Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.
стр. 9346
طلحة بن عبيد الله يتلقى الطعنات عن الرسول ﵊
وقرأت في سيرة طلحة بن عبيد الله، يقول: [[والله الذي لا إله إلا هو ما في جسمي موضع شبر إلا ضُرب يوم أحد، قال أبو بكر: أما يوم أحد فقد ذهب به طلحة]] كان يأتي السهم الطائش يريد أن يقع في جسم الرسول ﷺ فيقبل عليه طلحة فيقع في صدره، ويُضرب الرسول ﷺ بالرمح فيضع طلحة يده فيقع الرمح في يده، ويأتي السيف ليأخذ من جسم الرسول ﷺ فيقفز عليه كالأسد فيتلقى ضربة السيف، حتى أصبح مجدَّعاً وشُلَّ في يوم أحد، أصبح مشلولاً، ولا تتحرك منه إلا يده اليسرى ورجله اليسرى وطرفه الأيسر، فهل قدمنا مثل هذا؟ أو معشار عُشر هذا؟
ويأتي أحدهم أمام الرسول ﷺ ويقول: [[اللهم خذ مني هذا اليوم حتى ترضى]].
стр. 9347
عبد الله بن أنيس وقتله خالد بن سفيان
وخالد بن سفيان الهذلي في عرفة جمع قبائل هذيل وهم قرابة ألف مقاتل، ودربهم على السلاح والاغتيال وقال: أقتلُ محمداً فأريح العرب قاطبة، ولكن الله يقتله، فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٧] يقول: أما أنت فلن تُغتال ولن تُقتل؛ لكن بلغ الرسالة، ولا تخف فإنا سوف نحرسك بحرسٍ من عندنا لا بحرسك، فلا تقتلك العرب حتى تبلغ الرسالة.
فمهمتك أن تبلغ (لا إله إلا الله) وتغرسها في قلوب الجيل، وتبني صروحها في نفوس الناس، ولكنك لن تُقتل بإذن الله.
فأتى خالد هذا يريد قتل الرسول ﷺ ومعه ألف مقاتل، قال ﷺ لأصحابه في المسجد: ﴿من يقتل خالد بن سفيان الهذلي وله الجنة؟﴾ فسكت الناس، فالأمر ليس بالسهل، أن يرسلك ﷺ وحدك ثم تذهب إلى رجل في عرفة، من المدينة إلى مكة، ثم تأتي إليه وهو في ألف مقاتل يريدون اغتيال الرسول ﷺ ، فلن تستطيع، قال: من يذهب وأنا أضمن له الجنة؟ قال عبد الله بن أنيس وهو شاب: أنا يا رسول الله.
فذهب عبد الله بن أنيس وكان ينام النهار ويمشي الليل، حتى اقترب من عرفة، فلما نام ذاك قام عليه فقطع رأسه، ثم أخذ معه الرأس علامة، وهو أكبر علامة، لأنه إذا أتى بالرأس فمعناه أنه قُتل، أي عليها شاهد: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨] فجعل رأس خالد بن سفيان الذي يريد اغتيال الرسول ﷺ بألف مقاتل معه في المخلاة وذهب، ووصل إلى المدينة، فانتهى عليه الماء في وادي ودان، ووادي ودان عند الصعب بن جثامة، وكاد أن يتلف، وكان كلما أيس من الحياة واقترب من الموت جلس تحت شجرة يبرد ويدعو الله أن يقيم من أوَدِه، حتى وصل إلى المدينة، فلما رآه ﷺ رأى شحوب وجهه، ولكن رأى البشرى عليه، فقال: ﴿أفلح وجهُك، قال: ووجهُك يا رسول الله! فألقى الرأس بين يديه، قال ﷺ : ضمنتُ لك الجنة، قال: يا رسول الله! أعطني علامة، قال: هذه العصا تتوكأ بها في الجنة إن شاء الله﴾ والمتوكئون بالعصي في الجنة قليل، فأخذها معه، فكانت العصا تنام معه، ويقوم بها، ويذهب بها، ويسافر بها، فلما أتته الوفاة دفنت معه.
وهي علامة يلقى بها رسول الهدى ﵊.
أي صدق وأي اتباع يبلغ هذا المبلغ؟!
стр. 9348
ابن عتيك وابن بشر يقتلان يهودياً
ذهب منهم ابن عتيك وعباد بن بشر إلى رجل من اليهود كانت له جارية تغني بسب الرسول ﷺ ، يشرب هذا اليهودي الخمر ويأمر الجارية أن تضرب الدف وتسب الرسول ﷺ بقصائد ينْظُمُها اليهود، فقال ﷺ : ﴿مَن يقتله منكم؟ قالوا: نحن يا رسول الله، وماذا تعطينا؟﴾ والرسول ﷺ ليس عنده دنيا، كما يقول أبو الحسن الندوي: لم يكن يعرض على أصحابه قصوراً ولا ذهباً ولا فضة، وهو ما شبع أصلاً من خبز الشعير، وكان ينام ﷺ على الحصير فيؤثر في جنبه، من أين له جوائز ورُتب ونجوم وأوسمة يعطيها هذا الجيل؟ ولو فعل ﷺ لانحرفت قلوبهم إلى الدنيا وتركت الآخرة، قال: ﴿أنا أضمن لكم الجنة، فذهبوا، فصرخ ابن عتيك وصرخ عباد بن بشر لهذا فخرج من على رأس الدرج، فلما خرج لطموه بالسيوف فقتلوه، فنزل ابن عتيك -وقيل: محمد بن مسلمة - فعثر فانكسرت رجله، فأتى يسحبها إلى رسول الله ﷺ قال: ابسطها أمامي، فبسطها فنفث ﷺ وقال: باسم الله، فعادت وما كأن بها كسراً، قال: ما خبركم؟ قال عباد بن بشر: يا رسول الله! ائذن لي أن أتحدث بخبرنا -وكان شاعراً وهو من سادات الأنصار ومن أشجعهم، قتل يوم اليمامة، وهو من الشهداء الكبار عند الله، وكان يصلي فيبكي في المسجد ويبكي ببكائه نساء الرسول ﷺ داخل البيت- قال: اعطنا خبرك، فقال عباد بن بشر يلقي قصة اغتيال اليهودي:
صرختُ له فلم يعلم بصوتي وأقبل طالعاً من رأس جدرِ
فعدتُ له فقال مَن المنادي فقلت: أخوك عباد بن بشر
فأقبل نحونا يهوي سريعاً فقطَّعه أبو عبد بن جبر
يهوي، أي: اليهودي، وأبو عبد بن جبر: من الأنصار، قتل من قريش في حومة وراء شجرة ثمانية.
وأرداه ابن مسلمة بسيف شديد الصوت في الكفار يسري
وكان الله خامسنا فعدنا بأعظم مِنَّة وعظيم نصرِ
قال ﷺ : وجبت لكم الجنة﴾.
стр. 9349
نماذج من أهل الجنة
كانت مفاتيح الجنة بيده ﵊ منحه الله إياها؛ لأن الله عرض عليه مفاتيح الذهب والفضة في الدنيا فأبى، فأعطاه الله مفاتيح الجنة.
يصلي الفجر ﵊ بالصحابة فيقول: ﴿أين بلال؟ فيأتي بلال -يقولون كان كأنه الصقر، خفيف اللحم، ليس على جسمه من اللحم شيء، وكان أندى الناس صوتاً، فيقف بكسائه، لا يملك من الدنيا غيره- قال: يا بلال! سمعتُ دفّ نعليك في الجنة البارحة -دخل ﷺ البارحة إلى الجنة، رآها ورأى قصورها وبساتينها وثمارها- فما كنتَ تصنع؟ قال: يا رسول الله! لستُ بكثير صيام ولا صلاة ولا صدقة لكن ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت ركعتين﴾ وهذا عمل فريد بإمكان الواحد منا أن يعمله، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: فيه أنه بعد الوضوء حتى في وقت النهي صلاة ركعتين، حتى بعد العصر وبعد الفجر لك أن تتوضأ وتصلي ركعتين، كلما توضأت صلِّ ركعتين تكون مع بلال من طريق بلال؛ لأنه ليس هناك انفراد للصحابة في الأعمال؛ لكن الانفراد في المنزلة، وإذا فعلت فعل الصحابي كسبت ككسبه، بل تضاعف العمل حتى بأجر خمسين من أصحاب الرسول ﵊.
قال ﷺ : ﴿ورأيت الرميصاء البارحة في الجنة﴾ وهي أم أنس، بم دخلت الجنة؟ ﴿أتت بـ أنس بعد أن غسَّلَتْه وطيَّبَتْه ورسول الله ﷺ أقبل من المدينة فقالت: يا رسول الله! الدنيا ذاهبة وما عندي أحب من أنس، فهذا أنس يخدمك، فادعُ الله له، فدعا له ﷺ ﴾ فأهدت له ابنها ﵂ وأرضاها.
стр. 9350
أنموذج ممن في صدورهم حرج
وهناك قصص كثيرة كثيرة تشهد أن الصحابة أطاعوا الرسول ﵊، فلم يكن في صدورهم حرج.
لكن تعال إلى نماذج ممن في صدره حرج، فهناك الكثير من الناس، ونحن لو حققنا أنفسنا لعدنا إلا أنَّا تركنا كثيراً من السنن، لأننا نتحرج من بعض إقامتها، وبعض الناس ما ترك السنة إلا للتحرج، حتى إنك تجد مَن يصانع الناس في المجالس بأموره وتقواه وعبادته من أجل ألا يحرج الناس، حتى يترك السنة من أجل ألا يحرج الناس، فيُحرج نفسَه، فيكون في نفسه حرج مما أُنزل على الرسول ﵊.
الجد بن قيس أحد المنافقين، ذهب ﷺ إلى تبوك يغزو، فأتى إلى الرسول ﷺ وهو في قلبه حرج من الهداية، وقد أعطاه الله من الدنيا، قال: ﴿ائذن لي، فأنا لا أستطيع أن أذهب إلى تبوك، قال ﷺ : ولِمَه؟ قال: أنا رجل إذا رأيت بنات الروم وقعن في قلبي وافتتنت﴾ وهذا كذب، أيترك الجهاد خوفاً من الفتنة؟! أيعصي الرسول ﷺ خوفاً من الفتنة؟ وهذا يسميه ابن تيمية: الورع البارد، فبعض الناس يعتذر لمعصيته بأمور، فيعتذر لمعصيته بقوله: لولا كذا لفعلتُ كذا، وبعضهم يترك بعض السنن ويقول: تأليفاً للناس، وبعضهم يأتي بعض المعاصي ويقول: تأليفاً للقلوب، وهذا مثلما قال الجد بن قيس فعذره ﵊ وتركه، فقال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة:٤٩] يقول ابن عمر: [[والله ما زالت سورة التوبة، تقول: ومنهم، ومنهم، حتى خشينا على أنفسنا]] قال ابن عباس: [[أما هذه السورة فهي الفاضحة]] كلما قال أحدهم كلمة أنزل الله: ومنهم من يقول، ومنهم من قال، ومنهم من فعل قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩] قال : ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة:٤٩] أكبر فتنة أنهم تركوا الجهاد معك، ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٤٩ - ٥٠] يقول: هم أذكياء، لو أصابتك دائرة أو هزيمة قالوا: انتبهنا لأنفسنا وبقينا في المدينة.
يقول ابن القيم: ما هُدد الناس بمثل هذه الآية: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨].
فلما عاد ﷺ أتى ثمانون كلهم كَذَبَة يستأذنون من الرسول ﷺ ، قال: يا رسول الله! والله لقد مرضت زوجتي ولولا مرضها لخرجتُ معك، قال: أذنتُ لك.
قال الثاني: أما أنا فقد خفتُ من بنات بني الأصفر، قال: أذنتُ لك.
قال الثالث: أصابني عرج، قال: أذنتُ لك -كلهم أهل حيل- فلما أذن للثمانين نزل جبريل على الرسول ﷺ في المسجد بقول الله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣] يقولون: أراد ألا يخوفه ربه، والأول يقول: أخطأت في التصرف معهم لكن عفا الله عنك، فالمنهج مع هؤلاء ليس كما فعلتَ لكن عفا الله عنك، وهم ما صدقوا معك لكن عفا الله عنك، وهم أصلاً كذبة ومنافقون لكن عفا الله عنك، يقول: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣].
وكان قد ذهب ﷺ إلى الحديبية ومعه الجد بن قيس، قال ﷺ : تعالوا بايعوني، فعلى ماذا بايعوه تحت الشجرة، يقول بعض الكتبة في السِّيَر: هل بايعوه على حكومة مستقلة يتولون إدارتها؟
هل بايعوه على قصور يقتسمونها وعلى حدائق يتوزعونها؟
لا.
بل بايعوه على الموت؛ لأنه أرسل عثمان بن عفان حيث أفطر بـ مكة عند بني أمية قرابته، فأتى نائح يصيح من آخر الجبال - جبال بني قبيس - يقول: قُتل عثمان بن عفان، فغضب ﷺ وجلس تحت الشجرة وقال: بايعوني على الموت، أي: ندخل مكة فلا يعود أحد مادام أن عثمان قُتل، قال سلمة بن الأكوع: والله الذي لا إله إلا هو لقد أخذتُ بالأغصان عن وجه الرسول ﷺ ورفعتُها وهو يبايع الناس -كانت الشجرة من سلم -وقيل: من سَمُرَ كما قال ابن كثير وهو الصحيح- فرفع الشوك عنها- قال: بايعني يا سلمة! فبايعتُه على الموت، فلما انتصف الناس قال: بايعني يا سلمة! قلتُ: بايعتُك يا رسول الله! قال: وأيضاً، فبايعتُه، فلما انتهى الناس قال: بايعني يا سلمة! قلت: بايعتك يا رسول الله! قال: وأيضاً، فبايعته، فلما انتهى قال ﷺ : ﴿اللهم هذه عن عثمان بن عفان، فجعل يسراه الكريمة ﷺ في يمناه﴾ بايعه عن عثمان أي يقاتل هو عن عثمان، فمادام عثمان قد قتل فإنه يقوم ﷺ مقامه.
قال سيد قطب في الظلال: اسمع إلى بشرى الله، وتصور نفسك أنك ممن جلس مع الرسول تحت الشجرة، ثم تجلس معهم ثم يبايعون، ثم تنتهي البيعة، ثم يهبط جبريل ويقول عن الله الذي مَلَكَ السماوات والأرض والذي مقاليد الأمور بيده يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] حتى الشجرة، يقول: هذه الشجرة المعروفة، أنتم الذين جلستم تحت هذه الشجرة رضي الله عنكم، ألف وأربعمائة مبايع، يقول سيد: تصور أنك واحد من ألف وأربعمائة يبايع الرسول ﷺ في حرارة الشمس على الموت، فلما انتهوا من البيعة وقبل أن يغادروا الشجرة، وإذا بالمرسوم الإلهي من عند علام الغيوب الذي كلامه حق وقوله حق ووعده حق: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ﴾ [الفتح:١٨] لكن عن مَن؟ عن المؤمنين، مَن هم؟ الذين يبايعونك، في أي مكان؟ تحت الشجرة.
وهذا وصف مقرب، تحت الشجرة، وكلٌّ يعرف تحت الشجرة.
غاب الجد بن قيس وعنده جمل أحمر يبحث عنه في جبال مكة، فنُوْدِي.
سبحان الله! منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة، وأهل السعادة وُفِّقوا للسعادة، وتجد الإنسان عَيِيَّاً شقياً مبهذلاً وراء الدنيا لا نافلة ولا ذكر ولا اتباع للسنة، وتجد هذا حمامة في بيوت الله، لأن الله أراد أن يدخل هذا الجنة، وأراد هذا أن يشقى بماله.
يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ
ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزانُ
فذهب إليه الصحابة وقالوا: يا جد بن قيس! تعال بايع الرسول ﷺ ، قال: والله الذي لا إله إلا هو لحصولي على جملي أفضل من بيعتكم، وهذه يتكلم بها كثير من الناس، حتى إنك إذا دعوت بعض الناس إلى محاضرة أو ندوة أو درس قال: جلوسنا أنفع، والحمد لله الخير كثير ومنتشر وليس هناك ناقص والحمد لله؛ فيضيع ما هو خير له في حياته في جلسة واحدة، حتى إن عطاء بن أبي رباح يقول: [[مجلس الذكر يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللغو]]
يقول عطاء وكان يبكي عند قوله تعالى ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦] ويقول: [[أغضبوا المولى حتى أقسم ألا يغفر لهم]] يقول: أغضبوه إلى درجة أنه أقسم ألا يغفر لهم، ولذلك يقول أحدهم: احذر أن يغضب الله عليك فيقسم على نفسه ألا يغفر لك، نعوذ بالله!
قال الحسن البصري في سورة الكهف عن الخضر في قوله: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] سبحان الله! موسى خالف الخضر ثلاث مرات فقال: هذا فراق بيني وبينك، وأنت يا عبد الله! تخالف الله في اليوم سبعين مرة، ألا تخشى أن يقول: هذا فراق بيني وبينك؟!
هذا نموذج ممن في قلبه حرج من اتباع الرسول ﵊، وما رضوا به ﷺ إماماً وقدوة.
стр. 9351
السعادة كل السعادة في اتباع الرسول ﷺ
وملخص الكلام أني أقول: إن كنتَ تريد أو أنا أريد أو أي مسلم يريد أن ينجو من عذاب الدنيا ومن خزي وعذاب الآخرة ومن الشقاء والانحراف فوالذي لا إله إلا هو ليس هناك نفع مستقل عن نفعه ﵊، ولو بلغ مهما بلغ المتعلم من علمه؛ فإن العلم بلا تقوى خزي وندامة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] وكل منصب أو جاه أو إمرة أو مال بدون اتباعه ﵊ هو الانحراف كل الانحراف، فأسأل الله أن ينفعنا باتباعه ﵊، وأن يجعلنا من أتباعه، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يسقينا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
أيها الإخوة الكرام: يا أساتذة الجيل! يا أمل المستقبل! يا موجهي الأمة! يا مربي شباب محمد ﷺ ! إن السعادة كل السعادة في اتباعه؛ أن تجعله إمامك منذ أن تصبح إلى أن تمسي، فتترسم خطاه، وتنتهج مسلكه ﷺ ، وتتأمل سيرته حتى تسعد بشفاعته ﵊.
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لِمَا اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 9352
الأسئلة
стр. 9353
حكم أخذ الأجرة على القرآن
السؤال
فضيلة الشيخ: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، لقد أمرنا النبي ﷺ أن من أحب إنساناً أن يخبره، وأنا -والله- أحببتُك قبل أن أراك،
و
السؤال
لقد سمعتُ حديثين: أحدهما فيما معناه: أنه: ﴿خير ما أكلتم به القرآن﴾ والثاني: ﴿تعلموا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تجافوا عنه، ولا تغالوا فيه﴾ فهل هذان الحديثان صحيحان؟ وفي حالة صحتهما كيف نوفق بين الأكل بالقرآن وعدم الأكل به، علماً بأن الأكل قد يكون بتعليمه أو بقراءته في المآتم أو المحافل أو العمل في الحكومة بتعليمه؟ جعلكم الله خيراً مما نظن فيكم.
الجواب
الحمد لله، أحبك الله الذي أحببتنا فيه.
أما الحديث الأول فهو في صحيح البخاري لكن ليس بهذا اللفظ، فاللفظ هو: ﴿إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ﴾ وأتى هذا الحديث في قصة أبي سعيد يوم سافر مع طائفة من الصحابة فنزلوا في قبيلة من قبائل العرب فطلبوا منهم ضيافة فلم يضيفوهم، فلُدِغ شيخ الحي، فقالوا: ﴿إن شيخ الحي سليم -أي: ملدوغ- فهل منكم أحدٌ يعالجه مما فيه ويرقيه؟ قال أبو سعيد: فرَقَيْتُ بالفاتحة، فأعطوهم قطيعاً من الغنم فأخذوه، فذهبوا إلى الرسول ﵊، فقال لـ أبي سعيد: بِمَ رَقَيْتَ؟ قال: بالفاتحة، قال: وما يدريك أنها رُقْيَة؟ قال: وأخذنا يا رسول الله! هذا الغنم، قال: خذوا واضربوا لي معكم بسهم، إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله﴾ قال أهل العلم: معنى ذلك أن من قصد بالقرآن وجه الله ، وعلم لوجه الله ، ثم أتاه رزق بسبب هذا القرآن، وما طلبه هو وما حرص عليه وما كان معتمده في عمله فليأخذه، وأضربُ على ذلك أمثلة لأجمع بين الحديثين وهي: أن من تخرج مثلاً أو درس أو تعلم وقصده أن ينشر هذا الدين ثم علَّم الناس فأتاه رزق أو راتب، لا أنه هو يطلب الراتب أو لا يعلِّم القرآن إلا من أجل الراتب؛ فهذا يأخذ ذاك الراتب، والفاصل في ذلك أنه لو مُنع عنه هذا الراتب أو الدخل أنه يستمر في عمله، فهذا مأجور على ما فعل ومشكور، وقد فعل بعض أئمة السلف ذلك، وما قصدهم المال ولكن أتاهم سبب أو عارض من العوارض.
أما الحديث الثاني فإن بعض ألفاظه صحيحة وبعضهم يحسنها، وبعض ألفاظه ليست بثابتة؛ لكن على فرض صحته وحُسن هذا الحديث كما بيَّن بعض أهل العلم، فالمعنى أنه لا يُطلب القرآن لجمع المال، ولا للأكل به، كما هو ثابت في صور من المجتمع:
مثل من يحفظه الآن ليشحذ به من الناس، وقد وقع ما أخبر به بعض السلف: أن منهم من يأخذ بالقرآن، كما ترون في الحرم من يجلس عند الأبواب ويقرأ القرآن ويلحِّنه ويشحذ به، فهذا ممن يأكل بالقرآن.
أو يحفظ القرآن ليحضر به المواسم، والمراسيم والأعياد، والمآتم والأعراس، فيأخذ عليه أجرة من أجل أن يُعطى بهذا فقط، فإذا لم يُعطَ أجرة فإنه لا يقرأ ولا يحضر ولا يمكن أن يقرأ على الناس.
فهو من أجل أجرته يقرأ، فهذا مما نهى عنه ﵊.
فلذلك ننْزِل الناس على هذه المنازل.
وهذا في نظري جمع إن شاء الله بين الحديثين، وأسأل الله التوفيق والهداية.
стр. 9354
أفضل الجلساء في هذا الزمان
السؤال
من هو أفضل الجلساء في هذا الزمان، على الرغم من أن شباب الصحوة والحمد لله كثير، ولكن من هم الأفضل؟ وهل مجالسة السيئين فيها خير مع الدعوة إلى الله؟
الجواب
سؤال الأخ: من أفضل الناس ممن نجلس معهم في هذا الوقت، عن الجنس لا عن الشخص، لأنه لا يمكن أن يحدد شخص باسمه أنه فلان؛ لكن الجنس قد وصفه ورسوله ﵊، فقال : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فالمؤمنون المتقون هم الذين يجالَسون، خاصة من يُشتَهر بطلب العلم، والبحث في المسائل العلمية، والغيرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتأثير في الناس، فإن هذا مجلسه بركة، وقد سمى ابن القيم في الوابل الصيب هذا وأمثاله (من المبارك أينما كان)؛ لأن الله قال: ﴿مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١] فمعناه كلما نزل منزلاً كان همه الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فأرى أن تجالس:
أولاً: من بانَ الصلاحُ عليه، بأَنْ ظهر عليه الخير وعُرف بين الناس بالذكر الحسن، فتجالسه؛ لأن السرائر علامتها العلانية، فمن وضع الله له الحب والقبول فهو على سريرته، ومن وضع الله له البغض فهو على سريرته.
ثانياً: مَن يهتم بالدين، فإن بعض الناس مستقيم في نفسه لكنه سلبي، من يهتم بالدين تعليماً وتعلُّماً وتفقُّهاً وأمراً ونهياً تجالسه، وتجتنب من كان مشهوراً بالتهتُّك لحدود الله ، أو مغرماً بالدنيا، أو يصدك عن الله ، لأن الله يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
أما مجالسة الناس السيئين فإذا أنست من نفسك حصانة في الدين واستقامة ولا تخاف على نفسك منهم أن يجروك إلى المعاصي أو يؤثروا عليك، فإن الأحسن أن تجالسهم، كما فعل ﵊؛ لكن من خشي على نفسه لضعف إيمانه، فالأولى أن يهرب منهم وأن يبتعد عنهم.
стр. 9355
مظاهر محبة الرسول ﷺ
السؤال
ما هي أهم مظاهر محبته ﷺ ؟
الجواب
تكمن في أمور، ربما تكون في أربعة:
الأمر الأول: كثرة الصلاة والسلام على النبي ﵊، فإنها شفاء للقلوب، ودواء للأرواح، وزينة للمجالس، فأوصي نفسي وإياكم بكثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ ، يقول بعض أهل العلم: وأفضل صيغ الصلاة والسلام عليه ﷺ هي: الصلاة الإبراهيمية: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ في العالمين إنك حميد مجيد.
الأمر الثاني: حبه حباً -كما سلف في المحاضرة- يستولي على مشاعرك وأحاسيسك وكل أمر يأتيك.
الأمر الثالث: العمل بسنته ﷺ ، أن تطبق سنته، فلا تصدق الذين خالفوا سنته في الظاهر أو في الباطن وقالوا: إنا نحبه، ولو حلفوا، فلو كانوا يحبونه لاتبعوه.
الأمر الرابع: أن تنشر سنته في الناس، فتعلم الناس سنته واتباعه ﷺ في كل دقيق وجليل.
стр. 9356
على من تجب الدعوة إلى الله
السؤال
هل لكل واحد أن يدعو إلى الله ؟ وما هي شروط الدعوة إلى الله ؟ وإذا وجَد معارضة من الناس فماذا يفعل؟
الجواب
أما الدعوة فإنها واجبة على المستطيع من الناس كلٌّ بحسبه، ورسول الله ﷺ عمَّمها، وليست الدعوة -أيها الإخوة- كالفُتيا، لأن بعض الإخوة يتهيَّب من الدعوة ويقول: أنا ما بلغت المستوى وليس عندي علم، والدعوة تختلف عن الفُتيا، فالفتوى لأناس بلغوا من العلم مبلغاً، أما الدعوة فلكل من يستطيع أن يفهم آية أو حديثاًَ، قال ﷺ : ﴿بلِّغوا عني ولو آية﴾ وقال: ﴿نضَّر الله امرءاً سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع﴾ هذه مسألة.
أما شروطها: فهو الالتزام بالسنة، ولا يُشترط عند أهل العلم أن يكون الإنسان خالياً من العيوب والنقائص والمعاصي فإن هذا لا يكون، وهذا في الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أما في الناس فمن انتظر حتى يكمُل فلن يكمُل أحد، والشيطان يدخل على بعض الناس فيقول: إذا أتممتُ استقامتي وأتممتُ علمي أدعو إلى الله، فيضيع نفسه ويضيع دعوته ويبقى مكانه، بل مما يعين على الالتزام: الدعوة، فإنها تعينك على نفسك وتجعل نفسك دائماً في حياء وفي خجل حتى تستقيم على أمر الله .
المقصد: أنك تدعو بما تيسَّر، ولو أن تعلِّم الناس الفاتحة.
وقد رأيت في ترجمة الخليل بن أحمد الفراهيدي وهو زهراني -كما قال أهل العلم، وصاحب سير أعلام النبلاء ذكر ذلك- وهو من فراهيد، وقد كان الخليل من أذكياء العالَم، يقول: لأعملن حساباً أجعل الجارية -البنت الصغيرة- تذهب إلى البقَّال فلا يظلمها شيئاً، وهو الذي اكتشف ستة عشر بحراً في العَروض والقافية، وجلس يفكر، وكان يغمض عينيه في التفكير حتى اصطدم بسارية المسجد فمات، والخطأ منه وليس من السارية.
فهذا الخليل بن أحمد من أذكى الناس، وكان عابداً ناسكاً، أتى بالعَروض والقوافي والبحور ينَظِّمُها، فلما توفي رئي في المنام، قيل: ما فعل الله بك؟ قال: ما نفعتني العَروض ولا القافية ولا علم اللغة، إنما كنتُ أعلم عجائز في قريتي الفاتحة فأدخلني الله بها الجنة.
فالتعليم يكون بتعليم الفاتحة، وتعليم أركان الإسلام، وتعليم (لا إله إلا الله) وغير ذلك.
стр. 9357
حكم المقصرين من أهل العلم
السؤال
يا شيخ: بعض الناس من أهل التفسير والحديث والقرآن لا يطبقون السنة في المظهر، فما جزاؤهم وهم قدوة؟
الجواب
من انتقص شيئاً من السنة فهو بحسبه عند الله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] ولا بد أن ننزل الناس منزلة الله التي أنزلها لهم في سورة الأحقاف، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] فلا بد للعبد أن يكون له ميزان فيما يقول وفيما يفعل، حتى إن ابن تيمية ذكر وقال: إن الإنسان ظلوم جهول، وهو صحيح، حتى إنك تجد بعضهم يتحمس لفكرة جار في أحكامها حتى على مَن قصر من الصالحين، فتجده يقول -مثلاً- لإنسان يصلي الصلوات الخمس، وقد يقوم الليل، وهو بار بوالديه، صدوق؛ لكنه يسبل ثوبه، فيقول: كيف يدخل هذا الجنة وهو يسبل ثوبه؟! بل بحسبه.
ما معنى: كيف يدخل الجنة؟ أو كيف يدَّعي الإسلام وهو يسبل ثوبه؟ فهذا حكم جائر، فلا بد للإنسان أن يكون عدلاً، فهؤلاء بحسبهم، من قصر في هذا نقول له: أنت قصرت وخالفت الرسول ﷺ وعليك وزر المخالفة؛ لكننا نجعله في منزلته، له حسنات وسيئات، والله يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] ويقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] والشهادة لله تقتضي أن يكون الإنسان عادلاً، لا ظالماً ولا جهولاً، فإن الجهول يتكلم بدون علم، والظالم يترك العدل، فمثل هذا عليه وزر؛ لكنه ليس كغيره ممن ترك الدعوة وترك الالتزام والاستقامة.
стр. 9358
مشكلة اقتناع المسلم بالأفكار الغربية
السؤال
هناك من أبناء الأمة من عنده قناعة بالأفكار الغربية، فما هو تعليقك على هذا؟
الجواب
قال المعصوم ﵊: ﴿لتتبعن سنن من كان قبلكم -كلمة (سَنَن) تُضْبَط عند أهل الحديث سَنَن وسُنَن، والسَّنَن: الطرق، والسُّنَن المعروفة: جمع سُنة- حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن الناس إلا هم!﴾ قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم في كلام ما معناه: فمن فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى.
ولذلك تجد ممن يتعلم العلم حتى يحمل الدكتوراه ويدرس في الخارج أو في الداخل من نكس الله فكره وقلبه، فهو كالكوز مجخياً، يفهم كل شيء إلا هذا الدين، وختم الله على قلبه، حتى إن بعضهم يقرأ ثمان ساعات من أربع وعشرين ساعة، لكن قراءته لا في الكتاب ولا في السنة، كلها كتب غربية وشرقية، المتردية والنطيحة وما أكل السبع: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] حتى إن ابن تيمية يقول: أما كثرة الكتب بدون هداية فلا تزيد العبد إلا عمى، ﴿قال ﷺ وهو يتحدث مع زياد بن أبي لبيد من الأنصار الذي سأله بقوله: يا رسول الله! كيف يضل اليهود والنصارى وعندهم التوراة والإنجيل؟! والله! لنعلمن القرآن أبناءنا، ويعلمه أبناؤنا أبناءهم يا رسول الله! -أي: حتى لا يضل أحد- قال: ثكلتك أمك يا زياد! والذي نفسي بيده! لقد كنتُ أظنك من أفقه الرجال بـ المدينة، هذه التوراة عند اليهود والإنجيل عند النصارى ما أغنت عنهم شيئاً﴾.
فقضية وجود القرآن والسنة في المكتبات وقد نكس الله قلب العبد لا تنفعه أبداً، بل بيَّن بعض المفسرين وقال: من يقرأ القرآن وهو يشك في مبادئه ومناهجه يزيده الله عمىً بقراءته.
أي: أنه لو ترك القرآن لكان أحسن، حتى إن الله يقول: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت:٤٤] ويقول: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦] فالمهتدي يزيده هدىً.
فكثير من الناس يزيده الله عمىً ويطبع على قلبه بسبب أنه ما تصور دعوة الرسول ﷺ ، بل بعضهم يرى أن رسول الله ﷺ ليس كفيلاً بإصلاح العالم، ولا يستطيع ذلك ﷺ ولا يقبل شريعته أصلاً، وبعضهم يذهب إلى هناك ثم يأتي مريض القلب، ختم الله على قلبه، فتجده يرى أن أباه وأمه وهم يصلون أنهم على انحراف، وأن سبب تأخر المسلمين هو الصلوات والدين، ولو ما ظاهر بذلك؛ لكنه يشاكس بها أحياناً في مقالات خفية، وفي مجالسه، ويبوح بسمه كالحية في جلساته الخاصة، فحسيبه الله ، قال الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٦].
стр. 9359
هل يأخذ المصلى حكم المسجد
السؤال
هذا المصلى الذي لا تقام فيه جميع الصلوات، فمثلاً صلاة الفجر لا يصلي فيه أحد، وإن كانت جميع الفروض الأخرى تصلى فيه، فهل يأخذ حكم المسجد من تحية المسجد وغيرها؟
الجواب
أولاً: الرسول ﵊ بيَّن أن من دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، والمسجد هو ما تُعُورِف أنه مكان للصلاة، وهذا مثلما ذكر الأخ أنه يُصلى فيه بقية الفروض باستمرار فأصبح مسجداً، وقبل هذا وأنا داخل المسجد كنت أظن أنه لا يُصلى فيه إلا الظهر أحياناً، وظننت أنه مصلى، وإلا لو علمتُ بذلك لكان عليَّ حسب السنة أن أصلي ركعتين قبل الجلوس.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 9360
خصائص أهل السنة والجماعة
لقد تعطلت المفاهيم والمناهج وأسدل أهل البدع ستار البدع والزيغ والفساد على هذه الأمة، فوجب على أئمة الإسلام أن يبينوا المنهج الحق منهج أهل السنة والجماعة، وخصائص مذهبهم.
وفي هذه المادة بيان لخصائص منهج أهل السنة والجماعة.
стр. 9361
أسباب الحديث عن خصائص أهل السنة والجماعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
عنوان هذا الدرس: خصائص أهل السنة والجماعة.
من هم أهل السنة والجماعة؟
إنهم أتباع محمد ﵊، وتلاميذه وطُلابه.
إنهم هداة الحق، الساعون وراء الحقيقة.
إنهم الباحثون وراء النور الذي بعث به رسول الهدى ﵊.
أهل السنة والجماعة: هم الذين على ما كان عليه رسول الهدى ﵊ وأصحابه.
أهل السنة والجماعة: هم الذين تعبدوا الله بالكتاب والسنة، فإمامهم: محمد ﵊، ودستورهم: الكتاب والسنة، وبيوتهم: المساجد، وقدوتهم: السلف الصالح، وسفينتهم: سنته ﵊، وعصاهم: التوكل، وأكلهم: الزهد، وديدنهم: حسبنا الله ونعم الوكيل: ﴿دعها فإن معها سقاءها وحذاءها، ترد الماء، وترعى الشجر، حتى يلقاها ربها﴾.
قيل في أهل السنة: هم القرون المفضلة.
وقيل: هم أهل الحديث والأثر.
وقيل: هم أصحاب الرسول ﵊.
والصحيح أنهم أصحابه ﵊، ومن سار على منهجهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أيها الإخوة الكرام! أيها الأجلة الصفوة! سبب اختياري لهذا الدرس وعنوانه، ثلاثة أسباب:
стр. 9362
معرفة عقيدة أهل السنة والجماعة
السبب الأول: حتى نكون على بصيرة بمذهب وخصائص أهل السنة والجماعة؛ لأنها الفرقة الناجية، فأمته ﵊ ثلاث وسبعون فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهم: أهل السنة والجماعة، فلزم عليكم أن تدرسوها دراسة علمية أكيدة متبصرة متعمقة، حتى يسأل الإنسان نفسه: هل هو من أهل السنة والجماعة حقاً؟
فكان لزاماً على طلبة العلم والدعاة أن يبينوا مذهب أهل السنة والجماعة وخصائصهم للناس؛ حتى يعلم الإنسان ويسأل نفسه إذا سمع هذا المنهج الرباني: هل أنا من أهل السنة والجماعة أم لا؟
стр. 9363
اتهام المنافقين للدعاة بالتطرف
السبب الثاني: أني سمعت بعض المنافقين يتهمون الدعاة وطلبة العلم بالتطرف، وهؤلاء الذين يطلقون التطرف ويصفون الدعاة وطلبة العلم وشباب الصحوة المباركة بالتطرف؛ لا يعرفون من دين الله شيئاً، وهم كما قال الأول:
إن كنت أدري فعلي بدنة من كثرة التخليط اسمي من أنا
فأحدهم لا يعرف نواقض الوضوء، ولو سألته عن شروط الصلاة لا يعرفها، ولو تناقشت معه في أبسط حقائق الدين لا يجيدها، ربما يعرف في العلم المادي البحت -علم ظاهر الحياة الدنيا- لكنه في علم الدين لا يعرف منه شيئاً.
فيأتي إلى الدعاة فيصفهم بالتطرف والتزمت والرجعية، وأنهم يريدون السوء للناس، فأردت أن أصف لكم منهج الدعاة الذي يدعون إليه ويعلمونه الناس من على المنبر، وفي الحلقة، وفي المجمع العام، وفي الدرس، وفي الكتب والأشرطة، ثم أقول لهؤلاء: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١].
أهم أتباع محمد ﵊ أهل التطرف؟! أهم الذين يخشى من جانبهم؟! أهم الذين يُوردون إيرادات لا تصح في العقل ولا في النقل؟!
стр. 9364
كثرة الدعاوى
السبب الثالث: أننا في فترة كثر فيها الخلط والمرج، وكثرت فيها الدعاوي.
وكل يدَّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
وكل يرى أنه من أهل السنة، وأنه المؤيد بنور من الله، وأن غيره مخطئ.
فـ الرافضة يرون أنهم على الصواب، والخوارج يرون أنهم هم المصيبون، وكذلك المرجئة والقدرية، ولكن هذه دعاوى:
والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء
وهذا موثق من الله، أسائل به كل طالب علم، وكل أستاذ في مدرسة، وكل خطيب في مسجد، وكل شيخ في قبيلة، وكل رجل صالح؛ أن يسمع هذا المنهج، ثم أشهد الله وأشهد ملائكته وحملة عرشه، ثم أشهدكم أنّا ندين الله بمذهب أهل السنة والجماعة لا نخرج عنه قيد أنملة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وأن من خرج من الدعاة فإنما هو متأول يُؤجر على اجتهاده، أو مخطئ يعود إلى رشده إذا بصر بالحق.
стр. 9365
خصائص الفرقة الناجية
وخصائص الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة هي:
стр. 9366
تقديم النقل على العقل
أولاً: من خصائصهم: أنهم يبدءون بالشرع ثم يخضعون العقل له، عملاً بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] فلا يقدمون العقل، وإنما يقدمون النقل، فيقفون أمام قال الله وقال رسوله ﵊، خجلين راهبين خاشعين ولو قطعت أعناقهم، فهم أتباع محمد ﵊، يقفون أمام الكتاب والسنة، ولا ينظرون لقول أحد من الناس كائناً من كان، ومحمد ﷺ يحتج بقوله ولا يحتج لقوله، وغيره ﵊ يحتج لقوله ولا يحتج بقوله.
فيرون أنه لو أتت المسألة فيها: قال الله وقال رسوله ﵊ انتهى الأمر وليس لهم خيرة، ولا منأى، وليس لهم عذر أن يتركوا: قال الله وقال رسوله ﵊ لقول أحد من الناس.
كان عمر وهو من سادات أهل السنة والجماعة يقف أمام الآية.
قال ابن عباس ﵄: [[كان عمر ﵁ وأرضاه وقافاً عند كتاب الله، إذا تليت عليه الآية لا يتجاوزها، كان جُلَّاسه أهل القرآن كباراً أو صغاراً]] فهؤلاء جلساء عمر:
أعف سهر العيون فكل نوم لغيرك أيها المولى حرام
وأسمعني حديث الوصل سبعاً رضيت لك السرى والناس ناموا
طرق عيينة بن حصن على عمر الباب، وعيينة شيخ القبيلة، لكنه يجهل الدين، وعمر متنور بنور الله، فقلب عمر وكلامه نور وتتلمذ في مدرسة النور:
ولو أنه حسن فريد عذرته ولكنه نور وثانٍ وثالث
طرق الباب عيينة بن حصن -وهو أعرابي لا يفهم الدين- قال عمر: من؟ قال: ائذن لي وافتح الباب! أنا الكريم ابن الكريم ابن الكريم، قال عمر: كذبت، أنت الخسيس ابن الخسيس ابن الخسيس، الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وفتح له الباب، وقال: هيه يا عمر! لا تحكم فينا بالعدل، ولا تعطينا الجزل، فأخذ عمر الدرة؛ ليخرج الشياطين من رأسه، فقال الحر بن قيس وهو غلام قريب لـ عيينة من أبنائه: يا أمير المؤمنين! لا تعجل، فالله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وإن هذا من الجاهلين.
فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله.
كان عمر يُخضع رقبته للحق، خرج يصلي بالناس الجمعة في ثوب واحد -لا يملك من الدنيا إلا ثوباً- ومعه عصا يريد أن يرتقي المنبر؛ ليعلم الأمة الخالدة المفاهيم الخالدة والمبادئ الأصيلة، وفي الطريق سال ميزاب بدم دجاج على ثيابه قبل الخطبة بدقائق، فغضب -وكان رجلاً طوالاً لا يقوم له خصم- فاقتلع الميزاب وأنزله في الأرض، وعاد إلى البيت وغيَّر ثيابه، وصعد المنبر، وخطب الناس، فلما خرج الناس وإذا الميزاب المقلوع ميزاب العباس عم الرسول ﵊، فقال العباس: [[من قلع الميزاب؟ قال عمر: أنا.
قال: ولم؟ قال: تذبح الدجاج وتسيل دمه على الناس، وهذا تأكيد من عمر لأنه الحاكم، قال العباس: والله الذي لا إله إلا هو! ما ركب ذاك الميزاب في هذا المكان بيده إلا رسول الله ﵊، فدمعت عينا عمر، وقال: أسألك بالله أهو رسول الله الذي بناه بيده؟ قال: إي والذي نفسي بيده! قال: والذي نفسي بيده! لأبركن لك في الأرض، ولتصعدن من على كتفي بأقدامك، ولتعيدن الميزاب مكانه]].
لله درك! ولله ما أقواك! وما أحسنك! هذا هو الوقوف عند قال الله وقال الرسول ﵊، الاحترام المطلق، لا كوقوف العبيد عند السادة، أوامر البشر يوقف لها وتؤخذ بعين الاعتبار والتسليم والاحترام، أما قال الله وقال رسوله ﵊ فأصبحت عند كثيرٍ من الناس من المهانة بدرجة حتى إنه لا يعبأ بها.
قال ﵊ للناس وهو على المنبر: ﴿يا أيها الناس! اجلسوا﴾ وكان ابن رواحة -الذي باع روحه من الله- على الرصيف خارج المسجد، فسمع كلمة: اجلسوا! فجلس في الشمس على الرصيف، قال الناس: مالك يـ ابن رواحة؟ قال: إني سمعت الرسول ﵊ يقول: اجلسوا! فجلست -انتهى الأمر- فهم يدينون -أولاً- بالنقل، ويحترمون قال الله وقال رسوله ﷺ ، ويخشون من هذه الكلمات العجيبة.
وسأل سائل الإمام أحمد وهو في مرض موته عن حديثٍ فقال: أجلسوني! فلا ينبغي أن أُسأل عن حديث وأنا مضطجع.
وكان الإمام مالك يمشي في الطريق، فسألوه عن حديث، فقال: لا أجيب حتى نجلس.
فجلس؛ احتراماً للحديث.
стр. 9367
أن العصمة ثابته للنبي ﷺ وليست لأحد من أمته
الخصيصة الثانية: أنهم ليس لهم إمام مُعظَّم يأخذون كلامه كله ويدعون ما خالفه إلا رسول الله ﷺ ، بل كل إمام دونه ﵊ يؤخذ من كلامه ويرد، وكل إمام دونه يُعرض كلامه على كلام محمد ﵊، فكلامه ﷺ ميزان، وبضاعته كلها تعرف فتشترى، وبزه معروف طاهر طيب، أما البزوز غير بزه ففيها نظر، وكل بضاعة تخرج وليس خاتمه -مكتوب على البضاعة محمد ﷺ فاعرف أنها بضاعة مزجاة ينبغي أن تُرد على صاحبها.
يقول الإمام مالك: [[ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر]].
وقال الشافعي حديثاً فقالوا له: أتأخذ بالحديث؟! قال: سبحان الله! أرأيتني يهودياً أو نصرانياً؟! أيُّ سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا رددت كلامه ﵊.
وقال أبو حنيفة: "إذا عارض قولي قول الرسول ﷺ فاضربوا بقولي عرض الحائط".
وقال سفيان الثوري: "ما أتاك عن محمد ﷺ فعلى العين والرأس، وما أتاك من أهل بدر فعلى العين والرأس، وما أتاك عن بقية الصحابة فعلى العين والرأس، وما أتاك عن غيرهم يُخالف قولهم فارمِ به في الحش".
والحش عندهم: دورة المياه.
وقال الأوزاعي: "لا تلتفت لقول قائل كائناً من كان إلا قول الرسول ﵊".
من زار بابك لم تبرح جوانحه تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر والسمع عن حسن
وقال الشافعي: "إذا تبين لي الحديث، ووصلني وعلمت صحته، وأخذت بقول غير الحديث؛ فاعلموا أن عقلي قد ذهب".
أي: رفع القلم.
قال شيخ الإسلام -أيد الله مسيرته ومنهجه، ونوَّر الله ضريحه، وقدس روحه-: "إن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﵊، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره ﵊، بل كل أحد من الناس يُؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ .
стр. 9368
أهل السنة وسط بين فرق الأمة
ومن خصائص أهل السنة والجماعة: أنهم وسط بين فرق الأمة.
فإن الله جعلهم في أفكارهم ومعتقداتهم وعباداتهم وأخلاقهم وسلوكهم وسطاً، والله جعل الأمة الإسلامية وسطاً، قيل: خيار، وقيل: وسط بين المتطرفين، فلا تطرف، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣].
وأنا أنقل بعض النقولات؛ علَّ من عنده رغبة في مراجعة الأدلة والنقولات أن يعود إليها في مظانها، وغالباً ما أنقل من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، أو إعلام الموقعين، أو بعض الكتب التي أشير إليها.
قال شيخ الإسلام: وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق، فهم في باب أسماء الله تعالى وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يُلحدون في أسماء الله، فإنهم نفوا أسماء الله وصفاته ، وبين المشبهة الممثلة الذين مثلوا الله بخلقه، فهؤلاء جعلوا الله عدماً، وهؤلاء جعلوا الله كالمخلوقات.
فـ أهل السنة توسطوا، فأقروا في الأسماء والصفات ما ورد في الكتاب والسنة، وأمروها على ظاهرها بلا تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل مع الإيمان بمعناها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وتوسط أهل السنة بين المرجئة وبين الخوارج والمعتزلة، فـ الخوارج أخرجوا أهل الكبائر من الإيمان، فعندهم شارب الخمر كافر في النار، والزاني كافر، والمعتزلة أنزلوهم في منزلة بين المنزلتين -لا كافر ولا مؤمن- وخلدوهم في النار.
وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فقالوا: لا يزال صاحب الكبيرة ما لم يستحلها في دائرة الإيمان، فاسق بكبيرته تحت رحمة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، لكنه لا يزال مؤمناً ويستدلون على ذلك بأدلة:
منها: أن الله قال في المتقاتلين وهم من المؤمنين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] ثم قال بعدها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فلم يسلب عنهم الإيمان.
وأنا أسمع أن بعض الناس يقول: الدعاة يُكفِّرون الناس، ووالله! ما سمعت طالب علم يُوثق بعلمه وبنقله وبعقله كفر أحداً.
نعم! ينهى عن المعاصي والفجور، وعن التهكم بالدين، لكن أما أنه يكفر الناس بالذنوب فلا! وليس هذا منهجاً يُرتضى؛ لأن الدعاة -الآن- وطلبة العلم والعلماء هم الذين يُعلِّمون أبناء المسلمين في الجامعات والمدارس والمحاضرات والندوات، فكيف يقولون هذا القول المبتدع الذي لا يرضاه مسلم؟!
وأهل السنة -أيضاً- وسط بين القدرية والجبرية.
فـ القدرية قالوا: لم يقدر الله أي شيء، والله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، فمجيئك إلى المسجد عند القدرية لا يعلمه الله حتى تأتي -تعالى الله عن ذلك- فيقولون: ما سبق علمه ولا سبق تقديره.
والجبرية يقولون: العبد مجبور على فعل المعصية، ففرعون مجبور عندهم ومعذور على الكفر، وكذلك إبليس معذور عندهم.
وتوسط أهل السنة فقالوا: لا.
للعبد مشيئة، ولله مشيئة، قال الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
وللعبد اختيار لكنه تحت اختيار الله، والعبد واختياره مخلوقان خلقهما الواحد الأحد، فهذا هو الاختيار السليم السديد وهو الوسط.
وأهل السنة وسط -أيضاً- بين الرافضة والناصبة، فـ الرافضة هم الذين رفضوا أصحاب النبي ﷺ ولعنوهم وتبرءوا منهم، وكفَّر بعضهم الشيخين، ورموا عائشة بالفاحشة، وقابلهم الناصبة.
ثم إن الرافضة ألهوا أهل البيت، حتى إن بعض الفرق ادَّعت أن علياً إلهاً، أو نبياً، أو خيراً من الأنبياء، وادّعوا أن الأئمة معصومون أو أفضل من الأنبياء.
وقابلهم الناصبة فسبوا أهل البيت، ولعنوا علياً من على المنابر، وتبرءوا منه، وقالوا: بكفره، واستحلوا دمه.
وتوسط أهل السنة فأقروا لأهل البيت بالحب والولاء، وعرفوا منزلتهم واحترموهم، وقدَّروا الصحابة، وتوسطوا؛ قال الله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣].
стр. 9369
عصمة الله لهم عن تكفير بعضهم البعض
ومن خصائص أهل السنة: عصمة الله لهم عن تكفير بعضهم بعضاً.
قال عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق ص (٣٦١) قال: " أهل السنة لا يكفر بعضهم بعضاً، وليس بينهم خلاف يوجب التبري والتكفير، فهم أهل الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، ولا يوجد فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير لبعضهم البعض، وتبرؤ بعضهم من بعض، كـ الخوارج والرافضة والقدرية، قال: حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد، فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضاً، وكانوا بمنزلة اليهود والنصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣].
فـ أهل السنة يختلفون في مسائل؛ ولكن يبقى الود بينهم والحوار والمناقشة والجدال بالتي هي أحسن، ولا يغضب بعضهم على بعض، وهذا في اختلاف التنوع الذي لا يوجب التكفير.
وهم -أيضاً- لا يُسارعون في التكفير -كما ذكرت- فالتكفير أمره خطير، وأحذِّركم من تكفير المسلمين والمتأولين إلا من ظهر كفره، وبان عناده وإلحاده، فإن التكفير أضيق من ثقب الإبرة، ولا يقدم عليه إلا متهور، أعاذنا الله وإياكم أن نحكم على أحد من أهل القبلة بالخلود في النار.
стр. 9370
سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ
ومن خصائص أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ .
كان بعض بني أمية ينصب العداء لـ علي ﵁ ولبعض الصحابة، وكان منهم عمر بن عبد العزيز ﵁ قبل أن يبين له الصواب، حينما كان تلميذاً عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد الفقهاء السبعة، فسمع عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمر ينال من علي، فأجلسه أمامه، وقال: يا عمر! متى علمت أن الله غضب على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟
قال: ما علمت -وعلي من أهل بدر.
قال: متى علمت أن الله غضب على أهل بيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟
قال: ما علمت -وعلي من أهل بيعة الرضوان.
قال: فلماذا تسب علياً؟
قال: أتوب إلى الله، والله! لا أسبَّنه ولأحبَّنه، أي: لأحبنه من الآن.
فـ أهل السنة قلوبهم سليمة للصحابة، وأما أهل البدع؛ فإنهم يتناولون أصحاب الرسول ﷺ تناولاً ويقعون في أعراضهم، بل إن بعضهم يكفرهم ويستهزئ بهم، عليهم غضب الله.
قرأت عن بعض فرق المبتدعة في خراسان أن مبتدعاً خبيثاً منهم كان له فرسان، سمى أحد الفرسين: أبا بكر، وسمى الثاني: عمر، فأخبروا أحد العلماء، فقال: انتظروا سوف يقتله الفرس الذي اسمه عمر، لا يقتله إلا عمر؛ لأن عمر قوي، قالوا: فأتى يوماً من الأيام في الصباح يريد أن يضع العلف للفرسين؛ فرفسه الفرس الذي سماه عمر فقتله، وهذا أمر موجود في التراجم.
انظر إلى امتهانهم لأصحاب الرسول ﵊!! الشيخان العظيمان، قطبا الإسلام، وبطانة التوحيد، وسفينة الوعي، يتهمونهم بهذه التهمة وهذه التسمية الباطلة.
فـ أهل السنة يقول فيهم : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] وأنشد ابن القيم قصيدة يمدح فيها الصحابة ويحييهم ويلوم نفسه على أنه مُقصِّر في حبهم، ويتمنى أن يلقاهم ولو في المنام، ويسأل الله أن يجمعه بهم في دار الكرامة، ويُعاتب نفسه على التقصير في الحب، يقول فيها:
أما والذي شق القلوب وأوجد الـ ـمحبة فيها حيث لا تتصرم
وحمّلها جهد المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألم
لأنتم على بعد الديار وقربها أحبتنا إن غبتم أو حضرتم
سلوا نسمات للرياح تحملت محبتكم والله يدري ويعلم
وكنت إذا ما اشتد بي الشوق والجوى وسارت بنات الحب بالحب تقسم
أعلل نفسي بالتلاقي وقربه وأوعظها لكنها تتكتم
إلى أن قال:
أسائل عنكم كل غادٍ ورائح وأومئ إلى أوطانكم وأسلم
هؤلاء أصحاب الرسول ﵊، وهؤلاء أحباب الله من خلقه وأكرم الناس، قدَّموا جماجمهم من أجل لا إله إلا الله، وسالت دماؤهم من أجل مبادئهم حتى ارتفع دين الله، فما أبقوا قلعة إلا فتحوها بالتوحيد، وما أبقوا مبطلاً إلا ذبحوه، ليبقى التوحيد لله، وليخسأ كل فاجر رعديد.
قال ﵊ فيما رواه البخاري ومسلم: ﴿لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه﴾.
ويقول: ﴿الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم﴾ رواه الترمذي.
فالحذر كل الحذر أن يسب الصحابة، بل يعرف لهم منزلتهم فإنهم أهل القبلتين، وأهل البيعتين، وأهل القيامتين، وأهل المنزلتين، وأهل الولايتين، وأهل الهجرتين، وأهل الجهادين.
هم أهل بيعة الرضوان، وأهل العقبة، وأهل بدراً، وأحد، والخندق، والمنازل الشريفة في الإسلام، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وألحقنا بهم، وجمعنا بهم في دار الكرامة.
وأهل السنة يُفضِّلون الصحابة بعضهم على بعض كما ورد في السنة، فأفضلهم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ثم بقية العشرة، ثم من حضر بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم السابقون قبل الفتح، ثم من أتى بعد الفتح، وهكذا: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣].
وأهل السنة يشهدون لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، فيشهدون لـ ثابت بن قيس بن شماس بعد العشرة، ثابت الخطيب المصقع، الذي دمغ خصوم الرسول ﷺ بالخطب، وسبب الشهادة له بالجنة: أنه كان يرفع صوته بالخطب أمام رسول الله ﷺ ، ينصر الدين، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣] فأغلق عليه بابه، وجلس في البيت يبكي ثلاثة أيام بلياليهن، قال ﵊: أين ثابت بن قيس بن شماس؟ قالوا: ما رأيناه، قال: التمسوه، فالتمسوه، فوجدوه وراء الباب يبكي -لم يأكل ثلاثة أيام- قالوا: يا ثابت! اخرج، قال: أنا من الهالكين.
قالوا: لماذا؟ قال: الله يمدح الذين يغضون أصواتهم وأنا لم أغض صوتي وكنت أرفع صوتي في الخطب.
فأخبروا الرسول ﵊، فقال: أخبروه أنه من أهل الجنة - وفي رواية أخرى-: أخبروه أنه شهيد وأنا على ذلك شهيد، فأخبروه، ففتح الباب وهو يبكي ورمى روحه على الرسول ﷺ :
جاءت إليك حمامة مشتاقة تشكو إليك بقلب صب واجف
من أخبر الورقاء أن مكانكم حرم وأنك ملجأ للخائف
وحضر ثابت بن قيس بن شماس اليمامة، فلما تولَّى الصحابة؛ لأنه أتاهم هجوم عسكري مسلح مباغت -من بني حنيفة- متماسك كالجبل يزحف زحفاً، وكان قائد المعركة أبو سليمان خالد بن الوليد بيَّض الله وجهه، فأزاحوا صفوف الصحابة؛ لأن الصحابة لم يتهيئوا في الصباح حتى كشفوا المعسكر إلى مخيم خالد، فدخلوا مخيم خالد، فأخذ خالد البُرد وائتزر به، وقام وأخذ السيف وكسر غمده على ركبته، ثم أخذ يضرب في أعداء الله، ويفلق هاماتهم، فولَّى بنو حنيفة أمامه، ويقول شاعرهم:
أبنو حنيفة شدوا طال نومكم إن الخليفة عوَّاد بعواد
يا من يرى خالداً بالبرد معتجراً تحت العجاجة مثل الأغطف الغادي
أمَّا ثابت فحفر لقدميه حفرتين، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل هؤلاء -أي: الكفار- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -أي: من فر- وثبت حتى قتل في سبيل الله.
فهذا شهيد من الشهداء، وإنما ذكرت قصته استطراداً، وهذه القصص تسري في دماء الموحدين وأهل السنة والجماعة بركاناً ثواراً هادراً يملأها بالمثل يوم تحب الله ورسوله.
стр. 9371
موقف أهل السنة من التأويل
ومن خصائصهم رفضهم للتأويل.
والتأويل على ثلاثة أقسام:
أولاً: التأويل بمعنى: التفسير، كما قال مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه.
فالتأويل معناه: التفسير.
يعلمون تأويله: أي: تفسيره، والتأويل عند ابن جرير يعني: التفسير، يقول: قال بعض المؤولة: يعني: المفسرة والمفسرون.
ثانياً: ما يئول إليه الشيء، أي: ما تئول إليه حقيقة الشيء ويرجع إليه الأمر.
ثالثاً: التأويل عند المتأخرين -وهذا المذموم الذي ذمه أهل السنة - وهو: صرف الألفاظ والنصوص عن ظاهرها.
والتأويل شر الأبواب التي دُخل منها على الإسلام، فبالتأويل ذُبِحَ الصحابة في موقعة الجمل، وفي صفين وتقاتل ابن الزبير وعبد الملك.
بالتأويل دخلت القرامطة والنصيرية والإسماعيلية والباطنية.
بالتأويل دخل التتار وذبحوا المسلمين في العالم الإسلامي.
بالتأويل فتح بعض المبتدعة للصليبين الطريق لدخول بلاد الإسلام واحتلت.
بالتأويل نحي القرآن والسنة عن حياة الناس.
والآن أصبح القرآن الذي حكم البشرية خمسة عشر قرناً؛ منزوياً في حياة الناس، وأصبح لا يحكم إلا في مناحٍ من مناحي الحياة الجزئية، لا يدخل في ضمائر الناس، ولا في عقائدهم، ولا يحكم أفكارهم، ولا يحكم أقلامهم، ولا يتحاكمون إليه في كل صغيرة ولا كبيرة، إنما أصبح -عند بعض الناس- كالمتحف يتفرج فيه، وأصبح تزجية للأوقات، فإذا افتتح شيء وقبل أن يقص الشريط بدءوا بآيات من القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٢٤] رأيت الجمع أمامك والقارئ يقرأ يقولون: كذا، لأنهم متأثرين، والمعنى: لا نستجيب، فإلى الله المشتكى.
واسمع ابن القيم ماذا يقول في أعلام الموقعين (٤/ ٢٥١) قال: وبالجملة: فافتراق أهل الكتابين، وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إنما أوجبه التأويل، وإنما أُريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير وهلمَّ جرا بالتأويل، وإنما دخل أعداء الإسلام بالتأويل إلى أن قال: وهل دخلت طائفة الإلحاد من الحلولية والاتحادية إلا من باب التأويل مضادة ومناقضةً لحكم الله في تعليم عباده البيان الذي امتن الله على عباده به.
فأصبح القرآن والسنة عند بعض الناس طلاسم، وأصبحوا يرون أنه يعزل من الحياة.
يقول ابن القيم في موضع آخر: أصبح القرآن والسنة في زماننا -أي: في القرن السابع، فكيف بالقرن الخامس عشر- قال: أصبح مثل الخليفة عندنا لا يملك إلا السكة -أي: كتابه اسمه على النقد، والخاتم والخضيب والبردة- أما تسيير الأمور فهي للسلاطين، فنحي القرآن والسنة من حياة الناس، وهذا الذي نعاه أهل السنة والجماعة وطالبوا به، ويلحون بالمطالبة به، ويقدمون دماءهم رخيصة ليبقى هذا المفهوم السائد.
стр. 9372
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص
ومن خصائص أهل السنة والجماعة: أنهم يعتقدون أن الدين والإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
وهم مع ذلك لا يُكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج؛ بل أخوة الإيمان ثابتة مع المعاصي.
وبعض الطوائف ترى أن الإيمان اعتقاد فقط!! مثل المرجئة، فلا تضر الكبائر ولا يدخل العمل، وبعضهم يرى أنه نطق واعتقاد، وبعضهم يرى أنها معرفة فقط أو تصديق، وأهل السنة يقولون: الإيمان قول باللسان؛ أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
واعتقاد بالجنان: أن يعقد قلبك على الميثاق وأن تعتقده حقاً مثل الشمس في رابعة النهار.
وأن تعمل بالجوارح والأركان: فتارك الصلاة كافر؛ لأنه ترك شيئاً من الإيمان عند أهل السنة، فالإيمان عندهم: قول وعمل واعتقاد، بخلاف المبتدعة؛ فإنهم كفروا صاحب الكبيرة وأدخلوه النار، وبعضهم كـ المرجئة يقول: لا يضر، حتى تارك الصلاة عندهم لا يخرج من الإيمان، وإيمانه مثل إيمان أبي بكر وعمر.
فسبحان الذي هدى أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.
стр. 9373
اتباع آثار الرسول ظاهراً وباطناً
ومن خصائص أهل السنة: اتباعهم آثار الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ قبل أن يموت بليالٍ، حيث قال: ﴿عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ﴾.
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وهو حديث صحيح.
هذه وصيته ﵊.
وله حقوق علينا، منها: أن نحبه حباً يغلب حبنا لأطفالنا ولأهلنا ولأمهاتنا وآبائنا، وحبه يسري في دمائنا، وحبه يغلب على أنفسنا؛ حتى تتمنى أنت أنك قطعت بين يديه في سبيل الله، وتتمنى أن الشمس المحرقة إذا أرادت أن تصل إلى جسمه تصل إلى جسمك أنت.
فديناك يا ليل السهاد الذي سرى بجسمك دوماً في محاجرنا يسري
تصل إلى درجة خبيب بن عدي، وتفقد نفسك وأنت خصيم نفسك وشاهد عليها: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٤ - ١٥].
فاسأل نفسك يا عبد الله وخاصم روحك، وقد جعل الله من نفسك على نفسك سلطاناً، وقف مع نفسك خصماً وتأمل!! هل أنت تحبه صراحة؟
هل تسعى لما فعل خبيب بن عدي الشهيد البطل لما رُفِعَ إلى المشنقة وقدم على الموت، وأتت السيوف تنوشه من كل جهة، والرماح تقطعه في حرارة الشمس، وهو يقول لكفار قريش: [[اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، فقال أبو سفيان: يا خبيب! أتريد أن محمداً مكانك]] لأنهم يرون أن الذي ورَّط خبيباً هو محمد ﵊، والله إنها من أحسن الورطات، ومن أشرف وأعظم المنجيات.
يذكرون أن رجلاً جاهلاً نصح ابنه فقال له: لا تدع إلى الله، وقد كان بعد كل صلاة يقول: عن أبي هريرة عن أبي هريرة فقال: يورطك أبو هريرة، قال: لا يورطني إن شاء الله، فتكلم ابنه فسُجن، وهذا سبيل الرسول ﷺ : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠] وسبيل أحمد ومالك والشافعي وابن تيمية والعز بن عبد السلام، فتلك طريق ممضية، فلما سجن قال له أهله: أخرج ابننا، قال: يخرجه أبو هريرة.
الذي ورطه أبو هريرة فيخرجه أبو هريرة.
فلما ارتفع خبيب إلى المشنقة، قال: أتريد أن محمداً مكانك وأنك في أهلك ومالك؟ قال: [[لا والذي نفسي بيده! ما أريد أن محمداً ﵊ تصيبه الشوكة وأني في أهلي ومالي منعماً، السلام عليك يا رسول الله]] وكان خبيب في مكة والرسول ﵊ في المدينة، الشيخ في المدينة والتلميذ في مكة، لكن الأرواح تسري، وتقطع المنازل، وتصل إلى القلوب، وتأتي على المسافات والجبال، قال: [[اللهم أبلغ رسولك ما ألقى الغداة]] يقول: أخبره بما وجدت وبما لقيت وبما تعرضت له.
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألَّا تفارقهم فالراحلون همُ
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
ووصل الخبر إلى الرسول ﷺ في نفس اللحظة، فأخذ يلتفت وعيناه تهراقان بالدموع، ويقول: ﴿عليك السلام يا خبيب! عليك السلام يا خبيب! عليك السلام يا خبيب! إلى الجنة﴾ يريد ﷺ أن يوصل تلاميذه إلى الجنة.
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى للمطايا طيب ذكراك حاديا
وإني لأستغشي وما بي غشوة لعلَّ خيالاً منك يلقى خياليا
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا
فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا
رضينا بك اللهم رباً وخالقاً وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا
هذا منهج أهل السنة، أتريد حياة غير حياة هؤلاء؟!!
وهم يحبونه ﵊ ويموتون في حبه، ويتمنى الواحد منهم أن تتفجر به القنبلة لترتفع سنته ومنهجه في الأرض، وأتباعه ذهبوا إلى أفغانستان يجددون العهد، عهد بدر وحنين.
تلك العصا من تلكم العصية وهل تلد الحية إلا حية
فتفجرت بهم دبابات الملحدين الحمر، فولوا الأدبار خاسرين خائبين يوم رأوا أتباع محمد ﷺ يقولون: ها قد عدنا إلى العالم، ورجعنا من جديد، وأتينا ننصر الرسالة الخالدة، كلما مات جيل أتى جيل:
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
حبهم ليس مفتعل! فهم يحبونه حباً يسري في الدماء، تسقط شعرة منه ﵊ فيتقاطعوها عند الجمرة يوم حلق رأسه وكاد الناس يقتتلون عليها، يأخذون القدح الذي شرب فيه فيتسابقون أيهم يشرب من الموضع الذي شرب منه، يبصق فيأخذون البصاق، فيتمسحون به على وجوههم، لكنه حب ليس بتأله، واتباع وليس بعبودية له؛ لأنه هو الذي علمهم لمن تكون العبودية.
يا قاتل الظلم ثارت هاهنا وهنا فضائح أين منها جندك الواري
طه إذا ثار إنشادي فإن أبي حسان أخباره بالشعر أخباري
стр. 9374
منهج أهل السنة في آيات وأحاديث الصفات
ومن خصائصهم: أنهم يمرون أحاديث وآيات الصفات على ظاهرها بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل.
قال الشوكاني ﵀ في الرسائل السلفية، وتسمى التحف في مذاهب السلف ص: (٤ - ٥ - ٦) "والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا ﵏ -وأرشدنا إلى الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم- يمرون أدلة الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يتأولون، وهذا المعروف من أقوالهم وأفعالهم والمتقرر من مذاهبهم لا يشك شاك في ذلك، ولا ينكره منكر، ولا يجادل فيه مجادل، وإن نزع بينهم نازع، أو نجم في عصرهم ناجم؛ أوضحوا له أمره؛ وبينوا له أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك له في المجامع والمحافل".
انتهى كلام الشوكاني.
المقصود: لا تقول: كيف ولا تشبه ولا تعطِّل: ﴿ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل﴾ قل: آمنا وسلَّمنا، قل كما قال الشافعي ﵀: "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله".
لا تقل كيف استوى كيف النزول أنت لا تعرف من أنت ولا كيف تبول
فينبغي أن يقف الإنسان خصيماً لنفسه، ويتفقد نفسه وروحه؛ لأنه إذا لم يتلق المناهج -الآن- من طلبة العلم والعلماء الذين يظهرون للناس مذهب أهل السنة والجماعة فأين تلقي بابنك؟ وأين يتوجه؟ وممن يأخذ الفكر؟
إذا كان بعض الآباء يُحذِّرون أبناءهم من المحاضرات والدروس العلمية بحجة التطرف فمن أين يأخذون علمهم؟ ومن أين يأخذون منهج أهل السنة والجماعة؟ ومن أين ينجون؟ وهل هناك باطل يقال؟ هل رئي منكر يعرض على الناس؟ إن كان هناك باطل أو منكر فليكشف، وليوجه الدعاة وليناصحوا.
فطيلة ما يجلس الداعية في هذا المسجد سنوات طويلة وفي الدروس والمحاضرات ولم يتلق مرة من المرات رسالة ولا قصاصة، نقول: إنك انحرفت عن منهج أهل السنة والجماعة.
فهذا فضل من الله وتسديد، وإنما نقول هذا من باب: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١].
стр. 9375
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما توجبه الشريعة
ومن خصائص أهل السنة والجماعة: أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الجهاد في سبيل الله، وبذل الدعوة للناس، والاحتساب في سبيله، وبيع الجماجم، وهي جمع جمجمة، ويرون أن قطع الجمجمة في سبيل الله من أحسن ما يكون، ويرون كما قال فديوي الوهباني:
دوس المخاطر ولا تخشى عواقبها الموت واحد وانعم بالخطر جالي
وهذه من أسهل ما يكون، وأن قطعها في سبيل الله أحسن الأمنيات.
ويرون كما دخل ابن التمار على المأمون فقال المأمون: والله لأقطعن رأسك، فقطع ابن التمار زراره ورماه في وجه المأمون وقال: والله الذي لا إله إلا هو! إن قطع رأسي أهون عندي من قطع هذا الزرار.
ويروون أن ابن نوح لما دخل على أحد الخلفاء فقال له: والله لأشرعن في دمك -يعني: أسبح- قال: والله ما صليت الفجر اليوم إلا وتمنيت أنَّ الله يرزقني الشهادة على يديك.
ويرون أن من أحسن ما يكون للعبد هو الموت في سبيل الله، وأنه ألذ المطالب، وأحسن وأسهل وأهنأ من الماء البارد، وأن أحدهم إذا صلى قال: اللهم ارزقني الشهادة! حتى إن بعض السلف الصالح كانوا يأتون إلى بيوت بعض السلاطين ويأمرون وينهون من باب: [[قل الحق ولو كان مراً]] فلا يخافون ولا يجبنون، وأهل السنة والجماعة أشجع من أهل الأراضي، والعمارات، وأشجع من أهل الشعير، وأهل الضأن، وأهل الفحم الذين يتضاربون بالمشاعيب وبالهراوي والفئوس على فحمهم وشعيرهم، فهؤلاء إذا قطعت رءوسهم لا تقطع على الأراضي ولا على البطحاء، بل تقطع من أجل (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
وان دندن الطبل في الحراب دندنا بآيات حقٍ علي وبلال دندنها
وهذا البيت من عقيدة أهل السنة، لكن لا تظنوه من البخاري أو مسلم فهذا بيت شعري.
فقد رأيتم أنهم يأمرون وينهون ولا يخافون في الله لومة لائم، ويبلغون دين الله كما قال سبحانه: ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] فإذا خوفهم مخوف، قالوا: هوِّن عليك! معنا القوي وأنتم ضعاف، ومعنا الغني وأنتم فقراء! ومعنا الباقي وأنتم فانون: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦].
وهذا كلام الله سبحانه ومن الذين دونه؟ هم كل من سواه، ويعلمهم الله، ويقول: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران:١٧٣] يقول: زادهم إيماناً وقوة: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] والله يقول في أوليائه وأعدائه: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٧٩ - ٨٠] ويقول سبحانه عن قدرته وقدرة البشر: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] ويقول عن دسائس البشر وعن مكره جزاء مكرهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ويقول عن حزبه وحزب أعدائه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢].
وأهل السنة والجماعة أشجع من الثوريين العرب، وأشجع من الناصريين، والبعثيين، والاشتراكيين، والماركسيين بدرجات، بل الواحد منهم يسيل دمه قبل أن يلقى الهوج، شجاعة وإقداماً.
أحد الصحابة في أحد سمع الهاتف، فاخترط سلة السيف، وأخرجه من الغمد، وقال:
وليس على الأعقاب تُدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ثم رمى بنفسه وقتل.
وكان ﷺ يشهد العاصفة بنفسه ويخوض المعركة، وهناك فيلم أوروبي اسمه بدر الكبرى وفيه قال: واضطر محمد أن يخوض المعركة بنفسه بعد أن اشتدت العاصفة، وكان ﷺ يدير المعركة قبل نشوبها، لكن إذا اختلطت وسمع صرير السيوف والرماح، طمر بنفسه وسط الهول، حتى يقول علي ﵁: ﴿كنا نتقي بالرسول ﷺ إذا اشتد بنا البأس فيكون أقربنا من القوم﴾.
أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أدبت في هول الردى أبطالها
وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب فعلها أقوالها
ومثل هذه القصيدة، قصيدة اسمها (الشجاعة لمحمد ﷺ ألفها السبط ابن الجوزي يمدح فيها النبي ﷺ ، واسمع مطلعها ما أحسنه يقول:
قد زلزلت دنيا الهوى زلزالها وقال سلطان الغرام مالها
هذه دنيا من؟ دنيا محمد ﷺ .
فالرسول ﷺ علَّم الناس أن يبيعوا أنفسهم من الله، أي: لا تبع نفسك بغير الجنة.
يقولون: أخذ ابن المبارك تلميذاً له، قال: أوصني؟ فقال لتلميذه: لا تبع نفسك بغير الجنة.
والجنة أن تموت في سبيل الله، وأن يرزقك الله الشهادة في أي مكان، ولا تخف من أحد؛ فإن نواصي العباد بيده ، لا يضر ولا ينفع إلا هو كما قال ﷺ : ﴿ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك إلا بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
يقول بعض الفضلاء في معنى: رفعت الأقلام وجفت الصحف، يقول: رفعت الأقلام بالقتلى، من يموت قتيلاً ومن يموت ميتاً، ووضعت الأقلام من يموت حبطاً تخمة من الدهون في غرفة الباطنية، فهؤلاء رفعت فيهم الأقلام، والذين يموتون في سبيل الله رفعت فيهم الأقلام، والذين يتقاتلون على أكياس الشعير رفعت فيهم الأقلام، والذي يقتل ابن عمه على قطعة الأرض رفعت فيه الأقلام، ويجتمع سيد الشهداء حمزة يوم القيامة المقتول على كيس شعير لا يساوي سبعة عشر ريالاً!! يوم العرض الأكبر، وهذا قتل وهذا قتل؛ لكن ذاك قتل وهو سيد الشهداء وأسد الله في أرضه، وذاك لا يساوي فلساً.
стр. 9376
ترك الخصام والجدال في مسائل الحلال والحرام
ومن خصائصهم: ترك الخصام والجدال والمراء في مسائل الحرام والحلال.
قال ابن رجب ﵀ في كتابه: فضل علم السلف على علم الخلف: ومما أنكره أئمة السلف: الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام -أيضاً- ولم يكن ذلك من طريقة أئمة الإسلام، وإنما حدث ذلك بعدهم، كما أحدثه فقهاء العراقيين في مسائل الخلاف بين الشافعية والحنفية، وصنفوا كتب الخلاف، ووسعوا البحث والجدل، والله يقول: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨].
فـ أهل السنة لا يريدون الخلاف، ولا يحبون الجدل، ولا يتقولون في شرع الله، ويحبون الاجتماع، وأن يكون القول قولاً واحداً، ويحبون الألفة، ويتشاغلون بالقرآن والسنة، أما أهل البدع فيشتغلون بالجدل ويتركون العمل: ﴿وما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل﴾.
ومن خصائص أهل السنة: أن ما يقولونه من الكلام في النصوص إنما هو بفهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة.
أي: أنهم يفهمون الدين كما فهمه أبو بكر وعمر -رضوان الله عليهم- والصحابة، ففهمك اجعله كفهم الصحابة -رضوان الله عليهم- فلا تأت بفهم جديد، ويسمى هذا التجديد والتطوير في المناهج، والافتراء والتغيير، ويسمونه: إعادة البناء، كما سماه الروسيين (البروستريكا): إعادة البناء، فليس عندنا إعادة بناء: [[اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم]] ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ انتهى الأمر:
سلم قيادك للرسول محمد وارض بسنته مع الأقوام
فإذا رضيت بذلك نجحت في الدنيا والآخرة.
كان معنا درس مع طلبة العلم في آداب قضاء الحاجة، وإذا الأحاديث أكثر من ثلاثين حديثاً، فمحمد ﷺ يُعلِّمك كيف تدخل دورة المياه وكيف تخرج؟ وكيف تقضي حاجتك أو تستقبل أو تستدبر، وماذا تفعل؟ هل سمعتم بشرع كهذا؟! وهل سمعتم بمعلم أرقى من هذا المعلم؟! ﵊.
стр. 9377
المحافظة على الجمع والجماعات
ومن خصائص أهل السنة: محافظتهم على الجمع والأعياد والجماعات، ولا يدعونها لأوهى الأسباب، فهم يحضرون الجمع مع الناس، ويصلون الأعياد والكسوف والاستسقاء والجماعات في المسجد، ويحبون اجتماع الكلمة، ويحضرون الندوات والمحاضرات، ويفرحون إذا كثر الجمع الخيِّر، ولكن المنافقين يغضبون من هذه الجموع، ويرون اجتماعهم أنه سوء وشر وتطرف، وأنه ليس من الخير والحكمة والمصلحة، فانظر! كم الفرق بين الواديين والحسين والمنهجين؟! ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣].
فـ أهل السنة والجماعة يحضرون الجمع، قال ابن تيمية ﵀ في الفتاوى (٣/ ٢٨٠): ومن أصول أهل السنة والجماعة: أنهم يُصلَّون الجمع والأعياد والجماعات، ولا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم، فإن كان الإمام مستوراً لم يظهر منه بدعة -أي: الإمام الذي يصلي بهم- ولا فجور، صليت خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمة: إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره.
ولذلك أقول: لا يجوز لك أن تأتي إلى إمام يصلي، وتقول: ما عقيدتك؟! ما دام ظاهره الإسلام فاسكت، فالمستور يُصلى وراءه، ويجاهد وراءه، ويطاع في طاعة الله، ولا نخرج عليه ما لم نر كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان.
والإمام يُطاع حتى لو كان يشرب الخمر ولو زنى ولو سرق إذا كان له بيعة، لكننا إذا رأينا كفراً بواحاً فلا، وإنما يجاهد معهم ويصلى وراءهم، ويدعو لهم بالصلاح والاستقامة وبحسن البطانة، فهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، ولا يشقون عصا الطاعة، ولا ينثرون الدم، ولا يشوشون ولا يؤلبون الناس، وإنما ينصحون؛ لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة! قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾ والحديث صحيح.
وقال أحمد: "لو أعلم أن لي دعوةً مستجابة لجعلتها لإمام المسلمين.
فمن هديهم أنهم يدعون إلى اجتماع الكلمة، ويريدون استتباب الأمور حتى يكون الدين كله لله.
وقد ذكر أهل العلم أن ابن مسعود صلَّى خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد كان أميراً في العراق وكان يشرب الخمر، وفي مرة صلى بهم الصبح أربعاً، قام إلى الثالثة فقالوا: استعنا بالله، وتوكلنا على الله، ثم قام إلى الرابعة، فقالوا: استعنا بالله، يمكن أن الوحي نزل عليه، فلما فرغ من قراءة الفاتحة وقال: ولا الضالين، قالوا: آمين، قال:
من لجسم شفه طول النوى ولعين شفا طول السهر
جسد لفف في أكفانه رحمة الله على ذاك الجسد
ثم التفت! قال: أزيدكم؟ قالوا: ما زلنا معك في زيادة.
انظروا الصلاة ما أحسنها! وهذا في قرن الصحابة، فما رأوا الخروج عليه، قالوا: حفظك الله وهداك وأصلحك، إنما نرفع أمرك لـ عثمان، فرفعوا أمره لـ عثمان، فقال: تعالوا به! فأركبوه على جمل فوصل المدينة، فقال عثمان: يا علي! نفِّذ حد شرب الخمر ثمانين جلدة، وكان علي صاحب المهمات، فهو متدرب على قطف الرءوس، وعلى الضرب ﵁، يده حامية، أما عثمان ففيه حياء ووقار حتى إنه لا ينظر للناس، أما علي فهو قاطف رءوس الملحدين، يدبغ في الدماء دبغاً ﵁، ولا يرهب من الحدث، قلبه أقوى من قلب الأسد، فهذا أبو الحسن الذي قيل فيه:
عفاءٌ على دنياً رحلت لغيرها فليس بها للصالحين معرج
كدأب علي في المواطن كلها أبي حسن والغصن من حيث يخرج
قال: قم يا علي! فاجلده، قال علي: قم يا حسن -ابنه شاب- اجلد الوليد، قال الحسن وهذا في صحيح البخاري: ولِّ حارها من تولى قارها -يعني: دع عثمان ما دام تولى الخلافة يتولى مسئوليتها- فتبسم علي، وقال لـ عثمان: اجلده أنت.
فأرسل عثمان فجلد ثمانين، فما خرج أهل السنة على هؤلاء، وإنما دعوا لهم بالصلاح والاستقامة.
ومن هؤلاء: الحجاج بن يوسف فقد صلى وراءه ابن عمر في منى، وكان الحجاج سفاكاً، يلعب في دماء الأمة، سجن مائة ألف، وكانت السجون مكشوفة، مثل سجون جوزيف استالين في روسيا، الذي يقول فيه خالد محمد خالد: فزت حياً وميتاً يـ استالين.
بل خاب حياً وميتاً، إلى النار وبئس المصير!!
فهذه السجون مكشوفة، فإذا اشتد الحر خرج الحجاج يُصلي في المسجد، فإذا سمعوا بمرور الحجاج بكوا وتصايحوا وتضاغوا علَّه يرحمهم، قال: اخسئوا فيها ولا تكلمون.
ومع ذلك صلى وراءه ابن عمر؛ لأن نقض الطاعة بمثل هذه الأمور لا يصح، فالأمر ما وصل إلى هذا الحد، بل يُدعى وتقوم الأمور، فهذا معتقد أهل السنة.
وصلى الصحابة خلف ابن أبي عبيد وكان متهماً بالإلحاد.
وصلوا خلف يزيد بن عبد الملك وكان عنده مولى يسمى قبيحة فسماه الناس عبد قبيحة -أي الخليفة- كان يملأ بركة من العطر والطيب، ثم تضرب القيان له، ويشرب الخمر، ثم يقول: أريد أن أطير، أين أطير؟ قالوا: طر إلى البركة، فطار بثيابه إلى البركة، ولذلك ناصحوه؛ لكنه مات شر ميتة، فقد جلس مع قبيحة يأكل العنب، فنشب العنب في حلقه فغص بها فمات.
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
فهذا من الأمثال التي مرت في التاريخ.
стр. 9378
الصبر على الابتلاء
ومن خصائصهم: أنهم أعظم الناس صبراً على أقوالهم ومعتقداتهم.
وسأل قيصر -ويُسمى هرقل كما في صحيح البخاري -: أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ : هل يرجع أحدهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟
قال: لا.
قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.
هؤلاء أصحاب النبي ﷺ ، لا يرجعون عن معتقداتهم ومبادئهم ولو قُطِّعت رُءُوسهم، مبدؤهم ثابت، وكلامهم ثابت، وشجاعتهم متواردة؛ لأنهم يعلمون أنهم على الحق، ويقيس الإنسان نفسه بهذا؛ لأنه يوجد من بعض الناس لو خاف من شيء فعل كل شيء من أجل بقائه، لو أتى خَوفٌ وحُذِّر الناس من صلاة الجماعة، والله لا ترى أحداً يصلي إلا القليل، وتُترك المساجد بلاقع، فيقول أحدهم: أيطير رأسي من أجل صلاة الجماعة؟!
وبعضهم -في بعض الحوادث- قد يحلق لحيته حتى لا يُعد من المتطرفين، ويسبل ثوبه، ويسمع الغناء، ويدَّعي أنه داشر من أجل أن يبقى رأسه، ولكن الرسول ربَّى جيلاً من الناس، فيسحب بلال على الرمضاء فيقولون له: عد عد، فيقول: أحد أحد، من هو (أحد أحد)؟ إنه الذي على العرش استوى، وتقطع اللحوم منهم ويبقى الواحد منهم صابراًِ محتسباً لا يحوله عن دينه شيء.
قال أبو بكر لما أرسل إلى بني حنيفة خطاباً هائلاً يقول: [[والله! لأذهبن عنكم وساوس الشيطان بـ خالد بن الوليد، والله! لأحاربنكم بأناس -الموت إليهم أحب من الحياة- يحبون الموت كما تحبون الحياة]] فأطلق عليهم خالداً، وتلكم النخبة المثقفة التي تثقفت بإياك نعبد وإياك نستعين، فذبحوا بني حنيفة ذبحاً.
قال شيخ الإسلام في نقض المنطق (٤٢،٤٣) وفي الفتاوى (٤/ ٥٠،٥١): أما أهل السنة والحديث فما يعلم من أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم أنه رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وتعرضوا لأعظم الشدائد والكربات فلا زالوا يثبتون.
قال مالك: "لا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء".
والمعنى: لا تفرحوا لأحد عاش معافى ولم يصبه بلاء، أي: افرحوا لمن أصابه بلاء وفتنة في هذا الدين؛ فإنه إن شاء الله بمنزلته وحبه عند الواحد الأحد.
إن من خصائص أهل السنة أنهم يصبرون على أقوالهم ومعتقداتهم ولا يرجعون عنها ولا يستسلمون للباطل مهما كان، والله يقول: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
стр. 9379
التصديق بكرامات الأولياء
ومن خصائص أهل السنة: تصديقهم بكرامات الأولياء.
والكرامة يمنحها الله للمستقيم على الكتاب والسنة، يؤيد بها دينه، وقد أكرم الله كثيراً من الصحابة بشيء من ذلك؛ كتكثير الطعام لـ أبي بكر، وكرؤية عمر الجيش من مسافات، وكتسبيح الآنية والحصى لـ أبي الدرداء ولغيره من الصحابة، وكنزول الغيث مباشرة على العلاء بن الحضرمي وغيرهم من الصحابة، وهذه من كرامات الأولياء.
قال ابن تيمية في الفتاوى (٣/ ١٥٦): ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سلف الأمم في سورة الكهف وغيرها إلخ.
стр. 9380
بركة عمل وعلم أهل السنة والجماعة
ومن خصائصهم: ما قاله شيخ الإسلام: "أنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، فقد بارك الله في أعمالهم وبارك في علومهم.
وأقول لكم في المناسبة! إن طلبة أهل السنة والجماعة الذين يدرسون في المساجد، ينال أحدهم في السنة الواحدة من العلوم ما يستطيع أن يكون عالماً -إن شاء الله- بعد أن يكون عنده قاعدة وأصول مشتركة لا بد منها وحد أدنى لابد منه، وهذا من بركة علم أهل السنة والجماعة، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨].
стр. 9381
تعظيم الأمة لهم
ومن خصائص أهل السنة والجماعة: تعظيم الأمة لهم، واعترافها بفضلهم.
فهم معظمون، والله حببهم إلى الناس.
قال الإمام أحمد: بيننا وبين أهل البدعة الجنائز.
فجنائز أهل السنة كثيرة، وحضور دروس أهل السنة كثير عددهم، يحضر لهم كالغمام، والألوف المؤلفة تحبهم؛ لأنهم على السنة، وأهل البدع والانحراف ودعاة العلمنة والمنافقين لا يحبهم أحد، ولا يحضر لهم الناس إلا جبراً رغبة فيما عندهم من مال أو رهبة من أوامرهم وسياطهم، أما أهل السنة فلا يملكون شيئاً من الدنيا، وليس عندهم قوة، ولكن جبل الله القلوب على حبهم، وجعل حبهم كالماء البارد يشربونه، وهذا علامة صدقهم إن شاء الله.
لقد شيع الإمام أحمد أكثر من مليون مسلم، وشيع شيخ الإسلام أكثر من مائة ألف مسلم، وكادت دمشق تنقلب أولها على آخرها في الجنائز، عطس البربهاري في بغداد فشمته أهل بغداد إلى السوق، وهذا موجود في ترجمته، يقولون: كان في مجلس علم فعطس، فقال: الحمد لله! قيل: يرحمك الله، فقال أهل السوق الذي بجانب المسجد في دار السلام: يرحمك الله، وهذا من علامة القبول إن شاء الله.
أما أهل البدع فلن تجد لهم أساس، ولا يحبهم الناس ولا يجتمع لهم، ومهما حاولوا من الشارات والتلميع فإن الله يقول: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] والله يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] ويقول : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].
وقد ذكرت من خصائصهم: حب قرابة الرسول ﷺ .
стр. 9382
التورع وعدم التسرع في الفتيا
ومن خصائصهم: تورعهم في الفتوى، فلا يصدرون الفتاوي إلا بعلم وتأمل وتأكد، ويدفع بعضهم إلى الآخر الفتوى، ولا يستعجلون ويخافون، ويقولون فيما لا يدرون: لا ندري! حرجاً من أن يقعوا في الملمات.
قال علقمة: [[كانوا يقولون: أجرؤكم على الفتيا أقلكم علماً]] وقال ابن مسعود: [[إن الذي يفتي الناس بكل ما يستفتونه لمجنون]].
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: [[أعلم الناس بالفتاوي أسكتهم، وأجهلهم بها أنطقهم]].
فهم يتحرزون من الفتيا ولا يتسرعون، ويخافون من الله ويراقبونه ولا يفتون إلا بدليل أو بأمر واضح.
стр. 9383
الإيمان بأن الجنة والنار موجودتان مخلوقتان
ومن خصائصهم: أنهم يعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان موجدتان الآن، وليستا معدومتين ولا ينشئهما الله يوم القيامة كما زعمت القدرية والمعتزلة فإن هذا قول باطل.
قال الشيخ حافظ الحكمي:
والنار والجنة حقاً وهما موجدتان لا فناء لهما
فهذه من صفاتهم.
وأنت عليك أن تعرض نفسك على هذا المنهج وعلى خصائص أهل السنة والجماعة؛ لترى هل أنت منهم حقيقة؟ وإن لم تكن منهم فراجع نفسك وابكِ على ما سلف وتب إلى الله، واعلم أن الأمة المحمدية ثلاث وسبعون فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهم هؤلاء الذين سمعت أوصافهم وأخبارهم؛ عسى الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة.
стр. 9384
الأسئلة
стр. 9385
نصائح لنجاح حفلات الأعراس
في الصيف القادم بعد موسم الامتحانات سوف يكون موسم للزواجات، نسأل الله أن يتممه بالخير وأن يصلح منا الظاهر والباطن، وقد وصل إلي ما يقارب عشرين دعوة زواج، ولي اقتراح! أما من استطاع حضوره فهذا وارد، وأما إذا تعارض موعدان فهذا فيه مشقة، وعلى الدعاة حضور هذه الزواجات، وعدم الاعتذار، لكن هناك وجهات نظر أعرضها عليكم:
منها حفظكم الله: أنه لا يُؤيد أن يتخذ الزواج -من باب خوف الملل- محاضرة من أوله إلى آخره، فلو نوَّع البرنامج لكان أحسن، من كان عنده زواج فليأخذ هذه الفقرات ويعرضها على الناس، وليعرضها على طلبة علم، أو على مخيم صيفي، أو على ثانوية متوسطة يقومون بهذا البرنامج، كأن يكون البرنامج مدته ساعة أو ساعة ونصف فقط ولا يزيد.
فيبدأ هذا البرنامج بآيات من كتاب الله، ثم أحاديث من كلامه ﵊، ثم قصيدة عربية ولا بأس بقصيدة نبطية، ثم نشيد إسلامي يقدمه مجموعة من الطلبة، ثم نكات وطرائف، ثم مجلة، ثم ترجمة صحابي، ولا بأس بلعبة رياضية أمام الناس، ولا بأس أن يأتي كبير السن ويجعل له عشر دقائق أو ربع ساعة يتحدث عما كان عليه الناس وما أصبحوا فيه من النعم والخيرات، ثم يتحدث عن توجيه للزوجين وللمجتمع.
فهذا الذي أُرشحه.
الثاني: على الدعاة أن يختاروا الموضوع المناسب في الزواج، فلا يأتون بموضوع عذاب القبر ولا الموت، لأن الناس في حياة وليسوا بعزاء، ولا يبكي الناس فيتركون العشاء ويتباكون في طرف المخيمات، بل يشجعهم ويضحكهم ويسليهم ويعرض لهم قضايا هامة تنفعهم، فلكل مقام مقال:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى
الثالث: أقترح على المتزوج أن يستصحب هدية للحضور، وهي أشرطة إسلامية ما بين مائتين إلى ثلاثمائة شريط يصرفها، وقيمتها سهلة ويسيرة من التكاليف الباهضة التي تصرف -أحياناً- في غير طاعة الله، فيأخذ مائتين إلى ثلاثمائة شريط مع كتيب مع كل شريط ويقدمه للحضور، لكل فرد هدية، وسوف ينفع الله بها نفعاً كثيراً، وأرجو أن يكون في الحساب.
الرابع: أرى كذلك -وهذه وجهة نظر أعرضها عليكم وما نحن إلا إخوة بعضنا يستفيد من بعض- أن الزلفة والزير والحفلات الشعبية التي يصحبها المعازف محرمة، وهذه فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أنقلها عنه، وأنا متأكد مما أقول، سمعتها من فمه مباشرة، وهو مرجعنا في الفتيا، وهو عالم البلاد الإسلامية شرقاً وغرباً، وشيخ الإسلام في هذا العصر:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
قال: دلت النصوص على تحريم ذلك.
وأتى بروايات وهي مشفية، فلا نريد أن يعود الناس إلى الوراء، بل يجددوا من أفكارهم وثقافتهم وإيمانهم، ولا يعبثون بعد أن يأكلوا نعم الله، فيقومون يتراقصون على الزيرة والزلفة فهذا من الخطأ.
أما النساء فلا بأس أن يجتمعن على دفٍٍ يضرب بالأيدي، ولا بأس أن يرقصن بشرط ألا يخالطهن الرجال، ولا يكون عندهن آلات لهو كالأشرطة الغنائية، فإنها خمر العقول، وهي محرمة بإجماع أهل العلم.
وقد أصدرت هيئة كبار العلماء في بلادنا فتوى بخصوص تحريم الغناء.
ومن الرأي أيضاً: ألَّا يُؤخر العشاء على الناس -وهذا من الاستملاحات ما دام ذكر الزواج- فإن بعض الناس لا يقدم مؤدبته إلى ما يقارب الحادية عشرة أو الثانية عشرة، وقد ملَّ الناس وليس له ذلك، بل يحصر البرنامج، ومباشرة بعده يقدم للناس أكلهم وطعامهم.
ثم يُراعي عدم التبذير، فيحاول معرفة عدد الحضور وعدد ما يقدم لهم من الطعام.
ومن الملاحظات أيضاً: أن هنا قسم استقبال الولائم تحت جمعية البر، فمن عنده وليمة كبرى وخاف أن يفسد الطعام أو أن يبذر؛ فليتصل بهذه وينسق معها، ويأتون بسياراتهم ويأخذون ما بقي من ولائم ويوزعونها على الفقراء الذين لا يجدون اللحم من شهر إلى شهرين.
وهذا أمر معلوم.
وملاحظة أخرى: كثير من الدعوات تأتي لإلقاء محاضرات إلى بعض المناطق، والداعية لا يستطيع بمفرده أن يتنقل في كل منطقة، فوصيتي لطلبة العلم في كل منطقة أن يحرصوا على أخذ الشريط، كل جديد بجديده، وكل موضوع بموضوعه، وينزلونها إلى قراباتهم وجماعاتهم؛ ليكونوا أئمة لهم في الخير، فإن الله ينفع بها، وهذا شيء يريح الداعية، ويعمم النفع والفائدة للناس بإذنه .
следующие страницы →