← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

مدرسة تأليف القلوب واعلموا حفظكم الله أن الرسول ﷺ أقام مدرسة الإخاء، وكان يستعذبها هو وأصحابه، وعند الترمذي بسند حسن بمجموع طرقه، أن الرسول ﵊ قال لـ عمر وهو يستأذنه للعمرة: ﴿لا تنسنا من دعائك يا أخي. قال عمر كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها﴾. وليس هذا من أجل الكلمة فحسب، بل لقائلها، فالذي قالها محمد ﵊؛ قالها لأحد طلابه وتلاميذه، وتواضع في جلالة قدره وقال: يا أخي! فهي أخوة الإيمان. ولما أراد ﵊ أن يتزوج عائشة قال أبو بكر: ﴿يا رسول الله! كيف تتزوجها وأنت أخي؟ -لأن أبا بكر ظن أن الأخوة الإسلامية تمنع النكاح- قال: أنت أخي وهي حِلٌ لي﴾ فليس هناك رضاع ولا نسب، لكن هناك نسب ورضاع أعظم من النسب ومن الرضاع، وهو نسب التوحيد ورضاع الوحي، و ﴿يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب﴾. قام ﵊ بهذه المدرسة؛ فصار الأخ يحمل روح أخيه، وصاروا أعظم مما قال الشاعر السني الإيراني السعد الشيرازي: قال لي المحبوب لما زرته من ببابي قلت بالباب أنا قال لي أخطأت تعريف الهوى حينما فرقت فيه بيننا ومضى عامٌ فلما جئته أطرق الباب عليه موهنا قال لي من أنت قلت انظر فما ثمَّ إلا أنت بالباب هنا قال لي أحسنت تعريف الهوى وعرفت الحب فادخل يا أنا وهذه وحدة الصوفية، إنما وحدة الإيمان أن تكون أنت أخاك في مظهرك ومخبرك، وتذب عنه وتحبه وتدافع عنه، وتعيش آلامه وطموحاته.

стр. 9312

مواد مدرسة تأليف القلوب وما يدرس فيها

стр. 9313

المنهج الرباني قاسم مشترك بين القلوب أما مواد هذه المدرسة؛ فإن المادة الأولى هي: مادة توحيد المنهج، فلن يجمع الرسول ﷺ المتردية والنطيحة وما أكل السبع، ولن يرضى ﷺ أن يدخل قبائل العرب بالعصا، أو أن يجمع بينهم بإرادةٍ اقتصادية أو أدبية أو فكرية أو حزب أو طموح أرضي إنما يجمعهم على مبدأ (إياك نعبد وإياك نستعين) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]. فلا تلفيق ولا ترقيع، إنما هو صفاء، يُعلِّمهم ﵊ بمنهجه، ثم يجمعهم ولا يهمه الكثرة، لكن بعض الناس يجمع، ويقول: لا تأت بأمور تفرق الجمع وربما كان ما يريك أن تتركه من المرتكزات الأساسية وإنما اجمع اجمع، وهؤلاء غثاء كغثاء السيل، فالرسول ﷺ بدأ يبني مجتمعاً لبنةً لبنةً: زيد مولى، وأبو بكر حر، وعلي صبي، وخديجة امرأة، ثم بنى منهم لبنات الرجال والموالي والصبيان والنساء؛ حتى اكتمل البناء: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. وهذا بناؤه ﵊ الشامخ العظيم الذي تركه في الناس. أما التجميع على غير منهج رباني، فرأيناه في المجتمعات التي جمعت الناس على مذاهب وضعية، أو على نحل أرضية، ورأينا كيف تبددوا، بل لما دخل الناس زرافاتٍ ووحداناً، ودخلوا في دين الله أفواجاً؛ فهؤلا مسلمة الفتح لم يتلقوا تربية كتربية أبي بكر وعمر، ولا تلقوا تعاليم كتعاليم أبي بكر وعمر، فأول من فر في حنين هم مسلمة الفتح، ويقول أبو سفيان: والله لا يردنا اليوم إلا البحر. ويقول أخٌ لـ صفوان بن أمية: الآن بطل السحر، أما أبو بكر وعمر، فصمدوا في المواقف إلى آخر لحظاتهم وأنفاسهم رضوان الله عليهم؛ لأن البناء كان وثيقاً ضخماً، وكان مبنياً على تقوى من الله.

стр. 9314

مادة البذل بين الإخوة في الله بلغ بالصحابة الإخاء الذي أسسه محمد ﷺ ؛ أن يأتي سعد بن الربيع فيقول لأخيه في الهجرة والإسلام والإيمان، لا أخوة النسب، فيقول: عندي هذا المال وهذا البيت، وعندي زوجتان، أقاسمك المال، وأُطلِّق إحدى زوجاتي لتتزوجها، قال عبد الرحمن: [[بارك الله لك في مالك وأهلك دلني على السوق]]. فأي إخاءٍ بعد هذا الإخاءٍ؟ هل هي بسمة يجود بها أو جلسة أو شيء من طعام؟ المال والأهل يقاسمه وهو صادق. أبو بكر في سقيفة بني ساعدة يريد أن يُعبِّر عن هذه المشاعر، بعد أن كاد الخلاف يودي بحياة الصحابة وحياة المجتمع، وأراد الأنصار أن يكون منهم خليفة ومن المهاجرين خليفة، وهذا خطأ، فلا يستوي سيفان في غمد، فحضر أبو بكر -وكان ملهماً موفقاً مؤيداً خطيباً فصيحاً فقام يشكر الأنصار على الأيادي البيضاء وحقوق الإخاء، فقال: يأيها الأنصار! جزاكم الله عنا خيراً، واسيتم وكفيتم وآويتم ونصرتم! والله يا معشر الأنصار! ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي في بني جعفر: جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلت هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت أي إخاء هذا! الأم تمل أما الإخوة الصادقون فلا يملون، فهم على مذهب المهاجرين والأنصار.

стр. 9315

ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ويستمر هذا الإخاء عطراً ويزداد دائماً، ويشده دائماً ﵊ شداً عظيماً، فيأتي هذا الإخاء بأكله وثماره في آخر لحظة من لحظات المجاهدين في اليرموك، يُقتل أربعة من الشهداء عند خالد، فيأتي بماء بارد، فيعطيه: الحارث بن هشام أخي أبي جهل، فيرفض أن يشرب قبل ابن أخيه عكرمة بن أبي جهل، فيدفع الماء لـ عكرمة، فإذا رجل من المسلمين هناك جريح، فيأبى أن يشرب، فيعاد الماء للأول؛ فيجدونه قد مات؛ والثاني قد مات؛ والثالث قد مات، فيأخذ خالد الماء ويرمي به، ويقول: اسقهم من جنتك يا رب العالمين. قال سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. وهو الذي جعله ﵊ سارياً في الناس حتى يجود الأخ بالنوم لأخيه، وابن القيم له كلام لطيف في مدارج السالكين قال: ومنهم من يجود بالنوم، أي: يساهر ضيفه ويسامر ضيفه فيجود بنوم مقلتيه حتى يمدحه الأول، فيقول: مُتَّيم بالندى لو قال سائله هب لي جميع كرى عينيك لم ينم لو قال له: أعطني نوم عينيك، فسيقول له: خذه. وهذه مستويات بلغها بعض الناس. لكن الخلف -حتى من الملتزمين- قد يغفلون مادة الإيثار، ويدرسون مادة الاستئثار، فنحن نعيش الآن عودة إلى الله مباركة، ورجعة في جانب الشباب، لكن مادة الإيثار ضعيفة. وهناك مادة الاستئثار، فإذا أتى الزملاء يتكلمون؛ تقدم بعضهم على بعض حتى في الفتيا، وهي من المغارم وليست من المغانم، إذا عرضت الفُتيا في المجلس تسابق الشباب وطلبة العلم أيهم يقحم نفسه ليكون مستأثراً، لكن بمغرم لا بمغنم. يقول أحد التابعين وهو يرى شباب التابعين يتسابقون بالفتيا: " والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتتسابقون على مسائل من الفتيا لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر "، وقد كان الصحابة يتدافعون الفتيا، وقد ورد في الأثر: [[أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار]]. ومع ذلك: يستأثر أحدهم أن يُفتي، ويستأثر بصدر المجلس، ويرى أنه صدر، وأن غيره ظهر، ويستأثر في الطريق، وصدر الدابة، والمرتبة الأولى في السيارة والاحتفاء والعناق، وأن يُقدم ويُكلم بين الناس والدخول والخروج؛ ليكون رئيساً في الناس، وهذا حب الصدارة وحب الإمرة وشهوة الظهور، وهذا مرض نشكو إلى الله منه، عسى الله أن يشافينا منه. هؤلاء هم الخلف، وهذه هي مدرستهم الاستئثار، ومدرسة السلف الإيثار.

стр. 9316

مادة البذل بين الإخوة المؤمنين وهناك مادة قررها ﵊ في مدرسته: وهي مادة البذل بين الإخوة المؤمنين. وهي واجب الأخوة بين المؤمنين، وفي حديث صحيح: ﴿أن الله يقول: وجبت محبتي للمتباذلين فيَّ، والمتزاورين فيَّ﴾. المتباذلون: الذين يعطي أحدهم أخاه في الله، وعند أبي داود بسند صحيح: ﴿من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان﴾. مادة البذل مقررة عند العرب قبل الإسلام؛ لكنها كانت غير مهذبة ولا محتسبة الأجر من الله، لماذا ينفق حاتم رياءً وسمعةً؟ لماذا يضيف عبد الله بن جدعان؟ رياءً وسمعةً، كانت مائدة عبد الله بن جدعان لا يفارقها الناس، والرسول ﷺ يقول لـ ابن مسعود لما قتل أبو جهل تعرف جثة أبي جهل بجرحٍ في رُكبته، فإني تصارعت معه على مائدة ابن جدعان فصرعته، وهذا p=١٠٠٠٥٥٤>> ابن جدعان يثير العجب!! قالت عائشة كما في صحيح مسلم: ﴿يا رسول الله! أينفع ابن جدعان إنفاقه؟ قال: لا. إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾. وقال عدي بن حاتم كما هو عند صحيح ابن حبان: ﴿يا رسول الله! إن أبي كان يقري الضيف، ويحمل الكلَّ، ويعين على نوائب الدهر، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال: لا، إن أباك طلب شيئاً وأصابه﴾ أي أنه طلب الذكر؛ ولذلك يُذكر حتى في القُرى والبوادي، حتى العجائز يعرفن حاتماً الطائي، فهذا جزاؤه، طلب الذكر فأعطاه الله الذكر، واسم مدرسته: مدرسة البذل عند العرب قبل الإسلام، يقول حاتم لامرأته: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي من شروط حاتم: إذا أتى على مائدته ألا يقرب المائدة حتى يأتي رجل آخر يأكل معه، فإذا لم يأتِ رجل آخر ترك الغداء أو العشاء حتى يكون هو ورجل آخر. رأيت في كتب الأدب قصة عن حاتم -الله أعلم بصحتها- لا تضركم؛ لا في العقيدة ولا في الأسماء ولا في الصفات: يقولون: كانت أمه تضعه على ثديها ومعه أخ آخر من الرضاعة ماتت أمه، فكانت أم حاتم: ترضع هذا وهذا في وقت واحد، فإذا رفع أخوه من الرضاعة فمه عن ثدي أمه رفع حاتم فمه؛ لئلا يرضع حتى يرضع ذاك. يعني: مولود الكرم معه، وبعض الناس مولود معه البخل ويموت معه البخل، ومسجل عليه، ومنتسب معه، ويلحد معه، ويعيش، ويموت، وهو بخيل. قال عبد الملك بن مروان لوزرائه وهم في سمر: من تريدون أن أباكم من العرب؟ أي: من يتمنى منكم أباً غير أبيه؟ قالوا كلهم: لا نريد إلا آباءنا، قال: أما أنا فليت أبي عروة بن الورد الذي يقول: أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد يقول: تضحك مني لأنك سمين وأنا نحيف، ما سبب نحفي وسمنك؟ اسمع السبب: أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد أوزع جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد يقول: أنت تأكل ما يكفي ستة، وأنا آكل قليلاً، أنا آكل نصف قرص، وأنت تأكل ثمانية أقراص، تضحك مني؛ لأني أُضِّيف الناس وأنت ما تضيف إلا بطنك. فإني امرؤٌ عافي إنائي شركة وأنت امرؤٌ عافي إنائك واحد يقول: أنا -دائماً- على مائدتي مائة رجل، وأنت على مائدتك نفسك فقط، فهذه مدرسة البذل، فأتى الرسول ﷺ لمدرسة البذل فأدخلها في مدرسته؛ لكن بتهذيب واحتساب، جعل البذل لله والإنفاق له، فأتى الصحابة بالعجائب، فتجاوزوا أكرم حاتم وهرم بن سنان وعروة بن الورد. يأتي أبو بكر بماله، فيجعله في يد الرسول ﷺ كله، ويشتري عثمان بئر رومة ويجعلها للمسلمين وللأكباد الحرة، ويأتي سعد بن عبادة، فينحر في غداة واحدة مائة ناقة؛ حتى تشبع الصقور والوحوش الكواسر من أجل أن يشبع الرسول ﵊، ويأتي الفقير فإذا هو أجود من الغني. وقد أتى الرسول ﵊ بالخير، فهو أجود من الريح المرسلة، لا يعرف كلمة: لا، قال مرة كما قال جابر: ﴿أتى أعرابي إلى الرسول ﵊ فسأله سؤالاً؟ فقال: لا، وأستغفر الله﴾ أي أنه يستغفر الله من كلمة "لا". ما قال (لا) قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم أتاه هذا الضيف، فقال: من يضيف ضيف رسول الله ﷺ ؟ فقام رجل فقير من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فأخذ معه الضيف وليس في بيته إلا شيء من شعير، وله أطفال وزوجة، وهذا الشيء من الشعير لا يكفي إلا واحداً، فقال لامرأته: نوِّمي أطفالنا هذه الليلة قبل العشاء وهذا هو الكرم في منتهاه، فقد أثر الضيف على أطفاله وعلى بطون أطفاله وعلى صغاره، فلن يبلغ كرَمه كرمٌ، فنومت الأطفال، وكانت امرأة تعين صاحبها على الكرم، وبعض الناس إذا أراد أن يكرم الضيوف يستشير زوجته أولاً، ويتصل بها، ويعقد معها جلسة طارئة منغلقة، ثم يحسب لها الضيوف، ومتى يأتون وكم عددهم!! فإذا صدر الإذن منها دعاهم، وهذا هو البخيل كل البخل، إذ لا داعي لاستشارة المرأة في إكرام الضيف، ويجوز للرجل أن يدعو ضيوفه بإجماع أهل العلم دون أن يستشير زوجته، إلا إذا خاف أن تكسر رأسه! المقصود: أن زوجة هذا الصحابي ذهبت فنومت أطفالها، وقال لها: إذا جلست أنا والضيف أثناء العشاء فتظاهري بإصلاح السراج ثم أطفئيه -هذه ليلة الكرم- فتظاهرت بإصلاح السراج فأطفأته، فبات الضيف يأكل، ويتظاهر صاحب البيت أنه يأكل وهو لا يأكل، فأتى الأنصاري بضيفه يُسلِّمه إلى الرسول ﷺ بعد أن أكرمه؛ فتبسم ﷺ ، وقال: ﴿لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما البارحة﴾. فجزى الله رسول الله ﷺ عنا خير الجزاء في تعليمه البذل والعطاء، وجزى الله تلكم الثلة الرائدة والنخبة المصطفاه خير ما جزى أصحاب النبي عن نبيهم ﵊.

стр. 9317

مادة حقوق الإخاء ذكر الرسول ﷺ في حديث حقوق الإخاء التناصح، وإجابة الدعوة، ورد السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، والدعاء بظهر الغيب، ثم ذكر ﷺ أمراض الإخاء.

стр. 9318

رد السلام قال ﵊ في الصحيح: ﴿إذا لقيته فسلم عليه﴾. ومعنى السلام: إشعاره بالسلامة، يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣]. قالوا: سلامة لكم، قالوا: ومنه اشتق السلام، فكأن المسلم يقول: سلام عليك؛ فلن ترى مني ما يؤذيك ولا ما يخوفك ولا ما يفزعك. وعند أحمد في المسند عن أبي هريرة أن الرسول ﵊ قال: ﴿إن أولى المؤمنين بالله من بدأهم بالسلام﴾. أي: أقربهم من الله من بدأهم بالسلام. وكان كثير من الصالحين يسبقون بالسلام من لقيهم فيقولون: السلام عليك قبل أن يوصل إليهم. وفي الصحيحين عن عمران بن حصين ﵁ قال: ﴿كنت جالساً مع الرسول ﵊، فدخل رجلٌ المسجد، فقال: السلام عليكم! قال: عشر، وعليكم السلام، ودخل آخر، وقال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: عشرون، وعليكم السلام ورحمة الله، ودخل ثالث فقال: السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، قال: ثلاثون، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته﴾. لكن بعض الناس من الخيلاء هجر مدرسة السلام، فمنهم من تركها كبراً، وأكثر ما يترك الناس السلام كبراً، ولذلك من بذل السلام، ومن تبسَّم -في حقوق كثيرة ذكرها الغزالي - وحلب شاته، ورقع ثوبه، وكنس بيته؛ فقد برئ من الكبر. تجد كثيراً من الناس إذا سلَّمت عليه؛ كأنك تسحب منه الرد سحباً؛ لأنه من فصيلة أخرى، ويعد بعض الناس من الحيوانات الأليفة، بل بعضهم لا يقوم لك أبداً؛ ليس اتباعاً للسنة لعدم القيام؛ بل كبراً وعتواً؛ وإذا صافحته صافحك برءوس أصابعه شُلت أصابعه! وهذا من جهله بسنة محمد ﷺ ، ومنهم من تركها جهلاً واستبدل مكانها كلمات ليست واردة كأن يقول: صباح الخير، وأهلاًَ وسهلاً. قال البخاري في الأدب المفرد: (باب: قول الرجل مرحباً بك) ثم ذكر أن عدي بن حاتم وصل إلى عمر فقال لـ عمر: مرحباً بك! (باب: قول الرجل مرحباً بفلان) وذكر حديث أم هانئ: ﴿مرحباً بـ أم هانئ﴾. وقال عمر: حياك الله من معرفة. وهذه تأتي كلها بعد السلام الشرعي الذي سنه ﵊. وأفضل الإيمان أن تقرئ السلام على من تعرف ومن لم تعرف، تسلم على الناس -جميعاً- الذي تعرف والذي لا تعرف من المسلمين. ومن علامات خواء الأمة: العبث والتلوث الفكري وعدم اعتزازها بأصالتها؛ فإنك تجد -الآن- بعض الناس المتأثرين بالمستعمر يحيونه أكثر مما يحيون المسلمين، وألحظ الناس -الآن- إذا رأوا الخواجة يكون الاستعداد والتحية وإعطاء اليد والبسمة، وإذا رأوا المسلم فكأنه أمر عادي عندهم، وهذا من قلب المفاهيم، وسوف يكون لنا تعريج على هذا.

стр. 9319

إجابة الدعوة من مادة حقوق الإخاء شعبة: إجابة الدعوة؛ لا طمعاً في الطعام، ولكن حباً في الصلة والوئام، وربما كانت زيارات الخلف إزهاقاً للأوقات لا لطلب القربات، فزيارات الناس -الآن- في الغالب فقط تضييع وقت، وأكثر زيارات الشباب وحتى الملتزمين على غير جدوى العمل، وعلى غير ترتيب سابق، وعلى غير استفادة من الوقت، فتجده يدخل عليه في وقت فجأة، وهذا غير مستعد وهذا غير معد لفائدة، فينهي عليه وقتاً طويلاً من صلاة العصر إلى صلاة المغرب، ثم يقومان عن هذا شذر مذر، فما جرى في الحياة؛ تزوج فلان وطلق فلان ومات فلان وعاش فلان!! وهذا حديث عوام الأسواق، وحديث السقطة من الناس، ولا تليق بمن يريد أن يُقدِّر وقته، وقد سبق أن شيخ الإسلام ابن تيمية ألف كتاب التدمرية من بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر، كتاباً كاملاً قرر في كلية أصول الدين، في السنة الأولى فما فهمه الطلاب ورسبوا بعد أن قرءوا هذه المادة؛ لأنها تُدِّمر كل شيء باطل بأمر ربها، فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم. أيها الإخوة! إجابة الدعوة عند بعض المتأخرين تعتمد على الوجاهات والواسطات، فبعضهم لا يجيب إلا وجهاء وأغنياء الناس ومن له مكانة أرضية ودنيوية فقط، وأما الفقراء والمساكين؛ فيعتذر بالأشغال وبالالتزامات، وهذه ليست من مادة الإخاء عند محمد ﷺ ، لكنك تجدها عند أهل الأرض.

стр. 9320

عيادة المريض عيادة المريض لتخفف عنه آلامه ويبث إليك همومه وأحزانه، وما أحسن المسلم إذا عاد أخاه المسلم! فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يقول الله يوم القيامة: يابن آدم جعت فلم تطعمني! قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن فلان بن فلان جاع فما أطعمته؟ أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يابن آدم مرضت فلم تعدني! قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فما عدته؟ أما إنك لو عدته لوجدت ذلك عندي﴾. ما أحسن الزيارة! زار النبي ﵊ كبير السن، وزار الصبي، وزار الأعرابي، وزار الفقير والغني، زار أعرابياً فرأى عليه الحمى تهزه هزاً، فقال ﵊: ﴿لا بأس طهور -أي أن هذا المرض يطهرك من المصائب- فغضب الأعرابي فقال: تقول طهور، بل حُمّى تفور على شيخ كبير، تزيره القبور، قال: فنعم إذن﴾ إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم؛ أراد الرسول ﷺ أن يتفاءل وأبى الأعرابي. عيادة المريض لها أدب وأهمل فيها المتأخرون، يقول الأول: مرض الحبيب فزرته فمرضت من جزعي عليه وأتى الحبيب يزورني فشفيت من نظري إليه وهذه من أبلغ وأحسن ما قيل في هذا، وأحياناً الأرواح ترتاح لرؤية المحبين والأحباب إذا زاروها، وبعض الأرواح السليمة تمرض من زيارة بعض الناس، يقول ابن القيم في بدائع الفوائد: رأيت ابن تيمية ﵀ وقد تثاقل من رؤية أحد الثقلاء وجلوسي معه، ثم التفت إليَّ بعد أن عجز صبره، وقال: الجلوس مع هؤلاء حمى الربع، وحمى الربع أي: التي تقتل وليس لها علاج، وهؤلاء أهل البدع والخرافيون وثقلاء الناس وأهل البطون، الذين يغضبون لبطونهم أكثر من غضبهم لمبادئهم، ويغضبون لسياراتهم ووظائفهم وأحذيتهم أكثر من غضبهم لإياك نعبد وإياك نستعين. كان الأعمش إذا رأى ثقيلاً مقبلاً، قال: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢]. وقال الأعمش: ما جلس إليَّ ثقيل بجانبي إلا ظننت أن الأرض تميل بجانبه -الكرة الأرضية كأنها تميل- وهؤلاء الثقلاء الذين لا يعرفون وقت عيادة المريض، فيأتونه في الساعة الثانية عشرة ليلاً، ولا يعرفون التحدث معه في حديث يشفي المريض، فيقولون: ما مرضك؟ قال: الزكام، قالوا: مات فلان بالزكام، وماتت فلانة بالزكام، وما أصيب أحد بالزكام إلا مات، أحسن الله عزاءك بروحك وألحقنا الله بك عن قريب، وجمعنا الله بك في دار كرامته!! غسلنا أيدينا منك، فهذا ليس من الآداب. ومنها كذلك: التطويل، فإن بعض الناس يبقى حتى ينتهي الكلام، فيعل العليل بزيارته، فلا يخرج حتى يقول المريض، ويرفع يديه: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. ولذلك لا تريد أن تلقاه. قرأت أن الأعمش كتب مرضه في ورقة فكان الناس كلما سأله مريض ما مرضه؟ أخرج الورقة، وقال: اقرأ، لأن بعض الناس يسألك: متى بدأ المرض معك؟ وما هي أعراضه؟ وماذا تجد؟ ومن ماذا منعك الطبيب؟ محاضرة كاملة وسجل التحقيق مفتوح. فمعاذ الله أن نكون ثقلاء! ولينتبه الإنسان إذا زار أن يخفف، فالزيارة ليست كل يوم ولكن كل ثلاثة أيام زيارة لا بأس بها. وبعض الأمراض قال ابن عبد البر في أنس المجالس: لا يزار من فيه بعض الأمراض مثل الزكام، أو مرض الركبة، أو الرمد، هذا لا يزار منها، إنما يزار من أمراض محددة معروفة.

стр. 9321

النصح في الله إذا استنصحك فانصحه، وهي: النصيحة الواجبة، وهي النصيحة التي لا تقوم الأمة إلا بها، وهي ميثاق الأخوة، ودستور الأحباب، ولسان حال الناصح يقول: وأنصح لكم، وهتافه الخالد يقول: وأنا لكم ناصح أمين، فالمؤمنون يتناصحون والمنافقون الأدعياء يتفاضحون. قال علي: [[المؤمنون نصحة والمنافقون غششة]] وقد قلَّ الناصح، ومن نصح اتهم واستثقل، وظن أنه لا يريد الحق واتهم في نيته وفي غرضه. ومن علامات الناصح: أنه لا يجر نفعاً لذاته وحده ولا لشخصه، لكنه لأمته ولبلده، يريد الخير فينصح، ولا بد للأمة من ناصح، ويوم تموت النصيحة تموت الأمة. بايع جرير بن عبد الله رسول الله ﷺ فاشترط عليه: ﴿والنصح لكل مسلم﴾. وأما طمس المعايب وإخفاؤها ودفنها دون أن تبين، فهو النفاق بعينه الذي لا يرضاه الله، ويوم يسكت الناطق بالنصيحة في الأمة تموت هذه الأمة وتنتهي. يقف عمر بن الخطاب على المنبر يريد من ينصحه، فيقول: أيها الناس! ماذا ترون لو أني ملت عن الطريق هكذا؟ أي: عن طريق إياك نعبد وإياك نستعين، عن العدل، عن اهدنا الصراط المستقيم، فقام أعرابي من آخر المسجد، بسيف فسله أمام عمر، وقال: والله يا أمير المؤمنين! لو رأيناك ملت عن الطريق هكذا، لقلنا بالسيوف هكذا، فقال: اجلس بارك الله فيك! الحمد لله الذي جعل في رعيتي من لو ملت عن الطريق هكذا قالوا بالسيوف هكذا، وهذا هو الحوار، وهذه هي النصيحة، وهذه هي الكلمة القوية، وهذه شجاعة أهل الإيمان، وهذه هي المادة التي أسسها محمد ﷺ وهي أن تنصح له.

стр. 9322

تشميت العاطس وتشييع الجنازة والذب عن عرض الأخ ومنها: تشميت العاطس وتشييع الجنازة -وهو أمر لا يخفى عليكم- والذب عن عرض أخيك إذا انتُهك، إذا تدافع أذناب العلمنة والمنافقون والحداثيون بعضهم يذب عن بعض، ويتحامون كما تتحامى القردة، فأولى الناس بالمحاماة أهل (لا إله إلا الله) الساجدون المصلون؛ أن يشبه أحدهم أسداً هصوراً في المسجد، إذا تعرض لسياج الدعاة وطلبة العلم والأخيار والصالحين وشباب الإسلام؛ فإن معنى التعرض لأولئك هو التعرض لك أنت، والتنديد بك وبمبادئك، والتكلم فيهم هو التكلم فيك أنت، ومن تكلم في أخيك الذي تجمعك به روابط الإخاء تكلم فيك مباشرة ولا نرضى: فإما أن تكون أخي بحق فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني فإني لو تخالفني شمالي ببغض ما وصلت بها يميني إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني انتهاك الحرمات تناول الأعراض اتهام النيات، واجبنا جميعاً أن ندافع، ومن رضي وسكت في مجلس، يجب أن يذب فيه عن عرض أخيه المسلم خذله الله في مجلس يريد أن ينتصر فيه، وهؤلاء المخذولون صنف من الناس، يرون السيئات ويرون العثرات، وينسون محاسن أهل الفضل والخير ويطمسونها، ويتهمون هؤلاء في مسارهم وفي نياتهم.

стр. 9323

أمراض الإخاء للإخاء أمراض قد تعتريه، قد يمرض أو قد يموت، منعها محمد ﷺ وأقام وقاية دونها، فقال ﵊: ﴿لا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه﴾.

стр. 9324

الحسد الحسد الذي يستشري ويشتعل بين الأقران، وهو داء لا تُطفئه إلا تقوى الله، وما خلا جسد من حسد. قيل: للحسن البصري: أيسلم أحد من الحسد؟ قال: أين أنت من إخوة يوسف؟ حسدوا أخاهم وهم أنبياء، قال: فماذا أفعل؟ قال: إذا حسدت فعمِّه. أي: عمه في باطنك ولا تتكلم بآثار الحسد، تطعن في عرض أخيك، ولا تُؤذه بفعل غير مسئول منك، والإنسان يُدخله الحسد ولكن لا يبغي ولا يؤذي، وليتق الله في أخيه المسلم.

стр. 9325

التهاجر ومن أمراضها كذلك: التهاجر، يقول ﵊ كما عند مسلم: ﴿لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام﴾ ثلاث ليالٍِ فقط حتى يذوب الغيظ، ثم تعود إلى أخيك المسلم ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]. أذكر قصة ذكرها ابن كثير وغيره من أهل العلم يقول: كان لـ معاوية -وهو خليفة ملك في الشام - مزرعة في المدينة بجانب مزرعة عبد الله بن الزبير، وكان بينهما شحناء، فدخل عمال معاوية مزرعة ابن الزبير، فكتب ابن الزبير من المدينة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن الزبير إلى ابن آكلة الأكباد - أي: معاوية، وهند هي التي أكلت كبد حمزة - أما بعد: فقد دخل عمالك مزرعتي، فإن لم تنههم عن ذلك؛ فلي ولك شأن. رجل من الرعية يُهدد الملك، فوصل الكتاب إلى معاوية وكان حكيماً حليماً في أعلى درجات الحلم، فعرض الكتاب على ابنه الطائش يزيد بن معاوية، الذي سئل عنه الإمام أحمد: هل نروي عنه؟ قال: وهل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر يروي عن يزيد؟! وقال: لا نسبه ولا نحبه. فعرض عليه الرسالة، وانظروا رأي البطانة الهائجة، البطانة غير المسئولة التي تلقي بالكلمات على عواهلها لا تقدر للأمور قدرها ولا تعي المسئولية. قال: أرى أن ترسل جيشاً يأتيك برأس ابن الزبير أوله في المدينة وآخره عندك، قال معاوية: بل أحسن من ذلك صلةً وأقرب رحماً. فأرسل إليه معاوية وقال: بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الله بن الزبير ابن حواري رسول الله، وابن ذات النطاقين، أما بعد: فإذا جاءك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك، وعمالي إلى عمالك، فلو أن الدنيا بيني وبينك لكانت هينة سهلة أو كما قال. فأتى ابن الزبير إلى الشام، ودخل دمشق ودخل على الخليفة وقبَّل رأسه، وقال: لا أعدمك الله عقلاً أحلك هذا المحل. هذا الإخاء والوداد والحلم والصفح، ويفعله أتباع محمد ﷺ في كل زمان ومكان.

стр. 9326

نصرة المسلم أما معنى: لا يسلمه: أي: لا يتركه بلا نصرة، بل يقف بجانبه، ليس في الدنيا: نفسي نفسي!! بعض الناس إذا أُصيب إخوانه تخلَّى وتركهم في معمعة الخطر، وفي معترك الفتنة، وحاول أن ينجو بنفسه، وهذا خطأ، الذي يرى أنه سوف يسلم نفسه، والأمة تعيش عراك، وطلبة العلم في الأمة ودعاة الأمة يعيشون فتنة تمسهم في معتقداتهم وفي دينهم وأعراضهم وتطلعاتهم ثم يريد أن ينجو، لا نجَّاه الله ولا سلَّمه، أين أخوة إياك نعبد وإياك نستعين؟ أين أخوة أمة واحدة؟ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].

стр. 9327

سوء الظن واعلموا حفظكم الله! أن من الأمراض التي حذَّر منها رسول الهدى ﵊ مرض سوء الظن، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]. الظن أم المعايب وأم التهم، وما وجد في قلب إلا خرب علاقته مع الناس، يقول أبو الطيب المتنبي وهي من أحسن أبياته، يقول: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدّق ما يعتاده من توهم وعادى محبيه بقول عداته فأصبح في ليل من الشك مظلمٍ وتجد الإنسان إذا ساء فعله؛ ساءت ظنونه بالناس، السارق يتهم الناس بالسرقة، والكاذب يتهم الناس بالكذب، أما الصادق فلا يسيء ظنه، والثابت على مبدأ لا يسيء الظن، وأكثر ما ينشر القالة بين الناس وبين الإخوة سوء الظن والعياذ بالله، فهم يُشككون في نيات الناس، وفي تحركاتهم، وفي كلامهم، وفي أفعالهم، ولا يطلِّع على النيات إلا الله . سبحان الله! تبرئ موقفك أنت وتتهم نيات الناس! وليسوا هم أناساً عاديين؛ لكن من خيرة الناس صفوتهم الناس فيما يراه الناس، والله أعلم والنيات عند الواحد الأحد، لكن إذا رأيت الإنسان يتهم نيات الناس التي لا يطلَّع عليها إلا الله فهو متهم أيضاً (كاد المريب أن يقول خذوني!!).

стр. 9328

الغيبة ومن أمراض الإخاء -أيضاً- الغيبة، وهي فاكهة المجالس، وهي الأطروحة المعروضة، والبضاعة الرخيصة، والبز المنشور في أسواق الذين ابتعدوا عن معالم (إياك نعبد وإياك نستعين) ولكن ترى الناس حتى طلاب العلم لا يغتابون حتى يبرروا لأنفسهم ويفتوا أنفسهم، يقولون: أستغفر الله! أنا ما اغتبته لكني أخبرت بما فيه. ويقول أحدهم: أجرح والجرح والتعديل وارد عند أهل السنة لمصلحة الدعوة، والدعوة تقتضي أن تعرف صديقك من عدوك، والدعوة يوم تنطلق من أطر، وتنبثق في بوتقة؛ ترتكز على مرتكزات أن تعرف صديقك من عدوك، فتذُبح الأعراف، وتُستحل القيم، ويُغتاب الأخيار، بدبلجة الشيطان لهذا المبدأ. يا أيها الضعيف المسكين! الجرح والتعديل ليس لي ولك، لـ يحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري والنسائي الذين حفظوا السنة، أما أنا وإياك فلم تحفظ من السنة إلا حديث: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾!! أولئك حفظوا السنة بواسطة الرجال فجرحوهم وعدلوهم. نعم! لنا أن نجِّرح ونُعدِّل لكن من ظهر لنا فجوره وخبثه؛ وكشف الله ستره، وعرفنا أنه عدو للإسلام، أما مسلم -في الجملة- متستر بستر الله، ظاهره الخير، فننبش عنه، متى كنا أوصياء لله على خلقه؟ متى جعل الله عندنا علم الغيب، نطلع على نيات الناس؟ هذا -والله العظيم- هو الردى. بعض الناس يسكت عن المحاسن وينبش المساوئ، ذكر الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتاب طريق الوصول إلى العلم المأمول نقلاً عن ابن تيمية كلمة رائدة، يقول: بعض الناس مثل الذباب لا يقع إلا على الجرح. تجد أناساً في المجتمع يجدك سليماً معافىً، عليك ثوب أبيض، متطيب متعطر، هذا الذباب يترك الثوب الطيب المتعطر، ويبحث في جسمك عن جرح فيقع عليه. كثير من الناس ينظر إلى الحسنات، فتنطمس عينه وتعمى حتى يجد سيئة فيضخمها ويكبرها: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا فالله المستعان!

стр. 9329

الفوارق بين الصحابة والمتأخرين من الناس في مبدأ الإخاء الأول: أن الصحابة أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، فالقرب والرحمة واللطف والصلة والتواضع للأخ المسلم، والقوة والغلظة والمواجهة للكافر المعتدي، وحثالة المتأخرين قلبوا الأمر؛ فصلفٌ، ونقد لاذع، وقذاعة وبذاءة، وهجوم، واعتراض على الإخوة، وملاينة، واستخذال، وتبعية، وعبودية للمجرم الأثيم. الثاني: أن الصحابة حمل بعضهم السيف على أبيه الكافر وقطع رأسه؛ لأنه قطع صلته بالله، وهذا الصحابي -نفسه- يصل الحبل مع الباحث عن الحقيقة من أرض الحبشة بلال، وسفير فارس إلى أرض التوحيد سلمان، ووافد الروم إلى مهد القداسة صهيب، فخلف من بعدهم خلف من الحثالات، أصبح الواحد منهم عسيفاً للخواجة، عبداً للمستعمر، جزمة للأجنبي، مولى للبعيد وعكازاً له، ثم هو نفسه ليث على إخوانه، مقدام على طلائع التوحيد، نار تلظى على شباب محمد ﷺ ، ثم يطالب بعد سقوط حقوق الإخاء ويعتدي علينا أننا أضعنا معه الصفاء، أتدرون ما هو مجلسه؟ هجوم!! لكن غير أدبي، ولذع فادح على من؟ تعلم أن بعض الناس إذا جلس فإن مادة السمر عنده أن يستهزئ بالصالحين وباللحى، السبب أن محمداً ﷺ أتى باللحى، وهو الذي رفع رأسه من الطين، محمد ﷺ الذي حرره من عبودية الأصنام، وهو الذي أعطاه الدنيا: بلاد أعزتها جنود محمد فما عذرها ألا تعز محمدا ويستهزئ بالثوب القصير، التطرف عنده هم الشباب المهتدي -والصلف: الشباب المهتدي- الطيش: الشباب المهتدي- الهوس الشباب المهتدي أتباع محمد ﷺ ، ضميمة أبي بكر، مدرسة عمر، مسيرة صلاح الدين، جامعة ابن تيمية، مظلة أحمد بن حنبل ومعهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب كل هؤلاء يدخلون، في مدرسة التطرف والصلف، فمن أين ورث هؤلاء مواقفهم؟ لكن انظر في الجانب الآخر! انظر مع أعداء الله، الاستخذاء، العمالة، الخيانة، الملاينة، المصافاة، العبودية، فسبحان الله رب العالمين! قطعت ودادي ظالماً وجبهتني وأغريت بي الأعداء من كل جانب وطالبتني حق الأخوة عاتباً دهتك الليالي أنت نار التعاتب فنسأل الله أن يُصلح منا الظاهر والباطن، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣]. أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، وأساله أن يجمع شملنا، وأن يوحد كلمتنا، وأن يتولانا بعين رعايته، وأن يحفظنا وإياكم من كل مكروه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 9330

الأسئلة

стр. 9331

نصيحة شاب عاد إلى الله السؤال أنا شاب ضاع من عمري سنوات وسنوات وهأنا عدت إلى الله رب العالمين وتبت إليه، وهذه أول محاضرة أحضرها، ولكني أخاف أن أعود إلى الطريق القديم، فما نصيحتكم لي جزاكم الله خيراً؟ الجواب الحمد لله، قبل أن أجيب على هذا السؤال، وصلتني ورقة من بعض الإخوة أنني لاحظت على عبد الله بن الزبير وعلى يزيد بن معاوية، وقال: استغفر لهما. أقول: أما عبد الله بن الزبير فأنا أستغفر له، أما يزيد بن معاوية فصاحب الورقة يستغفر له، وما أظن أني لاحظت على عبد الله بن الزبير ملاحظة تستحق، وأنا أتقرب إلى الله بحبه، وقد علق الذهبي على مطالبته، فقال: أعوذ بالله من طلب الملك، أو كلمة نحوها! فليُعاد إليها في سير أعلام النبلاء، وليس هؤلاء بمعصومين، ولو أننا نتقرب إلى الله بحبهم، وندافع عنهم، ونذب عنهم، وما أظنني جرحت ابن الزبير جرحاً، وأما يزيد بن معاوية فإن شئت أن تذب عنه، وتستغفر له فأنت وذاك. أما السؤال الذي سأله الأخ فهذا يتكرر كثيراً! أولاً: أُرحب بهذا الشاب الذي حضر هذه الليلة، وأسأل الله أن يجمعنا به في دار الكرامة وهنيئاً له. سبحان الذي أعتقه من ذل المعصية ومن رق العبودية لغيره! وأدخله في هذا المكان الطيب الطاهر، فإن هناك جموعاً أكثر من هذه الجموع، لكن تجتمع على معاصي وضياع وأمور مظلمة، والآن هذا وقتك أن تجتمع مع أحبابك في الله ، هذه ليلتك الأولى ليلة الميلاد: هي ليلة فيها ولدت وشاهدي فيما ادعيت الشمس والمريخ فليلتك هذه من أحسن الليالي وهي ليلة الميلاد. يقول أحد الفضلاء: لا بد للإنسان من ميلادين اثنين: الميلاد الأول يوم ولدته أمه باكياً فقيراً عارياً، فوقع على الأرض، فبكى من أنه خرج من السعة إلى الضيق، وخرج من العدالة إلى الظلم: ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا ثم أن تولد مع الشريعة، وأن تولد ميلاداً مع الوحي، وأن تولد من جديد في الهداية، فهذا الميلاد الثاني هو المذكور، قالوا: وللإنسان أبوان اثنان: الأب الجثماني والأب الروحاني، فالأب الجثماني أبوك الذي أعطاك الحليب والخبز والفاكهة، والأب الروحاني هو محمد ﵊ الذي أتى بالوحي، وفي قراءة أبي، يقول : ﴿وزوجاته أمهاتهم وهو أب لهم﴾ هكذا قرأ أبي وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: وهو أب لهم. وفي حديث صحيح أن الرسول ﵊ يقول: ﴿إنما أنا أب لكم أعلمكم﴾ ثم علمهم بعض أمور التطهر والتطيب ﵊. فأنت -الآن- أيها المولود الجديد بدأت عالم الهداية، فاحذر أن تعود من النور إلى الظلمات، وعليك بأمور: أولاً: أكثر من الدعاء والاجتهاد أن يثبتك الله. الأمر الثاني: جاهد في النية أن تثبت ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. ثالثاً: آخِ الصالحين وجالسهم. رابعاً: اقطع علاقتك بزملائك الأوائل أهل المعاصي وأهل الإسراف والإعراض عن منهج الله؛ فإنهم الذين يصدونك عن الطاعة، ويقفون في طريق الأنبياء والرسل بالمرصاد.

стр. 9332

الإسراف في الحب السؤال تعرفت على شخص شاب فأحببته في الله؛ حتى أصبحت أفكر فيه حتى في الصلاة، وأغار إذا رأيته يمشي مع أحد غيري. فهل هذا الحب مذموم أم ممدوح؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً! الجواب ورد في المحاضرة كلام عن: [[أحبب حبيبك هوناً ما]]. والإسراف في مسألة الحب هو أن يتعدى إلى غير ما وضع له، وهو ثمرة التعاون على طاعة الله والدعاء للأخ، والذب عن عرضه، والسلام إذا لقيته، وإجابة دعوته والنصيحة، إذا تعدى إلى غير هذه المواصفات والضوابط، فهو حب مدخولٌ فيه، فأعيذك ونفسي بالله من الشيطان الرجيم أن يكون الحب لغير منهج الله، فبعض الناس ركَّب هذا الحب سُلماً إلى بعض الأغراض الشيطانية، وإلى بعض الشبه والشهوات التي ألقاها الشيطان في قلبه، وليس مقصوده الحب في الله حتى دخل الشيطان من هذا الباب. وقد ورد هذا عند الناس حتى تجد بعضهم يقول: أحب تلك المرأة في الله، وما سمعنا أن أحداً من السلف يقول: أحب أجنبية في الله، وهي كذلك تبادله الشعور، وتقول: أحبك في الله. ولا بد للإنسان أن يضبط كلامه وعباراته، وأن يضبط نيته، وأن تكون خالصة لوجه الله ، فإن الله ذكر قوماً أتوا بأمور لكنها لم توافق الشريعة، فكانت سبباً لشقاوتهم، قال سبحانه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]. فمقاصدك ونياتك وأعمالك ارعها حق رعايتها؛ حتى تكون خالصةً لوجه الله .

стр. 9333

حقيقة الإخاء المفتعل السؤال قد ذكرتم جزاكم الله خيراً الإخاء غير المفتعل، فماذا عن الإخاء المفتعل؟ الجواب نعم. أنا ذكرت متضادات في المحاضرة، فإذا ذكرت الإيجابية ذكرت معها السلبية، فالإخاء المفتعل هو إخاء المتأخرين من الخلف، وأخص منهم الحثالات الذين يتآخون على المجاملات، تجدهم يتهيجهم اللعن، فأول ما يلقاه يلعنه، وتجد أُخوتهم إما على المطاعم أو المشارب أو على مصالح مشتركة، أو يتوجهون لأفكار خاصة، أو مناهج معينة تخالف منهج الله ، والله تعالى يقول فيهم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]. اجتماعهم وذهابهم وإيابهم وجلوسهم في الظاهر، لكنه من داخل منخور، فيه سوس، وفيه نار تتلظى، وهي نار البغضاء! ولذلك تجد بعضهم يغتاب ذاك بعد أن يُولِّي، وإذا لقيه يقسم له الأيمان المغلظة أنه يحبه أحب من نفسه، فإذا ذهب لعنه في قفاه، وهؤلاء إخاؤهم مفتعل، إنما هو وقتي، وسوف ينهار؛ لأنه لم يؤسس على تقوى من الله ورضوان، وكل شيء لغير الله آخره الدمار: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].

стр. 9334

بغض الدعاة لبعضهم البعض السؤال كما تعلم يا فضيلة الشيخ! أنه يوجد في الساحة كثير من الناس يدعون إلى الله ، وإن اختلفت آراؤهم؛ ولربما أبغض أحدهم الآخر. فما رأيكم في هذا وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً: لم يتركنا ﷺ هملاً بغير إرشاد لمنهج، بل جعل ﷺ منهجاً معروفة كلياته وجزئياته؛ لئلا يتعدى. بعض الناس يقول: تركنا الرسول ﷺ في سعة من الأمر وفي سعة من المناهج، وتجمعنا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وهذا ليس بصحيح، فإن (لا إله إلا الله محمد رسول الله) قد تجمع الخارجي والقدري والجبري، وقد تجمع بعض الرافضة؛ لكن لا بد أن يعرف المنهج الرباني الذي أتى به النبي ﷺ ، وفهمه الصحابة بكلياته وجزئياته. الآن -أيها الإخوة- تعلمون أن الخوارج يقولون: نحن نعمل بالكتاب والسنة، أليس بصحيح؟ القدرية يقولون: نحن نعمل بالكتاب والسنة، وكذلك المرجئة والجبرية وأهل السنة، لكن الصحيح أن أهل السنة يقولون كما قال الأوزاعي: نعمل بالكتاب والسنة على فهم أبي بكر وعمر، هذا هو الضابط، لا بد أن نفهم الكتاب والسنة على فهم أبي بكر وعمر، أما فهم السنة على الفهم الخاص فهذا عوج وابتداع. إذا علم ذلك؛ فإن في الناس ومن الدعاة من يجتهد في الخير -بل كلهم يريد الخير- لكن بعضهم يريد الخير ولا يوفق إلى حكمة بالغة وقدرة نافذة، فالأولى أن يناصح هؤلاء بالتي هي أحسن، ولا يثار عليهم بالنصيحة ولا يشهر بهم؛ لأن مقصودهم الخير ظاهره مستتر ومقصودهم حسن، ولكن ظهرت منهم أخطاء فينبهون على أخطائهم ستراً وسراً، ويعرض المنهج الصائب. وهناك اقتراح بدل التشهير بالآخرين، اعرض منهجك الصائب أنت في المحاضرات والندوات والدروس، دون أن تتعرض لأحد، اعرض ما عندك من بضاعة، اعرض الخير؛ لأن الناس إذا رأوا الخير عرفوا المضاد له، وإذا رأوا الصحيح عرفوا الخطأ، عرف منهجك، واشرحه بجزئياته -دائماً- وكرره للناس، وعند ذلك سوف يدرك صاحب الخطأ خطأه.

стр. 9335

إحساس غريب عند الوحدة والانفراد السؤال فضيلة الشيخ: أحس بإحساس غريب عندما أكون مع إخوتي في الله أني ضعيف العطاء قليل الحركة في الدعوة إلى الله ، وعندما أكون منفرداً أحس أني كثير العطاء والحركة ولا أدري ما هو السبب. أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب هذا السائل على خلاف المعهود من أسئلة الشباب، أسئلة الشباب في الغالب أنهم إذا جلس بعضهم مع بعض نشطوا، وإذا انفرد الواحد عن إخوانه تكاسل، وأما هذا فبعكس هذه. يقال في هذا الباب: إن الإنسان أعلم بنفسه وهو طبيب قلبه، وبعض الناس -الآن- يجعل من العزلة قضية، كـ الغزالي أبي حامد فهو يدعو الناس جميعاً إلى العزلة؛ لأنه اطمأن للعزلة، فيظن أن الناس لا يصلحون إلا بها وتراه يمدحها، وعقد مناظرة في الإحياء بين العزلة والخلطة ثم اختار العزلة ودعا الناس إليها. وتجد بعض الناس مرتاحاً للخلطة وهو لا يتكلم إلا بها، هناك قضايا تشغل الناس في الحياة حتى تكون قضيته الكبرى فيرى أن هذه القضية هي لب القضايا وأم القضايا، ومن زاول شيئاً أُعطي حكمته. وأهل الهيئات يرون من قضاياهم الكبرى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يريدون أن يتحدث الناس إلا فيها. أهل الجهاد يريدون أن تكون خطب الجمعة، والمحاضرات، والندوات، والدروس، ودروس الكلية والمعاهد والثانوية في الجهاد. وخذ على ذلك! حتى صاحب عقود الأنكحة محاضرته دائماً في عقود الأنكحة، وكلامه وبكاؤه وخشيته وضحكه في عقود الأنكحة، فبعض الناس له توجه خاص، ولا أحسن ممن توازن في حياته وأعطى كل شيء حقه. فأنت -يا أخي- إذا وجدت نشاطاً في نفسك فافعل ذلك، ولا يلزمك أنك ترى المخالطة أحياناً ضياعاً، وليس هناك فتوى عامة في الخلطة والعزلة لكن تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، بعض الصحابة أفتاه النبي ﷺ بالعزلة مثل أبي ذر، يقول: ﴿إنك ضعيف، وإذا بلغ البناء لسلع فاخرج من المدينة﴾ فخرج، فهؤلاء لا يصلح أن يقودوا الأمة، لا يصلح أن يكونوا في مجتمع، وترك ﷺ عثمان، ومن قبله أبا بكر وعمر يخالطون الأمة، بل يقودون الأمة. فأنت أعرف بنفسك، وما ارتحت إليه نفسك من طاعة الله في نفسك فافعله و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠].

стр. 9336

الموقف من سوء تصرفات بعض الإخوة السؤال إنني أحب بعض الإخوة في الله؛ ولكن أجد منهم -أحياناً- تصرفات تجعلني أبتعد عنهم، ثم لا ألبث حتى أعود لهم ويحدث منهم، مثل: الاستهزاء ببعض المتدينين، أو التساهل في الصلاة. فما موقفي منهم؟ ومتى يجوز أن أهجرهم؟ الجواب لا بد أن تفهم مسألة مهمة جداً، وهي: ألا تتصور في أخيك الكمال ولا تتطلب مبرأً من العيب، فإنك إن طلبت عجزت عن أن تناله وعجز أن يصاحبك. تريد مبرأً لا عيب فيه وهل عود يفوح بلا دخان ويقول النابغة وهو يخاطب النعمان بن المنذر: ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمُّه على شعث أي الرجال المهذب وقبل ذلك وهو خير من ذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور:٢١]. إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه الأب الأم الأخ الابن الصاحب؛ لابد أن تصدر منهم أشياء، فاجعلها لحسناتك، واجعل هذه النقاط السوداء كالثوب الأبيض كأنها لا شيء، وإذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث، فارضَ بهذا، وحاول أن تسامح ولا تستقصي كل شيء: إذا صاحبت قوماً أهل ودٍّ فكن لهم كذي الرحم الشفيق ولا تأخذ بزلة كل قوم فتبقى في الزمان بلا رفيق ترى بعض الناس عنده حاسة ناقدة، لذَّاع في النقد، كلما صاحب أخاً ورأى منه شيئاً هجره وعزله، فيصاحب في كل يوم ألفاً، ويهجر في كل يوم ألفاً، يقول امرؤ القيس بعد أن قال: أرى أم عمرو دمعها قد تحدرا بكاءً على عمرو وما كان أجدرا إذا قلت هذا صاحب قد رضيته وقرت به العينان بدلت آخرا وهذا مذهب بعض الناس، دائماً يبدل ويعدد، فإذا رأيت أناساً الخير فيهم غالب فاصحبهم، وحفظت كلمة لـ ابن المبارك في الجرح والتعديل من أحسن ما يقال، وقيل: إنها لـ سعيد بن المسيب والله أعلم، قال: ما من شريف ولا فاضل ولا عالم ولا خيِّرٍ إلا وفيه شيء، فمن كان خيره أكثر من شره فهو العدل عندنا، أو كما قالوا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦]. وقال أحد الدعاة في كتاب له: باب: ميزان الناس عندنا بآية الأحقاف، وأتى بهذه الآية.

стр. 9337

حكم قول: أكرهك في الله السؤال إذا صدرت من بعض إخوتي بعض التصرفات. فهل يجوز لي أن أقول له: أكرهك في الله؟ الجواب نسيت حديثاً وهو في صلب المحاضرة وهو الذي رواه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ يقول القرطبي كما في فتح الباري: وبمفهوم المخالفة وأن تكره له ما تكرهه لنفسك. هذا هو الصحيح. أما أن تكون إذا رأيت منه معصية كارهاً له في الله فهذا صحيح؛ لكنك تكرهه كراهة نسبية لهذه المعصية، وقد سبق أن ذكرت كلام شيخ الإسلام أنه قد يجتمع في الشخص الواحد الحب والبغض، والمحبة والكراهة. نعم! تكرهه لهذه المعصية التي بدرت منه، ولكن بقي له حب فيك؛ لأنه لا زال مسلماً وله حسنات، فلا بأس أن تقول هذه الكلمة إن شاء الله.

стр. 9338

التوبة بعد الظلم علم الرسول ﷺ أصحابه النظام والأدب والتآخي والاجتماع وكان دليلهم إلى صراط الله المستقيم. ولقد أطاع المؤمنون رسولهم ﷺ ، ورضوا بأحكامه، لأن هذا الرضا شرط في إيمان المؤمنين. على أن هذا لا يعني سلامة الصف الإسلامي تماماً من الشواذ ومن في صدورهم حرج؛ فقد شهدت تلك الأيام الذهبية أناساً خرجوا عن طاعة الله ورسوله يعيشون -على انحرافهم- مع تلك الصفوة من البشر الذين ﵁ وأرضاه الله لهم الهداية ورضي عنهم.

стр. 9339

بعض مظاهر النظام والالتزام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشكركم على هذا الاجتماع الطيب العطر بوجودكم، وأشكر صاحب الفضيلة الدكتور مسفر بن دماس على الدعوة المسبقة وعلى إتاحة هذه الفرصة، وأعتذر إن لم يكن هناك شيء من الترتيب قبل أن ألتقي بكم، فما كنت أدري بظروف الامتحان أو بترتيب المحاضرات؛ ولكن يشفع لي عندكم الحب الذي أتى بي إليكم. وأول من أتى بهذا الحب هو معلم البشر ﵊، وهي معجزته الكبرى، فإنه عاش بين الناس رجلاً، وبين الرجال بطلاً، وبين الأبطال مثلاً. أتى ﵊ بالحب، أول ما هبطت دعوتُه إلى الأرض هبطت بالحب، والله يعلمه ما هو إنتاجه الحضاري في الناس، فأخبره وقال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. فطبيعة البشرية التي بُعث فيها ﵊ والجزيرة العربية ما كانت مجتمعة ولا متآخية ولا متجانسة ولا متآلفة، أمة مبعثرة؛ ينحر الأخ أخاه، ويذبح الابن أباه، ما اجتمعت على ثقافة ولا على حضارة ولا على فن ولا على دم ولا على وطن، فأتى ﵊ يحمل لافتة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٤] فصلَّوا وراءه جميعاً وصاموا معه جميعاً وحجوا معه جميعاً، كبَّر في الصلاة فكبروا بعده، وسجد فسجدوا وراءه، ورفع فرفعوا بعده، وكان يقول: ﴿استوُوا -يعلمهم الترتيب والنظام- فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من وراء ظهري﴾. ثم أخذ هذا الترتيب أصحابُه من بعده ففتحوا الدنيا وهم صفوف في الصلاة، حَضَرَت المعركة في القادسية، فأذَّن المؤذن والمعركة على أوارها وعلى أشُدِّها؛ الرماح تندر في الرءوس، والسيوف تهتك الأكتاف، فقال سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه: استوُوا فلما كبر كبروا بعده، ولما ركع ركعوا بعده، ولما رفع رفعوا بعده، قال رستم قائد فارس: علَّم محمد الكلاب الأدب، بل علم ﷺ الرجال الأدب.

стр. 9340

المسارعة بالاستغفار وطاعة الرسول بعد ظلم النفس وظلال هذه الكلمة يدور حول آيتين من كتاب الله ، يقول المولى تقدَّست أسماؤه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٤ - ٦٥] والمعنى مجملاً: لو أن هؤلاء البشر وهؤلاء الأتباع إذ ظلموا أنفسهم وتدنسوا بالخطأ وانحرفوا عن المنهج الرباني عادوا إلينا -أي: إلى الله- فاستغفروا لغفر الله لهم. من الذي يغلق باب الملك المفتوح؟! ومن الذي يقطع الحبل الممنوح؟! ومن الذي يقف أمام الرزق الذي يغدو ويروح؟! لا أحد من البشر. والكيانات الأرضية لا تستطيع أن تقول للمخطئين: إننا نراقب حركاتكم وسكناتكم فلتنتبهوا، والأنظمة الوضعية لا تراقب الأفكار ولا المعتقدات، ولا الأسرار ولا الضمائر، ولذلك يقول المولى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء:٦٤] فالعاصي إنما ظلم نفسه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:٥٧]. فالله لا تضره معصية العاصي، والله لا يتضرر بانحراف المنحرف، ولو أن أهل الأرض جنهم وإنسهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملك الله شيئاً، ثم هو سبحانه لا ينتفع بطاعة الطائعين، ولو امتلأت مساجد الدنيا بالمصلين والمسبحين والخاشعين والعابدين ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً؛ لكن العبد يظلم نفسه، والعبد ينسى الله وينحرف عن المنهج الرباني، فتجده في غروره وهواه وشيطانه ودنياه، فينحرف فترة من الفترات ثم يتذكر، قال تعالى: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] فكأن الذي وقع في الخطأ أعمى، قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] وهنا مسألة التحدي، وهي عنصر من عناصر الألوهية التي لا يقبلها إلا الله، وهي: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] من هو الذي يستطيع أن يغفر لك ذنبك إلا الواحد الأحد. وقفنا على الباب يا ذا الملك وصرنا ببابك والحمد لك وهذه شجون العبد، أن يقف بباب الله ، فيتلفت الإنسان هل يغفر الله الذنوب وهي كثيرة؟! فيقول ﵊: ﴿لَلَّهُ أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام تحت شجرة، فضلت منه، فالتمسها فلم يجدها فعاد فنام وأيس منها، فلما استيقظ وجدها عند رأسه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح﴾ فالله أشد فرحاً من هذا، فرحاً يليق بجلاله، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء:٦٤] هم دعَوك أنت، وهذا في حياته ﵊، والصحيح عند أهل العلم أنه لا يجوز الإتيان إلى قبره ﵊ في طلب المغفرة، إلا بعض أهل التصوف فإنهم فهموا الآية خطأ، فيأتي أحدهم بعد أن يخطئ أو يشرب الخمر أو يسرق أو يزني فيقف عند الروضة، ويأخذ قضبان الحديد عند قبره ﷺ ويقول: يا رسول الله يا من ذكره في نهار الحشر رمزاً ومقاما فأقل لي عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاما ولا يقيل العثرة إلا الله؛ لكن في حياته ﵊ إذا جاء العبد واعترف عنده واستغفر له الرسول ﵊ فإن الله يغفر له باستغفار الرسول ﷺ له. اسمع لبعض القصص الحية: مر عبد الله بن سرجس على ناقته فقال: ﴿يا رسول الله! السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: غفر الله لك يا رسول الله﴾ والرسول ﷺ مغفور له، وعبد الله بن سرجس يعلم أن الله قد غفر لرسوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ لكن هو يريد أن يدعو له الرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ كريم يرد على الكرم بالمثل وأزْيَد: ﴿قال: ولك غفر الله، قال الصحابة: هنيئاً لك يا بن سرجس! استغفر لك الرسول ﵊، قال: والله لقد استغفر لكم، وقد أمره الله بذلك في قوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]﴾. وفي صحيح مسلم: أن رجلاً صلى مع الرسول ﵊، فأتى يطرح نفسه عند الرسول ﷺ ، انظروا إلى هذا الأمة! يذنب مذنبها ويأتي ليعترف عند المعصوم ﵊ ويريد أن يطهره بالحد، حتى إن ابن الوزير عالِم اليمن يقول: والله الذي لا إله إلا هو إن عصاة الصحابة أفضل من طائعينا. مَن مِن طائعي العصر الذي إذا أخطأ خطأًً يذهب إلى القاضي أو الإمام أو الشيخ ويقول: طهرني بالحد؟! من هو الذي لو شهد شهادة زور أو شرب خمراً أو سرق أو زنى أو خان أو غش ذهب يطلب التطهير؟! لا أحد؛ لكن أتى هذا الصحابي فقال: ﴿يا رسول الله! أصبتُ حداً فأقمه عليَّ، قال: أصليتَ معنا؟ قال: نعم، قال: اذهب، فقد غفر الله لك﴾ يقول الشراح: من الممكن أن يكون هذا ليس بحد، وظن الصحابي أن فيه حداً، وربما كان قبل أن تنزل الحدود، فقال: ﴿اذهب، فقد غفر الله لك﴾. قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤] وهذا في خطأ العبد.

стр. 9341

اقتران الإيمان بالرضا بأحكام الرسول ﷺ ثم أتى بمسألة كبرى تغيب عن أذهان الناس، خاصة أن الجيل الذي يُنتظر منه -من أمثالكم- توجيه الأمة، وترشيد الجيل، وبناء هذه الصحوة على المنهج الرباني الذي أتى به محمد ﵊، يُنتظر منه أن يكون هذا المنهج حياً في ذهنه. يقول : ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ [النساء:٦٥]: يقسم برب محمد ﵊، ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥]: ولا يمكن أن يكمل إيمان العبد منهم: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]. والذي نفسي بيده! لا يمكن أن يكون الإنسان مخلصاً لله حتى يرضى بالرسول ﵊ في عقيدته وعبادته، وأخلاقه وسلوكه، وليله ونهاره، وأن يرضى به شيخاً ومعلماً ومربياً وموجهاً ﵊، وأن يسلم له قياد حياته، وأن يجعله نصب عينيه، وأن يرضى بما رضي به الرسول ﵊، وأن يغضب لما غضب منه الرسول ﵊، وفوق ذلك كله يعلن ﵊ لأجياله ولشبابه ولأتباعه، فيقول: ﴿والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين﴾ فهل يسأل أحدٌ منا نفسه بالله: هل الرسول ﷺ أحب من أبيه وأمه إليه؟! إن كان ذلك فليحمد الله، وإن لم يكن ذلك فليَبْكِ على نفسه، إلى درجة أن تحب الرسول ﷺ وتقدمه على نفسك. أما قصة الآية وسببها كما رواه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن الزبير أن رجلاً من الأنصار كانت له مزرعة، وكانت مزرعة الأنصاري تحت مزرعة الزبير، والزبير ابن صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول ﷺ ، والزبير مهاجري، وصاحب المزرعة التي تحت مزرعة الزبير أنصاري، فدعوا الرسول ﷺ ليصلح بينهما بحجة أن الزبير كان يغلق الماء ولا يتركه يمر إلى مزرعة الأنصاري، فحضر المعصوم ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى ولا تأخذه في الله لومة لائم، الذي يعلن للبشرية وللدنيا كل الدنيا على المنبر وهو يهز أعواده التي تتباكى تحت يديه، يسمعها مَن يسمعها، ويقبلها مَن يقبلها، ويعلمها مَن يعلمها، ويجهلها مَن يجهلها، ويقول ﷺ : ﴿وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها﴾ قال الزهري: وحاشاها أن تسرق. من يستطيع أن يتحدى أنظمة الأرض والدنيا والوساطات والشفاعات وأسر الأرض في امرأة مخزومية سرقت ويريدون أن يشفعوا فيها، فيقول: ﴿وايم الله -وتالله وبالله- لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها﴾ هذه العدالة كل العدالة. الرسول ﷺ الذي يقف على المنبر في مرض الموت، فيكشف ﷺ عن جيبه، فتبدو منه ﷺ أضلاعُه، أنهكته الأمراض بأبي هو وأمي وبنفسي، ويبدو العرق يتحدَّر كالجُمان والدر من تحت أضلاعه التي أنهكتها الحمى، حتى إنه يقول: ﴿إني لأوعَك كما يوعك الرجلان منكم﴾ يقول: تصيبني الحمى وأمرض مثلما يمرض رجلان منكم، فيقول: ﴿يا أيها الناس! مَن ضربتُه -سبحان الله! كم ضرب ﵊! - أو من شتمتُه، أو من أخذتُ من ماله شيئاً فليقتص مني الآن قبل ألا يكون درهم ولا دينار﴾ فبماذا يرد الناس؟ وماذا يستطيع أن يقول المهاجرون والأنصار له وهو على المنبر؟ أتدرون بماذا ردوا له؟ ردوا بالبكاء، يقول أنس: ﴿فكان المسجد له خنين﴾. فإذا رحمت فأنت أمٌّ أو أبٌّ هذان في الدنيا هما الرحماءُ وإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت ما لا تفعل الأنواءُ وإذا غضبت فإنما هي غضبة في الحق لا كِبْر ولا ضغناءُ وإذا سعيت إلى العدا فغضنفر وإذا جريت فإنك النكباء فيذهب إلى الأنصاري ليصلح بينه وبين ابن عمته ﷺ ؛ لكن الرسول ﷺ لا يعرف ابن عم، ولا يعرف ابن خال؛ لأنه ميزان من الله، أنزله بالقسط، وأنطقه بالحق، فلا يضل ولا يغوى، ولا يلابسه الشيطان، حتى إنه يقول: ﴿ما منكم من أحد إلا ومعه قرين، قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟! قال: حتى أنا، لكن أعانني الله عليه فأسلم﴾ أعلن إسلامه، فلا يأمره شيطانه إلا بخير، لا ينام قلبه إذا نامت قلوب الناس، يقول: ﴿تنام عينيَّ ولا ينام قلبي﴾ لا يحتلم، ولا يلعب عليه الشيطان، ولا يتثاءب، فطيلة عمرِه ثلاثٌ وستون سنة ما تثاءب. فيحضر المزرعة ﵊ ومعه كبار الصحابة، فأراد ﷺ صلحاً بلا حكم؛ لأن الصلح خير، والصلح أحسن، وأراد أن يبر بالأنصاري وأن يكرمه، فقال: ﴿يا زبير! اترك الماء حتى يصل إلى الكعب، ثم اتركه يمر إلى مزرعة الأنصاري -وهذا في مصلحة الأنصاري، وهو خيرٌ منه ﵊ وتفضُّل- قال الزبير بن العوام: سمعاً لك وطاعة يا رسول الله! فغضب الأنصاري وقال: أئن كان ابن عمتك؟ -أي: حكمت له؟ وهذه كلمة تكاد تهتز لها الجبال- فقام عمر وقال: دعني أضرب عنقه، قال ﷺ : دعه، ثم أتى بالحكم الشرعي ﵊ فقال: يا زبير! اترك الماء حتى يعود إلى الجدر، ثم سيِّبْه -ما دام أنه رفض الصلح فهذا هو الحكم- فلما مضى ﷺ إلى المدينة وهو في الطريق نزل عليه جبريل بالآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]﴾. والحرج هذا يعيشه بعض الناس في المعتقد، فتجده لا يسلِّم بالرسالة للرسول ﵊، وبعضُهم يقول حتى من أبناء المسلمين ممن يسكن أرضنا ويشرب ماءنا ويستنشق هواءنا: الرسول ﷺ صحيح، والدين في المسجد، وفي أمور الصلاة والعبادة وصلاة الاستغفار والكسوف، أما أن تُطور الدين ليكون للاقتصاد والإعلام والحياة فهذا ليس بصحيح، فهؤلاء ما قبلوا بالرسول ﵊ حكماً ولا إماماً، ولا رضوا بمنهجه، ولا اتبعوه كما أراد ﵊، وفي قلوبهم حرج. ومنهم من لا يرضون بالرسول ﷺ في العبادة، فتجده يعبد الله لكن على غير السنة، له صلوات وأذكار وأمور على غير سنة الرسول ﵊: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]. ومنهم مَن يخالف الرسول ﷺ ، حتى إنك تجد من يصلي الخمس ويصوم ويحج ويعتمر، فيخالف الرسول ﷺ في سلوكه الظاهر والباطن، كأن في قلبه حرجاً من اتباع الرسول ﷺ ، بل بعضهم إذا قام ببعض السنن خجل من الناس، والله يقسم من على العرش، وهو الذي استوى ولا يقول إلا الحق، وهو: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠] لا يؤمن أحد حتى يتبع الرسول ﷺ ويسلم مقاليده له، ثم لا يكون في صدره حرج أبداً، ولا يخجل، ويكون على السنة وعلى الاستقامة وعلى السلوك الحسن.

стр. 9342

طاعة الصحابة للرسول ﷺ وأمثلة على ذلك وانظر إلى طاعة الصحابة للرسول ﵊، ثم أسألُ نفسي واسألْ نفسَك: بالله هل أطعناه ﵊؟ ماذا قدمنا لطاعته؟ هذه الصلوات التي يصليها ما يقارب ملياراً، وهذه الزكاة والصيام والحج وهو أمر فضيل، ولكن تعالوا إلى طاعة الصحابة لمحمد ﵊.

стр. 9343

ابن رواحة بعد صلاة الجمعة ألقى ﷺ كلمة وقال: ﴿يا أيها الناس! اجلسوا﴾ فأتى ابن رواحة وهو على الرصيف خارج المسجد في شمس المدينة فجلس مكانه، قال الصحابة: ما لك يا بن رواحة؟ قال يقول ﵊: اجلسوا، فجلستُ مكاني، لا يجوز لي أن أتعدى مكاني، ما دام أنه أمر ﷺ .

стр. 9344

عبد الله بن عبد الله بن أبي أتاه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول قال: ﴿يا رسول الله! سمعتُ أنك تريد قتل أبي، فإن كنت تريد قتل أبي لا ترسل أحداً من الناس، فإني لا أستطيع أن أعيش وقاتل أبي يمر على الأرض؛ لكن أرسلني لآتيك برأسه، والله يا رسول الله! إن أمرتني أن أقتله وأقتل أبنائي لقتلتهم﴾ ووالله لو أمره ﵊ أن يذبح أطفاله لذبحهم أمامه. يقول سيد قطب: حتى أنهم بلغوا أن قتلوا نفوسهم أمام الرسول ﷺ ليرضى الله ثم يرضى رسوله ﵊، فيقول ﷺ : ﴿بل نترحم ونصبر على أبيك﴾. ويأتي أبوه يريد دخول المدينة، فيأتيه فيعترضه بالسيف أمام أنفه؛ لأن أباه يقول في غزوة: ﴿يقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] قال: ﴿والله لا تدخل المدينة حتى يأذن لك الرسول ﷺ فإنك الأذل وهو الأعز. فأذن له الرسول ﷺ فدخل﴾.

стр. 9345

أبو عبيدة يذبح أباه أبو عبيدة فيما يُروى في السير مرَّ به أبوه، فأشاح عنه -وأبوه كافر وأبو عبيدة مسلم- فاعترضه أبوه، فذبحه أبو عبيدة، لماذا؟ لأنها نفوس أسلمت لله، ليس للشيطان فيها حظ، وقدموا أرواحهم دون الرسول ﵊.

стр. 9346

طلحة بن عبيد الله يتلقى الطعنات عن الرسول ﵊ وقرأت في سيرة طلحة بن عبيد الله، يقول: [[والله الذي لا إله إلا هو ما في جسمي موضع شبر إلا ضُرب يوم أحد، قال أبو بكر: أما يوم أحد فقد ذهب به طلحة]] كان يأتي السهم الطائش يريد أن يقع في جسم الرسول ﷺ فيقبل عليه طلحة فيقع في صدره، ويُضرب الرسول ﷺ بالرمح فيضع طلحة يده فيقع الرمح في يده، ويأتي السيف ليأخذ من جسم الرسول ﷺ فيقفز عليه كالأسد فيتلقى ضربة السيف، حتى أصبح مجدَّعاً وشُلَّ في يوم أحد، أصبح مشلولاً، ولا تتحرك منه إلا يده اليسرى ورجله اليسرى وطرفه الأيسر، فهل قدمنا مثل هذا؟ أو معشار عُشر هذا؟ ويأتي أحدهم أمام الرسول ﷺ ويقول: [[اللهم خذ مني هذا اليوم حتى ترضى]].

стр. 9347

عبد الله بن أنيس وقتله خالد بن سفيان وخالد بن سفيان الهذلي في عرفة جمع قبائل هذيل وهم قرابة ألف مقاتل، ودربهم على السلاح والاغتيال وقال: أقتلُ محمداً فأريح العرب قاطبة، ولكن الله يقتله، فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٧] يقول: أما أنت فلن تُغتال ولن تُقتل؛ لكن بلغ الرسالة، ولا تخف فإنا سوف نحرسك بحرسٍ من عندنا لا بحرسك، فلا تقتلك العرب حتى تبلغ الرسالة. فمهمتك أن تبلغ (لا إله إلا الله) وتغرسها في قلوب الجيل، وتبني صروحها في نفوس الناس، ولكنك لن تُقتل بإذن الله. فأتى خالد هذا يريد قتل الرسول ﷺ ومعه ألف مقاتل، قال ﷺ لأصحابه في المسجد: ﴿من يقتل خالد بن سفيان الهذلي وله الجنة؟﴾ فسكت الناس، فالأمر ليس بالسهل، أن يرسلك ﷺ وحدك ثم تذهب إلى رجل في عرفة، من المدينة إلى مكة، ثم تأتي إليه وهو في ألف مقاتل يريدون اغتيال الرسول ﷺ ، فلن تستطيع، قال: من يذهب وأنا أضمن له الجنة؟ قال عبد الله بن أنيس وهو شاب: أنا يا رسول الله. فذهب عبد الله بن أنيس وكان ينام النهار ويمشي الليل، حتى اقترب من عرفة، فلما نام ذاك قام عليه فقطع رأسه، ثم أخذ معه الرأس علامة، وهو أكبر علامة، لأنه إذا أتى بالرأس فمعناه أنه قُتل، أي عليها شاهد: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨] فجعل رأس خالد بن سفيان الذي يريد اغتيال الرسول ﷺ بألف مقاتل معه في المخلاة وذهب، ووصل إلى المدينة، فانتهى عليه الماء في وادي ودان، ووادي ودان عند الصعب بن جثامة، وكاد أن يتلف، وكان كلما أيس من الحياة واقترب من الموت جلس تحت شجرة يبرد ويدعو الله أن يقيم من أوَدِه، حتى وصل إلى المدينة، فلما رآه ﷺ رأى شحوب وجهه، ولكن رأى البشرى عليه، فقال: ﴿أفلح وجهُك، قال: ووجهُك يا رسول الله! فألقى الرأس بين يديه، قال ﷺ : ضمنتُ لك الجنة، قال: يا رسول الله! أعطني علامة، قال: هذه العصا تتوكأ بها في الجنة إن شاء الله﴾ والمتوكئون بالعصي في الجنة قليل، فأخذها معه، فكانت العصا تنام معه، ويقوم بها، ويذهب بها، ويسافر بها، فلما أتته الوفاة دفنت معه. وهي علامة يلقى بها رسول الهدى ﵊. أي صدق وأي اتباع يبلغ هذا المبلغ؟!

стр. 9348

ابن عتيك وابن بشر يقتلان يهودياً ذهب منهم ابن عتيك وعباد بن بشر إلى رجل من اليهود كانت له جارية تغني بسب الرسول ﷺ ، يشرب هذا اليهودي الخمر ويأمر الجارية أن تضرب الدف وتسب الرسول ﷺ بقصائد ينْظُمُها اليهود، فقال ﷺ : ﴿مَن يقتله منكم؟ قالوا: نحن يا رسول الله، وماذا تعطينا؟﴾ والرسول ﷺ ليس عنده دنيا، كما يقول أبو الحسن الندوي: لم يكن يعرض على أصحابه قصوراً ولا ذهباً ولا فضة، وهو ما شبع أصلاً من خبز الشعير، وكان ينام ﷺ على الحصير فيؤثر في جنبه، من أين له جوائز ورُتب ونجوم وأوسمة يعطيها هذا الجيل؟ ولو فعل ﷺ لانحرفت قلوبهم إلى الدنيا وتركت الآخرة، قال: ﴿أنا أضمن لكم الجنة، فذهبوا، فصرخ ابن عتيك وصرخ عباد بن بشر لهذا فخرج من على رأس الدرج، فلما خرج لطموه بالسيوف فقتلوه، فنزل ابن عتيك -وقيل: محمد بن مسلمة - فعثر فانكسرت رجله، فأتى يسحبها إلى رسول الله ﷺ قال: ابسطها أمامي، فبسطها فنفث ﷺ وقال: باسم الله، فعادت وما كأن بها كسراً، قال: ما خبركم؟ قال عباد بن بشر: يا رسول الله! ائذن لي أن أتحدث بخبرنا -وكان شاعراً وهو من سادات الأنصار ومن أشجعهم، قتل يوم اليمامة، وهو من الشهداء الكبار عند الله، وكان يصلي فيبكي في المسجد ويبكي ببكائه نساء الرسول ﷺ داخل البيت- قال: اعطنا خبرك، فقال عباد بن بشر يلقي قصة اغتيال اليهودي: صرختُ له فلم يعلم بصوتي وأقبل طالعاً من رأس جدرِ فعدتُ له فقال مَن المنادي فقلت: أخوك عباد بن بشر فأقبل نحونا يهوي سريعاً فقطَّعه أبو عبد بن جبر يهوي، أي: اليهودي، وأبو عبد بن جبر: من الأنصار، قتل من قريش في حومة وراء شجرة ثمانية. وأرداه ابن مسلمة بسيف شديد الصوت في الكفار يسري وكان الله خامسنا فعدنا بأعظم مِنَّة وعظيم نصرِ قال ﷺ : وجبت لكم الجنة﴾.

стр. 9349

نماذج من أهل الجنة كانت مفاتيح الجنة بيده ﵊ منحه الله إياها؛ لأن الله عرض عليه مفاتيح الذهب والفضة في الدنيا فأبى، فأعطاه الله مفاتيح الجنة. يصلي الفجر ﵊ بالصحابة فيقول: ﴿أين بلال؟ فيأتي بلال -يقولون كان كأنه الصقر، خفيف اللحم، ليس على جسمه من اللحم شيء، وكان أندى الناس صوتاً، فيقف بكسائه، لا يملك من الدنيا غيره- قال: يا بلال! سمعتُ دفّ نعليك في الجنة البارحة -دخل ﷺ البارحة إلى الجنة، رآها ورأى قصورها وبساتينها وثمارها- فما كنتَ تصنع؟ قال: يا رسول الله! لستُ بكثير صيام ولا صلاة ولا صدقة لكن ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت ركعتين﴾ وهذا عمل فريد بإمكان الواحد منا أن يعمله، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: فيه أنه بعد الوضوء حتى في وقت النهي صلاة ركعتين، حتى بعد العصر وبعد الفجر لك أن تتوضأ وتصلي ركعتين، كلما توضأت صلِّ ركعتين تكون مع بلال من طريق بلال؛ لأنه ليس هناك انفراد للصحابة في الأعمال؛ لكن الانفراد في المنزلة، وإذا فعلت فعل الصحابي كسبت ككسبه، بل تضاعف العمل حتى بأجر خمسين من أصحاب الرسول ﵊. قال ﷺ : ﴿ورأيت الرميصاء البارحة في الجنة﴾ وهي أم أنس، بم دخلت الجنة؟ ﴿أتت بـ أنس بعد أن غسَّلَتْه وطيَّبَتْه ورسول الله ﷺ أقبل من المدينة فقالت: يا رسول الله! الدنيا ذاهبة وما عندي أحب من أنس، فهذا أنس يخدمك، فادعُ الله له، فدعا له ﷺ ﴾ فأهدت له ابنها ﵂ وأرضاها.

стр. 9350

أنموذج ممن في صدورهم حرج وهناك قصص كثيرة كثيرة تشهد أن الصحابة أطاعوا الرسول ﵊، فلم يكن في صدورهم حرج. لكن تعال إلى نماذج ممن في صدره حرج، فهناك الكثير من الناس، ونحن لو حققنا أنفسنا لعدنا إلا أنَّا تركنا كثيراً من السنن، لأننا نتحرج من بعض إقامتها، وبعض الناس ما ترك السنة إلا للتحرج، حتى إنك تجد مَن يصانع الناس في المجالس بأموره وتقواه وعبادته من أجل ألا يحرج الناس، حتى يترك السنة من أجل ألا يحرج الناس، فيُحرج نفسَه، فيكون في نفسه حرج مما أُنزل على الرسول ﵊. الجد بن قيس أحد المنافقين، ذهب ﷺ إلى تبوك يغزو، فأتى إلى الرسول ﷺ وهو في قلبه حرج من الهداية، وقد أعطاه الله من الدنيا، قال: ﴿ائذن لي، فأنا لا أستطيع أن أذهب إلى تبوك، قال ﷺ : ولِمَه؟ قال: أنا رجل إذا رأيت بنات الروم وقعن في قلبي وافتتنت﴾ وهذا كذب، أيترك الجهاد خوفاً من الفتنة؟! أيعصي الرسول ﷺ خوفاً من الفتنة؟ وهذا يسميه ابن تيمية: الورع البارد، فبعض الناس يعتذر لمعصيته بأمور، فيعتذر لمعصيته بقوله: لولا كذا لفعلتُ كذا، وبعضهم يترك بعض السنن ويقول: تأليفاً للناس، وبعضهم يأتي بعض المعاصي ويقول: تأليفاً للقلوب، وهذا مثلما قال الجد بن قيس فعذره ﵊ وتركه، فقال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة:٤٩] يقول ابن عمر: [[والله ما زالت سورة التوبة، تقول: ومنهم، ومنهم، حتى خشينا على أنفسنا]] قال ابن عباس: [[أما هذه السورة فهي الفاضحة]] كلما قال أحدهم كلمة أنزل الله: ومنهم من يقول، ومنهم من قال، ومنهم من فعل قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩] قال : ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة:٤٩] أكبر فتنة أنهم تركوا الجهاد معك، ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٤٩ - ٥٠] يقول: هم أذكياء، لو أصابتك دائرة أو هزيمة قالوا: انتبهنا لأنفسنا وبقينا في المدينة. يقول ابن القيم: ما هُدد الناس بمثل هذه الآية: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]. فلما عاد ﷺ أتى ثمانون كلهم كَذَبَة يستأذنون من الرسول ﷺ ، قال: يا رسول الله! والله لقد مرضت زوجتي ولولا مرضها لخرجتُ معك، قال: أذنتُ لك. قال الثاني: أما أنا فقد خفتُ من بنات بني الأصفر، قال: أذنتُ لك. قال الثالث: أصابني عرج، قال: أذنتُ لك -كلهم أهل حيل- فلما أذن للثمانين نزل جبريل على الرسول ﷺ في المسجد بقول الله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣] يقولون: أراد ألا يخوفه ربه، والأول يقول: أخطأت في التصرف معهم لكن عفا الله عنك، فالمنهج مع هؤلاء ليس كما فعلتَ لكن عفا الله عنك، وهم ما صدقوا معك لكن عفا الله عنك، وهم أصلاً كذبة ومنافقون لكن عفا الله عنك، يقول: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]. وكان قد ذهب ﷺ إلى الحديبية ومعه الجد بن قيس، قال ﷺ : تعالوا بايعوني، فعلى ماذا بايعوه تحت الشجرة، يقول بعض الكتبة في السِّيَر: هل بايعوه على حكومة مستقلة يتولون إدارتها؟ هل بايعوه على قصور يقتسمونها وعلى حدائق يتوزعونها؟ لا. بل بايعوه على الموت؛ لأنه أرسل عثمان بن عفان حيث أفطر بـ مكة عند بني أمية قرابته، فأتى نائح يصيح من آخر الجبال - جبال بني قبيس - يقول: قُتل عثمان بن عفان، فغضب ﷺ وجلس تحت الشجرة وقال: بايعوني على الموت، أي: ندخل مكة فلا يعود أحد مادام أن عثمان قُتل، قال سلمة بن الأكوع: والله الذي لا إله إلا هو لقد أخذتُ بالأغصان عن وجه الرسول ﷺ ورفعتُها وهو يبايع الناس -كانت الشجرة من سلم -وقيل: من سَمُرَ كما قال ابن كثير وهو الصحيح- فرفع الشوك عنها- قال: بايعني يا سلمة! فبايعتُه على الموت، فلما انتصف الناس قال: بايعني يا سلمة! قلتُ: بايعتُك يا رسول الله! قال: وأيضاً، فبايعتُه، فلما انتهى الناس قال: بايعني يا سلمة! قلت: بايعتك يا رسول الله! قال: وأيضاً، فبايعته، فلما انتهى قال ﷺ : ﴿اللهم هذه عن عثمان بن عفان، فجعل يسراه الكريمة ﷺ في يمناه﴾ بايعه عن عثمان أي يقاتل هو عن عثمان، فمادام عثمان قد قتل فإنه يقوم ﷺ مقامه. قال سيد قطب في الظلال: اسمع إلى بشرى الله، وتصور نفسك أنك ممن جلس مع الرسول تحت الشجرة، ثم تجلس معهم ثم يبايعون، ثم تنتهي البيعة، ثم يهبط جبريل ويقول عن الله الذي مَلَكَ السماوات والأرض والذي مقاليد الأمور بيده يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] حتى الشجرة، يقول: هذه الشجرة المعروفة، أنتم الذين جلستم تحت هذه الشجرة رضي الله عنكم، ألف وأربعمائة مبايع، يقول سيد: تصور أنك واحد من ألف وأربعمائة يبايع الرسول ﷺ في حرارة الشمس على الموت، فلما انتهوا من البيعة وقبل أن يغادروا الشجرة، وإذا بالمرسوم الإلهي من عند علام الغيوب الذي كلامه حق وقوله حق ووعده حق: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ﴾ [الفتح:١٨] لكن عن مَن؟ عن المؤمنين، مَن هم؟ الذين يبايعونك، في أي مكان؟ تحت الشجرة. وهذا وصف مقرب، تحت الشجرة، وكلٌّ يعرف تحت الشجرة. غاب الجد بن قيس وعنده جمل أحمر يبحث عنه في جبال مكة، فنُوْدِي. سبحان الله! منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة، وأهل السعادة وُفِّقوا للسعادة، وتجد الإنسان عَيِيَّاً شقياً مبهذلاً وراء الدنيا لا نافلة ولا ذكر ولا اتباع للسنة، وتجد هذا حمامة في بيوت الله، لأن الله أراد أن يدخل هذا الجنة، وأراد هذا أن يشقى بماله. يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزانُ فذهب إليه الصحابة وقالوا: يا جد بن قيس! تعال بايع الرسول ﷺ ، قال: والله الذي لا إله إلا هو لحصولي على جملي أفضل من بيعتكم، وهذه يتكلم بها كثير من الناس، حتى إنك إذا دعوت بعض الناس إلى محاضرة أو ندوة أو درس قال: جلوسنا أنفع، والحمد لله الخير كثير ومنتشر وليس هناك ناقص والحمد لله؛ فيضيع ما هو خير له في حياته في جلسة واحدة، حتى إن عطاء بن أبي رباح يقول: [[مجلس الذكر يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللغو]] يقول عطاء وكان يبكي عند قوله تعالى ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦] ويقول: [[أغضبوا المولى حتى أقسم ألا يغفر لهم]] يقول: أغضبوه إلى درجة أنه أقسم ألا يغفر لهم، ولذلك يقول أحدهم: احذر أن يغضب الله عليك فيقسم على نفسه ألا يغفر لك، نعوذ بالله! قال الحسن البصري في سورة الكهف عن الخضر في قوله: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] سبحان الله! موسى خالف الخضر ثلاث مرات فقال: هذا فراق بيني وبينك، وأنت يا عبد الله! تخالف الله في اليوم سبعين مرة، ألا تخشى أن يقول: هذا فراق بيني وبينك؟! هذا نموذج ممن في قلبه حرج من اتباع الرسول ﵊، وما رضوا به ﷺ إماماً وقدوة.
следующие страницы →