها:
١ - روابط الناس الأرضية.
٢ - أسس رابطة السماء التي جاء بها رسول الهدى ﵊.
٣ - مدرسة تأليف القلوب، من هم طلاَّبها وأشياخها؟
٤ - مواد هذه المدرسة وما يُدَّرس فيها؟
٥ - المنهج الربَّاني قاسم مشترك بين القلوب.
٦ - مادة البذل بين الإخوة في الله.
٧ - ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].
٨ - مادة حقوق الإخاء، وهي متشعبة سوف أذكرها إن شاء الله.
٩ - أمراض الإخاء، وما هو سبب تصدع هذا البناء؟
١٠ - الفوارق بين الصحابة وغيرهم في مبدأ الإخاء.
١١ - واجبنا نحن الخلف بعد السلف في الأخوة، وما هي الإيرادات على هذا الموضوع؟ والله المستعان!
стр. 9309
روابط الناس الأرضية
أيها الناس! لما ارتحل ﵊ من مكة إلى المدينة قام بإنجازين عظيمين:
الإنجاز الأول: بناء المسجد للصلاة.
والإنجاز الثاني: توحيد القلوب وتقويتها بالصلة مع الله.
فلما بنى مسجده ﵊ أسسه على التقوى، ولما ألَّف بين القلوب ألَّف بينها على التقوى، قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
اجتمع الناس قبله ﵊ على روابط، فمنهم من جعل رابطة الدم هي الرابطة الوحيدة التي تجمع الناس، ومنهم من رضي باللون، فمايز بين الناس؛ بين الأبيض والأحمر والأسود.
ومنهم من رضي بالوطن؛ فعشق الوطن وعبده، وتغزل به وقبَّل ترابه.
ومنهم من جعل الجنس رابطته.
وأما محمد ﵊ فأتى برابطة لا تفصم، ولا تقطع، ولا تموت، ولا تمرض؛ لأنها نزلت من العرش، من عند الرحمن الذي على العرش استوى، والله هو الذي أملك وهو الذي أنزل، فأول الرابطة والحبل عند الله، وآخر الحبل في قلوب المؤمنين، فامتن الله عليهم بقوله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] فله الحمد والشكر أن آخى بين هذه الأمة وألف بين قلوبها.
стр. 9310
أسس رابطة السماء التي جاء بها محمد ﷺ
الأولى: أن التباذل فيها بفضل الواحد الأحد، قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فيتساقط أبو لهب وأبو جهل والوليد بن المغيرة وهو من أشرف أسر مكة، ومن أشرف بيوتات العرب، ويثبت بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي لأن الرابطة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
الثاني: انتصار هذا الرابطة بين الدنيا والآخرة.
فهي ليست رابطة أرضية ولا اشتراكية، ولا شيوعية، ولا قومية، ولا بعثية، ولا ناصرية، حدودها القبر، فهي تصل إلى القبر ثم تنتهي، أما رابطتنا فقبل القبر وفي القبر وبعد القبر، وحتى نصل إلى الله.
في كفك الشهم من حبل الهدىطرفٌ على الصراط وفي أرواحنا طرف
سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا
فهي رابطتنا التي تصلنا بالله، ولذلك ذكر الله هذه الرابطة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يقول الله يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي﴾.
أين المتحابون بجلالي؟ أين أهل القلوب المتعانقة والأرواح المتآخية؟
اليوم جزاؤهم وثوابهم أن يظلوا في ظل الله يوم لا ظل للكيانات والأنظمة الوضعية، فهذه ميزة الرابطة.
الثالث: أنها رابطة ذات مقتضيات ومتطلبات، القيام بها واجب، وتركها حرام منكر.
ومن أتى بهذه الواجبات؟ هو محمد ﵊.
ما هو ثمرات هذا الإخاء؟ أموائد المجتمع عليها؟ أم تحقيق طموحات أرضية؟ أم حكم بلد؟ أم حزب له أطماع اقتصادية؟
لا.
ثمرته عقيدة، لأن الأخوة من أوثق عرى الإيمان؛ قال سبحانه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
وعن ابن عمر موقوفاً عليه قال: [[والذي نفسي بيده! لو أنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله، وصمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، ثم لقيت الله لا أحب أهل الطاعة، ولا أبغض أهل المعصية؛ لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]].
فأوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله، فهذه ثمرتها، وبيَّن ﷺ ذلك؛ فقال كما في الصحيحين عن أنس: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ومنها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله﴾ لا لجنسه، ولا لأسرته، ولا لنسبه، ولا لماله؛ ولكن لأنه عبدٌ لله؛ ولأنه قريب من الله.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كلامه عن الولاء والبراء والحب والبغض: أن هذا الحب نسبي يتجزأ، وأنك تحب هذا بمقدار قربه من الله، وتبغضه بقدر ما فيه من معصية، فقد يجتمع في الشخص الواحد حب وبغض، تحبه من جانب طاعته، وتبغضه من جانب معصيته: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣].
ولا يجوز الإسراف في البغض ولا في الحب، وهذا مذهب متطرف لايرضاه الله، وكثير من الناس يعتنقونه، حتى في صفوف طلبة العلم والدعاة، فإن رضي عن شخص غض عن سيئاته، وإن غضب على شخص ترك حسناته ونسيها، وهذا خطأ، وهناك حديث في الأدب المفرد وهو من كلام علي ﵁ -ولو أن بعض أهل العلم يراه من كلام الرسول ﵊ يقول: [[أحبب حبيبك هوناً ما؛ فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما؛ فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما]].
فالاعتداء في الحب يعمي عن معرفة النقص، والخطأ والاعتداء في البغض يعمي عن معرفة المحاسن، وكلا هذين الطرفين خطأ، والوسط هو المطلوب: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣].
ولقد جعل الله ميزاناًَ للإخاء، وميزاناً للحكم، وميزاناً للعدل بين الناس، فيما يسمى مبدأ الجرح والتعديل، فقال في العدو: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] وقال في القريب: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥].
فالقريب كل القرب لا تحملك قرابته لك أن تنسى سيئاته، والبعيد كل البعد لا تحملك عداوتك له أن تنسى حسناته؛ بل العدل هو المطلوب وهو الميزان الذي أنزله الله لأفكار ومعتقدات الناس وحكمهم، وأنزل معه السيف.
стр. 9311
مدرسة تأليف القلوب
واعلموا حفظكم الله أن الرسول ﷺ أقام مدرسة الإخاء، وكان يستعذبها هو وأصحابه، وعند الترمذي بسند حسن بمجموع طرقه، أن الرسول ﵊ قال لـ عمر وهو يستأذنه للعمرة: ﴿لا تنسنا من دعائك يا أخي.
قال عمر كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها﴾.
وليس هذا من أجل الكلمة فحسب، بل لقائلها، فالذي قالها محمد ﵊؛ قالها لأحد طلابه وتلاميذه، وتواضع في جلالة قدره وقال: يا أخي! فهي أخوة الإيمان.
ولما أراد ﵊ أن يتزوج عائشة قال أبو بكر: ﴿يا رسول الله! كيف تتزوجها وأنت أخي؟ -لأن أبا بكر ظن أن الأخوة الإسلامية تمنع النكاح- قال: أنت أخي وهي حِلٌ لي﴾ فليس هناك رضاع ولا نسب، لكن هناك نسب ورضاع أعظم من النسب ومن الرضاع، وهو نسب التوحيد ورضاع الوحي، و ﴿يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب﴾.
قام ﵊ بهذه المدرسة؛ فصار الأخ يحمل روح أخيه، وصاروا أعظم مما قال الشاعر السني الإيراني السعد الشيرازي:
قال لي المحبوب لما زرته من ببابي قلت بالباب أنا
قال لي أخطأت تعريف الهوى حينما فرقت فيه بيننا
ومضى عامٌ فلما جئته أطرق الباب عليه موهنا
قال لي من أنت قلت انظر فما ثمَّ إلا أنت بالباب هنا
قال لي أحسنت تعريف الهوى وعرفت الحب فادخل يا أنا
وهذه وحدة الصوفية، إنما وحدة الإيمان أن تكون أنت أخاك في مظهرك ومخبرك، وتذب عنه وتحبه وتدافع عنه، وتعيش آلامه وطموحاته.
стр. 9312
مواد مدرسة تأليف القلوب وما يدرس فيها
стр. 9313
المنهج الرباني قاسم مشترك بين القلوب
أما مواد هذه المدرسة؛ فإن المادة الأولى هي: مادة توحيد المنهج، فلن يجمع الرسول ﷺ المتردية والنطيحة وما أكل السبع، ولن يرضى ﷺ أن يدخل قبائل العرب بالعصا، أو أن يجمع بينهم بإرادةٍ اقتصادية أو أدبية أو فكرية أو حزب أو طموح أرضي إنما يجمعهم على مبدأ (إياك نعبد وإياك نستعين) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦].
فلا تلفيق ولا ترقيع، إنما هو صفاء، يُعلِّمهم ﵊ بمنهجه، ثم يجمعهم ولا يهمه الكثرة، لكن بعض الناس يجمع، ويقول: لا تأت بأمور تفرق الجمع وربما كان ما يريك أن تتركه من المرتكزات الأساسية وإنما اجمع اجمع، وهؤلاء غثاء كغثاء السيل، فالرسول ﷺ بدأ يبني مجتمعاً لبنةً لبنةً: زيد مولى، وأبو بكر حر، وعلي صبي، وخديجة امرأة، ثم بنى منهم لبنات الرجال والموالي والصبيان والنساء؛ حتى اكتمل البناء: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩].
وهذا بناؤه ﵊ الشامخ العظيم الذي تركه في الناس.
أما التجميع على غير منهج رباني، فرأيناه في المجتمعات التي جمعت الناس على مذاهب وضعية، أو على نحل أرضية، ورأينا كيف تبددوا، بل لما دخل الناس زرافاتٍ ووحداناً، ودخلوا في دين الله أفواجاً؛ فهؤلا مسلمة الفتح لم يتلقوا تربية كتربية أبي بكر وعمر، ولا تلقوا تعاليم كتعاليم أبي بكر وعمر، فأول من فر في حنين هم مسلمة الفتح، ويقول أبو سفيان: والله لا يردنا اليوم إلا البحر.
ويقول أخٌ لـ صفوان بن أمية: الآن بطل السحر، أما أبو بكر وعمر، فصمدوا في المواقف إلى آخر لحظاتهم وأنفاسهم رضوان الله عليهم؛ لأن البناء كان وثيقاً ضخماً، وكان مبنياً على تقوى من الله.
стр. 9314
مادة البذل بين الإخوة في الله
بلغ بالصحابة الإخاء الذي أسسه محمد ﷺ ؛ أن يأتي سعد بن الربيع فيقول لأخيه في الهجرة والإسلام والإيمان، لا أخوة النسب، فيقول: عندي هذا المال وهذا البيت، وعندي زوجتان، أقاسمك المال، وأُطلِّق إحدى زوجاتي لتتزوجها، قال عبد الرحمن: [[بارك الله لك في مالك وأهلك دلني على السوق]].
فأي إخاءٍ بعد هذا الإخاءٍ؟ هل هي بسمة يجود بها أو جلسة أو شيء من طعام؟ المال والأهل يقاسمه وهو صادق.
أبو بكر في سقيفة بني ساعدة يريد أن يُعبِّر عن هذه المشاعر، بعد أن كاد الخلاف يودي بحياة الصحابة وحياة المجتمع، وأراد الأنصار أن يكون منهم خليفة ومن المهاجرين خليفة، وهذا خطأ، فلا يستوي سيفان في غمد، فحضر أبو بكر -وكان ملهماً موفقاً مؤيداً خطيباً فصيحاً فقام يشكر الأنصار على الأيادي البيضاء وحقوق الإخاء، فقال: يأيها الأنصار! جزاكم الله عنا خيراً، واسيتم وكفيتم وآويتم ونصرتم! والله يا معشر الأنصار! ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي في بني جعفر:
جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت
أي إخاء هذا! الأم تمل أما الإخوة الصادقون فلا يملون، فهم على مذهب المهاجرين والأنصار.
стр. 9315
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
ويستمر هذا الإخاء عطراً ويزداد دائماً، ويشده دائماً ﵊ شداً عظيماً، فيأتي هذا الإخاء بأكله وثماره في آخر لحظة من لحظات المجاهدين في اليرموك، يُقتل أربعة من الشهداء عند خالد، فيأتي بماء بارد، فيعطيه: الحارث بن هشام أخي أبي جهل، فيرفض أن يشرب قبل ابن أخيه عكرمة بن أبي جهل، فيدفع الماء لـ عكرمة، فإذا رجل من المسلمين هناك جريح، فيأبى أن يشرب، فيعاد الماء للأول؛ فيجدونه قد مات؛ والثاني قد مات؛ والثالث قد مات، فيأخذ خالد الماء ويرمي به، ويقول: اسقهم من جنتك يا رب العالمين.
قال سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].
وهو الذي جعله ﵊ سارياً في الناس حتى يجود الأخ بالنوم لأخيه، وابن القيم له كلام لطيف في مدارج السالكين قال: ومنهم من يجود بالنوم، أي: يساهر ضيفه ويسامر ضيفه فيجود بنوم مقلتيه حتى يمدحه الأول، فيقول:
مُتَّيم بالندى لو قال سائله هب لي جميع كرى عينيك لم ينم
لو قال له: أعطني نوم عينيك، فسيقول له: خذه.
وهذه مستويات بلغها بعض الناس.
لكن الخلف -حتى من الملتزمين- قد يغفلون مادة الإيثار، ويدرسون مادة الاستئثار، فنحن نعيش الآن عودة إلى الله مباركة، ورجعة في جانب الشباب، لكن مادة الإيثار ضعيفة.
وهناك مادة الاستئثار، فإذا أتى الزملاء يتكلمون؛ تقدم بعضهم على بعض حتى في الفتيا، وهي من المغارم وليست من المغانم، إذا عرضت الفُتيا في المجلس تسابق الشباب وطلبة العلم أيهم يقحم نفسه ليكون مستأثراً، لكن بمغرم لا بمغنم.
يقول أحد التابعين وهو يرى شباب التابعين يتسابقون بالفتيا: " والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتتسابقون على مسائل من الفتيا لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر "، وقد كان الصحابة يتدافعون الفتيا، وقد ورد في الأثر: [[أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار]].
ومع ذلك: يستأثر أحدهم أن يُفتي، ويستأثر بصدر المجلس، ويرى أنه صدر، وأن غيره ظهر، ويستأثر في الطريق، وصدر الدابة، والمرتبة الأولى في السيارة والاحتفاء والعناق، وأن يُقدم ويُكلم بين الناس والدخول والخروج؛ ليكون رئيساً في الناس، وهذا حب الصدارة وحب الإمرة وشهوة الظهور، وهذا مرض نشكو إلى الله منه، عسى الله أن يشافينا منه.
هؤلاء هم الخلف، وهذه هي مدرستهم الاستئثار، ومدرسة السلف الإيثار.
следующие страницы →