← Джавами‘

Джавами‘ · id 7711

دروس للشيخ إبراهيم الدويش

إبراهيم الدويش

Полный текст (623 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وضوح الهدف والغاية أولاً: وضوح الهدف والغاية والمبدأ -وقد أسلفت الحديث عن هذا-. ماض وأعرف ما دربي وما هدفي والموت يرقص لي في كل منعطف وما أبالي به حتى أحاذره فخشية الموت عندي أبرد الطرف فرحم الله حرام بن ملحان يوم أن عرف هدفه في الحياة، حرام بن ملحان أرسله النبي ﷺ مع القراء لقبيلة من قبائل مشركي قريش، فكان يعرض عليهم رسالة رسول الله ويبلغهم الرسالة، فأشاروا إلى رجل منهم أن اطعنه من خلفه، فأنفذ الرمح من ظهره فطعنه من ظهره حتى أنفذ الرمح من صدره، فإذا بـ حرام ﵁ وأرضاه يلتفت إلى القاتل ويقول: [الله أكبر الله أكبر! فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة] سبحان الله يا حرام! إنك تغادر الدنيا وشهواتها، تغادر الزوجة والأولاد، فأي فوز هذا الذي فزت فيه؟! ولكنه يعلم رضي الله تعالى عنه لماذا يعيش؟ إن أسمى أمانيه أن يموت في سبيل الله، وإن أعظم أمانيه أن يصيبه أمر في سبيل الله، وإنه يقرأ في كتاب الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] . ورحم الله خبيب بن عدي يوم أن كان مصلوباً على جذع وكان المشركون يقولون له: أترضى يا خبيب أن يكون رسول الله في مكانك الآن؟ فماذا قال رضي الله تعالى عنه؟! قال: [والله لا أرضى أن يكون محمد بين أهله الآن تصيبه شوكة، ثم قال هذه الأبيات -واسمع إلى الرجل الممتاز يوم أن يعرف الغاية التي من أجلها خلق- قال: لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو كربتي بعد غربتي وما جمع الأحزاب لي حول مصرعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي وقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي وقد خيروني الكفر والموت دونه وقد ذرفت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت أني لميت ولكن حذاري جحيم نار ملفع وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي ]

стр. 387

الخوف من الله ثانياً: من العلاج: الخوف من الله خير زاد لعلو الهمة. احرص على خوف الله، املأ قلبك بخوف الله، راقب الله، اعلم أن الله يراك، استعن بالله ، واعلم أنه معين لك في كل أمر، وأنه مطلع عليك في كل حال وفي كل مكان وفي كل مقام، فكر بهذه الأمور حتى يمتلئ قلبك تعظيماً لله، فإن من كان بالله أعرف كان لله أخوف.

стр. 388

مصاحبة أصحاب الهمة العالية ثالثاً: مصاحبة أصحاب الهمم العالية: إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي وقل لي: من تصاحب؟ أقل لك: من أنت.

стр. 389

النظر في سير المجتهدين رابعاً: النظر في سير المجتهدين، وفي سير السلف الصالح، وفي أصحاب الهمم والعزائم، اقرأ في السير والتراجم، فلا تترك فضيلة وقفت عليها ويمكن تحصيلها إلا حصلتها فإن القعود عن الفضائل حالة الأراذل. فكن رجلاً رجله في الثرى وهامة همته في الثريا

стр. 390

التنافس على الخيرات خامساً: التنافس على الخيرات والشعور بألم الفوات، اسأل نفسك بحق كم يفوتك من الحسنات؟ كم من الناس اهتدوا فكانوا في موازين الآخرين؟ اسأل نفسك لماذا لم يكن هؤلاء الذين اهتدوا في موازين أعمالك أنت؟ لماذا لم تكن أنت الذي مد يده بشريط أو مد يده بكتاب، أو لسانه بكلمة طيبة، أو عقله بفكرة أو طرح؟ فالله يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] ويقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] . إن مجرد فكرة تقولها أيها الأخ! وتطرحها في مجلس من المجالس يعمل بها لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. من قال أن الوقف لله يجب أن يكون مالاً أو عقاراً؟! يمكن أن تطرح فكرة للمسلمين عامة فيعمل بها، فتكون هذه الفكرة وقفٌ لله تعالى، أنت صاحب الوقف تؤجر عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 391

البحث عن أسباب أخرى للعلاج سادساً: فتش عما وراء الأكمة، أي: ربما كانت هناك أسباب أخرى خفية لسلبية بعض الناس، فربما كان فلان شاباً قوياً جلداً نشيطاً، صاحب مواهب وابتكارات؛ لكنه صفر، لماذا؟ بسبب سوء التخطيط أو سوء التوجيه، فليتنبه لذلك المربون والموجهون، فقد يكون سبباً رئيساً في سلبية كثير من تلاميذه ومن تحت أيديهم، وليس في هذا تبرئة للرجل الصفر، إن عليه الحرص والاجتهاد، وأنه يجب عليه ألا ينتظر الفرص بل يبحث عنها، وألا ينتظر الموجه، فإن وجد وإلا فالتجربة خير برهان، فليتوكل على الله ولينطلق. وأخيراً أقول: وإني لمشتاق إلى كل غاية من المجد يكبو دونها المتطاول بذول لمال حين يبخل ذو النهى عفيف عن الفحشاء قرن حلاحل والحلاحل هو: السيد في عشيرته، الأمير في مجلسه. نعم أيها الإخوة في الله! فوصيتي لنفسي ولكل مسلم ومسلمة يؤمن بالله واليوم الآخر ألا تضيع عليه ساعات عمره إلا بنفع وفائدة، فأنت والله مسئول أمام الله أن تعمل ما بوسعك وألا تحتقر نفسك. إن تلك المرأة السوداء استطاعت أن تكسب دعاء النبي ﷺ واستطاعت أن تجعل التاريخ يسجل اسمها. اسأل نفسك: لماذا حصلت على هذا وكيف؟ لأجل أنها عملت للإسلام عملاً هو قدرتها وهو وسعها، وهو عمل في ميزاننا اليوم عمل حقير، إنها كانت تقم المسجد. ما أحقر هذا العمل في ميزاننا اليوم؛ ولكن ما أرفعه عند الله يوم أن كان هو وسعها وهو قدرتها. فأين أنت أيها الأخ الحبيب؟! وأين أنت أيتها المسلمة؟! سجل اسمك في التاريخ، ليكن قلبك كبيراً يتسع لهموم الآخرين، وليكن همك حاراً لإصلاح الجميع، أحسن النية واجعلها سباقة فإنك تؤجر عليها، ولو لم يتيسر لك العمل، فرق كبير بين قولك: (اللهم اجعلني من الصالحين) وبين قولك: (اللهم اجعلني من الصالحين المصلحين) . فرق كبير بين قولك: (اللهم انفعني) وبين قولك: (اللهم انفعني وانفع بي) . إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام ولكل جسم في النحول بلية وبلاء جسمي من تفاوت همتي متى يستيقظ الأخيار إن لم يستيقظوا الآن؟ متى يتحرك الصالحون إن لم يتحركوا الآن؟ متى يستيقظ المسلمون إن لم يستيقظوا الآن؟ أليس في قلوبنا غيرة؟ أليس فينا حياة؟ متى نشعر بالتحدي وأعداء الله يشمتون بهذه العقيدة ليل نهار؟ جعلوا الباطل حقاً، والحق باطلاً، وجعلوا الوضيع شريفاً والشريف وضيعاً. كل المصائب قد تمر على الفتى فتهون غير شماتة الأعداء اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد رب تقبل عملي ولا تخيب أملي أصلح أموري كلها قبل حلول الأجل سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 392

التوحيد وأثره في النفوس التوحيد هو رأس الأمر، والوظيفة التي خلق من أجلها الإنسان، والناس فيه يتفاوتون ويتفاضلون، وقد ذكر الشيخ في هذه المادة أهمية التوحيد وماهيته وآثاره العظيمة على الفرد والمجتمع الموحد.

стр. 393

كلمة التوحيد وتفاوت أهلها فيها الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه هي ليلة الأربعاء الموافق للرابع عشر من الشهر الثالث للعام التاسع عشر بعد الأربعمائة والألف، وفي هذا المكان الطيب المبارك الجامع الكبير بمدينة الطائف نلتقي وإياكم في موضوع بعنوان: (التوحيد وأثره في النفوس) .

стр. 394

مكانة التوحيد عند الله تعالى فاعلم رحمني الله وإياك أن التوحيد هو: إفراد الله تعالى بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده، بل هو أعظم سلاح يتسلح به المسلم، فهو سلاح العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة، فأصل ما تزكوا به القلوب والأرواح هو التوحيد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى: ولهذا كان رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وهي متضمنة عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً سواه. انتهى كلامه ﵀. فلا إله إلا الله هي كلمة التوحيد وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات لا إله إلا الله فطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد لا إله إلا الله محض حق الله على جميع العباد، والكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر ومن عذاب النار، والمنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به. لا إله إلا الله الحبل الذي لا يصل إلى الله من لا يتعلق بصدده لا إله إلا الله كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، ينقسم بها الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وانفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان بلا إله إلا الله، وهي العمود الحامل للفرض والسنة (ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) نسأل الله الكريم من فضله. قال ابن القيم كلاماً جميلاً عن التوحيد في الفوائد، قال ﵀: التوحيد أشرف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه، وأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه، فهو كأبيض ثوبٍ يكون، يؤثر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جداً، أدنى شيءٍ يؤثر فيها ولهذا -وتنبهوا- تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية، فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده، وإلا استحكم وصار طبعاً يتعسر عليه قلعه. إلى آخر كلامه ﵀. وكثير من الناس يغفل عن حقيقة التوحيد، فيتصور أن التوحيد هو قول لا إله إلا الله فقط، أو أنه الاعتراف بربوبية الله فقط، يردد أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، ويجهل شمولية هذه العقيدة لجميع جوانب الحياة، لذلك ربما تزعزعت عقيدة التوحيد في نفوس كثير من المسلمين، فلا إله إلا الله في كل صغيرة وكبيرة، ولا إله إلا الله في كل حركة وسكنة، لا إله إلا الله في البيت والمسجد والوظيفة والشارع وكل مكان، هنا -باختصار- يتبين لنا جميعاً أثر لا إله إلا الله على نفوسنا.

стр. 395

مظاهر زعزعة التوحيد في قلوب الناس وتناقصه يا أهل التوحيد! إليكم أمثلةً سريعةً على أن العقيدة والتوحيد ربما تتزعزع في قلوب بعض الناس: فانظروا -مثلاً- إلى الحلف بغير الله والتوسل والاستعانة بالمخلوقين دون الله، بل والاحتكام إلى الأعراف والعادات والتقاليد، وتقديمها على حكم الله ورسوله عند البعض من الناس. انظروا إلى تقديم القرابين والنذور، والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها. بل انظروا إلى التشبه بالكافرين في أخلاقهم وعاداتهم السيئة وموالاتهم. انظروا إلى لجوء الناس عند الشدائد للأسباب المادية، نعم. فتعلقهم بالأسباب المادية فقط من دون الله. انظروا لانتشار السحرة والمشعوذين، والكهان والعرافين، والتمائم والرقى غير الشرعية. بل انظروا إلى ادعاء علم الغيب بقراءة الكف والفنجان، والتنجيم وعالم الأبراج التي تملأ صفحات بعض المجلات اليوم والإذاعات. انظروا للاحتفالات بالمناسبات الدينية كالإسراء والمعراج، والهجرة النبوية، وبدعة المولد وغيرها مما لا أصل له في الشرع. انظروا إلى الاستهزاء بالدين، والسخرية بأهله، والاستهانة بحرماته، وأنه تأخر ورجعية، ووصف أهله بالتطرف والتشدد. انظروا إلى التمسك بأقوال الرجال، حتى أصبحت تفوق الكتاب والسنة عند كثير من الناس وللأسف! بل انظروا إلى ضعف اليقين، نعم. إلى ضعف اليقين بالله وإلى دخول اليأس والقنوط لقلوب كثير من المسلمين. انظروا إلى الخوف والرعب، ممن؟ من المخلوقين عند حدوث الفتن والمصائب. انظروا إلى تمجيد الغرب والخوف منه، حتى وُصف ببعض الصفات الإلهية، كالقوة والقدرة وإدارة الكون كما نسمع ونقرأ. انظروا إلى نظرة الناس المادية للحياة مما ابتلي به المسلمون اليوم، تحصيل اللذات والشهوات، وتعليق أهداف الأمة واهتماماتها بأشياء لا قيمة لها كاللهو والطرب والغناء والمتعة الحرام، والله يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] . هذه من مظاهر زعزعة التوحيد في قلوب الناس وتناقصه، والأمثلة كثيرة تلك التي توضح حال عقيدة التوحيد في نفوس المسلمين اليوم، ولهذا غفل كثيرٌ من الناس عن آثار التوحيد وحقيقته، بل جهل كثير من المسلمين هذه الآثار فأصبح يردد: لا إله إلا الله في اليوم عشرات المرات؛ لكن تعال وانظر لحاله مع نفسه وأهله، وانظر لحال بيته وما فيه، وانظر لحاله في البيع والشراء، وانظر لأقواله وأفعاله وتصرفاته، فربما ليس لكلمة لا إله إلا الله أثر في حياته -والله المستعان- مع أنه مسلم ويردد أن لا إله إلا الله!

стр. 396

المراد من كلمة التوحيد ومعناها فيا أمة التوحيد! المراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، الكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو: إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دون الله، نعم. إفراد الله: هذا معنى التوحيد، إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه ﷺ لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله) ماذا قالوا؟ كما أخبر الحق عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام من أهل الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن معنى ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني. والحاذق اليوم من هؤلاء من ظن أن معناها فقط أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، هكذا يفهم بعض الناس معنى لا إله إلا الله، فلا خير في رجلٍ جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله. لا نعجب أن نجد من الكفار من هم أصحاب مبادئ وعقيدة، لكنهم يحترمون عقيدتهم ومبادئهم، ويقفون عندها ويخدمونها، بينما ذلك المسلم يردد أن لا إله إلا الله، لكن ليس لهدف، ليس لمبدأه ولا لعقيدته شيء من الإخلاص الحقيقي في ذلك.

стр. 397

تفاوت الناس في التوحيد الناس يتفاوتون في التوحيد، ويتفاوتون في فهم معنى هذه الكلمة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى: فإن المسلمين وإن اشتركوا في الإقرار بها، فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلاً لا نقدر أن نضبطه. انتهى كلامه ﵀. ويقول تلميذه ابن القيم في طريق الهجرتين: فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله الله، وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقها باطناً وظاهراً أمرٌ لا يحصيه إلا الله. انتهى كلامه ﵀. ويقول -أيضاً- في الداء والدواء: فإن من الناس من تكون شهادته ميتة -انتبهوا يا أحبة- ومنهم من تكون نائمة، إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون مضطجعة، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب، وهي -أي: الشهادة- في القلب بمنزلة الروح من البدن، فروح ميتة، وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن إلى آخر كلامه الجميل هناك رحمه الله تعالى.

стр. 398

آثار التوحيد وثماره فيا أمة التوحيد! أيها الإخوة! أيتها الأخوات! إن للتوحيد ثماراً عظيمة، وآثاراً جميلة ذاق حلاوتها ذلك الصادق في توحيده، وحرمها ذلك المسكين الذي لم يعلم حقيقة التوحيد وأثره في الحياة، ومن أهم هذه الآثار، ولعلي أختصر بعضها لكثرتها:

стр. 399

تحقيق معرفة الله أولاً: تحقيق معرفة الله وهي من أعظم الآثار. لكن قد يقول قائل كيف نعرفه؟ قال ابن القيم في الفوائد -وأنقله بتصرف-: ولهذه المعرفة بابان واسعان. وانتبهوا لهذا؛ لأن الكثير من المسلمين اليوم لم يؤت لضعفه وفتوره وقلة آثار التوحيد في نفسه، إلا لقلة معرفته بالله حق المعرفة، يقول ابن القيم ﵀: ولهذه المعرفة بابان واسعان، الأول: التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والثاني: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها، وكمالها وتفرده بذلك إلى آخر كلامه. فمثلاً: أنت تعرف فلاناً وتحبه وتبغضه من خلال اسمه وصفاته وأفعاله، ولله المثل الأعلى. فالفقه في معاني أسماء الله وصفاته، ومقتضياتها وآثارها، وما تدل عليه من الجلال والكمال، أقرب طريق لمعرفة الله، والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تُمرَ كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة، هذا الغائب عند الكثير من المسلمين اليوم، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة، هذه عقيدةٌ لـ أهل السنة والجماعة، وكما قيل: من كان بالله أعرف كان لله أخوف. فيا أيها المسلم الموحد! إنك لا تعبد مجهولاً، بل تعبد الواحد الأحد الذي تقرأ أسماءه وصفاته في كل حين في القرآن والسنة. إن توحيد الأسماء والصفات الذي يردده بعض المدرسين على أبنائنا، وعلى المسلمين بدون فهم لحقيقة هذا التوحيد، لهو من أعظم الطرق لمعرفة الله ؛ فمعرفة الله من خلال أسمائه وصفاته هي نقطة البداية في حياة الإنسان، البداية الحقة في تحقيق التوحيد، فإذا وفق العبد لهذه المعرفة، فقد أوتي خيراً كثيراً، واهتدى إلى ربه، ووضع قدميه على الطريق الصحيح، فمن كان بالله وأسمائه وصفاته أعرف وفيه أرغب وأحب، وله أقرب، وجد من حلاوة الإيمان في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حب غيره، وكلما ازداد له حباً ازداد له عبودية وذلاً، وخضوعاً ورقاً. فمثلاً: نقرأ في القرآن: أن الله سميع وبصير وعليم، فهل فكرت يا أخي الحبيب! في معانيها؟! وهل لها أثر في نفسك يوم أن قرأتها في كتاب الله؟ السميع:الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، سميعٌ بما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات، يسمع سرها وعلنها، وكأنها لديه صوت واحد، لا تختلط عليه الأصوات ولا تختلف عليه جميع اللغات، القريب والبعيد، السر والعلانية عنده سواء ، وأنت تقرأ القرآن وتتدبره بمثل هذه المعاني، يمتلئ القلب ثقة وخوفاً وإجلالاً لله تعالى. البصير: الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، ويبصر ما تحت الأراضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، يرى سريان الماء في أغصان الأشجار وعروقها، وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها، يرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة، وأصغر من ذلك، فإذا علمت أنه يرى ذلك بهذه الصفة امتلأ قلبك إجلالاً وهيبةً من الله وتحقق في النفس مبدأ عظيم، مبدأ المراقبة لله . يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها في صدرها والمخ في تلك العظام النحل امنن عليّ بتوبة تمحو بها ما كان مني في الزمان الأول وكذلك في جميع أسماء الله وصفاته: العزيز، الجبار، العليم، الخبير، القدير هكذا يكون لتوحيد الأسماء والصفات أثر عجيب في نفوسنا، نعم. إن علمنا بالله ومعرفتنا به يصلنا بالله ويزكي نفوسنا، ويصلحها، وهذا هو الطريق الذي أضاعه كثير من المسلمين اليوم. أيها المسلم! إن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] وأنا أسمعك تدعو الله، وتتوسل إليه بأسمائه وصفاته، لكن وأنت تردد هذه الأسماء والصفات هل تستشعر معانيها؟ هل تفهم مقاصدها؟ إنك إن فعلت هذا تزداد تعلقاً بالله وحباً وهيبةً وإجلالاً له، ولذلك أثرٌ كبير على القلب، بل والله له أثر كبير على استجابة الدعاء وقبوله، فلنعلم حقيقة توحيد الأسماء والصفات كيف يكون، ولنتعرف على الله حق المعرفة من خلاله.

стр. 400

راحة النفس واطمئنانها وسعادتها ثانياً: من آثار التوحيد في النفس: راحة النفس الموحدة واطمئنانها وسعادتها، فهي لا تقبل الأوامر إلا من واحد، ولا تمتثل النواهي إلا من واحد، وبهذا راحة للنفس، ولذلك ترتاح النفس وتطمئن ويسكن القلب ويهدأ، ومن المعلوم لكل عاقل أن النفس لا تحتمل الأوامر من جهات متعددة، فلا يعقل أن يكون للعبد أكثر من سيد، ولا للعامل أكثر من كفيل، وإلا سيقع عندها ضحية الأهواء، فكلٌ يأمر وكلٌ ينهى، وعندها لا يدري ماذا يعمل، فيصبح القلب شذر مذر، وفي هم وغم لا يدري من يرضي. قال ابن القيم ﵀ في الفوائد: وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فساداً لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه. انتهى كلامه ﵀. إذاً: فلا يعمل الموحد ولا يحب إلا لله، ولا يغضب ولا يكره إلا لله، وهنا يشعر القلب بالراحة والسعادة؛ فهو مطالب بإرضاء الله ولو غضب عليه أهل الأرض قاطبة، هذه هي حقيقة التوحيد، بل هذا هو الإخلاص لله في كل شيء ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] هل سألنا أنفسنا يوماً من الأيام ما هو هدفنا في الحياة؟ ولماذا خلقنا؟ كثير من المسلمين اليوم ممن يتلفظ بلا إله إلا الله، لو سئل عن هدفه في الحياة ربما لم يجب، وربما أجاب لكنها إجابة فيها تردد وحيرة! وربما تذكر تلك الأسئلة التي درسها يوم أن كان صغيراً في المراحل التعليمية الأولى، لماذا خلقنا الله؟ فكانت الإجابة: خلقنا الله لعبادته، وما هو الدليل؟ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وما هو تعريف العبادة؟ اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. أظننا لا نجهل هذا، الكبير منا والصغير يعرفه، الذكر والأنثى يعلمه. بل حفظه عن ظهر قلب، العجيب أن الكثير من الناس لا يفكر بهذه الكلمات التي حفظها وقرأها ورددها يوم أن كان صغيراً، بل لم يفهم معناها، وإن فهم معناها لم يعمل بمقتضاها، لماذا الفصل بين العلم والعمل؟ فالعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. في حياتنا ندرس ونقرأ ونسمع، فإذا خرجنا من مدارسنا أو مساجدنا تغيرت الأحوال، وتركنا العلم جانباً، وحكمنا الأهواء والمصالح الشخصية، والله المستعان! أيها الأخ! يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: أن هدفك في الحياة هو عبادة الله ، تلك العبادة التي أخطأ كثير من المسلمين اليوم في فهمها، ولذلك ربما يقول قائل: الله يريد منا دائماً أن نركع ونسجد ونصلي ونصوم ونحج ونقرأ القرآن فقط. هذه هي الحياة، هكذا تريدون منا، لماذا؟ لأنه فهم الحياة على أنها هكذا فقط، أو أن العبادة على أنها فقط مقيدة بتلك العبادات الأربع المشهورة عند الناس، الصلاة والصيام والحج والزكاة هكذا يفهم بعض المسلمين الإسلام. أيها المحب! ليس هذا هو مفهوم العبادة التي يريدها الله منا، فنحن نردد أن العبادة -كما أسلفنا-: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة على الجوارح والباطنة في القلب. إذاً: فكل فعل وقول وحركة وسكون في حياتك هي عبادة لله بشرط: أن يحبها الله ويرضاها، وأن تكون خالصة لله، وكما جاءت عن رسول الله ﷺ ، هذا هو هدف المسلم في الحياة، هدف المسلم في الحياة رضا الله في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل حركة وسكون، فإذا اتضح الهدف للمسلم ارتاح قلبه واطمأنت نفسه وشعر بالسعادة؛ لأنه يعيش من أجل هدف سامٍ وغايةٍ واضحة ومبدأٍ عظيمٍ هو: رضا الله. وبهذا المفهوم الصحيح للعبادة، فكل شيء في الحياة مع النية الخالصة لله يكون عبادة يؤجر عليها العبد، ولو أردنا أن نأخذ الأمثلة لطال بنا المقام، ولكن خذوا على سبيل المثال: يقول النبي ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة) إذاً وأنت تقضي وطرك وشهوتك تؤجر عليها (وإن لأهلك عليك حقاً) وأنت تجالس أهلك وأولادك وتقضي شأنهم وتعولهم تؤجر، حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك وأنت تسعى لكسب الرزق لأولادك تؤجر، (ابتسامتك في وجه أخيك صدقة) بل حتى النوم تؤجر عليه بشرط أن يكون ذلك النوم على هيئة يرضاها الله . ألم يقل بعض السلف: [إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي] إذا عشت بهذا المفهوم تشعر بالاطمئان والسعادة والراحة؛ لأن كل حياتك ترضي الله فتؤجر عليها، تقدم يوم تقدم على الله وكل صغيرة وكبيرة قد كتبت وسجلت في حسناتك. الله أكبر! ما أحلى هذه الحياة، ما أحلى الدنيا بهموها وغمومها إذا عاش المسلم بمثل هذا المفهوم الواضح البين في حياته، حتى الهمّ -سبحان الله! - في حياة المسلم الموحد الصادق حتى الهمّ والمرض والتعب يؤجر عليها إذا كانت في رضا الله ، ألم يقل الحبيب ﷺ : (ما يصيب المسلم من همٍّ ولا غمٍّ ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها المسلم إلا كفر الله بها من خطاياه) . لا إله إلا الله: ما أحلاها في حياتنا قولاً وعملاً، لا كما يريد أعداء الله ، فيصوروها للناس أنها في المسجد فقط، وأنها في شهر رمضان وموسم الحج فقط، أما ما عداه فلا، ولذلك ربما سمعنا من بعض المسلمين وللأسف كلمةً أو عبارة تقول: أَدخلَوا الدين في كل شيء، ونقول له ولأمثاله: نعم الدين في كل شيء؛ فنحن مسلمون، والإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخروج من الشرك، حفظناها يوم أن كنا صغاراً، تسليم واستسلام لله تعالى في كل شئون حياتنا. لا حرية لك إلا في حدود الشريعة، لا حرية لك بلباسك ولا بقولك ولا ببيعك ولا بشرائك، ولا بذهابك ولا بمجيئك، إلا في هذه الحدود، نعم أيتها المسلمة! الإسلام حقيقةً يضبط حتى لباسك وفعلك وصفتك، إذا رضي الله عن هذا الفعل وعن هذه الصفة فتوكلي على الله. هنا تتضح حقيقة الإسلام في أن تستسلم لله ، إلا -والعياذ بالله- لو قال قائل: إنه خرج من الإسلام نقول له: افعل ما أردت بالحرية المزعومة التي ينادي بها كثير من الناس اليوم، كما قال تعالى للمشركين الذين تمردوا على دينه وشرعه مهدداً لهم: ﴿قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٤-١٥] . هناك يوم للحساب وللجزاء لا يمكن أن يغفل عنه الموحد أبداً، أما أنت أيها المسلم! فلك حرية، لكن بحدود الشريعة، فأنت أسلمت وجهك لله، وخضعت لدين الله، فعليك أن تلتزم الأوامر، وتجتنب النواهي كما يريد الله ، قلت بلسانك: رضيت بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولاً ونبياً، فلماذا أراك تخالف هذا الرضا بفعلك وحياتك؟ والله المستعان. يا ليتنا نردد هذا المفهوم الصحيح للعبادة على نسائنا وصغارنا وطلابنا وزملائنا، بل على كل من نقابل مسلماً كان أو كافراً، ولماذا نردد ذلك على الجميع؟ لتتضح حقيقة هذا الدين ويسره وسهولته وسعته وفضل الله علينا. واسمعوها يا أحبة! والله ثم والله! لو عاش المسلمون بهذا المفهوم، لما كان هناك انفصام في شخصيات كثير من المسلمين، يأتي للمسجد يركع ويسجد، وربما بكى وسالت الدمعة على الخد خوفاً من الله، بل ربما كان في الصف الأول؛ لكن تعال وانظر لبيعه وشرائه، وانظر لتعامله في الربا، تعال وانظر للسانه، تعال وانظر لبيته وما فيه من وسائل الفساد، تعال وانظر لتلك المرأة في لباسها وفعلها وتبرجها -يا سبحان الله- أين أثر التوحيد وحقيقة التوحيد في نفوسنا؟! بل إن للتوحيد أثراً عجيباً في سعادة الزوجين في حياتهما، نعم والله. هذا سر من أسرار الحياة الزوجية، للتوحيد أثر عجيب في سعادة الزوجين في حياتهما، فالقاعدة الأساسية للبيت السعيد: (أهلاً وسهلاً بما يرضي الله، وبعداً وسخطاً لما يغضب الله) فلو سار البيت على هذه القاعدة لوجد والله! السعادة والراحة، يتفق الزوجان على هذه القاعدة الجميلة فكل ما يرضي الله فأهلاً وسهلاً به في بيتنا، وكل ما يغضب الله فبعداً له وسخطاً؛ لأنه يغضب الله. يا أهل التوحيد! لنحقق التوحيد كما يريده الله في نفوسنا، ولنراجع أنفسنا ونحاسب أنفسنا، أين أثر التوحيد في نفوسنا؟ لماذا بدأ يتناقص ويتراجع؟ ويظهر هذا النقص وهذا التراجع على بعض المسلمين الموحدين اليوم -وللأسف- نسأل الله أن يحيينا حياة طيبة، وأن يميتنا على التوحيد، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله.

стр. 401

تواضع النفس وخوفها وانكسارها لخالقها ثالثاً من آثار التوحيد: تواضع النفس الموحدة وخوفها وانكسارها لخالقها بل وافتقارها إليه ، لماذا؟ لشعورها أنها بحاجة إليه في كل لحظة، فهو مالكها، ومدبرها. مما يزيد العبد افتقاراً والتجاء إليه ، ويزيده ترفعاً عن المخلوقين ومما في أيديهم، فالمخلوق ضعيف فقير عاجز أمام قدرة الحق ، الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، هنا يشعر الموحد بأنه يأوي إلى ركنٍ شديد، وأنه في سعادةٍ عظيمة، كيف لا وهو يشعر بذله وانكساره وافتقاره، وعبوديته لملك الملوك! والكثير من أهل التوحيد غفل اليوم عن هذا الأثر، (الافتقار والانكسار) . أيها الإخوة! أيها المسلمون! بل أيها المسلمون المستقيمون! إننا ضعفاء ومساكين لا حول لنا ولا قوة لأنفسنا إلا بربنا جل وعلا، إلا بالواحد الأحد، فمن منا جعل له ساعةً يخلو بها مع ربه؟ من منا جعل له ساعةً يخلو بها مع ربه ويعترف له بضعفه، وذله وفقره، فيرفع يديه، ويناجي ربه بتواضع؟! فالنفس منكسرة لله، القلب يخفق، والعين تدمع، واللسان يلهج فيقول: أنت الذي صورتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري واعي القرآن أنت الذي أطعمتني وسقيتني من غير كسب يد ولا دكان وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل والإحسان أنت الذي آويتني وحبوتني وهديتني من حيرة الخذلان وزرعت لي بين القلوب مودة والعطف منك برحمة وحنان ونشرت لي في العالمين محاسناً وسترت عن أبصارهم عصياني وجعلت ذكري في البرية شائعاً حتى جعلت جميعهم إخواني والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام عليّ من يلقاني ولأعرضوا عني وملوا صحبتي ولبؤت بعد كرامة بهوان لكن سترت معايبي ومثالبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوارحي ولساني ولقد مننت عليّ ربي بأنعم مالي بشكر أقلهن يدان أيها الإخوة والأخوات! هذه الثمرة من أعظم ثمرات التوحيد على النفوس، حُرِمها الكثير منا، فراحة النفس وسعادة القلب -والله الذي لا إله غيره- هي في الذل والانكسار للخالق ، والافتقار إليه والانكسار بين يديه، فلنلجأ إلى الله ، ولنعلن ضعف أنفسنا لله وحده، هنا سيشعر الموحد بالقوة العجيبة، وبالصبر والثبات؛ لأنه يعلم أنه يأوي إلى الذي بيده ملكوت السماوات والأرض الذي يدفعه، ويحوطه ويحفظه كما سيأتي من آثار التوحيد إن شاء الله.

стр. 402

اليقين والثقة بالله رابعاً من آثار التوحيد: اليقين والثقة بالله : فصاحب التوحيد على يقينٍ من ربه، مصدق بآياته، مؤمن بوعده ووعيده كأنه يراها رأي العين، فهو واثق بالله متوكل عليه راضٍ بقضائه وقدره، محتسب الأجر والثواب منه. النفس الموحدة تمتلئ بالطمأنينة والسكينة حتى في أشد المواقف، وأصعب الظروف، ألم نقرأ في القرآن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] . يقول ابن تيمية ﵀: والناس وإن كانوا يقولون بألسنتهم لا إله إلا الله، فقول العبد لها مخلصاً من قلبه له حقيقة أخرى. ما هذه الحقيقة؟ يقول تلميذه ابن القيم عن شيخ الإسلام ذلك الذي ذاق هذه الحقيقة كما نحسبه والله حسيبه يقول: وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من روحها ونسيمها، وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها إلى آخر كلامه ﵀. هكذا النفس الموحدة مهما أصابها في الدنيا، ومهما كانت الابتلاءات والامتحانات، ومهما كانت الشدائد على تلك النفس، فإنها تعلم أنها قد تجازي بسيئاتها في الدنيا بالمصائب التي تصيبها، ولذلك (لما سأل أبو بكر النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] قال أبو بكر: يا رسول الله! وأينا لم يعمل سوءاً؟ فقال الحبيب ﷺ : يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به نعمة الله على عباده) إذاً: فما يصيبك أيها الموحد من بلاءٍ أو مرض، أو نصب أو تعب، فإنك مأجور مخلوف عليك عند الله ، التوحيد يسليك عند المصائب، ويهون عليك الآلام، وبحسب مقدار ما في القلب من لا إله إلا الله يكون الصبر والتسليم والرضا بأقدار الله المؤلمة. يقول ابن القيم ﵀ كلاماً جميلاً في إغاثة اللهفان: إن ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه، كما قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) إذاً: هذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته إلى آخر كلامه ﵀.

стр. 403

اليقين بنصرة الله وتحقيق وعده خامساً: من آثار التوحيد اليقين بنصر الله وتحقيق وعده، فقد تكفل الله لأهل التوحيد بالفتح والنصر والعزة والشرف، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] هذا هو الشرط، فالتوحيد: (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] .

стр. 404

تفريج الكربات سادساً: من آثار التوحيد تفريج الكربات، فالتوحيد الخالص هو السبب الأعظم لتفريجها في الدنيا والآخرة، وقصة يونس ﵇ من الأدلة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء:٨٧] بماذا نادى؟ بم استغاث؟ بماذا لجأ؟ بكلمة التوحيد ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] بل حتى المشركين يعلمون أن في التوحيد تفريجاً للكربات، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] . يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في القواعد الأربع -وانتبهوا لهذا الكلام-: القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة. انتهى كلامه ﵀. ويقول ابن القيم ﵀: فما دفعت شدائد الدنيا -انتبهوا يا أهل المصائب والآلام والأحزان- بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب في التوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه في التوحيد، فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهذا مفزع الخليقة، وملجؤها وحصنها وغياثها، وبالله التوفيق إلى آخر كلامه ﵀.

стр. 405

الحزم والجد في الأمور سابعاً: الحزم والجد في الأمور: فإن الموحد جاد حازم؛ لأنه عرف هدفه، وعرف لماذا خلق، وما المطلوب منه، وهو توحيد الله والدعوة إليه، فلذلك حرص على عمره، فاستغل كل يوم وشهر، بل والله استغل كل ساعة في عمره، فلا يفوت فرصة للعمل الصالح إلا واستغلها، ولا يفوت شيئاً فيه رجاء لثواب الله إلا وحرص عليه، ولا يرى موقع إثمٍ إلا وابتعد عنه خوفاً من العقاب؛ لأنه يعلم أن من أسس التوحيد الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال، والله يقول: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٣٢] وقد حث النبي ﷺ على هذه الغاية -أي: على الحزم والجد والقوة- فقال ﷺ : (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) أخرجه مسلم في صحيحه. لكن شتان بين المؤمن الجاد الحازم الذي يستغل اللحظات، ويقضي العمر في رضا الله والعمل الصالح، وبين المؤمن الضعيف الذي يصارع النفس والشهوات ومغريات الحياة، نعم. ابتلي الكثير من المسلمين اليوم -بل حتى من الصالحين- بمصارعة النفس والشهوات، هكذا المؤمن بين أمرين: بين رضا الله وثوابه، وبين الدنيا وشهواتها، وتنبهوا: فكلما ضعف أحدهما قوي الآخر واشتد. أيها الموحد! كن جاداً حازماً، فأنت صاحب عقيدة تحمل همها في الليل والنهار، واليقظة والمنام، هكذا المسلم إن حزن فللتوحيد، وإن ابتسم فلتوحيده، وإن حب فلعقديته، وإن أبغض فلعقيدته، وإن ذهب وجاء فلها، حياته كلها جد وعمل، فهي وقف لله تعالى.

стр. 406

تحرر النفوس من رق المخلوقين ثامناً: أن التوحيد هو الذي يحرر النفوس من رق المخلوقين، ومن التعلق بهم وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا والله هو العز الحقيقي والشرف العالي، فيكون بذلك متألهاً متعبداً لله، فلا يرجو سواه، ولا يخشى غيره، ولا ينيب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وبذلك يتم فلاحه، ويتحقق نجاحه، فإن العبودية لله عزٌ ورفعة، والعبودية لغير الله ذلٌ ومهانة. فيا عجباً! ممن يخاف من المخلوقين كالسحرة والمشعوذين وغيرهم ويحسب لهم حساباً، فيطلب من عطائهم، ويلجأ إليهم، ويخاف منعهم، وقد شرع له أن يردد بعد كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، فأين حقيقة التوحيد؟ وأين حقيقة هذه الكلمة؟ يرددها كثير من المسلمين بعد كل صلاة، لكن ربما بدون تدبر لمعناها، ولا عمل بمقتضاها، واسمع لهذا الكلام الجميل لـ شيخ الإسلام ﵀ يقول: المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم، فيحصل له رعب كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ [آل عمران:١٥١] أما الخالص من الشرك فيحصل له الأمن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] وقد فسر النبي ﷺ الظلم هنا بالشرك كما في الحديث. انتهى كلامه. فكان من آثار التوحيد القوة والشجاعة. واسمع لهذا المثل العجيب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣-٧٤] . وأذكر لكم مثلاً واحداً لعزة المسلمين يوم أن تعلقوا بالله ولم يخافوا إلا الله، ذكر جليب بن حبة قال: [ندب عمر واستعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدو خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً، فقام ترجمانٌ فقال: ليكلمني رجل منكم، وفي رواية للطبري: أن كسرى قال له: إنكم معشر العرب أشد الناس جوعاً، وأبعد الناس من كل خير، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة أن ينتظموكم بالنشاب -أي: يقتلوكم- إلا تنجساً لجيفكم، فقال المغيرة رضي الله تعالى عنه: ما أخطأت شيئاً من حقنا، نحن أناس من العرب كنا في شقاء وبلاءٍ شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأرضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبياً من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا ورسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﵊ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيمٍ لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم] . هكذا يكون التوحيد الخالص عزة ورفعة وثقة بالله، وقوة في الدين والعقيدة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه من محبته لغيره، ليس عند القلب أحلى ولا ألذ، ولا أطيب ولا ألين، ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له وإخلاص الدين له. انتهى كلامه ﵀.

стр. 407

تسهيل فعل الخيرات وترك المنكرات تاسعاً: من آثار التوحيد في النفوس: أنه يسهل عليها فعل الخيرات وترك المنكرات: فالمخلص في توحيده تخف عليه الطاعات لما يرجوه من الثواب، ويهون عليه ترك المنكرات، وما تهواه نفسه من المعاصي؛ لما يخشى من سخط الله وأليم عقابه، وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه تألّه ما يهواه، وتصرف عنه المعاصي والذنوب، نعم إن صدق العبد في توحيده صرف عنه الكثير من الذنوب والمعاصي، ألم يقل الحق في القرآن: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عبادنا المخلصين، ويقول الحق : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] . فالمسلم بقدر ما في نفسه من التوحيد يكون إقدامه وحرصه على فعل الخيرات، والعكس بالعكس، ولما عدم تحقيق التوحيد في قلوبهم -أي: في قلوب المنافقين- ثقلت عليهم الطاعات وكرهوها، كما أخبر الله عنهم في القرآن. واسمع إلى ابن القيم رحمه الله تعالى يقول في مدارج السالكين كلاماً جميلاً: اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر ذلك الشعاع وضعفه، وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفاً لا يحصيه إلا الله تعالى، فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس -نسأل الله الكريم من فضله- ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف، ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، وبحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علماً وعملاً، ومعرفة وحالاً، وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد، أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته. انتهى كلامه ﵀. فأهمس في أذن أولئك العاجزين هذه الكلمة إلى أسرى الذنوب والشهوات والمعاصي الذين إذا ذُكِّروا تعللوا بالمشقة والعجز، فإذا قيل لأحدهم: اترك يا أخي تلك المعصية! قال: لا أستطيع، أقول لأولئك كما يقول ابن القيم ﵀: إنما يجد المشقة في ترك المعوقات والعوائد من تركها لغير الله، أما من تركها صادقاً مخلصاً من قلبه لله، فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلةٍ ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب. انتهى كلامه ﵀.

стр. 408

إنارة القلب وشرح الصدر عاشراً: من آثار التوحيد: أنه ينير القلب، القلب يستنير بنور التوحيد وينشرح الصدر، ويجعل للحياة معنى وحلاوة، بل إن لا إله إلا الله! إذا خرجت من قلب صادق تقلب الحياة رأساً على عقب، تجعل النفس من لا شيء إلى كل شيء، انظر لصحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، وخاصةً الموالي. هذا بلال عبد حبشي ليس له من الأمر شيء، فأصبح بلا إله إلا الله المؤذن الأول، ورجلاً من أهل الجنة، وسيداً من سادات الإسلام تهتز له القلوب، ذكر عمر فضل أبي بكر فجعل يصف مناقبه ثم قال: [وهذا سيدنا بلال حسنة من حسناته] سبحان الله! بأي شيء ارتفع ووصل بلال إلى هذه المرتبة؟ بلا إله إلا الله، بكلمة التوحيد، تلك الكلمة التي وقرت في قلبه التي كان يعبر عنها بقوله: [أحد أحد] وهو يسحب على رمضاء مكة، فكان يقول عندما يسئل عن شدة العذاب وتحمله -واسمعوا لكلمته الجميلة- كان يقول رضي الله تعالى عنه: [كان عندي حلاوة الإيمان ومرارة العذاب، فامتزجت مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، فاستعذبت العذاب في ذات الله] سبحان الله! كان مولى من الموالي، فلما آمن بالله، وقف في وجه أسياد مكة يتحداهم بلا إله إلا الله، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه يوم أن نصر ذلك العبد، ورفع اسمه، وأعلى مكانته بلا إله إلا الله. وانظروا لحال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلننظر في سيرته، ألم يتقلد سيفه -كما في بعض السير- ليقتل رسول الله ﷺ ، امتلأ قلبه حقداً وبغضاً لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وإذا به بعد لحظات فيشهد أن لا إله إلا الله، فينقلب ذلك القلب ويتغير الحال -فيا سبحان مقلب القلوب! - يصبح الرسول ﷺ أحب إليه من كل شيء، بل حتى من نفسه كما قال، ويتحول ذلك القلب القاسي المتجبر إلى قلب لين رقيق كثير الخشية والبكاء، ومن لا شيء إلى ثاني رجل بعد أبي بكر ﵄. إنها شمس التوحيد لامست شغاف القلوب؛ فتجلت بها ظلمات النفس والطبع، وحركت الهمم والعزائم.

стр. 409

حفظ النفوس من القتل حادي عشر: من آثار التوحيد في النفوس: حفظ هذه النفوس. أيها الإخوة! بم حفظت دماؤنا، وبم حفظت أعراضنا وأموالنا؟ إلا بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ، قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) فمن قال هذه الكلمة حرم ماله ودمه فقد قال ﷺ : (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) كما في صحيح مسلم. بل اسمع لهذا الموقف العجيب الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: (بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات -وهي موضع في بلاد جهينة - قال: فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله -أي أنه مشركاً- فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله: أقال لا إله إلا الله وقتلته، قال أسامة: يا رسول الله! إنما قالها خوفاً من السلاح، فقال الحبيب ﷺ أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ قال: فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني ما أسلمت إلا يومئذ) بماذا حفظت هذه النفس؟ بتوحيد الله بلا إله إلا الله، ولذلك ترجم النووي لهذا الحديث فقال: (باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله الله) .

стр. 410

تربية النفس على العدل ثاني عشر: من الآثار: الإنصاف وتربية النفس على العدل: فمن أظلم الظلم أن يكون الله هو الذي أوجدك، فيخلق ويحسن الخلق، وينعم ويحسن الإنعام، ويتفضل سبحانه عليك بكل شيء ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:١٨] ثم بعد ذلك كله نقابل ذلك بالنكران والجحود، فنجعل له نداً نمتثل لأمره ونحبه من دون الله، بل نخافه من دون الله، ونرجوه أو نرجو عنده الشفاء، بل ربما صُرف له شيء من العبادة من دون الله، فأين من يعبد الحجر؟ وأين من يطوف بالقبر؟ وأين من يتوسل بالضعفاء والمساكين؟ بل أين من يذهب للسحرة والمشعوذين؟ بل أين من ملكت الدنيا قلبه؟ سبحان الله! الذل والانكسار لأمثال هؤلاء، الطواف وصرف الأموال واللجوء والاستغاثات لهؤلاء، وتنصرفون عن الخالق الذي أنعم وقدر، وخلق وأحسن وتفضل عليك، أليس هذا هو الظلم العظيم؟ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] ؟ ولذلك كان أعظم ذنب عصي الله به هو الشرك بالله ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] وكما قال الحق : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] . وفي بعض الآثار الإلهية أن الله قال: (إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري على العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي) وهذا واقع كثير من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فانظر إلى من تعلق قلبه بالمال، وانظر لمن تعلق قلبه بالقبور، وبالأشجار والأحجار، وانظر إلى من تعلق قلبه بالنساء والشهوة، وانظر إلى من تعلق قلبه بالأموال والشهوات، كالمتعة الحرام والغناء والرياضة وغير ذلك، ملكت عليه قلبه -والله المستعان- انظر لمن تعلق قلبه بالصور، وربما أصبحت مثل هذه الوسائل أصناماً تعبد من دون الله، ليس شرطاً أن يسجد لها وأن يركع، فهو يغضب ويفرح لها، ويبكي لها ويحب ويعادي، ويبغض لها، أليست هذه صور من صور الشرك والله المستعان؟ ولله در ابن القيم ﵀ وهو يقول في المدارج: فلا إله إلا الله كم في النفوس من علل وأمراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة.

стр. 411

عدم الحيرة والتردد ثالث عشر: من آثار التوحيد في النفوس: عدم الحيرة والتردد، وهذا مما ابتلي به الكثير من المسلمين اليوم، كالقلق والحيرة والتردد والهمّ والاكتئاب النفسي، وانظروا في العيادات النفسية لتروا الدليل على ذلك، كلما كان الإنسان موحداً مخلصاً لله منيباً إليه؛ كلما كان أكثر اطمئناناً وراحة وسعادة، وكلما كان الإنسان بعيداً عن الله كلما كان أكثر حيرةً وضلالاً وتردداً، اقرأ إن شئت قول الحق : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١] نقل ابن كثير في التفسير عن ابن عباس قال: [هو الذي لا يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هو الهدى. ] إلى آخر كلامه ﵀. لكن الهدى هدى الله، فأهل التوحيد أكثر الناس نوراً ويقيناً وطمأنينةً وإيماناً، وأبعدهم عن الحيرة والاضطراب والتخبط والتناقض، أما الكفار وأهل البدع والخرافات، فلا تسأل عن بؤسهم وشقائهم فالحيرة والقلق، واليأس والفراغ والملل والضيق والاكتئاب، كلمات تترد كثيراً في كتاباتهم ومؤلفاتهم وعلى ألسنتهم، بل في حياتهم وواقعهم وما ذلك الشباب الضائع الذي يعيش حياة البهائم، وقد دمر نفسه بالمخدرات والجنس والشذوذ والجرائم والانتحار؛ إلا من الدلائل والبراهين لتلك الحيرة، ولذلك التخبط والضلال الذي مزق الإنسان هناك في بلاد الكفر، والخرافات والبدع، بل إن من أبناء المسلمين -للأسف- من يقع فريسةً لهذه الأفكار والتصورات، نعم، انطفأت شعلة التوحيد في نفوسهم، فامتلأت حيرةً وشكاً، واضطراباً وتردداً، فهي تبحث عن السعادة تبحث عن النور تبحث عن الحق، وليس ذلك والله إلا بالتوحيد الخالص لله، بالتوحيد تعرف من أنت؟ ومن أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وماذا يريد الله منك؟ ولولا الله ما كنت موجوداً في الوجود: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦-٨] بالتوحيد تعلم أنه خالق الكون، وموجد هذه النعم، وأنه سخرها لسعادتك وراحتك، فلا يمكن أبداً أن توجد الشمس أو القمر أو النجوم، وكل هذه الأمور المسخرات لك أنت أيها العبد! لا يمكن أبداً أن توجد هذه المخلوقات نفسها، ولا أن توجَد صدفة، فتعين إذاً أن يكون لها موجدٌ، وهو الله رب العالمين. ولهذا لما سمع جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه رسول الله ﷺ (يقرأ في سورة الطور، فبلغ هذه الآيات: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٥-٣٧] قال جبير -وكان مشركاً يومئذ-: كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي) والحديث رواه البخاري. فدعوة لأحبابنا وإخواننا الذين أصابتهم الحيرة والتردد، دعوة إلى أن ينظروا فيمن حولهم ويتفكروا في خلق الله وقدرة الله، وهذا الكون العجيب، ليجدوا الراحة والسعادة بتوحيد الله ، ولا يمكن أبداً أن يكون ذلك إلا إذا كان هدفك أيها المسلم! هو رضا الله لا رضا غيره. أما الحائرون المترددون الغافلون الضائعون، فيعبِّر عن ضياعهم أحدهم في قصيدة له سماها طلاسم، وهي طلاسم تسجل أفكار الضائعين، وخواطرهم وقلقهم، وحيرتهم واضطرابهم، وتورد نماذج لسؤالاتهم واستفساراتهم، يقول فيها: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمضيت وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري؟! أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود؟ هل أنا حر طليقٌ أم أسير في قيود؟ هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود؟ أتمنى أنني أدري! ولكن لست أدري؟ وطريقي ما طريقي أطويل أم قصير؟ هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟ أنا السائر في الدرب أم الدرب يسير؟ أم كلانا واقفٌ والدهر يجري؟ لست أدري؟ إلى أن قال: ألهذا اللغز حلٌ؟ أم سيبقى أبدياً؟ لست أدري؟ ولماذا لست أدري؟ لست أدري؟ أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور؟ فحياة فخلود أم فناء فدثور؟ أكلام الناس صدقٌ؟ أم كلام الناس زور؟ أصحيح أن بعض الناس يدري؟ لست أدري هذه الأسئلة التي أثارها في قصيدته هي أسئلة يرددها المحرومون من نعمة الله، الفاقدون حلاوة التوحيد، وأُنسه وطعمه ورائحته، إن هذه الأسئلة عند الموحدين المؤمنين لا تقلقهم بفضل الله تعلى ومنته، ففي ديننا الإجابة مفصلة عليها، وفي قرآننا وأحاديث نبينا ﵊ الكلام اليقيني الصحيح الصادق عنها، فهذه الأسئلة ليست طلاسم في تصور المسلم الموحد، بل على العكس، هذه الأسئلة وإجابتها هي مصدر اطمئنان المسلم، وثباته وسعادته وراحته، بل هي التي والله تحرك مشاعره، وتجري مدامعه، وتزيده استقامة وتوحيداً، فلا قلق في النفس، ولا اضطراب في الفكر، فالمنهج واحد والمبدأ واضح ثابت لا يتغير، فأنا أعلم من خلقني ولماذا خلقني؟ وإلى أين سأذهب؟ فهذه أسئلة مصدرها اطمئنان المسلم أو مصدر اطمئنان المسلم وراحته. ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية. ويقول -أيضاً-: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. نسأل الله الكريم من فضله.

стр. 412

جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم رابع عشر: ومن آثار التوحيد في النفوس: جمع كلمة المسلمين الموحدين وتوحيد صفوفهم: جمع الله بالتوحيد القلوب المشتتة والأهواء المتفرقة، فما اتحد المسلمون وما اجتمعت كلمتهم إلا بالتوحيد، وما تفرقوا واختلفوا إلا لبعدهم والله عنه، فربهم واحد، ودينهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، ودعوتهم واحدة، هي لا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا الله. أهل التوحيد لا يختلفون في أصول الدين وقواعد الاعتقاد، يرون السمع والطاعة لولاة أمورهم بالمعروف ما لم يأمروا بمعصية، ولا يجوز الخروج عليهم وإن جاروا إلا أن يُرى منهم كفر بواح عليه من الله برهان. أهل التوحيد تتفق في الغالب وجهات نظرهم وردود أفعالهم مهما تباعدت الأمصار والأعصار، فالمصدر واحد.

стр. 413

الجود بالنفس والمال لنصرة الإسلام خامس عشر: ومن آثار التوحيد جود نفوس الموحدين بالمال، والنفس في سبيل الله ونصرة دينه، فأمة التوحيد أمة قوية، تبذل كل غالٍ ونفيس من أجل عقيدتها، وتثبيت دعائمه، غير مبالية بما يصيبها في سبيل ذلك، يقول الحق : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] لم يدخلهم شك ولا ريب، ولا خوف ولا يأس ولا قنوط في حقيقة توحيدهم وعقيدتهم، بل في حقيقة نصرة الله لهم: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] الصادقون في قول لا إله إلا الله، أهل التوحيد أمة واحدة، يأمرهم ربهم بقوله: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١] . فأسألكم بالله! أيها الموحد! أيتها الموحدة! هل جعلت نفسك ومالك وولدك وكل ما تملك في خدمة هذه العقيدة في سبيل لا إله إلا الله؟ ماذا قدمت لدينك وعقيدتك؟ ماذا قدمت لهذا المبدأ العظيم؟ نعجب ونتحسر يوم أن يضحي الكافر من أجل دينه وعقيدته، وهو على باطل، ويوم أن يسخر ويهمل ذلك المسلم من أجل عقيدته وتوحيده وهو على حق. إنما المؤمنون هم أولئك الصادقون في توحيدهم، وفي قولهم لا إله إلا الله، لا يستطيع ذلك إلا من ذاق طعم الإيمان وحقق التوحيد صادقاً من قلبه. مثالٌ واحد أسوقه لكم والأمثلة كثيرة: أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، انظروا لحياة هذا الرجل؛ أسرة كاملة. أولاده عبد الله ومحمد، وبناته عائشة وأسماء وماله وجهده ووقته كلها في سبيل الله، ونصرة دين الله؛ فلما نصروا دين الله بأموالهم وأنفسهم وأولادهم نصرهم الله، ومكنهم وأعلى شأنهم، وصدق الله: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] . أما الخذلان أيها الأحبة! الخذلان والبخل والكسل والفتور، فهي من صفات المنافقين، فلما عدم تحقيق التوحيد في قلوبهم، تركوا الجهاد، وفرحوا بالتخلف عنه، ورضوا بشهوات الدنيا، وبخلوا بأموالهم وتقلبت مواقفهم وردود أفعالهم تبعاً لأهوائهم، فذمهم القرآن بسبب ذلك.

стр. 414

شعور النفس الموحدة بمعية الله تعالى سادس عشر: من آثار التوحيد: شعور النفس الموحدة بمعية الله . قال ابن القيم في الفوائد: فإن قلت بأي شيء أستعين على التجرد من الطمع والفزع؟ قلت: بالتوحيد والتوكل على الله والثقة بالله، وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأن الأمر كله لله ليس لأحد مع الله شيء. انتهى كلامه ﵀. قال الحق : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦] وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] وقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢-٦٤] . وقال جل وعلا في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) فأي فضل يناله صاحب التوحيد؟ فالله معه يحفظه وينصره ويدافع عنه، مما يزيده قوةً وشجاعة وإقبالاً على الله . وابن رجب في رسالته الجميلة الإخلاص قال كلاماً جميلاً فاسمعوه: من صدق في قول لا إله إلا الله، ولم يحب سواه، ولم يرج سواه، ولم يخش أحداً إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقيةً من آثار نفسه وهواه، ومع هذا فلا تظن أن المحب مطالب بالعصمة، وإنما هو مطالب كلما زل أن يتلافى تلك الوسمة. انتهى كلامه ﵀.

стр. 415

العلم والبصيرة سابع عشر: من آثار التوحيد في النفوس: العلم والبصيرة فمن عرف التوحيد وحقيقته عرف عكسه من الشرك وحقائقه وأباطيله، بل عرف احتيالات أهل الشرك ومكرهم، فيجزم الموحد بكفرهم وعدواتهم، ولذلك قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ذاكراً الناقض الثالث من نواقض الإسلام: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم. إذاً: فالعلم والبصيرة من آثار التوحيد على النفوس أو في النفوس، وفي صحيح مسلم من طريق أبي مالك سعد بن طارق عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم دمه وماله وحسابه على الله) فلا يكفي إذاً لعصمة دم المسلم أن يقول لا إله إلا الله، بل لا بد أن يضيف إليها الكفر بما يعبد من دون الله، فإن لم يكفر بما يعبد من دون الله لم يحرم دمه وماله.

стр. 416

محبة أهل الإيمان وبغض أهل الكفر ثامن عشر: محبة أهل الإيمان وموالاتهم وبغض المشركين ومعاداتهم، فالتوحيد يظهر الأعاجيب في النفوس الموحدة، فمن حقد وبغض وعداء إلى حب ومودة وإخاء، وما صنعه التوحيد في نفوس المهاجرين والأنصار من مواقف يجب ألا تنسى، بل لا بد أن تروى وتروى لنرى الأثر النفسي العجيب بالتوحيد الصادق. أخرج البخاري في صحيحه في كتاب المساقاة: باب كتاب القطائع عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (دعا النبي ﷺ الأنصار ليقطع بـ البحرين، فقالوا: يا رسول الله! إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها، فلم يكن ذلك عند النبي ﷺ فقال: إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني) . قال ابن حجر: وفي الحديث فضيلة ظاهرة للأنصار لتوقفهم عن الاستئثار بشيء من الدنيا دون المهاجرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فحصلوا بالفضل على ثلاث مراتب: إيثارهم على أنفسهم، ومواساتهم لغيرهم، والاستئثار عليهم. انتهى كلامه ﵀. وأخرج البخاري -أيضاً- في صحيحه في كتاب المناقب مناقب الأنصار (باب إخاء النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (لما قدموا المدينة -أي: المهاجرين- آخى رسول ﷺ بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع -أي: بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع - قال سعد لـ عبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك أين سوقكم؟!) الحديث. سبحان الله! أي حب هذا الذي أحدثه التوحيد في نفوس المؤمنين؟! أي مودة بين المسلمين الموحدين الصادقين؟! هكذا التوحيد يفعل بأهله! أما بغض المشركين فنحن وإياهم على طرفي نقيضٍ، فقد يتساءل البعض: لماذا نبغض المشركين؟ ولماذا يأمرنا الإسلام ببغض المشركين؟ فأقول: لأننا وإياهم على طرفي نقيضٍ، فنحن أهل توحيدٍ وهم أهل شرك، وبيننا وبينهم عداوة وبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، كما قال تعالى، بل العجب أنهم إن آمنوا بالله وحده كانوا من إخواننا ومن أحب الناس إلى قلوبنا، كما قال الحق : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] فكيف بمن ينصرونهم من أهل التوحيد؟ وكيف بمن يعينونهم أو يعاونونهم على المسلمين في بعض الأحايين؟ بل كيف بمن يحبهم ويقربهم؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] كيف بمن يأتي بهم وربما يقدمهم على المسلمين؟ فأين هم عن حقيقة التوحيد؟ وصدق ابن الجوزي ﵀: إنما يتعثر من لم يخلص. ولا شك أن هذا كله بسبب الإعراض عن تعلم العلوم الشرعية، وعدم الفقه في دين الله، خاصة في التوحيد والعقيدة، ولو أن المسلمين صاروا يداً واحدة، وحققوا معاني التوحيد كما يريدها الله ، وتناصروا فيما بينهم لصار لهم شأن غير ما نحن فيه الآن، ولصار الكفار أذلاء ونحن نرى حال الناس، وكيف تنقض عرى إسلامهم عروة عروة! ومما انتقض من عُراه: الحب في الله والبغض في الله، والمعاداة لله وفي الله، كما جاء في الحديث المشهور: (إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) وأنت ترى حال الكثير حبه لهواه، وبغضه لهواه، ولا يسكن إلا لمن يلائمه في طبعه وهواه، وإن غره وأغراه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أيها الأحبة! إن للتوحيد آثاراً على النفس الموحدة، لا بد أن تظهر عليها، فمن لم يجدها فليراجع توحيده، وليحاسب نفسه، وذكرنا من الآثار ما ذكرناه وتركنا ما تركناه لحال المقام، فالمقام هنا مقام تذكير وإرشاد وليس تعليم وتحصيل وتأصيل. أسأل الله أن ينفع بما قيل، وأن يغفر لنا الزلل والخطأ والتقصير، اللهم لك الحمد على نعمة الإيمان، ولك الحمد على نعمة التوحيد، ولك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعم تترى، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا من بيده ملكوت السماوات والأرض! اللهم احفظ أمننا وإيماننا، اللهم احفظ توحيدنا، اللهم احفظ عقيدتنا في قلوبنا ونفوسنا، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام، وأراد هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين بسوء اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، اللهم اكفناهم بما شئت فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز! اللهم اهد أهل البدع والضلالات، اللهم اهدهم إليك وردهم إليك رداً جميلاً، اللهم افتح على قلوبهم، اللهم أرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه. اللهم يا قوي يا عزيز اللهم قوِ إيماننا وأعنا على أنفسنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم وفقهم وأعنهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين. اللهم يا حي يا قيوم! مُنَّ علينا بتوبة صالحة صادقة تمحو بها فساد قلوبنا، وتصلح بها نفوسنا، اللهم أصلح أزواجنا، وأصلح أولادنا، وأصلح بناتنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم أنت ولي ذلك والقادر عليه، اللهم لا تحرمنا أجر هذا المجلس، اللهم لا نخرج من مجلسنا هذا إلا وقد قلت لنا بمنك وفضلك يا كريم: قوموا مغفوراً لكم، اللهم اغفر لنا وتب علينا لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 417

طريقنا للقلوب حسن الخلق هو شعار هذا الدين، وميزة النبي ﷺ بل هو أقصر طريق يصل بك إلى أبعد القلوب. وقد حرص الشيخ حفظه الله على إبراز أهم خصائص هذا المعلم، منبهاً على وجوب التزام أهل الإسلام به، وخاصة الدعاة، ضارباً أمثلة لذلك من أخلاقه ﷺ ، وأخلاق سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.

стр. 418

توطئة في الأخلاق الحسنة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه هي ليلة الثلاثاء الموافق للرابع عشر من شهر محرم من عام (١٤١٨هـ) وبهذا الجامع المبارك في مدينة الرس، وهذا هو الدرس الأول من سلسلة الدروس الشهرية في مكارم الأخلاق والآداب، وهو الرابع والأربعون في التسلسل العام، وعنوان هذا الدرس: (طريقنا للقلوب) . وطريقنا أعني به: كل مسلم ومسلمة يحب أن تشيع الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وكل مسلم ومسلمة يحب الخير والبر والمعروف والإحسان ومكارم الأخلاق. أما القلوب فهي: قلوبنا جميعاً. فنحن بحاجة لفن التعامل مع بعضنا لبعض، بحاجة إلى تعميق روابط الأخوة الإسلامية ومعانيها نحن بحاجة أيها الأحبة! إلى تحقيق القاعدة الشرعية: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) كما في حديث أنس المتفق عليه. بحاجة إلى الحوار الهادئ، والتعامل المهذب، والاحترام المتبادل، إلى أن نظهر محاسن هذه العقيدة؛ لنصبح نحن المسلمين قدوات لبعضنا، ومفاتيح خير لغيرنا من أهل الملل والنحل، بحاجة إلى أن نكسب قلوب بعضنا، وأن نكسب قلوب أهل الأديان الأخرى بصدق التوحيد، وحسن المعاملة، وجميل الأخلاق؛ لتذوق طعم الإيمان، ولتعرف حقيقة الإسلام. نريد أن نكسب القلوب ليس بالمجاملة ولا بالمداهنة، ولا بتمييع ديننا ولا بتمزيقه، ولا بالتنازل عن المبادئ والأهداف، وإنما بمكارم الأخلاق، كما قال ﷺ : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والحديث عند أحمد في المسند والبزار، وهو من بلاغات مالك في الموطأ، قال ابن عبد البر: هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره. انتهى كلامه.

стр. 419

الغاية من كسب القلوب ولماذا كسب القلوب؟ ليس من أجل الدنيا، ولا متاعها ولا زخرفها، ولا من أجل أنفسنا وإظهار محاسنها وتواضعها، لا والله! بل ولا من أجل تملق الناس وطلب محامدهم وثنائهم؛ إنما من أجل ربنا تعبداً وتقرباً (فإن الله يحب معالي الأخلاق، ويبغض سفسافها) كما في المعجم الكبير للطبراني وإسناده صحيح كما قال العراقي. واتباعاً لحبيبنا وقدوتنا ﷺ ، فقد كان أحسن الناس خلقاً، وكسباً لحب وقرب نبينا يوم القيامة كما قال صلوات الله وسلامه عليه: (إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً) والحديث أخرجه الترمذي وحسنه. وتطبيقاً لتعاليم شرعنا وآداب ديننا قولاً وعملاً، وسراً وعلناً، فقد قال ﷺ : (وخالق الناس بخلق حسن) وشوقاً للجنان وتثقيلاً للميزان يوم أن نلقى الله، فقد قال ﷺ : (فأكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق) كما عند الترمذي وقال عنه: صحيح غريب (وما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن) كما في الترمذي وأبي داود، وتخلقاً وتأدباً وإيماناً (فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) كما في الترمذي وقال: حسن صحيح. والله يقول عن رسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] . إذاً: فهذه الفضائل وأمثالها مما يحثنا ويشجعنا على اكتساب محاسن الأخلاق، وتطبيع نفوسنا عليها، إخلاصاً لوجه الله، وطلباً لرضاه فهي عبادة عظيمة وقربة من أجَلِّ القربات (فإن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم) كما عند أبي داود من حديث عائشة وصححه الألباني كما في الصحيحة. إذاً: فهذا هو طريقنا للقلوب، خططته لكثرة شكاية الناس بعضهم من بعض، فالزوج يشكو من سوء تعامل زوجه، والطالب يتظلم من أخلاق أستاذه، والموظف يتسخط من رئيسه ومديره، والمكفول يئن ويتوجع من سوء تصرف كفيله، حتى الصاحب لم يسلم من صاحبه وخليله، فبحثت عن العلاج فكان هذا الموضوع. إذاً: فهو رسالة إلى كل مسلم ومسلمة إلى كل الطيبين والطيبات إلى كل المعلمين والمعلمات إلى كل الأزواج إلى كل موظف إلى كل مسلم يسافر خارج البلاد إلى كل أحد يحب أن يرى الألفة والمحبة ترفرف على المجتمع الإسلامي.

стр. 420

أسباب تعين على حسن الخلق أيها المسلمون! لنحرص على مكارم الأخلاق والتحلي بها، وذلك بالصبر ومجاهدة النفس وترويضها. هذا أولاً. وثانياً: بصحبة الصالحين، والنظر في سيرهم وأخلاقهم. ثالثاً: بمداومة القراءة والاطلاع في كتب الأخلاق، كـ الأدب المفرد للبخاري، ومكارم الأخلاق لـ ابن أبي الدنيا وللخرائطي، وكتب الشمائل وأخلاق النبي ﷺ . ومن أجمل الكتب المعاصرة التي وقفت عليها في هذا الموضوع: الأخلاق الفاضلة للرحيلي، وهو كتاب جميل، وهذه أخلاقنا للخازن دار، وسوء الخلق للحمد وغيرها كثير. إذاً: فلنحرص على التحلي بالأخلاق، ومن يتصبر يصبره الله، فإن أردت الوصول للقلوب، بل إلى رضا علام الغيوب ، فتنبه لهذه النقاط الثلاث الماضية، ثم احرص على سماع هذا الموضوع مرات ومرات، فإنما العلم بالتعلم، واستعن بالله وأكثر الدعاء والتضرع إليه (أَنْ كما أحسنت خَلقي فأحسن خُلقي) كما كان ﷺ يقول، كما عند أحمد وصححه الألباني. وقل: (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء) كما في الترمذي وهو صحيح. وقل أيضاً بل وردد في كل وقت: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت) كما في صحيح مسلم. فهذا أحسن الناس خلقاً، والذي أثنى الله عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] لا يترك ﵌ الدعاء والتضرع إليه أن يعينه على تهذيب نفسه والتحلي بأحسن الأخلاق، فكيف بي وبك؟ بل كيف بنا جميعاً؟ فإنه لا حول ولا قوة لنا إلا بالله جل وعلا. وبعد هذه التوطئة، إليك عرضاً لعناصر الموضوع وهي: - العقيدة والأخلاق. - واقعنا ومكارم الأخلاق. - الدعاة الصامتون. - الأخلاق تصنع الأعاجيب. - همسة في أذن موظف. - وأخرى للمعلمين والمعلمات. - هل يمكننا تغيير أخلاقنا. - سهام للصيد. - الازدواجية في الأخلاق. - أخلاق النبي ﷺ . - خلاصة الدرس. فأبدأ مستعيناً بالله، سائلاً إياه الصدق والإخلاص في الأقوال والأعمال.

стр. 421

العقيدة والأخلاق للأخلاق صلة وثيقة بالإيمان والعقيدة، قال ابن القيم يرحمه الله: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين. يقول صاحب رسالة جميلة بعنوان: صلة الأخلاق بالعقيدة والإيمان يقول فيها: إن المتمعن في أحوال الناس يجد كثيراً من المسلمين يغفل عن الاهتمام والاحتساب في هذا الجانب، وقد يجهل الصلة الوثيقة بين محاسن الأخلاق وقضية الإيمان والعقيدة، فبينما تجد الشخص يظن أنه قد حقق التوحيد ومحض الإيمان، تراه منطوياً على ركام من مساوئ الأخلاق والنقائص التي تخل بإيمانه الواجب، أو تحرمه من الكمال المستحب، كالكبر والحسد وسوء الظن والكذب والفحش والأثرة وغير ذلك، وقد يكون مع ذلك جاهلاً بضرر هذه الأمور على عقيدته وإيمانه، أو غافلاً عن شمولية هذا الدين لجميع مناحي الحياة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] . إن تحقيق التوحيد -والكلام ما زال لصاحب الرسالة- وتكميل الإيمان ليس باجتناب الشرك الأكبر فحسب، بل باجتناب كل ما ينافي العقيدة، وكل ما يخل أو يقدح في كمال التوحيد والإيمان إلى آخر كلامه هناك. إذاً: فليست العقيدة متوناً تردد، ونصوصاً تحفظ، بل لا بد أن تتحول إلى واقع عملي في الحياة والتعامل بين الناس، ولما حصل هذا التصور عند بعض الناس ظهر انفصام نكد، وازدواجية بين مفهوم الإيمان ومقتضياته، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى.

стр. 422

واقعنا ومكارم الأخلاق إن الناس اليوم في عرض الأرض وطولها بحاجة إلى من يقف معهم ويعينهم، ويزيل عنهم الهمّ والقلق، ويدلهم على طريق السعادة والراحة النفسية، ويأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة والأمان، حتى وإن قامت الحضارات، وصنعت المخترعات، وتوالت الإنجازات، فكل ذلك من أجل سعادة الإنسان وتكريمه، لكن -وللأسف- البشرية تغرق اليوم تغرق في بحر الدنيا، ويلهث الكثير منهم وراء المال والتجارة، والشهوات واللذات، والرياسة والسيادة بأي طريق وبأية صورة ومهما كان الثمن، المهم الوصول للمراد، وهذا هو الواقع الغالب على الناس اليوم إلا ما شاء الله. في خضم هذا اللهثان، وفي وسط هذا الإغراق، يتلفت البعض ليبحث عن المثل والمبادئ والأخلاق والآداب في صفوف الناس، وربما سمع عن التبشير، وهو شعار أعلنه المنصرون وتسموا به، بل وتمثلوه للأسف! يقول أحد الإخوة: في يوم من الأيام كنت أراجع طبيباً في أحد المستشفيات، وكنت أرى حسن تعامله، وإظهار حرصه بالمريض وحالته، تبادر إلى ذهني أنه أحد المنصرين، فقد كنت أقرأ وأسمع عن وسائلهم وأساليبهم، يقول: لكني قطعت هذا الخاطر أخذاً بحسن الظن، خاصةً وأنه عربي، وفي بلد مسلم، لكني عرفت فيما بعد أنه يدين بـ النصرانية، وربما كان منصراً أو مبشراً -كما يقولون- انتهى كلامه. أيها الإخوة والأخوات! أليس المسلمون أولى بهذه التسمية (التبشير) وبهذه الأخلاق؟ ألم يقل الحق : ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام:٤٨] ؟ ألم يقل ﵌: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) كما في البخاري؟ ألسنا كمسلمين أولى بهذا التلطف والتودد للناس؟! ألسنا أولى بالتحلي بالأخلاق وبث الأمل في النفوس؟ لماذا هذا الجفاء والإعراض؟! وهذا التنفير والانقباض عند بعض المسلمين؟! لقد أثرت الماديات والحضارات على أخلاقنا، وتعاملنا مع بعضنا بشكل كبير، حتى ظن البعض أنه لا يمكن الجمع بين التقدم الحضاري والكسب المادي، وبين التحلي بالأخلاق والآداب، حتى قال أحدهم: لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة وأصبحت منها بعد عسر أخا يسر لقد كشف الإثراء عنك خلائقاً من اللؤم كانت تحت ستر من الفقر فإننا لا نكاد نسمع عن ذي شرف أو تاجر أو جاه أو منصب وقد تحلى ببعض الأخلاق والآداب، إلا ويتذاكره الناس إطراءً ومدحاً وتعجباً أن يكون بمثل هذا المكان، ويتمتع بمثل هذه الأخلاق. أيها الإخوة! إن من ينظر ويقرأ عن دين الإسلام خاصةً في باب الأخلاق والآداب والمعاملة، ليعجب أشد العجب من عظمة هذا الدين، ودقة مراعاته للمشاعر والعواطف، وحرصه على نشر المحبة والمودة! اسمعوا لهذا الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف) والحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وهو صحيح. لماذا يأخذ بأنفه؟ وما علاقة الأنف بما صنع؟ إنها عظمة هذا الدين، ودقة عنايته بمشاعر النفس، والحفاظ على أحاسيسها، يأخذ بأنفه؛ ليوهم من بجواره أن به رعافاً فلا يفتضح أمره فيحرج ويخجل. قال الخطابي في بذل المجهود شرح سنن أبي داود: إنما أمره أن يأخذ بأنفه؛ ليوهم القوم أن به رعافاً، وفي هذا الباب من الأخذ بالأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح والتورية بما هو أحسن، وليس داخلاً في باب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس. ارض للناس جميعاً مثل ما ترضى لنفسك إنما الناس جميعاً كلهم أبناء جنسك غير عدل أن توخى وحشة الناس بأنسك فلهم نفس كنفسك ولهم حس كحسك إن من ينظر للواقع يرى العجب في الإفلاس الأخلاقي الذي تعيشه كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم! بل هناك من انبهر بالحضارة الغربية فنقلها للمسلمين بقضها وقضيضها وإيجابها وسلبها. ونحن مع دعاة التقدم والحضارة في الاستفادة من التكنولوجيا والصناعة، وكسب المهارات والخبرات، لكننا نقول وعلى لسان كل مسلم صادق وغيور: لا وألف لا لاستيراد العادات والتقاليد الغربية، والانحلال الخلقي باسم الحرية وحقوق المرأة، أما إقحام الفضيلة والستر والعفاف ومكارم الأخلاق في التقدم والتخلف المزعوم فخدعة مكشوفة، لا تنطلي إلا على غافل ساذج في فكره دخن، أو في قلبه مرض. إن في أخلاقنا وآدابنا كمسلمين، بل وعاداتنا وتقاليدنا كعرب، ما يملأ قلوبنا بالفخر والاعتزاز والرفعة والسيادة، فالله اختار لنا مقاماً عزيزاً ومكاناً شريفاً، فقال جل وعز: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] . فأسألكم بالله! هل هذا المقام يناسب ما يفعله بعض الغافلين والغافلات من تشبه وتقليد بأهل الكفر والشرك في عاداتهم ولباسهم وسيئ أخلاقهم؟ فأنت أيها المسلم! يجب أن تكون متبوعاً لا تابعاً، وقائداً لا منقاداً، بصفاء عقيدتك، وثبات مبدئك، وتعاليم دينك السمحة، وحسن أخلاقك، فلم لا نعتز بالشخصية الإسلامية؟ ولم لا نعلن للعالم كله أننا أهل دين وخلق؟! وأن لنا صبغةً خاصةً تميزنا عمن سوانا هي: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨] ؟!

стр. 423

الدعاة الصامتون أيها الإخوة! إننا نملك كنزاً عظيماً هو كنز الإيمان، لكنه الإيمان حقيقةً لا صورةً، الإيمان الذي لامست حلاوته شغاف القلوب، فظهرت تلك الحلاوة على جوارح ذلك المسلم في أقواله وأفعاله وصفاته، فيوم ذاق طعم الإيمان؛ عرف حقيقة الاستقامة والالتزام، وأثر ذلك في سلوكه وصدقه ومعاملته. يذكر التاريخ لنا أن الإسلام وصل إلى جنوب الهند وسيلان وجزر المالديف وسواحل الصين والفلبين وإندونيسيا وأواسط إفريقيا عن طريق تجار مسلمين، لكنهم مسلمون بحق، لم يؤثر عليهم بريق ولمعان الدينار والدرهم، بل تجسد الإسلام في سلوكهم وأمانتهم وصدقهم، فأُعجب الناس بهذه الأخلاق، فبحثوا وسألوا عن مصدرها، فدخلوا الإسلام عن رغبة واقتناع. إن من أكبر وسائل التأثير على القلوب والنفوس هو التميز في الأخلاق المتمثل في القدوة الصالحة، بل هو أعظم وسيلة لنشر الإسلام في كل مكان، ومن تتبع سيرة المصطفى ﵊ وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله، وخاصةً في دعوته إلى الله تعالى؛ فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجاً بفضل الله تعالى ثم بفضل حسن خلقه ﵊. فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم! فهذا يسلم ويقول: [والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ] وذاك يقول: [اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً] تأثر بعفو النبي ﷺ ، ولم يتركه على تحجير رحمة الله التي وسعت كل شيء بل قال له: (لقد تحجرت واسعاً) والآخر يقول: [فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه] والرابع يقول: [يا قومي أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة] والخامس يقول: [والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ] والسادس يقول بعد عفو النبي ﷺ عنه: [جئتكم من عند خير الناس] ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير، والأمثلة كثيرة في سيرته ﷺ . كل الأمور تزول عنك وتنقضي إلا الثناء فإنه لك باقي ولو أنني خيرت كل فضيلة ما اخترت غير محاسن الأخلاق ذكر لي أحد الإخوة: أن شباباً من العرب في إحدى الدول الغربية استأجروا غرفاً من عجوز غربية، فلما انتهت مدة الإيجار رفضوا التسديد، وهربوا بحجة أنها كافرة، وأنهم -أي الكفار- هم الذين نهبوا أموالنا كعرب. سبحان الله! بأي منطق وأي عقلية يتعامل أمثال هؤلاء؟ إنه الهوى والجهل بتعاليم وآداب هذا الدين، ألم يعقد العلماء أبواباً في كتب العقيدة والفقه في معاملة المسلم لغير المسلم؟ ومعاملة المحارب للمسلمين وغير المحارب؟! كيف نريد أن نفخر بالإسلام ونحن أول من جهل أحكامه وتخلى عن آدابه؟! قال محدثي: وكنت أرغب الإيجار من هذه العجوز فرفضت، خاصةً عندما علمت أنني مسلم، وقالت: أنتم أيها المسلمون لصوص، يقول: وسألتها عن سبب هذا الاتهام، فحدثتني بقصتها مع هؤلاء الشباب، قال: فحرصت على تغيير هذه الصورة عنا كمسلمين، وبعد محاولات وإغراءات وتعهدات بالدفع مقدماً، وافقت على تأجيري، ووافقت رغم ارتفاع السعر، وسكنت ولا زلت أقدم لها العون، وأظهر لها آداب الإسلام، وأجاهد نفسي على التحلي بالفضائل مع تذكيرها في بعض الأحيان بأن هذا من آداب الإسلام، وأن ديننا يحثنا على هذه الأخلاق. يقول: فلما حان رحيلي وعند لحظة الوداع، فإذا بها تقول لي ودمعتها على خدها: يا بني! وصيتي لك أن لا تموت إلا على هذا الدين. رحم الله علي بن أصمع لما حضرته الوفاة جمع بنيه، فقال: يا بني! عاشروا الناس معاشرةً، إن عشتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم. أيها الأخ! إنما الدنيا حديث، فإن استطعت أن تكون منها حديثاً حسناً فافعل، إننا بحاجة إلى من يجسدون مبادئ الإسلام في سلوكهم، ويترجمون فضائله وآدابه في حركاتهم وسكناتهم حتى مع الكفار. فمن أهم مظاهر علاقة المسلم بالكافر غير المحارب للمسلمين: كف الأذى والظلم، وعدم التعدي عليه وعلى حقوقه، والتزام مكارم الأخلاق معه من الصدق والأمانة، وغيرها من أخلاق الإسلام الحميدة، وجواز إيصال البر والمعروف إليه. ففي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب [أهدى حلةً له إلى أخ له مشرك بـ مكة كانت قد جاءته من النبي ﷺ ] . وفي البخاري -أيضاً- أن ابن عمر ذُبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: (أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) . وليس القصد هنا بيان تفصيل هذه المسألة، وإنما الإشارة لها لارتباطها بالأخلاق، لكن تنبه واحذر كل الحذر أن تختلط عليك الأمور، ففرق بين حسن المعاملة ومكارم الأخلاق والبر والإحسان للكافر غير المحارب، وبين الموالاة والمحبة والمودة له، أو تفضيله على أحد من المسلمين، أو مجاملته على حساب دينك وعقيدتك، كتهنئتهم أو إهدائهم بمناسبة أعيادهم ونحو ذلك، فإن ذلك كله حرام لا يجوز، وضابط ذلك النصوص من الكتاب والسنة، وأقوال أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين. فإنما عنيت بهذا الموضوع معاملة المسلم للمسلمين، أما معاملته للآخرين من أهل الملل والنحل فله أصوله وضوابطه.

стр. 424

الأخلاق تصنع الأعاجيب إن النفس أياً كانت ومهما بلغت من الانحلال والفساد والتجبر والعناد فإن فيها خيراً كثيراً قد لا تراه العيون أول الأمر، فقط شيء من العطف على أخطائهم، وشيء من الود الحقيقي لهم، وشيء من العناية بهم. لنحاول أيها الإخوة! تلمس الجانب الطيب في نفوسهم، ابدأهم بالسلام، ابتسم لهم، اثن على الخير الذي فيهم، وقبل ذلك كن صادقاً ومخلصاً غير متصنع ولا مجامل، عندها ستتفجر ينابيع الخير في نفوسهم، وسيمنحوك حبهم وثقتهم مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، ولقد جُرِّب ذلك كثيراً. أذكر أنني قابلت أحد هؤلاء، فسلمت وابتسمت وأثنيت على صفة طيبة فيه، وأنا صادق، فلن يعدم إنسان مزية حسنة تكون مفتاحاً لقلبه، فانكشف لي قلب لين رقيق سرعان ما سالت دمعات على وجه تلطخ بسواد المعصية والشهوة، وكان قد شكا جفاء بعض الناصحين وتعجلهم عليه. أيها الإخوة! كم نخطئ عندما نحكم على الآخرين بمجرد النظر للظاهر. فهذا عمرو بن العاص يحدث عن نفسه فيقول: [لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته] وبعد أن أسلم وعرفه عن قرب، انقلب الحال فقال: [وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه] كما في صحيح مسلم. إننا نظلم أنفسنا ونظلم الآخرين عندما نحقد على هؤلاء ونتخوف منهم، والحل هو: أن تنمو في نفوسنا بذرة الحب والعطف على الآخرين، والصبر عليهم، وباختصار: إنها الأخلاق وفن التعامل مع الناس. يا أهل القرآن! ألم نقرأ في القرآن قول الحق : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] ؟ ألم نقرأ قول الحق: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] ؟ في الآية الأولى: (قولٌ حسن) وفي الثانية: (أحسن) فأين نحن من قول الحسن فضلاً عن قول أحسن الحسن ورسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) كما في صحيح مسلم؟! فإن كانت الرحمة والإحسان تصل إلى هذه الدرجة من الرفق، وحسن التعامل حتى مع الحيوان، فكيف بالرحمة والإحسان مع بني الإنسان؟ قال أحد الإخوة: في موسم للأمطار وأنا على سيارتي مررت بغدير ماء لم أنتبه له، فتراشقت المياه على الجانبين، كان النصيب الأكبر منها لشباب جلسوا على عتبة أحد الأبواب، ويا ليت شعري لو رأيت حالهم وقد تبدلت، فالثياب البيضاء كأنها سوداء، والشعرات السوداء خضبت بالطين والماء، فرجعت إليهم، يقول: ولم أنتبه إلا على أصوات السب واللعان، ومناداتي للرفس والطعان، يقول: فرجعت إليهم مسلماً معتذراً متأسفاً، فيا سبحان مقلب القلوب! تحول السب واللعان إلى ترحيب وسلام، ودعوة إلى الطعام، بل إلى إخاء ووئام. انتهى كلامه. فيا أيها الأحبة! أقول باختصار: إنها الأخلاق تصنع الأعاجيب، نخطئ كثيراً عندما نعتزل بعض الناس؛ لأننا نشعر أننا أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو أزكى منهم عقلاً. قال رجل لـ عبد الله بن المبارك: عظني، قال ابن المبارك: [إذا خرجت من منزلك، فلا يقعن بصرك على أحد إلا رأيت أنه خير منك] . (وليس معنى هذا أن نتخلى عن مبادئنا ومثلنا السامية، أو نتملق أو نجامل، لا. ولكنها الحكمة والموعظة الحسنة وفن التعامل مع الآخرين) . مقتبس من رسالة بعنوان أفراح الروح. أيها المحب! انظر لفن التعامل ومحاسن الأخلاق ماذا تفعل؟ هذا عكرمة بن أبي جهل ورث عداوة الإسلام عن أبيه، وقاتل المسلمين في كل موطن، وتصدى لهم يوم فتح مكة، ثم فر إلى اليمن، بعد أن أهدر النبي ﷺ دمه، فتأتي زوجه أم حكيم بعد إسلامها لرسول الله تطلب الأمان لزوجها فيقول لها -بأبي هو وأمي- ﷺ : (هو آمن) ويقول لأصحابه: (يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً، فلا تسبوا أباه؛ فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت) فيأتي عكرمة بين يدي المصطفى ﷺ ، فيقول عكرمة: [أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، وأنت أبر الناس وأصدق الناس وأوفى الناس، أما والله يا رسول الله! لا أدع نفقةً كنت أنفقها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالاً في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله] . لمسة حانية من نبي الرحمة ﵌ نقلت ابن فرعون هذه الأمة إلى صف أولياء الرحمن، وجعلته يندم هذا الندم، ويعزم هذا العزم، ويتحول هذا التحول، إنها الأخلاق تصنع الأعاجيب!

стр. 425

همسة في أذن موظف أيها الموظف! أيّاً كان موقعك، وفي أي مكان كنت، إنك لم تجلس على هذا الكرسي الذي أنت عليه إلا من أجل خدمة الناس، وقضاء حوائجهم، وأداء الأمانة التي تحملتها. أفلا ترى أنك بحسن الاستقبال والابتسامة، وإظهار الاهتمام بالمراجع وحاجته، تملك قلوب الآخرين؟ حتى وإن لم تقض حاجتهم، وربما خرجوا من عندك بنفس راضية، ولسان يلهج بالثناء والدعاء، بل ربما أثنوا عليك ورفعوا ذكرك بكل مجلس، كل هذا وأنت لم تقض حاجتهم، بل ملكتهم بحسن الأخلاق، فكيف لو استطعت قضاء حاجتهم وتيسير أمرهم؟ أيها الحبيب! انظر للنتيجة التي وصلت إليها: كسبت القلوب، والذكر الحسن، وقبل ذلك كله كسبت رضا الله تعالى، ألم يقل ﷺ : (وابتسامتك في وجه أخيك صدقة) ؟ ألم يقل ﷺ : (والكلمة الطيبة صدقة) ؟ ألم يقل ﷺ : (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) ؟ ألم يقل ﷺ : (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) ؟ ألم يقل صلوات الله وسلامه عليه: (خير الناس أنفعهم للناس) ؟ إذاً: فأنت أيها الموظف! في عبادة وأنت على مكتبك، فقط استعن بالله وأخلص النية لله، واتصف بمكارم الأخلاق، واحرص على نفع الناس؛ ستجد التوفيق في الدنيا والآخرة، ذكر حسن وجميل وحب وتقدير، هذا في الدنيا، وأجر كبير من العليم الخبير في الآخرة، كل هذا من خلال عملك ووظيفتك -أجر وغنيمة- والموفق من وفقه الله. وربما قلت: الناس لا يرضيهم إلا تلبية رغباتهم، وتنفيذ ما يريدون، بل ربما قلت: إن ميزان الناس اليوم في الحكم على الآخرين هو مصالحهم الشخصية. فأقول لك: نعم. هذا هو واقع الحال، ونحن لا نبرئ أنفسنا، ولكن أخي الحبيب! هب أنك بذلت لهم ما استطعت وتخلقت معهم بأحسن الأخلاق ولم يرضوا عنك، أليس حسبك أن يرضى الله عنك؟ فإنه يعلم أنك قدمت وبذلت ما بوسعك إذاً فأجرك على الله، وإن لم يرض الناس فتذكر دائماً (أن من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس) . فاحرص على فضائل الأخلاق وفن التعامل مع الناس، فإن الرسول ﷺ يقول: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً) كما في البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو. يا من رزقه الله مكانةً ووجاهةً! اعلم أن زكاتها الشفاعة والإعانة للمحتاجين، على أن لا يبخس بها حق الآخرين، فإن الشفاعات من أعظم العبادات إذا قصد بها وجه الله . كتب الحسن بن سهل لرجل كتاب شفاعة؛ فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن: يا هذا علام تشكرنا؟ إنا نرى الشفاعات زكاة مروءتنا، ثم أنشد يقول: فرضت عليّ زكاة ما ملكت يدي وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع فاجهد بوسعك كله أن تنفعا
следующие страницы →