Полный текст (977 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ما لابد منه:
لا بد من المسافر من رفقة، ومن عدة وعتاد، ودليل ومنهاج واستعداد بزاد، وهدف ووجهة، ومحطات استراحة، ووسائل مثبتة، وإشارات مرشدة. ومركب.
فمركبه:
صدق اللجأ إلى الله والانقطاع إليه بكليته وتحقيق الافتقار إليه بكل وجه والضراعة وصدق التوكل والاستعانة به والانطراح بين يديه انطراح المكلوم المكسور الفارغ الذي لا شيء عنده فهو يطلع إلى قيِّمه ووليّه أن يجده ويلم شعثه ويمده من فضله ويستره.
فهذا الذي يرجى له أن يتولى الله هدايته ويكشف له ما خفي على غيره من الطريق.
دليله ومنهاجه:
أما دليله ومنهاجه فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ القائل -كما ثبت عنه- ((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي)). ومن سلك طريقا بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير أصل ذل.
كن في أمورك كلها متمسكاً ... بالوحي لا بزخارف الهذيان
وتدبر القرآن إن رمت الهدى ... ...فالعلم تحت تدبير القرآن
عدة المسافر وزاده:
أما عدة المسافر وزاده: فإيمان وعمل صالح:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) (الكهف:٣٠)
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) (الكهف:١٠٧)
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم:٩٦)
أين النفوس ترامى غير هائبة ... أين العزائم تمضي ما بها خور
العلم بالحق والإيمان يصحبه ... أساس دينك فابن الدين مكتملا
لا تبن إلا إذا أسست راسخة ... من القواعد واستكملتها عملا
لا يرفع السقف ما لم يبين حامله ... ولا بناء لمن لم يرس ما حملا
ومن الزاد:
إخلاص لله وقصد بالعمل وجه الله لا سواه:
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: من الآية٥).
стр. 562
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) (الزمر:٢).
(أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ... ) (الزمر: من الآية٣)
فالفضل عند الله ليس بصورة ... الأعمال بل بحقائق الإيمان
والله لا يرضي بكثرة فعلنا ... لكن بأحسنه مع الإيمان
(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: من الآية٢)
وحسب نفسك إخلاصا يزكيها.
ومن الزاد:
متابعة رسول الهدى ﷺ فقد ثبت عنه قول ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: ومن يأبى يا رسول الله، قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)) ويقول الله جل وعلا:
(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: من الآية٧).
(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: من لآية٦٣). فيا أيها المسافر: من عمدة عدتك اتباعه.
فتدور مع قول الرسول وفعله ... نفيا وإثباتا بلا روغان
ورحم الله الحكمي يوم قال:
شرط قبول السعي أن يجتمعا ... فيه إصابة وإخلاص معا
لله رب العرش لاسواه ... موافق الشرع الذي ارتضاه
وكل ما خالف للوحيين ... فإنه رد بغير مين
جماع الزاد
وجماع الزاد هذا كله: تقوى الله جل وعلا: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: من الآية١٩٧)، إنها العز والنسب، والسبب والفخر والكرم.
إلا إنما التقوى هي العز والكرم ... فلا تترك التقوى اتكالا على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب
فـ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد:١). فالزاد إذا إيمان وعمل صالح في إخلاص ومتابعة في تقوى. فإذا هي اجتمعت لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان
стр. 563
ولا بد للمسافر من رفقة وصحبة، فالراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب - كما ثبت عنه ﷺ .
والمسافر مهما تكن مواهبه، ومهما يكن عطائه ومهما تكن قدراته، فإنه يبقى محدود الطاقة والقدرة ما لم يكن له أعوان يشدون أزره، ويقوون أمره، يذكرونه حين ينسى، يعلمونه حين يجهل، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، ضعيف بنفسه، قوي بأخوانه.
وما المرء إلا باخوانه ... كما تقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة ... ولا خير في الساعد الأجذم
موسى - صلوات الله وسلامه عليه - وهو الملقب بالقوي الأمين في كتاب الله، يوم كلفه الله بالرسالة احتاج إلى المعين والوزير فقال - كما أخبر اله في كتابه-:
(وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً) (طه:٢٩ - ٣٥)
ماذا قال الله؟ قال:) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طه:٣٦)
وفي القصص يقول الله: (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ).
فالصاحب ضرورة ولا بد، لكن له صفات تحدده وتميزه، لعلنا نقف عندها باختصار، منها:
*أن يكون مؤمنا:
((فلا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)) كما ثبت عنه ﷺ ، ولا يكفي أن يكون مؤمنا، فلا بد:
*أن يكون عاقلا:
لأن الأحمق قد يثور عليك فيغضب فيجني عليك وعلى نفسه ويقعد بك عن الهدف المرسوم الذي رسمته لنفسك، وصدق ونصح من قال:
أحذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقعته من جانب ... زعزنه الريح يوما فانخرق
أو كصدع في زجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يرتتق ... كلا
*أن يكون عدلا غير فاسق:
стр. 564
أقول ذلك لئلا يجرك فسقه، ود صاحب الفسق والمعصية لو فسق الناس جميعا، لئلا يكون نشازا بينهم
*أن يكون غير مبتدع:
لئلا يلقى عليك الشبه فيتشربها قلبك والقلوب ضعيفة والشبه خطافة كما يقول العلماء.
*أن يكون حسن الخلق غير حريص على الدنيا:
وصدق من قال: شبيه الشيء منجذب إليه، وخير الكلام كلام الله يوم قال: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور:٣٧).
وإن لم يكن رفقتك بهذه الأوصاف فإني أخشى أن لا تبلغ وجهتك في سفرك، وأن تكون - أجارك الله - ممن يقول حين لا نفع: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً) (الفرقان:٢٨).
قد تفسد المرعى على أخواتها ... شاة تند عن القطيع وتمرق
* محطات الاستراحة:
أما محطات الاستراحة: فإن المسافر بطبعه يكل، وينصب، ويتعب، ويمل، وراحته وأمنه وسكينته (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (النور:٣٦)
ومن لا يعرفها فحاله كقول القائل:
إن مات مات بلا فقد ولا أسف ... أو عاش عاش بلا خلق ولا خُلق
هدف المسافر ووجهته:
أما هدف المساغر ووجهته: فللمسافر وجهة، ومسافر لا يحدد وجهته كالثور يدور في السياقة ويدور ويدور ثم ينتهي من حيث بدأ. أو كالسفينة التي تسير في البحر بلا مقصد تتلاعب بها الأمواج، وتقذف بها الأثباج، ثم تهلك هي وأصحابها.
فما وجهتنا - عباد الله -؟ إنها (َجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: من الآية١٣٣).
من رام وصل الشمس حاك خيوطها ... سببا إلى آماله وتعلقا
стр. 565
حفت الجنة بالمكاره، فمن أرادها حقا اقتحم المكاره، فمن خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره، والمكارم منوطة بالمكاره، ومن تأمل نيل الدر من البحر وجده بعد معاناة المكاره، ومن تأمل دوام البقاء في نعيم الجنة علم أنه لا يحصل إلا بنقد هذا العمر ثمنا له، وما مقدار عمر غايته مائة سنة منها خمس عشرة صبوة وجهل، ومنها ثلاثون بعد السبعين إن حصلت عجز وضعف، والتوسط نوم ونصف زمانك أكل وشرب وكسب وللعبادات منه زمن يسير.
عمرك محدود فأدرك به ... بعض الأماني وانتهز واعقل
أفلا يشترى ذلك الدائم بهذا القليل؟! خاب والله وغبن وتعس وانتكس من باع الجنة وما فيها بشهوة ساعة، غبن، فاحش، خلل، وهوان، تالله ما العيش إلا عيش الجنة، حيث اليقين والرضا والمعاشرة لمن لا يوؤذي ولا يخون، مع تنوع أصناف النعيم.
والذل في دعة النفوس ولا أرى ... عز المعيشة دون أن يشقى لها
من جد وجد، ومن سهر ليس كمن رقد، والفضائل تحتاج لوثبة أسد.
(تالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد فلم يرضى لها بثمن دون بذل النفوس، تأخر البطالون، وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون لها ثمنا، فدارت السلعة بينهم، ووقفت في يد قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين. عرفوا عظمة المشتري، وقدر السلعة، وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع فرأوا من الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الراضون أو التراضي، فربح البيع لا إقالة ولا إستقالة).
سعوا للمعالي وهم صبية ... وسادوا وجادوا ومهم في المهود
إنها سلعة الله وكفى؛ سلعة الله غالية جد غالية، تحتاج إلى مثابرة، وجهد وصبر ومصابرة وتضحية ومغالبة.
ومن هجر اللذات نال المنى ومن ... أكب على اللذات عض على اليد
يا سلعة الرحمن ليست رخيصة ... بل أنت غالية على الكسلان
стр. 566
يا سلعة الرحمن ليس ينالها ... في الألف إلا واحد لا إثنان
يا سلعة الرحمن أين المشتري ... فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن هل من خاطب ... فالمهر قبل الموت ذو إمكان
يا سلعة الرحمن لولا أنها ... حجبت بكل مكاره الإنسان
ما كان عنها قط من متخلف ... وتعطلت دار الجزاء الثاني
لكنها حجبت بكل كريهة ... ليصد عنها المبطل المتواني
وتنالها الهمم التي تسمو إلى ... رب العلا بمشيئة الرحمن
فاتعب ليوم معادك الأدنى ... تجد راحته يوم المعاد الثاني
فحى على جنات عدن فإنها ... منازلنا الأولى وفيها المخيم
وحي على روضتها وخيامها ... وحي على عيش بها ليس يسأم
وسيلة تثبيت واتزان:
وعلى الطريق وسيلة تثبيت واتزان: إنها الدعوة اإلى الله الكبير المتعال، على علم وبصيرة، لأنك في هذا السفر ستجد دعاة على الطريق يريدون أن يجتالوك عن الطريق، فإن لم تدعهم إلى الحق الذي تحمله دعوك إلى الباطل، إن لم تغزهم بالحق غزوك بالباطل، إن لم تعرض عليهم الحق عرضوا عليك الباطل في صور الحق، فارفع على الطريق: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (يوسف:١٠٨)
لا لدنيا أو هوى أو عصبة ... دون خزي أو نفاق أو خطل
إنها صدق وإخلاص لمن ... هو يجزي وحده عز وجل
стр. 567
فارفع على الطريق هذا الشعار، وأعلم: (أن العمل لا نهاية له، إطاره الأرض- مطلق الأرض- وميدانه الإنسان من غير حد للون ولا لجنس ولا لغة)، إنها جمع وتأليف على ساحة الإسلام من غير دخل. وعمل بهذه السعة يحتاج إلى رسم خطط دقيقة، إلى دراسات متأنية، على نبذ للفوضوية ولو بحسن نية، فالارتجال والفوضى خلل ووهن واضطراب في التصور، لأن الأمة في حاجة ماسة إلى جيل مصلح منقذ يمارس خدمة الإسلام بأرقى أساليب الإدارة والتوجيه، (جيل يتجاوز العشوائية، ويكفر بالغوغائية، يحتكم إلى حقائق الكتاب والسنة لا إلى الوهم، ولا ينسى وهو يتطلع إلى السماء أنه واقف على الأرض، فلا يجري وراء الخيال والأحلام والأماني، ولا يسبح في غير ماء، ولا يطير بغير جناح، جيل واقعي لا يسبح في البر، ولا يحرث في البحر، ولا يبذر في الصخر، لا ينسج خيوطا من الخيال، ولا يبني قصورا في الرمال)، ولا ييأس من روح الله، ولا يقنط من رحمة الله، لكنه يعرف حدود قدراته وإمكاناته، فيأخذ بالأسباب، ويدرس مشروعية الوسائل قبل أن يقدم على الأهداف.
ولسنا بدعا في ذلك يوم ندعو إلى ذلك؛ فإن رسول الله ﷺ وهو الأسوة والقدوة - لما هاجر إلى المدينة خرج بطريقة مدروسة منظمة عجيبة، اتخذ فيها كل الأسباب متوكلا على ربه ويظهر من خلال ما يلي:
أولا: الاتصال بالأنصار الذي تم من خلاله بيعة العقبة الأولى.
ثانيا: بعث النبي ﷺ لمصعب بن عمير إلى الأنصار ليقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في دين الله.
ثالثا: بيعة العقبة الثانية التي هي شد للوثاق والعهد على النصرة في المنشط والمكره والعسر واليسر، بعد ان استوعب النبي ﷺ درس الطائف قبل ذلك.
رابعا: أمر النبي ﷺ المؤمنين بالهجرة حتى لم يبق بمكة إلا محبوس أو مفتون.
стр. 568
خامسا: استبقاء علي ﵁ بمكة لحاجته إليه في أداء الودائع عن النبي ﷺ ، ولمهمة تأتي.
سادساً: إتخاذ الصاحب وهو أبو بكر ﵁ وأرضاه.
سابعا: إنتظار الإذن بالهجرة منه صلوات الله وسلامه عليه.
ثامنا: إعداد الرواحل، ودفعها إلى هاد خريت من قبل أبي بكر، ومواعدته الغار بعد ثلاثة ليال.
تاسعا: ذهابه ﷺ إلى بيت أبي بكر في وقت غير معهود منه. وطلبه من أبي بكر إخراج من عنده ليخبره بإذن الخروج، حتى قال أبو بكر ﵁ وأرضاه: (إنما هم أهلك يا رسول الله، فأخبر ﷺ بانه قد أذن له في الهجرة).
عاشرا: تكليف علي ﵁ بالمبيت في سريره ﷺ يوم أحاط به المشركون ليقتلوم؛ تعمية عليهم.
حادي عشر: اتجاهه إلى الجنوب المعاكس لطريق المدينة، وذلك لتضليل المشركين، مع مكوثه في الغار ثلاثا.
ثاني عشر: تكليف صاحبه أبي بكر ﵁ أسماء ابنته ذات النطاقين ﵂ بنقل الزاد إلى الغار للنبي ﷺ ولأبيها.
ثالث عشر: تكليف أخيها عبد الله بنقل المعلومات إلى النبي ﷺ في الغار أولا بأول.
رابع عشر: تكليف عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵁ بالمرور بغنمه مساء على الغار ليسقي النبي ﷺ من لبن الغنم، وليطمس أثار الأقدام التي تتردد إلى الغار، حتى لا يكتشف المشركون بواسطة القافة من يتردد على الغار.
стр. 569
إن الهجرة أشبه بعملية احتشاد، ومرحلة استنفار، وقاعدة حماية، أخذ فيها النبي ﷺ بكل الأشباب متوكلا على ربه، قبل أن يعلن النفير، وتدق ساعة الصفر - كما يقال- ولا غرور فهو القائل: ((إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم))، كل هذا تعليم منه ﷺ للإنضباط في جميع شؤون الحياة من سفر وإقامة مع نبذ للفوضوية والارتجال والتخبط ولو حسنت معها النية والله يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:٢١)
بهداه أيها الداعي اقتده ... وابتغ الأخرى وأخلص في العمل
فأحزم الناس من لو مات في ظمأ ... لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا
كأني بك بعد هذا كله قد حددت وجهتك.
وعرفت طريقك.
وأخذت عدتك وأهبتك.
واخترت رفقتك.
وأخذت بجميع أسباب نجاتك في سفرك.
فدونك هذه الإشارات التي لا بد منها لعلها تغريك بالمسير في الطريق، وتحذرك من العقبات التي تصد عن بلوغ الغاية في الميسر.
* * * * *
الإشارة الأولى: أنو الخير واعمل بمقتضى هذه النية
بالنية يتحدد السفر، وتتضح الواجهة، وعلى أساسها يخطط منهج الرحلة، فهي أساس الأمر ورأسه وعموده وأصله، بل هي روح العمل وقائده وسائقه يصح بصحتها ويفسد بفسادها، يستجلب التوفيق بها ويحصل الخذلان بعدمها، وبحسب النية تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، وكل المناهل غير الصدق آسنة. (وسنة الله أن من نوى الخير وعمل بمقتضى تلك النية أن يوفق ويسدد ويؤيد ويبلغ من الخير ما يريد).
وفوق ما يريد بإذن ربه، يقول الله جل وعلا: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (النساء: من الآية١٠٠).
стр. 570
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) (الشورى: من الآية٢٠).
(وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) (الاسراء:١٩)
ومن نوى الشر وعمل بمقتضى تلك النية حرم التوفيق، وحالفه الخذلان والهوان، وإن بدا غير ذلك فإنما هو سراب أو أحلام لا تلبث أن تنقشع فيظهر المستور، يقول الله جل وعلا: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً) (الاسراء:١٨).
ويقول (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ... ) (هود:١٥ - ١٦).
(وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: من الآية١٤٥)، فانو الخير واعمل بمقتضى تلك النية فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير، (وإنما الأعمال بالنيات ولكل إمرئ ما نوى) رواه البخاري ومسلم.
القصد وجه الله بالأقوال ... والأعمال والطاعات والشكران
وبذاك ينجو العبد من إشراكه ... ويصير حقا عابد الرحمن
* * * * *
стр. 571
الإشارة الثانية: خليج صاف أطيب من بحر كدر
بمعنى آخر: النوع الثمين لا الكم المهين، بمعنى ثالث: (من لا يخلص لا يتعب، فهو كالذي يحشو جراب العمل رمل يثقله ولا ينفعه، إن من سلك الطريق بلا إخلاص كالذي يريد كسر الجوز بالعهن، أو كمن يحدو وماله بعير، يمد القوس وما لها وتر، يتجشأ من غير شبع، كالوحش بلا جبل)، لا شك انه لهدفه لا يصل، العمل صورة والإخلاص روح العمل، عمل المرائى بصلة كلها قشور، لباس المرائي نظيف لكن قلبه نجس، الإخلاص مسك والريا جيفة.
فاحذر كمائن نفسك اللاتي متى ... خرجت عليك كُسرت كسر مهان
(لما أخذ دود القز ينسج الحرير أقبلت العنكبوت تتشبه وتنسج، ثم نسجت وقالت: يا دودة القزة لي نسج وتلك نسج ولا فرق بين النسيجين، قالة دودة القزة: نسجي أردية الملوك، ونسجك شبكة الذباب، وعند مس النسيجين يتبين الفرق).
ليس التكحل في العنين كالكَحَلِ وما كل دام جبينه عابد، وفي عنق الحسناء يستحسن العقد، والنفيس نفيس أينما كان.
ورب كئيب ليس تندى جفونه ... ورب كثير الدمع غير كئيب
إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
فأما من بكى فيذوب شوقا ... وينطق بالهوى من قد تباكى
جماع هذه الإشارة: ( ... وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف: من الآية١١٠)
* * * * *
الإشارة الثالثة: العلم الشرعي والعمل به ضرورة للمسافر
به يعرف السهل من الطريق الوعر، به يميز إشارات الطريق وعوائقه، به يعرف الله ويعبد ويذكر ويوحد ويحمد ويمجد، به يعرف الحلال من الحرام، به توصل الأرحام، فهو أساس السفر ولا بد، بل هو أشرف مطلوب، وأفضل مرغوب، وأنفع زاد يقتني لمسافر مكدود، (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر: من الآية٩).
لا يكون العلا مثل الدنا ... لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي
стр. 572
ومن تدرع بالعلم حفظ ومنع، وحاز قصب السبق وارتفع وبرع (ولما كان المجاهد لا ينكأ عدوا إلا بسلاح وعدة فكذلك المتعلم والمعلم لا يصنع أمة ولا يكشف غمة ولا يزيل ظلمة إلا إلا بعلم وعمل من أثر أو سنة (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: من الآية٢١.
ومن لا يربيه الرسول ويسقه ... لبنا له قدر من ثدي وحيه
فذاك لقيط ما له نسبة الولا ... ولا يتعدى طور أبناء جنسه
العلم وسيلة، والعمل ثمرة، العلم أساس البناء، والعمل ثمرة الغرس، والبناء من غير أس لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى، فاعلم أخي ولا تنس.
فما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام
العلم أبلغ من القول (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: من الآية٤٣)، والناس أبناء ما يحسنون، وفعل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل، (ومهما كان العالم وطالب العلم والداعية فصيحا بليغا مؤثرا بارعا فإن كلامه لا يتجاوز الآذان ما لم يعمل به، حتى إذا عمل به دبت فيه الحياة؛ دبت بكل كلمة ينطق بها، واتجهت كل جملة كأنها قذيفة ترههف آذان الغافلين، وتوقظ ضمائر المتغافلين، وتصبح دروسه وخطبه ومواعظه برنامجا عمليا يتقبله الناس راضين به عاملين مذعنين) لا يغني العلم شيئا لوحده، لأن العلم لا يعمل وحده، إنما هو بمن يحمله ويعلمه.
يقول السيد قطب ﵀: (إن الكلمة لتنبعث ميتة، وتصل هامدة، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقول حقا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيما واقعيا لما ينطق ... عندئذ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق .. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة لآنها منبثقة من حياة).
وعادة السيف أين يزهي بجوهره ... وليس يعمل إلا في يد بطل
стр. 573
والذين يعلمون ثم لا يعملون أو يعملون بخلاف ما يقولون ويعلمون بئس ما يصنعون، إنما هي أوعية للعلم يسيرون ثم لا ينفعون بل قد يضرون، جلسوا على باب الجنة - كما يقول ابن القيم ﵀: (يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعون إلى النار بأفعالهم، كلما قالت أقوالهم: هلموا اسمعوا، قالت أفعالهم: افرنقعوا لا تسمعوا لو كان حقا ما يدعون إليه كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصور هداة مرشدون أدلاء، لكنهم في الحقيقة قطاع طرق). أذلاء وما هم بأجلاء، بئس ما يصنعون. (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الجمعة:٥). ما يغني الأعمى معه نور الشمسي لا يبصرها، وما يغني عن العالم كثرة العلم لا يعمل به، إنما هو كالسراج يضيء البيت ويحرق نفسه، عليه بوره ولغيره نوره، يحق عليه قول القائل:
فأسعدت الكثير وأنت تشقى ... وأضحكت الأنام وأنت تبكي
خير من القول فاعله وخير من الصواب قائله:
ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب السبيل وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الضمأ ... والماء فوق ظهورها محمول
стр. 574
(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ)، قول الله في سورة النساء، عملوا بمقتظى ما عملوا (لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً) (النساء:٦٦ - ٦٨)، كم وكم؟ من قدوات ظاهرا لم تعمل بمفتضى ما عملت فسقطت وتكشفت على الطريق فيما بين غمصة عين وانتباهتها، لعل ابن عيينة ﵀ يعنيها بخطابه يوم يقول: لا تكون كالمنخل يخرج الدقيق الطيب ويمسك النخالة، تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم، إن من يخوض النهر لا بد أن يصيب ثوبه وإن إجتهد ألا يصيبه، فويحكم ثم ويحكم ثم ويحكم.
أيها العالم أياك الزلل ... واحذر الهفوة فالخطب جلل
هفوة العالم مستعظمة ... إن هفا أصبح في الناس مثل
إن تكن عندك مستحقرة ... فهي عند الله والناس جبل
انت ملح الأرض ما يصلحه ... إن بدا فيه فساد وخلل
أيها المسافر على علم: (لا تشغل نفسك بأدنى العلوم دون اعلاها وأسماها وأنت قادر عليه، فإني لأربأ بك أن تكون كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر أو كغارس الشعراء حيث يزكو النخل والتين والزيتون)، فتسبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ثم أصغ سمعك للشوكاني ﵀ وهو يخاطبك فيقول: (استكثر من العلم الشرعي زادا لك ما شئت، وتبحر في الدقائق مخلصا ما استطعت، واجب من عذلك أو خالفك بقول من صدقك.
أتانا أن سهلا ذم جهلا علوما ... ليس يدركهن سهل
علوما لو دراها ما قلاها ولكن ... الرضا بالجهل سهل
أما قد علمت وعملت فإن من مفتضى العلم أن تدعو غيرك إلى العلم الذي عرفته بالحجة والبرهان على بصيرة وهدفك إخراج من تدعوه ونفسك من الظلمات إلى النور من الانحراف إلى الاستقامة التي تنال رضى الله بها في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 575
هذا شيخ الإشلام ابن تيمية ﵀ يفسر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ)، فيقول: (فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إليه، وينذروا كما أنذر، قال الله تعال: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة:١٢٢). والجن لما سمعوا القرآن (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (الاحقاف: ٢٩).
وهذا تلميذه الإمام المحقق ابن القيم الجوزية ﵀ يقول: (وتبليغ سنته ﷺ إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو، لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، واما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء، وخلفائهم في أممهم، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه).
وليسيت هذه المنزلة العليا في الدنيا إلا منزلة الدعوة إلى الله، ووراثة وظائف النبوة، التي ليس أشرف منها إلا منزلة النبوة نفسها وهذا الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى يناديك: (ألست تبغي القرب منه؟ فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد، لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم) و (هل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثهم على الخير، ونهيهم عن الشر).
وها هو ﵀ يقارن بين الشجعان يخالطون الناس لدعوتهم، ويصبرون على أذيتهم، وبين المتخاذلين المعتزلين القاعدين عن الدعوة إلى الله تعالى، فيقول: (الزاهد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير، من جماعة واتباع جنازة وعيادة مريض، إلا أنها حالة الجبناء. فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون. وهذه مقامات النبياء ﵈.
стр. 576
إن الحاجة إلى الدعوة ماسة، لأن العقول لا تستطيع وحدها إدراك مصالحها التي تكفل لها في الدنيا الآخرة، لأنها لا تُهدى وحدها إلى تمييز الخير من الشر، فكثيرا ما يبدو لها الشر في لباس الخير فتقع فيه، وكثير ما يظهر لها الخير في صور الشر فتعرض عنه (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:٢١٦) فمهما توسعت أفهام الإنسان ومداركه ومعارفه فإنه يبقى قاصرا محدودا ومن ثم كان لا بد من الدعوة على أيدي الرسل وأتباعهم.
فإذا اتضح الهدف سرت في هذه الحياة على هدى وعندها بادر بعمل دؤوب في طموح وجدية وأخذ بقوة تستشعر قوله الله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ً) (مريم:١٢)، وقوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) (البقرة:٦٣).
((خذوا ما أتيناكم بقوة)).
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعاً ... ألا فاجعله ماضيا بالجوازم
في ثبات ومسارعة (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) (طه:٤٢)، (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الانبياء:٩٠)، في تدرج وأناة واعتدال ومداومة (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح:٧ - ٨)، في شجاعة وعدم تهيب وتردد.
ومن يتهيب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر
في بصيرة وفرقان بإتقان (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (يوسف:١٠٨)، في استشارة حازم (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)، في عزيمة وتصميم مع وتوكل دون تسفيه رأي أو إنقاص قدر (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران:١٥٩)
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا
стр. 577
إذا كنت ذا عزم فأنفذه عاجلا ... فإن فساد العزم أن يتقيدا
إذا هممت فبادر، وإذا عزمت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر. ما كل من طلب المعالي نافذا ... فيها ولا كل الرجال فحول
وعلى الطريق تضع لك حاديين مرعبين حافزين.
أحدهما: قول الله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:٣٣).
وثانيهما: قول رسول الله ﷺ كما في صحيح مسلم حديث أبي هريرة ﵁: ((من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا)).
إن هدى الرحمن شخصا واحد ... بك خير لك من بحر درر
وهو خير لك عند الله من ... ما بدا للشمس أو نور القمر
((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)) متفق عليه.
فإن لم ينفع الحاديان، فعلى الطريق وعيدان محذران لها أن تثير في نفسك الشعور بخطر الفتوروالتهاون والكتمان.
أحدهما: ما اخرجه البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن ابي هريرة ﵁ أنه قال: «إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا. ثم تلا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾، وتلا ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾» [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]
وثانيهما: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((من كتم علما ينتفع به جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار)). ورواه أبو داود في كتاب العلم والترميذي بلفظ: ((من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)) قال الترمذي حديث حسن صحيح.
стр. 578
فهل يجوز سكوت ... أو يستساغ النمير
الخطب خطب عظيم ... والأمر أمر خطير
فإن لم يحرك فيك الوعد ولا الوعيد، ولا الترغيب ولا الترهيب، إذ تبلد الإحساس فلا مساس، فقف على أخبار أهل الأهداف، علك أن تشتبه بهم، فيثور فيك الحماس على أساس.
(في مؤتة خؤج جيش رسول الله ﷺ وعليه زيد وجعفر وابن رواحة رضي الله عن الجميع، هدفهم: (إن هي إلا إحدى الحسنيين، إما النصر أو الشهادة في سبيل الله) فلما ودعهم المسلمون قالوا: صحبكم الله بالسلامة ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فقام عبد الله بن رواحة وقال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيد حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبد
حتى يقال إذا مراوا على جدثي ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
ولما رأى المسلمون جموع الروم - الجموع الكبيرة - نظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا، فقام إبن رواحة فقال: والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، وما نقاتل الناس بعدد ولا عدة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما الشهادة.
تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام
فقاتل القوم وعليهم زيد، فلم يزل يقاتل حتى شاط في رماح القوم وخر صريعا ﵁ وأرضاه. أخذ الراية جعفر فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها لئلا ينتفع بها العدو، ثم قاتل وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذا لاقيتها ضرابها
فقطعت يمينة، فأخذ الراية بيساره، فقطعت فاحتضن الراية حتى قتل كالأسد. رحمة الله على ذاك الجسد. ثم أخذهاإبن رواحة كالليث، ونالته الجراح -وأي جراح- فحاله:
стр. 579
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
يا نفس أإلا تقتلي تموتي ... هذا حياض الموت قد صليت
وما تمنيت فقد لقيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
وإن تأخرت فقد شقيت
(ثم قاتل ثابتا ﵁ وأرضاه حتى قتل، فأخذ الراية سيف الله خالد ففتح الله على يديه).
أخرجوا الدنيا من قلوبهم، وقطعوا أسباب التعلق بها عن أنفسهم، فكان الإقتحام، وكانت الشهادة وكان الفوز بالجنة، وهكذا أمر العاقل اللبيب، لا يبيع الياقوت بالحصى، ولا يرى لنفسه ثمنا إلا الجنة، الطريق شاق وتكاليف وعوائق، فمن لم يجمع همته، ويعلي إدارته، ويقوي عزيمته، ويتخفف من دنياه فلن يستطيع بلوغ أهدافه وغايته.
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب
ولم يتأخر من أراد تقدما ... ولم يتقدم من أراد تأخرا
ويذكر الذهبي في سيريه: (أن نور الدين الشهيد لما نزل دمياط بقي عشرين يوما صائما لا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف، ولما التقى العدو وخاف على الإسلام، انفرد في ناحية من الجيش ومرغ وجهه في التراب وقال يا رب، من نور الدين؟ الدين دينك والجند جندك وافعل يا رب ما يليق بكرمك فنصره الله نصرا مؤزورا).
كان ذا همة عالية، كان هدفه وهاجسه فتح بيت المقدس وتطهيره من الصليب. قام في حلب بعمل منبر عظيم لينصبه في بيت المقدس حينما يفتحه وكان الناس يسخرون منه يوم يمرون عليه وهو يفعل ذلك فلم يلتفت إليهم وحاله كحال نبي الله نوح يوم يصنع الفلك (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا (هود:٣٨)، كان يريد بذلك المنبر بث الروح، وبعث الهمم، وتبديد اليأس المخيم على القلوب، ولقد حقق الله له أمنيته، وفتح بيت المقدس، ونصب له منبره بعد وفاته، نصب على يدي تلميذه صلاح الدين وكان بين عمل المنبر وحمله ما يزيد على عشرين سنة. والسيف يبلغ ما لا يبلغ الكلم.
стр. 580
هذي الغرائز لا ما تدعي القضب ... هذي المكارم لا ما قالت الكتب
وهذه الهمم اللاتي متى خطبت ... تعثرت خلفها الأشعار والخطب
والصارم الغضب الذي فتح الورى ... ما زال في يد أهله مسلولا
إن لم يحرك فيك الوقوف على سير أصحاب الهمم السامية ساكنا، إذا قد صرت جلمودا ساكنا، فانظر إلى أهل الدنيا في دنياهم، وخذ منهم حافزا لذلك، كيف يكدحون ليلهم ونهارهم في تعاملهم مع الدرهم والدينار؟ أفلا حياء من الله أن يكون هؤلاء أعظم تجلدا منك وانت تتعامل مع الله الكبير المتعال ثم تتقاعس.
إذا فقد الإنسان صدق انتمائه ... وأضحى بلا قلب فليس بإنسان
أعمى أصم عن الحقيقة أبكم ... بالنوم في الفرش الوثيرة تغرم
والصمت كهفك والظلام مخيم
تدعى ولكن الذي يدعى سها ... أمسى على ماء التخاذل يهرم
من أنت يا هذا أمالك في الورى ... عقل يفكر في الأمور فيحسم
إني لأرجوا أن أراك مزمجرا ... انا مؤمن بمبادئي أنا مسلم
قد قمت أرقى في مدارج عزتي ... علمي دليلي والعزيمة سلم
ذهب الرقاد فحدثي يا همتي ... إن العقيدة قوة لا تهزم
لغة البطولة من خصائص أمتي ... عنا رواها الآخرون وترجموا
من ذلك الوقت الذي انتفضت به ... بطحاء مكة والحطيم وزمزم
منذ التقى جبريل فوق ربوعها ... بمحمد يتلو له ويعلم
فلا تستشر غير العزيمة في العلا ... فليس سواها ناصح ومشير
فإن لم يحرك فيك أهل الدنيا وكدحهم في دنياهم شيء فانظر إلى الكفار، إلى حطب جهنم كيف يلهثون وراء أهدافهم المؤقتة، ويتفانون لها مع أنه لا عقبى لها،:
стр. 581
هاهو مخترع الكهرباء يترك المدرسة بعد أن وصفه معلمه بأنه ليس مؤهل للاستمرار في المدرسة، وتذهب أمه إلى المدرسة متألمة لمواجهة معلمه لتقول له: إنك لا تعرف معنى ما تقول، وكل المشكلة أن إبني أذكى منك، ثم أخذته وعلمته في بيتها حتى أعطته من علوم الدنيا وعلوم المادة ما يستطيع أن يستمر به، فلم يفل عزمه مع طرده من المدرسة بل تراه يثابر ويكافح ويبدأ في تجاربه (ليخترع المصباح الكهربائي بعد تسعة ألاف تجربة)، بعمل يتراوح بين ثمان عشر ساعة وعشرين ساعة في اليوم، في جلد عجيب، ثم لم يتوقف بعدها بل أن النجاح - كما قيل- يجر إلى النجاح فينطلق بعد عشر سنوات في البحث والجهد في تجارب بلغت خمسين ألف تجربة، بتكلفة ثلاثة ملايين دولار ليخترع بطارية السيارات وأجهزة الإشارة في سكك الحديد وإضاءة الغواصات، ويسأل متى الإجازة يا أديسون؟ قال: في اليوم الذي يسبق جنازتي.
هل استفاد أديسون من إضاءة المصابيح واختراع البطارية؟ هل استفاد فائدة؟ نعم! استفاد شهرة واستفاد مالا، لكنها مؤقتة تزول وتنتهي، لا تنفعه عند الله، لأنه لم يقل يوم من الأيام: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء:٨٢)، (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) (الفرقان:٢٣)، أفلا حياء من الله أن يكون كافر مثل هذا أشد تجلدا لأهدافه المؤقتة الوضيعة من مؤمن يؤمن بالله والدار الآخرة؟ خيبة وخسارة وخذلان.
أدنى الفوارس من يغير لمغنم ... فاجعل مغارك لمكارم تكرم
أيها المؤمنون لا تتوانوا ... فالتواني وسيلة للتباب
فإذا المصلحون في القوم ناموا ... نهضت بينهم جيوش الخراب
فإن كنت مع هذا كله لم تتحرك، إذ أنك ثمل الهمة، مقعد العزيمة، بليد الذهن، يحق عليك قول القائل: يخبرني البواب أنك نائم ... وأنت إذا استيقظت أيضا فنائم
стр. 582
لم يحرك فيك ما مضى ساكنا، فلا تبرر قعودك، ولا تبرر ضعفك، ولا تبرر خورك، فإن ذلك أقبح من ضعفك وأشنع من خورك وقعودك، ولكن سل الله أن يرفع ما بك فهو خير لك.
يجلس بعض المتخاذلين عن تبليغ دين الله ونشره شبعان ريان متكئا على أريكته حتى إذا ما طلب منه نصرة دينة ولو بكلمة أو كلف بأبسط مهمة لخدمة دينه انبرى يتهرب من المسؤولية ويورد لك الأدلة الصحيحة على أن واقع المسلمين سيكون ضعيفا وسيئا في المستقبل ولا بد من العزلة، فيوقعها على حاله فإذا به ينبري ويقول: إن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال: ((يوشك ان يكون خير مال المرء المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر يفر بدينة من الفتن)). ويقول ﷺ : ((لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم)).
وهكذا دواليك. يبرر قعوده ولا يعمل بمقتضى الحديث الذي لا ينطبق على زمانه حقا، ولم يفهمه في ضوء النصوص الأخرى، فاول ما يجنى عليه اجتهاده. تعود نقض العزائم فحيل بينهم وبين الغنائم ويجلس الآخر شبعان ريان متكئا على أريكته حتى إذا ما عاتبته في التخاذل عن تبليغ دين الله واستغراقه في اللهو والترف، انطلق في القذيفة مردداً: ((ياحنظلة ساعة وساعة)) وكأنه لا يعرف من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ غير هذا.
إن لم تقم بالعبء أنت ... فمن يقوم به إذن
إن الذين لا تغلي دمائهم ولا تلتهب نفوسهم ولا تهتز مشاعرهم لخدمة هذا الدين لا يعقد عليهم أمل، ولا يناط بهم رجاء أموات غير احياء والميت لا يحس بالأوجاع وما يشعرون أيان يبعثون. إن النائم يوقظ، والغافل يذّكر، والذي لا يجدي فيه التذكير ولا التنبيه فهو ميت وإنما تنفع الموعظة من أقبل عليها بقلبله (ً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) (غافر:١٣)
* * * * *
стр. 583
الإشارة الرابعة: إنما عليك الجهد
افعل وسعك وطاقتك، وما تستطيع الدوام عليه لئلا تنقطع في الطريق ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإذا صلحت المقاصد لم يخب القاصد.
على المرء أن يسعى إلى الخير جاهدا ... وليس عليه أن تتم المقاصد
* * * * *
الإشارة الخامسة: وتعاونوا على البر والتقوى
المؤمنون جماعة واحدة، ويد واحدة، وجسم واحد، وبنيان واحد، والجميع مسؤولون عن تبليغ دين الله على سبيل التعاون والتآزر والتضامن مع السعي الجاد إلى تغيير واقع الأمة ونقلها من مجرد الإحساس إلى الوعي بأسباب الواقع والطريق إلى إخراجها من ذلك الواقع، التعاون من اجل تمكين منهج الله جل وعلا في الأرض قاطبة مطلب وضرورة، تجعل كل فرد يضاف إلى الآخر ثم تستثمر كافة العقول والسواعد والدقائق، ((والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) وكل يستفيد من الآخر، إذا عن بحر لا يجوز التيمم، والخيط الواهي إذا انضم إليه مثله أصبح حبلا متينا يجر الأثقال.
стр. 584
ذكر صاحب (مواقف إيمانية) أنه في حج ١٣٩٥هـ رأى آلاف الحجاج منظرا يثير المشاعر ويستجيش المدامع، شاهدوا حاجين أحدهما أعمى قادر على المشي، والثاني مشلول بصير العنين، أراد الأعمى ان يستفيد من بصر المشلول، وأراد المشلول أن يستفيد من حركة الأعمى، فاتفق الحاجان على أن يحمل الأعمى المشلول فالحركة من الأعمى والتوجيه من المشلول، وقاما بتأدية المناسك على مشقة وجهد يعلمها الله فالأمر ليس هينا وكلكم يعلم؛ عند الطواف زحام، وعند السعي زحام، وعند رمي الجمار زحام، وفي كل مكان زحام، لكن العزيمة الصادقة، والثقة بالله عظيمة، ورجاء ما عنده ينسى المتاعب والمكاره والمشقة)، أدوا فريضتهم ضاربين أروع المثلة في التعاون والإستفادة من الطاقات، هذا كله في تعاون اثنين فكيف لو تظافرت جهود امة بطاقاتها ومواهبها، وإمكاناتها في خدمة دينها، كيف يكون الأمر لا شك انه سيكون: كالبحر يقذف للقريب جواهرا ... جوداً ويبعث للبعيد سحائبا
إن التعاون طريق إلى البناء والنجاح، ونظرة يلقيها المرء على خلق الله تؤكد هذا الأمر (أمة النحل أمة عجيبة، طائفة من أمة تبني البيوت، وطائفة تنظفها، وطائفة تحرسها وتحميها، وطائفة تدل على مواضع الأزهار، وطائفة تمتص الرحيق لتأتي به وتخرج العسل اللذيذ () وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) (الأنعام:٣٨)
والنمل تبني قراها من تماسكها ... والنحل يجني رحيق الزهر أعوانا
إن يدا واحدة لا تصفق -كماقيل- حتى إذا لم يبق إلا تلك اليد أدت ما عليها غير ملومة وحالها:
إذا عز في قومي المسعفون ... فإنك يا خالقي مسعفي
فما أنا بالمستسيغ القعود ... ولا أنا بالشارد المسرف
стр. 585
يقول السيد محمد نوح: (رغيف الخبز على صغر حجمه لا يصل إلى الإنسان إلا بعد عمل عشرات بل مئات من البشر تعاونت على تجهيزه وإعداده وتقديمه، ومن كان في شك من ذلك فليسأل نفسه: من حرث الأرض؟ ومن بذر الحب؟ ومن سقاه بالماء؟ ومن نظف الحشائش عنه؟ ومن حرسه؟ ومن حصده ومن نقله إلى الجرن؟ ومن داسه؟ ومن طحنه؟ ومن خبزه؟ ومن بالنار سواه؟ ومن إلينا حمله؟ ومن قدمه؟ ومن؟ ومن؟ ومن؟ ...
هناك أسئلة كثيرة. هذا الجهد في رغيف الخبز، فكيف بالأمر في خدمة دين الله) والتمكين له، في بناء النفوس، في صنع الرجال، في كشف الظلم وإنارة البصائر، إنه يحتاج إلى تظافر طاقات وقدرات، مع صبر ومصابرة وثبات، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (التوبة:٧١)، فهيا إلى التلاحم وهيا إلى التعاون وهيا إلى التآزر.
فالنصر لم ينزل على متخاذل ... والرزق لم يبعث إلى متواكل
ولنترك اللوم والتوبيخ، فاللوم لا يحرك ولا يجمع، والتفتيش عن الثغرات التي يدخل منها الداء أولى. وعند كل من الهموم ما يكفيه، وليس بحاجة إلى معكر إضافي، فليحول كل منا أخاه إلى داعية معه يحمل هم الدعوة، ويتبنى أفكارها، وحاله يهتف ويقول:
أمتي انتم في كل أرض ... أنتم خير الأمم
فأجمعوا أشتات أنها ... ركم في غمر يم
تنشروا الخير الأعم ... تبلغوا العز الأشم
وتكونوا سادة الدنيا... ... وفرسان القمم
وما ذلك على الله بعزيز.
* * * * *
الإشارة السادسة: إنما السيل إجتماع النقط
بمعنى دوام ولو على القليل، قليل دائم خير من كثير منقطع، والديمومة والاستمرار في العطاء تجعل العمل وإن كان ضئيلا أصيلاً مستطاعا مذللاً يقام به في عير ما عناء، ليس المهم قدر العمل بل الاستمرار في أدائه، فالقطرة الدائمة تصبح سيلاً عظيماً.
стр. 586
أما ترى الحبل بطول المدى ... على صليب الصخر قد أثر
والشيء بثمرته يقدر ثمنه، ويعرف ثمنه، ومن ثمرات المداومة ما يلي:
نيل محبة الله:
أولاً: نيل محبة الله التي هي غاية منى المؤمنين الذين هم أشد حبا لله، ومن أين أخذت هذا؟ من الحديث القدسي الذي رواه البخاري:
((وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه))، يستمر ويداوم حتى يحبه الله فإذا حصلت محبة الله فالنتيجة: ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولإن استعاذني لأعيذنه)).
وفوق هذا مارواه الشيخان: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السما، ثم يوضع له القبول في الأرض)).
أهيب بقومي إلى المكرمات ... ألا هل ملب ألا هل مجيب
ترويض النفس:
ثانيا: ترويض النفس على مكابد الهوى حتى تعتاد الخير، فالنفس من طبعها حب التفلت والانطلاق، ولكلنها إذا روضت ذلت، واستجابت إلى ما تكره، فتمزق حجب البطالة، وتقفز على أسوار المكاره، وتستمر على ما روضت عليه، وتداوم دون كلل ولا ملل حتى وإن استغرقت هذه المداومة العمر كله، يقول أحد السلف: عالجت لساني عشرين سنة قبل أن يستقيم لي، ويقول عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قبل أن أقدر منه على ما أريد. وجاء عن التابعي الجليل إبن المنكدر ﵀: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي.
وما يردع النفس اللجوج عن الهوى ... من الناس إلا حازم الرأي كامله
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت
стр. 587
الأمن والحسرة عند المرض:
ثالثا: الأمن من الحسرة عند المرض أو العجز والفتنة، فالمداوم حين يحال بينه وبين العمل يجري له ما كان يعمله، يستشعر هذا مما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحا مقيما)) فلا حسرة ولا ندم.
تربية النفس على أخذ أعلى الأمور:
رابعا: تربية النفس على أخذ أعلى الأمور، وعدم الرضا بالدون، ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال: ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)).
إملال الشيطان وإضعافه:
خامسا: إملال الشيطان وإضعافه وقطع الطريق عليه. يقول الحسن ﵀ -كما في الزهد لابن المبارك-: إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوما على طاعة الله فبغاك وبغاك فرآك مداوما ملك ورفضك، وإن كنت مرة هكذا ومرة هكذا - تتقدم خطوة وتتأخر خطوتين كما يفعل البعض- طمع فيك.
هذه بعض ثمرات المداومة على العمل، ومن عرف الثمرة قدرها، فبادر إلى الشجرة لقطفها.
يقال لابن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال:
حتى الممات إن شاء الله، وقال له آخر: إلى متى تكتب العلم؟
قال: لعل الكلمة التي تنفعني لم تكتب بعد. والأعمش يروى عنه وكيع أنه لم تفته تكبرة الإحرام مع الإمام سبعين سنة، ويقول: اختلفت إليه أكثر من ستين سنة فما رأيته يقضي ركعة.
من منا يلقي الله وقد أدرك التكبيرة الأولى مع الإمام أربعين يوماً، مع انه له براءتين: براءة من النفاق وبراءة من النار فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وروى الجماعة عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما حق إمرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) يقول ابن عمر: فوالله ما مرت علي ليلة مذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي عندي.
إذا فعلوا فخير الناس فعلاً ... وإن قالوا فأكرمهم مقالا
стр. 588
ترى جدا ولست ترى عليهم ... ولوعاً بالصغائر واشتغالا
ويروى أن حمدون بن حماد بن مجاهد الكلبي ﵀ كان يقول: كتبت بيدي هذه ثلاثة آلاف وخمسمائة كتاب ولعل الكتاب الذي أدخل به الجنة لم يكتب بعد، لعل هذا مما يعين على المداومة، كلما عملت عملا قلت لعل هذا لا يبلغني الجنة، فإلى آخر وإلى آخر حتى تلقى الله على ذلك فربك أغفر وأرحم سبحانه. فجاهد نفسك وداوم على العمل (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:٩٩)
* * * * *
الإشارة السابعة: إنما الأخطار أثمان المعاني
إنما الأخطار أثمان المعالي ... ربما الأجسام صحت بالهزال
بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:٢٤)
والعبقرية حرمان وتضحية ... وليس ينبغ إلا كل صبار
إن حمل الدعوة إلى الناس، وجعلهم يؤمنونن بها ويثقون ويتأثرون عملية صعبة شاقة تحتاج إلى صبر وثبات، وأن المضي في طريق الدعوة ليس بأمر هين ولا طريق ميسور، ولا بد من عزم وقوة وصبر وثبات لا يؤتاه إلا من نذر نفسه لله، غير مبال بما سواه (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:١٤٢).
والصبر يوجد إن باء له كسرت ... لكنه بسكون الباء موضوع
стр. 589
والله قد وجه نبيه ﷺ في المرحلة المكية إلى الصبر والجلد وقوة التحمل فقال: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) (المزمل:١٠)، وقال (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) (الروم:٦٠)، الصبر تفائل دائم حتى لو ضربت الجاهلية أطناب الأرض، فلا يسوغ بحال الإنسحاب من الميدان، إذا يخلو الجو للشيطان، ويكر الجراد على الحرث فيلتهمه، وقد تغير اللصوص عليه فينتهبونه، فلا بد من صبر وصمود حتى يثبت ويثمر العود.
ولست بخالع درعي وسيفي ... إلى أن يخلع الليل والنهار
كل لذة منقطعة عند كل غمسة في جهنم، وكل بؤس وشقاء ينقطع عند أول غمسة في الجنة، وللباطل جولة ثم يذهب هباء، والحق له صولة وهو أنفع وله البقاء، فإذا أدلهم الخطب، واشتد الظلام، فارتقب بزوغ الفجر، وتبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر، ثم أصبر وصابر فإن العاقبة للمتقين. وخاب المبطلون، وبشر الصابرين، واصبر على ما يقولون:
لا يفزعنك هول خطب دامس ... فلعل في طياته ما يسعد
لو لم يمد الليل جنح ظلامه ... في الخافقين لما أضاء الفرقد
* * * * * *
الإشارة الثامنة: تمهل
لا تعجل في دعوة أو حكم يوشك أن تصل، (إن من سنن الله في النفس أنها لا تضحى ولا تبذل إلا إذا عولجت من داخلها، وتجردت من حظوظها، وأدركت فائدة التضحية والبذل). وذلك لا يتم إلا في وقت طويل وجهد وتكاليف وكدح دائب في اناة ليس يعروها ملل، فليعلم.
стр. 590
ومن سنن الله مع العصاة والمذنبين والمجرمين والكافرين: الإمهال (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (لأعراف:١٨٣)، (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً) (الكهف:٥٨)، إذا أغفل الداعية هذه السنن تعجل وربما فشل في دعوته وكبا، إن من يريد تغير الواقع في أقل من طرفة عين دون النظر إلى العواقب والسنن، كمن يريد أن يزرع اليوم ويحصد غدا، بل يريد ان يغرس في الصباح ويجني الثمرة في المساء وهذا محال، لا بد من صبر وترو على البذرة حتى تنبت، وعلى النبتة حتى تورق، وعلى الورقة حتى تزهر، وعلى الزهرة حتى تثمر، وعلى الثمرة حتى تنضج، ثم يبادر إلى قطفها قبل أن تفسد، ومسافة ميل تبدأ بخطوة واحدة، ومن سار على الطريق وصل، إن شيوع المنكرات، وإحاطتها بالمؤمن من كل جانب، مع العجز - أحياناً- عن تحمل أعباء الطريق ومشاقه، مع واقع أعداء الله في الصد عن سبيل الله، مع الطاقة الضخمة التي يولدها الإيمان في النفس، قد يدفع هذا كله إلى العجلة إذا لم تضبط الأمور بضابط الشرع.
يرد يدي عن خوفها بطش ربها ... ويمنع نفسي أن تخادع ديني
стр. 591
إن رسول الله ﷺ وهو الأسوة قد بعث والأصنام من حول الكعبة تحيط بها وتعلوها، ثم لم يقبل على إزالتها إلا يوم فتح مكة في السنة الثامنة، أي بعد بعثته بواحد وعشرين عاماً، لتقديره ﷺ أنه لو قام بتحطيمها في أول يوم قبل أن تحطم في داخل النفوس، لأقبلوا على تشيدها وزخرفتها بصورة أعظم وأشنع، وعندها يتفاقم الأمر ويعظم الضرر، ولذا تركها ﷺ ، وأقبل يعد الرجال، ويزكي النفوس، ويطهر القلوب، حتى إذا ما تم له ذلك أقبل بتلك القلوب ليفتح بها مكة ويزيل الأصنام فكان له ما أراد (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) (الاسراء:٨١).
لكل شيء في الحياة وقته ... وغاية المستعجلين فوته
وقد أخبر ﷺ فيما ترويه عائشة كما في صحيح البخاري-: أنه لولا أن قومها حديثوا عهد بكفر لنقض الكعبة وأعادها على قواعد إبراهيم، وهذا هو الفقه حقا، أعني رفض المنكر بالقلب، ومقاطعته خوفا من أن يؤدي إلى منكر أكبر، مع البحث عن سبيل التغيير، والعزم على أنه حين تتاح الفرصة لتغيره فلن يكون هناك تباطؤ أو توان.
فكن أسدا في جسمه روح ضغيم ... وكم أُسد أرواحهن كلاب
يمنع الليث حماه ان يرى ... ...فيه كلبا عاديا إن زأرا
ليعد الواحد منا نفسه ما دامت الظروف غير ملا ئمة، والفرص غير مواتية، والعواقب غير محمودة، والمقدمات قاصرة، حتى إذا ما لاءم الظرف كان حاله كحال القائل يوم قال:
أنا أبو طلحة وإسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد
ثم أنظر وتأمل واعتبر: (ها هي شجرة الصنوبر تثمر بعد ثلاثين سنة، وشجرة الدباء (القرع) تثمر في أسبوعين تسخر الدباء من الصنوبر وتقول: إن الطريق التي تقطعينها في ثلاثين سنة أقطعها في أسبوعين ويقال لي شجرة ولك شجرة. فتقول شجرة الصنوبر: مهلا إلى أن تهب الرياح الخريف.
стр. 592
وعندها يعرف المضمار ... ويعرف السابق والخوار
فتصبّر لتصبر، وتحلّم لتحلم، ولا تعجل فقد تكفى بغيرك ويكتب لك بصدق نيتك ما لغيرك، ورُب عجلة أورث ريثاً، وقد يكون مع المستعجل الزلل. ليكن حالك أحيانا حال الحنف بن قيس ﵀ يوم جاءه رجل فلطم وجهه، فقال بسم الله يابن أخي، ما دعاك إلى هذا؟ قال: آليت أن ألطم سيد العرب من بني تميم، قال فبرَّ بيمينك فما أنا بسيدها، سيدها حارثة بن قدامة.
ليست الأحلام في حال الرضى ... إنما الأحلام في حال الغضب
فذهب الرجل إلى حارثة فلطمه، فقام عليه واخترط السيف وقطع يمينه، ولسان حاله:
وسيفي كان في الهيجاء طبيباً ... يداوي رأس من يشكوا الصداعا
فلما بلغ الأحنف ما حصل لهذا الأحمق، قال أنا والله قطعتها.
ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
نعم، العاقل لا يفعل أمرا إلا إذا نظر في عواقبه، وتبصر أبعاده ومراميه، لا يتعجل الخطا، ولا يستبق الأحداث ولا يشرع في الحكم على الأمور، بل يزن الأشياء بميزان دقيق، ويقدر المواقف، بنظرة ثاقبة فاحصة، وخطوة متانية تحسب كل حساب. فكن أفضل من أن تخدع، وأعقل من أن تخدع، لا خب ولا الخب يخدعك.
ولترقَّ شيئاً فشيئاً صاعداً درجاً ... من البناء رصينا واحذر العجلا
فكم عجول كبا من ضعف رؤيته ... وذي أناة أصاب الرشد والأملا
стр. 593
الإشارة التاسعة: كن أحزم من قرلّى
القرلى طائر ما ئي ذو حزم، لا يرى إلا حذرا، على وجهه الماء، عين في الماء طمعاً، وعين في السماء حذراً، ولذلك تقول العرب في المثل: (كن احزم من قرلى، إن رأى خيرا تدلى وإن رأى شرا تولى). ومن الحزم تعويد النفس على الخير حتى تعتاده وتألفه، ومن الحزم منع النفس هواها، وعدم الرضا بالدون، دون علاها (فإن في النفس كما يقول ابن القيم: كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان، وحيل أصحاب السبت، وتمرد الوليد، وجهل ابي جهل.
ومن أخلاق البهائم: حرص الغراب، وشره الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة العجل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، وصولة الأسد، وفسق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراش، ونوم الضبع، ووثوب الفهد، غير أن الحازم بالمجابهة يذهب ذلك كله) بإذن ربه، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعات:٤٠)،ليس من الحزم بيع الوعد بالنقد، وليس من الحزم جزع من صبر ساعة مع احتمال ذل الأبد، إن من يشتري الخسيس بالنفيس ويبيع العظيم بالحقير إنما هو سفيه. لا يعرف الحزم ولا الحزم يعرفه، عينُه عينُ هوى، وعين الهوى عينٌ عمياء.
إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ... ولم ينهها تاقت إلى كل مطلب
بعضنا أكبر همه ومبلغ علمه لقمةٌ ولباسٌ ومركبٌ، مطعمٌ شهي، وملبسٌ دفي، ومركبٌ مطي، قد رفع راية:
إنما العيش سماع ومدام وندام ... فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام
هوان لا يعرف الحزم، وذلة لا تعرف العز، عار ينكره الحر والأسد، ويألفه الحمار والوتد.
إن الهوان حمار البيت يألفه ... والحر ينكره والفيل والأسد
ولا يقيم بدار الذل يألفها ... إلا الذليلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يُشج فما ياوي له أحد
стр. 594
الحزم بقدر الإهتمامات والهموم، والهموم بقدر الهمم، (والجلد والحزم خير من التفلت والتبلد، والصلاة خير من النوم، والمنية خير من الدنية، وعزَّ بزَّ.
فثب وثبة فيها المنايا أو المنى ... فكل محب للحياة ذليل
(ومن أراد المنزلة القصوى من الجنة فعليه أن يكون في المنزلة القصوى في هذه الحياة، واحدة بواحدة ولكل سلعة ثمن).
كان أبو مسلم الخولاني ﵀ حازما مع نفسه قد علق سوطا في بيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: قومي، فوالله لأزحفن بك زحفا إلى الله حتى يكون الكلل منك لا مني، فإذا فتر وكل وتعب تناول سوطه وضرب رجله ثم قال: أيضن أصحاب محمد ﷺ أن يستأثروا به دوننا، كلا والله لنزاحمنهم عليه زحاماً، حتى يعلموا انهم خلفوا وراءهم رجالاً).
هم الرجال وعيب أن يقال ... لمن لم يكن في زيهم رجل
حالهم:
عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع
* * * * *
الإشارة العاشرة: عوض ما فاتك
من الناس من يتحسر على ما مضى من تقصير، ويسرف في ذلك حتى يضيع حاضره، ويقطع عليه مستقبله، فيأتي عليه زمان يتحسر فيه على الزمن الذي ضيعه في الحزن والتحسر.
إن تعويض ما فات لا يكون بالندم على ما فات فحسب، ولا يكون باجترار أحزان الماضي، إنما يكون بالجد والعمل واغتنام كل فرصة قادمة ليتقدم بها خطوة وهذا دليل الكيس، وآية علو الهمة.
ابن عقيل الحنبلي ﵀ وهو في الثمانين يقول:
ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي ... ولا ولائي ولا ديني ولا كرمي
وإنما اعتاض شعري غير صبغته ... والشيب في الشعر غير الشيب في الهمم
****
فإن كنت ترجوا معالي الأمور ... فأعدد لها همة أكبرا
تلك النفوس الغالبات على العلا ... والحق يغلبها على شهواتها
стр. 595
أفلا فليحمد الله من ضيع وقصر على إمهاله له وليعوض، فأيام العافية غنيمة باردة، وأوقات الإهمال فائدة، فتناول وعوض ما دامت عندك المائدة، فليست الساعات بعائدة.
فإن تك بالأمس اقترفت اساءة ... فبادر بإحسان وأنت حميد
ولا تبقي فعل الصالحات إلى غد ... لعل غدا يأتي وأنت فقيد
غاب أنس بن النضر ﵁ وقعة بدر فأحس بألم غنيمة ضيعها، فقال -كماروى البخاري ومسلم-: يارسول الله غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، لأن أشهدني الله مشهدا ً آخر في قتال المشركين، ليرين الله مني ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون أقبل أنس يعتذر إلى الله مما صنع أصحاب رسول الله ﷺ ويبرأ إلى الله مما صنع المشركون، يتقدم ويكسر غمد سيفه ويستقبله سعد بن معاذ فيقول: الجنة ورب النضر إني لأجد ريحها من دون أحد، يقول سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع، ولما انتهت المعركة وجدوه قد قتل، ومثل به المشركون، ووجد به بعض وثمانون ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية بسهم فما عرفته إلا أخته ببنانه.
إما فتى نال المنى فاشتفى ... أو بطل ذاق الردى فاستراح
إما إلى العز وتقضي بساحته ... ذل الحياة وطعم الموت سيان
من تفكر في تفريطه أن ... ولتعويض ما مضى حن:
стр. 596
عكرمة ﵁ يسلم عام الفتح، وشعر بما فاته من سابقة مع رسول الله ﷺ ، فكان يقول: والذي نجاني يوم بدر يا رسول الله لا أدع نفقة أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت أضعافها في سبيل الله ولا قتالا قاتلته في الصد عن سبيل الله إلا قاتلت ضعفه في سبيل الله، ويبر بقسمه فما خاض المسلمون معركة بعد إسلامه إلا خاضها معهم، ولا خرجوا إلا كان معهم، وفي يوم اليرموك وما يوم اليرموك؟! (أقبل عركمة على القتال إقبال الظامئ على الماء البارد في في اليوم القائظ، اشتد الكرب بالمسلمين نزل عن جواده، وكسر غمد سيفه، واغل في صفوف الروم، فبادر خالد بن الوليد قائلا: لا تفعل يا عكرمة، إن قتلك على المسلمين سيكون شديدا، قال: إليك عني ياخالد لقد كان لك مع رسول الله ﷺ سابقة أما أنا وأبي أبو جهل فقد كنا أشد الناس على رسول ﷺ دعني اكفر عما سلف مني، أأقاتل رسول الله ﷺ ثم أفر اليوم من الروم، والله لا يكون أبدا.
لو بان عضدي لما تأسف منكبي ... لو مات زندي ما بكته الأنامل
ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه أربعمائة من المجاهدين في سبيل الله، فقاتلوا حتى نصر الله المسلمين نصرا مؤزرا، ولقى الله عكرمة مثخنا بجراحه)، ولسان حاله (قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) (طه:٨٤). فرضى الله عنه وأرضاه.
بذل النفس فداء ورضى ... وقضى العمر وأقصى السفرا
همة أخرجت حظ الدنيا من نفوسهم فتاقوا إلى تعويض ما فات من ساعات في خدمة دينهم فاقتحموا المكاره بغية المكارم، وعقدوا لله عقدا مع أنفسهم فما نكثوا وما نقضوا.
فبادر أخي قبل العوائق، واستدرك ما فات فلعلك بالأخيار لا حق، إن كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم.
إذا استدرك الإنسان ما فات من علا ... فللحزم يعزى لا إلى الجهل ينسب
стр. 597
ومكلف الأشياء ضد طباعها ............متطلب في الماء جذوة نار
* * * * *
الإشارة الحادية عشرة: العدل - فبه قامت السموات والأرض
* إعطاء كل ذي حق حقه عين العدل.
* مدح من يستحق المدح في عير ما خشبة الفتنة عليه عدل.
* تأنيب من يستحق التأنيب عدل.
* الإعتراف بالجهود الأخرين عدل.
* الإعتراف بالخطأ والرجوع عنه عدل.
* قبول النصح عدل.
* إسداء النصح عدل
* التربية على العدل عدل.
*والله تعالى يامر بالعدل: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:٨).
يذكر الطبري في رواية مرفوعة إلى إياس بن سلمة عن أبيه أنه قال: مر عمر ﵁ في السوق ومعه الدرة، فخفقني بخفقة لم تصب إلا طرف ثوبي، وقال: أمط عن الطريق - أي لا تزحم الطريق- قال: فلما كان العام المقبل لقيني عمر فقال: يا سلمى أتريد الحج؟ قلت: نعم قال: فأخذ بيدي وانطلق بي إلى منزله ثم أعطاني من ماله ستمائة درهم وقال: استعن بها على حجك واعلم أنها بالخفقة التي خفقتكها في العام الماضي، قلت يا أمير المؤمنين ما ذكرتها قال: والله وأنا ما نسيتها.
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
من أراد العدل والإنصاف فليضع نفسه مكان أخيه، وليفعل ما يرضاه لنفسه.
أرض للناس جميعا مثلما ترضى لنفسك ... إنما الناس جميعا كلهم أبناء جنسك
فلهم نفس كنفسك ولهم حس كحسك
стр. 598
شكا رجل عليا ﵁ على عمر ﵁ فلما جلس عمر لينظر في الدعوى قال لعلي: ساو خصمك يا أبا لحسن فتغير وجه علي ﵁. ثم قضى عمر في الدعوى وذهب الخصم فالتفت عمر إلى علي وقال أأغضبتك يا أبا الحسن إذ سويت بينك وبين خصمك؟ قال عليّ: كلا بل لأنك لم تسوي بيني وبينه يا أمير المؤمنين لقد أكرمتني ودعوتني بكنيتي يا أبا الحسن ولم تناد خصمي بكنيته فذلك الذي أغضبني، فقبل عمر رأس علي وقال: لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن.
حكموا فكان العدل شرعة حكمهم ... ما الحكم ما السلطان إن لم يعدل
سارت مبادؤهم وسارت خلفها ... أفعالهم في موكب متمثل
شادوا من التقوى أصح مواقف ... وبنوا من الحسنات خير قلاع
* * * * *
الإشارة الثانية عشرة: لا تكن بيتا بلا سقف
بمعنى لا يزال لسانك رطبا رطبا على الطريق بذكر رب العالمين، فلا تكن من الغافلين، إن بيت بلا سقف حري أن يكون مرتعا للغبار والقاذورات ومأوى للهوام والحشارت، كذلك أن بيت لا يذكر الله فيه لا سقف له، خراب بلقع لا داع به ولا مجيب ((مثل البيت الذي يذكر فيه الله والبيت الذي لا يذكر فيه الله مثل الحي والميت)) - كما في صحيح مسلم ﵀.
إن إنسان لا يذكر الله لا سقف له، حي بعظم ميت:
إذا ما الحي عاش بعظم ميت ... فذاك العظم حي وهو ميت
((ومثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت)) - كما ثبت عند البخاري ﵀.
والناس صنفان: موتى في حياتهم ... وآخرون ببطن الأرض أحياء
فأكثر ذكره في الأرض دأبا ... لتذكر في السماء إذا ذكرتا
فلم أرى غير حكم الله حكماً ... ولم أر دون ذكر الله بابا
خذ ما يسرك دع شيئا تضربه ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
إن جمعا لا يذكر الله فيه لا سقف له مضطرب أرق قلق:
كريشة في مهب الريح ساقطة ... لا تستقر على حال من القلق
стр. 599
((والدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما))، في الزهد لإبن المبارك ﵀. إن أبا مسلم الخولاني ﵀ دخل مسجدا رأى فيه حلقة ظنهم في ذكر فجلس إليهم فإذا هم يتحدثون في الدنيا، فقال سبحان الله هل تدرون يا هؤلاء ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير فالتفت فإذا هو بمصارعين عظيمين فقال لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر فدخل فإذا هو بيت بلا سقف، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير وذكر فإذا أنتم أصحاب دنيا.
كم حديث يظنه المرء نافعا ... وبه لو درى يكون البلاء
إنه ليس في جلاء القلوب واطمئنانها من ذكر الله ومناجاته، وليس هناك من هو أولى بملازمة ذكر الله من الداعية إلى الله، وكلنا ذلك الرجل الذي جعل محور حياته خدمة ليدن الله فهو أحرى أن يذكر الله قائما وقاعدا وعلى جنب في كل حين وآن، فذكر الله له يرقق المشاعر ويوقظ القلوب والضمائر ويرهف الإحساس ويشرح الصدور ويسمو بالنفوس ويزكيها، ويترفع بها عن شهواتها ويملك جماحها، ويرفع الدرجات، ويكفر السيئات ومع ذا خفيف على اللسان ثقيل في الميزان حبيب إلى الرحمن فمن الخطورة العظيمة أيها الأحبة أن نتحول على منظرين وخططين ثم لا نكون الربانيين العابدين الأوابين المفردين الذاكرين الله كثيرا والمخبتين فنصبح من المحرومين - نعوذ بالله رب العالمين- المحروم من نعمة ملازمة ذكر الله محروم من الإحساس المرهف، والضمير اليقظ الحي، حياته جمود وعطالة وبطالة وانحطاط، أنى له أن يصل إلى وجهته؟ إن المسلم بصفة عامة وطالب العلم بصفة خاصة جدير بان يذكر الناس بالله حتى إذا ما رؤي ذكر الله تعالى فكيف به إن كان غافلا؟ أيكون جديرا بالتذكير؟! كلا والله، إن فاقد الشيء لا يعطيه.
هل يطلب الماء ممن يشتكي عطشا ... هل يطلب الثوب ممن جسمه عار
يا بانيا بالماء حائط بيته ... فوق العباب أرى البناء مهيلا
стр. 600
أرأيت قبلك عاريا ... يبغى نزال الدارعين
كلا. إن بحر الحياة الدعوية ليست السباحة فيه بالخطب اليسير، فخير للإنسان أن يأوي إلى سفينة مأمونة الغرق، ألا وهي سفينة الإيمان والاطمئنان بذكر الرحمن، كثير ممن يحسنون السباحة غرقوا في هذا البحر وما رأينا سفينة الإيمان وذكر الرحمن تغرق فيه أبدا، وعلى الطريق. (سبق المفردون) إن القلب بذكر الرحمن بلد عامر وحصن محكم مصون، وروضة مباركة لا يكان ينفد نعيمها ولا ينضب معينها، (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (ابراهيم:٢٥).
* الذكر مسك والغفلة رماد.
* الذكر جواد والغفلة حمار.
* فليكن لسان الحال على الطريق ما كنت لأتخطى المسك إلى الرماد.
* ولا أمتطي الحمار بعد الجواد
* وإنما يتيمم من لم يجد الماء.
* ويرعى الهشيم من عدم الجميم.
* ويركب الصعب من لا ذلول له (قد قاله ابن زيدون).
أما لسان المقال:
فالعز داري وبحر العزم راحلتي ... والذكر أنسي ومن والاه إخواني
فيا قدمي لا سرت بي لمذلة ... ولم ترتقي إلا إلى العز سلما
следующие страницы →