Полный текст (230 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
مسألة: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج ؟
ثم المؤلف ﵀ طوى ذكر هل رأى النبي ﷺ في تلك الليلة ربه أو لا؟ لأنه لا دليل على أنه رأى ربه، ولعل المؤلف ﵀ أتى بالمعراج بعد ذكر الرؤية إشارة إلى الخلاف في هل النبي ﷺ رأى ربه في ليلة المعراج أو لا؟ والعلماء في هذا لهم قولان: القول الأول: أنه لم ير ربه بعينيه التي في رأسه، وهذا قول جمهور العلماء، وعليه المتقدمون والمتأخرون أنه لم ير النبي ﷺ ربه رؤية معاينة؛ لأنه لا يراه أحد قبل الآخرة قبل الموت، كما قال جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] في قوله لموسى، وكما قال النبي ﷺ : (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) .
وذهب بعض العلماء إلى أنه رآه بفؤاده، وهذه الرؤية ليست مقيده بالمعراج؛ لأنهم يقولون: رآه بفؤاده مرتين ورؤية الفؤاد هي رؤية القلب، وهي غير رؤية المنام؛ لأن رؤية المنام لا إشكال في إثباتها.
ولكن لا تقول كيف رآه بفؤاده فإن هذا أمر لا يدرك، لكن رآه بفؤاده هكذا قال الإمام أحمد وابن عباس، وورد عنهم إثبات الرؤية مطلقاً للنبي ﷺ يعني: دون تقييد، فما ورد عنهم مطلقاً يحمل على المقيد.
ثم قال ﵀: (فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى) حق أن يصلى عليه ﷺ لما ميزه الله به من الفضائل والمناقب، ومعنى الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الثناء عليه في الملأ الأعلى، هكذا قال أبو العالية في صحيح البخاري، وذهب شيخنا ﵀ إلى أنه لا يقال شيئ في الصلاة على النبي، إنما يقال: هو ثناء ومرتبة وفضل يدعى به للنبي ﷺ دون أن يقيد بمعنىً خاص؛ لأن هذا يحتاج إلى توقيف ونص، والذي عليه الأكثرون هو ما ذكره أبو العالية من أن الصلاة عليه ﷺ هو ثناء الله عليه في الملأ الأعلى.
قوله: (في الآخرة والأولى) يعني: في الدنيا والآخرة، وهو أحق من يصلى عليه ﷺ لعظيم ما من الله به علينا حيث أخرجنا به من الظلمات إلى النور صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 107
حوض النبي ﷺ وثبوته في السنة
ثم قال: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق، والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما رؤي في الأخبار] .
ذكر المؤلف ﵀ في هاتين الجملتين أمرين من أمور الاعتقاد: الأمر الأول: الحوض، قال المؤلف ﵀: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق) أخبر النبي ﷺ بأن الله جعل له حوضاً في عرصات القيامة أي: في فناء القيامة في أرض المحشر، وهذا الحوض من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حيث السعة، وكثرة من يرد عليه، ولكنه جاء ما يدل على أن لكل نبي حوضاً، لكن الحوض الذي أختص به لا يشبهه حوض.
وقد ثبت ذلك بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] فإن الكوثر نهر في الجنة وهبه الله لرسوله ﷺ يخرج منه ميزابان يصبان في الحوض الذي يكون في عرصات القيامة، فهذه الآية بها ما يثبت ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن النبي ﷺ له حوض يرده أهل الإسلام في عرصات القيامة، وهذا الحوض وصفه رسول الله ﷺ من حيث كثرة من يرد عليه، ومن حيث كثرة آنيته، ومن حيث طوله وعرضه؛ كل ذلك جاء مبيناً في سنة النبي ﷺ .
واعلم أن الحوض الذي وعده الله أهل الإسلام يكون قبل الصراط، بل هو أول ما يرد الناس في أرض المحشر؛ لأن الناس يخرجون يوم القيامة في هول عظيم، وكرب شديد، وتدنو منهم الشمس فيصيبهم عطش عظيم، كما قال الله جل وعلا في وصف المجرمين: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] أي: عطاشاً بلغ بهم العطش منتهاه.
قال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀: والظاهر أن هذا الوصف لا يخصهم؛ لأن الجميع يعطشون في أرض الموقف، لكن أهل الإيمان يرون الحوض فيطفأ ظمؤهم، فإنهم إذا شربوا من ذلك الماء لم يظمئوا بعده أبداً.
بخلاف أهل الإجرام فإنهم يردون النار عطاشاً، إذ أنهم لا يسقون من حوضه ﷺ ، ولا من حوض غيره من الأنبياء، فيردون النار على هذه الحال التي ذكرها الله جل وعلا (ورداً) أي: عطاشاً.
وما قيل في أن الحوض يكون بعد الصراط لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة في ذكر ما يكون في ذلك اليوم أن ورود الحوض يكون قبل الصراط، بل إن في السنة ما يدل على أنه لا يمكن أن يكون بعد الصراط؛ لأن النبي ﷺ يرى أقواماً من أمته يذادون عن الحوض أي: يمنعون، فيقول ﷺ : (أصيحابي أصيحابي) فتقول الملائكة له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: سحقاً سحقاً) وهؤلاء هم اللذين ارتدوا بعد النبي ﷺ ، وهذا لا يمكن أن يكون بعد الصراط فإنه لا يجوز الصراط إلا مؤمن، نسأل الله أن نكون منهم.
المهم أن الحوض ثابت بالكتاب والسنة، وهو مما تواتر به الخبر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقول المؤلف ﵀: (أكرمه الله تعالى به) أي: أكرم به محمداً ﷺ (غياثاً لأمته) أي: يغيثهم من هول ذلك الموقف وشدة العطش والكرب فيه.
وقوله: (لأمته) يحتمل أن يكون تخصيصاً فلا يكون الحوض إلا للنبي ﷺ ، ويحتمل أن الحوض الذي أكرم الله به نبيه ﷺ خاص بأمته، فلا يرده غير هذه الأمة، إذ أن كل أمة ترد حوض نبيها، فقوله: (لأمته) إما أنه تخصيص للنبي ﷺ دون غيره من الأنبياء، وإما أن يكون تخصيص حوض النبي ﷺ لهذه الأمة، والمعنى الثاني أظهر؛ لأنه جاء في الحديث بأن لكل نبي حوضاً.
стр. 108
شفاعة النبي ﷺ العظمى
ثم قال ﵀: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار] .
الشفاعة: تقدم تعريفها، وأصلها من الشفع، وهو جعل الفرد زوجاً، هذا أصلها في اللغة، والمراد بها: التوسط في جلب الخير أو دفع الضر، وهي كذلك في الآخرة، فإن الشفاعة التي في الآخرة توسط ممن يمن الله عليه بالتوسط في جلب خير أو دفع ضر، لكنها تختلف عن شفاعة الدنيا؛ لأن شفاعة الآخرة لا تكون إلا بإذن من الرب جل وعلا، ولا تكون إلا برضاه عن المشفوع له، فلابد من هذين الشرطين: لابد من الإذن فلا يشفع أحد إلا بإذنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
ولابد من الرضا كما قال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] .
فلابد من الإذن والرضا في كل موارد الشفاعة، وليس فقط في مورد واحد، يعني: في الشفاعة العظمى وما دونها، فإن الشفاعة العظمى لا تكون إلا بعد الاستئذان، ولذلك يذهب النبي ﷺ إلى ربه فيسجد، ولا يبدأ بالشفاعة أولاً بل يستأذن، فإذا أذن له شفع ﷺ ، والشفاعة ثابتة للنبي ﷺ ، وهي ثابتة يوم القيامة وهي على درجات: - منها ما حصل الاتفاق بين الأمة على ثبوتها.
- ومنها ما جرى فيه الخلاف بين أهل السنة والجماعة وغيرهم من أهل البدع.
أما ما اتفقوا على ثبوته فهو ما أشار إليه في قوله: (والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار) وهي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها الرسول ﷺ عند ربه أن يأتي جل وعلا لفصل القضاء بين الناس، وهذه شفاعة عظمى؛ لأن المنتفع بها هم الخلق جميعاً، ولأن الجميع يتخلون عنها فلا يكون لها إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك سميت عظمى؛ لعظيم الانتفاع بها، ولكون الأنبياء بل آدم وأولو العزم من الرسل يتخلون عنها، فكل منهم يعتذر، فإن الناس إذا اشتد بهم الكرب يقول بعضهم لبعض كما في الصحيحين وغيرهما من قولهم لبعضهم: (ألا ترون ما قد حل بكم وبلغ بكم، فيذهبون إلى آدم ويعدون عليه ما خصه الله به فيعتذر، ويذهبون إلى نوح فيعتذر، ويذهبون إلى إبراهيم فيعتذر، ويذهبون إلى موسى فيعتذر، ويذهبون إلى عيسى فيعتذر، ويذهبون إلى النبي ﷺ .
وهذه فائدة: الناس الذين يذهبون إلى الأنبياء هم أهل الإيمان فيما يظهر، وكما قال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀؛ لأنهم يعددون على الأنبياء ما لا يقر به الكفار، فيقولون لنوح مثلاً: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ويقولون لآدم: أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، ويقولون لموسى: أنت رسول الله الذي كتب الله لك التوراة بيده وكلمك، وأيضاً يذكرون خصائص عيسى ﵇.
الشاهد: أنهم ذكروا لكل نبي ما لا يثبته له إلا أهل الإيمان، فهذا يدل على أن الناس المذكورين في الأحاديث هم أهل الإيمان الذين يصدقون بهذا وهو القريب.
أما أهل الكفر فإنهم لا شأن لهم بذلك فهم مشغولون بأنفسهم والتكفير فيما سينالهم من حيث ما ينالهم من سخط الله وعذابه، فإنهم يحشرون يوم القيامة صاغرين، ومن كان صاغراً ليس أهلاً للطلب، ولا أهلاً للسعي في نفع الخلق.
على كل حال: هذه الشفاعة يثبتها أهل السنة والجماعة وغيرهم من معتزلة وخوارج وغيرهم من الفرق، وهي خاصة بنبينا ﷺ ، أما باقي الشفاعات فإن أهل السنة والجماعة أثبتوها وغيرهم من أهل البدعة نفوها، إلا فيما يتعلق بالشفاعة في رفع الدرجات في الجنة، فإنهم يثبتونها، لكن الشفاعة في أهل الكبائر وفي قوم استحقوا النار أن لا يدخلوها، والشفاعة في إخراج من دخل النار أن يخرج منها، هذه كلها ينكرها المعتزلة والخوارج، ويحملون ما ورد في الشفاعة على الشفاعة العظمى، وعلى الشفاعة في رفع الدرجات في الجنة.
والله تعالى أعلم.
وبالله التوفيق.
стр. 109
شرح العقيدة الطحاوية [١٠]
أخذ الله على عباده الميثاق بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وفطرهم عليه، وسيسألهم عنه يوم القيامة، وكتب الله مقادير الخلائق عنده في الأزل، فالقدر سر الله الذي لا يطلع عليه أحداً من خلقه، وعقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا ينبغي الخوض فيه؛ لأنه من علم الله الغيبي الذي لا ندركه.
стр. 110
الاعتقاد في الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق وقد علم الله تعالى] .
الميثاق: مأخوذ من الوثاق فهو اسم مصدر، وأصله الشد والربط، من وثق الشيء وأوثق إذا شد وربط، فالميثاق: هو ما عقد الله جل وعلا الناس عليه، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى من آدم وذريته، وهو حق كما قال المؤلف ﵀، يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] * ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣] فهاتان الآيتان فيها الإشارة إلى الميثاق الذي أخذه الله جل وعلا على الناس.
стр. 111
خلاف العلماء في حقيقة الميثاق
وقد اختلف العلماء ﵏ في حقيقة الميثاق، هل هو ما جاء في بعض الأحاديث كما في حديث ابن عباس: (أن الله أخرج ذرية آدم من ظهر آدم، ونثرهم بين يديه كالذر، ثم قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى) أي: أقروا له بالربوبية ؟ على هذا حمل جماعة من العلماء الميثاق في هذه الآية وفسروه به، فقالوا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] هو ما أخذه الله تعالى في عالم الذر مما كان قبل خلقهم.
وهذا الميثاق هل يذكره الناس أو لا يذكرونه؟
الجواب
أنهم لا يذكرونه، ولا إشكال في أنه ما من أحد يذكر هذا الميثاق الذي أخذه الله عليه في عالم الذر، ولذلك ذهب جماعة من العلماء إلى أن الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم هو ميثاق الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] ، وهو المشار إليه في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) فالفطرة: هي الإقرار بالرب جل وعلا، وهو المشار إليه فيما رواه الإمام مسلم في حديث عياض بن حمار ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: خلقت عبادي حنفاء -أي: على التوحيد- فاجتالتهم الشياطين) أي: صرفتهم، وهذا أمر لا ينكره أحد، بل هو مما ركز في الفطر، ولذلك كان المشركون إذا سئلوا: من الخالق؟ من الرازق؟ من المالك؟ من المدبر؟ كانوا يجيبون: الله، وهذا إقرار منهم بمقتضى الميثاق الذي واثقهم الله وفطرهم عليه، وهذا الذي ذهب إليه جماعة من العلماء: منهم شيخ الإسلام ﵀، ومنهم ابن القيم، وأن الميثاق ليس ما جاء في بعض الأحاديث: من أنه أخرجهم من ظهر أبيهم في عالم الذر وأخذ عليهم الميثاق، قالوا: ومما يدل على ذلك: أولاً: أن الأحاديث التي وردت فيها ضعيفة، وأن هذا الميثاق لا يذكره أحد، والله قال في الآية ما يدل على أن هذا الميثاق حاضر في أذهانهم لا يغيب عنهم، فقال : ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] يعني: لئلا تقولوا ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] ، ومعنى الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف:١٧٢] يعني: هذا الأخذ من ظهور بني آدم علته وسببه: أن لا يقول الناس يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] ، وهل يذكر الناس هذا الميثاق؟ الجواب: لا.
فإذا كانوا لا يذكرونه في الدنيا فالغفلة عنه وعدم ذكره في الآخرة من باب أولى، وهذا مما يؤيد أن الميثاق الذي أخذه الله هو ميثاق الفطرة، وليس الميثاق الذي جاء في حديث ابن عباس لضعف الحديث.
стр. 112
ترجيح القول
إذاً: عندنا في الميثاق قولان: القول الأول: ما جاء في حديث ابن عباس من أن الله أخذ على الناس الميثاق في عالم الذر فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] ، وهذا القول اختاره شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، ونسبه ابن القيم إلى جماعة وطائفة من السلف والخلف.
القول الثاني: الذي اختاره شيخ الإسلام ﵀ وابن القيم وابن كثير في تفسيره من أن الميثاق هو ميثاق الفطرة لضعف حديث ابن عباس؛ ولأن الآية ليس فيها ما يدل على ذلك، فإن الله قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] ولم يقل: (من آدم) فالأخذ من بني آدم وليس من آدم، ولم يقل: من ظهره، بل قال: (من ظهورهم) ولم يقل: ذريته، بل قال: (ذريتهم) كل هذا يدل على أن الأخذ ليس ما جاء في حديث ابن عباس، وأن الأخذ هنا هو أخذ الميثاق عليهم حيث فطرهم جل وعلا منذ أوائل خلقهم، وهو خروجهم من آبائهم نطفاً إلى أرحام أمهاتهم فمن تلك اللحظة أخذ الله جل وعلا الميثاق عليهم بالفطرة التي قارنت خلقهم.
ولذلك قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) والفطرة التي ولد عليها هي الإقرار بالتوحيد للرب جل وعلا لو خلي من الموانع والشواغل والصوارف.
فإذا كان كذلك فما الجواب على قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] ؟ يقول: (أشهدهم على أنفسهم) الشهادة على أنفسهم في القرآن يراد بها الإقرار، ولا يلزم في هذا النطق، بل الشهادة تكون حالاً ومقالاً.
فالشهادة على النفس معناها الإقرار أي: جعلهم مقرين بهذا الميثاق: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: قررهم عليه، والشهادة لا يلزم منها التكلم، بل قد تكون الشهادة بالحال لا بالمقال، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٧] وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر حالاً لا مقالاً، فإنهم لم يقروا بأنهم كفار، إنما شهادتهم شهادة حالية لا شهادة مقالية.
وكذلك قوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] القول قد يكون باللفظ، وقد يكون بالحال، وقد أطال شيخ الإسلام ﵀ في درء تعارض العقل والنقل لتقرير هذا المعنى، وكذلك نقله ابن القيم في أحكام أهل الذمة، والمراد أن الآية ليس فيها دليل على ما ذكر في الميثاق السابق الذي جاء في حديث ابن عباس.
أما إخراج الذرية فقد جاءت فيه أحاديث كثيرة، لكن ليس منها صحيح يثبت أن الله كلمهم وخاطبهم، إنما فيها أن الله أخرجهم وميزهم إلى فريقين: إلى أهل السعادة وإلى أهل الشقاء، وهذا ليس فيه ذكر للميثاق، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي ثابتة صحيحة، لكن الذي لم يصح هو تكليم الله لهم في ذلك الوقت وإخراجهم وأخذه الميثاق عليهم.
فقول المؤلف ﵀: (والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق) يحتمل أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد بالميثاق ما جاء في حديث ابن عباس، ويحتمل أنه يريد بالميثاق الفطرة، وهما قولان لأهل العلم كما سبق.
стр. 113
إثبات علم الله بأفعال العباد ومصائرهم وتقديره ذلك
ثم قال المؤلف ﵀ بعد هذا.
[وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، ولا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله] .
هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ هو بداية بحث مسألة القدر، وبدأه المؤلف ﵀ بإثبات علم الله جل وعلا السابق لكل شيء، وبدأ بالعلم لأنه أقوى ما يرد به على نفاة القدر.
قال الإمام الشافعي ﵀: (ناظروهم بالقدر -أي: القدرية- فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا) وهذه كلمة عظيمة من الإمام الشافعي ﵀ فيها بيان طريق إثبات القدر.
стр. 114
علم الله السابق بمصائر خلقه
والمؤلف سلك ذلك المسلك حيث قرر -في أول تقرير مسائل القدر- علم الله جل وعلا السابق لكل شيء، قال ﵀: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص) .
وهذا دل عليه أحاديث كثيرة.
أولاً: إثبات علم الله السابق للأشياء أدلته أكثر من أن تحصر، فإن الله جل وعلا قد خلق كل شيء بقدر، ومن لازم تقديره العلم كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، وكما قال : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] فإن من لازم إثبات القدر إثبات العلم، وأدلة إثبات العلم كثيرة كما تقدم شيء منها في الدروس السابقة.
وأما علم الله الخاص الذي ذكره المؤلف ﵀ -وهو علمه بعدد أهل الجنة، وعدد أهل النار، وأنه قد فرغ من ذلك فلا يزاد في العدد ولا ينقص- فقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها: ما رواه مسلم من حديث عائشة: (أن النبي ﷺ دعي إلى جنازة صبي من الأنصار فقالت عائشة ﵂: طوبى له عصفور من عصافير أهل الجنة، لم يعمل سوءاً ولم يدركه.
فقال لها رسول الله ﷺ : أوغير ذلك يا عائشة -يعني: أوغير هذا الكلام- فإن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم) فدل ذلك على أن أهل الجنة وأهل النار قد فرغ منهم، يعني: العلم بهم قد تم واستقر قبل أن يخلقهم.
وقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ خرج على أصحابه بكتابين فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: هذا كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم، وهذا كتاب فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم) .
وقد سأل النبي ﷺ الصحابة فقالوا: (يا رسول الله! أخبرنا كأنا خلقنا اليوم -يعنى: أخبرنا عن هذا الأمر- عن العمل أنعمل أو العمل فيما جرت به الأقلام، وفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير.
ثم قال السائل: أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ، وهذا يدل على أن أهل الجنة قد قضي الأمر فيهم، وأهل النار كذلك، فقد سبق علم الله جل وعلا بما يكون من الخلق.
стр. 115
إثبات علم الله بما سيفعله العباد
ثم بعد هذا التقرير قال ﵀: (وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه) .
أفعالهم كذلك على هذه الحال، فإن الله جل وعلا قدر الأشياء وقدر أسبابها، فقدر أهل الجنة وقدر أعمالهم، وقدر أهل النار وقدر أعمالهم، وعلم أهل الجنة والنار وعلم أعمالهم، فالجميع قد أحاط به علم الله جل وعلا.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وكل ميسر لما خلق له من سعادة أو شقاء) لذلك قال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] فكل أحد من أهل السعادة ومن أهل الشقاء ميسر لما خلق له، أي: خلق ليكون إما من أهل الجنة أو من أهل النار، وكل ميسر لما خلق له.
وهذا ليس فيه إلغاء اختيارهم كما سيأتي، بل فيه الإخبار بأن الله علم بما يكون عليه الخلق في المآل، وعلم الأعمال التي تفضي إلى ذلك المآل، وأنه ييسر كل أحدٍ إلى ما علم في سابق علمه من كونه من أهل السعادة أو من أهل الشقاء من أهل الجنة أو من أهل النار.
وقوله ﵀: (وكل ميسر لما خلق له) هذا من أفضل الكلام؛ لأنه مأخوذ من قول النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وهو أفضل من قول القائل: الإنسان مسير أو مخير، فالإنسان لا شك أنه مسير في بعض ما قدر له لكن هذا التسيير لا يلغي اختياره.
ولفظ المؤلف ﵀ أفضل من لفظ (مسير) فإنه يوحي بأن الإنسان لا اختيار له بالكلية، وهذا مخالف لما دلت النصوص من إثبات المشيئة والاختيار للإنسان، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] فأثبت للعبد مشيئة، لكن هذه المشيئة لا تخرج عن مشيئة الرب جل وعلا.
стр. 116
الأعمال بالخواتيم والسعادة والشقاوة بقدر الله
وقال ﵀: (والأعمال بالخواتيم) أي: الأعمال من حيث الثواب والعقاب، ومن حيث الفوز والنجاة، بما يحصل به الختم والنهاية (والأعمال بالخواتيم) أي: بما يختم للإنسان بها، وبما تنتهي عليه.
وقد جاء الحديث في ذلك عن النبي ﷺ ، ففي حديث سهل بن سعد في الصحيحين أنه قال ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يرى الناس، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يرى الناس، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم) .
فدل ذلك على أن العمل بالخاتمة وما يختم للإنسان به، فالعبرة بالخواتيم والنهايات لا بالبدايات، فقد يكون الإنسان في بدايته كافراً معانداً لرب العالمين، ثم يختم له بالخير.
يقول ﵀: (والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله) أي: أن السعادة والشقاء بقدر، فكل لا يخرج عن تقدير الله جل وعلا، فطاعة الطائع بقدر الله جل وعلا، ومعصية العاصي بقدر الله ، فإنه لا يكون في ملكه إلا ما يشاء.
فالسعيد إنما يسعد بما سبق من قضاء الله، والشقي إنما يشقى بما سبق من قضاء الله ، فقضاء الله وقدره محيط بالعباد أهل السعادة وأهل الشقاء على حد سواء لا فرق بين هذا وهذا.
ثم بعد هذا قال ﵀ في جواب إشكال قد يلقيه الشيطان في قلب الإنسان، فيقول: إذا كان الأمر كذلك ففيم العمل؟ فالجواب ما أجاب به النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق) .
والجواب أيضاً فيما قاله المؤلف ﵀: [وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فمن سأل: لم فعل فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم] .
стр. 117
وجوب التسليم لقدر الله الذي هو سره
نعم يقول ﵀: (وأصل القدر هو سر الله تعالى في خلقه) (أصل القدر) أي: قاعدته التي يبنى عليها أنه سر الله في خلقه، والسر في الأصل: هو ما خفي وكتم، فالقدر هو سر الله تعالى في خلقه أي: أنه جل وعلا أخفاه وكتمه فلم يظهره لخلقه، يبيّن هذا قوله: (لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل) فإذا عجزت عن إدراك وفهم هذا السر، أو فهمت القدر وما تضمن فيجب عليك أن تسلم لله ، وأن توقن أصلاً ثابتاً لا يتزحزح أنه جل وعلا حكم عدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] فإذا أيقن العبد أن الله جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً، وأنه ليس بظلام للعبيد، وأنه حرم على نفسه الظلم قر قلبه واطمأن وزال ما فيه من الشوائب والكدر المتعلقة بهذا الباب.
فالواجب على المؤمن أن يسلم لله كما تقدم في كلام المؤلف ﵀، فأصل القدر سر الله، وهذه الكلمة نقلت عن عيسى ﵇ فيما نقل، وهي مأثورة عن جماعة من الصحابة ﵃، وهي تفيد فائدتين: الفائدة الأولى: قطع النظر والتعمق في هذا الباب فالنظر فيه لا يوصل إلى علم؛ لأنه سر، والسر خفي، والخفي لا سبيل إلى تحصيله.
الفائدة الثانية: التسليم لله ؛ لأنه إذا كان سراً فلا يمكن الاطلاع عليه، وإذا أيقنت بأن ربك حكم عدل جل وعلا فإنك ستمتنع عن المعارضة والمناقشة والتعمق في هذا الباب.
стр. 118
التحذير من التعمق والخوض في باب القدر بالنظر والفكر والوسوسة
قال ﵀: (لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك) أي: في باب القدر (ذريعة الخذلان) (ذريعة) أي: وسيلة (الخذلان) أي: هو عدم النصر، يعني: سبب لعدم نصر الله لعبده، فالخذلان هو ترك النصر، فمن أراد أن يترك الله جل وعلا نصره فلينظر في القدر، وليماحك فيه وليناقش وليتعمق.
قال ﵀: (وسلم الحرمان) أي: أنه وسيلة تحصيل الحرمان، والحرمان أصله المنع، والمنع هنا: منع طمأنينة القلب ومنع اليقين والانشراح، فإن من شك في هذا الأمر وعمق النظر فيه ألقى الشيطان في قلبه الوساوس التي تورثه حرمان لذة الإيمان.
قال: (ودرجة الطغيان) أي: يحصل للإنسان بها الطغيان وهو مجاوزة الحد؛ لأنه إذا كان القدر سراً أخفاه الله عن خلقه؛ ولم يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فالواجب التسليم والوقوف وعدم تجاوز ما أمر الله به وما أخبر الله به في هذا الشأن.
قال: (فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسةً) وقد نصح ﵀ في هذا التحذير، وفي التكرار للتنفير من النظر في هذا الباب.
(فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه) (طوى) أي: أخفى (علم القدر) أي: حقيقته (عن أنامه) أي: عن الخلق (ونهاهم عن مرامه) يعني: عن النظر فيه وعن طلبه.
وقد (خرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أصحابه وهم يخوضون في القدر -كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ فغضب غضباً شديداً، كأنما تفقأ في وجهه حب الرمان) ، ونهاهم عن ذلك، وأمرهم بالاجتماع على ما كتب الله ، وعدم ضرب بعضه ببعض، ثم قال: (إنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم على كتاب ربهم، اجتمعوا عليه ما ائتلفت قلوبكم، وقوموا عنه إذا اختلفتم) أو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال النبي ﷺ : (القدرية مجوس هذه الأمة) وهذا الحديث وإن كان في أفراد الأحاديث الواردة فيه مقال لكن مجموع الأحاديث ثابت في ذم القدرية؛ وذلك لأنهم بحثوا وتنطعوا فيما نهوا عنه، وطلبوا تحصيل ما منعوا منه.
قال ﵀: (كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فمن عارض الله في قدره فقد نازع الله في حكمه، فمن سأل:لم فعل؟) يعني: إذا قال الإنسان: لم فعل كذا ولم يفعل كذا، فإنه قد رد حكم الكتاب ما حكم الكتاب الذي رده؟ النهي عن السؤال عن أفعال الله لماذا فعل كذا؟ ولماذا لم يفعل كذا؟ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، (ومن رد حكم الكتاب) أي: كتاب الله جل وعلا في هذا وفي غيره (كان من الكافرين) أي: من جملتهم؛ لأن السؤال عن أفعال الله على وجه الاعتراض كفر بالله .
يقول ﵀: (فهذا جل ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله يعني: غاية ما نحتاج في مسألة القدر أن نعلم أن الله جل وعلا قد أحاط بكل شيء علماً، وأن نعلم أنه قد كتب ما علم، وأنه قد شاء ما قدر، وأنه جل وعلا قد خلق كل شيء، وهذه الأربع المراتب بها يحصِّل الإنسان انتظام التوحيد؛ لأن القدر نظام التوحيد كما قال ابن عباس ﵁، ومعنى نظام التوحيد أي: أنه ينتظم التوحيد ولا ينتقض، فمن أنكر القدر انتقض وانتفى توحيده.
فنظام التوحيد الإيمان بالقدر، والقدر هو أن تؤمن بأن الله علم الأشياء وكتبها وشاءها وخلقها كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مراتب القدر.
هذا ما يحتاجه منور القلب، أما الذي يتمحك ويتنطع ويتعمق فهذا قد ضرب طريقاً يحصل له به ما ذكره ﵀ من الخذلان والحرمان والطغيان.
قال: (وهي درجة الراسخين في العلم) جعلنا الله وإياكم منهم وممن حصلها، هذه درجة الراسخين في العلم الذين آمنوا بالقدر ولم يعارضوا قدر الله أو يقعوا في شك أو ريب.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 119
التحذير من الخوض في القدر
قال: (فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسةً) وقد نصح ﵀ في هذا التحذير، وفي التكرار للتنفير من النظر في هذا الباب.
(فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه) (طوى) أي: أخفى، (علم القدر) أي: حقيقته، (عن أنامه) أي: عن الخلق (ونهاهم عن مرامه) يعني: عن النظر فيه وعن طلبه.
وقد (خرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أصحابه وهم يبحثون في القدر فغضب -كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ فغضب غضباً شديداً، كأنما تفقأ في وجهه حب الرمان، ونهاهم عن ذلك، وأمرهم بالاجتماع على ما كتب الله ، وعدم ضرب بعضه ببعض، ثم قال: إنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم على كتاب ربهم، اجتمعوا عليه ما ائتلفت قلوبكم، وقوموا عنه إذا اختلفتم) أو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال النبي ﷺ : (القدرية مجوس هذه الأمة) وهذا الحديث وإن كان في أفراد الأحاديث الواردة فيه مقال لكن مجموع الأحاديث ثابت في ذم القدرية؛ وذلك لأنهم بحثوا وتنطعوا فيما نهوا عنه، وطلبوا تحصيل ما منعوا منه.
قال ﵀: [كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فمن عارض الله في قدره فقد نازع الله في حكمه، فمن سأل لم فعل؟] يعني: إذا قال الإنسان: لم فعل كذا ولم يفعل كذا، (فإنه قد رد حكم الكتاب) ، ما حكم الكتاب الذي رده؟ النهي عن السؤال عن أفعال الله لماذا فعل كذا؟ ولماذا لم يفعل كذا؟ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، (ومن رد حكم الكتاب) أي: كتاب الله جل وعلا في هذا وفي غيره (كان من الكافرين) أي: من جملتهم؛ لأن السؤال عن أفعال الله على وجه الاعتراض كفر بالله .
يقول ﵀: (فهذا جل ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله يعني: غاية ما نحتاج في مسألة القدر أن نعلم أن الله جل وعلا قد أحاط بكل شيء علماً، وأن نعلم أنه قد كتب ما علم، وأنه قد شاء ما قدر، وأنه جل وعلا قد خلق كل شي، وهذه الأربع مراتب بها يحصل الإنسان انتظام التوحيد؛ لأن القدر نظام التوحيد كما قال ابن عباس ﵁، ومعنى نظام التوحيد أي: أنه ينتظم التوحيد ولا ينتقض، فمن أنكر القدر انتقض وانتفى توحيده.
فنظام التوحيد الإيمان بالقدر، والقدر هو أن تؤمن بأن الله علم الأشياء وكتبها وشاءها وخلقها كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مراتب القدر.
هذا ما يحتاجه منور القلب، أما الذي يتمحك ويتنطع ويتعمق فهذا قد ضرب طريقاً يحصل له به ما ذكره ﵀ من الخذلان والحرمان والطغيان.
قال: (وهي درجة الراسخين في العلم) جعلنا الله وإياكم منهم وممن حصلها، هذه درجة الراسخين في العلم الذين آمنوا بالقدر ولم يعارضوا قدر الله أو يقعوا في شك أو ريب.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 120
شرح العقيدة الطحاوية [١١]
إن من تمام التوحيد لله رب العالمين الإيمان بالقدر، وأن ما شاءه الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، كما أن من تمام الإيمان بالقدر والإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء أمر الله به، وباللوح المحفوظ الذي كتب فيه قدر الله .
стр. 121
قبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود من الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: - علم في الخلق موجود.
- وعلم في الخلق مفقود.
فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود] .
قال المؤلف رحمه الله تعالى في سياق كلامه عن القدر: (فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور القلب) .
(هذا) يعني: ما تقدم تقريره من المسائل فيما يتعلق بالقدر، والذي تقدم تقريره سبق علم الله جل وعلا للأشياء، وتقدم أيضاً أن القدر سر الله في خلقه، وأنه قد منع الله جل وعلا من التعمق والنظر فيه؛ لأن ذلك من أسباب الخذلان والحرمان والطغيان.
ثم قال ﵀: (فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه) وإنما يحصل النور في القلب من القرآن الكريم، فهو النور الذي يفرق الله به بين الحق والباطل، قال الله جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام:١٢٢] ، فالقرآن نور وروح، فكلما عظم في قلب العبد هذا النور تبددت الشبهات، وانقشعت الظلمات، وزالت كل المكدرات، وكلما خفي هذا النور كلما التبس الأمر على الإنسان، وضل وأصيب بالحيرة والوسوسة والتيه والاضطراب والتناقض، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] ، والله بعث محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، والنور الذي أخرجهم إليه هو نور النبوة والقرآن.
فمنور القلب هو من اقتصر على ما في القرآن واكتفى به، ومنور القلب هو الذي لم يجاوز ما جاء في القرآن والسنة في هذا الباب، ولم يدخل في هذا الأمر بعقله ولا برأيه الفاسد، بل اقتصر على ما جاءت به النصوص.
وقوله ﵀: (وهي درجة الراسخين في العلم) أي: إدراك ما تقدم درجة الراسخين في العلم، فليس الرسوخ في العلم التعمق فيما منع الله العباد من النظر فيه، إذ يظن بعض الناس أن الرسوخ في العلم هو أن يتعمق الإنسان في مثل هذه الأمور وأن يبحث وأن يطيل النظر، وأن يكرر الكلام فيما حظر ومنع من الكلام فيه، ويظن ذلك تحقيقاً ورسوخاً، وهو مزلة عن الطريق المستقيم، ومضلة يضل بها عن سبيل الله القويم.
فالواجب على المؤمن، وعلى من نصح نفسه أن يقتصر على ما في الكتاب والسنة في هذا الباب، وأن لا يجاوزه؛ فإنه نور القلب وهو درجة الراسخين في العلم.
ثم قال ﵀ في تعليل أن هذا هو المطلوب، وهذا هو الكفاية، وأنه لا حاجه للناس في طلب المزيد والنظر والتعمق في مسائل القدر: (لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود) وهو علم الشريعة مما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القرآن والسنة، (وعلم في الخلق مفقود) وهو علم الغيب، ومن جملته علم الأقدار، فإن الله جل وعلا غيّب عن الخلق الأقدار، فلم يطلع أحداً على ما في اللوح المحفوظ، وهو ما رقم فيه، وكتب ما كان، وما سيكون، لم يطلع عليه ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦-٢٧] ، كل هذا احتياط، يعني: حتى ما يظهره الله جل وعلا للأنبياء من غيبه في غاية الاحتياط لهذا الغيب، حيث جعل من يرصد ما يقوله النبي ويحصي ما يبلغه لئلا يضل أو يزيد أو ينقص.
فعلم الغيب علم مفقود، وهو المشار إليه في قوله: (وعلم في الخلق مفقود) .
ثم قال ﵀: (فإنكار العلم الموجود كفر) إنكار علوم الشريعة كفر، فمن قال: إن الله لا يعلم ما الخلق عاملون فإنه كافر بالله العظيم؛ لأن الله جل وعلا أخبر في كتابه أنه بكل شيء عليم، وأنه يعلم ما الخلق عاملون: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] وهو بكل شيء عليم جل وعلا.
(وادعاء العلم المفقود كفر) ادعاء علم الغيب كفر: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] لا يعلمون متى يبعثون، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] فالله جل وعلا أحاط بكل شيء علماً.
فالعلم عنده كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] ، فمن ادعى علم الغيب كذب القرآن، ولذلك قال المؤلف ﵀: (وادعاء العلم المفقود كفر) .
ثم قال ﵀: (ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود) لا يثبت الإيمان، ولا تقر القدم على الإيمان إلا بقبول العلم الموجود قبولاً مجملاً، قال الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] فقوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] هو القبول، فيقبل ذلك قبولاً لا منازعة فيه.
يقول ﵀: (وترك طلب العلم المفقود) لا إشكال فيه؛ لأن العلم المفقود لا سبيل إلى تحصيله، فالغيب لا طريق إلى تحصيله إلا من طريق النبوة، فكل من زعم بأن له طريقاً يوصله إلى ما غاب وخفي من علم الله فقد كذب بالقرآن، فالواجب عليه أن يترك ذلك، ولا يثبت إيمانه إلا بذلك.
стр. 122
الإيمان بالقلم واللوح المحفوظ من مقتضيات ولوازم الإيمان بالقدر
ثم قال ﵀: [ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه] .
يقول ﵀: (ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم) هذا من صلة وتمام البحث في مسائل القدر، الإيمان باللوح والقلم، اللوح: هو اللوح المحفوظ، وقد ذكره الله تعالى في مواضع عديدة منها: قوله : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] فذكره الله جل وعلا بهذا الاسم في كتابه، وسماه الله جل وعلا ذكراً: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] فالذكر هو ما كتبه الله جل وعلا في اللوح المحفوظ.
وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جواب من سأله عن أول هذا الأمر قال: (وكتب في الذكر كل شيء) فالذكر هو اللوح المحفوظ، وقد كتب الله جل وعلا في هذا اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة، فقد حوى كل شيء من أفعال الرب ومن أفعال الخلق.
ومن جملة ما في اللوح المحفوظ القرآن العظيم، فإن الله ذكر ذلك في قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] ، وأما القلم فالمراد به القلم الأعظم الأول الذي كتب الله به مقادير كل شيء، فإن الله خلق القلم وقال له في أول خلقه: اكتب، قال ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى القلم بأمر الله بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، كما جاء فيما رواه أصحاب السنن من حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب.
قال: ما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء أو اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) .
стр. 123
من لوازم الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله قد كتب كل شيء
وقد ثبت سبق الكتابة في أحاديث كثيرة، بل في آيات من الكتاب الحكيم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نخلقها، هذا من القرآن، وأما من السنة ففي الصحيح قال النبي ﷺ : (كتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) ، فالله كتب مقادير كل شيء، وهذه الكتابة هي الكتابة العامة الشاملة.
ثم تلاها كتابات دون هذه الكتابة في المنزلة والمكانة والعظم وهي متنوعة، وكل كتابة لها قلم، وقد قال النبي ﷺ فيما أخبر به مما جرى ليلة المعراج: (أنه بلغ مكاناً سمع فيه صريف الأقلام) وصريف الأقلام: صوت جريها وكتابتها، وهذه الأقلام هي التي تكتب قدر الله اليومي، كما قال الله جل وعلا: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] يعز من يشاء! ويذل من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويرفع من يشاء، ويضع من يشاء، يحيي ويميت، يدبر أمر مملكته جل وعلا لا إله إلا هو.
فقول المؤلف ﵀: (نؤمن باللوح والقلم) اللوح: هو الذي كتب فيه المقادير، والقلم: هو الذي كتب بأمر الله ما يكون، قال: (وبجميع ما فيه قد رقم) أي: كتب، وهذا إيمان مجمل، وهو من مقتضيات ولوازم الإيمان بالقدر؛ لأن من لوازم الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله قد كتب كل شيء، ولا يتم إيمان أحد إلا بالإيمان بهذه المرتبة.
يقول ﵀: (فلو اجتمع الخلق كلهم) الخلق: ليسوا خلق زمانك، بل الخلق كلهم منذ أن خلق الله الخلق إلى آخر من يخلق الله جل وعلا، (لو اجتمع الخلق كلهم على شيءٍ كتبه الله تعالى أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه) لا إله إلا الله! وهذا يبيّن لك عظيم قدرة الرب ، وأنه لا مبدل لخلقه، ولا راد لأمره، ولا معقب لحكمه ، فلو اجتمع الخلق كلهم على أن ينفعوك بأمر لم يكتبه الله لك ما نفعوك، ولو اجتمعوا كلهم على أن يردوا عنك قضاء الله في أمر كتبه الله عليك ما ردوه، وهذا قد ضمنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وصيته العظيمة لـ ابن عباس: (احفظ الله يحفظك) فكان من جملة ذلك أن قال له: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) (رفعت الأقلام) أي: فرغ من التقدير السابق، (وجفت الصحف) الصحف المقصود بها ما رقم في اللوح المحفوظ، أو ما استنسخته الملائكة من اللوح المحفوظ، فإن الملائكة تكتب من اللوح المحفوظ ما يكون بالنسبة لكل مخلوق، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] والاستنساخ هنا: هو الكتابة قبل الوقوع، فإن الاستنساخ نسخ، والنسخ يكون من منسوخ، والمنسوخ هو ما في اللوح المحفوظ، تكتبه الملائكة ثم يجري الله جل وعلا قضاءه وقدره، ثم يقابل ما وقع مما قدره الله من فعل المخلوق على ما في هذه النسخ، ثم يثبت ما فيها من خير ومن شر، فقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] المراد به كتابة الملائكة من اللوح المحفوظ، لا الكتابة التي يكتبها الملائكة على الإنسان كقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فهذه كتابة سابقة.
ثم قال ﵀ بعد أن قرر هذا الكلام: (جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة) القلم الذي جف هو القلم الأول السابق الذي كتب الله به مقادير كل شيء، (جف) أي: انقطعت كتابته.
وقد ذكّر النبي ﷺ أصحابه بهذا في مواضع عديدة، فلما استأذنه أبو هريرة ﵁ في الاختصاء أعرض عنه، ثم كرر مرة ثانية وثالثة، قال: (جف القلم بما أنت لاقٍ) كما في صحيح البخاري أي: أن الأمر قد فرغ سواءً فعلت هذا أو لم تفعل، فما كتبه الله عليك لا محالة أنه سيدركك.
قال المؤلف ﵀: (جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه) (ما أخطأ العبد) يعني: ما تجاوزه إلى غيره (وما أصابه) أي: ما ناله ونزل به، (لم يكن ليخطئه) أي: لم يكن ليتجاوزه إلى غيره، وهذا من كلام الصحابة ﵃، وورد مرفوعاً ونقل عن جماعة منهم: (إنك لو أنفقت مثل جبل أحدٍ ذهباً في سبيل الله لم يتقبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) نقل هذا عن عبادة بن الصامت وعن غيره من الصحابة ﵃، وهذا فيه عظيم منزلة القدر، وصدق ما قاله ابن عباس: (القدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض توحيده) .
стр. 124
اعتقاد سبق علم الله في كل كائن من خلقه
قال ﵀: [وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال الله في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]] .
يقول ﵀ فيما يجب عقده من مسائل القدر: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه) سبق تقرير هذا بأدلته، وأن الله جل وعلا تقدم علمه الخلق، وأنه علم بهم قبل أن يخلقهم .
ثم قال: (فقدر ذلك تقديراً محكماً) أي: قدر ما علمه (تقديراً محكماً) أي: متقناً، فالإحكام يطلق على الإتقان، قال الله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] (أحكمت) أي: أتقنت، فالله جل وعلا أتقن هذا القدر إتقاناً عظيماً يدل على عظيم قدره جل وعلا وعظيم قدرته، ولذلك لما سئل الإمام أحمد ﵀ عن تعريف القدر، قال: القدر قدرة الله؛ لأن من كذب بالقدر فقد كذب بقدرة الله جل وعلا.
يقول ﵀: (فقدر ذلك تقديراً محكماً) أي: متقناً (مبرماً) أي: لا ناقض له، فما أبرم فهو الشيء الذي أحكم وعقد بما لا نقض له، ولذلك قال ﵀ بعد أن وصف حكم الله وتقديره بالإبرام: (ليس فيه ناقض) أي: يزيل الحكم بالكلية، فلا أحد يقدر أن يرد قدر الله جل وعلا، بل قدر الله نافذ لنفوذ قدرته ومشيئته ، فهو ذو القدرة البالغة والمشيئة النافذة سبحانه وبحمده لا إله إلا هو.
(ولا معقب) أي: لا مؤخر يؤخر قدر الله، فإذا جاء أجل الله لا تأخير ولا تقديم، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] أي: مكتوب لا يتجاوز هذا ولا يتعداه، ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١] فالله لا يؤخر ما قضى وقدر، ولا يستطيع أحد أن يؤخر ما قدره الله جل وعلا وقضاه.
(ولا مزيل ولا مغير) (لا مزيل) أي: لا رافع، فهو في معنى: لا ناقض (ولا مغير) أي: مبدل، ويشمل التخفيف والتحويل والتأخير، فهو أعم من قوله: (ولا معقب) يعني: لا يمكن أن يحول ولا يزول، فهم -أي: الخلق- لا يملكون كشف الضر ولا تحويله، ولا يملكون كشف ما قدره الله ولا تحويله.
قال ﵀: (ولا ناقص ولا زائد) أي: لا ناقص عما كتب في اللوح المحفوظ وما سبق به العلم ولا زائد، بل كل ذلك بتقدير محكم مطابق كما قال الله : ﴿َمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١] .
فكل زيادة في الأعمار وكل نقص فيها سواء في أعمار العموم -أي: جنس بني آدم- أو أعمار الخصوص -يعني: عمر الفرد- من حيث الزيادة أو النقص إلا في كتاب، فإنه لا مبدل لها ولا معقب ولا مزيل ولا مغير.
قال ﵀: (من خلقه في سماواته أو أرضه) أي: ليس في حكمه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه.
ثم قال ﵀: (وذلك) أي: الاعتقاد بأن الله علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وقدر ذلك قبل خلقهم، وكتب ذلك قبل خلقهم يقول ﵀: (وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة) أي: من أصول الإيمان والمعرفة بالله ، فبهما يكمل للعبد الإيمان.
стр. 125
الإيمان بالقدر من تمام توحيد الله
قال رحمه الله تعالى: (والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته) أي: ذلك من الاعتراف بتوحيد الله وربوبيته، ومن هذا نعلم أن من تمام التوحيد -توحيد الربوبية- أن يؤمن الإنسان بالقدر، فمن ضل في مسألة القدر فإنه لم يحقق الإيمان بتوحيد الربوبية؛ لأن من توحيد الربوبية الإيمان بأن الله خالق، وأنه مالك، ولابد للخلق والملك من قدرة ومشيئة وعلم.
قال ﵀: (كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ) خلق كل شيء فقدره تقديراً محكماً، وتأكيد التقدير هنا بالمصدر توكيد للمعنى، وأنه بقدر، وأنه ما من شيء مخلوق إلا بقدر الله جل وعلا، قال : ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] .
(أمر الله) أي: مأموره ، وهنا فائدة: أن المصادر التي تضاف إلى الله قد تضاف على جهة الصفة ويقصد بها مسمى الصفة، وقد يرد المصدر ويُراد به مفعول تلك الصفة، فقول الله : ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان:١١] (خلق الله) المشار إليه هنا هو المخلوق، فأطلق المصدر على مفعول الصفة، فيطلق المصدر في لغة العرب كثيراً ويُراد به المعمول المفعول لتلك الصفة، كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] هل الذي أتى هو صفة الله أو مفعول الصفة؟ مفعول الصفة، (أتى أمر الله) أي: أتى مأمور الله، أي: مخلوق الله الذي قضاه ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] أي: كان مأمور الله ، أي: ما أمر به وقضى بخلقه (قدراً مقدوراً) أي: قدراً محدداً لا يتجاوز ما حدد ولا يتعدى ما قضى .
وبهذا ينتهي ما ذكره المؤلف في هذا المقطع من كون الإيمان بالقدر من لوازم الإيمان وأصول المعرفة، ومن لوازم الاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته.
стр. 126
حكم من خاصم في القدر
ثم قال ﵀: [فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس بوهمه في فحصه الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً] .
ذكر ﵀ هذا الكلام في ختام مبحث القدر في هذا المقطع، وهو سيعيد بعض ما يتعلق بالقدر يقول: (فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً) (خصيماً) فعيل بمعنى: فاعَلَ، يعني: خَاصَم، فويل له إذا خاصم قدر الله كما فعل إبليس عليه من الله ما يستحق من اللعن حيث قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] فخاصم الله جل وعلا في قدره.
فهؤلاء الذين خاصموا الله في قدره بأن أنكروه أو كذبوه أو جعلوه حجة على ترك الشريعة ومخالفة الأمر، (فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً) ويل: كلمة وعيد، قيل: إنها واد في جهنم، وهذا لا يثبت بسند صحيح، وإنما (ويل) كلمة عذاب فهي كلمة إنشاء وإخبار، (إنشاء) أي: دعاء، فإذا قلت: (ويل) فأنت تدعو بالويل على هذا، (وإخبار) أي: أنك تخبر أنه استحق الويل، وهذا ليس بغريب في اللغة أن تأتي كلمة وتفيد معنيي الجملة؛ لأن الجمل إما أن تكون إنشائية أو خبريه.
و (ويل) تضمنت هذين المعنيين: المعنى الإنشائي، والمعنى الخبري.
قال: (وأحضر للنظر فيه) يعني: في القدر (قلباً سقيماً) وهذا فيه أنه لا يسلم الإنسان من غوائل البحث في القدر إذا كان صاحب قلب سقيم مليئ بالمعارضة وعدم التعظيم للنصوص، ثم قال: (لقد التمس بوهمه) أي: ظنه الكاذب وتوهمه الفاسد في فحص الغيب (سراً كتيماً) ولا يمكن أن يصل إلى شيء (كتيماً) فعيل بمعنى: مفعول، أي: سراً مكتوماً لم يظهره الله لأحد، كما قال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] .
ثم قال: (وعاد بما قال فيه) أي: بعد أن استصحب القلب السقيم، والنظر الكليل، والوهم الفاسد، (عاد بما قال فيه) يعني: في القدر (أفاكاً) أي: كذاباً (أثيماً) أي: مأثوماً فأثيم فعيل بمعنى: مفعول أي: مأثوم، ومعناه قد حصَّل الإثم من رب العالمين.
وبالله التوفيق.
والله تعالى أعلم.
стр. 127
شرح العقيدة الطحاوية [١٢]
من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بعلو الله على خلقه مع إحاطته بجميع خلقه، فهو قريب مع علوه، فيجب على المسلم إثبات جميع صفات الكمال لله جل وعلا، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
стр. 128
وجوب الإيمان بالعرش والكرسي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [والعرش والكرسي حق، وهو مستغنٍ عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه.
ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم الله موسى تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً.
ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين] .
قال المؤلف ﵀: (والعرش والكرسي حق) كما جاء بذلك الكتاب والسنة، والعرش والكرسي: خلقان عظيمان من خلق الله جل وعلا، أما العرش فهو: سرير الملك، هذا هو معنى العرش في لغة العرب، وهو من أعظم خلق الله جل وعلا، اصطفاه الله وخصه دون سائر الخلق بأن أضاف إليه الاستواء، فقال الله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] في عدة مواضع من الكتاب الحكيم، ووصف العرش بأنه عظيم، ووصفه بأنه مجيد، ففي قراءة: (ذو العرش المجيدِ) وصف للعرش، والقراءة الثانية: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] وصف للرب جل وعلا.
فالله عظم شأن هذا العرش، وخصه بما خصه به من أنه استوى عليه جل وعلا استواءً يليق بذاته من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
стр. 129
العرش أول المخلوقات
العرش هو أول ما خلق الله جل وعلا؛ لأنه سابق على خلق السماوات والأرض، وسابق لكتب القلم الذي كتب الله جل وعلا به مقادير كل شيء، فقد دلت السنة على أن العرش سابق للتقدير، والتقدير إنما كان وقت خلق القلم، فإن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، فهو منذ خلقه ابتدأ الكتابة، والعرش سابق لذلك كما في حديث عمران بن حصين حيث ذكر خلق السماوات والأرض، وقال: (وكتب في الذكر كل شيء، ثم استوى على العرش) فدل قوله: استوى على العرش: أن العرش كان موجوداً قبل خلق السماوات والأرض، وقبل أن يكتب في الذكر كل شيء، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقد ذهب بعض أهل السنة والجماعة: إلى أن أول الخلق هو القلم، ولكن الصحيح هو ما عليه الأكثرون: من أن خلق العرش سابق على خلق القلم، والعرش أعظم المخلوقات، فأعظم خلق الله فيما نعلم العرش.
стр. 130
حقيقة الكرسي
ثم قال ﵀: (والكرسي) والكرسي جاء ذكره في القرآن الحكيم في قول الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، واختلف العلماء في حقيقة الكرسي: فمنهم من قال: إن الكرسي هو العرش، والصحيح: أنه شيء غير العرش؛ لورود التفريق بين الكرسي والعرش في عدة نصوص من الكتاب والسنة.
وقال آخرون في الكرسي: إنه موضع قدمي الرب جل وعلا، فهو بين يدي العرش، جاء هذا عن ابن عباس موقوفاً، ومعلوم أن مثل هذا لا يقال بالرأي؛ ولذلك قبله جماعة من العلماء، وأثبتوا له حكم الرفع ما لم يكن نقله عن أهل الكتاب، فإن ابن عباس له رواية عن أهل الكتاب، وإن كان ينكر الأخذ عنهم ﵁ كما جاء ذلك عنه في صحيح البخاري، لكن المشهور أنه أخذ عنهم، فلعل ما أنكره هو الإقبال على ما عندهم، والأخذ بما يقولون، واعتماده.
وعلى كل حال من قال: إن العرش موضع القدمين، فقد استند إلى أثر ابن عباس.
وقال آخرون: إن الكرسي خلق عظيم من خلق الله غير العرش، ولم يقيدوه بأنه موضع القدمين ولا بغير ذلك، وهذا القول الأخير هو قول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀؛ وذلك لأن الأثر الوارد عن ابن عباس ضعيف، فمن صححه قال بما جاء في الأثر من أن الكرسي موضع القدمين كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في نونيته، ومن رأى ضعف الأثر لم يستند إليه في إثبات هذا الوصف، وقال: الكرسي خلق من خلق الله عظيم، والله أعلم به، واقتصر على هذا.
وعلى كل حال لا شك أن العرش والكرسي حق -كما قال المؤلف ﵀ لثبوت ذلك في النصوص.
стр. 131
إثبات استواء الله على عرشه
ثم قال ﵀: (وهو مستغن عن العرش وما دونه) .
يشير بهذا ﵀ إلى استواء الله على العرش، فإن الله استوى على العرش، واستواؤه ثابت بالكتاب والسنة ثبوتاً لا ريب فيه ولا شك، فإن الله أخبر باستوائه على العرش في مواضع عديدة من كتابه الحكيم فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] تكررت في سبعة مواضع من الكتاب الحكيم.
وجاء ذلك -أيضاً- في حديث عمران وفيه: (ثم استوى على العرش) وهو في الصحيحين، فاستواء الله على العرش ثابت لا مرية فيه ولا شك، وأهل السنة والجماعة أثبتوا الاستواء على ما جاء في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، فقالوا: الرحمن على العرش استوى كما قال الرب جل وعلا، وأنكر هذا من أنكره من المتكلمين وعلى رأسهم الجهمية، فإنهم أنكروا استواء الله على عرشه.
وتبعهم على هذا جماعة من مثبتة الصفات -كالأشاعرة- فأنكروا الاستواء الذي يثبته أهل السنة والجماعة، وأثبتوا الاستواء بمعنى الاستيلاء، وقالوا: استوى على العرش أي: استولى عليه، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وتركوا المعنى المتبادر الذي فسره السلف وبينوه إلى معنىً غير ثابت في اللغة، بل في ثبوته في اللغة خلاف: هل يطلق استوى بمعنى استولى؟ العلماء مختلفون في ذلك، والصحيح: أن الاستواء معناه العلو والارتفاع.
وقد جمع ابن القيم ﵀ في نونيته كلام أهل العلم في تفسير الاستواء فقال: ولهم عبارت عليه أربع قد حصلت للفارس الطعان وهي: استقر وقد على وكذا ار تفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع وأبو عبيدة صاحب الشيباني فالمعاني أربعة: ارتفع، وعلا، وصعد، واستقر.
ثم اعلم أن الاستواء الذي يثبته أهل السنة والجماعة لا يلزم عليه نقص؛ لأن كلام الله حق، كما قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] ، وما كان حق فلا يمكن أن يلزم عليه لازم باطل مهما كان وكيفما كان، وإنما اللوازم الباطلة التي يلزم بها أهل الباطل أهل السنة والجماعة إنما جاءت من الأفهام السقيمة، والآراء الباطلة، والأقوال المنحرفة، والآراء الضالة.
فلما كان أهل السنة والجماعة على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة ﵃ سالمين من هذه البدع كانوا على الصراط المستقيم، يعملون بما في الكتاب من الهدى والحق ويقبلونه، فكانوا في روح ونور كما قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى:٥٢] فالقرآن روح ونور، وأعظم الروح والنور ما كان عليه الصحابة ﵃؛ لأنهم لم تدخلهم هذه البدع التي حصل بها التحريف والتضليل، والانحراف عن الصراط المستقيم.
وكل من سار على طريقهم فله من الروح وهو: الحياة، والنور وهو: الهداية بقدر ما يستمسك بالكتاب المبين، والمؤمن إذا عمل بهذا وفق إلى خير كثير، وصرف عنه شر كثير.
أما إذا تبع هذه الأقوال الباطلة والآراء المنحرفة خفت صولة الحق في قلبه، وخفي نور الهدى من فؤاده، ووقع في أنواع الضلال والردى.
ثم قال ﵀ في الجواب عما ألزم به أهل الباطل أهل الحق من إثبات صفة الاستواء: (وهو مستغن عن العرش) سبحانه وبحمده، فهو الغني الحميد لا حاجة به إلى شيء من خلقه، وإنما استواؤه تعظيم واصطفاء، فهو دال على عظمته ، وهو المتصف بصفات الكمال، ولله المثل الأعلى، وهو اصطفاء واختيار لهذا المخلوق من سائر الخلق حيث أضاف الاستواء إليه، والله جل وعلا لا معقب لحكمه يخلق ما يشاء ويختار، فمن جملة ما اختاره هذا العرش، فهو سبحانه اختاره وخصه بهذه الخاصية العظيمة وهي: أنه جل وعلا استوى عليه.
لكن لا تتوهم أنه محتاج إلى العرش، بل هو الغني عن كل شيء، فالغنى وصف له ذاتي ، وكل شيء مفتقر إليه، ولا غنى للخلق عنه ، وهو الغني الحميد جل وعلا؛ ولذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] فكل خلقه مفتقرون إليه، هو الصمد الذي تذل له الرقاب، وتنزل به الحوائج مع كمال غناه ، فقول المؤلف: (وهو مستغن عن العرش وما دونه) أي: سائر الخلق؛ لئلا يتوهم متوهم من إثبات صفة الاستواء افتقار الله جل وعلا إلى العرش.
ولله المثل الأعلى: الآن السماء فوق الأرض فهل هي محتاجة في استقرارها إلى الأرض؟
الجواب
لا، فلا يلزم من علو المخلوق على الشيء أو استوائه عليه أن يكون محتاجاً إليه، فاقطع هذه الأوهام الباطلة، وإياك أن تصغي إلى شبه المشبهين، فإنهم يوقعون في الردى.
стр. 132
إحاطة الله بخلقه
قال ﵀: (محيط بكل شيء وفوقه) هذا بيان أن الله محيط بكل شيء؛ لعظمته وسعته وكبره ، فهو الكبير المتعال، وهو الذي أحاط بكل شيء، كما قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢] فأحاط بخلقه علماً, وأحاط بخلقه قدرة ، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، الأول: الذي ليس قبله شيء، والآخر: الذي ليس بعده شيء، والظاهر: الذي ليس فوقه شيء، والباطن: الذي ليس دونه شيء، وبهذا ثبت له جل وعلا الإحاطة الزمانية، والإحاطة المكانية سبحانه وبحمده.
فالله جل وعلا محيط بكل شيء، وفوقه، أي: وهو عليه مستعلٍ على كل شيء ، ولا شك أنه هو العلي العظيم سبحانه وبحمده؛ ولذلك ختمت أعظم آية في كتاب الله بهذين الوصفين: بإثبات صفة العلو والعظمة، فعلو الله ثابت على كل شيء، وفوقية الله ثابتة على كل شيء، والعلو الثابت له هو: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر.
كل هذه المعاني الثلاثة ثابتة للرب جل وعلا، وأهل التحريف والانحراف لم يثبتوا علو الذات، بل قالوا في كل ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات العلو لله : إنه علو القدْر، أو علو القهر، وهذا ثابت للرب جل وعلا، ولكن لا نعطل المعنى الثالث، وهو صفة كمال للرب .
قال ﵀: (وقد أعجز عن الإحاطة خلقه) أعجز عن الإحاطة خلقه، فخلقه مهما بلغ قدرهم وقدراتهم لا يتمكنون من الإحاطة بالرب جل وعلا، لا الملائكة ولا غيرهم، كلهم لا يتمكنون من الإحاطة به سبحانه وبحمده، فهو الكبير المتعال، وهو المحيط بكل شيء، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
وهذا فيه شيء مما اتصف به وهو العلم، لا يتمكنون من الإحاطة بشيء من ذلك، وقال جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] أي: لا يتمكنون من الإحاطة بعلمه ، فنفى الله الإحاطة بشيء من صفاته، والإحاطة به جل وعلا، وأيضاً: نفى الإحاطة الحسية، وذلك بإدراك البصر فقال : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار سبحانه وبحمده، فنفى الله جل وعلا أن تدركه الأبصار؛ وذلك لعظمه وكماله، فخلقه لا يتمكنون من الإحاطة به.
وعلى هذا يحمل ما جاء في الأثر عن أبي سعيد الخدري ﵁ في تفسير الآية قال ﵁: (لو أن الخلق كلهم -الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين- صفوا صفاً واحداً منذ خلقهم الله إلى آخرهم ما أحاطوا بالله جل وعلا) مع تعددهم، واختلاف قدراتهم، وكثرتهم؛ لا يحيطون بالرب جل وعلا، وقد ورد هذا الأثر مرفوعاً إلا أنه لا يصح مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والمراد: أن الخلق عاجزون عن أن يحيطوا بالرب ، وإذا كان كذلك فالواجب عليهم أن يقدروا الله جل وعلا عن توهم الإحاطة به، أو العلم بحقائق ما أخبر به عن نفسه .
стр. 133
إثبات صفة المحبة لله
ثم قال ﵀: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم الله موسى تكليماً إيماناً وتصديقاً وتسليماً) .
يقول ﵀: (نقول) أي: في عقدنا وما ندين الله به وما نتعبد له به: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، (اتخذ) أي: اصطفى وصير إبراهيم خليلاً له ، وفي هذا إثبات صفة المحبة لله ، إثبات أنه يحِب وأنه يُحب؛ لأنه إنما اصطفاه وصيره خليلاً له لكونه يحبه، ففي هذا إثبات أنه يحب عباده وأن عباده يحبونه، وقد أنكر الجهمية أن يحب الله عباده أو أن يُحبوه، فقالوا: لا يحب ولا يُحب، نسأل الله ألا يحرمنا فضله، لماذا قلتم كذا؟ قالوا: لأنه لا مناسبة بين الخالق والمخلوق؛ وإنما يحب الإنسان ما يناسبه، فالمحبة تكون بين المتناسبين، ولا مناسبة بين الخالق والمخلوق، فضلوا بهذا ضلالاً مبيناً حيث أنكروا ما أثبته الله في كتابه، فإن الله أثبت أنه يحَب من عباده، وأنه يُحِب منهم، قال : ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، وفي غير ما آية قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤] ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] والآيات في إثبات محبة الله لعباده كثيرة.
وأما محبة العباد لله فهي ثابتة أيضاً في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، وفي قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ، وهذا فيه إثبات المحبة من الله لعباده، ومن العباد للرب جل وعلا.
فيقال لهؤلاء الضالين: أي مناسبة للمحبة أعظم من مناسبة خلق الله إياك، ورزقه إياك، وإمدادك بكل خير؟! إن مناسبة الخلق أعظم مناسبة؛ لأنه من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان أنه خلقه وأوجده من العدم، ورزقه وأمده بالخيرات، وعافاه وأصلح شأنه وتولى أمره، فهو الرب جل وعلا الذي بلغ بالإنسان غاية الكمال، فتدرج به في مدارج الفضل والإحسان إلى أن بلَّغه درجة الكمال في الخلق، ودرجة الكمال في الاهتداء، حيث دله وهداه الصراط المستقيم كما قال : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ، فمن ضل بعد ذلك فإنما يضل على نفسه، لكن الله جل وعلا دل الناس على سبيل النجاة.
فأعظم مناسبة هي ما بين الخالق والمخلوق، ولكن كما قال الله جل وعلا: ﴿فإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] نعوذ بالله من الخذلان! وضل في هذه الصفة -صفة المحبة- مثبتة الصفات حيث قالوا: إن الله لا يحب المحبة التي يثبتها أهل السنة والجماعة، إنما محبة الله إرادته الثواب؛ لأنههم لا يثبتون الصفات الفعلية لله جل وعلا، والمحبة صفة فعلية؛ لأنها معلقة بالمشيئة، فمن شاء الله أحبه، ومن شاء لم يحبه.
والصحيح هو: ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات هذه الصفة العظيمة للرب .
стр. 134
إثبات صفة الكلام لله جل وعلا
قال ﵀: (وكلم الله موسى تكليماً) هذا فيه إثبات صفة الكلام لله ، وقد أثبت الله جل وعلا هذه الصفة إثباتاً واضحا ًبيناً حيث أكد ذلك بالمصدر (تكليماً) ، فهذا فيه تأكيد هذه الصفة، وقد ثبتت هذه الصفة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل؛ ولذلك يثبت الكلام مثبتة الصفات الذين يخالفون أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات، لكن إثباتهم للكلام فيه انحراف.
وعلى كل حال هم في الجملة أثبتوا صفة الكلام، لكنه كلام غير الذي يثبته أهل السنة والجماعة للرب، فإنهم أثبتوا كلاماً نفسانياً لا الكلام الذي يثبته أهل السنة والجماعة، ويعقله أهل اللغة، وقد تقدم شيء من الكلام على هذه الصفة.
والمقصود: أن الله أخبر في كتابه أنه كلم موسى، وهذا التكليم هو غاية ما خص الله به بني البشر، فإن الله ذكر مراتب الإيحاء فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهذا الذي جرى لموسى ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] وهذه ثالث المراتب التي يكون بها الوحي ويكون عليها الوحي.
الذي جرى لموسى ﵇ هو أن الله كلمه؛ ولذلك لم يذكر موسى في وجه التفضيل إلا وذكر الله امتنانه عليه بالكلام، فالله خص موسى بوصف لم يدركه أكثر الخلق، بل ما حصل له من هذه الصفة لم يدركه أحد، فهو من خصائصه، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فتأكيد التكليم بالمصدر فيه تأكيد الكلام، وفيه أنه تكليم عظيم اختص الله به موسى دون غيره من الرسل.
وأما نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد كلمه الله في ليلة المعراج من غير رسول، أي: من غير واسطة، لكن مع هذا فالذي اختص به موسى فوق ذلك، ومعلوم أن إثبات الفضل في شيء معين لا يلزم التفضيل من كل وجه، فثبوت هذه الفضيلة لموسى ﵇ لا يلزم منها أن يكون أفضل من النبي ﷺ ، بل النبي ﷺ سيد ولد آدم، وهو أفضل الرسل صلى الله عليهم وسلم، وهو أفضل أولي العزم.
والذي اختص به موسى أمران: الأمر الأول: أن الله ابتدأ الوحي إليه بالتكليم مباشرة كما قال : ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] فذكر المناجاة، وقد جرت المناداة لغيره كما قال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢] فقد جرت المناداة لغيره، لكن قال فيه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم:٥٢] ، وهذا لم يحصل لأحد، وهذا مما اختص الله به موسى، فالذي خص الله به موسى أنه ابتدأ الوحي إليه بالتكليم المباشر بخلاف غيره من الرسل فإن ابتداء الرسالة إليهم كانت بواسطة جبريل ﵇.
الأمر الثاني: مما اختص الله به موسى ﵇ في التكليم أنه أعطاه من التكليم ما لم يعط غيره، كما قال تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ فإن هذا لم يذكر لغيره.
فما خص الله به موسى من التكليم في صفة التكليم أمر لم يدركه أحد من النبيين؛ ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣] ثم قال: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فبعد أن ذكر الله جل وعلا الإيحاء الذي اشترك فيه النبيون والمرسلون ذكر ما اختص به موسى ﵇ فقال -بعد ذكر الإيحاء العام-: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ .
فعلم من هذا أن ما خص الله به موسى مختلف عما أدركه أولئك حتى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن المعلوم أن ثبوت الفضيلة الخاصة لا يلزم منها التفضيل من كل وجه، فإن الله يصطفي من خلقه ما يشاء، كما قال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] .
стр. 135
الإيمان بالملائكة
قال المصنف ﵀: [ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين.
ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين] .
يقول ﵀: (ونؤمن بالملائكة والنبيين) الإيمان بالملائكة من أصول الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] فذكر الله جل وعلا بعد الإيمان به وباليوم الآخر الإيمان بالملائكة.
فالإيمان بالملائكة من أصول الإيمان، وقال النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته) فالإيمان بالملائكة من أصول الإيمان.
والذي يتضمنه الإيمان بالملائكة أن نؤمن بأنهم خلق من خلق الله، خلقهم جل وعلا من نور، وأن الله اصطفاهم فأسكنهم السماوات كما قال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦] فهم أهل السماوات.
واصطفاهم الله جل وعلا بأن جعل منهم رسلاً بينه وبين الخلق من بني آدم كما اصطفى جبريل ﵇، واصطفى منهم -أيضاً- من أوكل إليه شئون الخلق كالمطر، وأحوال الناس، وما إلى ذلك.
عددهم لا يعلمه إلا الله، فنؤمن بمن ذكره الله منهم تعييناً كجبريل وميكال وإسرافيل، ونؤمن بمن ذكره الله جل وعلا منهم على وجه العمل والوظيفة كقوله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، وكملك الموت ومن يعينه في قبض الأرواح.
ونؤمن بمن ذكر على وجه الإجمال من أنه ما من موضع أربعة أصابع في السماء إلا وفيه ملك لله ساجد أو راكع.
ونؤمن بأنهم مخلوقون للعبادة، فالله جل وعلا خلقهم للعبادة كما قال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠] هذا كله من جملة الإيمان بالملائكة.
стр. 136
الإيمان بالنبيين والكتب
ثم قال ﵀: (والنبيين) أي: نؤمن بالنبيين من أُخبرنا بهم على وجه التعيين، ومن أخبرنا بهم على وجه الإجمال، فالنبيون منهم من عين، ومنهم من لم يُعين، فنؤمن بأن الله اصطفى من البشر أنبياء، واصطفى منهم رسلاً، وهؤلاء خصهم الله بالوحي وبالفضائل، فنؤمن بمن عُين منهم، ونؤمن بمن لم يُعين منهم.
وذلك الكتب نؤمن بأن الله أنزل كتباً، وأنه ما أرسل رسولاً إلا وأرسل إليه كتاباً، وأن الكتب كلام الله جل وعلا، فكل كتاب أنزله الله على رسول فقد تكلم به حتى التوراة، فلا يمنع كون الله كتبها لموسى بيده أنه تكلم بها، بل تكلم بها سبحانه وبحمده.
قال ﵀: (والكتب المنزلة على المرسلين) أي: نؤمن بها جميعاً، وجعل الكتب منزلة على المرسلين؛ لأن الأصل في إنزال الكتب أنها إلى الرسل، وأما الأنبياء فإنهم يكونون تابعين لكتب الرسل الذين من قبلهم، ولا يخصون بكتب خاصة.
قال: (ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين) أي: على الحق الواضح البين الذي لا خفاء فيه ولا التباس، ولا شك في هذا.
стр. 137
أهل القِبْلة
ثم قال ﵀ بعد ذكر هذه الأصول من أصول الإيمان وهو الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب قال: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين) أهل القبلة هم: أهل الإسلام، وهذا اللفظ مستعمل في كلام العلماء في وصف كل مسلم لقول النبي ﷺ : (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذاك المسلم) حيث جعل النبي ﷺ من قام بهذه الخصال مسلماً، فأثبت له وصف الإسلام بهذه الأمور الثلاثة.
وإنما خصت القبلة بإضافة أهل الإسلام إليها؛ لأنهم يجتمعون عليها، فأهل الإسلام حيثما كانوا يتوجهون في صلاتهم إلى القبلة، فلما كانت هي عنوان اجتماعهم نسبوا إليها، فحيثما وجدت في كلام العلماء: أهل القبلة فهم: أهل الإسلام، وفي بعض المؤلفات يطلقون على أهل الإسلام أهل الصلاة؛ لأنه لا خلاف بينهم في وجوبها، فهي ثاني أركان الإسلام بعد التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
يقول ﵀: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين) تسميتهم بالمسلمين لا شك في ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: (فذاك المسلم) فمن استقبل القبلة فهو مسلم، ومن هذا أخذ بعض أهل العلم أن الإسلام يثبت بفعل كل ما هو من خصائص أهل الإسلام، ولا يلزم أن ينطق بالشهادتين، لكنه يطالب بها، لكنّ حكم الإسلام يجري عليه بأن يفعل ما يختص بأهل الإسلام، وما يختص به المسلمون عن غيرهم.
فمن استقبل القبلة حُكم له بأنه مسلم، ثم نُظر هل يأتي بما بقي، فإن أتى بما بقي جرى عليه حكم الإسلام، وإن امتنع عما بقي مما يجب عليه كان مرتداً؛ ولذلك ذكر الفقهاء أن من صلى مع المسلمين فهو مسلم حكماً، أي: يجري عليه حكم الإسلام.
قال ﵀: (ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين) أي: مقرين وقابلين.
قال: (وله بكل ما قال وأخبر مصدقين) ، ولا شك أن من كان منه ذلك فإنه مسلم؛ لأن الإسلام يثبت بالشهادتين، فمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله فهو المسلم؛ لأن هاتين الشهادتين تتضمنان الاعتراف بما جاء به النبي ﷺ إجمالاً، والقبول لها، والتصديق لما جاء به من أن الله واحد وأنه إله حق، وأن ما سواه من الآلهة باطل، وأن رسول الله يبلغ عنه.
ففي قول المؤلف ﵀: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين) قوله: (مسلمين مؤمنين) هذا فيمن حقق ما ذكر المؤلف ﵀، ولكن اعلم أن الإسلام والإيمان من الألفاظ والأسماء التي تختلف دلالتها باختلاف الاجتماع والافتراق، فإذا اجتمع الإسلام مع الإيمان كان الإسلام مما يتعلق بالعمل الظاهر، والإيمان مما يتعلق بالعمل الباطن.
وأما إذا افترقا فإن معنى كل واحد منهما يشمل الآخر، ويدخل فيه الآخر، وسيأتي تقرير هذا في بحث الإيمان في كلام المؤلف ﵀.
فقوله ﵀: (مسلمين مؤمنين) لعله أراد: من كمل الظاهر والباطن، أما من اقتصر فقط على الاعتراف بما جاء به النبي ﷺ ، وصدق ما جاء به النبي ﷺ مجرد تصديق، فإن هذا لا يوصف بالإيمان، يعني: من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأتى بأركان الإسلام لا يوصف بالإيمان حتى يباشر الإيمان قلبه، كما قال الله جل وعلا في الأعراب: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] (لمّا) التي تفيد نفي الشيء مع قرب حصوله ووجوده، فدل هذا على الفرق بين مسمى الإيمان ومسمى الإسلام في حال الاجتماع، فهذا لعله من جملة ما يلاحظ على كلام المؤلف ﵀.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 138
شرح العقيدة الطحاوية [١٣]
مَنْ أكثر المجادلة في الدين أكثر الشك والتنقل؛ فيجب على المسلم أن يبتعد عن المجادلة والمخاصمة والمماراة في الدين، خاصة في ذات الله وأسمائه وصفاته، وهكذا دينه وشرعه، فإن ذلك يورد الهلاك والعطب على صاحبه، والعياذ بالله.
стр. 139
تحريم الخوض والمماراة والمجادلة في الله ودينه وكتابه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله، ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمداً صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، وهو كلام الله تعالى، لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين] .
يقول ﵀: (ولا نخوض في الله) الخوض في أصل استعماله هو الولوج في الماء، ثم استعمل هذا اللفظ على كل دخول في الشيء على وجه باطل، فمراد المؤلف ﵀ في قوله: (ولا نخوض في الله) أي: لا نتكلم فيما يتعلق بالله جل وعلا بالباطل وبغير الحق، وذلك إما أن يكون بسلوك طريق المتكلمين الذين سلكوا غير الصراط المستقيم فيما يتعلق بالله جل وعلا وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإما أن يكون بالإعراض عما جاء في الكتاب والسنة من وصفه، فنقبل بعضاً ونرد بعضاً، فهذا -أيضاً- من الخوض.
ومن الخوض في الله جل وعلا والكلام الباطل فيه تكييف صفاته وتمثيلها، والبحث عن حقائقها وكيفياتها، فإن هذا من الخوض بالباطل؛ لأن هذا مما لا يجوز طلبه، ولا النظر إليه، ولا بحثه؛ لأن الله جل وعلا نهانا عن طلب ذلك والنظر فيه في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وهذا خبر يتضمن معنى النهي عن طلب المثل، بل قال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] ، وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، وما أشبه ذلك مما يفيد النهي عن تمثيل الله ، وطلب الكيفيات لأفعاله وصفاته .
كل هذا يدخل في قول المؤلف ﵀: (ولا نخوض في الله) .
ومن ذلك: التفكر في ذات الله،
و
السؤال
كيف هو؟! وما أشبه ذلك مما يوقع الإنسان في الشك والريب، ولا يصل معه إلى علم ولا يقين؛ ولذلك جاء في الأثر: (تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في ذات الله) .
وقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المؤمن بكف سلسلة الوساوس المتعلقة بالله جل وعلا، فأخبر أن الشيطان يأتي إلى ابن آدم فيقول: من خلق هذا؟ فيقول: الله، من خلق هذا؟ فيقول: الله، من خلق هذا؟ فيقول: الله، ولا يزال به الشيطان حتى يقول: من خلق الله؟ وعند ذلك قال النبي ﷺ : (فليستعذ بالله ولينته) فأمره بالاستعاذة؛ لأن هذا من الشيطان، والانتهاء أي: قطع النظر والخوض في هذا الأمر، فإنه مما يوقع الإنسان في المهالك ويورده المعاطب.
فالواجب على المؤمن ألا يخوض في هذه الأمور، ويقتصر على ما جاء في الكتاب والسنة، فإن فيها الكفاية في معرفة الله جل وعلا، والعلم به .
ومن رام زيادة على ما جاءت به النصوص في الكتاب والسنة فقد تكلف علم ما لم يكلف به، وزاد وغلا، وقد قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) ، ويدخل في هذا الخبر والدعاء الذين يتعمقون في أسماء الله وصفاته.
ثم قال ﵀: (ولا نماري في دين الله) (لا نماري) أي: لا نجادل، والمقصود بالمجادلة هنا: المجادلة بالباطل، أما المجادلة التي يحق بها الحق، ويظهر بها ما جاء به النبي ﷺ ، وما كان عليه السلف الصالح فإنها مطلوبة؛ لأن بها يُخصم الخصم، ويُكبت المعاند، فالرد على المخالفين لطريقة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات بالحجج، ومجادلتهم ومناقشتهم جرى عليه العلماء قديماً وحديثاً، وليس هذا من المراء في دين الله، فالمراء في دين الله أن يجعل الإنسان دينه عرضة للمجادلات والمناقشات، ومن أكثر المجادلة والمناقشة أكثر التنقل وضل؛ ولذلك لما قال أحدهم للإمام مالك: تعال أماريك، قال: (أنا قد عرفت ديني، فاذهب إلى شاك) أو كلمة نحوها، وهذا يدل على أن السلف ﵏ كانوا يوصدون الباب أمام كل هؤلاء المجادلين بالباطل، ويخوضون في دين الله بالظنون والأوهام والنوايا الفاسدة.
ثم قال ﵀ بعد ذلك: (ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين) هذا من التكرار الذي اتصفت به هذه العقيدة، يقول ﵀: (ولا نجادل في القرآن) أي: لا نخاصم في القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن المخاصمة في القرآن، ويشمل هذا المخاصمة في تأويله وتفسيره، والمخاصمة في ضرب بعض آياته ببعض، ويشمل هذا -أيضاً- المخاصمة في القراءات، ويشمل هذا -أيضاً- المخاصمة فيه بالباطل بأن يقر به الإنسان باطلاً، ويبطل به حقاً، فإن هذا من المجادلة في القرآن التي نُهى عنها، كأن يستدل بالقرآن على المعاني الباطلة التي يريد أن يقررها ويحتج لها بالقرآن، وما من شخص يحتج بالقرآن على بدعة أو ضلالة قديمة أو حديثة إلا وفيما استدل به من القرآن ما يبطل دعواه، ويرد باطله.
إذا: ً قوله: (لا نجادل في القرآن) يشمل كل هذا، فالذين يختلفون في القراءات يدخلون في هذا، والذين يختلفون في المعاني ويتخاصمون يدخلون في هذا، والذين يضربون بعض القرآن ببعض يدخلون في هذا، والذين يخالفون ما دل عليه القرآن من أن القرآن كلام الله جل وعلا يدخلون في هذا من باب أولى، كشأن كل المخالفين لأهل السنة والجماعة في مسألة القرآن، وأنه كلام الله جل وعلا.
стр. 140
القرآن كلام الله مخلوق، والرد على القائلين بخلقه
قال المؤلف ﵀: (ونشهد أنه كلام رب العالمين) أي: لا نجادل مجادلة أهل الباطل بنفي أن يكون القرآن كلام الله جل وعلا، بل نثبت بأن القرآن كلام الله ، منه بدأ وإليه يعود كما قال أهل السنة والجماعة، فنشهد أنه كلام رب العالمين، والقرآن كلام رب العالمين لا إشكال في هذا، قال الله جل وعلا في وصف كلامه للقرآن: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] .
فوصف القرآن بأنه كلامه ، ومعلوم أن الكلام صفة لا تقوم إلا بموصوف، فلا يمكن أن يكون مخلوقاً كما زعمته الجهمية، والإقرار بأن القرآن كلام رب العالمين من حيث اللفظ يوافق فيه المعتزلة ويوافق فيه الأشاعرة ومثبتة الصفات، لكنهم يختلفون في تفسير هذه الإضافة، فالمعتزلة يقولون: الإضافة إضافة خلق، فمعنى كلام الله أي: كلامه المخلوق كقول صالح: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٧٣] فأضاف الناقة إلى الله والإضافة هنا إضافة خلق للتشريف.
ومعلوم أن القرآن ليس كالناقة؛ لأن الناقة مخلوق مستقل، أما الكلام فلابد أن يقوم بشيء، وهذا الشيء ليس عيناً قائماً بذاته، فقولهم باطل، فهم يقولون: القرآن كلام الله، ولكنهم لا يوافقون أهل السنة والجماعة في أنه صفة من صفات الله ، بل هم يقولون: هو كلام الله، لكنه مخلوق.
وأما الأشاعرة والماتريدية والكلَّابية فإنهم يقولون: القرآن كلام الله، لكنهم يقولون: كلام نفساني يعني: معنى بغير حرف ولا صوت، وأهل السنة والجماعة يقولون: هو كلامه جل وعلا بحرف وصوت تكلم به على الوجه اللائق به بلا كيف ومعنى بلا كيف أي: لا نكيف، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
ثم قال ﵀: (نزل به الروح الأمين) هذا بيان أن القرآن كلام الله، وأن الروح الأمين جبريل ﵇ تلقاه كلاماً من رب العالمين، ولم ينقله من اللوح المحفوظ كما زعمه من زعمه من المبطلين، فإن جبريل ﵇ تلقى القرآن من الله جل وعلا، ولا يعارض هذا أن القرآن في اللوح المحفوظ، فإن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن القرآن في اللوح المحفوظ كما قال : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] فالقرآن في اللوح المحفوظ الذي كتب الله به كل شيء، لكن تكلم به وقت نزوله.
قال ﵀: (نزل به الروح الأمين) وهذا مما يثبت أنه من الله جل وعلا، والروح الأمين هو: جبريل كما قال : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢] ، وكما قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤] فلا ريب أن القرآن نزل به جبريل ﵇، وقد تلقاه من رب العالمين كلاماً سمعه فنقله.
يقول: (فعلَّمه) الضمير يعود إلى جبريل، علَّم جبريل (سيد المرسلين) أي: علم النبي ﷺ ، وهو يشير بهذا إلى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٥-٦] وهذا الوصف لا إشكال أنه لجبريل، فإنه شديد القوى أي: شديد القوة: (ذُو مِرَّةٍ) أي: ذو هيئة حسنة، وقيل: إن الضمير في الآية يعود إلى الله، لكن الصحيح أن الضمير يعود إلى جبريل ﵇.
يقول: (فعلمه سيد المرسلين محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فالقرآن متلقى من جبريل عن الله .
стр. 141
معنى إضافة القرآن إلى جبريل وإلى النبي ﷺ
يقول ﵀: (وهو) أي: القرآن الكريم (كلام الله تعالى) وهذا إعادة لما تقدم، لكنها إعادة ليبني عليها، فقوله: (لا يساويه شيء من كلام المخلوقين) وهذا فيه الرد على من قال: إن القرآن من كلام جبريل، وفيه الرد على من قال: إن القرآن من كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن الله أضاف القرآن إلى الرسول الملكي والى الرسول البشري أي: إلى جبريل والى النبي ﷺ ، أضافه إلى جبريل في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٠] هذا الرسول هو جبريل ﵇.
وأضافه إلى النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة:٤٠-٤١] ومعلوم أن الذي اُتهم بأنه شاعر هو النبي ﷺ .
فالإضافة إلى النبي ﷺ في هذا الموضع، والإضافة إلى جبريل في الموضع السابق إضافة تبليغ، وليست إضافة إنشاء، وهذا الذي جعل المؤلف ﵀ يقول: (لا يساويه شيء من كلام المخلوقين) ، وقوله: (المخلوقين) يشمل الإنس والجن والملائكة، وكل مخلوق يتصور منه الكلام لا يأتي بمثله، فلو اجتمع الإنس والجن ومن في السماء والأرض على أن يأتوا بمثل القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، بل هو قول رب العالمين الذي لا مثل له ولا ند .
ثم قال: (ولا نقول بخلقه) رد بهذا على الجهمية الذين قالوا: إن القرآن كلام الله مخلوق، وهم الذين جرت منهم الفتنة لعلماء المسلمين، ولأئمة الإسلام في وقت الإمام أحمد ﵀، فالإمام أحمد ابتلي بالجهمية الذين كانوا يفتنون الناس في مسألة خلق القرآن.
قال ﵀: (ولا نخالف جماعة المسلمين) يعني: في جميع ما نعتقد فيما يتعلق بهذا وبغيره، لكن هنا المراد به: لا نخالف جماعة المسلمين في مسألة: القول بأن القرآن كلام الله، ومن هذا نعلم أن جماعة المسلمين قديماً وحديثاً على أن القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير هذا فإنه خالف جماعة المسلمين.
стр. 142
حرمة التكفير بالمعاصي
قال المصنف ﵀: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
] هذا المقطع فيه انتقال من مسألة القرآن إلى بعض مسائل الإيمان، يقول ﵀: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة) أهل القبلة هم أهل الصلاة المسلمون، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وذبح ذبيحتنا فذاك المسلم له ما لنا، وعليه ما علينا) رواه مسلم.
ولهذا يسمى أهل الإسلام (أهل الصلاة) ، وقد سمى بعض أهل العلم مؤلفاتهم به: كمقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، والمقصود بالمصلين: أهل القبلة، فأهل القبلة هم: أهل الصلاة، وهذا شعار على أهل الإسلام يشمل أهل الإسلام جميعهم: مبتدعهم وسنيهم، فكلهم يشتركون في هذا إلا من خرج عن فرق أهل السنة والجماعة الثلاث والسبعين فرقة فإنه ليس منهم.
يقول: (لا نكفر أحداً من أهل القبلة) يعني: من المسلمين (بذنب ما لم يستحله) وهذه العبارة حقيقة فيها عدم اتساق؛ لأن فيها من الإطلاق ما لم يطوِ عليه أهل السنة والجماعة عقداً.
يقول: ﵀: (لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) الذنب هنا يشمل كل ذنب، وهل الشرك ذنب أو ليس ذنباً؟ وهل الكفر ذنب أو ليس ذنباً؟ ذنب، وهل الشرك والكفر يشترط في تكفير صاحبه الاستحلال؟ هل المشرك إذا سجد للصنم -مثلاً- أو الكافر الذي سب الله أو سب رسوله يلزم أن يستحل ذلك، أو يكفر سواء استحل أم لم يستحل؟
الجواب
يكفر سواء استحل أم لم يستحل.
فهذه العبارة فيها من الإطلاق ما يوهم، لكن مراد المؤلف بهذه العبارة: الرد على الخوارج والوعيدية من المعتزلة الذين يكفرون أهل الإيمان بمطلق الكبائر، وبمطلق المعاصي، ولا شك أن قولهم خطأ وضلال مبين، فإن بدعة الخوارج هي أول بدعة ظهرت في الإسلام، ولم يأت في السنة من التحذير والتنفير والتشديد في البدع كما جاء في بدعة الخوارج، فإنها من البدع التي توافرت النصوص على ذمها، وذم أهلها، وبيان سوء حالهم ومنقلبهم، فكانت أول بدعة ظهرت في المسلمين بدعة الخوارج، وهي: بدعة التكفير.
وهذه البدعة دائرة على أنهم يكفرون الناس بمطلق الذنوب، بل بما يرونه ذنباً ولو لم يكن ذنباً، وهذه مسألة أشد يعني: أنهم لا يكفرون بالذنوب التي أجمعت الأمة عليها فقط، بل حتى الذنوب التي هي محل خلاف، أو قد تكون في نظر شخص أنها ذنب، وفي نظر آخر أنها ليست بذنب، فهم يكفرون بمطلق الذنوب، بل وبما يرونه ذنباً، ولو لم يكن كذلك، فقول المؤلف ﵀: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) فيه رد على هذه الفرقة الضالة، ومثلهم المعتزلة الذين قالوا: مرتكب الكبيرة يخرج عن الإيمان، لكنه لا يوصف بالكفر، ويكون في منزلة بين المنزلتين، وهذا القول إنما هو في الدنيا أما في الآخرة فإنهم يوافقون الخوارج في أن مرتكب الكبيرة في النار.
والمؤلف ﵀ يبحث في الأسماء؛ لأنه يقول: (ولا نكفر) يعني: لا نثبت اسم الكفر، والأسماء هي: كافر، مسلم، عاصي، فاسق، هذه هي الأسماء، وأما الأحكام فهي: في الجنة أو في النار، وهل البحث الآن في الأسماء أو في الأحكام؟ البحث في الأسماء.
يقول: (ولا نكفر أحداً) أي: لا نثبت وصف الكفر واسم الكفر لأحد من أهل القبلة، (بذنب) أي: بسبب ذنب، فالباء هنا للسببية (ما لم يستحله) .
لكن هذه العبارة -كما ذكرنا- في إطلاقها نظر، فلابد أن تقيد، وأحسن منها ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ في الواسطية حيث قال في بيان عقد أهل السنة والجماعة: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك -يعني: أهل السنة والجماعة- لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، فقوله: (وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر) هذا يدل على عقد أهل السنة بالمطابقة.
أما ما ذكره المصنف هنا ففيه من الإطلاق والإجمال ما يُدخِل في المعنى نقصاً، وقد علق على هذا شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ بتعليق جيد قال فيه: بسم الله الرحمن الرحيم.
قوله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) مراده ﵀ أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون المسلم الموحد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه كالزنا وشرب الخمر والربا وعقوق الوالدين وأمثال ذلك ما لم يستحل ذلك، فإن استحله كفر لكونه بذلك مكذباً لله ولرسوله خارجاً عن دينه.
أما إذا لم يستحل ذلك فإنه لا يكفر عند أهل السنة والجماعة، بل يكون ضعيف الإيمان، وله حكم ما تعاطاه من المعاصي بالتفسيق وإقامة الحدود وغير ذلك حسب ما جاء في الشرع المطهر، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن سلك مسلكهم الباطل، فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعتزلة يجعلونه في منزلة بين المنزلتين، يعني: بين الإسلام والكفر في الدنيا، وأما في الآخرة فيتفقون مع الخوارج بأنه مخلد في النار، وقول الطائفتين باطل بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وقد التبس أمرهما على بعض الناس لقلة علمه، ولكن أمرهما بحمد الله واضح عند أهل الحق كما بينا، وبالله التوفيق.
اهـ وهذا التعليق جيد يقيد ما في هذه العبارة من إطلاق حيث إن الشيخ ﵀ فسر معنى الذنب في قوله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) فقال: بذنب يرتكبه كالزنا وشرب والخمر والربا وعقوق الوالدين، يعني: من الذنوب المتفق عليها، من الذنوب التي يقع تكفير الخوارج لأصحابها، أما الذنوب التي هي كفر أصلاً كالشرك بالله، والسجود للأصنام، وسب الله، وسب الرسول ﷺ ، والاستهانة بالمصحف، والاستهزاء بآيات الله، وبدين الله، فهذه يكفر بفعلها ولا فرق بين مستحل وغير مستحل.
ومما تقيد به هذه العبارة -أيضاً- أن إطلاق العلماء لقولهم: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) المراد ما عدا الصلاة والزكاة والحج والصيام، فإنه قد وقع الخلاف بين العلماء في كفر تارك هذه الأركان، وأقوى ما في ذلك من الخلاف الخلاف في ترك الصلاة، فإن من العلماء من يرى أن ترك الصلاة كفر ولو لم يجحد الإنسان وجوبها، مع أنه من جملة الذنوب، لكنه كفر، فقوله ﵀ (بذنب) يشمل الذنوب التي هي مخالفات وارتكاب المنهيات، ويشمل -أيضاً- الذنوب التي هي ترك للواجبات.
لكن يستثنى من ترك الواجبات أركان الإسلام فإنه قد وقع خلاف بين أهل العلم في ذلك؛ ولذلك شيخ الإسلام ﵀ قيد العبارة هذه في بعض مؤلفاته وهي قوله: (وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج) فقيدها بما عدا الأصول، فإنهم مختلفون في كفر تارك الصلاة، ومختلفون في كفر تارك الزكاة، ومختلفون في كفر تارك الحج، ومختلفون في كفر تارك الصيام.
إذاً: هذه العبارة فيها مأخذ، أما قوله ﵀: (ما لم يستحله) فهذا قيد مهم في الذنوب كالزنا والخمر وما أشبه ذلك، فإن من استحل هذه الذنوب فهو كافر ولو لم يفعلها، يعني: من استحل الزنا وقال: الزنا حلال فإنه كافر ولو لم يزن، ولو كان أعف الناس.
ومن قال: الخمر ليست بحرام، فإنه كافر ولو لم يشربها، والمراد بقول المؤلف ﵀: (ما لم يستحله) : ما لم يكن هناك تأويل، فإذا استحله بالتأويل فهل يكفر أو لا يكفر؟ الجواب: لا يكفر؛ لأنه استحل ذنباً من الذنوب بالتأويل، كمن يستحل الربا في هذه الأوراق النقدية الآن، ويقول: لا يجري فيها الربا على مذهب المتقدمين من الفقهاء في جميع المذاهب، في مذهب الإمام أبي حنيفة، وفي مذهب مالك، وفي مذهب الشافعي، وفي مذهب أحمد، فيقول: هذه ليس فيها ربا، وعلى هذا فكل ما يجري من الربا ليس محرماً، فهذا فيه استحلال لصورة من صور الربا، لكن هل يكفر به صاحبه؟ الجواب: لا يكفر به صاحبه، لماذا؟ الجواب: لأن هذا متأول، والمسألة فيها خلاف قديم، فأول ما نشأت هذه الأوراق النقدية وقع فيها الخلاف بين العلماء، هل يجري فيها الربا؟ وهل تأخذ حكم النقدين أو لا تأخذ حكم النقدين؟ ففي مثل هذه الأمور ينبغي للمؤمن أن يتروى وألا يستعجل، فالاستحلال إذا كان مقترناً بتأويل فإنه لا يكفر صاحبه، لكن الواجب أن يبين له الحق، ولا تعجب فإنه قد جاء أن قدامة بن مظعون ﵁ -وهو من أهل بدر- استحل الخمر في زمن عمر بالتأويل، حيث ظن أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣] ظن أن هذه الآية تفيد إباحة الخمر، فشرب الخمر ﵁ هو وجماعة معه، ظناً منهم أن هذا مباح، وأنه ليس عليهم حرج، فكتب إليه عمر، وجمع الصحابة وشاورهم، فرءوا أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا.
فهؤلاء استحلوا محرماً، لكنهم استحلوه بالتأويل، ومع ذلك لم يكفرهم عمر، بل استتابهم ﵁، وبين لهم تحريم الخمر، ثم جلدهم على شربه، فعظم الأمر على قدامة ﵁، واشتد عليه ما وقع منه من استحلال ما حرم الله ورسوله حتى بلغ به الأمر أن يئس من رحمة الله، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ بأول سورة غافر: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣] فلا أدري أي سوء أتيت أعظم: استحلالك للخمر أم يأسك من رحمة الله؟! فبين له أن ما جرى منه خطأ، والله جل وعلا يقبل التوبة، وقال: فتب ولا تيئس من رحمة الله، فإنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الضالون.
فالمهم أن استحلال المحرم -استحلال الذنب- بتأويل لا يكفر به صاحبه، وهذا شاهد قائم من عهد الصحابة ﵁ في خلافة عمر الفاروق، ولذلك يا إخواني! ينبغي للمؤمن في مسألة التكفير أن يتروى، وألا يستعجل، وأن ينظ
стр. 143
مذهب أهل السنة في الإيمان والرد على المرجئة
قال المصنف ﵀: [ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله] هذه العبارة من المؤلف ﵀ فيها الرد على المرجئة وهم من قابل الخوارج.
وانظر -يا أخي- إلى البدع كيف ينشأ عنها بدع، ويتولد عنها شرور، ومن الشرور التي تتولد عن البدع: أن البدعة تسبب بدعة أخرى، وتدعو إلى بدعة أخرى، فبدعة الخوارج الذين غلوا في التكفير فكفروا الزاني، وكفروا شارب الخمر، وكفروا المرابي، وكفروا كل من وقع في كبيرة، بل كفروا بما يرون أنه ذنب وليس بذنب حتى كفروا أفاضل الصحابة ﵃، قابلتهم بدعة المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله مهما كان الذنب، يعني: لو جاء رجل -نعوذ بالله- ورمى المصحف وداسه وبال عليه وتغوط -نعوذ بالله- ما يكفر؛ لأن هذا ذنب ما يحصل به الكفر عند هؤلاء، وما دام مصدقاً بقلبه فلا يضره ما يفعله من الأفعال، ولو يمسي ويصبح على سب الله ورسوله ما يكفر؛ لأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وما هو الإيمان عندهم؟ الإيمان عندهم: مجرد المعرفة، فمن عرف الله فهو مؤمن، ولو لم يركع لله ركعة، ولو لم يقم بعمل صالح، بل ولو قام بما قام به من الكفر، فلو سجد للصنم -وهو مؤمن على زعمهم- لا يضره مع الإيمان ذنب، وهذا قول خطير؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) أي: بل الذنوب تضر، وضررها متفاوت، منها ما يضاد الإيمان ويرفعه، وهذا في الاعتقاد والعمل: في الاعتقاد كأن يعتقد أن غير الله ينفع ويضر، أو أن يجحد ما تيقن أنه جاء به النبي ﷺ .
وفي العمل كأن يسجد للصنم، أو يدعو غير الله، أو ما أشبه ذلك من المكفرات العملية، فهذا يضر الإيمان ويرفعه.
إذا: ً من الذنوب ما يضاد الإيمان في الاعتقاد والعمل، ومنها ما ينقص الإيمان ولا يضاده، وهذا الذي ينقص الإيمان ويضاده يشمل كل الذنوب صغيرها وكبيرها، فإن الذنوب صغيرها وكبيرها على تفاوتها واختلافها تضر صاحبها، وتنقص مرتبته، ولكنها لا ترفع عنه وصف الإيمان، فالزاني مؤمن بإيمانه، وفاسق بكبيرته؛ ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: (ولا يسلبون اسم الإيمان عن الفاسق الملي) يعني: من كان فاسقاً من أهل الملة لا يُسلب عنه مطلق الإيمان، يعني: الإيمان بالكلية، ولا يُثبت له الإيمان المطلق، فلا نقول: هو مؤمن كامل الإيمان كما تقول المرجئة، ولا نقول: إنه لا إيمان معه كما تقول الخوارج، بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 144
شرح العقيدة الطحاوية [١٤]
لا يجوز تكفير مسلم إذا ارتكب ذنباً من الذنوب ما لم يستحله، لكن المعاصي تنقص الإيمان، وتعرض للعقاب، ولا نشهد لأحد بعينه بجنة ولا نار إلا من ثبت له ذلك بنص من الكتاب أو سنة المصطفى ﵊.
стр. 145
رجاء دخول المؤمنين الجنة برحمة الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فقال المصنف ﵀: [ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم.
والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة.
ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.
] قوله ﵀: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) تقدم أن هذا الكلام ينفي فيه المؤلف ﵀ عقد المرجئة الغلاة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب مهما كان، ويعرِّفون الإيمان بأنه المعرفة، ولا شك أن هذا من أردى الأقوال في تعريف الإيمان، وفي هذا تجرئة لكل صاحب عصيان أن يقع فيما شاء من مخالفة الملك الديان؛ لأنه إذا كان لا يضر مع الإيمان ذنب فالإيمان لا يتأثر ولا ينقص ولا يتغير بما يرتكب الإنسان من الذنوب وما يواقع من السيئات، فإن هذا يحمل العاصي على الاستمرار في عصيانه، والتمادي في خروجه عن الصراط المستقيم، وقد تقدم الكلام على هذا.
ثم قال المؤلف ﵀: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين) المحسنون من أهل الإيمان هم: الذين عبدوا الله كأنهم يرونه، فإن قصروا فهم يعبدون الله جل وعلا موقنين بأنه يراهم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تعريف الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) والمراد: أنهم عملوا بالطاعات، وانتهوا عن المعاصي والسيئات الظاهرة والباطنة، فهؤلاء نرجو لهم أن يعفو الله جل وعلا عنهم ما يكون منهم من التقصير والخطأ، فإنه مهما بلغ الإنسان في الإحسان فلابد وأن يكون عنده تقصير وإخلال مهما كان، حتى الأنبياء والرسل يكون منهم شيء من التقصير؛ ولذلك لا يأمن أحد على نفسه، ولا يجوز أن يأمن من مكر الله كما سيأتي في كلام المؤلف ﵀، بل يجب عليه أن يلاحظ ما معه من التقصير، وأن يراقب الله جل وعلا، وأن يخاف أن يؤاخذه بذنبه وسيئاته.
يقول ﵀: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم) يعني: أن يعفو الله جل وعلا عنهم ما كان من التقصير، والعفو يتضمن الستر والتجاوز والصفح، فيستر عليهم ما كان من الذنوب، ويعفو ويتجاوز ويصفح عما كان من الذنوب.
قال: (ويدخلهم الجنة برحمته لا بعملهم) فإن النبي ﷺ قال: (واعلموا أنه لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني بالله برحمته) وهذا يوجب للإنسان عدم الاغترار بما يكون معه من الأعمال، مهما زكت، ومهما صلحت، ومهما كثرت، ومهما اجتهد في إتقانها فإنه إن لم تدركه رحمة الله جل وعلا فلا فلاح له ولا نجاح.
ومن توفيق الله ورحمته: أن يوفق الله جل وعلا العبد إلى العمل الصالح، فلا نجزم لأحد بفوز، ولا نقول: إنه من أهل الجنة كما قال ﵀: (ولا نأمن عليهم) أي: لا نأمن أن يغير الله حالهم، ولا نأمن أن يعاقبهم الله جل وعلا، فقد يغير الله حال المحسن إلى الإساءة، وقد يؤاخذ الله جل وعلا من ظاهره الإحسان بسيئ عمله، ومعلوم أن من أعمال القلوب التي لا تظهر للناس ما يكون سبباً لحبوط العمل مهما زكى وحسن.
فينبغي لأهل السنة ألا يأمنوا على أحد، ومن ذلك: ألا يأمنوا على أنفسهم، فإنه من أمن على نفسه مكر الله جل وعلا فإنه داخل في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، وهذا نفي الأمن إلا من الخاسرين: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] أتى في تقرير ذلك بالنفي والإثبات الدال على أن كل من أمن من مكر الله فهو خاسر، ومكر الله جل وعلا يدرك العبد بسيئ عمله، فإن الله لا يظلم الناس شيئاً، فإذا تمادى الإنسان في معاصيه ولو كانت صغيرة، أو اغتر بعمله الصالح وأعجب به، ورأى لنفسه فضلاً على الناس وارتفاعاً وعلواً؛ فلا يأمن أن يؤاخذه الله بما في قلبه، فيفضحه ويسيء خاتمته، وهذا معنى حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة -في بعض الروايات: فيما يرى الناس- حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) .
فالواجب على المؤمن أن يحذر من الأمن من مكر الله، وألا يغتر بحاله الحاضرة، بل يكون على وجل مما يستقبل.
следующие страницы →