Полный текст (977 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
محمد بن عاصم وبذله من أجل العقيدة
هاهو أحد المحدثين بـ خراسان، واسمه محمد بن عاصم عليه رحمة الله له بُنيات صغار، لا ولد ذكر يقوم عليهن، انتقل إلى بغداد يوم سمع بمحنة الإمام أحمد ليحدث الناس، ويسد ثغرة قد فُتِحَت في ذلك البلد، ترك بنياته بـ خراسان، وسمع في بغداد بتلك المحنة، فانطلق إلى الإمام أحمد، وقد علم أنه سُجن وعُذِّب وأوذي في الله ، فقال لأصحابه - وهو يحدث يوماً من الأيام في حلقته-: ألا نقوم فنقول كلمة الحق؟ وقام ليقولها، وتذكر بنياته اللاتي تركهن في خراسان، وعلم أن رجلاً يقوم ليقول كلمة في ذلك المقام ما عاقبته إلا الموت.
وهو في هذا الصراع مع نفسه يأتيه كتاب من بنيَّاته يقلن له: يا أبانا! إنا قد سمعنا أن الرجل قد دعا الناس إلى القول بخلق القرآن، وإنا نأمرك بألا تجيب؛ فوالذي لا إله إلا هو -يا أبانا- لأن يأتينا نعْيُك أحبُّ إلينا من أن نسمع أنك قلت بخلق القرآن.
الله أكبر! إنه البناء في أوساط النساء، وفي أوساط البنات، وفي أوساط الرجال، أُسَرٌ لم تعرف إلا ربها فهان في سبيله كل شيء، واستعذب في سبيله كل صعب.
كل بذل إذا العقيدة ريعَتْ دون بذل النفوس بذل زهيد
مسلم يا صعاب لن تقهريني في فؤادي زمازم ورعود
لا أبالي ولو أُقيمت بدربي وطريقي حواجز وسدود
من دمائي في مقفرات البراري يطلع الزهر والحيا والورود
هذه سمة المؤمنين، الاطمئنان إلى الله يملأ نفوسهم فيبنيها، يحرك جوارحهم فيقوِّيها، لا يستمدون تصوراتهم وقِيَمَهم وموازينهم من الناس، وإنما يستمدونها من رب الناس؛ فأنى يجدوا في أنفسهم وهناً عند محنة أو عند منحة أو عند شهوة، أو يجدوا في قلوبهم حزناً على فائت من الدنيا؟
إنهم على الحق؛ فماذا بعد الحق إلاّ الضلال، وليكن للباطل سلطانه، وليكن له هيله وهيلمانه، وليكن معه جمعه وجنوده، إن هذا لا يغير من الخطب شيئاً.
هذا هو الصنف الأول من الناس، ممن أسَّسَ بنيانه على تقوى من الله ورضوان؛ هامات لا تنحني، وقامات لا تنثني، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا الصنف.
стр. 352
الصنف الثاني: بنوا أنفسهم على شفا جرف هار
أما الصنف الثاني: فأسَّس بنيانه على شفا جُرُف هارٍ، يعبد الله على حرف، إن أصابه خير اطمأنَّ به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، يذوب أمام المحنة فلا يتماسك، يلعب بعواطفه الخبر البسيط فلا يثبت، يطير فؤاده للنبأ الخفيف فلا يسكن، فؤاده هواه، يعيش موزعاً بين همِّ حياة حاضر ومفاجآت تنتظر، لا تطمئن لقوله، ولا تثق في تصرفاته، بصره زائغ، عقله فارغ، أفكاره تائهة، مغلوب على أمره، لا ينفع في ريادة ولا يُعتمَد عليه في ساقة، جبان مفتون فرَّار غرَّار.
يوماً يمانٍ إذا لاقاه ذو يمنٍ وإن تلقى معديّاً فعدناني
مثل هذا كالشجرة لا جذور لها ولا ثمرة، لا تثبت أمام الريح، ولا تقوى على مقاومة الآفات، أو كالبناء بلا أساس، سرعان ما يخر سقفه على من فيه، فهو قلق بائس متردد، تعصف به الفتن، وتدمره المِحَن، إن عذلته لم يرعوِ، إن خاطبته لم يفهم.
ومن البلية عدل من لا يرعوي عن غيِّه وخطاب من لا يفهم
إن المؤمن ليقف شامخاً وهو يرى مثل هذا الصنف البائس، وقد غرق في شهواته الهابطة، وفي نزواته الخليعة السافلة يَعُبُّ منها، لكنها حكمة الله البالغة، التي أرادت أن يقف الإيمان مُجرَّداً من الزينة والطلاء، عاطلاً عن عوامل الإغراء، لا هتاف لذة، ولا دغدغة شهوة، وإنما هو الجهد ليقبل عليه من يقبل وهو على يقين أنه يريد الله والدار الآخرة، ولينصرف عنه من يبتغي المطامع والمنافع الدنيوية، ومن يشتهي الزينة ويطلب المتاع؛ ليحيا من حيَّ عن بينه ويهلك من هلك عن بينة.
стр. 353
ملك غسان وبناؤه المنهار
هاهو أحد الساقطين الذين بنوا أنفسهم على شفا جرف هار فانهار بهم، إنه جبلة ملك غسان، أسلم وجاء المدينة في موكب عظيم بحاشيته وجنده، ففرح المسلمون بإسلامه كثيراً، فخرجوا للنظر فيه وفي موكبه، فإذا الخيول معقودة أذنابها، وسلاسل الذهب في أعناقها، وعلى رأسه التاج المُرَصَّع بالجوهر، وذهب إلى مكة وجعل يطوف بالبيت، وبينما هو يطوف إذ وطئ رجل فزاري إزاره، فلطم جبلة الفزاري فهشم أنفه، فشكاه الفزاريُ إلى عمر ﵁ وأرضاه.
فبعث عمر إلى جبلة فأتاه، فقال له عمر: ما هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه تعمد وطأ إزاري فلطمته، ولولا حرمتك لضربت ما بين عينيه بالسيف، فقال عمر: قد أقررت على نفسك بما فعلت؛ فإما أن تُرضي الرجل، وإلا أقتص له منك بهشم أنفك كما فعلت به.
قال: وكيف ذلك وهو سوقة، وأنا ملك؟ قال عمر ﵁: الإسلام سوَّى بينكما.
فلم يرَ جبلة مخرجاً إلا بإعطائه مهلة، فطلب مهلة إلى الغد ليلوذ بالفرار ليلاً؛ ويرتدَّ عن دينه، ولو علم الله فيه خيراً لأسمعه، سقط عند أول امتحان؛ لأن البناء لم يؤسَّس على تقوى، وإنما أُسِّس على شفا جُرُفٍ هارٍ.
كيف يقوى على العواصف غرس جذره في ترابه موءود
стр. 354
أسباب بناء النفس
أحبتي في الله: بعد الذي سمعتم لعلكم أدركتم أن الحاجة العظيمة ماسَّة إلى بناء أنفسنا، وتأسيسها على تقوى من الله ورضوان، أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب والكساء.
ذلك لعدة أسباب لعلنا أن نقف عليها:
أولاً: لكثرة الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات؛ فحاجة المسلم الآن -لا ريب- إلى البناء أعظم من حالة أخيه أيام السلف، والجهد -بالطبع- لابد أن يكون أكبر؛ لفساد الزمان والإخوان، وضعف المعين، وقلة الناصر.
ثانياً: لكثرة حوادث النكوص على الأعقاب، والانتكاس، والارتكاس حتى بين بعض العاملين للإسلام، مما يحملنا على الخوف من أمثال تلك المصائر.
ثالثاً: لأن المسئولية ذاتية، ولأن التبعة فردية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نفْسِهَا﴾ [النحل:١١١].
رابعاً: عدم العلم بما نحن مقبلون عليه؛ أهو الابتلاء أم التمكين؟ وفي كلا الحاليْن نحن في أَمَسِّ الحاجة إلى بناء أنفسنا لتثبت في الحالين.
خامساً: لأننا نريد أن نبني غيرنا، ومن عجز عن بناء نفسه فهو أعجز وأقل من أن يبني غيره، وفاقد الشيء لا يعطيه كما قيل.
стр. 355
من عوامل بناء النفس
لذلك كله كان لابد من الوقوف على بعض العوامل المهمة في بناء النفس بناءً مؤسَّساً على تقوى من الله ورضوان؛ فها هي بين أيديكم -الآن- بعض العوامل غير مرتبة، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.
стр. 356
من عوامل البناء التقرب إلى الله بما يحب
من عوامل بناء النفس: التقرب إلى الله بما يحب من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وخير ما تقرب به المتقرِّبون إلى الله الفرائض التي فرضها الله جل وعلا، وعلى رأس هذه الفرائض توحيد الله جل وعلا وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، ثم إن في النوافل لمجالاً واسعاً عظيماً لمن أراد أن يرتقي إلى مراتب عالية عند الله ﵎، وفضل الله واسع يؤتيه من يشاء.
يقول ﷺ ، فيما يرويه عن ربه، كما في البخاري: ﴿وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأًعيذنَّه﴾ ومن فضل الله جل وعلا علينا أن جاء هذا الدين بعبادات شتى تملأ حياة المسلم في كل الظروف والأحوال؛ بالليل والنهار، بالقلب والبدن؛ فهناك السنن القولية، والسنن الفعلية والقلبية التي يعتبر أداؤها من أهم عوامل بناء النفس؛ من قيام ليل، وصيام تطوع، وصدقة، وقراءة قرآن، وذكر لله آناء الليل وأطراف النار، ولاشك أن هذه العبادات تقوِّي الصلة بين العبد وبين ربه، وتوثِّق عُرى الإيمان في القلب؛ فتنبني النفس وتزكو بها، وتأخذ من كل نوع من العبادات المتعددة بنصيب؛ فلا تَملُّ ولا تَسْأَمُ.
لكن علينا أن ننتبه في هذه القضية إلى أمور:
أولاً: الحذر من تحول العبادة إلى عادة؛ لأن البعض يأْلَف بعض العبادات حتى يفقد حلاوتها ولذَّتها؛ فلذلك تراه لا يستشعر أجرها، فتصبح العبادة حركة آلية لا أثر لها في سَمْتٍ أو قول أو عمل أو بناء.
ثانياً: الحذر من الاهتمام بالنوافل على حساب الفرائض؛ لأن البعض يُخطئ، فيهتم بالأدنى على حساب الأعلى -وما في العبادات دنيء- فيقوم الليل -مثلاً- ثم ينام عن صلاة الفجر، فليكن لك من كل عبادة نصيب، وعلى حسب الأهمية؛ كالنحلة تجمع الرحيق من كل الزهور، ثم تخرجه عسلاً مصفًّى شهياً سائغاً لذة للآكلين.
ثالثاً: إذا تعارض واجب ومستحب؛ فالواجب مقدَّم ولا شك.
رابعاً: التركيز على أعمال القلوب، وتقديمها على أعمال الجوارح؛ فالقلوب هي محل الفكر، ومحل التدبُّر، ومحل العلم، والقلب مع الجوارح -كما تعلمون- كالملك مع الجنود: ﴿ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب﴾.
стр. 357
من عوامل بناء النفس المجاهدة
من عوامل بناء النفس: المجاهدة: وكل فكرة لا يصحبها مجاهدة فهي في طريقها إلى الاضمحلال والذوبان والزوال، يقول الله جل وعلا: ﴿وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ
فجاهد النفس والشيطان واعصهما وإن هما محَّضاك النصح فاتهمِ
إن استشعار المؤمن أن الجنة محفوفة بالمكاره يتطلب منه طاقة عالية متمثلة في هِمَّة عالية تتناسب مع ذلك المطلب العالي؛ للتغلب على تلك المكاره التي حفَّت بذلك المطلب العالي، ألا وهو الجنة -نسأل الله من فضله- مع تنقية تلك الهمم من كل شائبة تدفع لوجه غير وجه الله ، وإنما تفاوت الناس بالهِمَم لا بالصور، والله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
هاهو ثابت البناني عليه رحمة الله يقول: تعذبت بالصلاة عشرين سنة، ثم تنعمت بها عشرين سنة أخرى، والله إني لأدخل في الصلاة فأحمل همَّ خروجي منها.
لا شك -والله- أن هذا نتيجة مجاهدة وصل بها إلى الهداية من الله جل وعلا.
ويقال للإمام أحمد: يا إمام! متى الراحة؟ فيقول -وهو يدعو إلى المجاهدة-: الراحة عند أول قدم تضعها في الجنة.
إِي والله! إنها الراحة الأبدية التي يُستعذَب كل صعب في سبيل الوصول إليها.
وأعظم المجاهدة -يا أيها الأحبة- مجاهدة النيات: ﴿فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى﴾ والعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير صدق هباء: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].
يأتي أناس يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباءً منثوراً، مع أنهم كانوا يصلون مع المصلين، ويصومون مع الصائمين، ولهم من الليل مثل ما للمصلين وما للمخلصين، لكنهم إذا خلَوْا بمحارم الله انتهكوها؛ أمام الناس عُبَّاد زُهَّاد نُسَّاك، لكن إذا خلَوا ظنوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون؛ فالنيةَ النية!
هاهو ﷺ يتجه إلى تبوك من المدينة بجيش قوامه ثلاثون ألفاً في صحاري يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد، وقت عسرة ووقت شدة حرٌّ ودنوّ ثمار في المدينة، ومشقة عظيمة في سفرهم بلغت فوق ما يتكلم المتكلمون، حتى إن عمر ﵁ ليقول: [[لقد أصابنا عطش شديد حتى ظننَّا أن رقابنا ستتقطع من شدة العطش، حتى إن الرجل لينزل عن بعيره فينحره، فيعتصر فرثه ثم يشربه]] الحال هذا بعضه.
وعندما قفلوا راجعين منصورين، يقول النبي ﷺ بعد هذا التعب العظيم: ﴿إن بـ المدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، ولا وطئتم موطئاً يغيظ الكفار إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر قالوا: يا رسول الله! ﷺ وهم بـ المدينة؟! قال: نعم، وهم بـ المدينة﴾ إنهم -ولاشك- أقوام حسَّنوا نيَّاتهم.
جاءوا إلى رسول الله ﷺ يقولون: يا رسول الله! زادٌ وراحلة، لا نملك ذلك، فيقول ﷺ : ﴿لا زاد ولا راحلة﴾ ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢] فبحسن النية بلغوا ما بلغ أولئك الذين سمعتم بعض ما حصل لهم.
ولذلك يقول الإمام أحمد موصياً ابنه: يا بني! انوِ الخير؛ فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير، فالنية النية، والإخلاص الإخلاص؛ فهي من أهم عوامل بناء النفس وتزكيتها، وكل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.
стр. 358
علامات الإخلاص
ثم اعلم -يا أخي الحبيب- أن للإخلاص علامات اعرض أعمالك عليها، واختبر نفسك وجاهدها وهي على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: استواء المدح والذم؛ فالمخلص لا يتأثر بمدح مادح، ولا ذم ذامٍّ؛ لأنه جعل الهمَّ همّاً واحداً، وهو إرضاء الله رب العالمين وكفى، ولذا يُمدح أحد الأئمة في وجهه، فيغضب، ويقول: أشهد الله أني أمقتك على ما تقول، والذي لا إله إلاَّ هو لو علمت من نفسي ما أعلم لحثَوْتَ على رأسي التراب.
ثانياً: نسيان العمل بعد عمله، ويبقى الهم هماً واحداً؛، هل تُقُبِّل هذا العمل أم لم يتقبل، و ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
ثالثاً: الحب في الله: حباً يزيد بالبر لكنه لا ينقص بالجفاء، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٣].
رابعاً: إخفاء ما يمكن إخفاؤه من الطاعات؛ خوفاً من دواعي السُّمْعَة والرياء [[فمن استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل]].
لقد كان الرجل من أسلافنا يجمع القرآن ويحفظه وما يشعر به جاره، ويفقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس حتى يُسأل، ويصلي الصلاة الطويلة والضيف في بيته ولا يشعرون؛ بل إن أحدهم ليدخل مع زوجته في فراشها ثم يخادعها كما تخادع المرأة صبيها، فإذا نامت سلَّ نفسه، ثم قام ليله كله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] فما جزاؤهم؟ ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
يقول أحد السلف: لقد أدركنا أقواماً ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر؛ فيكون علانية أبداً، يجلس الرجل منهم في المجلس المعمور بذكر الله، فتأخذه الخشية، فتأتيه العَبرة لتخرج فيردها؛ فإذا خشي خروجها خرج من مجلسه خوفاً من دواعي السمعة والرياء.
يصوم أحدهم يوماً، ويفطر يوماً لمدة أربعين سنة لا يعلم أهله به، كان حمَّالاً -يعمل حمالاً- يحمل غداءه معه في الصباح، فيتصدق به في الطريق على أحد المساكين، ويرجع في المساء ليتعشى مع أهله؛ فذاك إفطاره وهو عشاؤهم.
بل إن ابن المبارك عليه رحمة الله كان يجاهد في سبيل الله، وكان يضع اللثام على وجهه لئلا يُعرف خوفاً على نيته أن يشوبها شائب من الشوائب.
هل عاش أولئك يوماً من الدهر على وجه الأرض.
إي والله اللهم إنا نشهدك أنَّا نحبهم، اللهم احشرنا وإياهم في زمرة الصالحين.
إيمانهم بالله لا يتزعزع وضميرهم في الله لا يتزلزل
قد أرخصوا في الله كل عزيزة ثم استقلُّوا فيه كل مُذلِّل
ليست مبادؤهم حديث مُنمِّق زيف اللسان ولا كلام مجمِّلِ
صارت مبادؤهم وصارت خلفها أفعالهم في موكب متمثِّل
حملوا القلوب على السيوف وأمعنوا في حملهن على الرماح الدُّبَّل
الموت للجبناء منحدر وللهمم الصعود شتان ما بين الثعالب في المعامع والأسود
стр. 359
من عوامل بناء النفس: محاسبة النفس محاسبة دقيقة
من عوامل بناء النفس: محاسبتها محاسبة دقيقة؛ فالنفس بطبيعتها تميل إلى الشهوات، إلى اللذات، إلى الهوى؛ فلابد لها من محاسبة، والكل لا يشك أننا إلى الله راجعون، محاسبون على الصغير والكبير والنقير والقطمير.
والأعمال محصاة في سجلات محكمة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْس شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ منْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].
ما دمنا نعلم ذلك؛ فمن العقل أن نحاسب أنفسنا في الرخاء قبل الشدة؛ ليعود أمرنا إلى الرضا والغبطة؛ لأن من حاسب نفسه علم عيوبها وزلاَّتها، ومواطن الضعف فيها، فبدأ بعلاجها ووصف الدواء لها، فينمي ذلك في النفس الشعور بالمسئولية ووزن الأعمال والتصرفات بميزان دقيق، ألا وهو ميزان الشرع.
لقد عرف السلف الصالح أهمية ذلك، فحققوها في أنفسهم.
هاهو أحدهم - كما أورد ابن أبي الدنيا بسنده- جلس مع نفسه ذات يوم محاسباً في آخر عمره، نظر وقلَّب وفكر وقدر؛ فإذا عمره ستون عاماً، حسب أيامها فإذا هي تربو على واحد وعشرين ألف يوم وخمسمائة، فصرخ وقال: يا ويلتاه! أألقى الله بواحد وعشرين ألف ذنب وخمسمائة، هذا إن كان ذنباً واحداً؛ فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟! ثم خرَّ مغشياً عليه.
فالمحاسبة تروِّض النفس وتهذبها، وتزيد العمل الصالح، وتولِّد الحياء من الله، وتُلزم خشية الله، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوها قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
والمحاسبة على أقسام: محاسبة قبل العمل: قف عند أول همِّك أو إرادتك العمل، فأسأل نفسك: هل العمل مشروع؟ أقدم وأخلص وجِدَّ وسارع إن كان كذلك، وإن لم يكن: ﴿فمن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ كما قال ﷺ .
ومحاسبة أثناء العمل: هل أنت مخلص صادق أم مراءٍ؟ وأنت أعلم بنفسك؛ لأن العمل قد يبدأ وهو خالص لله ثم يشوبه شيء من الرياء أثناء أدائه؛ فليُنتبَه للنية فيه.
ومحاسبة بعد العمل وهي على أنواع:
أحدها: محاسبة النفس على طاعة قصرت فيها في حق لله؛ فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي أن توقع، وحق الله -كما تعلمون- في الطاعة ستة أمور:
الإخلاص في العمل.
ثم النصيحة لله فيه.
ثم متابعة الرسول ﷺ ، ثم شهود مشهد الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه.
ثم شهود مِنَّةِ الله عليك في التوفيق لأدائه.
ثم شهود تقصيرك فيه بعد ذلك كله.
أما الثانية: فمحاسبتها على كل عمل كان تركه خيراً لك من فعله.
وأما الثالثة: فمحاسبتها على الأمور المباحة أو المعتادة لِمَ فعلتها؟
ومما يعين على محاسبة النفس معرفة عيوبها، ومن عرف عيبه كان أحرى بإصلاحه.
ومما يعين على معرفة عيوب النفس أمور: ملازمة العلماء الصادقين المخلصين العاملين الناصحين، وكذلك ملازمة الإخوة الصالحين الذين يذكرونك الله ويخوِّفونك حتى تلقى الله آمناً.
والمؤمن للمؤمن -كما تعلمون- كاليدين؛ تغسِّل إحداهما الأخرى، وقد لا يُقلع الوسخ أحياناً إلاَّ بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة بعد ذلك ما يحمد به ذلك التخشين؛ فاصبر على مرارة التخشين بتعريفك بعيوبك من إخوانك، لتحمد ذلك ولو بعد حين.
ومما يعين على معرفة العيوب، التأمل في النفس بإنصاف وتجرد؛ فمن تأمل في نفسه بإنصاف وتجرُّد عرف عيوبها، فإن عدمت عالماً، وإن عدمت قريناً صالحاً ولم تتأمل في نفسك بإنصاف -وإن شاء الله لا يعدم هؤلاء- فابحث عن عيوبك عند أعدائك، واستفد منهم؛ فالحكمة ضالتك.
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
والكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.
стр. 360
من عوامل بناء النفس: طلب العلم
ومن أهم عوامل بناء النفس: طلب العلم المقرب إلى الله جل وعلا، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى في تبليغه، أقول هذا لسببيْن اثنيْن؛ لأن العبادة بلا علم توقع في البدع، وما وقع المبتدعة فيما وقعوا فيه إلا عن جهل غالباً، ولأن العلم مادة الدعوة إلى الله جل وعلا، ودعوة إلى الله بلا علم قد تضر ولا تنفع، وقد يصاحبها الانحراف والضلال.
وما الداعية بلا علم إلا كواقف على شاطئ البحر ينتظر وينظر؛ فإذا الأمواج تتقاذف سمكة من الأسماك يَمْنَة ويَسْرَة، تطفو بها تارة، وتغوص بها أخرى، فيشفق عليها مما هي فيه، فيأخذها، ثم يرميها على الشاطئ ظناً منه أنه أنقذها، وما علم أنه أهلكها، وإن للخير سبلاً، وكم من مريد للخير -يجهل العلم- لا يدركه.
فيا طالب العلم: العلم هام لهاتيْن النقطتيْن، ولك خصال عند الله وميْزات قلَّما توجد لأي شخص من الأشخاص في هذه الحياة، اسمعها وعِها وقف عندها علَّها تكون لك حافزا: ً
أولاً: ﴿من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾ فأنت تسلك طريق الجنة ولا شك، قال ذلك الصادق المصدوق ﷺ .
ثانياً: الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع.
ثالثاً: أهل السماوات والأرض -حتى الحيتان في جوف البحر- يصلون على معلم الناس الخير.
رابعاً: الخيرية لك ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾.
خامساً: النضارة والوضاءة في الدنيا والآخرة، فتجد وجوه طلبة العلم المخلصين عليها النور وعليها الوضاءة في الدنيا وتبيض: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] يقول النبي ﷺ : ﴿نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها؛ فربَّ مبلَّغ أوعى من سامع﴾.
سادساً: التعديل والتزكية لا من البشر القاصرين المخطئين، ولكن من رسول الله ﷺ : ﴿يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين﴾.
العلم أحلى وأغلى ما له استمعت أذن وأعرب عنه ناطق بفم.
العلم أشرف مطلوب وطالبه لله أكرم من يمشي على قدم
فقدِّس العلم واعرف قدر حرمته في القول والفعل والآدابَ فالتزم
يا طالب العلم لا تبغي به بدلاً فقد ظفرت ورب اللَّوح والقلم
واجهد بعزم قوي لا انثناء له لو يعلم المرء قدر العلم لم ينمِ
والنية اجعل لوجه الله خالصة إن البناء بدون الأصل لم يقمِ
هذه المزايا العظام -يا أيها الأحبة- تحتاج في نيْلها إلى صبر ومصابرة ومجاهدة.
فمن لم يصبر على ذل التعلم، بقي طول عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عز في الدنيا والآخرة.
طالب العلم -يا أيها الأحبة- يحتاج إلى الصبر، لماذا؟ لأنه يحتاج إلى عالم يذهب إليه، يحتاج -بالطبع- إلى أن يتأدب معه، إلى أن يستأذن عليه، إلى أن يتلطف في السؤال، إلى أن يزاحم طلاب العلم بالرُكَب، إلى قسوة قد يجدها من العالم في لفظ يعنفه به أمام الناس، ومع هذا كله فإن الصعاب تُستعذَب في سبيل الجلوس مع العلماء، للتأدُّب بأدبهم، ونيل العلم الذي يكسبك خشية رب الأرباب؛ فأصل العلم خشية الله جل وعلا.
стр. 361
بناء العلماء لطلابهم
وللعلماء -يا أيها الأحبة- خطة تربوية عظيمة في تأديب طلاب العلم سابقاً ولاحقاً، تتفاوت من عصر إلى عصر.
جدير بنا أن نقف عند هذه الخطة التربوية، لقد كانوا يقسون على طلابهم قسوة عظيمة تصل بهم إلى حدٍّ لا يكاد يحتمل، لماذا؟ لأنها قسوة الحازم ليتأدبوا ويتعلموا.
ومن يك حازماً فليقْسُ أحياناً على من يرحم
روى الخطيب البغدادي في كتاب: شرف أصحاب الحديث أن أصحاب الحديث كانوا يهجمون على الإمام الأعمش عليه رحمة الله أبي محمد سليمان بن مهران؛ لأنه إمام ثقة، والرواية عنه شرف، فكانوا يتهافتون عليه، فأراد أن يؤدبهم وأن يختبرهم ليرى هل هم صادقون أم ليسوا بصادقين.
فاشترى كلب صيد، أول ما يسمع قرع الأقدام اقترب من البيت أطلقه عليهم، فيطردهم حتى يخرجوا خارج الحدود، ثم يرجع.
وفي اليوم الثاني هل يئس أولئك الطلاب -طلاب العلم-؟ لا؛ بل عاودوا مرة أخرى إلى بيت الأعمش، وهم على حَذَر، وعلى خوف ووَجَل، ولما قربوا أطلق عليهم الكلب مرة أخرى حتى خرجوا خارج الحدود، ثم عاد.
وفي اليوم الثالث يأتون، وما يئسوا وما فتروا وما قالوا: لا خير في هذا الإمام، وإنما علموا قدر ما عند هذا الإمام وقدره، فصبروا على كل شيء في سبيل أن يحصلوا على حديث واحد من أحاديث رسول الله ﷺ ، وجاءوا في اليوم الثالث، وتقدموا على خوف ووَجَل يتوجسون أن يرسل عليهم الكلب، ووصلوا إلى البيت فلم يخرج عليهم شيء، فاستأذنوا على الإمام، فأذن لهم، ولمَّا دخلوا بكى، قالوا: ما يبكيك يا إمام؟ قال: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، يعني الكلب.
ما ترون لو أن عالماً طرد طالب علم ناهيك عن أن يرسل عليه كلباً، هل سيرجع إليه في هذا العصر الذي ماتت فيه الهمم؟ كلا وألف كلا؛ بل لا يسلم من لسانه أبد الدهر؛ لأن الهِمَم ضعيفة، وأي عائق يعيق الضعيف، وأما السلف فلا، بل أقوياء أتقياء؛ فليكن لنا من سِيَرِهم دافع لأعمالهم.
وتشير الأخبار عن الإمام الأعمش -أيضاً- إلى أن تلاميذه كانوا يحتالون عليه ليكتبوا عنه الحديث؛ نظراً لأنه يَضِنُّ عليهم بما لديه، لتربيتهم ولتعريفهم قدر هذا الحديث الذي يأخذونه عنه.
ومن ذلك ما يرويه أحد تلاميذه -وهو عيسى بن يونس - يقول: خرجنا في جنازة من الجنائز، ورجل من طلاب العلم كان يقود الإمام الأعمش فلما دُفنت ورجعنا، عدل بالإمام الأعمش قليلاً قليلاً حتى أصحر به -يعني: حتى أصبح بالإمام في الصحراء- ثم قال: يا إمام! أتدري أين أنت الآن؟ قال: لا.
قال: في جبّانة كذا وكذا، والله لا أردك حتى تملأ ألواحي هذه حديثاً، طالب علم حريص على الحديث، والأعمش لن يستطيع أن يعود إلى بيته، قال: اكتب، حدثنا فلان عن فلان حتى ملأ الألواح التي بين يديْه، ثم قفل به راجعاً، وهو يعرف ماذا سيكون من هذا الإمام؛ فلما دخل الكوفة، دفع الألواح لطالب علم آخر وقال له: خذها واهرب بها، وذهب بـ الأعمش إلى داره، ولما وصل تعلق الأعمش به، وصاح بالناس، وقال: خذوا الألواح من هذا الطالب، فقال: يا أبا محمد! قد فاتت الألواح.
قال: كل ما حدثتك به كذب لئلا ينتفع به، فقال التلميذ -وهو يعرف إمامه- أنت أعلم بالله من أن تكذب.
من يقول حديث رسول الله ﷺ لا يكذب أبداً، وهو الصحيح فلم يكذب عليه أبداً.
والسؤال المتبادر إلى الذهن -يا طلاب العلم- هل كانوا يبخلون ويضنون بالحديث على طلبة العلم؟ والله ما كانوا كذلك؛ فأحاديثهم تملأ دواوين الإسلام، لكنهم كانوا يُربون أيَّما تربية.
إن هذه الطريقة -يا أيها الأحبة- دواء ناجح لكسر الشموخ والخيلاء التي توجد عند بعض طلبة العلم عندما يتعلم مسألة واحدة من مسائل العلم، فبعضهم يحضر إلى حلقة الشيخ، ويرى أنه هو الشيخ، وبعضهم يحضر إلى الحلقة وقد استحضر نسبه وماله وجاهه؛ فما له إلا أن يؤدب على التواضع للعلم والذل له ليناله؛ فلا ينال العلم مستكبر.
ومن لم يذُقْ مر التعلم ساعة تجرَّع ذُل الجهل طول حياته
فإذا حضرت مجلس علم -يا طالب العلم- فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيد علماً وأجراً، لا حضور مستغنٍ بما عنده، ولا حضور طالب عثرة تشنعها، أو غريبة تشيعها؛ فهده أفعال الأراذل الذين لا يفلحون في طلب العلم أبداً؛ فإذا حضرت على هذه النية فقد حصَّلت خيراً على كل حال؛ فإن لم تحضر وهذه النية معك فجلوسك في منزلك أروح لبدنك، وأكرم لخلقك، وأسلم لدينك؛ فإذا حضرت مجلس العلم فإما أن تسكت سكوت الجهال؛ فتحصل على أجر النية في المشاهدة، وعلى الثناء عليك بقلة الفضول، وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس؛ فإن لم تفعل فاسأل سؤال المتعلم؛ فما صفة هذا السؤال؟ أن تسأل عما لا تدري، ولا تسأل عما تدري؛ فإن السؤال عما تعلمه سُخف، وقلة عقل، وقطع لزمانك ولزمان غيرك بما لا فائدة فيه، وربما أدى إلى اكتساب العداوات، وهو عين الفضول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] فإذا سألت وأجابك بما فيه كفاية لك، فاقطع الكلام؛ فإن لم يجبك بما فيه الكفاية فاستزده؛ فإن لم تفهم فقل: لم أفهم واستزده؛ فإن لم يزدك أو سكت أو عاد عليك الكلام الأول بلا مزيد فأمسك عنه، وإلا حصلت على العداوة، ولم تحصل على ما تريد من الزيادة، وإياك وسؤال العَنِت والمُكابِر الذي يطلب الغلبة، ويبين أن عنده علماً؛ فإن ذلك دليل على سوء الخلق، وعلى قلة الدين، وعلى كثرة الفضول، وضعف العقل والسخف: ﴿وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم﴾.
стр. 362
الوقوف على أخبار العلماء
ثم اعلم -أخي طالب العلم- أن الوقوف على بعض أخبار طلبة العلم والعلماء من خير الوسائل التي تغرس الفضائل في النفوس، وتدفع النفس الضعيفة إلى تحمُّل الشدائد والمكاره في سبيل الغايات النبيلة والمقاصد الجليلة، وتبعث فيها روح التأسي بذوي التضحيات في سبيل العلم لتسمو إلى أعلى الدرجات، في أخبارهم إثارة قوية لمشاعر طالب العلم الذي يسعى جاهداً للوصول إلى المقامات العليَّة في العلوم الشرعية.
- ابن القاسم:
جاء في ترتيب المدارك: أن ابن القاسم عليه رحمة الله تزوج ابنة عمه، وحملت منه، وقد كان شغوفاً بطلب العلم، فقرر أن يرتحل لطلب العلم، وخيَّرها عند سفره بين البقاء أو الطلاق، فاختارت البقاء معه، فسافر حتى أتى المدينة، وترك زوجه حاملاً في بلاده، فاسمع ما يقول.
يقول: كنت آتي كل يوم الإمام مالك عليه رحمة الله في ظلمة الليل -في آخر الليل- في غلس، فأسأله عن مسألتيْن أو ثلاث أو أربع، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراحاً للصدر، فكنت أستغل ذلك الانشراح، فآتيه كل سحر، قال: فجئت يوماً، فتوسدت مرة عتبة بابه، فغلبتني عيناي، فنِمْتُ، وخرج الإمام مالك إلى المسجد، ولم أشعر به.
قال: فخرجت جارية سوداء له، فركضتني برجلها، وقالت: إن الإمام قد خرج إلى المسجد، ليس يغفل كما تغفل أنت، إن له اليوم تسعاً وأربعين سنة قلَّما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة، يصلي الصبح بوضوء العشاء لمدة تسع وأربعين سنة!
يقول ابن القاسم: فأنخت بباب مالك سبع عشرة سنة أطلب العلم، والله ما بعت فيها ولا اشتريت شيئاً، وإنما أطلب العلم.
قال: وبينما أنا عنده إذ أقبل حجاج مصر -بلده- فإذا شاب ملثم دخل علينا، فسلم على مالك، وقال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشير إليَّ، قال: فأقبل علي يقبل عيني ويدي ووجدت منه ريحاً طيبة؛ فإذا هي رائحة الولد، وإذا هو ابني الذي ذهبت، وهو في بطن أمه قد أصبح شاباً يافعاً فيالله! تركوا كل شيء، وأعطوْا العلم كل شيء، ففتح الله عليهم فتحاً لا يخطر بالبال، ولا يدور بالخيال.
لا نقول: أعطُوا ما أعطَوْا؛ فنحن أقلُّ والله.
لكن نقول: لنعطِ العلم بعض شيء علَّنا نكون شيئاً، نسأل الله أن ييسر لنا العلم النافع والعمل الصالح، هو ولي ذلك والقادر عليه.
- أبو الحسن الفالي:
حكى الخطيب التبريزي اللغوي: أن أبا حسن الفالي الأديب كانت له نسخة من كتاب الجمهرة لـ ابن دريد وكانت في غاية الجودة، فدعته الحاجة ذات يوم لبيعها، فكتب أبياتاً في آخرها يعبر عن معاناته في بيع أعز ما لديه وهو الكتاب، لكنها الحاجة -ونسأل الله أن يغنينا عمن أغناه عنا- عرضها للبيع فاشتراها منه ابن القاسم -المذكور قبل قليل- بستين ديناراً، ثم قام بتصفحها، فوجد فيها تلك الأبيات بخط بائعها يقول فيها:
أنست بها عشرين حولاً وبعتها لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية صغار عليهم تستهلُّ شجوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرتي مقالة مكويِّ الفؤاد حزين
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم من ربٍّ بِهن ضنين
فقرأها وتأثر ابن القاسم، وفاضت عيناه، وذهب وأرجع النسخة له، وترك له الدنانير، فرحم الله الجميع.
- البخاري:-
وفي البداية يقول ابن كثير: لقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج، ثم يكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ السراج لينام، ثم يقوم أخرى وأخرى، وكان يتعدد ذلك منه في الليلة الواحدة أكثر من عشرين مرة.
بل إن الإمام الشافعي تذكر عنه ابنته وتقول: إنه في ليلة واحدة أطفأ وأضاء السراج ستين مرة.
فما الذي نَامَهُ هؤلاء من ليلهم، ﵏؟ قد كانت الشدائد في سبيل تحصيل العلم عندهم أشهى وألذَّ وأحلى من جنى النحل في الفم؛ لأنهم يعرفون قدر ما يأخذون.
يقول عمرو بن حفص الأشقر: إنهم فقدوا البخاري عليه رحمة الله صاحب الصحيح -نسأل الله أن يرحمه وأن يجعل كتابه في موازين حسناته يوم يلقى الله- فقدوه أياماً من كتابة الحديث، وقد كان من أحرص الناس على كتابة الحديث، قال: فطلبناه نتلمسه، فوجدناه في بيته وهو عريان لا يملك حتى ثوباً يلبسه، قال: وقد نفد كل ما لديه، ولم يبقَ معه شيء، ولم يستطع الخروج؛ لأنه عريان.
قال: فاجتمعنا، وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه.
قال: ثم اندفع معنا في كتابة الحديث.
فماذا يقول من يملك عشرات الثياب؟ ماذا يقول من يملك عشرات الأقلام والأوراق ثم ينام عن حلقة علم يذهب لها لا على قدميْه بل بسيارته في مكان مُكيَّف مُعدٍّ مُهيَّأ لذلك؟ لا نامت أعين الكسالى.
لا نامت أعين البطالين.
كلنا نلهج بالعلم، ولا أحد منا يباري العلماء.
وهاهو أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة -عليهما رحمة الله- يموت ابنه ويجهزه ويصلي عليه مع المصلين، ثم يوكِّل أناساً يدفنونه، ويذهب لحلقة إمامه، وهو يقول: ذهب الابن، وأحتسبه عند الله، وأخشى أن تفوتني مسألة لا تذهب حسرتها من قلبي حتى أموت.
يا خاطب العلياء إن صداقها صعب المنال على قصير الباع
أما المنذري: فيقول أحد تلاميذه: جاورته ثنتيْ عشرة سنة -بيتي فوق بيته- ما قمت في ساعة من ليل إلا وسراجه مُضاء يكتب أو يصلي.
وهذا خبر أخير من أعجب الأخبار وأغربها: وقع لعالم أندلسي ممن رحلوا من الأندلس إلى المشرق، رحل هذا العالم إلى المشرق على قدميْه ليلقى إماماً من أئمته ليأخذ عنه العلم، ولكنه حين وصل إليه وجده محبوساً ممنوعاً من الناس، فتلطف وتحيَّل حتى لقيه، فأخذ العلم عنه بصورة لا تخطر على البال، ولا تدور بالخيال.
- بقي بن مخلد:-
جاء في السير للذهبي أن بَقي بن مَخْلَد الأندلسي كان جُلُّ بغيته ملاقاة الإمام أحمد والأخذ عنه، فخرج من الأندلس على قدميْه ماشياً.
يقول: فلما قربت من بغداد وصلني خبر المحنة التي دارت على الإمام أحمد، وعلمت أنه ممنوع الاجتماع إليه والسماع عنه.
قال: فاغتممت لذلك غمّاً شديداً فلم أعرج على شيء؛ بل أنزلت متاعي في بيت اكتريته، ثم أتيت الجامع الكبير، وحضرت بعض الحِلَق، قال: ثم خرجت أستدل على منزل الإمام أحمد، قال: فدُللت عليه، فقرعت بابه، فخرج إليَّ، وفتح الباب، فنظر إلى رجل لم يعرفه، فقلت: يا أبا عبد الله رجل غريب الدار، وهذا أول دخولي البلد، وأنا طالب حديث وجامع سنة، ولم تكن -والله الذي لا إله إلا هو- رحلتي إلا إليك يا إمام.
فقال: ادخل الممر، ولا تقع عليك عين، فدخلت الممر، وجاء لي، فقال: من أين؟ قلت: من المغرب الأقصى من الأندلس، فقال: إن موضعك لبعيد، وما كان من شيء أحب إلي من أن أحسن عون مثلك على مطلبه، غير أني في حيني هذا ممتحن بما لعله قد بلغك، فقلت له: بلى قد بلغني، وأنا قريب من بلدك بعد أن قطعت ما قطعت مقبلاً نحوك، لكن يا أبا عبد الله! هذا أول دخولي البلد، وأنا مجهول عندكم؛ فإذا أذنت لي أن آتيك في زِيِّ سائل، فأقول ما يقول السائلون المتسولون: الأجر رحمكم الله، فتخرج إلى هذا الممر؛ فلو لم تحدثني في كل يوم إلا بحديث لكان لي فيه خير عظيم.
فقال الإمام أحمد: نعم على شرط ألا تظهر في الحِلَق عند أصحاب الحديث.
فكنت آخذ عوداً بيدي وأَلُفُّ رأسي بخرقة، وأجعل ورقتي ودواتي في كُمِّي، ثم آتي بابه، فأصيح: الأجر رحمكم الله، الأجر رحمكم الله.
قال: فيخرج إليَّ في الممر ويغلق باب الدار، ثم يحدثني بالحديثين والثلاثة حتى اجتمع لي نحو ثلاثمائة حديث.
قال: والْتزمتُ تلك الطريقة حتى زالت المحنة عن الإمام أحمد؛ يوم مات المبتدع، وتولى من كان على السنة.
قال: فظهر الإمام، وسما ذكره، وعظم في عيون الناس، وكانت تضرب إليه آباط الإبل، فكنت أحضر له، فيعرف لي حق صبري، ويعرف لي حق تجلدي في طلب العلم؛ فإذا رآني هشَّ وبشَّ، وقال: تعالَ إليَّ، وأفسح لي في مجلسه، وأدناني من نفسه، ثم يقول لطلبة الحديث: هذا هو الذي يستحق أن يطلق عليه اسم طالب العلم، ثم يقص عليهم قصتي.
قال: ثم مرضت يوماً من الأيام، فزارني الإمام أحمد؛ فما بقي أحد بعد ذلك إلا زارني، وأَجلَّني الناس لزيارته وخدموني؛ فواحد يأتيني بفراش، وآخر يأتيني بلحاف، وآخر يأتيني بأطايب الأغذية، وكانوا في تمريضي -والله- أكثر من تمريض أهلي لو كنت بين أظهرهم؛ فرحم الله الجميع، وجزاهم الله عن العلم وأهله خيراً.
هذه بعض أخبارهم في رحلاتهم في طلب العلم، في نَصَبِهم، في تعبهم، في هجر النوم، في الصبر على شظف العيش، في مرارة الفقر والجوع والعطش في الهواجر الأيام والساعات، في نفاد أموالهم ونفقاتهم في الغربة، في فقد كتبهم ومصابهم في بيعها؛ لأنها من أعز ما يملكون.
стр. 363
فائدة أخبار العلماء
هذه الأخبار هلاّ كانت -أيها الأحبة- مجلاة للقلوب من الصدأ والكسل، ومدعاة لتحريك الهمة للجد والعمل، أنتم كهم ومن يشابه أبه فما ظلم.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبُّه بالكرام فلاح
قوموا اقرعوا بالعلم أبواب العلى لا تقصروا عن همة القرَّاع
واستعذبوا شوك المنايا في اجتنا ورد الأماني رائق الإيناع
وتعلموا فالعلم معراج العلا ومفاتح الإخصاب والإمراع
وإذا علمتم فاعملوا فالعلم لا يجدي بلا عمل بحسن زمام
ثم إن لكل شيء ثمرة، وثمرة العلم العمل والتبليغ، وعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر
هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل
ومن كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة، وما أحوج الأمة في حاضرها إلى الدعوة إلى الله جل وعلا.
ما أحوج الأمة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى بصيرة، وعلى علم مستوعب للشرع والواقع والبيئة وأحوال الناس.
إن تبليغ هذا الدين، يروض النفوس ويكسبها الصبر، ويكسبها الحلم والطمأنينة والسكينة؛ إذ إنه لابد من مخالطة المدعوين، ولابد من الصبر على أذاهم، والحنو عليهم لانتشالهم مما هم فيه، ومن يبني غيره هو أحق بأن يكون ثابت البناء، لا يُزحزَح بسهولة.
إن سفينة الأمة تتقاذفها الأمواج يمْنَة ويسرة، ويخرق فيها المفسدون كل يوم خرقاً؛ فإن لم تجد من يصلح تلك الخروق، فلربما تتحطم السفينة، وتغرق ولاشك، وسيغرق من على ظهرها، وركابها بحاجة إلى أن يكونوا على قدر كبير من الوعي والبناء واليقظة لما يراد بهم، وبإصلاح النفوس تصلح السفينة وتسلم ولاشك.
هاهو رجل من الصالحين في مدينة الرياض -كما ذكر من نحسب أنه ثقة- يقول: كان له عمل مسائي، وهذا العمل المسائي امتد لمدة شهر، يقول: فكنت أمُرُّ على أحد الأرصفة فأجد عليها أربعة من شباب هذه الأمة يلبسون من الثياب ما يستحيي إبليس أن يلبسه، ومعهم من آلات اللهو ما ينزه المقام عن ذكره.
قال: فكنت أتأثر لحالهم، وأذهب لعملي قال: وجئت في اليوم الثاني، وإذ هم على آلات اللهو، وفي جلسةٍ اللهُ يعلمها قال: وأتأثر لذلك، وشهر كامل وأنا أمر عليهم على هذا الرصيف.
قال: فجئت في ذلك اليوم، وقلت: والله لئن جلسوا إلى الغد لآتين إليهم ولأذكرنهم بالله -الذي لا إله إلا هو-.
قال: وجئت في اليوم الثاني وانطلقت لعملي.
قال: ومررت فإذا الأربعة على ما هم عليه.
فأوقفت سيارتي بعيداً عنهم.
ثم تقدمت إليهم وئيدَ الخُطى؛ علَّهم أن يعدلوا من جلستهم، أو يغيِّروا من بعض المنكرات التي هم عليها.
قال: فقاموا فأدخلوا العود في السيارة، وأطفئوا ما معهم من سجائر، وأطفئوا الموسيقى، وجلسوا جلسة معتدلة.
قال: فتقدمت إليهم، وسلمت عليهم واستأذنت، فأذنوا لي.
قال: فجلست إليهم، وقلت: أنتم تعلمون لِمَ جئت، يا أيها الشباب! أنتم أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وأرضاهم- أرأيتم لو انحرفت سيارة من هذا الشارع، ثم ارتطمتْ بكم وأنتم على هذا الحال، أيسركم أن تلقوا الله بذلك؟ ثم ذكرتهم بالقبر والمصير الذي ينتظرهم، ثم ذكرتهم بوقوفهم بين يديْ الله ، وبمصيرهم إما إلى الجنة وإما إلى النار، قال: وإذا بدموعهم تنزل على خدودهم، وإذ بأحدهم يقول: وشهر وأنت تمر علينا، لا سامحك الله.
قال: ولم؟ قال: أرأيت لو أخذنا الله قبل هذه الليلة، والله لا نسامحك بين يديْ الله جل وعلا.
يقول هذا الأخ: فإن الأربعة لأئمةُ مساجد الآن.
إن الأمة لأحوج ما تكون إلى كلمة: اتقوا الله عودوا إلى الله أيسرُّكم أن تلقوا الله بم أنتم عليه من المنكرات.
كلمات بسيطة، لكن الله إذا علم من قائلها الصدق نفع الله بها.
стр. 364
تنبيهات لكل داعية
فادع الله يا طالب العلم محتسباً أجرك على الله أكرم الأكرمين.
أقول لك: يا طالب العلم! يا أيها الداعية إلى الله! لابد أن تضع نصب عينيْك بعض الأمور الغير مرتبة:
أولاً: أن الحكمة مطلوبة، وهي وضع الشيء في موضعه: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] فالشدة في موضعها حكمة، والرفق في موضعه حكمة، وما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مُضِرٌ كوضع السيف في موضع الندى.
ثانياً: رَبِّ نفسك وربِّ الناس، وابنهم على صغار العلم قبل كباره؛ فإن غذاء الكبار -كما يقال- سم الصغار، فلو قدمت لقمة لحم لرضيع لربما تقتله فلينتبه لذلك.
فلا بد من التدرج في طلب العلم؛ فالقفزات المحطمة لا خير فيها.
ثالثاً: تحديد الهدف، مع الدراسة والتخطيط لاتخاذ الوسائل المناسبة الموصلة إلى الهدف، ومثل الذين يعملون من غير تحديد لأهدافهم كمثل إنسان يضرب في الصحراء دون أن يكون معه دليل يرشده أو قائد يهديه، ولا شك أنه سيظل يسير حتى يَمَلَّ السير، ويضرب في الأرض حتى يضطرب ويختل، وعندئذٍ يتمنى لو يعود من حيث أتى، وهيهات هيهات! ولاشك أن الهدف هو نشر دين الله في الأرض كما أمر؛ فلابد من وسائل صحيحة سليمة ومقدمات معينة توصل للهدف المطلوب، وهي غير خافية على المسلم البصير.
رابعاً: ليس كل ما يعرف يقال، ولكل مقام مقال: [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله؟!]].
خامساً: علينا أن نتعرف على طبيعة الأرض قبل أن نحرث فيها الحرث؛ بمعني أن نكون على معرفة بأحوال المدعوين النفسية، وظروفهم الاجتماعية، ودراسة البيئة التي ندعو فيها، وخير قدوة لنا في ذلك رسول الله ﷺ الذي كان على علم بالأفراد؛ فتعلمون في صلح الحديبية يوم يأتي أحد المشركين للصلح، فيقول النبي ﷺ : هذا رجل فاجر، فكان كما قال ﷺ ، ولم يحصل معه شيء.
قال: ويأتي آخر، فيقول ﷺ : ﴿هذا رجل متألِّه ابعثوا الهدي في وجهه﴾، فبعثوا الهدي في وجهه، فرجع وهو يقول: ما كان لمثل هؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، ويأتي سهيل، فيقول النبي ﷺ : ﴿سَهُل أمرُكم﴾؛ فكان الصلح.
بل إنه ﷺ هو الأسوة، كان يدرس نُظُم الحُكم والبيئات التي حواليه، فيقول لأصحابه: ﴿إن في الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد﴾ فيأمرهم بالهجرة إليه، ويقول لـ معاذ: ﴿إنك تأتي قوماً أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله﴾.
سادساً: لا يعول على الكثرة من الجماهير في الرخاء وقت الشدة، بل ليكن التعويل على أصحاب السوابق، يا أهل سورة البقرة، ويا أهل بيعة الشجرة.
سابعاً: المنبر من أعظم وسائل الدعوة إلى الله، لكنه ليس الوسيلة الوحيدة؛ فهناك الرسائل، وهناك الهاتف والملصقات والكتب واللقاءات والأشرطة، وما الأشرطة؟ مالئة الدنيا ونافعة الناس، قال فيها أحد العلماء:
وفي كل وقت مضى آية وآية هذا الزمان الشريط
ولن يعدم قاصد الخير الوسائل الشرعية إن خطط ودرس وأخلص وصدق.
ثامناً: الترفع عن مجاراة السفهاء؛ إذ كيف يجاري العالم السفيه؟ وكيف يعامل الحليم من فقد الحلم؟ وكيف يباري الخَلُوقُ سيء الخلق؟ إنه إقحام للنفس في ميدان لا تضمن فيه السلامة، ولا تؤمن فيه العاقبة؛ فأمسك -أيها الداعية ويا طالب العلم- عن مخاطبة السفهاء، ومجاراة السفهاء، والتورُّط معهم، فهم موجودون في كل عصر، وهم موجودون في كل بيئة، مشاغبون مع كل داعية، لا يخلو منهم جيل، ولذا نبه القرآن الكريم على خطرهم، وحذر عن مجاراتهم ومناقشاتهم فقال: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
تاسعاً: لا تلتفت إلى الوراء؛ فإن وراء الداعية نعيقاً وعواءً للباطل لو التفت إليه لربما تأثر به، ولربما ضعف سيره به وانشغل به، عمَّا هو أهم منه، ولذا ضرب ابن القيم عليه رحمة الله مثلاً للملتفت لنعيق الباطل بالظبي، ومثل أهل الباطل بالكلب، فيقول: الظبي أشد سعياً من الكلب، لكن الظبي إذا أحس بالكلب وراءه التفت إليه، فضعف سعيه، فأدركه الكلب، وهو أبطأ منه؛ فالسالك لهذا الطريق ليس في وقته متسع لتشتيته هنا وهناك؛ فكيف يتأثر بأقاويل وادعاءات المبطلين، فإذا وثقت بالطريق الذي تسير فيه وصاحوا لك في طريق سَيرك فلا تلتفت إليهم.
عاشراً: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لا تأخذ العلم من صاحب هوى أو من غافل: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
أخيراً: -وقد أطلت في هذه النقطة لأهميتها- لابد للطلب والدعوة من صبر عظيم كصبر الجماد، وليكن معزيك ما يجده الصابر عند ربه يوم يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، إن المريض ليتجرع الدواء المرَّ لا يكاد يسيغه؛ أملاً في حلاوة العافية ولو بعد حين.
صبرت ومن يصبر يجد غبِّ صبره ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم
стр. 365
من عوامل بناء النفس: المداومة على العمل وإن قل
ومن عوامل بناء النفس: المداومة على العمل وإن قل؛ لأن المداومة على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها تثبيت وترويض للنفس البشرية لمواجهة أعباء الطريق وتكاليفه، وصرفٌ لمكايد الشيطان ونوازعه، ولذا لمَّا سئل رسول الله ﷺ : ﴿أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل﴾ كما روى البخاري، ويقول ﷺ : ﴿تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد﴾ فإذا عود المرء نفسه على الفضائل انقادت له -ولاشك- وإذا تهاون فأقدم مرة وأحجم مرة كان إلى النكوص أقرب، والشيطان إذا رآك مداوماً على طاعة لله فبغاك وبغاك؛ فإن رآك مداوماً مَلَّكَ ورفضك، وإن رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك؛ فداوم على الطاعات؛ فإن الله من فضله وكرمه أنه إذا جاء ما يصرفك عن أداء الطاعات من عجز ومرض وفتنة؛ فإن الأجر يجريه الله تعالى لك كما كنت صحيحاً كما أخبر بذلك النبي ﷺ كما في البخاري: ﴿إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً﴾ فضلاً من الله ونعمة فله الحمد.
стр. 366
من عوامل بناء النفس: مجالسة الصالحين
من عوامل بناء النفس: مجالسة من رؤيتهم تذكر بالله ؛ فمجالستهم تريك ما في نفسك من قصور وضعف وعيوب؛ فتصلحها وتهذبها؛ فهم زينة الرخاء وعدة البلاء، يذكرونك إن نسيت، ويرشدونك إن جهلت، يأخذون بيدك إن ضعفت، مرآة لك ولأعمالك، إن افتقرت أغنوك، وإن دعوا الله لم ينسوك ﴿هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾.
من جالسهم وأحبهم أذاقه الله حلاوة الإيمان التي فقدها الكثير، وأحلّوا بدلاً منها حبَّ المصلحة التي تنتهي بنهاية المصلحة، إذا رأيت هؤلاء خشع قلبك، واطمأن وسكن ووصل إلى ما يصل إليه سلفنا -أحياناً- يوم يجد أحدهم حبيبه في الله؛ فيتهلل وجهه بشراً وفرحاً، ويفيض دمعه حينما يرى أحد جلاَّسه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فإذا ظفرت -أخي- بمجالسة مثل هؤلاء؛ فأحبهم وأخبرهم أنك تحبهم واطلب الدعاء منهم -في حال الفراق- في ظهر الغيب، وأطلق وجهك عند لقائهم، وابدأهم بالسلام، ونادهم بأحب الأسماء والكُنَى لديهم، وافسح لهم في المجلس، وزرهم بين آونة وأخرى؛ فالثمرة اليانعة لمجالسة من يذكرونك بالله يقصر العبد عن إحصائها، ويكفي أنها تجعلك تذوق حلاوة الإيمان، وتدخلك في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].
ومنها: طلب الوصية من الصالحين، يوم يُقيِّض الله للمرء رجلا صالحاً يعظه، فيثبته الله وينفعه بتلك الكلمات، فتنبني نفسه، وتُسدَّد خطاه يوم يتعرض لفتنة أو بلاء من ربه ليمحصه به.
هاهو الإمام أحمد يساق إلى المأمون مقيداً بالأغلال، وقد توعده وعيداً شديداً قبل أن يصل إليه حتى قال خادمه: يعز عليَّ يا أبا عبد الله أن المأمون قد سلَّ سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه أقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه ليقتلنك بذلك السيف، وهنا يأتي الصالحون، أهل البصيرة لينتهزوا الفرصة ليلقوا بالوصايا التي تثبت في المواقف الحرجة.
ففي السير: أن أبا جعفر الأنباري قال: لما حُمل الإمام أحمد إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات، وجئته، فسلمت عليه، وقلت: يا إمام! أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك؛ فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبنَّ خلق كثير، وإن لم تجب ليمتنعن خلق كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، ولابد من الموت فاتق الله ولا تجبه.
والإمام أحمد في سياق رحلته إلى المأمون يقول: وصلنا إلى رحبة، ورحلنا منها في جوف الليل، قال: فعرض لنا رجل، فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل: هذا، فقال: يا هذا ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة، ثم قال: أستودعك الله، ومضى.
وأعرابي يعترضه، ويقول: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤماً عليهم، إنك رأس الناس فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه؛ فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، إن كنت تحب الله فاصبر؛ فوالله ما بينك وبين الجنة إلاّ أن تقتل.
ويقول الإمام أحمد: ما سمعت كلمة مذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال: يا أحمد! إن يقتلك الحق مت شهيداً، وإن عشت عشت حميداً فقوَّى بها قلبي.
فإن أردت بناء نفسك -أخي الكريم- فاحرص على طلب الوصية من الصالحين، واعقلها إذا تُلِيَت عليك، اطلبها قبل سفرٍ إذا خشيت مما يقع فيه، واطلبها أثناء ابتلاء، أو قبل حدوث محنة متوقعة، واطلبها إذا عُيِّنت في منصب صغر أو كبر، أو ورثت مالاً وصرت ذا غنى، واطلبها في الشدة والرخاء والعسر واليسر لتنبني نفسك، وينبني بها غيرك، والله ولي المؤمنين.
стр. 367
من عوامل بناء النفس: التفرغ للعبادة
ومنها: الخلوة للتفرغ للعبادة، والتفكر في ملكوت الله والاستئناس بمناجاة الله عن مناجاة الخلق، في قيام ليل والناس نيام، في صلاة في بيتٍ عدا المكتوبة، في ذكر لله، في خلوة، عامل مهم في بناء النفس؛ فإن في ذلك صفاء للذهن وسلامة من آفات الرياء والتصنع للناس والمداهنة، وفيه بُعْدٌ عما يتعرض له الإنسان غالباً بالمخالطة من غيبة ونميمة ولهو وضياع وقت ومداهنة، ولعل المرء في خلوة يذكر الله فتفيض عيناه من خشية الله؛ فيكون من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، ومع هذا فإن مخالطة الناس والصبر على أذاهم خير -كما أخبر النبي ﷺ ولكن اخلُ وخالط، وكلٌ له وقته.
стр. 368
من عوامل بناء النفس: الدعاء
ومنها: الدعاء.
فهو أهم عامل في بناء النفس؛ إذ هو العبادة -كما أخبر النبي ﷺ ففيه الذل والخشوع والانكسار بين يديْ رب الأرباب ومسبب الأسباب، وهو الذي يجعل من الداعي رجلاً يمشي مرفوع الهامة والقامة، لا يخضع لأحد دون الله -الذي لا إله إلا هو- وهو من صفات عباد الله المتقين الذين يعلمون أن القلوب بين إصبعيْن من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء؛ فكان لسان الحال والمقال: "يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك" هلاَّ تحسسنا وتلمسنا مواطن وأسباب إجابة الدعاء؛ لعلنا نحظى بنفحة ربانية تكون بها سعادة الدنيا والآخرة، في ثلث ليل آخر، والناس هاجعون، والناس نائمون.
فقد روى الثقات عن خير الملا بأنه وعلا
في ثلث الليل الأخير ينزل يقول هل من تائب فيُقبِل
هل من مسيء طالب للمغفرة يجد كريماً قابلاً للمعذرة
يَمُنُّ بالخيرات والفضائل ويستر العيب ويعطي السائل
стр. 369
من عوامل بناء النفس: تدبر كتاب الله تعالى
ومن عوامل بناء النفس: تدبر كتاب الله جل وعلا، والوقوف عند أسمائه الحسنى وصفاته العلا: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] كلنا يقرأ القرآن، وكثير منا يحفظ القرآن؛ لكن هل من متدبر ربط حياته بالقرآن؛ أقبل عليه تلاوة وتفسيراً وعلماً وعملاً وتدبراً، منه ينطلق، وإليه يفيء، أولئك البانون أنفسهم، أولئك الثابتون إذا ادلهمَّت الخُطُوب، أولئك المسدَّدون المهديون إذا أطلت الفتن برأسها؛ فأصبح الحليم حيراناً، وإن وقفة واحدة مع أسماء الله الحسنى وصفاته العلا الواردة في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ لتبني النفس بناءً لا يتزلزل ولا يحيد، إنه السميع البصير ليس كمثله شيء، إنه العليم الخبير ليس كمثله شيء، لو تفاعل المؤمن مع اسم الله السميع العليم، فربَّى نفسه عليهما، فعلم أن الله يسمعه في أي كلمة ينطقها، في أي مكان يقولها: وحده أمام الناس عند من يثق به عند من لا يثق به؛ فالله يسمعه سمعاً يليق بجلاله؛ بل إنه ليسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصفاة السوداء في الليلة الظلماء؛ إذن لَصَلُح الحال.
هو الذي يرى دبيب الذَّر في الظلمات فوق صمِّ الصَّخر
وسامع للجهر والإخفات بسمعه الواسع للأصوات
وعلمه بما بدا وما خفي أحاط علماً بالجلي والخفي
فيا طلبة العلم؛ ويا أيها الدعاة إلى الله: إن الله يسمع ما تقولون، ويعلم ما تقولون؛ فلا تأسوا ولا تحزنوا.
يا أيها الدعاة إلى الشر والضلالة: إن الله يسمع ما تقولون، وما تسرون، وما تعلنون، وما تدبِّرون، وما تخططون؛ فاللهَ اتقوا، أما والله لو تفاعلت النفوس مع أسماء الله لتعلقت القلوب بالله فلا يقول الإنسان ولا يلفظ إلا بميزان، هل هذا الكلام مما يرضي الله الذي هو يسمعه وسيحاسب عليه فأقدم وإلا فلا.
في يوم من الأيام، وعلى عهد رسول الله ﷺ يدخل رجل على زوجته مغضباً، وكانت مغضبة، وكان حديث عهد بجاهلية، فأغضبته، فقال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، بمعنى أنها حرمت عليه، فنزل الخبر عليها مهولاً كالصاعقة.
إلى أين تذهب؟ ذهبت إلى من أرسله الله رحمة للعالمين؛ إلى رسول الله ﷺ .
دخلت عليه في بيت عائشة، وما ذاكم البيت يا أيها الأحبة؟ ما ذاكم البيت يا أصحاب القصور؟ غرفة واحدة، إذا جاء الضيف أو السائل إلى النبي ﷺ وُضع ساتر في وسط الغرفة، وتجلس عائشة في أقصى الغرفة، والنبي ﷺ مع السائل والضيف في أدنى الغرفة.
قالت: يا رسول الله! ظاهر مني، فيقول ﷺ : ما أراك إلا قد حرمت عليه، فتقول: يا رسول الله! أكل مالي، وأفنى شبابي، نثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني! فيقول ﷺ : ما أراك إلاّ قد حرمت عليه، فتقول: يا رسول الله! لي منه صبية صغار إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا.
تجادل وتحاور الرسول ﷺ ، وعائشة في الشق الثاني من الغرفة يخفى عليها بعض كلامهم.
ويأتي الحل مع جبريل من عند السميع البصير يقول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] وتنزل كفارة الظهار كما تعلمون، ولك أن تتخيل -يا أيها الأخ الحبيب- عائشة بجانبهم يخفى عليها بعض كلامهم، وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وسُمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ومن فوق السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام، ومن فوق ذلك عرش الرحمن، ومن فوقه الرحمن بائن عن خلقه، مستوٍ على عرشه، يسمعها ويسمعهم؛ بل ﴿مَا يَكُونُ مِن نجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] إنه الكمال المطلق لا إله إلا هو السميع البصير، تقول عائشة ﵂ بعد ذلك: [[تبارك الذي وسع سمعه السماوات والأرض وكل شيء، لقد سمعها من فوق سبع سماوات، وما سمعتها وما بيني وبينها إلا الحجاب]] أو كما قالت.
إن النفس يوم تتفاعل مع هذه الصفة تتعلق في كل أمورها بالله، فتراقبه، وتنسى رؤية الخلق مقابل ذلك.
فيا أيها العبد المؤمن إذا لقيت عنتاً وظلماً ومشقة وسخرية واستهزاء فلا تحزن.
يا طالب العلم، يا أيها الداعية: إذا جُعلت الأصابع في الآذان، واستُغشيت الثياب، وحصل الإصرار والاستكبار، فلا تحزن؛ إن الله يسمع ما تقول، ويسمع ما يقال لك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
يا أيها الشاب الملتزم الذي وضع قدمه على أول طريق الهداية، فسمع زميلاً يسخر منه، ويهزأ به؛ لا تأسَ، ولا تحزن، واثبت، واعلم علم يقين أنك بين يديْ الله يسمع ما تقول وما يقال لك.
وسيجزي فاعلاً ما قد فعل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن ربكَ مِن مثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ﴾ [يونس:٦١].
سمعتم -يا أيها الأحبة- ما سمعتم، إن النفوس يوم تربى على تدبر كتاب الله جل وعلا والوقوف على معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، والتملي في سيرة المصطفى ﷺ تتخذه قدوة مطلقة، وتقتدي بمن يقتدي برسول الله ﷺ .
تُبنى بناءً لا يزعزعه أي عارض في أي شبهة أو شهوة أو ترغيب أو ترهيب أو إغراء أو تحذير؛ بل تعلق باللطيف الخبير السميع البصير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
стр. 370
إساءة الظن بالنفس
أخيراً: أسئ الظن بنفسك يا عبد الله! لأن حسن الظن بالنفس يمنع عن كمال الإصلاح، ويري المساوئ محاسن والعيوب كمالاً، ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو في أجهل الناس بنفسه، وكم من نفس مستدرجة بالنعم، وهي لا تشعر مفتونة بثناء الجُهَّال عليها، مغرورة بقضاء الله حوائجها وستره عليها.
فابنوا على التقوى قواعدكم فما يُبْنَى على غير التقى متداع
اللَّهم أنت خلقت أنفسنا وأنت تتوفاها؛ فزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها بما تحفظ به أنفس الصالحين، وإن أمَتَّها فاغفر لها وارحمها وأنت خير الراحمين، اللهم أتمم لنا العافية في الآخرة والدنيا والدين، اللهم أتمم لنا العافية في الآخرة والدنيا والدين، أنت ولينا توفَّنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 371
نظرات في غزوة تبوك
من سنن الله الكونية صراع الحق والباطل، وهو مستمر إلى قيام الساعة، والحرب سجال، وهنا صراع بين حامل الحق محمد ﷺ وبين الروم دعاة الباطل، وكان النصر للمصطفى ﷺ .
لكن المصطفى ﷺ مر بأحداث أثناء ذهابه إلى تلك الغزوة منها: تثبيط المنافقين للصحابة، وكذلك محاولة التحريش بين علي بن أبي طالب ﵁ وبين رسول الله ﷺ ، ومرور النبي بديار ثمود وفيها عبر ودروس.
وفي طريق العودة محاولة المنافقين اغتيال الرسول ﷺ ولكنها باءت بالفشل ولله الحمد.
وهناك دروس مستفادة من هذه الغزوة.
стр. 372
وقائع في الطريق إلى تبوك
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يَهْدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرَح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أَعْيُناً عُمْياً وآذاناً صُماً وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأن نقدم لأنفسنا أعمالاً تُبَيِّض وجوهنا يوم نلقى الله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
ثم اعلموا علم يقين أن حكمة الله اقتضت أن يكون الحق والباطل في خلاف دائم وصراع مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كل ذلك ليميز الله الخبيث من الطيب، فمذ بَزَغَ نجم هذا الدين وأعداؤه من يهودٍ ونصارى ومشركين يحاولون القضاء عليه بكل ما يستطيعون: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوكَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
حاول أعداء هذا الدين القضاء عليه في عهد النبي ﷺ فما أفلحوا، وحاولوا في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ فما أفلحوا، ثم في العصور المُتَأَخرة إلى وقتنا هذا وهم يحاولون دائبين؛ بالعنف والصراع المُسلح تارة، وبالمكر والخداع والخطط والمؤامرات تارة أخرى، ولسنا مجازفين -والله- عندما نقول ذلك؛ فالله يقول: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
هذه شهادة الله على أعدائنا بما يريدونه منا، وأَيُ شهادة أعظم من شهادة الله وأصدق، والتاريخ في ماضيه وحاضره يشهد بذلك، لكن أنَّى لهم أن يفلحوا ما تمسَّكنا بكتابنا وسُنَّةِ نبيِّنا محمد ﷺ .
كلُّ العِدَا قَدْ جَنَّدوا طَاقَاتِهِم ضِدَّ الهُدَى والنُّورِ ضِدَّ الرِّفْعَةِ
إِسلامُنا هَُودِرْعُنَا وَسَِلاحُنَا ومنارنا عَبْرَ الدجى فِي الظُّلْمَةِ
هَُوبِالعَقِيدةِ رَافِعٌ أَعْلامَهُ فَامْشِ بِظِلِّ لِوَائهَا يَا أُمَّتِي
لا الغَْربُ يَقصِد عِزَّنَاكَلا ولا شَرْقُ التَحَلُّلِ إنَّهُ كَالحَيَّةِ
الكُلُّ يَقْصدُ ذُلَّنَا وهَوَانَنَا أَفَغَيْرُ رَبِّي مُنْقِذٌ مِنْ شِدَّةِ
عبادَ الله: يوم يُقلِّب المرء صفحات الماضي المجيد، ويتدبر القرآن الكريم، ثم ينظر لواقعنا، ويقارنه بماضينا، يتحسر يوم يَجِد البَوْن شاسعاً والفرق عظيماً، يتحسر يوم يرى تلك الأمة وقد كانت قائدة وإذا بها قد أصبحت تابعة، ثم يدرك أن السبب هو بُعدنا عمَّا كان عليه أسلافنا، ويتساءل المرء: متى ينزاح هذا السواد الحالِك من الذل والمسكنة؟
متى يَنْبَرِي للأَمَّة أمثال خالد وصلاح والقعقاع؟
متى تُحيَا في القلوب آل عِمران والأنفالُ وبَرَاءة؟
قُلْ: عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً:
وإنَّا لنرجُو اللهَ حتَّى كأنَّما نَرَى بِجَمِيلِ الظَّنِّ مَا اللهُ صَانِعُ
عَوداً والعَود أحمد، عَوداً سريعاً إلى الماضي المجيد لنستلهِم منه الدروس والعبر في هذا الحاضر العاثر، عَوداً لسيرة من لم يطْرق العالم دعوة كدعوته، ولم يُؤَرِّخ التاريخ عن مُصلِح أعظم منه، ولم تسمع أُذن عن داعية أكرم منه:
رُوحِي الفِدَاءُ لِمَنْ أَخْلاقُهُ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ خَيْرُ مَبْعُوثٍ مِنَ البَشَرِ
عَمَّتْ فَضَائِلُهُ كُلَّ البِلادِ كَمَا عَمَّ البَرِيَّةَ ضوء الشَّمسِ والقَمَرِ
صلوات الله وسلامه عليه ما هَطَلَتْ الغمائم بتهتان المطر، وما هَدَلَتْ الحمائم على أفنان الشجر.
العَيْش في سيرته عَيْشٌ رَغِيد سعيد؛ هِداية ونور وحبور وبِشْر وسرور، ما أحرانا ونحن في هذه الأيام العَصِيبة أن نخترق أربعة عشر قرناً؛ لنعيش يوماً من أيام محمد ﷺ ، بل ساعة من سُوَيْعاته الثمينة؛ لنأخذ العِبرة والدروس من تلك الساعة في هذه الساعة:
اقرءوا التَّارِيخَ إِذْ فيه العِبَرْ ضَلَّ قَوْمٌ لَيْسَ يَدْرُونَ الخَبَرْ
عَوْداً بكم إلى السنة التاسعة للهجرة والعود أحمد؛ لنعيش معكم أحداث غزوة العسرة التي تساقط فيها المنافقون، وثبت فيها المؤمنون، وذَلَّ فيها الكافرون.
ما السبب وما الأحداث؟ ما آيات النبوة فيها؟ ما الدروس المستفادة؟ إليكموها، فاسمعوها وعُوها واعتبروا بما فيها.
واسألوا التاريخ عنا كيف كنا نحن أسسنا بناءً أحمدياً
بلغ النبي ﷺ أن الروم تتجمع لحربه ولتهديد الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، يريدون مبادرته بالحرب قبل أن يبادرهم؛ لكونه قد أذاقهم مرارة غزوة مؤتة التي جلبوا لها مائتيْ ألف، ولم يتمكنوا من إبادة ثلاثة آلاف مقاتل؛ بل ولا هزيمتهم، فيا للَّه!!
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
عند ذلك أعلن النبي ﷺ ولأول مرة عن مقصده، وأعلن التعبئة العامة فتجهز أقوام وأبطأ آخرون، تجهز ثلاثون ألف مقاتل قد باعوا أنفسهم من الله، وأعلنوا نصرة لا إله إلا الله.
стр. 373
موقف المنافقين من غزوة تبوك
تساقط المنافقون: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [المائدة:٤١].
هاهو أحد المنافقين يقول المصطفى ﷺ له: هل لك في جلاد بني الأصفر؟ -أي: الروم- فيقول: يا رسول الله!! ائذن لي ولا تفتني؛ فوالله! لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجباً بالنساء منِّي، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر: (فر من الموت وفي الموت وقع).
أعرض عنه ﷺ وعذَره، لكن الذي يعلم خائنة الأعين، والذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فَضَحَهُ وأذلَّه وأنزل فيه قرآناً يُتلى: ﴿ومِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لي ولاَ تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩].
ويتخلف أناس آخرون عن الخروج، لا رغبةً بأنفسهم عن نفس رسول الله ﷺ ، لكن غلبتهم نفوسهم لصعوبة الظرف واشتداد الحر، قد آن أوان الرطب وظلال الأشجار، فاعتذروا بعد عودة رسول الله ﷺ وقَبِل عُذْرَهم، وتاب الله عليهم وأرجأ توبة ثلاثة منهم امتحاناً لهم فَمُحِصُوا حتى: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وظَنُّوا أَلاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّه تَّوَّابُ رَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨].
ويأتي سبعة رجال مؤمنون صادقون، لكنهم فقراء لم يجدوا زاداً ولا راحلة، وعز عليهم التخلف، نياتهم صادقة لكن ليس هناك عدة، فأتَوْا رسول الله ﷺ يقولون: يا رسول الله! لا زاد ولا راحلة، ويبحث لهم ﷺ عن زاد وراحلة فلا يجد ما يحملهم عليه فيرجعوا: وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون يالله! ظلّ السيف للمسلم مثل ظل حديقة خضراء، تنبت حولها الأزهار.
وتدنو ثمار المدينة ويشتد الحر، ويبتلي الله من يشاء من عباده: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] ويخرج ﷺ ويستخلف على أهل بيته علياً ﵁، ويخيم رسول الله ﷺ في ثنية الوداع ومعه ثلاثون ألفاً.
ويأتي المنافقون الذين لا يتركون دسائسهم وإرجافهم على مر الأيام يلاحقون أهل الخير والاستقامة، يلمزون ويهمزون ويتندرون ويسخرون -سخر الله منهم- ويستهزئون -والله يستهزئ بهم- يأتون إلى علي ﵁ ويقولون: ما خلفك رسول الله ﷺ إلا استثقالاً لك؟ يريد التخفف منك، وعلي بَشَرٌ، تأثَّر لذلك، ولبس دِرعه، وشَهَرَ سيفه يريد الجهاد في سبيل الله، ويلحق برسول الله ﷺ ويعتنق رسول الله ﷺ ويقول: ﴿يا رسول الله! زَعَم الناس أنك استثقلتني فخلفتني في النساء والصبيان؟ فتهراق دموعه ﷺ ويقول: كذبوا يا عليُّ! فاخلفني في أهلك وأهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟! إلا أنه لا نبي بعدي﴾ فيقول بلسان الحال: بلى رضيت، بلى رضيت، وعاد علي ﵁.
يَدعُو جَهاراً لا إلهَ سِوى الذِي خَلَقَ الوُجُودَ وقَدَّرَ الأقْدَارَا
وقبل مسير الحبيب محمد ﷺ تقوم فرقة للصَدِّ عن سبيل الله، تُثبِّط الناس بعد أن اجتمعوا في بيت أحدها، تقول- وهي تزهد في الجهاد-: لا تنفروا في الحَرِّ، تشكك في الحق وترجف برسول الحق، ويتولى الحق سبحانه الرد: ﴿وقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوكَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١] هم في مؤامرة الصَدِّ عن سبيل الله، ويأمر ﷺ بإحراق البيوت عليهم، ويُنَفِّذُ ذلك الأمر طلحة ﵁؛ فيقتحمون الأسوار خوفاً من نار الدنيا، فتنكسر رِجل أحدهم، ويفِرُّ الباقون:
ويَعِزُّ جُنْدَ الحق رغم أنوفهم ويخيب كل منافق خَوَّان
стр. 374
مرور النبي ﷺ بديار ثمود
يتوجَّه ﷺ ويمر بديار ثَمُود، وما أدراكم ما تلك الديار؟!
ديار غضب الله على أهلها، فتلك بيوتهم خاوية، وآبارهم معطَّلة، وأشجارهم مقطَّعة، فيدخلها وقد غطَّى وجهه وهويبكي، ويقول لجيشه: ﴿لا تدخلوها إلا باكين أو مُتباكين لئلا يصيبكم ما أصابهم﴾.
يا لله!! هذه أرض سكنها الظَلَمَة، فقولوا لي بالله في من يجالس الظَلَمَة، ويؤيد الظَلَمَة، ويركَن إلى الظَلَمَة، ويكون لهم أنيساً ولساناً وصاحباً؛ كيف يكون حاله؟! ألا يخاف أن يغضب الله عليه؛ فيأخذه أخذ عزيز مقتدر ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣].
ويستسقي الناس من بئر في ديار ثَمُود فيقول ﷺ : ﴿لا تشربوا من مائها، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما عَجَنتم من عجين بمائها فاعْلِفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئاً﴾ ففعلوا امتثالاً لأمر رسول الله ﷺ .
ومع الغروب يُعلن رسول الله ﷺ أنها سوف تَهُبُّ رياح شديدة، فلا يخرج أحد من مُخَيَّمِه إلا مع صاحب له حتى تهدأ الريح، وخالف أمره رَجُلان من المسلمين، لضَعف في إيمانهم، خرج أحدهم ليقضي حاجته فخَنَقَتْه الجِنُّ عند حاجته، وخرج الآخر في طلب بَعِير له، فاحْتَمَلته الريح حتى طرحته في جبال طيء، فدعا رسول الله ﷺ للذي أُصيب بخَنْق الجِنِّ، فَشُفِي، فكانت هذه آية من آيات نبوَّته ﷺ وأمَّا الآخر: فسُلِّم للنبي ﷺ عند عودته إلى المدينة.
стр. 375
حفظ أبي قتادة للرسول ﷺ
لازال ﷺ في طريقه إلى تبوك، قد بلَّغ به الجوع والتعب والإرهاق مبلغاً عظيماً، لكن في سبيل الله يهون، ومع السَّحَرِ ينام من التعب ﷺ على دابَّتِه حتى يكاد يسقط كما في صحيح مسلم فيقترب منه أبوقتادة فيَدْعَمَه بيده حتى يعتدل، ثم يميل مَيلةً أخرى، فيدعمه أبوقتادة حتى يعتدل، ثم يميل مَيلة أشَدَّ من المَيلتين الأُولَيين، حتى كاد يسقط، فيدعمه بيده، فيرفع رأسه ﷺ ويقول: ﴿من هذا؟ قال: أنا أبوقتادة -فيُكَافِئَه ﷺ ، فبمَّ كافأه؟ - قال: حفظك الله بما حفظت نبي الله يا أبا قتادة﴾.
يقول أهل العلم: فوالله مازال أبوقتادة محفوظاً بحفظ الله في أهله وذريته ما أصابهم سوء حتى ماتوا.
وهذا درس عظيم، فإن من حفظ الله حفظه الله فلا خوف عليه، إن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
стр. 376
علامة من علامات النبوة
وينزل ﷺ والمؤمنون منزلاً، يقول عمر في ذلك المنزل: وقد أصابنا عطش عظيم حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، وتضل راحلة النبي ﷺ ويخرج أصحابه يبحثون عنها، فيقوم أحد المنافقين فيقول: إن محمداً يزعم أنه نبي ويخبركم بخبر السماء وهو الآن لا يدري أين ناقته، ويأتي جبريل رسول الله ﷺ بالخبر، ويقول: إنَّ رجلاً منكم يقول: إنَّ محمداً يزعم أنَّه نبي ويخبركم بأمر السماء وهولا يدري أين ناقته، وإني -والله- ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها.
يقول لهم النبي ﷺ : ﴿هي في هذا الوادي في شعب كذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانْطَلِقُوا حتى تأتوني بها﴾ فذهبوا فوجدوها كما ذكر ﷺ وظهرت آية نبوته؛ وفُضِحَ هذا المنافق؛ وطُرِدَ عدو الله من جيش محمد ﷺ .
стр. 377
أبو ذر يلحق بالجيش
ويمضي ﷺ في مسيره إلى تبوك، ويتخلف عنه بعض المسلمين، فيقول الصحابة: ﴿فلان تخلف يا رسول الله! فيقول: دعوه إن يكن فيه خير فسَيُلْحِقَه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه﴾ ويتأخر أبو ذر لأن بعيره هزيل، أبطأ به بعيره، فترك بعيره وأخذ متاعه وحمله على ظهره، وينزل رسول الله ﷺ في بعض منازله على الطريق، وينظر ناظر المسلمين ويقول: ﴿يا رسول الله! رجلٌ يمشي على الطريق وحده، متاعه على ظهره، فقال ﷺ : كن أبا ذر كن أبا ذر فيتأمل الصحابة، فيقولون: هو والله أبوذرٍ يا رسول الله! فقال ﷺ : رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده﴾.
وتمضي الأيام على هذه المقولة، وتمضي الأعوام، ويُنْفَى أبو ذر إلى الربذة، ويحضره الموت هناك، وليس معه إلا امرأته وغلامه، وقبل موته أوصاهما: أن يُكَفِّنَاه ويُغَسِّلاه، ويضعاه على الطريق، وأول ركب يمر بهم يقولون: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه.
ويفعلان ذلك، ويأتي عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق؛ ليعتمروا، وما راعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق، كادت الإبل أن تطأها، عندها قام غلام أبي ذر وقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، فاندفع عبد الله بن مسعود باكياً يقول: صدق رسول الله ﷺ : ﴿تمشي وحدك وتموت وحدك﴾ ثم نزل هو وأصحابه فدفنوه، ودموعهم تَهْراق على خدودهم.
وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنها روحٌ تسيل فتَقْطُرُ
стр. 378
صلاة النبي ﷺ على معاوية الليثي في تبوك
وينتهي المسير بمحمد ﷺ إلى تبوك، ويقيم بضع عشر ليلة حافلة بالأحداث المثيرة.
روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون أنَّه ﷺ لما نام ليلة في تبوك أتاه جبريل ﵇ وقال: ﴿يا رسول الله! قم صَلِّ صلاة الغائب على معاوية بن معاوية الليثِي فقد تُوفِى بـ المدينة﴾ من يا ترى معاوية؟
عابد صالح يذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنبه، وكأنَّه ﷺ يتساءل لِمَ؟
فأُخْبِر أنَّه كان يقرأ: ﴿قُلْ هُو اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] قائماً وقاعداً وعلى جنب؛ بالليل والنهار، وقد تُوفِي بـ المدينة وصُلِّيَ عليه هناك، وشهد الصلاة عليه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، فلا إله إلا الله، قام ﷺ وصلَّى عليه، وكان قد سافر ﷺ إلى تبوك وهو مريض فهنيئاً له دعاء الرسول ﷺ وصلاة الملائكة عليه.
стр. 379
دفن النبي ﷺ لذي البجادين في تبوك
لا زالت الأحداث المثيرة تتوالى في تبوك: يقول ابن مسعود رضى الله عنه: ﴿ونِمْنا تلك الليلة وانتبهت وسط الليل، فالتفت إلى فراش رسول الله ﷺ فلم أجده، إلى فراش أبي بكر فلم أجده، إلى فراش عمر فلم أجده، وإذ بنار وسط الليل تضيء آخر المعسكر، فذهبت أتبعها؛ فإذا برسول الله ﷺ قد حفر قبراً ومعه أبو بكر وعمر، وعند رسول الله ﷺ سراج بيده قد نزل إلى القبر قال: قلت يا رسول الله من الميت؟ قال هذا أخوك عبد الله ذوالبجادين﴾ من هو؟
إنه أحد الصحابة، حلت به سكرات الموت بالليل، فقام ﷺ وشهد موته، وودعه ودعا له، وحفر قبره بيده الشريفة وأيقظ أبا بكر وعمر.
يقول ابن مسعود: ﴿فو الذي لا إله إلا هو! ما نسيت قوله ﷺ وهو في القبر، وقد مد ذراعيه لـ ذي البجادين، وهو يقول لـ أبي بكر وعمر: ادنيا إليَ أخاكما فدلياه في القبر ودموعه ﷺ تتساقط على الكفن.
ثم وقف ﷺ لما وضعه في القبر رافعاً يديْه مستقبلاً القبلة، يقول: اللهم إني أمسيت عنه راضياً فارض عنه، اللهم إني أمسيت عنه راضياً، فارض عنه.
يقول ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة، لأنال دعاءه ﷺ ﴾ من هو ذوالبجادين؟
إنه صحابي جليل، أسلم وكان تاجراً، فأخذ قومه أهله ماله؛ لأنه آمن وهم يريدون له الكفر، أخذوا حتى لباسه، فذهب فما وجد لباساً غير شملة قطعها إزاراً ورداء - بجادين- وفر بدينه يريد الله والدار الآخرة.
قدم على المصطفىصلى الله عليه وسلم ذوالبجادين، وأُخبِرَ ﷺ بخبره: ﴿فقال: تركت مالك لله ورسوله، أبدلك الله ببجاديْك إزاراً ورداء في الجنة، أنت ذوالبجادين﴾ فلُقِّب من تلك اللحظة بـ ذي البجادين، وكان مصرعه في تبوك، ومضى الركب وخلفوه هناك، لكنهم يجتمعون معه في جنة عرضها السماوات والأرض: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨].
ويقيم ﷺ بـ تبوك ويدنو من الروم ويفزعهم، ويكاتب رسلهم، ويفرض عليهم الجزية، وهم صاغرون، ولم يلق كيداً منهم؛ لأن الله قد نصره بالرعب مسيرة شهر، فلم يقرب إليه الروم خوفاً وفزعاً، وقد كانوا قبل قد عزموا على غزوه في عقر داره: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:١٦ - ١٨].
стр. 380
القبض على ملك دومة الجندل
يرسل ﷺ خالداً على رأس أربعمائة مجاهد في سبيل الله إلى أكيدر ملك دومة الجندل، ويخبر ﷺ خالداً أنه سيلقاه يصيد بقر الوحش.
خرج خالد، ولما بلغ قريباً من حصنه، وجده قد خرج للصيد، كما أخبر النبي ﷺ ، فتلقته خيل الله بقيادة خالد، فأسرته واستلب خالد منه قباءً مخوصاً بالذهب -قميصاً مخوصاً بالذهب- وبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه عليه، فجعل المسلمون يتعجبون من هذا القباء، فقال ﷺ مُزهِّداً لهم في زخرف الدنيا: ﴿أتعجبون من هذا؟ لَمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا﴾.
قدم خالد بالـ أكيدر، وحقن دمه ﷺ وضرب عليه الجزية، ولكنه مجرم، ولو علم الله فيه خيرا لأسمعه، نقض العهد في عهد أبي بكر، فقتله خالد ﵁ وأرضاه.
وهكذا نصر الله جنده وأولياءه ورسله وعباده في الحياة الدنيا، وينصرهم يوم يقوم الأشهاد.
стр. 381
رجوع الرسول ﷺ إلى المدينة
عباد الله: ويعود ﷺ إلى المدينة، بعد إرهاب أعداء الله من نصارى ويهود ومشركين، يعود في يوم بهيج، لتستقبله المدينة، لتستقبل نور بصرها ﷺ ، يخرج الأطفال في فرح، ليصطفُّوا على مداخل المدينة، وعلى أفواه الطرقات، ليستقبلوا رسول البرية ﷺ ، أصواتهم كما حقق ابن القيم عليه رحمة الله:
طلعَ البدرُ علينَا مِن ثنيات الوداع
وجَب الشكر علينَا ما دَعا لله دَاعْ
أيها المبعُوث فينَا جئتَ بالأمرِ المُطاعْ
جئتَ شرَّفت المدينةْ مرحباً يا خيرَ داعْ
وهنا قال ﷺ : إنَّ بـ المدينة رجالاً، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، ولا وَطَئِتُم موطئاً يغيظ الكفار، إلا كانوا معكم، حبسهم العذر.
قالوا: يا رسول الله! وهم بـ المدينة؟! قال: نعم.
وهم بـ المدينة﴾ ويتبسم ﷺ ويمسح الرءوس، ويقبل ويدعو.
وهكذا انتصر المسلمون في تبوك على شهواتهم وأنفسهم، وبالتالي انتصروا على أعدائهم: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].
هذه غزوة تبوك قائدها محمد ﷺ ، جنودها صحابته رضوان الله عليهم، عز فيها المؤمنون، وسقط المنافقون، وذل الكافرون وانهزموا، وبالجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله يُنصَر المؤمنون:
والمؤمنون على عنا ية ربهم يتوكلون
لا خوف يُرهبهم ولا هم في الحوادث يحزنون
اللهم أنت الناصر لدينك، والمعز لأوليائك؛ افتح لنا فتحاً مبيناً، انصرنا نصراً عزيزاً، واجعل لنا من لدنك سلطاناً نصيراً، اللهم ثبِّت أقدامنا، وزلزل أعداءنا، اللهم أدخل الرعب في قلوبهم، واستأصل شأفتهم، واقطع دابرهم، وأَبِدْ خضراءهم، واجعل تدبيرهم تدميرهم، وأورثنا أرضهم، وديارهم وأموالهم، وكن لنا ولياً، وبنا حفيّاً.
يا من نصرت بماض ضعف أمتنا على الطواغيت عجل نصرنا الثاني
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 382
دروس وعبر من غزوة تبوك
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: ها قد عشتم بعض أحداث غزوة تبوك التي انتهت -كما عرفتم- بنصر المؤمنين، ولئن انتهت، فما انتهى نورها، وما انتهت دروسها وعبرها ومواعظها، ففي كل حديث منها قصة، وفي كل قصة عظة وعبرة، وفي كل ذكرى منها موعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
هل يكفي سرد أحاديث الماضي والتغني بالذكر الغابر؟
هل يُجدي هذا وقد تشابكت بأمة الإسلام -في هذه الأعصار- حلقات من المحن، وتقاذفتها أمواج من الفتن، وصيح بهم من كل جانب، وتداعى عليهم الأكلة من كل فج؟ لا.
لابد أن نستفيد مما مضى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُّفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١].
فهاكم بعض دروسها وعظاتها؛ علَّ الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
وأول هذه الدروس: أن هذه الأمة أمة جهاد، ومجاهدة وصبر ومصابرة، ومتى ما تركت الجهاد؛ ضُربت عليها الذلة والمسكنة.
دعِ المِداد وسطِّر بالدَّمِ القانِي وأسكتِ الفَمَ واخطبْ بالفمِ الثَّانِي
فَمُ المدافعِ في صدرِ العداة لهُ منَ الفصاحةِ ما يزري بسحبانِ
وثانيها: أن الله تعالى كتب العزة والقوة لهذه الأمة، متى ما صدقت وأخلصت؛ فها هي دولة الإسلام الناشئة، تقف في وجه الكفر كله بقواه المادية فتهزمه، وتنتصر عليه: ﴿ولَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠].
وثالثها: أنه ما تسلل العدو سابقاً ولاحقاً إلا من خلال الصفوف المنافقة، ولم يكن الضعف والتفرقة في هذه الأمة، إلا من قِبَل أصحاب المسالك الملتوية: ﴿لَو خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧].
رابعها: أن مواجهة الأعداء، لا يشترط فيها تكافؤ القوى، يكفي المؤمنين أن يعدُّوا أنفسهم بما استطاعوا من قوة، ثم يثقوا بالله، ويتعلقوا به ويثبتوا ويصبروا، وعندها يُنصروا.
فهاهو سلفهم ابن رواحة يقول: [[والله ما نقاتل الناس بعَدد ولا عُدد، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به]].
خامسها: أن الحق لابد له من قوة تحرسه، لا يكفي حق بلا قوة.
فما هو إلا الوحيُ أوحدُّ مُرهَف تقيم ظباه أخدعيْ كل مائلِ
فهذا دواء الداء من كل جاهل وهذا دواء الداء من كل عاقلِ
دعا المصطفى دهراً بـ مكة لم يُجَب وقد لان منه جانب وخطاب
فلما دعا والسيف بالكف مسلط له أسلموا واستسلموا وأنابوا
سادسها: أن الأعداء لن يَرْكنوا إلى السكون، ولن يصرفوا أنظارهم عن دولة محمد ﷺ سابقاً ولاحقاً، فهم يُجمعون أمرهم وشركاءهم، ويُعمِلُون مكرهم ودسائسهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
سابعها: في نهاية هذه الغزوة هاهي مؤامرة دنيئة يقوم بها أدنياء سفلة عددهم اثنا عشر شقياً منافقاً؛ تواطئوا على قتل محمد ﷺ وتنفيذ الخطة -في تقديرهم- بمضايقته في عقبة في الطريق إلى تبوك ليسقط من على راحلته فيهلك -على حد زعمهم- ويصل إلى العقبة تَحُفُّه عناية الله ورعاية الله، حذيفة آخذ بخطام ناقته، وعمار يسوقها، وإذ بالأشقياء يعترضون الناقة لينفذوا مخطط الشقاء والعار، فيصرخ فيهم رسول الله ﷺ ، فيولوا مدبرين، ويحفظ الله سيد المرسلين، وينزل الله قوله في المنافقين: ﴿وهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة:٧٤] ويرسل بعدها ﷺ عليهم سهماً إلى الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ إذ يدعو اللهَ عليهم أن يهلكهم، فيصاب كل واحد منهم بخُرَّاج يخرج في ظهر الواحد منهم، ويدخل إلى قلبه؛ فلم ينجُ منهم أحد؛ فإلى جهنم، وبئس القرار.
ومن دسائس أعداء الله أنهم أرسلوا لـ كعب بن مالك ﵁ يوم أمر النبي ﷺ بهجره؛ أرسلوا إليه يقولون له: بلغنا أن صاحبك جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة؛ فالْحقْ بنا نُواسِك، لكن كعباً مؤمن، علم أن هذا من الابتلاء، فيمَّمَ التنور، فأوقده بالرسالة: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر:٢٥].
عباد الله: هذا هو ديدن أعداء الإسلام في الغابر والحاضر في كل زمان ومكان، يتحسسون الأنباء، ويترصدون ويتربصون بالإسلام وأهله، وكم من أقدام في مثل هذا ذلَّت! وكم من أرجل في مثل هذه الأوحال قد انزلقت!
أما كعب فيمَّمها التنور وسجَّرها، وكم في الأمة من أمثال كعب!
فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقت فيهم ظنوني
ثامنها:
إن العقيدة في قلوب رجالها من ذرةٍ أقوى وألف مهند
قضى الله أنه متى ما حادت الأمة عن عقيدتها، وتعلقت بهذا أوبذاك؛ إلا وتقلبت في ثنايا الإهانات والنكبات والنكسات حتى ترجع إلى كتاب ربها وسنة نبيها.
من يتق الله وينصر دينه لابد في ساح المعارك يُنصَر
تاسعها: ألا وإن من أعظم الدروس -وليكن الأخير من غزوة تبوك -: والمسلمون يمرون بأحداثهم المعاصرة ومتغيراتهم الحثيثة، وهو الدرس الجامع الذي يكون من محراب الجهاد وكفى، فمن محرابه تنطلق قوافل المجاهدين، وبالجهاد ترد عاديات الطغيان؛ فيكون الدين لله، ولا تكون فتنة.
جهاد بالنفس والمال واللسان والسنان، ويبقى دين محمد ﷺ مهيمناً.
فيا أمة الإسلام في كل زمان ومكان: أجمعوا أمركم، وذُودوا عن دينكم ومحارمكم؛ فإن من لا يذد عن دينه ومحارمه ولا ينتصر لدينه ذليل حقير غير حقيق بالعزة؛ بل لا تحلو له الحياة.
اصبروا، وصابروا، ورابطوا، وبما تمسك به أسلافكم تمسكوا، جاهدوا كجهادهم، واصبروا كصبرهم، وتوكلوا على الله، وثقوا بالله واطمئنوا، وأبشروا، والعاقبة للمتقين: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
خذوا إيمان إبراهيم تنبت لكم في النار جنات النعي
يا أمة الإسلام فانتفضي فإن الجرح غائر
والجمع مُذْ فقد العقيدة فهو مضطرب وحائر
وجريحنا الأقصى هوى وديس بالحوافر
فهناك تعبث في جوانب أرضه عُصَب الكوافر
وتسومهم ذلا وخسفاً كالبهائم في الحظائر
يا أمتي فلتنفضي عنك الغبار وتستعدي
ولتنفري نحو الجهاد بكل إقدام وجدِّ
إن الجهاد به نرد لَجاجة الخصم الألَدِِّ
وبدونه نبقى على ما نحن من أخذ وردِّ
يا رب أيقِظْ أمتي حتى تعود إلى رحابك
واهدِ الولاة لكي يسوسوها بوحي من جنابك
وأمدها بالنصر ليس النصر إلا من جنابك
هذه بعض دروس من هذه الغزاة العظيمة، غيض من فيض، وقطر من بحر، وكتب السيرة تفيض بذلك؛ فاتقوا الله، وعوها، وطريق أسلافكم اسلكوها، عودوا فالعود أحمد، وصلوا وسلموا على نبيكم محمد، فقد أمرتم بالصلاة عليه: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.
وأذل الشرك والمشركين، اللهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام وللمسلمين.
стр. 383
صفة الجنة
الجنة سلعة الله الغالية، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقد ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ذكر صفة الجنة وما أعده الله لأهلها.
وهنا بيان لذلك مع ذكر قصص لمن شمر عن ساعد الجد وعمل ليكون من أهل الجنة.
стр. 384
الغاية من خلق الإنسان
الحمد لك يا الله جعلت الفردوس لعبادك المؤمنين نُزُلا؛ فلك الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، الحمد لله الذي يسَّرها لنا، ويسَّر الأعمال الصالحة لنا؛ فلم يتخذ السالكون إلى الله سواها شغلاً، وسهل لهم سبلها فلم يسلكوا سواها سبلاً، خلقها قبل أن يخلقهم، وأسكنهم إياها قبل أن يوجدهم، وحفَّها بالمكاره ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وأودعها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفوق ذلك: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا﴾ [الكهف:١٠٨].
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، شهادة أدَّخرها لي ولكم إلى يوم المصير، شهادة عبده وابن عبده وابن أَمَتِه، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته وفضله ومنِّه وكرمه، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بمنِّه وكرمه ورحمته.
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، شرح الله به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً:
قدْ كانَ هذا الكونُ قبلَ وُصولِهِ شُؤْماً لظالِمِهِ وللمظلومِ
لمَّا أَطَلَّ محمدٌ زَكَتِ الرُّبا واخضرَّ في البُسْتانِ كلُّ هشيمِ
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته في روضة من رياض الجنة، لو أذن الله لنا أن ننظر من يحفُّنا في هذا المكان لرأينا الملائكة تحفُّنا، ولرأينا السكينة تتنزل علينا، ولرأينا الرحمة تغشانا، وفوق ذلك كله أن الله يذكرنا في ملئه الأعلى : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
فيا عبد الله! طوبى لك يوم جئت إلى هذا البيت في ضيافة الرحمن لتنتفع بذكر قد سمعته ولكن: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
فَأَكْثِرْ ذكرَهُ في الأرضِ دأباً لِتُذْكَرَ في السماءِ إذا ذُكِرْتَا
ونَادِ إذَا سَجدتَّ لَهُ اعتِرافاً بِمَا نَاداهُ ذُو النونِ بنُ متَّى
تفِتُّ فؤادَك الأيامُ فتّاً وتَنْحَتُ جِسمَكَ السَّاعات نَحْتاً
وتدْعُوكَ المنونُ دعاءَ صدقٍ ألا يَا صَاحِ أنْتَ أرِيدُ أنتا
فلا تقل الصِّبَا فيه مَجَالٌ وفكِّرْ كَمْ صبيٍّ قد دَفَنْتَا
إذا مَا لَمْ يُفِدْك العلمُ شيئاً فليتَكَ ثمَّ ليتَك ما عَلِمْتَا
وإنْ ألقَاكَ فهمُكَ في مَغَاوٍ فليتكَ ثمَّ ليتَكَ ما فَهمْتا
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرة أخرى، وأنتقل بكم إلى قول الحق ﵎: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
لا إله إلا الله! لم يخلق الناس عبثاً ولم يتركهم سدى؛ بل خلقوا لأمر عظيم وخطب جسيم؛ عرض على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنَه وأشفقْنَ منه، وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه ظلماً وجهلاً فانقسم الحاملون له إلى فريقيْن: فريق عطَّل تفكيره، وانساق وراء شهواته وملذاته؛ كل همِّه إرضاء نزواته وإشباع غرائزه؛ بشرٌ في مسلاخ دواب -أجار الله هذه الوجوه أن تكون من هذا الصنف- نظرتهم قاصرة وعلمهم أقصر: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً منَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩].
أما الفريق الآخر -وأرجو الله أن أكون وأنتم منهم- آمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيّاً، جعل خوف الله في قلبه، وجعل خشية الله نصب عينيْه، فأتمر بأمر الله وانتهى عن نهيه وراقبه حق المراقبة، وقال عند سماع أوامره: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
ومن كمال الألوهية لله أن جعل للناس يوماً آخر إليه فيه يرجعون، ويوفَّون ما اكتسبوه بالقسطاس المستقيم، فيصدرون من أرض المحشر راضين بعدل الله المطلق: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] بلى.
فائزين يُزفون إلى الجنة: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمرن:١٠٧].
وآخرون خاسرون يساقون إلى النار فهم في العذاب محضرون، يبين ذلك قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧].
أيها الإخوة في الله: والإيمان بيوم الجزاء وباليوم الآخر ركن هام من أركان الإيمان؛ من لم يؤمن به لم يؤمن بالله جل وعلا.
لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن باليوم الآخر.
وعرض الجنة ونعيمها والنار وجحيمها أسلوب ناجح لإصلاح النفوس ولهدايتها ولتهذيبها ولكسر كبريائها أحياناً، ولحبسها أحياناً، فمن الناس من ينفعه الترغيب، ومن الناس من ينفعه الترهيب، ومن الناس من ينتفع بالاثنين معاً، وكل ذلك ورد في كلام الله جل وعلا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تقدم أحدهما مرة، وتأخر أحدهما مرة، واقْترَنَا مرة أخرى، وكل ذلك في كتاب الله جل وعلا.
ومن فضل الله أن جلَّى لنا أمر الجنة، ووصف نعيمها، وأكَّد خلودها وكمالها من غير نكد ولا تنغيص ولا نقص، لا حر ولا برد، لا تعب ولا صخب ولا نصب، لا عجز ولا هرم؛ غمسة في الجنة تنسي كل شقاء في هذه الحياة، ثم أظهر -سبحانه- في الجانب الآخر حقيقة النار وعذابها؛ لهيب يتصاعد، وصراخ مفزع، وخوف وحميم وزقوم، وتقريع وتوبيخ وأهوال، وشهيق وزفير؛ غمسة فيها تنسي كل نعيم في هذه الحياة، نسأل الله أن يجير هذه الوجوه.
ذلك كله لماذا يا عباد الله؟
ليسعى المؤمنون إلى الجنة بلهفة وشوق مشرئبين إلى نعيمها ورياضها وقصورها، ذلك كله -أيضاً- لينأى الخلق عن النار بحذر وخوف، كل ذلك: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] كل ذلك: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧].
فيا أيها الإخوة في الله: تلك مقدمة ذكرتها لابد منها.
стр. 385
الترغيب في الجنة
أما وقفتنا هذه الليلة فوقفة -بإذن ربنا- مع الجانب المشرق ومع الجانب المفرح المشوق، مع الجنة ترغيباً لا ترهيباً، وحفزاً للهمم لتطلب ما عند الله، وتدفع الثمن ولو كان الدماء والأوقات والأموال وكل شيء، فحيهلاً بكم -يا عباد الله- إلى الجنة ورياضها وقصورها ودورها وحورها لنتعرف عليها؛ علَّنا أن نكون من أهلها، ولنعرف من هم أهلها؛ علنا أن نكون متشبهين بهم: إن التشبه بالكرام فلاح.
ونعرف السبل الموصلة إليها فنسلكها لنكون مع الذين أنعم الله عليهم، ففي رياضها نعيش وما راءٍ كمن سمع، وما مخبر كمعاين، أسكننا الله وإياكم فردوسها الأعلى برحمته ومنِّه وكرمه.
стр. 386
الجنة ما الجنة ؟
الجنة ما الجنة؟!
والفردوس ما الفردوس؟!
لا خطر لها، لا مثيل لها، ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مضطرد، وثمرة نضيجة، وحلل كثيرة، وزوجة حسناء جميلة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية، في جنة عدن عند مليك مقتدر.
بناها الله تعالى لعباده المتقين أحسن بناء، وملأها من كرامته ورحمته ورضوانه؛ فبناؤها أحسن وأجمل وأتم وأكمل بناء، وكيف لا يكون ذلك وهي لبنة من ذهب ولبنة من فضة، بلاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت والجوهر، وترابها الزعفران، وسقفها عرش الرحمن؛ لا إله إلا هو! غرفها مبنية يُرى ظاهرها من باطنها، ويرى باطنها من ظاهرها، من دخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه.
أما أشجارها، فما أشجارها؟
ما من شجرة إلا ولها ساق من ذهب، ولها ساق من فضة.
أما ثمارها فألين من الزبد، وأحلى من العسل.
وأما ورقها فلا إله إلا الله! أحسن وأرق من رقائق الحلل.
أما تصفيق الرياح لذوائب أغصان أشجار الجنة، فيستفز من لا يطرب بالطرب.
ظل الشجرة يسير الراكب فيه مائة عام لا يقطعه؛ فأسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستظل بظلال أشجارها، إنه غفور رحيم.
أما أنهارها فما أنهارها؟
أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
وفوق ذلك ظلُّها ممدودٌ، وطلحُها منضود، تعلمون -يا عباد الله- أن الطلح له شوك، يقول أحد الأعراب للنبي ﷺ : ﴿ذُكر في الجنة شجرة ما نعرف منها إلا الأذى -يقصد شوكها- قال: ألم تسمع لقول الله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٩]﴾ نضد هذا الشوك، فأنبت مكان كل شوكة ثمرة ألْيَن من الزبد، وأحلى من العسل، فضلا من الله ومِنَّة.
أما ماؤها -يا عباد الله- فمسكوب، حدائق وأعناب وكواعب أتراب.
أما طعام أهلها فلا إله إلا الله! فاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، شرابهم التسنيم والزنجبيل والكافور.
أما آنيتهم فالذهب والفضة في صفاء القوارير، وأَجْمِلْ بتلك الآنية!
فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذُّ الأعين، وفوق ذلك: مَن دخلها يخلد فيها أبداً.
فيها روح وريحان ورب راضٍ غير غضبان.
قد ذُلِّلت قطوفُها تذليلاً، يتكئ أهلها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، ولا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً.
فيها مائة درجة، والناس في الجنة على درجات؛ منهم من يبلغ أعلى الجنة، ومنهم من هو في وسط الجنة، ومنهم من هو في ربض الجنة، لو أن العالمين اجتمعوا في درجة واحدة لوسعتهم.
سعة أبوابها: ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام.
فأسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يزاحم على تلك المصاريع.
أما ما للمؤمن فيها: فللمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوَّفة طولها في السماء ستون ميلاً، له أهلون يطوف على بعضهم فلا يرى بعضهم بعضاً، فضلاً من الله ونعمة.
أما لباس أهلها فلا تَسَل عن لباسهم؛ حرَّم عليهم الحرير والذهب في هذه الحياة وجعل لباسهم هناك من الحرير والذهب، وأنعم بذاك اللباس!
وأما صورتهم فأهلها جميعاً على صورة القمر ليلة البدر؛ فلا إله إلا الله، أي جمال يكون ذاك الجمال!!! حليهم وأساورهم من ذهب وفضة ولؤلؤ وزبرجد وياقوت، من لذة إلى لذة إلى لذة، لا يجوعون ولا يظمئون، ولا ينصبون، ولا يشبعون، ولا يتعبون، وإنما لذَّات فوق لذّات: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١].
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ من معِينٍ﴾ [الواقعة:١٧ - ١٨].
﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:١٩ - ٢٠].
أما أسنان أهل الجنة: فأبناء ثلاث وثلاثين في سن الشباب، وما أجمل هذا السن يا عباد الله!
أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [هود:١٠٨] في سعادة أبدية.
أما أمشاطهم فالذهب، وأما رشحهم فالمسك، وأما مجامرهم فالألوَّة، وهو أفضل الطيب وأفضل العود.
وأما أزواجهم فالحور العين، ولنا وقفة مع الحور العين يا عباد الله!
стр. 387
أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم
أما أدنى أهلها فيسير في ملكه وقصوره مسيرة ألفي عام؛ فما بالكم بأعلى أهل الجنة، إذا كان أدناهم كذلك؟ واسمعوا كما في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿سأل موسى ﵇ ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال الحكيم : رجل يأتي بعد ما أُدخل أهل الجنةِ الجنةَ، فيخيل إليه أنها ملأى، فيقول الله له: ادخل الجنة.
فيقول: يا رب! كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟! فيقول الله : ادخل الجنة.
فيقول: كيف وقد أخذوا منازلهم، وأخذوا أخذاتهم، وأخذوا نعيمهم -يخيل إليه أنها ملأى- فيقول الله له: ألا ترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ قال: بلى يا رب، وكيف لا أرضى بذلك؟! قال: فإن لك ذلك ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، حتى بلغ الخامسة، فقال هذا العبد: يا رب رضيت رضيت، قال فإن لك ذلك، ولك عشرة أمثاله، ولك ما اشتهت عينك، ولذَّت نفسك، وأنت فيها خالد: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾.
وفي الحديث الآخر الذي روي في الصحيحين: ﴿أن الله بعد أن يقضي بين العباد، يبقى رجل مقبل بوجهه على النار، قد نجا منها، ولكنه لم يدخل الجنة، ولم يقدم إلى باب الجنة، فيقف، فيقول: يا رب! برحمتك اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها، وآذاني وسمَّني، وأحرقني ذكاؤها ولهبها، فيدعو ما شاء الله أن يدعو، فيقول الله له: هل عسيت إن صرفت وجهك عن النار ألا تسألني غير ذلك؟ قال: وعزتك وجلالك! لا أسألك غير ذلك، فاصرف وجهي عن النار.
فيصرف الله الرحيم الحليم الغفور وجهه عن النار.
فيبقى ما شاء الله أن يبقى ساكتاً ثم يسأل الله مرة أخرى، فيقول: يا رب! برحمتك قدِّمني إلى باب الجنة، فيقول الله: ويلك يا بن آدم ما أغدرك، وما أظلمك! ألم تُعطِ العهود والمواثيق ألا تسألني غير ذلك؟ قال: يا رب! برحمتك قدمني إلى باب الجنة.
قال: هل عسيت إن أعطيتك ما سألت ألا تسألني غير ذلك؟ قال: وعزتك وجلالك! لا أسألك غير ذلك.
فيقدمه الله إلى باب الجنة.
فيبقى هناك، ويسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم تنفتح له الجنة، فيرى حورها، ويرى قصورها، ويرى رياضها، ويرى نعيمها، فيقول: يا رب! برحمتك أدخلني الجنة.
فيقول الله: ويلك يا بن آدم، ما أغدرك! ما أظلمك! ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسألني غير ذلك.
قال: يا رب! برحمتك أدخلني الجنة.
قال: هل عسيت إن أدخلتك ألا تسألني غير ذلك؟ قال: وعزتك وجلالك! لا أسأل غير ذلك، قال الله ادخل الجنة -برحمته وكرمه ومَنِّه- فيدخل الجنة فيكفيه هذا.
فيقول الله له: تمنَّ يا عبدي فيتمنى، ثم يتمنى، ثم يتمنى، ويذكره الله رحمة منه وفضلاً بالأماني التي يتمناها حتى تنقطع به الأماني، ثم يقول له: تَمنَّ، قال: لا أريد شيئاً يا رب! قال: فإن لك ما أخذت، ولك عشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذَّت عينك، وأنت فيها خالد: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾
﴿يقول موسى -في الحديث الأول-: فما أعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾ فلا إله إلا الله! ما أرحم الله! وما ألطف الله! وما أحلم الله! نسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرحمنا برحمته، سبحانه وبحمده!
سُبحَانَ مَنْ يَعفُو وَنَهْفُو دَائِماً ولا يزَل مهما هفا العبد عَفَا
يعطي الذي يخطى ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا
خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، ثم أنزل إلى الأرض أو جزءاً واحداً من هذه الرحمة؛ فبه يتراحم الخلق كلهم، إنسهم وجِنُّهم وعجماواتهم ودوابهم وبهائمهم؛ فإذا كان يوم القيامة رفع الله هذه الرحمة إلى التسع والتسعين عنده ﷻ ، فيتطاول إبليس -وهو في الموقف- بعنقه يظن أن رحمة الله سَتَسَعه في ذلك اليوم، فيا من رحمته وسعت كل شيء؛ ارحمنا برحمتك.
والله! لو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة لم ييْئسْ من الجنة، ولَعمِلَ للجنة.
ووالله! لو يعلم المؤمن ما أعد الله من العذاب للكافرين لم يأمن النار أبداً حتى يضع أول قدم من أقدامه في الجنة.
إخوتي في الله: هذا أدنى أهل الجنة وأعلاهم.
стр. 388
أزواج أهل الجنة
كأني بكم تقولون: ما أزواجهم؟
وأقول لكم: لا إله إلا الله! ماذا يصف الواصفون في أزواج أهل الجنة، إنهن الحور، وما الحور يا عباد الله؟
كواعب أتراب، لهن خدود كالورد والتفاح، ونهود كالرمان، وثغور كاللؤلؤ المنظوم، فيا له من نعيم، وأي نعيم لمن فاز بحوريات أهل الجنة! قدْ رقَّ خصر الواحدة منهن، وحاجبها وأنفها، وطال قوامها وعنقها وشعرها، تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت، إذا قابلت زوجها، فقل ما تشاء في تقابل الشمس والقمر! إن حادثت فما ظنك بمحادثة المحبين! وإن ضمها فما ظنك بتعانق الغصنين!
يرى وجهه في صحن خدِّها، ويرى مخ ساقها من وراء لحمها وعظمها وجلدها وعصبها وحُللها، لو طلعت على أهل الدنيا لملأت ما بين السماوات والأرض ريحاً، ولاستنطقت أفواه الخلائق تسبيحاً وتهليلاً وتكبيراً.
لو طلعت لقالوا: لا إله إلا الله! وسبحان الله والحمد لله والله أكبر!
لو طلعت لتزخرف لها ما بين السماوات والأرض، ولأغمضت عن غيرها كل عين، ولطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، ولآمن مَن على ظهر الأرض بالله الحي القيوم.
نصيفها -أي: خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها، لا تزداد على طول الدهور والأحقاب إلا حسناً وجمالاً، مبرأة من الحمل والولادة والحيض والنفاس، مطهرة من المخاط والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس، لا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها، لا يُمل طيب وصالها، قد قصرت طرفها على زوجها؛ فهن قاصرات الطرف، لا تطمح لأحد سوى زوجها، إن نظر إليها سرَّته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب حفظته؛ فهي معه وهو معها في غاية الأمان، لم يطمثها قبله إنس ولا جان.
كلما نظرت إليه ملأت قلبه سروراً، وكلما حدثته ملأت أذنه لؤلؤاً منظوماً، وإذا برزت ملأت القصر والغرفة نوراً.
هن الخيرات الحسان، هن العُرُب المتحببات إلى الأزواج.
ما ظنُّكم -يا أيها الإخوة في الله- بامرأة إذا ضحكت أضاءت الجنة كلها من ضحكها، إذا حاضرت زوجها فيا لذة المحاضرة! ويا لذة الكلام! وإن خاطرتْه فيا لذة المخاطرة والمعانقة! وإن كلمته فيا لذة الأسماع! فحديثها السحر الحلال.
إن طال لم يملل وإن هي حدثت ودَّ المُحَدِّثُ أَنَّهَا لَمْ تُوجِزِ
سبحان من صورها! سبحان من عدلها! سبحان من أنشأها! سبحان من جعلها للمؤمنين الصادقين! سبحان من جمعني وإياكم في روضة من رياض الجنة، وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في روضة من رياض الجنة عنده.
стр. 389
غناء الجنة
إن غنَّت هذه الحورية فيا لذة الأسماع! ليس كغنائنا؛ فُحش وخنا ومجون وتحلل، وبعضنا -يوم انتكست بصيرته- يأخذ هذا الغناء ليدخله إلى بيته، ليفسد بيته، ولينشر الفحش في بيته، وليخرج ملائكة الرحمن من بيته، وليدعو إلى الرذيلة في بيته، وينسى أن هناك غناء قد يحرمه إن لم يتُب إلى الله جل وعلا.
إن غنَّت الحورية فيا لذة الأسماع والأبصار! وإن قبَّلت فلا شيء أشهى من التقبيل، وإن آنست فيا لذة الأُنس بسماع الغناء والكلام والمحاضرة، هؤلاء حوريات أهل الجنة الذين أنشأهم الله في الجنة إنشاءً.
لكن هناك حوراً من نساء أهل الدنيا صمن، وصلَّين، ووحدن وتصدقن، وقمن بالتكاليف كلها يكنَّ في الجنة أفضل من حوريات أهل الجنة، فضلاً من الله ونعمة لنساء أهل الدنيا، فطوبى لامرأة غضت بصرها عن محارم الله، وطوبى لامرأة اتجهت إلى الله لتكون أفضل من حوريات أهل الجنة الذين أنشأهم الله في الجنة إنشاء.
وأقف معكم ومع ابن الجوزي عليه رحمة الله في - رياض السامعين - وهو يصف مشهداً من مشاهد نعيم أهل الجنة، حتى إنه ليتخايل ذلك النعيم، ويقول: والله إني لأتخيل دخول أهل الجنةِ الجنةَ وخلودهم فيها بلا تنكيد ولا تعب ولا نصب ولا صخب، يقول: فأكاد أطيش ويكاد طبعي يضيق عن تصديق ذلك لولا أن الله ورسوله ﷺ ضمِنه لنا.
انظروا إليه وهو يصف هذا المشهد، يقول: يا أيها الإخوة! بينما رجل من أهل الجنة يتنعم فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإذا ببرق يضيء في الجنة، وهو مع حورية من حوريات أهل الجنة يتنعم معها، قال: فيرفع رأسه فإذا هو بحورية أجمل من التي بين يديه، وإذا بها تقول: يا ولي الله! أما لنا فيك دولة؟ أما لنا فيك نصيب؟
تعرض خدماتها عليه، تعرض نفسها عليه، فيقول: بالله من أنت؟
قالت: أنا ممن قال الله فيهن: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] وكل ما في الجنة مُذلل لأهل الجنة، فيطير بسريره إليها، فيأتي وإذا هي تضْعُفُ بسبعين ألف جزء من النور عن التي كانت بين يديه هناك، فيتعجب ويقول: لم؟!
قالت: لأنني صليت وصمت وعبدت الله، أنا من نساء أهل الدنيا، لم أتزوج في الدنيا؛ فأنا أعرض نفسي عليك.
قال: أو أنت لي؟!
قالت: نعم.
جزاء من الله لك، وجزاء من الله لي.
قال: فيعتنقها أربعين عاماً لا تمله ولا يملها، تقف بين يديْه، وفي رجليْها خلاخل من ياقوت، إذا مشت سمع من خلاخلها صفير صوت كل طير في الجنة.
فلا إله إلا الله! أي نعيم هذا النعيم؟!
وهو يعتنقها ينظر ليدها اليمنى فإذا هو مكتوب عليها: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤].
يقول: مكتوب بالنور على اليمنى ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤] وعلى اليسرى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤] أما كفُّها فألْيَن من المخ، يُشم من رائحة كفها رائحة كل طيب في الجنة، وهي تمشي بين يديه، ثم يتمنى أن يمشين مشيات ومشيات؛ لأن كل مشية للحورية لها لذة ونعيم من نوع خاص، قال: فيتمنى أن تمشي، فيقول لها: اشتقت إلى مشيتك، فيكون معها سبعون ألف وصيفة -كما يقول ابن الجوزي في رياض السامعين - قال: فيمشون معها بسبعين ألف مشية فيضع الله لهم روضة من الكافور وروضة أخرى من الزعفران، فيمشين بسبعين ألف مشية في هذه الروضة ويرجعن بسبعين ألف مشية في الروضة الأخرى، لو قضى الله الموت عليه طرباً من مشيتهن لمات، ولكن خلود في الجنة ولا موت، لو تَفَلَتْ في بحار الدنيا لأصبحت بحار الدنيا كلها عذبة من تفال هذه الحورية.
ثم يشتاق بعد ذلك إلى البخور، وكل ما في الجنة رائحة طيبة، قال: فيأتين بمجامر من در فيها بخور من غير نار، فيمشين به تمشي رائحته في الجنة مسيرة مائة عام.
ثم يشتهي الغناء يا من صان سمعه عن الغناء! يا من نزَّه بيته وأهله وأذنه التي أنعم الله به عليه عن الغناء! يشتهي إلى الغناء فماذا يكون الأمر؟ كيف يكون الأمر يوم يشتهي الغناء يا أيها الإخوة؟ يقول: فيجتمعن قسمين من النساء المؤمنات اللائي كن في الدنيا قسم، وقسم آخر من نساء وحوريات أهل الجنة اللائي أنشأهن الله في الجنة إنشاء.
فاسمع إلى كلمات هؤلاء واسمع إلى كلمات هؤلاء، أما أهل الجنة اللائي أُنشئن في الجنة فيقلن:
نحنُ الخَالِداتُ فَلا يَمُتْنَ نحنُ الرَّاضِياتُ فَلا يسخطن
نحن المقيماتُ فلا يظعنَّ نحنُ النَّاعماتُ فلا يبأسنَ
نحنُ الحورُ الحِسَان، أزواجُ قومٍ كِرَامٍ طوبى لمن كان لنا وكنا له
فيرد نساء أهل الدنيا وحوريات أهل الجنة منهن:
نحنُ المُصَلِّياتُ وما صّلَّيْتُنَّ نحنُ الصَّائِماتُ وَمَا صُمْتُنَّ
نحنُ المُتصدقاتُ ومَا تَصَدَقْتنَّ نحنُ العَابِدَاتُ ومَا عَبَدْتُّنَّ
تقول عائشة ﵂: فغلبنهن.
يا من سمع هذه الكلمات! لا فحش ولا خنا، لا فجور ولا تحلل، وليس كهذا الغناء، وإنما خلود بلا موت، إقامة بلا ظعن، نعيم بلا بأس، صلاة وصدقة وصيام، وكل يفخر بهذا النعيم.
أما موسيقاهن يا من نزَّه نفسه عن الموسيقى في هذه الحياة! يرسل الله ريحه فتهز ذوائب أغصان أشجار الجنة فتحدث صوتاً يشبه صفير كل صوت طير في الجنة؛ فلا تسل عن ذاك النعيم، وهن يغنين بأصواتهن الرخيمات اللذيذات، لو قضى الله الموت على أهل الجنة طرباً بهذا الغناء لماتوا، ولكن خلود بلا موت.
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان
يا لذة الأسماع لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
خابت أذن تركت ذاك النعيم، وتلذَّذت بالأوتار والعيدان المحرمة: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] هذا مشهد من مشاهد أهل الجنة، جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة.
стр. 390
رجال تنافسوا علىالحور
لهذا كله بادر المبادرون، وتنافس المتنافسون يوم سمعوا بما سمعوا من هذا الوصف، ماذا كان منهم يا عباد الله؟
أحدهم قال: لأشترين حورية من الحور العين بثلاثين ختمة للقرآن لا أنام حتى أختم هذه الثلاثين ختمة، ويختم تسعاً وعشرين فيغلبه النوم، فينام فيرى حورية من حوريات أهل الجنة تأتي فتركله برجلها، وتقول:
أتخطُبُ مثْلِي وعنِّي تَنَامُ ونومُ المُحبِّينَ عنِّي حَرَام
لأنا خُلِقْنَا لكلِّ امرئٍ كَثيرِ الصلاةِ كثيرِ القِيام
فقام بعدها، وأكمل ذلك واجتهد، وقال: برحمة الله لأجتهدن إلى أن أنال هذه الحورية.
وأبو سليمان الداراني -عليه رحمة الله- ينام ليلة من الليالي، وهو عابد زاهد عبَد الله، وأخلص لله، وصدق مع الله، يمني نفسه بما في الجنة من نعيم، فيقول في ليلة من الليالي نائماً -والنفس أحياناً تحدث بما ترغب وبما تريد وبما تحب- قال: فرأيت -فيما يرى النائم- كأن حورية جاءتني، وقالت: ما هكذا يفعل الصالحون يا أبا سليمان؟! أتنام وأنا أربى لك في الخدور من خمسمائة عام؟!
لا إله إلا الله! فما نام بعدها إلا قليلاً؛ جد وطلب ليلحق بها.
وأبو سليمان كانت له رحلة الحج المعروفة، والتي ذكرها صاحب حادي الأرواح -عليه رحمة الله- يقول: رافقه شاب عراقي في طريقه إلى الحج، قال: فما رأيت هذا الشاب إلا باكياً أو تالياً أو مصلياً؛ نركب فيتلو القرآن، ننزل فنصلي فيصلي، ويذكر الله، لا يتكلم بكلام إلا بذكر الله أو بالصلاة والقيام، قال: فقلت: لا أسأله ولا أشغله، وعندما رجعنا من رحلة الحج، ووصلنا إلى بلاد العراق.
قال: قلت له: أيها الشاب أسألك بالله؛ ما الذي هيَّجك على العبادة لا تفتر عنها؟
قال: يا أبا سليمان! أما إن سألتني؛ فإني رأيت -فيما يرى النائم- حورية في قصر من ذهب، وقصر من فضة، له شرفتان من زبرجد وياقوت، وبينهما هذه الحورية مرخية شعرها لم أرَ جمالاً كذاك الجمال، وهي تقول لي: جِدّ إلى الله في طلبي؛ فإني أربى لك في الخدور من خمسمائة عام، فوالله برحمة الله! وأقسم على الله برحمته! لأجتهدنَّ حتى أصلها أو أهلك دونها.
والله! لا أرتاح حتى أبلغ تلك المنزلة.
هيَّجهم ذكر الجنة إلى الجنة، طيَّرت الجنة نوم العابدين من جفونهم، فتركوا الفراش، واتجهوا إلى الله في أسحارهم وفي لياليهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] يبيتون لربهم سجداً وقياماً.
يأتي أحدهم، فيفرش فراشه، ثم يضع يده عليه، ويقول: والله! إنك لَلَيِّنٌ، لكن فراش الجنة ألْيَن، فيقوم ليله كله لا ينام.
هكذا -يا عباد الله- جَدُّوا إلى الله؛ لأنهم علموا ما عند الله.
следующие страницы →