← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

بعض مواقف فاطمة بنت رسول الله ﷺ ليس هذا فحسب، هل كانت أسوتكِ -أختي المسلمة- فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، تلك التي تربَّت في بيت النبوة، وذاقت ما ذاقه ذاك البيت من أذى في سبيل الله ، ترى أباها ﷺ وهو يقوم بالدعوة يقف صفاً واحداً، والبشرية كلها صفٌّ ضده. تراه وهو يصلي، فيقول أحدهم: أيكم يُمهل هذا المرائي حتى يسجد، فيأخذ سَلى جَزور بني فلان، فيضعه على ظهره ﷺ ؟ رأت المنظر وهي طفلةٌ صغيرة تتربى على "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، يسجد أبوها، والسَّلى -والفرث والدم- على ظهره ﷺ ولم يجد نصيراً له في تلك اللحظة بعد الله إلا ابنته فاطمة، وهي جارية صغيرة لتمتد إليه وتأخذه من على ظهره، وتدعو عليهم وتسبهم وتشتمهم، عاشت حياة رسول الله ﷺ أيام كان في مكة، ويوم هاجر إلى المدينة، ويوم استقرَّ هناك. انظر إليها في تمسُّكها بدينها، وتمسكها بعفتها وحيائها وصبرها العظيم، تلك المرأة التي تزوجت بـ علي ﵁ وأرضاه، فما حملت معها الجواهر ولا الفساتين، وما دخلت القصور ولا الدُّور، وإنما دخلت بيتاً من طين. أما جهازها -يا أمة الله- فهو وسادة محشوة بليف، وسقاء وجرتين، ورَحَى تطحن الحبَّ عليها، وهي سيدة نساء العالمين ﵂ وأرضاها ما ضرَّها ذلك وما أنقص من قدرها ذلك. انظر إليها يوم يتحدث عنها زوجها في آخر حياته، يتحدث عنها علي ﵁ وأرضاه- فيقول: [[كانت بنت رسول الله ﷺ -وكانت أكرم أهله عليه- جرت بالرحى تطحن الحب حتى أثَّر الجر في يدها، واستقت بالقربة حتى أثَّر الحبل في نحرِها ﵂ وأرضاها، وقَمَّت البيت حتى تغيَّرت هيئتها ﵂ وأرضاها، وأوقدت النار حتى تغيرت هيئتها، وأصابها من ذلك ضرٌ أيَّما ضر]]. اسمعي إليها يوم تقول -يوماً من الأيام-: [[خيرٌ للنساء ألا يَرَيْنَ الرجال، ولا يراهنَّ الرجال]]. بضعة منه ﷺ أخذت من علمه وفقهه وحكمته ﷺ . انظري إليها يوم تَقمُّ البيت، وتوقد النار، وتجرُّ بالرَّحى، وتطحن الحب، وتصبر، ولم تتشكي، أو تسخط من قضاء الله ، ثم فوق ذلك تُربي أبناءها تربيةً عظيمة؛ تُربيهم على كتاب الله، وعلى سنة رسوله ﷺ ، وألَّا يُراقبوا أحداً غير الله ، فمن كان من أبنائها؟ كان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة رضى الله عنهم أجمعين. هي بنت مَنْ؟ هي أمُّ مَنْ؟ هي زوج مَنْ؟ من ذا يساوي في الأنام علاها أمَّا أبوها فهو أكرم مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها وعليٌّ زوج لا تسل عنه سوى سيف غدا بيمينه تيَّاها طلبت من رسول الله ﷺ أن يخدمها مملوكة من المماليك؛ فما كان منه ﷺ إلا أن قال: ﴿لا والله! ما دام على الصفة فقير يحتاج إلى لقمة أو إلى كسرة﴾ أو كما قال ﷺ ، فذهبت إلى بيتها وقد تعبت من أعمال البيت، وجاء النبي ﷺ إليها ليدخل بيتها وهي وزوجها في فراش واحد، ثم قال لهما ﷺ : ﴿أولا أدلكما على خير لكما من خادم﴾ من الذي قال هذا؟ إنه من لا ينطق عن الهوى. ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، قال: ﴿إذا أويتما إلى فراشكما فَسَبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبِّرا أربعاً وثلاثين؛ فذلكما خير لكما من خادم﴾. هل فعلنا ذلك يا أيها الأحبة؟ بل هل علمنا نساءنا أن يذكروا هذا الذكر قبل أن يناموا؟ إنه من المعين على خدمة البيت. يقول علي: [[والله ما تركته من بعد ذلك اليوم حتى لقيت الله -جل وعلا- قالوا: حتى ولا ليلة صفين قال: ولا ليلة صفين]] في وسط المعركة وفي وسط ما حصل ما نسيه ﵁ وأرضاه. إني أقول لكنَّ أيتها الأخوات: عليكنَّ بهذا فذلكنَّ خيرٌ لكنَّ من خادم هل تعلمين يا أَمَةَ الله! أن في بيوت المسلمين -الآن- سبعمائة وخمسين ألف خادم في هذه الجزيرة، ما بين مسلمة وبوذية ونصرانية ومجوسية، تولَّى هؤلاء، فماذا تولوا؟ تولوا تربية فلذات الأكباد، والله إن هذا لأعظمُ الغش، وأعظم ما تغشين به أطفالك ومجتمعك وأُمتك وبلادك - الجزيرة - التي لا يجوز دخول كافر إليها أبداً. يا أيها الأحبة! عليكم بهذا الدعاء فذلكما خير لكما من خادم، اذكري فاطمة يا أيتها الأخت المؤمنة! ثم اذكري ما عليه بعض أخواتك في الرغبة الملحة من النظر إلى الرجال، والحديث مع الرجال، والاختلاط بهم، وتشبههن بالكافرات في لباسهن ومشيتهن. وبالله يا أختي المسلمة! أنت قمَّة، وأنت فضيلة، وأنت طهر قمة بالقرآن فضيلة بالإيمان طهر بتمسكك بهذا الدين؛ فكيف تتشبه القمة بالسافلة؟ وكيف تتشبه الفضيلة بالرذيلة؟ وكيف يتشبه الطهر بالنجس؟ يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ويبقى العود ما بقيَ اللِّحاء فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء إني لأذكركِ مرات ومرات بتلك المؤمنة الطاهرة التي يذكرها أهل السِيَر، بأنها قد قُتل لها ولد في إحدى الغزوات مع رسول الله ﷺ ، فجاءت تبحث عن ولدها بين القتلى وهي متنقبة ومتحجبة، فقيل لها: كيف تبحثين عنه وأنت متنقبة ومتحجبة قد لا تعرفينه؟! فأجابت إجابة المؤمنة، إجابة من أطاعت الله: [[لأَن أفقد -والله- ولدي خيرٌ من أن أفقد حيائي وديني! إن الله خاطب رسوله قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] والله ما أنا بخير من أمهات المؤمنين ولا من نساء المؤمنين ولا من بناته ﷺ ]]. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

стр. 877

بنت من بنات الأنصار واستجابتها لأمر رسول الله وهاهو رسول الله ﷺ يرسل رجلاً لخطبة بنت من بنات الأنصار له، ويأتي ويقول: رسول الله يطلب ابنتكم لي -وكان رجلاً فقيراً ودميماً- فما كان من الرجل إلا أن تردد، وما كان من الأم بعد ذلك إلا أن ترددت؛ فما كان من هذه المرأة التي تربت على الإيمان إلا أن خرجت، وقالت: أترُدَّان أمر رسول الله ﷺ ؟ أين تذهبان من قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] ادفعوني إليه فإن الله لا يضيعني. أرأيتم -يا أيتها الأخوات- الاستجابة لله إذا قضى أمراً هو أو رسوله ﷺ فهلا كانت هذه أُسوة لكِ.

стр. 878

سمية أول شهيدة في الإسلام سمية: تعتنق الإسلام، وتُضَرب وتُؤذَى، يريدون أن يردُّوها عن دينها، وما نقموا منها إلا أن آمنت بالله الذي لا إله إلا هو فأبَتْ؛ لأنها علمت أنها على الحق؛ فماذا كان منها؟ تقدم إليها الشقي بحربته ليطعنها في موطن عِفّتها، ولسانُ حالها يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] فكانت أول شهيدة في الإسلام بإذن الله سبحانه وبحمده.

стр. 879

موقف آسية بنت مزاحم مع فرعون ومن قبل هؤلاء: امرأة فرعون آسية التي آمنت في وسط بيت من يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] لم يصدها جبروته، ولم يصدها قوته، ولم يصدها طغيانه. لما تبين إسلامها طلب فرعون منها أن ترجع عن دينها، فأَبَتْ وأنَّى لمسلم يعرف هذا الدين ثم يعود عنه وينكص على أعقابه؛ فماذا كان منه؟ أوْتدَ رجليها، وأوْتدَ يديها بأربعة أوتاد، ثم ربطها وألقاها في الشمس، ومنع عنها الطعام والشراب، وضربها ضرباً مبرحاً، وآذاها ووكَّل من يؤذيها، فقالت؛ ماذا قالت؟ وإلى من لجأت؟ لجأت إلى فاطر السماوات والأرض: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] روي أنها لما قالت ذلك رُفعت دونها الحُجُبُ حتى رأت بيتها في الجنة من دُرة بيضاء مُجوَّفة، فضحكت وهي تُعذَّب حتى قالوا: هذه مجنونة، تُعذَّب وتضحك؟! يقول الضحَّاك: [[فأمر فرعون بعد ذلك بحجر يُلقى عليها، وهي في أوتادها؛ فما وصل الحجر إليها حتى أخذ الله روحها قبل ذلك، فصارت مثلاً للذين آمنوا]]. أرأيتم -يا أيها الأحبة ويا أيتها الأخوات- كيف تكون المؤمنة متعلقة بالله فيحفظها سبحانه وبحمده؟

стр. 880

امرأة تموت وهي ساجدة لله قد تقولون: هؤلاء في عصر مضى، فسأذكر لكم نموذجاً من هذا العصر. عجوز جالست النساء وهي تخشى الله ، وتعلم أن هذا اللسان لطالما أردى الكثير من الناس في حفرةٍ من حفر النار، وأوقعهم في أعراض المسلمين -وأعراض المسلمين حفرةٍ من حفر النار- ما كان من هذه المرأة يوم أن جالستهم؛ فلم تجد فائدة إلا أن اعتزلت بيتها؛ فهي تذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، وتقرأ القرآن، واعتزلت النساء ولم تجلس معهن، وكان لها ولد بارٌ بها، وفي ليلةٍ من الليالي، قد كانت تقوم أكثر ليلها يوم أصبح قيامنا وقيام أهل بيتنا -إلا من رحم الله- على التمثيليات والمسلسلات، ونسأل الله أن يعصم قلوبنا أن نلقى الله على ذلك. يا أيها الأحبة! كانت تقوم ليلها، وفي ليلةٍ من الليالي، وإذا بها تنادي ابنها في ثلث الليل الآخر، وتقول: يا بني! ها أنا على وضع سجودي لا يتحرك مني عضو واحد. فما كان منه إلا أن أخذها وذهب بها إلى المستشفى، وهو بارٌ بها، يريد أن تعود إلى صحتها، نورٌ في البيت تذكر الله ليلاً ونهاراً، وذهب بها إلى الأطباء، وفعلوا ما فعلوا، وأنَّى لبشر أن ينجي من قدر؟ وأنَّى لِحَذَرٍ أن ينجي من قدَر، سألته بالله أن يعيدها إلى بيتها، فأخذها وذهب بها إلى البيت، ووضَّأها، ثم قالت: أعِدني على وضع السجود كما كنت على سجادتي في آخر الليل، وإذا بها بعد فترة ليست بالطويلة تنادي ابنها، وتقول: يا بني! أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. لتلقى الله وهي ساجدة؛ يغسلونها وهي ساجدة؛ ويكفنونها وهي ساجدة؛ ويذهبون ليصلوا عليها وهي ساجدة، تُحمل إلى المقبرة وهي ساجدة، وتدخل القبر وهي ساجدة، ومن مات على شيءٍ بُعث عليه، تُبعث بإذن الله ساجدة. يا أيها الأحبة رجالاً ونساءً! امرأة تقوم من الليل ما تقوم، وبعضنا لا يقوم من ليله ولو لساعة أو لنصف ساعة أو لدقائق أو لركعتين أو ثلاث يرجو بها رحمة الله، يرجو بها نفحة من نفحات الله . إني أقول: تشبهوا بهذه العجوز وقد منحكم الله ما لم يمنحها من الصحة والقوة.

стр. 881

ابنة سعيد بن المسيب وغزارة علمها وهاهي ابنة سعيد بن المسيب -عليه رحمة الله- وهذه مثل للأخوات المتعلمات؛ لما دخل عليها زوجها -وكان من طلبة العلم- أصبح في الصباح فأخذ رداءه يريد أن يذهب ليُثنيَ ركبته في مجلس سعيد بن المسيب أبيها. فقالت: إلى أين تريد؟ قال: إلى مجلس أبيكِ سعيد أتعلمُ العلم، فقالت له: اجلس أعلمك علم سعيد؟ فوجد ما كان يتعلمه من سعيد عند ابنته. هكذا تكون المرأة المسلمة، وهكذا تكون المعلمة الفاضلة، تصبح نوراً يَشِعُّ على زوجها وعلى بيتها؛ فلا يخرجون من البيت إلا طيبين وصالحين بإذن الله.

стр. 882

عائشة ﵂ العالمة الفاضلة وإن نسينا فلا ننسى عائشة -رضى الله عنها- تلكم العالمة التي ماتت ولم تَخْطُ بعد إلى التاسعة عشر، وملأت الأرض علماً حتى قال فيها الزهري: "لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل وأكثر وأفيد". طلبت العلم ولم تعزف عن الزواج، كما يفعل بعض أخواتنا في هذه الأيام، يطلبون العلم فيعزفون عن الزواج. تزوجت -يا أيها الأحبة- وهي في التاسعة أو أقل من ذلك، ولم تتعلم إلا قال الله وقال الرسول ﷺ ، لم تتعلم قصص الغرام والحب أو الأدب الإنجليزي، ولم تصرف وقتها إلا فيما ينجيها؛ كتاب الله وسنة نبينا محمد ﷺ ، فرضي الله عنها وأرضاها، ووفق أخواتنا لتكون هي وأمثالها قدوة لهن.

стр. 883

امرأة تشارك في الجهاد بضفائرها وهاهو أبو قدامة الشامي يقف خطيباً في يوم من الأيام على المنبر يَعِظ الناس، ويذكرهم بفضيلة الجهاد في سبيل الله جل وعلا. ماذا كان من هذا الرجل؟ خرج من المسجد، وقد اشْرَأَبَّتْ الأعناق للذهاب إلى القتال في سبيل الله، وخرج يمشي في شارع من شوارع مدينته، وإذا بهذه المرأة تقول: يا أبا قدامة! السلام عليك، فلم يرد ﵍؛ لأنه خشي أن تفتنه؛ لأن نبيه ﷺ يقول: ﴿فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء﴾ فلم يرد عليها في الأولى، ولا في الثانية، وفي الثالثة قالت: السلام عليك يا أبا قدامة! ما هكذا يفعل الصالحون. قال: فتوقفت فتقدمت إليّ، وقالت: سمعتك وأنت تشحذ الهمم للجهاد في سبيل الله، وفتشت، فلم أجد -والله- أغلى عندي من ضفيرتَيْ شعري، فقصصتهما، فخذهما، واجعلهما لجاماً لفَرَسِك في سبيل الله؛ علَّ الله أن يكتبني من المجاهدات في سبيله. ولا إله إلا الله تقصُّ ضفائرها لجاماً لخيل الله ولجند الله، وأخرى تقصُّ ضفائرها لتكون أشبه بالبغايا العاهرات، شتان بين مشرق ومغرب! شتان بين الفريقين! يا أيها الأحبة! ﴿من تشبَّه بقوم فهو منهم﴾. أرأيتم هذه المرأة في اليوم الذي بعده؟ يقول أبو قدامة: وقد انطلقنا نريد الجهاد في سبيل الله، قال وإذا بطفل يأتي ويلحق بنا، ويقول: يا أبا قدامة! سألتك بالله أن تجيزني في القتال في سبيل الله. قال: تطؤك الخيل بحوافرها. قال: سألتك بالله إلا أخذتني. قال: إن قُتلت تشفع لي عند الله شرط؟ قال: نعم. فأخذه معه على فرسه، وانطلقوا حتى قابلوا الروم، وحينما قابلوهم قال: سألتك بالله ثلاثة أسهم. قال: تضيعها إذاً. قال: سألتك بالله ثلاثة أسهم، فأعطاه، فأخذ سهماً، وقال: السلام عليك يا أبا قدامة! باسم الله، ثم أطلقه، فقتل رومياً، ثم أطلق الثاني فقتل رومياً، ثم أطلق الثالث فقتل رومياً ثالثاً، ثم جاءه سهم فضربه في لُبته، فأرداه من فوق الفرس وهو يقول: السلام عليك يا أبا قدامة! سلام مودع، ثم سقط فسقط وراءه أبو قدامة، وقال: لا تنسَ الوصية، لا تنسَ الوصية. فما كان منه بعد ذلك إلا أن قال: خذ هذا وأعطِه أمي. قال: ومن أمك؟ قال: أمي صاحبة الضفيرتين التي أعطتك إياها بالأمس. أرأيتم إلى البيوت المسلمة يوم تُربَّى على لا إله إلا الله محمد رسول الله، المرأة مربية الأجيال. والأم مدرسة إذا أعددتها أعدت شعباً طيِّب الأعراق

стр. 884

صفية بنت عبد المطلب الصابرة المجاهدة هاهي صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، تِلْكُم المرأة الحازمة التي ربَّتْ للأمة أول فارس سلَّ سيفاً في سبيل الله، توفي عنها زوجها وترك لها الزبير -وهو طفل صغير- فنشَّأته على الخشونة والبأس، وربَّتْه على الفروسية، لم تُنشِّئْه على التنعُّم والترفُّه والميوعة حتى أصبح الأطفال والرجال -الآن- أشباه رجال ولا رجال، جعلت لعبَه في برْيِ السهام وإصلاح القسي، لم تجعل لعبه في لعب الكرة، وفي مطاردة الدراجات في الشوارع يميناً وشمالاً؛ يتسكعون. كانت تقدمه في كل مخوفة، وكانت ترميه في كل خطر؛ تريد أن يكون لَبِنَة صالحة في هذا المجتمع؛ فإذا تردد عنها ضربته وأوجعته، حتى إنَّ أحد أعمامه يوماً من الأيام قال لها: إنكِ تضربينه ضربَ مبغضةٍ لا ضرب أم، فارتجزت قائلة: من قال قد أبغضته فقد كذب وإنما أضربه لكي يَلُبَّ ويختم الجيش ويأتي بالسلب. هاجرت إلى المدينة النبوية، وهي تقفو إلى الستين من عمرها، تركت مدارج الشباب، وتركت مكة، وهاجرت بدينها فارَّةً إلى الله -جل وعلا- في المدينة، شاركت في يوم أحد لما رأت ما حل بالمسلمين، وهي تسقيهم بالماء، هبَّت كاللبؤة، وانتزعت رمحاً من أَحَد المنهزمين، ومضَتْ تشق الصفوف به، وتزأر وتقول: [[ويحكم أتنهزمون عن رسول الله ﷺ ؟]] فلما رآها النبي ﷺ خشيَ أن ترى أخاها حمزة وقد مثَّل به المشركون؛ فما كان منه إلا أن أشار إلى ابنها الزبير، وقال: ﴿دونك أمك﴾ أو كما قال ﷺ . فقال الزبير: [[يا أماه! إليكِ يا أماه إليكِ. قالت: تنحَّ عني، لا أمَّ لك. فقال: إن رسول الله يأمركِ أن ترجعي. قالت: الأمر أمر الله وأمر رسوله]] فتوقفت. ثم قالت: [[والله لقد بلغني أنه مُثِّلَ بأخي حمزة ولأصبرنَّ، وذلك في ذات الله وفي سبيل الله]] ثم انتهت المعركة، وما كان منها إلا أن وقفت على أخيها وقد بُقرَ بطنُه، وأُخرِجت كبدُه، وجُدِع أنفه وأُذناه، وشُوِّهَ وجهُه، فاستغفرت الله له، وجعلت تقول: [[في ذات الله، لقد رضيت بقضاء الله لقد رضيت بقضاء الله]]. لم تلطم خدّاً، ولم تُشق جيباً، ولم تنُحْ، وما كان لها أن تكون كذلك. وها هي في يوم الخندق يوم وضع النبي ﷺ النساء في حصن حسان -وهو حصن من أمنع الحصون- ولم يترك معهن من الرجال، فذهب الجيش إلى الخندق، وما كان منها إلا أن رأت يهودياً يتسلل إلى القصر، وإلى هذا الحصن يريد أن ينظر هل في الحصن رجال أم يستخلي اليهود بهذا الحصن؛ ليسلبوا النساء والذراري؟ لما رأته أخذت عموداً من الحصن، ثم هجمت عليه حتى قتلته، ثم لم تكتف بذلك فاحتزت رأسه واقتطعته، وأخذته وخرجت إلى أعلى الحصن، ثم رمَتْ برأسه على اليهود يتدحرج بينهم، فقالوا: قد علمنا أن محمداً لن يترك النساء بلا رجال. رضي الله عن صفية، ربَّت وحيدها أحسن تربية، وأُصيبَتْ في شقيقها، فاحتسبت ذلك، وعملت لهذا الدين، وحملت همَّ هذا الدين، وهكذا يكون نساء المسلمين أيتها الأخوات.

стр. 885

أم الإمام أحمد وتربيتها له إن النماذج لكثيرة كثيرة لكني أقف مع نموذج أخير أو قبل الأخير، وهو مع أم الإمام أحمد الذي يموت أبوه عنه وهو صغير، فتكفله أمه الزاهدة العابدة الصائمة القائمة، تقوم بتربيته، وهذا دور المرأة يوم تكون صالحة. تنتج اللَّبِنات الصالحة، نشَّأت ابنها على حب الله ورسوله، وعلى حب كتاب الله، يقول أحمد: "حفَّظتني القرآن وعمري عشر سنوات"، ومن حفظ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيْه. يقول: كانت توقظني قبل صلاة الفجر بوقت ليس بالقصير، وتدفئ لي الماء؛ لأن الجو كان بارداً في بغداد، وتُلبسُني اللباس، ثم نصلي أنا وإياها ما شئنا، ثم ننطلق إلى المسجد وهي مختمرة؛ لأن الطريق كان بعيداً مظلماً موحشاً لتصلي معه صلاة الفجر في المسجد -وعمره عشر سنوات- وتبقى معه حتى منتصف النهار لتعلمه العلم، ولتربيه التربية؛ ليكون لَبِنَةً صالحة ينفعها يوم تقْدمُ على الله جل وعلا. يقول: فلما بلغت السادسة عشرة قالت: يا بُني! سافِرْ في طلب الحديث؛ فإن طلب الحديث هجرة في سبيل الله. أعدت له بعض متاع السفر من أرغفة الشعير، ومن صُرَّة ملح، ومن بعض مستلْزَمَات السفر، ثم قالت: إن الله إذا استُودِع شيئاً حفظه، فأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. ذهب من عندها إلى المدينة، وإلى مكة، وإلى صنعاء ليعود الإمام أحمد، وقد قدَّم للأمة ما قدَّم ولأمه -إن شاء الله- من الحسنات مثلما عمل أحمد، ومثل من يعمل بعمل أحمد إلى أن يلقى الله بمنِّه وكرمه، والخير في الأمة كثير وكثير. فلو كان النساء كمن ذكرنا لفَضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال هل أعجبتكِ خصال هؤلاء النساء؟ إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن ما يعجبك فليس على الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يمنعك

стр. 886

المؤامرة الكبرى على المرأة المسلمة يا أيتها الأخت المؤمنة! إن أعداءك كُثْرٌ، وإنما يريدون استغلالكِ لهدم الدين والحياء والفضيلة كُثْر كُثْر، وقد يكونون ممن يتكلمون بألسنتنا، ومن بني جلدتنا. يقول أحدهم: لا تستقيم حالة الشرق إلا إذا رفعت الفتاة حجابها عن وجهها وغطَّت به القرآن الكريم!! ويقول آخر: كأس وغانية تفعلان بالأمة المحمدية ما لم تفعله المدافع والقذائف؛ فأغْرِقوهم بالشهوات والملذَّات؛ فما موقفكِ أمَةَ الله من هؤلاء؟ إن الموقف المنتظَر مِنكن هو الاعتصام بدين الله والوقوف عند حدود الله، ولكننا نرى -ويا ليتنا ما نرى- أحياناً الكاسية العارية، نرى أن بعض النساء تتصور أن السفور هو كشف الوجه فقط! لا، ذاك شيء، ومعه -أيضاً- السفور الذي لو غَطَّت المرأة وجهها قد يكون أحياناً برؤيتها، وكأنها تمشي في صالة عرض، تُبدي مفاتنها، وتُخرج محاسنها. إن من السفور لبسَ الضيق، إن من السفور لبس العباءة الخفيفة الجذابة في منظرها، السفور بلبس القصير والخفيف من الملابس، أهان عليكِ -يا أختي المسلمة- أن تلبسي لباس أهل النار، ألم تسمعي قول النبي ﷺ : ﴿صنفان من أهل النار لم أرَهما بعد -وذكر منهن:- نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأَسْنِمَةِ البُخْت المائلة، لا يدخلْنَ الجنة ولا يجدْن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾. ألا هل ترضين أن تكوني من أهل النار؟ هل ترضين أن تخرجي من آداب القرآن والسنة إلى عادات قوم أخذوها من اليهود والنصارى؟ هل ترضين أن تكون ابنتكِ وثمرة فؤادك من أهل النار؟ هل ترضين أن تُلبسي بناتك لبساً تتعرَّى به من الحياء، والحياء من الإيمان؟! هل ترضين لابنتك أن تُعرَض كما تُعرَض السلع فاتنة ليتعلق بها كل سافل وحقير ومهين ورذيل؟ هل ترضين أن تَلبسي أو تُلبسي لباس أهل النار؟ لا -يا فتاة الإسلام- لن ترضَيْ، ولا ترضَيْ، وهذا هو المأمول، حصنكِ الحصين دينكِ العظيم؛ يحافظ على عفتكِ وحيائكِ وفضيلتكِ، يأمرك بالحجاب والاحتشام، متى ما تركتِ هذا الأمر كنت عرضة لعذاب الله في الآخرة، وفي الدنيا عرضة للذئاب البشرية التي تريد عفافك الذي به تشرفين، تريد أن تفجعك بعفافك لتتجرعي الغُصص مدى الحياة. وبعض أخواتنا-هداهُنَّ الله- يسمعْن لنداء الذئاب، ويسعين لهم. حالهن كقول القائل: قطيع يُساق إلى حتفه ويمشي ويهتف للكافرين يا فتاة الإسلام! الأيادي الماكرة الخبيثة تمتد إليكِ في صورة مقالات ساحرة في صورة مجلات خليعة في صورة مسلسلات فاتنة في صورة كلمات أدبية في أعمدة الصحف تريد إخراجكِ إلى الشقاء والتعاسة؛ فكم من مقالة تقول: إن الإيمان في القلوب لا في ستر الوجه والجيوب، و ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [الكهف:٥]. إنهم يريدون منك الخطوة الأولى: -وهي أصعب خطوة، ومسافة الميل تبدأ بخطوة واحدة- يريدون أن تكوني فاجرة عاهرة سافرة حاشاكِ من ذلك، ينتظرون منكِ بفارغ الصبر أن تلقي العباءة وتتخلصي من الحجاب ومن مستلزماته من الإيمان والحياء والطهر، ثم تتركي الصلاة، ويومها تقرُّ أعينهم؛ فيلعبون بكِ لَعِب الأطفال بالكرة، ويعبثون بك عبث الكلاب بالجِيَف -حفظكِ الله منهم- أغيظيهم بعدم الالتفات إليهم والسماع لهم، اقتليهم حسرة بتوفير حيائك وملازمة حجابك؛ فإنما أطمعهم في الوصول إلى غاياتهم ما لاحَ لهم من النجاح في سماع منكِ لمختلف الأغنيات والمسلسلات والأفلام الماجنات، أغراهم بالوصول إلى بعض فتياتنا الخروج إلى الأسواق، والوقوف أمام الباعة من غير ما ضرورة، والتجوال في الشوارع والأسواق، ألستِ تؤمنين بالله واليوم الآخر؟ ألستِ ترجين الله والدار الآخرة؟ إن عُرف هذا؛ فاعلمي أن الله حرَّم السفور كما حرَّم الفسق والفجور، وأمر المؤمنات بغضِّ الأبصار وحفظ الفروج، ونهاهنَّ عن إبداء شيء من الزينة؛ بل أمر أن يقَرْن في بيوتهن فلا يخرجن من غير ما حاجة، وإذا خرجن لحاجة فليخرجن متسترات غير متجملات ولا متعطرات وبإذن وليِّهن: ﴿أيَّما امرأة خرجت بغير إذن وليها فهي في سخط الله حتى ترجع، وأيما امرأة استعطرت ومرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية﴾. ألا فلتمشين متواضعات في أدب وحياء، ألا لا تتخذن -خلاخل أو ما يشبه الخلاخل- ولا أحذية تضرب الأرض بقوة فيُسمَع قرعها، وربما أوقعت في القلوب شيئاً، فإن الله يقول: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ﴿لا تخلونَّ امرأة بغير ذي محرم لها﴾، ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾. لا تصافحي الرجال؛ فإن رسول الله ﷺ قد امتدت إليه يد امرأة تبايعه، فقال: ﴿إني لا أصافح النساء﴾. اتقين الله -أيتها الأخوات- فإنه لا صبر لكُنَّ على النار، إنكنَّ تصبرْنَ على الجوع وعلى الضر وعلى التكاليف، لكن -والله- لا صبر لكُنَّ على النار. أجاركن الله وكل مسلمة من النار. أيتها الأخوات! لا تتَّبعْن خطوات الشيطان؛ فإنه يأمر بالسوء والفحشاء. يا من آمنت بالله! ويا من سجدت لله! ويا من استترت بستر الله! حذارِ حذارِ من السقوط؛ فإن السقوط إلى النار وبئس القرار، حذارِ حذار يا بنت عائشة وحفصة وسارة وزينب وأسماء أن تغتري بزيف حضارة الغرب المادية؛ فهي زَبَدٌ اكتووا هم بنارها؛ فاستمعي واعتبري. واعرف الشر لا للشر لكن لتوقِّيه ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه

стр. 887

أخبار وأحداث مؤلمة نشرت إحدى الصحف الأمريكية استقراءً خطيراً في إحدى جامعاتها في سنة واحدة: ثبت أن عشرين ألف فتاة حملن من الزنا -نعوذ بالله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن- وأن أمريكا تستقبل مليون طفل من الزنا والسفاح سنوياً، وتعاني من مشكلة رعاية هؤلاء الأطفال الآن. وفي إحصائيات للتليفزيون الفرنسي بلغ عدد العازبات من النساء ثمانية ملايين امرأة، وبلغت حوادث اغتصاب الفتيات اثنتين وعشرين ألف حالة سنوياً. كاتب أمريكي يقول: إن إحصائيات عام تسعة وسبعين للميلاد تدق ناقوس الخطر؛ فعدد اللواتي يلدن سنوياً دون زواج في سن المراهقة ستمائة ألف فتاة، منهن عشرة آلاف دون سن الرابعة عشرة. ومع ذلك يقولون -وكبرت كلمة تخرج من أفواههم-: إن الحجاب وعدم الاختلاط كبْتٌ جنسي، ومع ذلك تجد الواقع يُكذبهم، أين اثنان وعشرون ألف حالة سنوياً من الاغتصاب عندهم؟! أين هذا الكبت الذي يقول: بأنه لا يعيشه إلا المسلمة التي تأتمر بأمر الله؟! حالات الاغتصاب -كما سمعتن- لا تُحصى، ونكاح الرجل ابنته وأمه وأخته مألوف ومشهور، عافانا الله وإياكم من الفسق والفجور. وفي بريطانيا عشرون ألف حالة إجهاض سنوياً، ناهيك عن الأمراض التي طمَّت وعمَّتْ كالإيدز والسيلان والهربز. وصدق رسول الله ﷺ القائل -قبل أربعة عشر قرناً-: ﴿وما ظهرت الفاحشة في قومٍ حتى أعلنوا بها؛ إلا ظهرت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم﴾. ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]. يا فتاة الإسلام! إنهم يريدون لمجتمعنا أن يكون كمجتمعهم ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] فانتبهي واحذري يا أخت الإسلام! أنت أمام داعييْن: داعٍ إلى النار والعار والشنار؛ ففرِّي منه فرارك من الأسد، وداعٍ إلى الجنة وهو رسول الله ﷺ الذي جعل من أكبر اهتماماته المرأة، خاطبها، ووعظها، وبالله ذكَّرها وأبكاها، كان يصلي العيد، ثم ينتقل إلى النساء، فيعظهنَّ، ويذكرهن بالله، ويربيهن على الإيمان، وهديه ﷺ موجود بيْن أَيْديكنَّ، وخيرُ الهدي هديُه ﷺ فالْزموه. في وقت ستجدين فيه من يستهزئ بكِ، ويريد منكِ أن تكوني غربية سافلة ساقطة. ستجدين من يقول للحجاب: خيمة!! ولقد قيل وكبرت كلمة تخرج من أفواههم. ستجدين من يقول: عليكِ أن تبحثي عن قائد يقودك إلى المدرسة! وستجدين من يقول: آن لكِ أن تمزقي حجابك وتمشى سافرة، يدعونكِ إلى جهنم إن أجبتيهم قذفوكِ فيها؛ فليكن جوابك: اخسئوا. لأني مولعة بالحق لستُ إلى سواه أنحو ولا في نصره أئنُّ دعهم يعضوا على صم الحصى كمداً من مات من غيظه منهم له كفن

стр. 888

أسماء بنت أبي بكر وحملها هم الإسلام ولنقف مع نموذج هنا وهو وقفة عظيمة أخيرة، وقفة تأمل وتدبر لابد أن نقفها مع هذا النموذج، إنه مع نموذج فريد، مع نموذج درس وحده لنقف مع أسماء رضى الله عنها وأرضاها ذات النطاقين، الصدِّيقة بنت الصديق التي حظيت بموقف لم تحظَ به امرأة قبلها ولا بعدها ولا حتى الرجال، ألا وهو خدمة رسول الله ﷺ وأبيها في الغار، في طريق الهجرة إلى المدينة النبوية، حدثٌ لم يتكرر، وخدمة لن تتكرر. تزوجت بـ الزبير -رضى الله عنه وأرضاه- وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، رضيت به زوجاً؛ لأنه ابن الدعوة الذي شهد فجرها كما شهدتها هي، ولأنه ابن الدعوة الذي ذاق حلاوة الأذى في سبيلها كما ذاقتها هي، إنهما يشتركان في الإيمان والدعوة والشجاعة. انتقلت من بيت أبيها إلي بيت زوجها المتواضع، لم تحمل جواهر، أو فساتين، وإنما تحمل همَّ مستقبل الإسلام بين أضلاعها ومصير الدعوة.

стр. 889

خدمة أسماء لزوجها الزبير تقول ذات يوم: [[تزوجني الزبير، وما له في الأرض مالٌ ولا مملوك غير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وكنت أكفيه مئونته، وكنت أقوم فوق ذلك بأعباء بيته]]. واسمعوا -يا أيتها الأخوات- لم تكن أسماء عبئاً على زوجها الزبير بما لها من مطالب دنيوية ورغبات ذاتية؛ لأنها لم تطلب الدنيا للمتعة، ولم تطلب من زوجها أن يكون لها لوحدها يحقق رغباتها، ويسعى لتوفير السعادة لها؛ بل كانت هي في خدمة زوجها تسعده وترضيه، وتقف وراءه، وتحتسب ذلك، فهو على ثغر في خارج البيت، وهي على ثغر في داخل البيت، وهذه هي القسمة العادلة، وهكذا تكون الأسرة المسلمة. فأين تقف المرأة المسلمة اليوم مع زوجها في دعوته؟ هل تتعهده بالطمأنينة؟ هل تشحنه بالعزيمة؟ هل تقف صفّاً وراءه، وتتخلى عن بعض رغباتها في سبيل الله؟ أم أنها تقف عقبة تُعيقُه في طريق دعوته ورسالته، إني لأدعو الأخوات إلى دفع الأزواج، والأبناء، والإخوان، والأخوات إلى الإصلاح والدعوة والعلم، ولهن في أسماء قدوة ونعم القدوة.

стр. 890

تربية أسماء لأبنائها لا زلنا نعيش مع أسماء ويرزقها الله -جلَّ وعلا- بـ عبد الله، فتربيه تربية المؤمنات، تُتحفُّ سمعه وقلبه بمبادئ هذا الدين، تُتْحف سمعه -صباحاً ومساءً- بتلاوة آيات الله البينات على آذانه، تُتْحِف سمعه وقلبه بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار حتى شبَّ وترعرع، وأبواه لا يفتران عن تعليمه أمور الدين، وتربيته على الإسلام، حتى إنه ليقتحم مجلس رسول الله ﷺ يوماً من الأيام، وهو لا يزال صغيراً؛ فيتبسم ﷺ يوم جاء يبايعه، ويقول: ﴿إنه ابن أبيه، إنه ابن أبيه﴾ كما روي عنه ﷺ . فهل تعي الأمهات مسئولية الأبناء؟ نرجو ذلك. إن المرأة الغارقة في الرفاه والتنعم والترف، والتي تستهلكها الدنيا من طعام وشراب، وزينة وتفاخر، ومظاهر براقة لا تربي الأطفال، ولا تربي العلماء، ولا تربي الأتقياء؛ إنما تربي التنابلة والبطَّالين، والكسالى والخاملين، والعالة على المجتمع المتسكعين؛ أشباه الرجال ولا رجال. انظرن -يا أيتها الأخوات- لـ أسماء في أحْلَكِ المواقف، وقد بلغت السابعة والتسعين من عمرها، يوم حوصر ابنها في الحرم، فيدخل هو عليها يستشيرها في الموقف؛ ماذا يفعل. فقالت بثبات المؤمنة المربية: [[أنت أعلم بنفسك يا عبد الله! إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى الحق؛ فاصبر عليه حتى تموت في سبيله، وإن كنت تريد الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، قال: يا أماه! والله ما أردت الدنيا، وما جُرْتُ في حكم، وما ظلمتُ، وما غدرت، والله يعلم سريرتي وما في قلبي. فقالت: الحمد لله! وإني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسناً إن سبقتني إلى الله، تعانقَا عناق الوداع، ثم قالت: يا بني! اقترب حتى أشمَّ رائحتك، وأضم جسدك، فقد يكون هذا آخر العهد بك، فأكبَّ على يديها ووجهها يلثمها ويقبلها، وتشتبك دموعه بدموعها وهي تتلمسه -عمياء لا ترى- ثم ترفع يدها، وهي تقول: يا عبد الله! ما هذا الذي تلبسه؟ قال: درعي. قالت: يا بني! ما هذا لباس من يريد الشهادة في سبيل الله، انزعه عنك؛ فهو أقوى لوثبتك، وأخفُّ لحركتك، والبس بدلاً منه سراويل مضاعفة؛ حتى إذا صُرعت لم تنكشف عورتك]]. نزع درعه، وشدَّ سراويله، ومضى إلى الحرم، وهو يقول: يا أماه! لا تَفْتُري عن الدعاء، فرفعت كفَّها وقلبها إلى الله قائلة: [[اللهم ارحم طول قيامه، وشدة نحيبه في سواد الليل والناس نيام، اللهم ارحم جوعه وظمأه في هواجر مكة والمدينة وهو صائم، اللهم إني قد أسلمته إليك، ورضيت بما قضيت فيه، فأثبني فيه ثواب الصابرين]]. ويذهب ويصلي طوال ليلته تلك، ويصلي بالناس الفجر، ثم يحمد الله، ويثني عليه، ويحرض أصحابه على القتال، ثم ينهض ليقاتل، وتأتيه ضربة في وجهه، يرتعش لها ويسيل الدم على وجهه، فيقول: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا يقطر الدَّما ثم سقط فأسرعوا إليه، فأجهزوا عليه، فارتجت مكة بالبكاء عليه -عليه رحمة الله- ثم لم يكتفوا بذلك، بل صلبوا جسمانه كالطود الشامخ في ريع الحجون. عُلو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المكرمات كأنك واقف فيهم خطيباً وهم واقفوا قياماً للصلاة

стр. 891

صبر أسماء عند مقتل ابنها عبد الله بن الزبير وتسمع الأم الصابرة ذات السبع والتسعين سنة، العمياء البصيرة، وتذهب إلى ولدها المصلوب كالطود الشامخ، وتقترب منه، وهي لا ترى وتدعو له، وإذ بقاتله يأتي إليها في هوان، ويقول: يا أمَّه! إن الخليفة أوصاني بكِ خيراً، فتصيح به: [[لست لك بأم، إنما أم هذا المصلوب، وعند الله تجتمع الخصوم]]، ويتقدم ابن عمر مخاطباً عبد الله المصلوب: السلام عليك يا أبا خبيب! السلام عليك يا أبا خبيب، والله ما علمتك إلا صوَّاماً قوَّاماً وصولاً للرحم، أما وقد قال الناس: إنك شرُّ هذه الأمة، أما والله لأمةٌ أنت شرُّها لأمة خير كلها -ثم الْتفت إلى أصحابه قائلاً-: أما آن لهذا الفارس أن يترجل، ويتقدم ابن عمر إلى أسماء معزياً مواسياً، ثم يقول لها: اتقي الله واصبري، فقالت -بلسان الصابرة المؤمنة الواثقة بموعود الله-: [[يا ابن عمر! وماذا يمنعني من الصبر وقد أُهِدي رأس يحيى بن زكريا إلى بَغِيٍ من بغايا بني إسرائيل؟!]] أرأيتنَّ ما أعظم الأم المربية! وما أعظم الابن المربَّى! لم تلطم خدّاً، ولم تشق جيباً، ولم تنُح، وإنما سلَّمت الأمر لله، فلله الأمر من قبل ومن بعد: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦].

стр. 892

لتكن القدوة أسماء انظرن -أيتها الأخوات- إلى أسماء يوم يقدم ابنها المنذر بن الزبير، فأرسل إليها بكسوة من بلاد مرو، كسوة رقاق عتاق، وهي لا ترى، فقامت تتلمس هذه الكسوة، ثم قالت: [[أفٍ أفٍ. ردوا عليه كسوته]]، فشقَّ ذلك على ابنها، وقال: [[يا أماه! إنه لا يشفُّ -يعني: لا يشف عما تحته- قالت: إن لم يشفّ فهو يَصِفُ، إن لم يَشفّ فهو يَصِفُ]] فاشترى لها ثياباً أخرى لا تشف وأعطاها، فقالت: [[مثل هذا فاكسني يا بني، مثل هذا فاكسني يا بني]] رحم الله أسماء لو رأت ما يصنع بعض نساء المسلمين اليوم، وما يلبسه بعض حفيدات أسماء وخديجة وسمية وصفية ماذا يكون الجواب؟ إننا لنعجب والله من أُذن تسمع قول رسول الله ﷺ : ﴿صنفان من أهل النار -وذكر منهم- نساءٌ كاسيات عاريات مائلات مميلات -إلى أن قال-: لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسافة كذا وكذا﴾، ثم لا نزال نرى في بعض المسلمات -هداهنَّ الله- من تلبس الضيق، وتلبس الشفاف، وتجمع الحشف وسوء الكيل؛ فتلبس القصير والضيق والشفاف. كأن الثوب ظل في صباح يزيد تقلصاً حيناً فحيناً تظنين الرجال بلا شعور لأنك ربما لا تشعرين إنه وعيد شديد، وزجر أليم، ماذا بعد الحرمان من الجنة ورائحتها الزكية التي توجد من مسيرة ألف عام وأكثر، إلا النار؟! يا أيتها المسلمة! إنكِ في هذه الحياة يوم تخالفين أمر الله، تقعين في الوعيد الشديد. يوم تجوبين الأسواق سافرة، وتقفين مع باعة الأغنيات والمجلات والفيديوهات ماجنة لتحطِّي من قدركِ في هذه الحياة؛ فلا عفاف ولا حياء، والحياء من الإيمان، ثم تتنازلين شيئاً فشيئاً حتى تقعي فيما نسأل الله أن يجيرك منه، وإذا وقعت بالطبع لا أحد -حتى الفجرة- يريدون رؤيتك بهذا المستوى. إذا سقط الذباب على طعامٍ رفعتُ يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب ولغن فيه

стр. 893

تحذير للنساء وتذكير ونذير فيا أيتها المسلمة المصلية الساجدة! يا من خضع رأسك للحي القيوم! وخشع له سمعك وبصرك، ألا يكفيكِ زاجراً حديث رسول الله الذي سمعتيه آنفاً، والله إنه لعظيم لو صُبَّ على الجبال الراسيات لأذابها، فأي شيء بعد الحرمان من دار النعيم، وهل هناك دار إلا الجنة أو النار. لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها

стр. 894

تذكير بالله والدار الآخرة فارفعي رأسك أختي المسلمة، وانظري بعين بصيرتك إلى أُمهاتك وأخواتك من خير سلف الأمة، وسلي الله اللحاق بهن، واعملي عملهن، علَّكِ أن تلحقي بهن؛ فتُحشَري معهن، والمرء مع من أحب. يا أمَةَ الله! راقبي الله، وقومي بما أوجب الله عليكِ من تكاليف، وادعي إلى الله ما استطعتِ إلي ذلك سبيلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا ممن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [فصلت:٣٣] وإذا قسا قلبك فتذكري كرباً بيد من سواك، لا تدرين متي يغشاك، إنه الموت الذي لا بُدَّ منه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. يا أمة الله! تذكري يوم يأتيكِ منكر ونكير، فيسألانِك: من ربُّك؟ وما دينك؟ ومن نبيُّك؟ كيف بكِ إذا صاح إسرافيل، ونفخ في الصور، وجُمِعْتِ مع الخلائق حافية عارية ذاهلة، قد دنت الشمس منك قدر ميل، ونادى الرب أبانا آدم: يا آدم! أخرج بَعْثَ النار من ذريتك، فيقول: يا رب! وما بعْثُ النار؟ فيقول الله : من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعون، عند ذاك يشيب الصغير، وتذهل المرضعة عما أرضعت: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. كيف بكِ يا أمة الله! إذا رُجَّت الأرض، وبست الجبال، وشخصت الأبصار، وخشعت الأصوات للرحمن؛ فشاب الصغير، وزفرت النار، وتقطعت الأسباب، وصاح الكبير: واشيبتاه، وصاح المفرِّط: واخيبتاه، وأَزِفَتِ الآَزفة، وبلغت القلوب الحناجر، وتوالت المِحَن على العباد، ونُوديتي باسمك من بين الخلائق للحساب، ما حالك عندها يا أمة الله؟ لا إله إلا الله! أين عُدتُك أيتها الغافلة؟ كم في كتابك من حسنات؟ كم فيه من سيئات؟ هل تنفع الأزياء والموديلات؟ هل تنفع الأغاني والمسلسلات والتمثيليات؟ هل تنفع الفيديوهات والتليفزيونات والإكسسوارات؟ هل تنفع الجواهر والمجوهرات؟ ألا فتوبي قبل ألا تستطيعي أن تتوبي واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب. إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب

стр. 895

تحذير من التبرج والسفور ألا فازدادي من الحسنات، والحسنات يُذهبن السيئات؛ فوالله ما بعد هذه الدار من دار إلا الجنة أو النار، والله لَلْجنَّة أقرب من شِراك النعل، والنار كذلك. اتقي الله! يا ابنة الإسلام. اتقي الله! يا من تخرجين إلى الأسواق متبرجة. اتقي الله! يا من تلبسين العباءة للزينة لا للستر. اتقي الله! يا من كلَّفكِ الله بمهمة عجزت عن حملها السماوات والأرض. اتقى الله! وصوني نفسك من أن تكوني ألعوبة في يد ضعاف الإيمان. اتقي الله! يا من تزاحمين الرجل، وتخرجين مع الرجل الذي ليس بمحرم لكِ كالسائق وغيره. اتقي الله! يا من تدخلين على الطبيب بدون محرم ودونما ضرورة. اتقي الله! يا من تربي أبناءها تربية البهائم؛ فلا تذكرهم بالله ولا تَعِظُهم. اتقي الله! يا من تتعطر وتخرج حتى إلى الصلاة؛ فإن رسول الله قد نهى عن ذلك، يقول: ﴿أيما امرأة أصابت بخوراً؛ فلا تشهدْ معنا العشاء الآخرة﴾ كما رواه مسلم. اتقي الله وارجعي إلى الهدى قبل يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، واعلمي أن عذاب الله شديد، وأن الدنيا ليست مقراً، وأن الفضيحة أمام الأولين والآخرين عظيمة؛ فاتقي الله، ثم اتقي الله، ثم اتقي الله. ووفَّقكنَّ الله جميعاً -أيتها الأخوات- لما يحب ويرضى، ووفَّقنا الله جميعاً لما يُحبُّ ويرضى. نسأل الله أن يحفظ فتيات المسلمين من كيْد الكائدين، وتربص المتربصين. اللهم اجعلهن من الصالحات، وبالصالحات مقتديات، وعن الضلال معرضات، وللكتاب والسنة متبعات. اللهم اجمعهن -كما جمعتهن في هذه الروضة- على الإيمان، وفي الآخرة في جنات ونهَر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. اللهم وفِّقنا للقيام بمسئولياتنا -أيها الرجال- فنحن القوَّامون على النساء. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بك اللهم أن نُغتال من تحتنا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. تم الكلام وربنا محمود وله المكارم والعلا والجود وعلي النبي محمد صلواته ما ناح قُمَريٌ وأورق عود

стр. 896

الأسئلة .

стр. 897

دور المرأة الداعية السؤال هل من وصايا للمرأة الداعية؟ وما هو دورها في موقعها؟ الجواب أقول للأخت المسلمة الداعية/ والمفترض في كل أخت مسلمة أن تكون داعية؛ لأن رسول الله ﷺ قال: ﴿بلِّغوا عني ولو آية﴾. أقول لهذه الأخت: أوصيكِ ونفسي بتقوى الله فهي جامعةُ كل خير، وهي منطلق كل داعية؛ فمتى اتقيت الله نجَّاكِ الله في الدنيا والآخرة، ثم عليكِ بالرفق واللين: ﴿فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزِعَ من شيء إلا شانه﴾. ثم عليكِ -يا أيتها الأخت- أن تعلمي أن وسائل الدعوة ليست بالكلام فقط، وأن وسائل الدعوة كثيرة كثيرة، وأعظمُها أن تكوني قدوة في لباسك، وفي مشيتك، وفي كلامك، وفي كل أمورك؛ فتلك -والله- هي الدعوة العظيمة، وعندها يقبل الله عملك، وتقع الكلمة من الناس موقعاً جميلاً. ثم بعد ذلك: إن من الوسائل الشريط، الشريط إذا رأيتِ منكراً من المنكرات؛ فلا بأس أن تأخذي هذا الشريط، وتقدميه لأختك، وتقولي: اسمعي هذا، ولعل الله أن ينفعكِ به بالرسالة بأمور كثيرة ووسائل الدعوة لا تخفى علينا ولا عليكم إن شاء الله تعالى، وارجعوا إلى بعض الكتب التي تدعو وتوصي، وكل كتب المسلمين تدعو إلى ذلك.

стр. 898

حكم مقابلة غير المحارم السؤال في بعض الأحياء -وذكر الحيَّ- الزوجة تقابل أخا الزوج، وكذلك الزوج يقابل أخت الزوجة، أرجو التوجيه؟ الجواب أما التوجيه؛ فأقول قول النبي ﷺ : ﴿أفرأيت الحموَ يا رسول الله؟ قال: الحمو الموت، الحمو الموت، الحمو الموت﴾. اسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه، وأن يحفظ علينا بيوتنا، وأن يحفظ علينا أنفسنا، وأن يحفظ علينا أولادنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 899

الإيمان والحياة إن من أراد أن يعيش الحياة فعليه بالإيمان، فالإيمان هو الحياة، لذا فلا ينبغي أن يكون الإيمان أمراً هامشياً بل لا بد أن يكون هو قضية القضايا في هذه الحياة، فإن السلف عندما عاشوا حياتهم كما يريد الله وجدوا لذة الإيمان، ولما تركناها نحن لم نجد لا طعم الحياة ولا طعم الإيمان.

стр. 900

أهمية الحديث عن الإيمان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة عبده وابن عبده وابن أمَتِه، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته. وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غُلْفاً. اللهم اجزه عنا أفضل ما جزيت به نبيا عن أمَّتِه، اللهم وأَعْلِ على جميع الدرجات درجته، واحشرنا تحت لوائه وزمرته. اللهم أوردنا حوضه، واجعلنا من أتباع سنته وشرعته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن اهتدى بسنته. اللهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم أرنا الحق حقاً، والباطل باطلاً. اللهم وفقنا لاتباع الحق، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى في ابتغاء وجهك، وطلب مرضاتك: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنّا سيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وبعد: أحبتي في الله: أشهد الله الذي لا إله إلا هو على حبِّكم فيه، وأسأله أن يجمعنا وإياكم على الإيمان والذكر والقرآن في هذه الحياة، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله، ثم أسأله أخرى أن يجمعنا في جنات ونَهَر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، هو ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله: -وأنا أعلم بنفسي منكم- ظن بي إخوتي ظناً عظيماً، فدعوني فلم أملك إلاَّ أن أجيب، ثم دعوكم فظننتم نفس الظن وأجبتم، فخيرا جزيتم، وما أراني -والله- بينكم الليلة إلا كبائع التمر على أهل هجر، لكني أسأل الله -الذي بيده مقاليد كل شيء- أن يجعلني خيراً مما تظنون، وأن يغفر لي ما لا تعلمون، وألا يؤاخذني بما تقولون، وحسبي أن ألقي عليكم هذه الكلمات، التي أسأل الله أن يجعلها لي ولكم ذخراً ليوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وأن يجعلها من صالحات الأعمال، وخالصات الآثار، والفضل أولاً وآخراً لله الواحد القهار. يا رب أنت خلقتني وبرأتني جمَّلت بالتوحيد نطق لساني وهديتني سبل السلام تكرماً ودفعتني للحمد والشكران وغمرتني بالجود سيلاً غامراً وأنا أقابل ذاك بالكفران فلك المحامد والثناء جميعه والشكر من قلبي ومن وجداني فلأنت أهل الفضل والمنِّ الذي لا يستطيع لشكره الثقلان أنت الكريم وباب جودك لم يزل للبذل تعطي سائر الأحيان أنت الحليم بنا وحلمك واسع أنت الحليم على المسيء الجاني أنت القوي وأنت قهار الورى لا تعجزنَّك قوة السلطان أنت الذي آويتني وحبوتني وهديتني من حيرة الخذلان ونشرت لي في العالمين محاسناً وسترت عن أبصارهم عصياني والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام عليَّ من يلقاني ولأعرضوا عني وملُّوا صحبتي ولبؤت بعد كرامة بهوان لكن سترت معايبي ومثالبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني لبيك يا ربي بكل جوارحي لبيك من روحي وملء جناني اجعل رجائيَ في ثوابك رائدي واقبل مقلَّ الجهد في التبيان يا رب لا تجعل جزائيَ سمعة تسري على البلدان والأكوانِ أنت المضاعف للثواب فإن يكن مثقال خردلة على الميزان تعطي المزيد من الثواب مضاعفاً من غير تحديد ولا حسبان فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوانحي ولساني أحبتي في الله: الإيمان والحياة، لسائل أن يقول: لِمَ كان اختيار هذا الموضوع؟ فأقول: وهل حياةٌ بلا إيمان؟ إنه الحياة وكفى، لذا لا ينبغي أن يكون الإيمان أمراً هامشياً في هذه الحياة، بل هو قضية القضايا، لا يجوز أن نغفله أو نستخف به أو ندعه في زوايا النسيان؛ كيف لا وهو أمر يتعلق بوجود الإنسان ومصيره؟! إنه لسعادة الأبد، وإن عدمه لشقاوة الأبد، إنه لجنة أبداً لصاحبه، والنار أبداً لمن تنكبه؛ لذا كان لِزَاماً عليَّ وعلى كل مؤمن بالله، بل وعلى كل ذي عقل: أن يفكر في حقيقة الإيمان وأثره على الحياة؛ حتى يطمئن القلب، وينشرح الصدر، وتسكن النفس، خصوصاً ونحن في عصر أصبح الناس يجرون وراء المنفعة لاهثين، حتى إن كثيراً منهم ليرون الحق فيما ينفعهم ويتفق مع أهوائهم لا فيما يطابق الواقع أو تقوم الدلائل والبراهين على صحَّته: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [المؤمنون:٧١]. الفرد بلا إيمان ريشة في مهَبِّ الريح، لا تستقر على حال، ولا تسكن إلى قرار، أينما الريح تميلها تمل، الفرد بلا إيمان إنسان لا قيمة له ولا جذور، إنسان قلق، متبرِّم، حائر، لا يعرف حقيقة نفسه ولا سر وجوده، لا يدري من ألبسه ثوب الحياة؟ ولماذا ألبسه إياه؟ ولماذا ينزعه عنه بعد حين؟ الفرد -باختصار- بلا إيمان: حيوان شَرِه، وسبع فاتك مفترس، بقلب لا يفقه، بأذن لا تسمع، بعين لا تبصر، بهيمة؛ بل أضل. والمجتمع كذلك، المجتمع بلا إيمان مجتمع غابة وإن لمعت فيه بوارق الحضارة؛ لأن الحياة فيه للأقوى لا للأفضل والأفقه. المجتمع بلا إيمان مجتمع تعاسة وشقاء وإن زخر بأدوات الرفاهية من الرخاء. المجتمع بلا إيمان مجتمع تافه مهين رخيص، غايات أهله لا تتجاوز شهوات بطونهم وفروجهم: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد:١٢] ومن هنا جاءت الحاجة الماسَّة الملحَّة للحديث عن الإيمان وأثره في الحياة بعمومها، حياة الفرد والمجتمع، حياة الأمة بأسرها. وإني قبل أن أبدأ لأهنئ هذه الوجوه على إيمانها بالله الذي لا إله إلا هو، فهنيئاً لكم الإيمان، وهنيئاً لكم القرآن، وهنيئاً لكم التوحيد، وهنيئاً لكم الإسلام، هنيئاً لكم يوم يغدو النصارى إلى بيوت الصلبان، ويغدو اليهود إلى بيوت الشيطان، ويغدو المجوس إلي بيوت النيران، ويغدو المشركون إلى بيوت الأوثان، ثم تغدون أنتم إلي بيوت الرحمن: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]. فاللهم لك الحمد على نعمة الإيمان، أنت الموفق فلك المنَّة والفضل على نعمة الإيمان: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].

стр. 901

حقيقة الإيمان يا أهل الإيمان: ما الإيمان؟ الإيمان تلكم الكلمة المدوية المجلجلة التي تهزُّ كيان المسلم، فيرنو إليها ببصيرته، ويتحرك نحوها فؤاده، ويشد إليها رحاله، وتسمو إليها تطلعاته: إنه الميدان الذي يتسابق فيه المتسابقون، ويتنافس فيه المتنافسون. إنه ما يتحسس كل مسلم قبسه في قلبه، ويتلمس وهجه في نفسه، ويسعى ويعمل لسلوك السبيل المحبب له، لينير به جوانب روحه. الإيمان؛ ما الإيمان؟ قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. الإيمان؛ ما الإيمان؟ نفحة ربانية يقذفها الله في قلوب من يختارهم من أهل هدايته، ويهيء لهم سبل العمل لمرضاته، ويجعل قلوبهم تتعلق بمحبته، وتأْنَس بقربه، فالمؤمنون في رياض المحبة، وفي جنان الوصل يرتعون ويمرحون، أحبهم الله فأحبوه، فاتبعوا نبيه ورضي عنهم فرضوا عنه، تقربوا منه بالصالحات والطاعات، فدنا منهم بالمغفرة والرحمات؛ كما في الحديث القدسي: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾ متي نكون أهلاً لأن نسأل الله فنعطى، ونستعيد بالله فنعاذ؟ يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره الإيمان، ما الإيمان؟ شعور يختلج في الصدر، ويلمع في القلب؛ فتضيء جوانب النفس، ويبعث في القلب الثقة بالله، والأُنس بالله، والطمأنينة بذكر الله: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. الإيمان؛ ما الإيمان؟ إنه الشعور بأنك ذرة في كون عظيم هائل متجه إلى الله، يسبِّح لله، ويخضع لله، ويؤمن بالله: ﴿وَإِن من شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه﴾ [الإسراء:٤٤] تبارك ؛ فسبحان من آمن له الكون أجمعه! وسبحان من سبَّح له الكون أجمعه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن من شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه﴾ [الإسراء:٤٤]. موكب عظيم يسبح الله، ويؤمن به، يجعلك -أيها العبد- تُسأل: أين أنت من هذا الموكب؟ حدِّد موقعك في هذا الموكب؟ وهدفك على هذا الموكب وغايتك؛ فإن الشاذ عن هذا الموكب لهو الشقي الخاسر لنفسه؟ وماذا بعد خسارة النفس من خسران؟! الله هو الغني ونحن الفقراء، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، بل مخلوقاته غيرنا كثير وكثير؛ صنف منهم وهم الملائكة لا يحصيهم ولا يعلم عددهم إلا الله الذي لا إله إلا هو: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ﴿يُسَبِّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠] وفي صحيح مسلم ﴿إنه ليدخل البيت المعمور في السماء السابعة كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى قيام الساعة﴾. كم من الملائكة يدخل البيت المعمور منذ أن خلق الله السماوات والأرض وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، ما بالك بعدد الملائكة عموماً؟! ما بالك بغيرهم من سائر المخلوقات؟! ألم تسمع في الصحيح إلى قول النبي ﷺ كما في حديث أبي ذر ﴿إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو راكع، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفُرِش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله -وفي رواية- ولحثوتم على رءوسكم التَّراب﴾. ﴿أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو راكع، أهل سماءٍ يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأخري يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأخرى يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون﴾. خَلْق عظيم هائل لا يحصيهم إلا خالقهم سبحانه وبحمده، وظيفتهم التسبيح والتعظيم، فماذا يضر أن ينقلب إنسان من هذا الموكب العظيم فيكفر بالله، ومن كفر فعليه كفره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنِّ اللهَ يسبح لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨] هل جندت نفسك -أخي في الله- لتكون من أهل هذا الموكب المسبح السائر إلى الله -أعني: موكب المؤمنين-؟ إن كنت كذلك فأبشرْ بالجزاء من أكرم الأكرمين، يوم الوقوف بين يديْ رب العالمين: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].

стр. 902

أثر الإيمان على الفرد والمجتمع يا من يحب الكنز! ويا من يحب الثروة! إن أعظم كنز يكتنزه العبد في هذه الحياة هو كنز الإيمان، وإن أعظم ثروة يكتنزها العبد في هذه الحياة هي ثروة الإيمان إنه الثروة النفيسة، والكنز الثمين، يسعد به صاحبه حين يشقى الناس، ويفرح حين يحزن الناس، هل لهذا الكنز، وهذه الثروة من أثر على الحياة؟ إن أثرها عظيم جد عظيم لمن كان له قلب فملأه بالإيمان إن إيمان العبد بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ليعكس على الفرد، لا. بل على الأمة جميعاً أثراً عظيماً، فهاك موجزها ولا بأس بعده من تفصيل. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. المؤمن بالله يشعر بأن الله يراقبه في أفعاله، يحاسبه على الصغيرة والكبيرة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]. إذا استشعر العبد هذه المعية سابق إلى الخيرات، وخضع مستجيباً لرب الأرض والسماوات فبادر إلى الفضائل. إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب والإيمان بالملائكة يجعل المؤمن يستحي من معصية الله؛ لعلمه أن الملائكة معه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ترافقه وتراه ولا يراها، تحصي عليه أعماله بسجلات محكمة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة. والإيمان بالكتب يجعل المؤمن يعتز بكلام الله، ويتقرب إليه بتلاوة كلامه والعمل به، ويشعره ذلك أن الطريق الوحيد إلى الله هو اتباع ما جاء في كتبه، والذي جاء القرآن مهيمناً عليها مصدقاً لها. والإيمان بالرسل يجعل المؤمن يأنس بأخبارهم وسيرهم لا سيما سيرة المصطفى ﷺ ، فيتخذهم أسوة وقدوة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] أسوة حسنة لا في شرق ولا في غرب بل رسول الله إلى الناس كافة شرقيهم والغربي. بالشرق أو بالغرب لست بمقتدي أنا قدوتي ما عشت شرع محمد حاشا يثنيني سراب خادع ومعي كتاب الله يسطع في يدي والإيمان باليوم الآخر ينمي في النفس حب الخير ليلقى ثوابه في جنات ونهر ونعم المأوى، ويكره في النفس الشر ودواعيه خوفاً من نار تلظى ومن وقوف بين يدي المولى. والإيمان بالقدر يجعل نفس المؤمن لا تخاف ما أصابها، ولا ترجو ما سوى ربها، لا تقنع إلا بالله، ولا تلجأ إلا لله، في الدنيا تزهد، بالموت لا تبالي، لا تركع للطغيان بل تخضع للرحمن، ولسان حالها: ماضٍ وأعرف ما دربي وما هدفي والموت يرقص لي في كل منعطف وما أبالي به حتى أحاذره فخشية الموت عندي أبرد الطرف آثار الإيمان على الحياة آثار مشرقة تنعكس على تصورات الأفراد وسلوكهم في الحياة، حتى إنك لترى القرآن يمشي على الأرض في أشخاص بعض الأفراد، فإليكم أزف بعض هذه الآثار مفصلة، فاسمعوا أيها الأحباب! وافقهوا وبلغوا فرب مبلغ أوعى من سامع.

стр. 903

من آثار الإيمان: الثبات بكل صوره من آثار الإيمان الثبات بكل صوره ومعانيه عند الشدائد والمحن والمصائب، الثبات يوم تمتحن الأمة بأعدائها، الثبات للداعي في دعوته، والثبات للمصاب عند مصيبته، والثبات للمريض عند مرضه حتى الممات، الثبات أمام الشهوات، الثبات أمام الشبهات، الثبات على الطاعات، الثبات العام، وكفى بالثبات! هاهو ﷺ يحمل الإيمان في صف، والبشرية كلها في صف مضادٍ فانتصر بالإيمان، صدع بالحق لا يرده عنه رادٌ ولا يصده صادٌ، فوقعت قريش منه في أمر عظيم، فإذا بأحد صناديدها يقول: يا معشر قريش! لقد وقعتم من محمد في أمر عظيم، لقد كان غلاماً حَدَثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه، قلتم: شاعر، ما هو والله بشاعر، قلتم: ساحر، ما هو والله بساحر، قلتم: كاهن، ما هو والله بكاهن. يا معشر قريش! إنكم قد نزل بكم أمرٌ عظيم فاجتمعوا له. فاجتمع -كبراؤها- صناديد الشرك وسَدَنَة الوثنية، الممسكون بحُجَز النار ليقذفوا في النار، اجتمعوا يقود مؤتمرهم إبليس، نعوذ بالله منه. قالوا في اجتماعهم: انظروا رجلاً منكم هو أعلمكم بالسحر والشعر والكهانة فليذهب إلى محمد، قالوا: ما نرى مثل أبي الوليد عتبة بن ربيعة. فذهب عتبة إلى رسول الله ﷺ وكان بليغاً، وفصيحاً، جمع مقالاتهم في مقالة واحدة، وقال: يا محمد! أنت خير أم أبوك؟ فسكت ﷺ قال: أنت خير أم جدُّك عبد المطلب؟ فسكت النبي ﷺ فقال: إن كانوا خيراً منك فقد عبدوا ما عبدنا، وإن كنت خيراً منهم فقل. ثم بدأ في الإغراءات التي لا يثبت أمامها إلا المؤمنون: يا محمد! إن كان بك المُلْك ملَّكْناك، وإن كان بك المال أعطيناك من أموالنا ما تشاء، وإن كان بك الباءة وحب النساء زوَّجناك ما تشاء من بناتنا. يا محمد! ما رأينا شخصاً -قط- أشْأَمَ على قومه منك، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى، فيثور بعضنا على بعض، يا محمد! أخبرنا ما تريد؟ فقال ﷺ : ﴿أفرغت يا أبا الوليد؟﴾ ويا للأدب منه ﷺ ! يا للأدب يوم تركه حتى انتهى من كلامه، ثم شرع ﷺ يرتِّل آيات الله البينات، تسقط كالقذائف على دماغ هذا الرجل، شرع يقرأ من أوائل سورة فصِّلت: ﴿حمَ * تَنزِيلٌ منَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:١ - ٥] سمع كلاماً ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، ألقى هذا الكافر يديه خلف ظهره، وأخذته رِعْدة مشدوهاً مبهوراً بما يسمع، يسمع القرآن من فَمِ من أنزل عليه القرآن. حتى إذا بلغ قول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فخاف وارتعد وأخذته الرعشة وأخذ يديه الاثنتين وجمعها ووضعها على فم المصطفى ﷺ ، وقال: أنشدك الله والرحم إلا صمت! أنشدك الله والرحم إلا صمت! خرج مذعوراً خائفاً راجعاً إلى قومه بغير الوجه الذي ذهب به من عندهم، فلما رأوه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: لقد سمعت من محمد حديثاً ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، ورب هذه البنية -يعني الكعبة- ما عقلت من حديثه إلا قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]، فوضعت يديَّ على فمه خوفاً أن ينزل بكم العذاب، ولقد علمتم أن محمداً إذا حدث حديثاً لم يكذب. ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] جحدوا بذلك. هل استقاموا لرسول الله ﷺ ؟ هل انتفعوا بالآيات؟ لم ينتفعوا بذلك، فهل سلم منهم رسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي-؟ لا والله! بل ناصبوه العداء كأشد ما يكون، وأروه الأذى كأقذع ما يكون الأذى، وضعوا سلى الجزور على ظهره ﷺ ، ثم لم يجد له مُعِيناً بعد الله إلا بنيته الصغيرة فاطمة ﵂ وأرضاها. ثم ليس هذا فحسب، بل أخرجوه من مكة، ودموعه على وجنتيه ﷺ وهو يقول: ﴿والله! إنك لأحب البقاع إلىَّ، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت﴾. ومع ذلك فقد ثبت ﷺ بالإيمان، فنصره الله، ونصر دينه، وأعلى كلمته، فما من مئذنة الآن إلاّ وهي تقول في اليوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله؛ ﷺ . ويأتي صحابته رضوان الله عليهم ومَن بعدهم ليثبتوا بالإيمان ثبات الجبال الشُّم الراسية. هاهو خالد بن الوليد أبو سليمان رضوان الله عليه يقارع الروم في أرضهم -كما روى ابن كثير - حتى كانت الدائرة على الروم، فما كان منهم إلاّ أن فرُّوا وتحصنوا في مدينة قنسرين؛ مدينة من مدنهم محصنة بالجدران المنيعة والأبواب الثقيلة التي لا يقتحمها مقتحم، فماذا كان من خالد؟ حاول اقتحامها فما استطاع، حاول أن يحاصرها حصاراً عاماً عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً فما أفلح، استعصت عليه، فما كان منه إلا أن دوَّن رسالة، قال في هذه الرسالة بثبات المؤمن الذي يثق بنصر الله جل وعلا: [[من خالد بن الوليد أبي سليمان إلى قائد الروم في بلدة قنسرين. أما بعد: فأين تذهبون منا؟ والذي نفس خالد بيده! لو صعدتم إلى السحب لأصْعَدَنا الله إليكم، أو لأمْطَركُم علينا]] كلمات الثقة بنصر الله ، كلمات الثبات الذي لا يكون إلا للمؤمنين، تخرج كالصواعق على أعداء الله، وكالبلسم على أولياء الله. وصلت الرسالة إلى ذلك العلج، فقرأها وارتعدت فرائصه، وسقطت من بين يديه، وما كان منه إلا أن قال: افتحوا أبواب المدينة، واخرجوا مستسلمين، لا طاقة لنا بهؤلاء. ما الذي ثبَّت خالداً إلا الإيمان، ما الذي ثبت جند الله إلا الإيمان يوم أخذوه، وأخذوه بحق وبجدية. ليس هذا فحسب، وليس صحابة رسول الله ﷺ فحسب؛ فها هو ابن تيمية عليه رحمة الله ذلكم الداعية الذي قارع الطغيان ودمغ البدعة والمبتدعين، فكثر الأعداء فما وهن وما استكان، لسان حاله: فكيف تخاف من زيد وعمرو وعند الله رزقك والقضاء ليلقى في السجن فيثبت بإيمانه الراسخ، يقفل السجان عليه الباب فيقول: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. ينظر إلى السجناء ويقول: ما يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة الإيمان واليقين. يمرض فيثبت ثبات المؤمن في أوقات الشدائد، دخلوا عليه وهو مريض وما اشتكى، فيقولون له: ماذا تشتكي يا إمام؟ قال: تموت النفوس بأوصابها ولم يدرِ عُوَّادها ما بها وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها ثم يختم المصحف في السجن بضعاً وثمانين مرة، حتى إذا بلغ قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] لقي الله فرحمه الله، وجمعنا به وبالصالحين من أمة محمد بن عبد الله صلَّى وسلم عليه الله. الثبات للمريض في مرضه: - يروي ابن حجر في الإصابة أن عمران بن حصين رضى الله عنه أصابه مرض أقعده ثلاثين سنة، وما اشتكى حتى إلى أهله، فكانت الملائكة تصافحه وقت السحر. - أبي بن كعب ﵁ سيد القراء يقول للنبي ﷺ : [[أإنا لنؤجر في الأمراض والحمى والمصائب؟]]. فيقول ﷺ كما في الحديث المتفق عليه: ﴿والذي نفسي بيده! لا يصيب المؤمن همٌّ ولا غمٌّ ولا نَصَب ولا وَصَب ولا بلاء حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها خطاياه﴾ فقال: [[اللهم إني أسألك حمى لا تبعدني عن صلاة ولا حج ولا جهاد]]، فمكثت به ثلاثين سنة حتى ابيض شعر رأسه ولحيته، وكان لا يجلس بجانبه أحد من شدة فيح الحمى، ليلقى الله ثابتاً بالإيمان، وهكذا يفعل الإيمان. ولا يكون ذلك إلا للمؤمنين، يقول الحافظ أبو نعيم: لما توفي ذر بن عمر الهمداني، جاء أبوه فوجده قد مات، فوجد أهل بيته يبكون، فقال: ما بكم؟ قالوا: مات ذر، فقال: الحمد لله، والله ما ظُلمنا ولا قُهرنا ولا ذُهب لنا بحق، وما أُريد غيرنا بما حصل لـ ذر، ومالنا على الله من مأثم. ثم غسَّله وكفَّنه، وذهب ليصلي مع المصلين، ثم ذهب به إلي المقبرة، ولما وضعه في القبر قال: رحمك الله يا بني، قد كنت بي باراً، وكنت لك راحماً، ومالي إليك من وحشة ولا إلى أحد بعد الله فاقة، والله يا ذر! ما ذهبت لنا بعز، وما أبقيت علينا من ذل، ولقد شغلني -والله- الحزن لك عن الحزن عليك، يا ذر! لولا هول يوم المحشر لتمنيت أني صِرْت إلى ما إليه صرت، يا ليت شعري! ماذا قيل لك وبماذا أجبت؟ ثم يرفع يديه باكياً: اللهم إنك قد وعدتني الثواب إن صبرت، اللهم ما وهبته لي من أجر فاجعله لـ ذر صلة مني، وتجاوز عنه، فأنت أرحم به مني، اللهم إني قد وهبت لـ ذر إساءته فهب له إساءته فأنت أجود مني وأكرم، ثم انصرف ودموعه تقطر على لحيته. وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنها روح تسيل فتقطر انصرف وهو يقول: يا ذر! قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك، وربنا قد استودعناك، والله يرحمنا وإياك. ما الذي ثَبَّت هذا الرجل إلا الإيمان؟ هذه آثار الإيمان على حياة الناس تظهر عند الشدائد، فيثبت لها الرجال ثبات الجبال الشُّم الراسيات. علو في الحياة وفي الممات

стр. 904

من آثار الإيمان: الخوف من الرياء من آثار الإيمان على حياة الناس: ديمومة اتهام النفس، والخوف من الرياء والنفاق، وعدم احتقار الذنب. يقول ابن أبي مليكة كما في البخاري: [[أدركت ثلاثين من صحابة رسول الله ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبرائيل وميكائيل]]. ﴿المؤمن يرى ذنوبه كجبل يقعد تحت أصله، يخشى أن يسقط عليه، أما المنافق فيرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فأطاره بيده﴾، ما خاف النفاق إلاَ مؤمن، وما أَمِنَه إلا منافق. يقول أنس كما في صحيح البخاري: [[إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات]] يقول هذا لخير القرون، فماذا يقال فينا؟ نسأل الله أن يرحمنا برحمته.

стр. 905

من آثار الإيمان: زيادة الأمن في البلدان من آثار الإيمان على الحياة: زيادة الأمن في البلدان وعلى الأموال والأعراض، والطمأنينة والهدوء في الأنفس والقلوب، يقول المولى سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] سنَّة الله لا تتخلف: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦].

стр. 906

من آثار الإيمان: نبذ العصبيات والنعرات الجاهلية من آثار الإيمان: نبذ كل ما يفرق الأمة من قوميات وعصبيات وعنصريات ونَعَرَات جاهلية؛ فالمقياس عند المؤمنين حقاً؛ التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ اخوة﴾ [الحجرات:١٠] لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، جسد مؤمن واحد، بنيان واحد، أمة واحدة، لا شرق ولا غرب. لو كبرت في جموع الصين مئذنة سمعت في الغرب تهليل المصلين أبا سليمان قلبي لا يطاوعني على تجاهل أحبابي وإخواني إذا اشتكى مسلم في الهند أرَّقني وإن بكى مسلم في الصين أبكاني ومصر ريحانتي والشام نرجسي وفي الجزيرة تاريخي وعنواني أرى بخارى بلادي وهي نائية وأستريح إلى ذكرى خراسان وأينما ذكر اسم الله في بلدٍ عددت ذاك الحمى من صُلْب أوطاني شريعة الله لَمَّتْ شملنا وبنت لنا معالم إحسان وإيمان يقول ﷺ كما روى أبو داود وحسنه محققُ جامع الأصول ﴿إن من عباد الله أناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على قُرْبهم ومكانتهم من الله، قال صحابة رسول الله: من هم يا رسول الله؟ قال: هم أناس تحابّوا بروح الله على غير أرحام فيما بينهم، ولا أموال يتعاطونها فيما بينهم، فوالله! إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يفزعون إذا فزع الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس﴾. ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]. يقع في يوم من الأيام بين أبي ذر ﵁ وبلال ﵁ خصومة، فيغضب أبو ذر وتفلت من لسانه كلمة يقول فيها لـ بلال: يا بن السوداء! فيتأثر بلال، يوم أكرمه الله بالإسلام ثم يعير بالعصبيات والعنصريات والألوان، ويذهب إلى النبي ﷺ ويشكو أبا ذر. ويستدعي النبي ﷺ أبا ذر، فيقول -كما في الحديث المتفق على صحته-: ﴿أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية﴾، فيتأثر أبو ذر ويتحسَّر ويندم، ويقول: [[وددت -والله- لو ضرب عنقي بالسيف، وما سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ]] ويضع خده على التراب ويقول: [[يا بلال! ضع قدمك على خدي، لا أرفعه حتى تضعه]] فتذرف عينا بلال ﵁ الدموع، ويقول: [[يغفر الله لك يا أبا ذر! يغفر الله لك يا أبا ذر! والله ما كنت لأضع قدمي على جبهة سجدت لله رب العالمين]]، ويعتنقان ويبكيان؛ ذهب ما في القلوب، وانتهى ما في القلوب، والشاهد: ﴿إنك امرؤ فيك جاهلية﴾. يأتي سهيل بن عمرو، ويأتي أبو سفيان ﵄، إلى أين يأتون؟ يأتون إلى مجلس عمر ﵁ وأرضاه الذي لا يدخله إلا المؤمنون حقاً، فيستأذن أبو سفيان -وهو سيد من سادات قريش، بإشارة تتحرك ألوف، وبإشارة منه أخرى ترعد أنوف- يأتي إلى هذا المجلس فلا يؤذن له، وهو مسلم رضى الله عنه وأرضاه بعد إسلامه. ويأتي سهيل بن عمرو -وهو سيد من سادات قريش- ويستأذن في الدخول على عمر فلا يؤذن له، ويأتي بلال الحبشي الذي أكرمه الله بالإسلام فيؤذن له، ويأتي صهيب الرومي فيؤذن له، ويأتي سلمان الفارسي فيؤذن له كذلك، فماذا كانت النتيجة؟ كان من أبي سفيان رضى الله عنه أن تأثر وتذمَّر وتنمَّر، وقال: [[والله! ما ظننت أن أُحْبس على باب عمر، ويدخل هؤلاء الموالي قبلي]] فقال سهيل -وكان لبيباً عاقلاً-: [[والله! ما علينا أن نحبس على باب عمر، ولكن -والله- أخشى أن نُحْبسَ على أبواب الجنة ويدخل هؤلاء، لقد دعوا إلى الإسلام فأسرعوا، ودعينا فأبطأنا وتأخرنا، فما علينا أن نحبس على باب عمر، إنما علينا أن نحبس على أبواب الجنة]]، أو كما قال. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] أنا مسلم وأقولها مِلء الورى وعقيدتي نور الحياة وسؤددي سلمان فيها مثل عمر لا ترى جنساً على جنس يفوق بمحتدي وبلال بالإيمان يشمخ عزة ويدق تيجان العنيد الملحد وخبيب أخمد في القنا أنفاسه لكن صوت الحق ليس بمُخْمدِ ورمى صهيب بكل مال للعدا ولغير ربح عقيدة لم يقصد إن العقيدة في قلوب رجالها من ذرة أقوى وألف مهند

стр. 907

من آثار الإيمان: تنقية القلوب من الأدران من آثار الإيمان على حياة الناس: تنقية قلوبهم من الحسد، وتصفيتها من الحقد والغل، واستلال الضغائن والسخائم منها؛ لتصبح الأمة كما قال رب العالمين: ﴿أَشدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. هاهو ﷺ كما في الصحيح من رواية أنس، وكما في رواية ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ : أنه لما قسم غنائم حنين أعطى المهاجرين، وتألف قلوب بعض المشركين، ولم يعطِ الأنصار شيئاً، فوجدوا في أنفسهم، فقال قائلهم: وجد رسول الله ﷺ قومه فنسينا، وقال الآخر: غفر الله لرسول الله، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فيذهب أحدهم، بل سيد من ساداتهم؛ سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ وينقل المقالة إلى رسول الله ﷺ فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿ما أنت؟﴾ يعني: أين موقفك أنت؟ حدِّد موقفك؟ هل أنت منهم؟ فيقول: ﴿يا رسول الله! ما أنا إلاّ رجل من قومي، قد أقول ما يقولون﴾ لا يعرفون الخداع، ولا يعرفون الالتواء، إنما هم صرحاء أتقياء أنقياء. فقال ﷺ : ﴿اجمعهم لي﴾ فجمعهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ﴿يا معشر الأنصار! ما حديث بلغني عنكم، ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله بي؟ وفقراء فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي؟ فيقولون: الله ورسوله أمنّ، الله ورسوله أمنّ. قال: ألا تجيبوني -يا معشر الأنصار! - والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصُدِّقتم: أتيتنا مُكذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار! في أنفسكم على لعاعة من الدنيا تألفت بها قلوب أقوام ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ والذي نفسي بيده! لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. أما ترضون أن يعود الناس بالشاء والبعير، وتعودون أنتم برسول الله ﷺ ؟ فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به. ألا إنكم ستلقون بعدي أَثَرَة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض﴾ فبكى القوم حتى اخضلَّت لِحَاهُم بالدموع وهم يقولون: رضينا برسول الله قسماً وحظّاً، رضينا برسول الله قسماً وحظّاً، لسان حالهم خذوا الشياة والجمال والبقر فقد أخذنا عنكم خير البشر أرأيت كيف استلَّ ﷺ ما في قلوبهم، إنه لو لم يكن فيها إيمان لما استلَّ ما في قلوبهم رضوان الله عليهم جميعاً. وهاهو رسول الله ﷺ -كما في الصحيح- بين أصحابه، فيقول: ﴿يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة﴾، فطلع رجل تقطر لحيته من آثار الوضوء، ثم قالها في اليوم الثاني، فطلع نفس الرجل، ثم قالها في اليوم الثالث فكان هو الرجل، فلحق به أحد صحابة رسول الله، وجلس معه أياماً فلم يرَ في هذا الرجل كثير صلاة ولا صيام. فقال له بعد ثلاث ليال: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا، ولم أرَك تعمل كثير عمل، قال: والله هو إلا ما رأيت، غير أني لا أنام ليلة من الليالي وأنا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، فقال: بذلك بلغت ما بلغت، وتلك التي لا تُطاق -أو كما قال- إنه الإيمان. الإمام الشافعي عليه رحمة الله عوتب من قِبَل بعض المغرضين على زيارة الإمام أحمد، وهو أكبر منه سناً، فقال رداً على هؤلاء: قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تغادر منزله إن زارني فلفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له رد على المعرضين، وكأنه يقول: دعهم يعضوا على صمِّ الحصا كمداً من مات من غيضه منهم له كفن إنه الإيمان وكفى!

стр. 908

من آثار الإيمان: أنه حجاب من المعاصي ومن آثار الإيمان على حياة الناس أنه عصمة وحجاب عن المعاصي والشهوات والشبهات. يقول رسول الله ﷺ كما في الحديث الصحيح: ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن﴾. إن المؤمن -يا أيها الأحبة- يقدِّم مراد الله على شهواته وعلى لذائذه، فييسر الله أمره، ويعصمه سبحانه وبحمده، ففي الأثر أن الله قال: ﴿وعزتي وجلالي! ما من عبد آثر هواي على هواه -أي قدم مراد الله على شهوات نفسه وهواها- إلا أقللت همومه، وجمعت له ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر﴾. هاهو الشاب القوي الحيِّي العالم، الذي يبلغ ثلاثين سنة؛ إنه الربيع بن خثيم، يتمالئ عليه فُسَّاق لإفساده، فيأتون بغانية جميلة، ويدفعون لها مبلغاً من المال قدره ألف دينار، فتقول: علام؟ قالوا: على قبلة واحدة من الربيع بن خيثم، قالت: ولكم فوق ذلك أن يزني؛ لأنه نقص عندها منسوب الإيمان. فما كان منها إلا أن تعرضت له في ساعة خلوة، وأبرزت مفاتنها له، فما كان منه إلا أن تقدم إليها يركض ويقول: يا أَمَة الله! كيف بك لو نزل ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟! أم كيف بك يوم يسألك منكر ونكير؟! أم كيف بك يوم تقفين بين يدَيْ الرب العظيم؟! أم كيف بك إن شقيت يوم تُرْمَين في الجحيم؟! فصرخت وولَّت هاربة تائبة إلى الله، عابدة زاهدة حتى لقِّبت بعد ذلك بعابِدَة الكوفة. وكان يقول هؤلاء الفُسَّاق: لقد أفسدها علينا الربيع. فما الذي ثبَّت الربيع أمام هذه الفتنة؟ هل هي قلة الشهوة؟ إنها الشهوة العظيمة، إذ هو في سن أوج الشهوة وعظمتها -سن الثلاثين- ومع ذلك ما الذي ثبته هنا، وما الذي عصمه بإذن الله؟ إنه الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو. الإيمان -يا أيها الأحبة- كالجمرة، متى ما نفخت بها أضاءت واشتعلت؛ فأصبحت إضاءتها عظيمة عظيمة. وحين ينقص منسوب الإيمان يقع الإنسان في الفواحش والآثام، يغرق في الشهوات، ثم يقع بعد ذلك في الموبقات. هاهو شاب من شباب هذه الأمة، كان له صديق سوء، وجاءه في ليلة من الليالي في منتصف الليل وهو نائم ليطرق عليه الباب في تلك الساعة، وكان نائماً لم يسمعه، فقامت أمه وفتحت له الباب، وقال: أريد فلاناً، قالت: إنه نائم لا أريد أن أوقظه الآن، قال: أريده لغرض ضروري، فألحَّ عليها فاستجابت حياءً منه، وذهبت وأخرجت هذا الشاب من فراشه. فخرج إلى هذا الرجل، فقال له قرين السوء: نريد الليلة -أن ننتهك حرمة البيت الفلاني- أن نصعد لذاك البيت، ولنا منه الليلة صيدة -كما يقول- فما كان من هذا -وقد نقص منسوب الإيمان عنده إن لم يكن قد انعدم- إلاَّ أن دخل وأخذ المسدس، وخرج في نصف الليل -وكان نائماً- مع قرين السوء يغدوان إلى المعصية -لأنهما ما حملا الإيمان كما ينبغي أن يحمل- برجليهما، ويذهبان إلى الفاحشة. ذهبوا إلي بيت آمن وفي منتصف الليل ليأتي هذا الذي جاء وأيقظه ليصعد الجدار، وينتهك حرمة البيت بسقوطه في وسط البيت، ويبقى ذلك حارساً بمسدسه خارج البيت، ويسمع صاحب البيت ويقوم، ويأخذ عصا غليظة، ويأتي وراء هذا الرجل يطارده، فيهرب منه ويأتي إلى هذا الحارس؛ صاحب المسدس -والذي كان نائماً في نومته- فيضربه بالعصا ضربة آلمتْه، فما كان منه إلاّ أن أخذ المسدس، ثم قتل هذا الرجل. يا لله! ما أعظمها من جريمة! في وسط الليل تنتهك حرمة بيت من بيوت المسلمين، وتقتل -أيضاً- صاحب البيت، ثم بعد ذلك ما النتيجة؟ يأتي رجال الأمن ويقبضون على هذا الرجل، ويقول: إنني لست المجرم الحقيقي، إن المجرم الحقيقي هو فلان، جاءني واستخرجني من دار أمي، وهو الذي أغراني بهذا، فيأخذوه ويذهبون للبحث عن الثاني. وإذا بالثاني يذهب إلى جماعة نقص منسوب الإيمان عندها، فيأخذهم شهود زور، يشهدون أنه في تلك الليلة كان نائماً معهم في القرية الفلانية، ويبقى هذا في السجن، كل ليلة جمعة ينتظر متي ينادي المنادي: أن اخرج لتقتل، وأمه تتجرع الغصص، كل ذلك لأنه ما حمل الإيمان كما ينبغي فوقع: ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن﴾. ليس هذا فحسب، فإليكم هذا الحدث الذي ذكره الشيخ سلمان العودة في كتابه: جلسة على الرصيف وأنصح باقتناء هذا الكتيب ليتبين لك أثر نقص الإيمان في موت القلوب. ذكر أن فتاة تبلغ العشرين عاماً جاءت إلى إحدى المستشفيات وهي حامل، فوضعت مولوداً في أحسن صحة وأتمِّ حال، لكنها كانت في قلق دائم شديد، وارتباك ظاهر، مسودة الوجه، كثيرة البكاء، بها من الهمِّ ما بها، وبها من الغمِّ ما بها. فطلبوا منها بعد أيام من الولادة أن تبعث لوليها ليخرجها من المستشفى، فارتبكت وبكت بكاءً مراً مستمراً حتى كاد يغمى عليها من شدة البكاء. فانفردوا بها في غرفة مستقلَّة وسألوها عن الأمر، ما الأمر؟ وما الخطب؟ وما الحدث؟ وبعد جهد جهيد قالت لهم بصوت متقطع وبقلب مليء بالحسرات والهموم والغموم: إن والد هذا الطفل هو أبوها نفسه، لا إله إلا الله! لا إله إلا الله ما أفظع الأمر! وما أقبحه! والله! لو قيل: إن هذا وقع في الأمم السابقة لاستفظعناه ولاستبشعناه، ولقلنا: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله لو كان في بلاد الكفر والعهر لاستعظمناه، فكيف إذا علمنا أنه في بيتٍ أهله ربما نطقوا بالشهادتين في كل يوم، وربما سمعوا آيات الله ثم انسلخت قلوبهم منها، فلم يعرفوا معروفاً، ولم ينكروا منكراً؟! ولا تستبعد مثل هذا -أخي المسلم- فلربما كانت البداية بنظرة خائنة هيَّجت الشهوة في نفسه، فوقع على ابنته، ولربما كان ذلك بأغنية ماجنة هيَّجت الشهوة في نفسه، فوقع على ابنته، ولربما كان ذلك بمشاهدة تمثيلية فاجرة هيجت الشهوة في نفسه، فوقع على ابنته، ولربما كان بشربة خمر أفقدته عقله فوقع على ابنته، وهكذا فالمعاصي يجر بعضها بعضاً، والسقوط شيئاً فشيئاً، ورحلة الميل تبدأ بخطوة واحدة، ومعظم النار من مستصغر الشرر.

стр. 909

من آثار الإيمان: سعادة البيوت والأسر والإيمان هو الزمام والفيصل. ومن آثاره على الحياة: سعادة البيوت والأسر، بيت يدخله الإيمان بيت سعيد؛ لا يُخْرج إلا السعداء بإذن رب الأرض والسماء؛ استعاض أهله عن الغناء بترتيل القرآن آناء الليل وأطراف النهار، واستغنوا عن المجلات الماجنة بتقليب المصحف وكتب السُّنة والكتب المفيدة، واستغنوا عن السجائر وما في حكمها من الخبائث بالسواك فطهروا أفواههم وأرضوا ربهم. سعادة وأي سعادة، نساء هذا البيت مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات متحجبات ممتثلات لأمر رب الأرض والسماوات، يخرج الزوج المؤمن من البيت المؤمن فتقول الزوجة: اتق الله فينا ولا تطعمنا إلا حلالاً؛ فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار. هذا بيت الإمام أحمد عليه رحمة الله يتربى على الإيمان، فاسمع إليه يوم يقول بعد أن توفيت زوجته أم صالح رافقتني أم صالح -يعني: زوجته- ثلاثين عاماً، والله ما اختلفت معها في كلمة واحدة. إنه الإيمان يا أيها الأحبة. وليس هذا فحسب، إن البيت المتربي على الإيمان يدرك الأطفال هذا الإيمان، فيدخل إلى قلوبهم السعادة ولو كانوا لم يحظوا من الدنيا بقليل ولا كثير. إن الإمام أحمد كان دخله في الشهر سبعة عشر درهماً فيأتي أبناؤه ويقولون: يا أبتاه! لا تكفينا، قال: أيام دون أيام، وطعام دون طعام، وشراب دون شراب، ولباس دون لباس حتى نلقى الله الواحد الأحد. حذاؤه تبقى في رجله ثمانية عشر عاماً -كما ذكر ابنه عبد الله - كلما انخرمت خصفها، وأعادها إلى رجله؛ لأنه ركل زخارف الدنيا وهو يعلم أن مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا. البيوت المؤمنة تُخْرج أشبال الإيمان، والأسر التي تربت على الإيمان تخرج أشبال الإيمان، وإليكم هذا المثل: عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله ورضوانه في يوم العيد، وهو خليفة المسلمين يدخل رجال المسلمين ليهنئونه ويدعون له بقبول الصيام والقيام، ثم يذهب الرجال، ويدخل أطفال الرعية في هيئة حسنة وجميلة، وبينهم طفل من أطفال عمر ثيابه خَلِقَة وثيابه بالية، وميزانية الأمَّة كلها تحت يديه، ومع ذلك جعل الدنيا تحت قدميه، وربَّى في أهله الإيمان، ففازوا بأعظم حُلة؛ إنها حلة الإيمان. يوم رأى ابنه في يوم العيد بين أطفال الرعية وهم في هيئة حسنة وهو في تلك الهيئة طأطأ رأسه وبكى، فقال هذا الطفل الصغير -والذي تربى على الإيمان-: أبتاه! ما الذي طأطأ رأسك وأبكاك، قال: يا بني -والله- ما من شيء إلا أني خشيت أن ينكسر قلبك يوم العيد بين أطفال الرَّعية، وأنت بهذه الهيئة وهم بتلك الهيئة. فردَّ ردَّ الرجال المؤمنين، قال: أبتاه! إنما ينكسر قلب من عصى ربه ومولاه، وعقَّ أمه وأباه، أما أنا فلا والله. فمن الذي علَّم هذا الطفل إلاّ الله الذي رزقه الإيمان من صغره فتربى على الإيمان، فكان منه ما كان.

стр. 910

من آثار الإيمان: الولاء والبراء ومن آثاره -أعني الإيمان- على الفرد: الولاء الخالص للمؤمنين، والعداء لأعداء الدين ولو كانوا آباءً أو أبناءً أو إخواناً أو عشيرة، ناهيك عن أن يكونوا من المغضوب عليهم والضالين والمجوس والذين أشركوا، وكلهم ضالون: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢].

стр. 911

من آثار الإيمان: العزة ومن آثار الإيمان على حياة الناس: أنه يُكسب العزة التي تجعل الإنسان يمشي نحو هدفه مرفوع القامة والهامة، لا يحني رأسه لمخلوق، ولا يطأطئ رقبته لجبروت أو طغيان أو مال أو جاه، فهو سيد في الكون هذا وعبد لله وحده. لا غرو إذا رأينا مؤمناً أعرابياً مثل ربعي بن عامر حين باشرت قلبه بشاشة الإيمان، وأضاءت فكره آيات القرآن، يقف أمام رستم في سلطانه وإيوانه غير مكترث له ولا عابئ به، حتى إذا سأله رستم: من أنتم وما الذي جاء بكم؟ زعق في الإيوان وأجاب إجابة في عزة مؤمنة خلدها التاريخ فقال: [[نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلي سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]]. عزة وأي عزة! إنها لا توجد إلاّ في ظلال الإيمان. أمَّة الصحراء يا شعب الخلود من سواكم حل أغلال الورى أي داعٍ قبلكم في ذا الوجود صاح لا كسرى هنا لا قيصرا من سواكم في قديم أو حديث أطلع القرآن صبحاً للرشاد هاتفاً في مسمع الكون العظيم ليس غير الله رباً للعباد فكِّروا في عصركم وانتبهوا طالما كنتم جَمَالاً للعُصُر وابعثوا الصحراء عزماً وابعثوا مرة أخرى بها روح عمر هاهو آخر قد آمن بالله حقاً، فأكسبه ذلك الإيمان عزة، جعل يتكلم في هشام بن عبد الملك الخليفة كلاماً غليظاً جافياً، فأمر هشام بإحضاره، فلما وقف بين يديه جعل يتكلم، فقال هشام له: وتتكلم أيضاً في مجلسي؟! فقال: يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل:١١١] أفنجادل الله جدالاً ولا نكلمك يا هشام؟! فما كان من هشام إلا أن قال: قل ما شئت، ثم انصرف راشداً، فقال ما شاء وانصرف راشداً بعزة المؤمن: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. إن العزّة أثر إيماني يُظهر صاحبه الحق، لا يخشى دون الله أحداً، ليس هذا فحسب، وهاكم مثلاً آخر. ذلكم الشيخ سعيد الحلبي عالم الشام في عصره، كان في درس من دروسه ماداً رجله في مسجد من مساجد الشام، فدخل إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر آنذاك، فقام الناس كلهم إلاّ هذا الشيخ، وبقي مادّاً رجله في حلقته يلقي قال الله وقال رسوله ﷺ ، فتأثر ذلك الطاغية، وأثَّر ذلك في نفسه إذ لم يقم له هذا الشيخ، فقال في نفسه: لآتينه من باب لطالما أُتي طلبة العلم من هذا الباب. فذهب وأضمر له ما أضمر، وأحضر ألف ليرة ذهبية -في وقت الشيخ قد لا يجد فيه ليرة واحدة- وقال لأحد جنوده: اذهب إلى الشيخ وأعطه هذه، فأخذ هذا الجندي ذلك المبلغ، وذهب به إلى الشيخ ولا زال مادّاً رجله في حلقته يدرس قال الله وقال رسوله ﷺ ، ويكتسب العزة من خلال قال الله وقال رسوله. فجاء إليه وقال: إن إبراهيم باشا يقول: خذ هذه الألف الليرة الذهبية. فما كان منه إلا أن نظر إليه بعزة المؤمن، وتبسم تبسم المغضب، وقال: ردها له، وقل له: إن الذي يمد رجليه لا يمد يديه. أنا أقول: ربما يكون الشيخ في تلك اللحظة لا يملك ليرة ذهبية واحدة، لكن كنز الإيمان أعظم وأغلى من أن يباع بألف ليرة أو بليرة أو بأقل أو بأكثر، وهكذا يكون المؤمنون: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. وإن نسيت -أيها الأحبة- فلا أنسى سيداً ﵀ وتجاوز عني وعنه، الذي اعتزَّ بإيمانه، فصدع بكلمة الحق بلا استحياء ولا خجل، فحكم عليه بالقتل. وطلبوا منه أن يقدم استرحاماً حتى يخفف عنه الحكم، ولكنه أبى ﵀ وقال قولته الشهيرة: إن كنت حوكمت بحق فأنا أرضى بالحق، وإن كنت حوكمت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل، إن إصبعي السبابة التي تشهد لله بالوحدانية مرات في اليوم لترفض أن تكتب كلمة واحدة تقر بها حكم طاغية. ماذا كان سيفعل سيد لولا الإيمان؟ يا للعزة! ويا للثبات! ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].

стр. 912

من آثار الإيمان: سعة الرزق وانشراح القلب وتوكله ومن آثار الإيمان: سعة الرزق لأهل الإيمان والبركة فيه. المؤمن -أيها الأحبة- لا يذهب منه ريال في شراء ما يغضب الله جلا وعلا، لا يذهب منه ريال في شراء دخان، وما في حكم الدخان من الخبائث، ولا يذهب منه ريال في شراء فيلم مفسد أو مجلة أو جريدة مفسدة؛ لأنه يعلم أنه مسئول أمام الله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، فيصون رزقه عن الربا، وعن الغش، وعن الحِيَل، وعن المكر والخداع، ويجند رزقه فيما يرضي الله جل وعلا، فيرزقه الله ويبارك الله له: ﴿وَمَن يَتَّقِِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. ومن آثار الإيمان: صدق التوكل على الله، وتفويض الأمور إلى الله جل وعلا، والاعتماد عليه في السعي في هذه الحياة، واستمداد العون منه في الشدة والرخاء؛ فالمؤمنون يجدون في توكلهم على الله راحة نفسية، وطمأنينة قلبية، إن أصابهم خير حمدوا الله جل وعلا وشكروه، وإن أصابتهم شدة صبروا وشكروا، ولسان حالهم ومقالهم: ﴿قُل لَّن يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [التوبة:٥١ - ٥٢]. هاهو خالد بن الوليد المؤمن الحق بإذن الله يُقَدَّم له في يوم من الأيام سم من قِبَل طاغية من الطغاة، ويقول له هذا الكافر: إن كنتم صادقين في التوكل على الله جل وعلا واللجوء إليه، والثقة به، فاشرب هذه القارورة من السم. فما كان من خالد ﵁ إلا أن أخذها وقال: [[باسم الله، توكلت على الله، ثقة بالله ]] ثم شربه، فلم يصبه إلا العافية: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] نعم أجر العاملين: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٤٢]. ومن آثار الإيمان: انشراح الصدر، وطمأنينة القلب: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ من رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر:٢٢]، المؤمن منشرح الصدر، مطمئن القلب، قد آمن بالله ربَّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، فذاق حلاوة الإيمان، فانشرح صدره. هاهو أحد المؤمنين يقول -وقد انشرح صدره للإيمان فتلذذ بهذه العبادات التي هي من الإيمان-: والله لولا قيام الليل ما أحببت البقاء في هذه الدنيا، ووالله إن أهل الليل في ليلهم مع الله ألذ من أهل اللهو في لهوهم، والله إنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيها طرباً بذكر الله حتى أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي نعيم عظيم. تلذذوا بالإيمان، وذاقوا حلاوة الإيمان فانشرحت صدورهم. والآخر يقول: والله لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف. والعكس بالعكس؛ من نقص إيمانه كانت حياته ضنكاً، وكان صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعد في السماء، وصدق الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].

стр. 913

من آثار الإيمان على الحياة بعمومها ومن آثار الإيمان على الحياة بعمومها: نجاة سفينة الأمة، ووصولها لبر الأمان نتيجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من الإيمان، بل هو عماد من أعمدة الإيمان. فالحياة كلها سفينة تمخر عباب البحر، لا تكاد تسكن حتى تضطرب، ولن يكتب الله السلامة لها فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص منها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد. والمجتمع كالسفينة يركب ظهرها البَرُّ والفاجر، والمتيقظ والغافل، وطالب العلم والجاهل، هذا يصلح وذاك يحرق ويفسد، والمؤمن بإيمانه هو الصالح المصلح، يجاهد بأمره ونهيه وإصلاحه، فإن تحطمت السفينة بعد ذلك فشتان بين غريق وغريق؛ غريق في جهنم، وغريق في الجنة شهيد بإذنه ربه. ومن آثار الإيمان: حفظ الجوارح، وتذليلها لطاعة الله، وانقيادها لأوامر الله. حفظ القلب من الشهوات والشبهات، وحفظ اللسان من الغيبة والنميمة والوقوع في أعراض المسلمين والإفساد، وحفظ السمع إلا من كتاب الله، وذكر الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أباحه الله، وحفظ البصر من إطلاقه فيما حرَّم الله؛ ليجد بعد ذلك حلاوة إيمانه إلى أن يلقى الله، وحفظ البطن فلا يدخله إلا ما أحله الله، والله طيب لا يقبل إلا طيباً، فالمؤمن بإيمانه يحفظ جوارحه، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين. ومن آثار الإيمان على الحياة: آثاره على المجالس، حيث يجعلها رياضاً من رياض الجنة، ملائكة تحفُّ، ورحمة تتنزل، وسكينة تغشى، ورب رحيم كريم يقول: انصرفوا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات، فيا لله ما أعظمها من مجالس! وما أعظم جالسيها ومرتاديها، جعلنا الله وإياكم من أهلها!

стр. 914

الإيمان واللحظة الأخيرة ومن آثاره على الحياة: آثاره في تلك اللحظة الأخيرة، في تلك اللحظة الحاسمة، في لحظة الموت العصيبة المريرة التي لا يثبت فيها إلا المؤمنون، يوم يعتقل اللسان، ولو لم يعتقل لصاح الميت من شدة ما يلاقي من السكرات حتى تندك جدران الغرفة التي هو فيها، يوم يخدر الجسم، ولو لم يخدر لما مات أحد على فراشه، ولما مات إلا في شعب الجبال ورءوسها؛ من شدة ما يلاقي من السكرات. اللحظة التي صورها من عاناها بأبي هو وأمي ﷺ يوم يغمى عليه ويصحو، ويقول: ﴿لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات﴾، لحظة عاناها رسول الله ﷺ ، وعاناها صحابة رسول الله ﷺ ووصفها أحدهم وهو عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه فقال وهو في اللحظات الأولى من لحظات السكرات، ولا زال لسانه لم يعتقل، ولا زال جسمه لم يخدر: [[والله لكأن على كتفي جبل رضوى، وكأن في جوفي شوكة عوسج، وكأن روحي تخرج من ثقب إبرة، وكأن السماء أطبقت على الأرض وأنا بينهما]]. في هذه اللحظات المريرة العصيبة يأتي أثر الإيمان واليقين، فيلهمك الله النطق بالشهادتين: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلاّ الله دخل الجنة﴾. في تلك اللحظات يأتي المؤمنون فيسعدون بتلك اللحظات؛ لأنهم يعلمون أنها آخر عناء وتعب، وآخر نَصَب ووصب، ليس هذا فحسب، بل تستقبلهم الملائكة، بل تبشرهم الملائكة، فلا خوف ولا حزن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١]. هاهو عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله في سكرات الموت يقول: مرحباً بالوجوه ليست بوجوه جن ولا إنس، ثم يطلب ممن حوله أن يخرجوا، وإذا به يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] ليلقى الله على ذلك. وأحدهم بلغت به سكرات الموت مبلغاً فيقولون له: قل: لا إله إلا الله -وهو من الصالحين ولا يزكى على الله- فكان يقول: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٦ - ٢٧] ليلقى الله على تلك الحال: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يشاء﴾ [إبراهيم:٢٧]. ومؤذن لطالما رفع الأذان من على المنائر كل يوم خمس مرات يختمها بلا إله إلا الله، وهو في منطقة الجنوب، وفي تلك اللحظات الأخيرة من حياته يغمى عليه إغماءة مستمرة، فما كان يفيق إلا في وقت الصلاة، فإذا جاء وقت الصلاة قام وأذن حتى يقول: لا إله إلا الله، ثم يعود إلى إغمائه، وفي مرة من المرات، يفيق من إغمائه ويقول: يا بني -وابنه معه- أحان وقت الصلاة؟ قال: نعم، فقال: الله أكبر، الله أكبر حتى ختمها بلا إله إلا الله، ليلقى الله على تلك الحال: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وفي المقابل تجد الذين لا إيمان لهم في تلك اللحظات، الذين لم ينضبط سلوكهم قد ضيق الله عليهم، وعسَّر أمورهم، وأوغر صدورهم، ثم لا يُلْهمون الشهادة ليختموا بها حياتهم، فيا لها من سوء خاتمة! هاهو شاب في سكرات الموت، يقولون له: قل: لا إله إلا الله -ولطالما دنَّس فمه بشرب الدخان- فيقول: أعطوني دخاناً، فيقولون: قل: لا إله إلا الله، فيقول: أعطوني دخاناً، أعطوني دخاناً، فيقولون: قل: لا إله إلا الله عله أن يختم لك بها، قال: أنا بريء منها، أعطوني دخاناً، ليلقى الله على تلك الحال، نسأل الله حسن الخاتمة. وشاب أخر -كما ذكر الشيخ سلمان -: كان صادّاً نادّاً عن الله جل وعلا، وحلَّت به سكرات الموت التي لابد أن تحل بي وبك، لا أدري أقريب أم بعيد؟ ونسأل الله أن يحسن لنا ولكم الختام، جاء جلاسه وقالوا: قل: لا إله إلا الله، فيتكلم بكل كلمة ولا يقول لا إله إلا الله، ثم يقول في الأخير: أعطوني مصحفاً، ففرحوا واستبشروا وقالوا: لعله يقرأ آية من كتاب الله، فَيُختم له بها، فأخذ المصحف ورفعه بيده، وقال: أشهدكم أني قد كفرت برب هذا المصحف، ثم يلقى الله على ذلك، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الختام: ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 915

من آثار الإيمان بعد الموت ومن آثار الإيمان: السكينة والثبات في القبر يوم تطرح وحيداً فريداً لا أنيس ولا صاحب ولا قريب ولا حبيب ولا خليل، يوم تكون مع أهلك في ليلة تفترش الوثير، وتشرب النمير، وإذ بك في ليلة أخرى تفترش التراب مرتهناً بعملك، فيا لذلك ويا لحسرتك إن كنت محسناً تريد الزيادة، وتعض أصابع الندم على ما فرطت، وإن كنت مسيئاً ندمت على التفريط، وأنَّى لك بالندم أن ينفعك في تلك اللحظة؟ وأنت على هذه الحال -يا أيها المؤمن- تأتيك نعمة الإيمان فيثبتك الله ويلهمك الإجابة على الأسئلة الثلاثة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ثم بعدها يُفتح لك باب إلى الجنة؛ لتنعم من رَوحِها وطيبها، جعلنا الله وإياكم من سكانها. أحد الشباب يأتيني في يوم جمعة ويقول: يا شيخ! رأيت أخي الذي مات قبل فترة في المنام، وأحببت أن أذكِّرك بهذا لتذكِّر الناس بمثل هذه الرؤيا، قال: فقلت لأخي لما رأيته في المنام: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ورحمني فله الحمد والمنَّة أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، قلت: فبم توصينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، وألا تناموا ليلة من الليالي إلا وقد تعبت أقدامكم من الوقوف بين يدي الله، واحمرَّت أعينكم بكاءً من خشية الله؛ فو الله ما نفعنا هنا بعد رحمة الله إلا تلك الأعمال. وتأتي آثار الإيمان يوم القيامة، يوم يبعثر ما في القبور، ويُحصَّل ما في الصدور، يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ منْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] يوم يسأل كل إنسان عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به، يوم يجمع الله الخلائق وأنت منهم، علويّهم والسفلي، أولهم والآخر، ذكرهم والأنثى، حفاة عراة، قلقين فزعين، قد دنت الشمس منهم قدر ميل، قد بلغ العرق منهم الحناجر، ثم يقول الله: ﴿يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول الله: أخرج بعث النار من ذريتك، قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون﴾. يومها يشيب الصغير، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، عندها تجد المؤمنين تحت ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، آمنين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! ثم تظهر آثار الإيمان عند الميزان: يوم تعرض السجلات سجلاً سِجلاً، وصفحة صفحة، وكلمة كلمة، ولحظة لحظة، ويوماً يوماً لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، يوم ينادى على رءوس الخلائق لقد سعد فلان ابن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً. وتظهر آثار الإيمان يوم يعبر على الصراط والناس يتساقطون في النار تساقط الفراش على الشهاب. وتظهر آثار الإيمان يوم يقول الله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] فإلى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. فيا بائعاً هذا ببخس معجل كأنك لا تدري بلى سوف تعلمُ فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ هذه بعض آثار الإيمان على الحياة، هي غيض من فيض، وقطر من بحر، فإن كنت تريد الآخرة فالطريق الإيمان، وإن كنت تريد الدنيا فالطريق الإيمان، وإن كنت تريد الله والدار الآخرة والدنيا معاً فالطريق الإيمان. عار أيما عار -يا عبد الله- أن تعيش عشرين عاماً أو خمسين أو أقل أو أكثر بلا إيمان، ثم تستقبل الآخرة بلا بطاقة لا إله إلا الله، ولا جواز: ﴿ادْخلُوُا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قليل ستندم أَفِقْ قد دنا الموت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تَضَّرم وتشهد أعضاء المسيء بما جنى كذاك على فِيهِ المهيمن يختم فحيَّ على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيَّم وحيَّ على روضاتها وخيامها وحيَّ على عيشٍ بها ليس يُسْأَم اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وباسمك الأعظم الذي إذا دُعيت به أجبت، وإذا سُئلت به أعطيت، أن ترزقنا إيماناً نجد حلاوته، وقلوباً خاشعة، وألسنة ذاكرة، وأعيناً من خشيتك مدرارة. اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم انفعنا بما قلنا، اللهم انفعنا بما سمعنا، اللهم واجعله حجَّة لنا، اللَّهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بك اللهم أن نغتال من تحتنا. اللهم أنت ملاذنا، اللهم أنت ملجؤنا، اللهم أنت حسبنا فلا تَكِلْنا إلى أنفسنا طرفة عين، أنت حسبنا ونعم الوكيل. اللهم كما جمعتني بأحبتي في هذه الروضة في هذه الليلة على ذكرك، فاجمعني بهم إخواناً على سُرُرٍ متقابلين. هذه محاضرتي عليكم ألقيت، فلعلها موقظة الوسنان. لم آتِ فيها من جديد مُحْدَثٍ غير اختيار اللفظ يا إخواني فإذا أسأت فذاك من كسبي وإن أحسنت ذا فضل من المنان وأهدي صلاتي والسلام جميعه لأحب خلق الله بالأكوان سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت. وأعتذر كذلك عن الإجابة على الأسئلة، ولعل فيما ذُكِر خير، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالقليل، وأن يبارك لنا فيه، وأن يجمعنا بكم مرات ومرات ومرات، ثم يجمعنا في دار: قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
следующие страницы →