Полный текст (230 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
معنى إضافة القرآن إلى جبريل وإلى النبي ﷺ
يقول ﵀: (وهو) أي: القرآن الكريم (كلام الله تعالى) وهذا إعادة لما تقدم، لكنها إعادة ليبني عليها، فقوله: (لا يساويه شيء من كلام المخلوقين) وهذا فيه الرد على من قال: إن القرآن من كلام جبريل، وفيه الرد على من قال: إن القرآن من كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن الله أضاف القرآن إلى الرسول الملكي والى الرسول البشري أي: إلى جبريل والى النبي ﷺ ، أضافه إلى جبريل في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٠] هذا الرسول هو جبريل ﵇.
وأضافه إلى النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة:٤٠-٤١] ومعلوم أن الذي اُتهم بأنه شاعر هو النبي ﷺ .
فالإضافة إلى النبي ﷺ في هذا الموضع، والإضافة إلى جبريل في الموضع السابق إضافة تبليغ، وليست إضافة إنشاء، وهذا الذي جعل المؤلف ﵀ يقول: (لا يساويه شيء من كلام المخلوقين) ، وقوله: (المخلوقين) يشمل الإنس والجن والملائكة، وكل مخلوق يتصور منه الكلام لا يأتي بمثله، فلو اجتمع الإنس والجن ومن في السماء والأرض على أن يأتوا بمثل القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، بل هو قول رب العالمين الذي لا مثل له ولا ند .
ثم قال: (ولا نقول بخلقه) رد بهذا على الجهمية الذين قالوا: إن القرآن كلام الله مخلوق، وهم الذين جرت منهم الفتنة لعلماء المسلمين، ولأئمة الإسلام في وقت الإمام أحمد ﵀، فالإمام أحمد ابتلي بالجهمية الذين كانوا يفتنون الناس في مسألة خلق القرآن.
قال ﵀: (ولا نخالف جماعة المسلمين) يعني: في جميع ما نعتقد فيما يتعلق بهذا وبغيره، لكن هنا المراد به: لا نخالف جماعة المسلمين في مسألة: القول بأن القرآن كلام الله، ومن هذا نعلم أن جماعة المسلمين قديماً وحديثاً على أن القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير هذا فإنه خالف جماعة المسلمين.
стр. 142
حرمة التكفير بالمعاصي
قال المصنف ﵀: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
] هذا المقطع فيه انتقال من مسألة القرآن إلى بعض مسائل الإيمان، يقول ﵀: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة) أهل القبلة هم أهل الصلاة المسلمون، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وذبح ذبيحتنا فذاك المسلم له ما لنا، وعليه ما علينا) رواه مسلم.
ولهذا يسمى أهل الإسلام (أهل الصلاة) ، وقد سمى بعض أهل العلم مؤلفاتهم به: كمقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، والمقصود بالمصلين: أهل القبلة، فأهل القبلة هم: أهل الصلاة، وهذا شعار على أهل الإسلام يشمل أهل الإسلام جميعهم: مبتدعهم وسنيهم، فكلهم يشتركون في هذا إلا من خرج عن فرق أهل السنة والجماعة الثلاث والسبعين فرقة فإنه ليس منهم.
يقول: (لا نكفر أحداً من أهل القبلة) يعني: من المسلمين (بذنب ما لم يستحله) وهذه العبارة حقيقة فيها عدم اتساق؛ لأن فيها من الإطلاق ما لم يطوِ عليه أهل السنة والجماعة عقداً.
يقول: ﵀: (لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) الذنب هنا يشمل كل ذنب، وهل الشرك ذنب أو ليس ذنباً؟ وهل الكفر ذنب أو ليس ذنباً؟ ذنب، وهل الشرك والكفر يشترط في تكفير صاحبه الاستحلال؟ هل المشرك إذا سجد للصنم -مثلاً- أو الكافر الذي سب الله أو سب رسوله يلزم أن يستحل ذلك، أو يكفر سواء استحل أم لم يستحل؟
الجواب
يكفر سواء استحل أم لم يستحل.
فهذه العبارة فيها من الإطلاق ما يوهم، لكن مراد المؤلف بهذه العبارة: الرد على الخوارج والوعيدية من المعتزلة الذين يكفرون أهل الإيمان بمطلق الكبائر، وبمطلق المعاصي، ولا شك أن قولهم خطأ وضلال مبين، فإن بدعة الخوارج هي أول بدعة ظهرت في الإسلام، ولم يأت في السنة من التحذير والتنفير والتشديد في البدع كما جاء في بدعة الخوارج، فإنها من البدع التي توافرت النصوص على ذمها، وذم أهلها، وبيان سوء حالهم ومنقلبهم، فكانت أول بدعة ظهرت في المسلمين بدعة الخوارج، وهي: بدعة التكفير.
وهذه البدعة دائرة على أنهم يكفرون الناس بمطلق الذنوب، بل بما يرونه ذنباً ولو لم يكن ذنباً، وهذه مسألة أشد يعني: أنهم لا يكفرون بالذنوب التي أجمعت الأمة عليها فقط، بل حتى الذنوب التي هي محل خلاف، أو قد تكون في نظر شخص أنها ذنب، وفي نظر آخر أنها ليست بذنب، فهم يكفرون بمطلق الذنوب، بل وبما يرونه ذنباً، ولو لم يكن كذلك، فقول المؤلف ﵀: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) فيه رد على هذه الفرقة الضالة، ومثلهم المعتزلة الذين قالوا: مرتكب الكبيرة يخرج عن الإيمان، لكنه لا يوصف بالكفر، ويكون في منزلة بين المنزلتين، وهذا القول إنما هو في الدنيا أما في الآخرة فإنهم يوافقون الخوارج في أن مرتكب الكبيرة في النار.
والمؤلف ﵀ يبحث في الأسماء؛ لأنه يقول: (ولا نكفر) يعني: لا نثبت اسم الكفر، والأسماء هي: كافر، مسلم، عاصي، فاسق، هذه هي الأسماء، وأما الأحكام فهي: في الجنة أو في النار، وهل البحث الآن في الأسماء أو في الأحكام؟ البحث في الأسماء.
يقول: (ولا نكفر أحداً) أي: لا نثبت وصف الكفر واسم الكفر لأحد من أهل القبلة، (بذنب) أي: بسبب ذنب، فالباء هنا للسببية (ما لم يستحله) .
لكن هذه العبارة -كما ذكرنا- في إطلاقها نظر، فلابد أن تقيد، وأحسن منها ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ في الواسطية حيث قال في بيان عقد أهل السنة والجماعة: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك -يعني: أهل السنة والجماعة- لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، فقوله: (وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر) هذا يدل على عقد أهل السنة بالمطابقة.
أما ما ذكره المصنف هنا ففيه من الإطلاق والإجمال ما يُدخِل في المعنى نقصاً، وقد علق على هذا شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ بتعليق جيد قال فيه: بسم الله الرحمن الرحيم.
قوله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) مراده ﵀ أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون المسلم الموحد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه كالزنا وشرب الخمر والربا وعقوق الوالدين وأمثال ذلك ما لم يستحل ذلك، فإن استحله كفر لكونه بذلك مكذباً لله ولرسوله خارجاً عن دينه.
أما إذا لم يستحل ذلك فإنه لا يكفر عند أهل السنة والجماعة، بل يكون ضعيف الإيمان، وله حكم ما تعاطاه من المعاصي بالتفسيق وإقامة الحدود وغير ذلك حسب ما جاء في الشرع المطهر، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن سلك مسلكهم الباطل، فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعتزلة يجعلونه في منزلة بين المنزلتين، يعني: بين الإسلام والكفر في الدنيا، وأما في الآخرة فيتفقون مع الخوارج بأنه مخلد في النار، وقول الطائفتين باطل بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وقد التبس أمرهما على بعض الناس لقلة علمه، ولكن أمرهما بحمد الله واضح عند أهل الحق كما بينا، وبالله التوفيق.
اهـ وهذا التعليق جيد يقيد ما في هذه العبارة من إطلاق حيث إن الشيخ ﵀ فسر معنى الذنب في قوله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) فقال: بذنب يرتكبه كالزنا وشرب والخمر والربا وعقوق الوالدين، يعني: من الذنوب المتفق عليها، من الذنوب التي يقع تكفير الخوارج لأصحابها، أما الذنوب التي هي كفر أصلاً كالشرك بالله، والسجود للأصنام، وسب الله، وسب الرسول ﷺ ، والاستهانة بالمصحف، والاستهزاء بآيات الله، وبدين الله، فهذه يكفر بفعلها ولا فرق بين مستحل وغير مستحل.
ومما تقيد به هذه العبارة -أيضاً- أن إطلاق العلماء لقولهم: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) المراد ما عدا الصلاة والزكاة والحج والصيام، فإنه قد وقع الخلاف بين العلماء في كفر تارك هذه الأركان، وأقوى ما في ذلك من الخلاف الخلاف في ترك الصلاة، فإن من العلماء من يرى أن ترك الصلاة كفر ولو لم يجحد الإنسان وجوبها، مع أنه من جملة الذنوب، لكنه كفر، فقوله ﵀ (بذنب) يشمل الذنوب التي هي مخالفات وارتكاب المنهيات، ويشمل -أيضاً- الذنوب التي هي ترك للواجبات.
لكن يستثنى من ترك الواجبات أركان الإسلام فإنه قد وقع خلاف بين أهل العلم في ذلك؛ ولذلك شيخ الإسلام ﵀ قيد العبارة هذه في بعض مؤلفاته وهي قوله: (وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج) فقيدها بما عدا الأصول، فإنهم مختلفون في كفر تارك الصلاة، ومختلفون في كفر تارك الزكاة، ومختلفون في كفر تارك الحج، ومختلفون في كفر تارك الصيام.
إذاً: هذه العبارة فيها مأخذ، أما قوله ﵀: (ما لم يستحله) فهذا قيد مهم في الذنوب كالزنا والخمر وما أشبه ذلك، فإن من استحل هذه الذنوب فهو كافر ولو لم يفعلها، يعني: من استحل الزنا وقال: الزنا حلال فإنه كافر ولو لم يزن، ولو كان أعف الناس.
ومن قال: الخمر ليست بحرام، فإنه كافر ولو لم يشربها، والمراد بقول المؤلف ﵀: (ما لم يستحله) : ما لم يكن هناك تأويل، فإذا استحله بالتأويل فهل يكفر أو لا يكفر؟ الجواب: لا يكفر؛ لأنه استحل ذنباً من الذنوب بالتأويل، كمن يستحل الربا في هذه الأوراق النقدية الآن، ويقول: لا يجري فيها الربا على مذهب المتقدمين من الفقهاء في جميع المذاهب، في مذهب الإمام أبي حنيفة، وفي مذهب مالك، وفي مذهب الشافعي، وفي مذهب أحمد، فيقول: هذه ليس فيها ربا، وعلى هذا فكل ما يجري من الربا ليس محرماً، فهذا فيه استحلال لصورة من صور الربا، لكن هل يكفر به صاحبه؟ الجواب: لا يكفر به صاحبه، لماذا؟ الجواب: لأن هذا متأول، والمسألة فيها خلاف قديم، فأول ما نشأت هذه الأوراق النقدية وقع فيها الخلاف بين العلماء، هل يجري فيها الربا؟ وهل تأخذ حكم النقدين أو لا تأخذ حكم النقدين؟ ففي مثل هذه الأمور ينبغي للمؤمن أن يتروى وألا يستعجل، فالاستحلال إذا كان مقترناً بتأويل فإنه لا يكفر صاحبه، لكن الواجب أن يبين له الحق، ولا تعجب فإنه قد جاء أن قدامة بن مظعون ﵁ -وهو من أهل بدر- استحل الخمر في زمن عمر بالتأويل، حيث ظن أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣] ظن أن هذه الآية تفيد إباحة الخمر، فشرب الخمر ﵁ هو وجماعة معه، ظناً منهم أن هذا مباح، وأنه ليس عليهم حرج، فكتب إليه عمر، وجمع الصحابة وشاورهم، فرءوا أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا.
فهؤلاء استحلوا محرماً، لكنهم استحلوه بالتأويل، ومع ذلك لم يكفرهم عمر، بل استتابهم ﵁، وبين لهم تحريم الخمر، ثم جلدهم على شربه، فعظم الأمر على قدامة ﵁، واشتد عليه ما وقع منه من استحلال ما حرم الله ورسوله حتى بلغ به الأمر أن يئس من رحمة الله، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ بأول سورة غافر: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣] فلا أدري أي سوء أتيت أعظم: استحلالك للخمر أم يأسك من رحمة الله؟! فبين له أن ما جرى منه خطأ، والله جل وعلا يقبل التوبة، وقال: فتب ولا تيئس من رحمة الله، فإنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الضالون.
فالمهم أن استحلال المحرم -استحلال الذنب- بتأويل لا يكفر به صاحبه، وهذا شاهد قائم من عهد الصحابة ﵁ في خلافة عمر الفاروق، ولذلك يا إخواني! ينبغي للمؤمن في مسألة التكفير أن يتروى، وألا يستعجل، وأن ينظ
стр. 143
مذهب أهل السنة في الإيمان والرد على المرجئة
قال المصنف ﵀: [ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله] هذه العبارة من المؤلف ﵀ فيها الرد على المرجئة وهم من قابل الخوارج.
وانظر -يا أخي- إلى البدع كيف ينشأ عنها بدع، ويتولد عنها شرور، ومن الشرور التي تتولد عن البدع: أن البدعة تسبب بدعة أخرى، وتدعو إلى بدعة أخرى، فبدعة الخوارج الذين غلوا في التكفير فكفروا الزاني، وكفروا شارب الخمر، وكفروا المرابي، وكفروا كل من وقع في كبيرة، بل كفروا بما يرون أنه ذنب وليس بذنب حتى كفروا أفاضل الصحابة ﵃، قابلتهم بدعة المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله مهما كان الذنب، يعني: لو جاء رجل -نعوذ بالله- ورمى المصحف وداسه وبال عليه وتغوط -نعوذ بالله- ما يكفر؛ لأن هذا ذنب ما يحصل به الكفر عند هؤلاء، وما دام مصدقاً بقلبه فلا يضره ما يفعله من الأفعال، ولو يمسي ويصبح على سب الله ورسوله ما يكفر؛ لأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وما هو الإيمان عندهم؟ الإيمان عندهم: مجرد المعرفة، فمن عرف الله فهو مؤمن، ولو لم يركع لله ركعة، ولو لم يقم بعمل صالح، بل ولو قام بما قام به من الكفر، فلو سجد للصنم -وهو مؤمن على زعمهم- لا يضره مع الإيمان ذنب، وهذا قول خطير؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) أي: بل الذنوب تضر، وضررها متفاوت، منها ما يضاد الإيمان ويرفعه، وهذا في الاعتقاد والعمل: في الاعتقاد كأن يعتقد أن غير الله ينفع ويضر، أو أن يجحد ما تيقن أنه جاء به النبي ﷺ .
وفي العمل كأن يسجد للصنم، أو يدعو غير الله، أو ما أشبه ذلك من المكفرات العملية، فهذا يضر الإيمان ويرفعه.
إذا: ً من الذنوب ما يضاد الإيمان في الاعتقاد والعمل، ومنها ما ينقص الإيمان ولا يضاده، وهذا الذي ينقص الإيمان ويضاده يشمل كل الذنوب صغيرها وكبيرها، فإن الذنوب صغيرها وكبيرها على تفاوتها واختلافها تضر صاحبها، وتنقص مرتبته، ولكنها لا ترفع عنه وصف الإيمان، فالزاني مؤمن بإيمانه، وفاسق بكبيرته؛ ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: (ولا يسلبون اسم الإيمان عن الفاسق الملي) يعني: من كان فاسقاً من أهل الملة لا يُسلب عنه مطلق الإيمان، يعني: الإيمان بالكلية، ولا يُثبت له الإيمان المطلق، فلا نقول: هو مؤمن كامل الإيمان كما تقول المرجئة، ولا نقول: إنه لا إيمان معه كما تقول الخوارج، بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 144
شرح العقيدة الطحاوية [١٤]
لا يجوز تكفير مسلم إذا ارتكب ذنباً من الذنوب ما لم يستحله، لكن المعاصي تنقص الإيمان، وتعرض للعقاب، ولا نشهد لأحد بعينه بجنة ولا نار إلا من ثبت له ذلك بنص من الكتاب أو سنة المصطفى ﵊.
стр. 145
رجاء دخول المؤمنين الجنة برحمة الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فقال المصنف ﵀: [ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم.
والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة.
ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.
] قوله ﵀: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) تقدم أن هذا الكلام ينفي فيه المؤلف ﵀ عقد المرجئة الغلاة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب مهما كان، ويعرِّفون الإيمان بأنه المعرفة، ولا شك أن هذا من أردى الأقوال في تعريف الإيمان، وفي هذا تجرئة لكل صاحب عصيان أن يقع فيما شاء من مخالفة الملك الديان؛ لأنه إذا كان لا يضر مع الإيمان ذنب فالإيمان لا يتأثر ولا ينقص ولا يتغير بما يرتكب الإنسان من الذنوب وما يواقع من السيئات، فإن هذا يحمل العاصي على الاستمرار في عصيانه، والتمادي في خروجه عن الصراط المستقيم، وقد تقدم الكلام على هذا.
ثم قال المؤلف ﵀: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين) المحسنون من أهل الإيمان هم: الذين عبدوا الله كأنهم يرونه، فإن قصروا فهم يعبدون الله جل وعلا موقنين بأنه يراهم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تعريف الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) والمراد: أنهم عملوا بالطاعات، وانتهوا عن المعاصي والسيئات الظاهرة والباطنة، فهؤلاء نرجو لهم أن يعفو الله جل وعلا عنهم ما يكون منهم من التقصير والخطأ، فإنه مهما بلغ الإنسان في الإحسان فلابد وأن يكون عنده تقصير وإخلال مهما كان، حتى الأنبياء والرسل يكون منهم شيء من التقصير؛ ولذلك لا يأمن أحد على نفسه، ولا يجوز أن يأمن من مكر الله كما سيأتي في كلام المؤلف ﵀، بل يجب عليه أن يلاحظ ما معه من التقصير، وأن يراقب الله جل وعلا، وأن يخاف أن يؤاخذه بذنبه وسيئاته.
يقول ﵀: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم) يعني: أن يعفو الله جل وعلا عنهم ما كان من التقصير، والعفو يتضمن الستر والتجاوز والصفح، فيستر عليهم ما كان من الذنوب، ويعفو ويتجاوز ويصفح عما كان من الذنوب.
قال: (ويدخلهم الجنة برحمته لا بعملهم) فإن النبي ﷺ قال: (واعلموا أنه لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني بالله برحمته) وهذا يوجب للإنسان عدم الاغترار بما يكون معه من الأعمال، مهما زكت، ومهما صلحت، ومهما كثرت، ومهما اجتهد في إتقانها فإنه إن لم تدركه رحمة الله جل وعلا فلا فلاح له ولا نجاح.
ومن توفيق الله ورحمته: أن يوفق الله جل وعلا العبد إلى العمل الصالح، فلا نجزم لأحد بفوز، ولا نقول: إنه من أهل الجنة كما قال ﵀: (ولا نأمن عليهم) أي: لا نأمن أن يغير الله حالهم، ولا نأمن أن يعاقبهم الله جل وعلا، فقد يغير الله حال المحسن إلى الإساءة، وقد يؤاخذ الله جل وعلا من ظاهره الإحسان بسيئ عمله، ومعلوم أن من أعمال القلوب التي لا تظهر للناس ما يكون سبباً لحبوط العمل مهما زكى وحسن.
فينبغي لأهل السنة ألا يأمنوا على أحد، ومن ذلك: ألا يأمنوا على أنفسهم، فإنه من أمن على نفسه مكر الله جل وعلا فإنه داخل في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، وهذا نفي الأمن إلا من الخاسرين: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] أتى في تقرير ذلك بالنفي والإثبات الدال على أن كل من أمن من مكر الله فهو خاسر، ومكر الله جل وعلا يدرك العبد بسيئ عمله، فإن الله لا يظلم الناس شيئاً، فإذا تمادى الإنسان في معاصيه ولو كانت صغيرة، أو اغتر بعمله الصالح وأعجب به، ورأى لنفسه فضلاً على الناس وارتفاعاً وعلواً؛ فلا يأمن أن يؤاخذه الله بما في قلبه، فيفضحه ويسيء خاتمته، وهذا معنى حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة -في بعض الروايات: فيما يرى الناس- حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) .
فالواجب على المؤمن أن يحذر من الأمن من مكر الله، وألا يغتر بحاله الحاضرة، بل يكون على وجل مما يستقبل.
стр. 146
عدم الشهادة لمعين بالجنة إلا بنص
قال: (ولا نشهد لهم بالجنة) أي: لا نقول: إن فلاناً منهم في الجنة بعينه، فلا نشهد لهم بالجنة يعني: على وجه التعيين.
أما على وجه الإجمال فإننا نشهد بأن المؤمنين في الجنة، فقوله: (ولا نشهد لهم) أي: على وجه التعيين، أما على وجه الإجمال فإن أهل الإيمان وأهل الإحسان في جنات النعيم كما جاء ذلك في آيات كثيرة، أثبت الله جل وعلا فيها الجنة لأهل الإيمان.
ومما يدخل في قول المؤلف ﵀: (ولا نشهد لهم بالجنة) الشهود لهم بموجب الجنة، فمن قتل في سبيل الله، لا نشهد له بأنه شهيد؛ لأننا إذا شهدنا بأنه شهيد فقد شهدنا له بالجنة؛ ولذلك عقد البخاري ﵀ باباً في صححيه فقال: (باب: لا يقال: فلان شهيد) لأن في ذلك الشهادة له بأنه من أهل الجنة، بل الواجب ألا يشهد له بموجب الجنة.
ومما يلاحظ على هذه العبارة وهي قول المؤلف: (ولا نشهد لهم بالجنة) أنه أطلقها، وهذا يشمل كل أحد، وهذا ليس بصحيح، فإننا نشهد لمن شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة، فنشهد للعشرة المبشرين بالجنة، ونشهد لكل من بشره النبي ﷺ بالجنة أنه من أهل الجنة؛ ولذلك كانت عبارة الإمام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية ﵀ أتقن من عبارة المؤلف هنا، فإنه قال: ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ ، وهذا معناه بمفهوم المخالفة: أنهم لا يشهدون لمن لم يشهد له النبي ﷺ بالجنة، وهذا أحسن من قول المصنف هنا: ولا نشهد لهم بالجنة.
والذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة كثر، وقد جمعهم بعض طلبة العلم من الأحاديث التي فيها الشهادة لهم بالجنة، ومن أبرز من شهد لهم النبي ﷺ بالجنة العشرة المبشرون، وكذلك ثابت بن قيس بن شماس، وكذلك أمهات المؤمنين، وغيرهم كثير.
والمراد: أننا لا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، فيقيد هذا الإطلاق بهذا القيد.
стр. 147
أهل المعاصي من المسلمين تحت مشيئة الله
ثم قال ﵀: (ونستغفر لمسيئهم) الضمير يعود إلى المسيء من المؤمنين؛ لأنه قال: (نرجو للمحسنين من المؤمنين) والجملة معطوفة على ذلك، والمعنى: ونستغفر للمسيء من المؤمنين، والإساءة تكون إما بترك ما وجب عليه من الطاعات، أو بفعل ما نهاه الله عنه من المعاصي والسيئات.
فقوله: (نستغفر لمسيئهم) أي: نطلب من الله المغفرة لمسيئهم.
قوله: (ونخاف عليهم) أي: نخاف أن يدركهم ما ذكره الله جل وعلا في حق العصاة والمسيئين.
قوله: (ولا نقنطهم) أي: ولا نيئسهم من رحمة الله، ونقطع طمعهم في فضله ورحمته، بل نقول كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] ، وهذا يشمل كل ذنب صغير أو كبير، من الشرك فما دونه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ، لكن الشرك لابد فيه من التوبة، ولابد فيه من الإقلاع، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة منه والإقلاع عنه.
وأما ما عدا ذلك من الذنوب فإنه تحت المشيئة: إن شاء الله غفر لصاحبه، وإن شاء أخذه به، والمراد أننا نرجو لأهل الإحسان الخير، ونخاف على أهل الإساءة من المؤمنين أن يدركهم العذاب الذي ذكره الله للمسيئين.
стр. 148
حكم الشهادة لمعين بالنار
والمؤلف ﵀ لم يذكر الشهادة بالنار، والشهادة بالنار هي كالشهادة بالجنة، فلا نشهد لأحد بعينه أنه في النار إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه من أهل النار كـ أبي جهل، وفرعون، وأبي لهب، وغيرهم ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم في النار، ومن عدا ذلك من الناس ولو كان من الكافرين فإننا لا نشهد له بعينه أنه في النار، فإذا مات كافر من الكفار لم نشهد له بعينه أنه من أهل النار؛ لأننا لا ندري ما الذي ختم له، وهذا هو الذي يظهر من اعتقاد أهل السنة والجماعة.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الكافر إذا مات على الكفر، وأدركنا عدم إسلامه بأن استمر على كفره إلى موته فإنه يشهد له أنه من أهل النار، واستدلوا لذلك بأثر فيه أن النبي ﷺ قال: (حيثما مررت بقبر عامري أو قرشي فبشره بالنار) ، وفي رواية (حيثما مررت بمشرك فبشره بالنار) ولكن هذا الحديث في ثبوته نظر.
وإذا نظرنا إلى الكتاب والسنة نجد أنها لم تشهد بالنار في غالب الموارد إلا على الأوصاف لا على الأشخاص، فلا نشهد على أحد معينٍ بالنار إلا من شهد له النبي ﷺ ، لكن نقول: ظاهر حاله أنه في النار؛ لأن القول بالظاهر لا إشكال فيه، لكن الشهادة التي هي القطع والجزم لا تكون إلا عن علم، والعلم لا يكون إلا ممن لا ينطق عن الهوى، وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 149
حكم الأمن من عذاب الله واليأس من رحمته
ثم قال ﵀: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام) الأمن: هو عدم الخوف والخشية، والإياس: هو قطع الأمل والقنوط من الرحمة، وهذان جاءا متقابلان، فالأمن يحمل على الاسترسال في المخالفة والمعصية وعدم العمل بالطاعة، والإياس يحمل على اليأس وقطع الرجاء والقنوط من رحمة الله، وكلا هذين مما جاء التحذير منه.
أما الأمن من مكر الله فقد قال الله جل وعلا في إنكار من أمن مكره: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، وحذر فقال: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] متين أي: شديد، وهذا يوجب الحذر من كيد الله ومكره.
وأما اليأس الذي أشار إليه المؤلف ﵀ في قوله: (والإياس) فقد جاء ما يدل على النهي عنه وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] وقال : ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] فوصفهم الله بالكفر ووصفهم بالضلال، ونهى أهل الإيمان والإسلام أن ييئسوا من رحمته فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] والنهي يقتضي التحريم، فالأمن والإياس محرمان في شريعة الإسلام، ولكن هل ينقلان عن ملة الإسلام بمعنى: أنه ينتقل إلى الكفر؟
الجواب
هذا فيه تفصيل، فليس كل أمن ينقل عن ملة الإسلام، ولا كل يأس ينقل عن ملة الإسلام، بل منه ما ينقل، ومنه ما لا ينقل.
فاليأس التام من رحمة الله ينقل، وكذلك الأمن التام ينقل، أما ما كان دون ذلك كما يعرض لبعض أصحاب الذنوب أو يعرض لأصحاب الشهوات فإنه سيئة وخطيئة وذنب لكن لا ينقل.
ومما يدلك على أن اليأس من رحمة الله لا ينقل في كل أحواله وموارده: أن قدامة بن مظعون ﵁ -كما ذكرنا في الدرس السابق- أصابه شدة يأس من جراء استباحته ما حرم الله من الخمر، فكتب له عمر ﵁ ما كتب مما ذكر الله في أول سورة غافر، ثم قال: فلا أدري أي ذنبيك أعظم: استباحة الخمر أو يأسك من رحمة الله؟! فينبغي للمؤمن أن لا ييئس من رحمة الله مهما عظم ذنبه، فإنه جل وعلا تتلاشى في جانب مغفرته وعفوه ورحمته وكرمه وبره وإحسانه الذنوب، فينبغي للمؤمن ألا يتعاظم ذنباً، ولا يظن أن الله لا يغفره، ولا يعني هذا: أن يستسيغ المعاصي والسيئات، وأن يهونها فتكون كالذباب الذي يقع على أنفه ويقول به هكذا ويطير، بل ينبغي أن تكون في خاطره وباله، ويكون منها على حذر ووجل، فإن الله إذا أخذ العبد بسيئته أهلكه ولو كانت صغيرة، ولذلك جاء تحذير النبي ﷺ من الذنوب الصغير منها والجليل فقال: (إياكم ومحقرات الذنوب) محقرات أي: ما يحقره الإنسان، وما يراه سهلاً، (فإنهن يجتمعن على الرجل فيهلكنه) -نعوذ بالله من الخذلان- ومن خلى الله بينه وبين ذنوبه وأخذه بها فلا تسأل عنه، فإنه الهلاك الواضح المبين، لكن نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، وأن يعيننا على طاعته.
إذاً: هاتان السوءتان مما يحصل التأثيم للإنسان فيهما، وقد يصل إلى حد الكفر، وقد يكون دون الكفر، والأمن هو أصل شبهة المرجئة، واليأس هو أصل شبهة الخوارج، فالمرجئة لما أمنوا من مكر الله استرسلوا في المعاصي، وقالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وأما من قابلهم وهم الخوارج فرءوا أن أدنى ما يكون من الذنوب سبب للكفر والخروج عن الصراط المستقيم، فجعلوا الذنوب مكفرة، وكفروا الناس بالزنا وشرب الخمر وسائر الكبائر، وهذا من قنوطهم.
وانظر إلى ما تئول إليه البدع القلبية، فإن الأمن واليأس من بدع القلوب وانحرافاتها التي توقع الإنسان في أنواع من الضلال! ولا يسلم إلا من سلمه الله ، واستمسك بالكتاب والسنة.
стр. 150
الجمع بين الخوف والرجاء
ثم قال ﵀: (وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة) سبيل أي: طريق، والحق ما جاء به النبي ﷺ فإنه قد جاء بالهدى ودين الحق، سبيل الحق بينهما أي: بين هاتين الضلالتين بين الأمن واليأس، فإنه ينبغي للمؤمن أن يستصحب فضل الله ورحمته وواسع كرمه وعظيم جوده، فإن الله سبحانه قال عن نفسه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] وينبغي -أيضاً- أن يستصحب أن الله شديد العقاب كما قال الله جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩-٥٠] ، فإذا أدرك العبد مجموع ذلك في قلبه حمله على الطاعة وترك المعصية، والتعبد لله على أكمل حال؛ لأنه يرجو فضل الله إذا أحسن، ويخاف عقابه إذا أساء، وهذان لا يجتمعان للإنسان إلا بالرجاء والخوف، وهو ما يشير إليه المؤلف ﵀ في قوله: (وسبيل الحق بينهما) أي: بين الرجاء والخوف، فإذا جمع الإنسان بين هذين وفق إلى الخير، وسلم من الشر، ووقاه الله شر الاعتماد على أحد هذين الأمرين، وقد اختلف العلماء ﵏ في الخوف والرجاء أيهما يغلب على أقوال: أصحهما: أنه يختلف هذا باختلاف حال الإنسان، وإن كان الأصل أن يستوي الخوف والرجاء، والأصل أن يستوي الخوف والرجاء كما قال : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩-٥٠] ، وكما قال النبي ﷺ للرجل الذي دخل عليه في حال الاحتضار، فقال له: (كيف تجدك؟! قال: أجدني أرجو رحمة الله وأخاف ذنبي، قال: ما اجتمع في قلب عبد مثل هذا إلا أمنه الله مما يخاف، وأعطاه ما يرجو) فدل ذلك على أن الأصل استواء هذين.
ولكن قد يحتاج الإنسان إلى تغليب جانب من هذين لعارض، لحال أو لظرف اقترن، ومثال ذلك: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) وهذا يدل على تغليب جانب الرجاء، ولكن من إحسان الظن بالرب أن يعلم العبد أن الرب يؤاخذ على السيئة، فإن من ظن أن الله لا يؤاخذ على السيئة لم يحسن الظن بربه، بل اغتر كما قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] ، قال أحد المستهترين لما قرئت عليه هذه الآية: غرني به كرمه، وهذا لا ينفعه، فإن الكريم أخبر بأنه شديد العقاب.
فالواجب على المؤمن أن يسير إلى الله بهذين الجناحين: الخوف والرجاء، فإذا جاء ما يقتضي تغليب جانب منهما غلبه، فالعاصي إذا غلب الرجاء استمر في عصيانه فنقول له: غلب الخوف حتى تنتهي عن معاصيك، والطائع إذا غلب الخوف قد يبلغ درجة اليأس فنقول له: غلب الرجاء في هذه الحال، لكن الأصل هو استواء هذين في قلب العبد؛ ولذلك ورد عن بعض السلف كالإمام أحمد وغيره: أن الخوف والرجاء بالنسبة للعبد كجناحي طائر، ومعلوم أن جناحي الطائر متقابلان تماماً، ولو حصل نقص في أحد الجناحين لاختل طير الطائر، بل لسقط.
стр. 151
الأشياء التي يخرج العبد بها من الإسلام
قال المصنف ﵀: [ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه] .
قوله: (لا يخرج العبد من الإيمان) يعني: من دائرة أهل الإسلام والإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه، وهذا الإطلاق فيه نظر؛ لأنه معلوم أن الكفر كفران: كفر الجحود، وكفر العمل.
وكفر الجحود هو: أن يجحد الإنسان ما علم أن النبي ﷺ قد جاء به، فكل من جحد شيئاً مما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كافر، مهما كان هذا المجحود به، يعني من قال: إن السواك لم تأت به الشريعة، فهذا جحد شيئاً مما جاء به النبي ﷺ ، فإنه يكفر بهذا، ولو كان المسواك لا يصل إلى حد الواجب.
فكفر الجحود هو جحود ما جاء عن النبي ﷺ ، جحود أي شيء ثبت أو علم الإنسان أنه قد جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والقسم الثاني: كفر العمل، وهذا على قسمين: القسم الأول: كفر يضاد الإيمان، ويخرج به صاحبه من دائرة أهل الإسلام، وكفر دون ذلك لا يخرج صاحبه عن الإيمان.
مثال الأول: الاستهانة بالمصحف، والاستهزاء بآيات الله، والسب لله ورسوله، والشرك الأكبر بأنواعه، كل هذا من الكفر العملي الذي يكفر به الإنسان ولو لم يجحد، وهذا مما يدلك على أن العبارة هنا ليست مستقيمة؛ لأن قوله: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود) دل على أنه إذا لم يجحد لم يخرج، فإذا لم يجحد تحريم السجود للأصنام وسجد لها فهل يكفر على هذه العبارة أو لا يكفر؟ لا يكفر؛ لأن المؤلف حصر الكفر في الجحود فقط وهذا فيه نظر.
والقسم الثاني من كفر العمل: ما ينقص الإيمان، لكنه لا يخرج به صاحبه عن دائرة الإسلام مثل قول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) فجعل السباب فسوقاً، والفسوق خروج عن الإيمان؛ لأن الفاسق معناه: الخارج، لكنه ليس خروجاً يحصل به الكفر للإنسان، يعني: لا يخرج به عن ملة الإسلام، فلا يسلب الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية.
وكذلك قتال أهل الإسلام كفر، لكن هل هو الكفر المخرج عن ملة الإسلام؟
الجواب
لا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] فجعلهم من أهل الإيمان مع وجود الاقتتال.
فقتال المسلم كفر، لكنه كفر دون كفر، كما ورد هذا التفسير عن ابن عباس وغيره من سلف الأمة.
والشاهد أن الكفر منه ما يضاد الإيمان فيخرج عن الإسلام، ومنه ما لا يضاد الإيمان فيكون صاحبه مسلماً معه إيمان، لكنه ناقص الإيمان.
وإذا أدرك الإنسان هذا علم أن كلام المؤلف ﵀ فيه خلل، فهذه العبارة فيها نظر بين، ولعل المؤلف قال هذا بناءً على تعريف الإيمان الذي سار عليه المؤلف ومرجئة الفقهاء.
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في تعليقه على العقيدة الطحاوية: هذا الحصر فيه نظر، فإن الكافر يدخل في الإسلام بالشهادتين إذا كان لا ينطق بهما، فإن كان ينطق بهما دخل في الإسلام بالتوبة مما أوجب كفره، وقد يخرج من الإسلام بغير الجحود لأسباب كثيرة بينها أهل العلم في باب حكم المرتد من ذلك: طعنه في الإسلام أو في النبي ﷺ ، أو استهزاؤه بالله ورسوله أو بكتابه، أو بشيء من شرعه سبحانه لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] .
ومن ذلك: عبادته للأصنام أو الأوثان، أو دعوته الأموات والاستغاثة بهم، وطلبه منهم المدد والعون ونحو ذلك؛ لأن هذا يناقض قول: لا إله إلا الله التي تدل على أن العبادة حق لله وحده، ومنها: الدعاء والاستغاثة والركوع والسجود والذبح والنذر ونحو ذلك، فمن صرف منها شيئاً لغير الله من الأصنام والأوثان والملائكة والجن وأصحاب القبور وغيرهم من المخلوقين فقد أشرك بالله، ولم يحقق قول: لا إله إلا الله، وهذه المسائل كلها تخرجه من الإسلام بإجماع أهل العلم، وهي ليست من مسائل الجحود، وأدلتها معلومة من الكتاب والسنة، وهناك مسائل أخرى كثيرة يكفر بها المسلم وهي لا تسمى جحوداً، وقد ذكرها العلماء في باب حكم المرتد، فراجعها إن شئت، وبالله التوفيق.
اهـ هذا مضمون ما تقدم من المؤاخذة على هذه العبارة.
стр. 152
الأسئلة
стр. 153
الشهادة لمعين بالجنة أو النار بناءً على حديث: (أنتم شهداء الله في أرضه)
السؤال
ما الجمع بين رأي أهل السنة والجماعة ألا نشهد لأحد بالجنة أو النار إلا بدليل مع حديث النبي ﷺ : (أنتم شهداء الله في أرضه) ؟
الجواب
هذه مسألة مهمة، فـ شيخ الإسلام ﵀ يرى أن من شهدت له الأمة وفضلاؤها بأنه من أهل الجنة فهو من أهل الجنة؛ لقول النبي ﷺ : (أنتم شهداء الله في أرضه) ، وسبب الحديث: أن جنازة مرت فأثنوا عليها خيراً، فقال: (وجبت) ، ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً فقال: (وجبت) ، فسألوه: ما وجبت؟ فقال: (الجنة والنار) وقال: (أنتم شهداء الله في أرضه) ، فدل ذلك على ثبوت الجنة والنار بالشهادة.
فيرى شيخ الإسلام ﵀ أن شهادة الأمة لشخص بأنه من أهل الإحسان، وأنه من أهل الجنة؛ يسوغ الشهادة له بالجنة كالأئمة الأربعة وغيرهم ممن لهم لسان صدق في الأمة، وقدموا سبقاً فيها، لكن هذا خلاف ما عليه الأكثرون من أنه لا يشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له النبي ﷺ ، ومن كان له لسان صدق في الأمة فإنه يكفي أن نقول: يرجى له كغيره؛ لأن شهادتنا لمعين بجنة أو بنار لن تقدم ولن تؤخر ما عند الله جل وعلا، فإن كان من أهل الجنة فلن تزيده شهادتنا فضلاً، وإن كان من أهل النار فلن تزيده عذاباً وسخطاً.
стр. 154
صفة المكر لله جل وعلا
السؤال
هل يوصف الرحمن جل وعلا بأنه الماكر؟
الجواب
لا، وكلمة (الماكر) اسم، وليس صفة، وإنما يثبت المكر لله صفة فعلية اختيارية، وهي صفة كمال، لكن ليست صفة مجردة، بل هو ماكر بمن يستحق المكر، أما إطلاق هذا الوصف على وجه العموم دون تقييد فإنه لا يطلق في حق الله جل وعلا؛ لأن هذه الصفة قد تقتضي ذماً، ولكن ليس مطلقاً، بل من المكر ما هو محمود، وهو المكر بأهل المكر كما قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] .
стр. 155
تحريم قول: (ظلم الله من ظلمني)
السؤال
ما حكم قول من يقول لمن ظلمه: ظلمك الله كما ظلمتني؟
الجواب
هذا لا يجوز؛ لأن الله لا يظلم الناس شيئاً، لكن له أن يقول: جازاك الله بما تستحق، أو كلمة نحوها؛ لأن الله جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً، ولا أظن أن القائل لهذه الكلمة يريد إثبات الظلم، لكن لعله مع انفعاله قال هذا.
والمهم أن هذه العبارة لا تصح، ولا تجوز في حق الله ؛ لأن الله جل وعلا نفى الظلم عن نفسه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤] .
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 156
شرح العقيدة الطحاوية [١٥]
المسألة الوحيدة التي وقع الخلاف فيها بين أئمة أهل السنة الإيمان؛ فذهب أبو حنيفة وغيره إلى إخراج العمل من مسمى الإيمان ولذلك سموا مرجئة الفقهاء، والصواب أن الإيمان قول واعتقاد وعمل كما عليه جمهور أهل السنة والجماعة، والنصوص كلها تدل على ذلك، وأما ما سواهم من الفرق فقد اختلفوا وتناقضوا فيما بينهم.
стр. 157
حقيقة الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين؛ نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فقال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [والإيمان: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم، بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى.
والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن] .
يقول المؤلف ﵀ وغفر له: (والإيمان: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان) ، هكذا عرف المؤلف ﵀ الإيمان، والمؤلف أبو جعفر الطحاوي ﵀ ذكر في أول عقيدته أنه نسج هذه العقيدة وألفها وفق ما يعتقده فقهاء الملة، الإمام أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، والمشهور عن أبي حنيفة ﵀: أنه خالف ما عليه أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان، وفي بيان حقيقته.
وهذه المسألة الوحيدة التي تعد من الأصول وقع فيها الخلاف بين أئمة أهل السنة والجماعة، على أن العلماء مختلفون في حقيقة هذا الخلاف، هل هو خلاف حقيقي يترتب عليه أحكام أم أنه خلاف لفظي لا يترتب عليه شيء؟ فمن العلماء من جعل الخلاف بين أبي حنيفة ومن سلك سبيله من مرجئة الفقهاء -هكذا يسميهم العلماء- وبين ما عليه أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان خلافاً لفظياً لا يترتب عليه أثر في الاعتقاد.
стр. 158
تعريف أهل السنة للإيمان
وقبل أن نخوض في حقيقة الخلاف، وهل هو خلاف لفظي أو خلاف معنوي، نقول: عقد أهل السنة والجماعة الذي اشتهر عنهم واتفقوا عليه ولا خلاف بينهم في القرون المفضلة: أن الإيمان قول وعمل، وقد تواترت المقالات والأقوال عن أهل السنة والجماعة في هذا؛ فهم يجعلون الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فأهل السنة والجماعة عرفوا الإيمان بهذا التعريف المفصل الذي يشمل كل خلال الإيمان وشعبه وصفاته وأخلاق أهله، فمنها ما يكون في القلب، ومنها ما يكون في اللسان، ومنها ما يكون في الجوارح.
والمؤلف ﵀ هنا اقتصر في تعريف الإيمان على ذكر الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، ولم يذكر دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ومعلوم أن الإيمان اسم شرعي، والأسماء الشرعية قد جاء الكتاب والسنة ببيانها بياناً واضحاً، فلا يتلقى تعريف هذه الأسماء، ولا الوقوف على حقيقتها إلا من الكتاب والسنة، وقد دلا على أن الإيمان يكون منه عقد، ويكون منه قول، ويكون منه عمل، وأشمل ما ورد في الاستدلال: حديث خصال الإيمان، وفيه قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) ، وفي رواية (بضع وستون شعبة، أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، وإذا تأملت هذه الأعمال وجدت أنها قول في قول النبي ﷺ : (أعلاها: قول لا إله إلا الله) ، وعمل في قوله: (وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق) ، فجعل إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، وقال: (والحياء شعبة من الإيمان) ، والحياء عمل قلبي من أعمال القلوب؛ فدل ذلك على أن الإيمان قول وعمل، وأن الأعمال داخلة في الإيمان، ومن طالع نصوص الكتاب والسنة النبوية أيقن إيقاناً جازماً أن العمل من الإيمان، وأنه يطلق الإيمان في الشرع على الأعمال، وأنها لا تخرج عن مسمى الإيمان، ومن أخرجها فقد خرج عما دلت عليه النصوص.
стр. 159
تعريف مرجئة الفقهاء للإيمان
المؤلف ﵀ ومرجئة الفقهاء أخرجوا العمل عن الإيمان، فليس العمل عندهم داخلاً في مسمى الإيمان، بل هو خارج عنه؛ ولذلك قال: (الإيمان هو الإقرار باللسان) يعني: أن يقر الإنسان بما هو من الإيمان بأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
[والتصديق بالجنان] الجنان المراد به القلب، وسمي بهذا؛ لأنه مستور مخفي، فهو مشتق من مادة جنة، وهي دائرة على معنى الخفاء والستر، والصواب إضافة العمل بأن يقول: والعمل بالأركان حتى يتم تعريف الإيمان.
وهل هذا الخلاف خلاف حقيقي، أي: يترتب عليه أحكام؟ من العلماء من قال: إنه خلاف لفظي؛ لأن الجميع يتفق على أن مرتكب الكبيرة مذموم، وأنه مهدد بالعقوبة، وأن الله قد يدخله النار، وأن من أهل الكبائر من يدخل النار، فهم يوافقون أهل السنة والجماعة في هذا.
ومنهم من يقول: إن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء خلاف حقيقي يترتب عليه اختلاف معنوي، فعلى قول مرجئة الفقهاء: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعلى قول أهل السنة والجماعة: الإيمان يزيد وينقص وزيادته بالأعمال؛ فهذا يدل على أن الخلاف حقيقي.
أهل السنة والجماعة يرون جواز الاستثناء في الإيمان، يعني أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وأما على قول مرجئة الفقهاء، فلا يجوز الاستثناء.
وهذه من المسائل التي جعلت من العلماء من يقول: إن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء خلاف حقيقي.
والصواب ما ذكره شيخ الإسلام في مواضع من كلامه، ومن ذلك: ما ذكره في شرح العقيدة الأصفهانية، وهو: أن الخلاف بينهم وبين أهل السنة والجماعة منه ما هو لفظي ومنه ما هو حقيقي، وبهذا يجتمع القولان: القول بأن الخلاف حقيقي، والقول الآخر بأن الخلاف، والنزاع بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء لفظي.
وقد قرر شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: أن الخلاف حقيقي بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء، وأنه ليس لفظياً، وذلك في تعليقه على شرح الطحاوية لـ ابن أبي العز، حيث قال ابن أبي العز: إن الخلاف لفظي كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀ في بعض المواضع، وأطلق أن الخلاف حقيقي في بعض المواضع، وفصل وبين أنه خلاف كثير منه حقيقي، وكثير منه لفظي، وفي هذا الإشارة إلى أنه يترتب عليه في بعض المسائل أثر، وفي بعض المسائل لا أثر له.
стр. 160
الإيمان شعب يزيد وينقص
قال ﵀: [وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق] ، وهذا من تمام الإيمان، بل هو الإيمان المجمل الذي يجب على كل أحد.
فالإيمان ينقسم إلى قسمين: إيمان مجمل، وإيمان مفصل، والمؤلف ﵀ هنا أشار إلى الإيمان المجمل، وهو الإيمان بجميع ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: [وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان] يعني: من العمل والخبر، [كله حق] أي: ثابت لا مرية فيه، نصدق به ونؤمن، ونقر بما جاء به ﷺ وننقاد له، ولا يتم الإيمان إلا بهذين الأمرين؛ فليس الإيمان مجرد التصديق للأخبار، بل لابد من الانقياد، فالإيمان إقرار مع انقياد، وليس إقراراً مجرداً، ولا تصديقاً مجرداً، على أن من عرّف الإيمان بالتصديق فتعريفه منقوص وقاصر، فإن الإيمان ليس تصديقاً مجرداً، بل هو تصديق خاص، حتى إذا قلنا: بأن الإيمان في اللغة يطلق على التصديق فهو تصديق خاص، ولا نريد أن ندخل في مباحث قد تطول، وإنما أردنا فقط أن نشير إلى أن تعريف من عرّف الإيمان بأنه التصديق غلط، والصواب أنه تصديق خاص، والعبارة الأصح أن نقول: هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان والانقياد.
يقول المؤلف ﵀: [والإيمان واحد] هذا ثمرة من ثمار ما تقدم، فبناء على قوله: إن الإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، فكل من حصل منه هذا فقد حقق الإيمان، فالإيمان عند مرجئة الفقهاء واحد، وهذا هو محل النزاع بين المختلفين في مسألة الإيمان.
المشكلة في مسألة الإيمان في مسألة الأحكام والأسماء، ونعني بالأسماء: مسلم، كافر، فاسق، منافق، والأحكام كونه في الجنة أو في النار، والمشكلة في هذا الباب نشأت عن الخطأ في تصور الإيمان، فكل الضُلَّال في هذا الباب على اختلاف ضلالهم يعتقدون أن الإيمان واحد، وإذا كان واحداً فإما أن يثبت جملة، وإما أن ينخلع منه الإنسان جملة، ولا يمكن أن يتبعض.
وأهل السنة والجماعة عندهم الإيمان شعب وخلال كما قال النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة) فليس شيئاً واحداً، ومن قال: الإيمان شيء واحد.
فقد خالف دلالة الكتاب والسنة؛ فإن النبي ﷺ ينفي الإيمان عن بعض أهل الإسلام فيقول: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) فهذا نفي للإيمان، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه) ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وكلها تدل على انتفاء الإيمان بسبب الإخلال ببعض الأعمال، أو الوقوع ببعض المعاصي والسيئات، فالنفي هنا ليس نفياً للإيمان بالكلية، ولو نفينا الإيمان بالكلية لخرج الإنسان عن دائرة الإسلام، وكان من أهل الكفر كما تقول الخوارج، أو كان في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة، فليس بمؤمن وليس بكافر، ولكن الإيمان ليس واحداً كما قال المؤلف؛ ولذلك المرجئة قابلوا بدعة أولئك الذين أخرجوا من أخرجوا من الإسلام بسبب ارتكاب بعض السيئات، فقالوا: من كان مؤمناً مقراً بلسانه، مصدقاً بجنانه، فإنه مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل، ولو كان يزني صباحاً ومساءً، أو يسرق صباحاً ومساءً، وحتى لو كان قلبه ممتلئاً بالكبر والحقد والحسد والغل وسائر الآفات، فهو مؤمن كامل الإيمان، لماذا؟ لأن الإيمان واحد، فإيمان أعصى العصاة من أهل الإسلام كإيمان جبريل، وهذا لا شك أنه كذب وخطأ، فالإيمان يزيد وينقص، وليس واحداً كما قال المؤلف ﵀.
يقول: (وأهله) يعني: أهل الإيمان (فيه) يعني: في الإيمان (سواء) يعني: مستوون، وفي نسخة أخرى: (وأهله في أصله سواء) ، والمقصود بأصله: في ثبوته وحصوله، فهم فيه سواء، وهذا خطأ، فإن الإيمان يزيد وينقص؛ ولذلك كان من عقد أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فإن هذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان.
стр. 161
أسباب تفاوت أهل الإيمان
قال ﵀: [والتفاضل بينهم: بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى] التفاضل بينهم يعني: بين أهل الإيمان، والخشية: هي الخوف المقترن بالمحبة والوجل، والخشية خوف مع علم؛ ولذلك لا يوصف به إلا أهل العلم، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ، بخلاف الخوف فقد يكون ممن ليس عنده علم، أما الخشية فلا تكون إلا من أهل العلم.
قال: (والتقى) والمقصود بالتقى أي: تقوى القلب، لا تقوى الجوارح؛ لأن تقوى الجوارح ليست داخلة في الإيمان، فلا يكون فيها تفاضل بين أهل الإيمان، وهو يشير بهذا إلى أن عمل القلب داخل في مسمى الإيمان، ولكن هذا قصر للعمل، فالعمل الذي يدخل في الإيمان هو عمل القلب وعمل الجوارح، وهم عندهم أن أصل الإيمان -وهو التصديق- أهله فيه سواء، وهذا ليس بصحيح فحتى التصديق يختلف فيه الناس.
الآن أنت تصدق بالخبر إذا جاءك من زيد ويزيد تصديقك بالخبر إذا جاءك من عمرو وأنت مصدق في كلا الحالين، لكن تصديقك لخبر زيد أقل من تصديقك لخبر عمرو لما تعرف عن عمرو من الدقة والتحري والتثبت أكثر من زيد، فالتصديق يختلف؛ ولذلك قوله ﵀: (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء) ليس بسديد، حتى لو سلمنا أن التصديق واحد للجميع، لكنه واحد متفاضل، لا شك أنه من حيث أدنى المراتب التي يحصل بها الإيمان والإسلام الجميع فيه متفق، لكن هناك تفاوت وتفاضل بين تصديق هذا وتصديق ذاك، وبين إيمان هذا وإيمان ذاك، فالمؤلف ﵀ قصر التفاضل في أعمال القلب، والواقع أن التفاضل بين أهل الإيمان يكون في أعمال القلوب، وفي أعمال الجوارح، وقوله ﵀: [ومخالفة الهوى] أي: مخالفة ما تهواه النفوس وتشتهيه، وسمي الهوى هوىً لأنه يهوي بصاحبه في المهلكات، ويوقعه في المرديات.
قال: [وملازمة الأولى] أي: ملازمة ما ينبغي أن يلازمه الإنسان، والصحيح ما ذكرنا من أن التفاضل يكون بعمل القلب واللسان، فمن قال: سبحان الله أفضل ممن لم يقل: سبحان الله، ومن خشي بقلبه أفضل ممن لم يخش الله جل وعلا بقلبه، ومن زاد ركعة أو سجدة أفضل ممن نقص.
وفي أذكار الصباح والمساء ذكر النبي ﷺ فضل قول: سبحان الله وبحمده مائة مرة في اليوم، فقال: (وليس يفضله إلا من قال مثل ما قال أو زاد عليه) ، فدل ذلك على أن الزيادة في القول زيادة في الفضل، والأدلة على زيادة الفضل بزيادة العمل كثيرة جداً، ولكن هؤلاء لما وقع عندهم الإشكال أخرجوا الأعمال؛ حتى لا يحتج عليهم الخوارج وأشباههم من الوعيدية فيوقعون الكفر بمن لا يستحقه.
стр. 162
المؤمن ولي الله
قال: [والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن] لا شك أن أهل الإيمان أولياء الرحمان، لأن الله جل وعلا قال في ذكر الولاية: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] .
فهؤلاء هم أولياء الله، فقول المؤلف: [والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن] لا إشكال في هذا، ولكنهم في الولاية مختلفون، والاختلاف في الولاية باختلاف تحقيق الإيمان والتقوى، فبقدر ما يحقق الإنسان من الإيمان والتقوى؛ بقدر ما يفوز بولاية الله ، والولاية أصلها دائر على القرب، والمعنى: أنه كلما ازداد العبد طاعة لله جل وعلا كلما ازداد منه قرباً، كما قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن استعاذني لأعيذنه، ولئن استنصرني لأنصرنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه) ، وهذا يدل على عظيم ما يبلغه المؤمن من الدرجة إذا حقق القيام بالفرائض وتقرب إلى الله بالنوافل، فالله جل وعلا يكون معه، ويكون نصيره، (فبي يبصر، وبي يسمع، وبي يمشي، وبي يبطش) أي: أنه يمشي على نور من الله جل وعلا في كل فعل وترك، ويبلغ من المحبة، أن الرب جل وعلا يتردد في قضاء ما يسوء العبد ويكرهه وهو الموت، ولكن لما كان لا بد له منه فإنه لا محيص عنه، فالله لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه.
قال ﵀: [والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم -أي: أكثرهم طاعة- وأتبعهم للقرآن] .
ولا شك أن أتبع الناس للقرآن هو أقرب إلى الرب جل وعلا، وأحقهم ولاية، وأكرمهم عند الله جل وعلا؛ ولذلك لما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلقه القرآن كان أتقى الناس لرب العالمين، وأكرم الخلق على الله جل وعلا، ومعنى أن القرآن خلق النبي ﷺ أي: أنه يعمل به، وأنه يمتثله ويترجمه ويعمل بما جاء فيه، فيجب على المؤمن إذا أراد الكرامة أن يسلك هذا السبيل، وهو طاعة الله واتباع القرآن؛ فإن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته.
بعد هذا ذكر المؤلف ﵀ الإيمان المجمل وأصول الإيمان.
стр. 163
أركان الإيمان
قال ﵀: [والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى، ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به] .
يقول ﵀ في بيان الإيمان الواجب: الإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى.
هذه أصول الإيمان وهي ستة، لا يصلح إيمان أحد ولا يستقيم إلا بتحقيقها.
الإيمان بالله يشمل الإيمان بوجوده وبربوبيته، وبإلهيته وبأسمائه وصفاته، ويمكن أن نقتصر على الثلاثة الأخيرة فقط؛ لأن من لازم إثباتها إثبات الوجود، فنقول: الإيمان بربوبيته، وأسمائه وصفاته، وإلهيته.
الإيمان بالملائكة تقدم الكلام عليه، وكذلك الإيمان بالكتب وبالرسل.
واليوم الآخر: هو أن تؤمن بكل ما أخبر الله ورسوله ﷺ مما يكون بعد الموت، هذا هو الإيمان المجمل فيما يتعلق باليوم الآخر، أن تؤمن بجميع ما أخبر الله به ورسوله مما يكون بعد الموت، فإن الموت هو ابتداء مراحل الآخرة، والقبر أول منازل الآخرة، فإذا آمن العبد بما أخبر الله جل وعلا به أو أخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت فإنه قد آمن باليوم الآخر، وهذا هو الإيمان المجمل، أما الإيمان المفصل: فهو أن تؤمن بكل ما بلغك عن الله وعن رسوله ﷺ مما يكون في البرزخ، ومما يكون يوم القيامة، ومما يئول إليه الناس من جنة أو نار.
قال ﵀: [والقدر] تقدم الكلام على الإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر له أربعة مراتب: أن تؤمن بأن الله جل وعلا علم كل شيء، وكتبه،، وشاءه، وخلقه، وهي المراتب التي يكمل بها الإيمان بالقدر.
فالإيمان بالقدر هو أن تؤمن بأن الله عالم بكل شيء قبل وجوده، وأنه كتبه في اللوح المحفوظ، وأنه شاءه، وأنه جل وعلا خلقه، فلا شيء يخرج عن تقدير الله جل وعلا، والإيمان بالقدر: هو أن تؤمن بأن كل ما وقع فهو بعلم الله وبكتابته وبخلقه ومشيئته ، وقد تقدم الكلام على هذا.
يقول ﵀: [ونحن مؤمنون بذلك كله] أي: بهذه الأصول، ولا يحصل الإيمان إلا بهذه الأصول، فهذه الأركان هي أركان الإيمان وأصوله التي لا يقوم الإيمان إلا بها.
قال ﵀: [لا نفرق بين أحد من رسله] ، والتفريق بين الرسل هو التفريق في الإيمان ببعضهم دون بعض، أو الإقرار بما جاء به بعضهم دون بعض، بل الواجب أن نؤمن بجميعهم، وألا نفرق بين أحد منهم، وليس من التفريق بين الرسل معرفة مراتبهم في الفضل، فإن الله جل وعلا فاضل بينهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وأفضلهم نبينا محمد ﷺ ، ثم أولوا العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك هم في الفضل على ما علم الله جل وعلا.
стр. 164
حكم أهل الكبائر في الآخرة
قال ﵀: [وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين، وهم في مشيئته وحكمه: إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته] .
يقول ﵀: [وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون] ، أهل الكبائر أي: أصحابها المقارفون لها، الواقعون فيها.
والكبائر جمع كبيرة، والكبيرة هي الذنوب التي ورد في الشرع عليها حد أو ذكرت لها عقوبة في الآخرة، أو ختم لصاحبها بغضب أو لعنة أو تبري.
فكل ما ورد فيه حد أو وعيد خاص فإنه من الكبائر، مثل الزنا والسرقة والغيبة والنميمة والغش والحقد والحسد والكبر، والكلام على أهل هذه الذنوب الواقعين فيها المقارفين لها الذين لم يتوبوا منها، أما من تاب تاب الله عليه، فالتوبة -ولله الحمد- تجب ما قبلها، وتجعل الإنسان كما لو لم يقع في الذنب، فتمحى الذنوب ولا يسأل عنها، وهذا من فضل الله وعظيم كرمه وواسع إحسانه بعبده أنه إذا تاب تاب عليه.
والتوبة ليس لها حد ولا منتهى، بل الله جل وعلا يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ما لم يبلغ الإنسان الغرغرة أو تخرج الشمس من مغربها، عند ذلك يوصد باب التوبة.
стр. 165
أهل الكبائر الموحدون لا يخلدون في النار
قال ﵀: [وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون] أي: لا يبقون فيها بقاء أبدياً، الخلود المنفي هنا هو خلود البقاء الذي لا خروج معه، واعلم أن الخلود نوعان: خلود بمعنى طول البقاء في النار، وهذا قد يكون لبعض أهل الكبائر من أهل الإسلام.
والقسم الثاني من الخلود: الخلود الذي لا خروج منه؛ فهو بقاء أبدي سرمدي لا ينقطع.
وهذا لا يكون إلا لأهل الكفر والشرك.
من الخلود الأول: خلود قاتل النفس؛ فإن الله توعده بالخلود فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] ، فالخلود في هذه الآية هو الخلود الذي بمعنى طول المكث لا الخلود الذي لا خروج معه؛ فإن النصوص قد دلت على أن المسلم المؤمن الذي يقول: لا إله إلا الله مآله إلى الجنة مهما أذنب، فمن كان من أهل التوحيد والإخلاص ودخل النار، فلا بد أن يخرج كما سيأتي في الشفاعات.
قال: [إذا ماتوا وهم موحدون] ، وهذا شرط يخرج به أهل الشرك، فإن أهل الشرك في النار خالدون فيها أبداً لا يخرجون منها، بل هي موصدة عليهم أبد الآباد.
قال ﵀: [وإن لم يكونوا تائبين] ، يعني: وإن لم يتوبوا من هذه الكبائر فإنهم لا يخلدون في النار، بل غاية ما يكون أن يدخلهم الله جل وعلا هذه النار فيعاقبون بقدر ما عليهم من الذنوب ويطهرون؛ لأن دخول النار لأهل الكبائر هو تطهير لهم يطهرون به وينقون؛ فإذا نقوا من آثار الذنوب والمعاصي أخرجهم الله جل وعلا.
يقول: [وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين] ، والمقصود بالإيمان هنا: هو الإيمان الذي تقدم في قوله: [والإيمان هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره] .
فهؤلاء حققوا التوحيد، لكن حصل منهم من الذنوب ما حصل به نقص هذا التوحيد، وإن كان أصله ثابتاً وباقياً، فلوجود هذا الأصل وبقائه يخرجهم الله من النار.
يقول: [وهم في مشيئته وحكمه] ، يعني: إذا لم يتوبوا من ذنوبهم فهم في مشيئته وحكمه، إن شاء عاقبهم على ذنوبهم، وآخذهم بها، وإن شاء عفا عنهم وغفر لهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
قال ﵀: [إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وإن شاء عذبهم في النار بعدله] ، فهم بين عدله وفضله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] ولكن لابد أن يعلم أنهم إلى الجنة صائرون مهما وقع عليهم من العذاب إذا كانوا من أهل التوحيد.
стр. 166
الأسئلة
стр. 167
أدلة دخول مرتكب الكبيرة الجنة
السؤال
ما لدليل على دخول مرتكب الكبيرة الجنة؟
الجواب
الدليل هو ما دلت عليه الأدلة من أن مرتكب الكبيرة مهما كان فعله فهو يئول إلى الجنة.
стр. 168
معنى الخلود في القرآن
السؤال
ما معنى الخلود في القرآن؟
الجواب
يطلق الخلود على البقاء الطويل، ومنه قولهم: ملك خالد، ومعلوم أنه لا يوجد ملك يخلد، لكن يقصد به ملك طويل البقاء، والعرب تطلق على طول البقاء الخلود.
стр. 169
تسمية مرجئة الفقهاء بذلك
السؤال
لماذا سمي مرجئة الفقهاء بذلك؟
الجواب
سموا مرجئة الفقهاء لأنهم من فقهاء أهل السنة والجماعة، ومرجئة لأنهم وقعوا في شيء من القول بالإرجاء، وهو تأخير العمل عن مسمى الإيمان؛ فالإرجاء أصله في اللغة مأخوذ من التأخير، وكما ذكرنا أن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبينهم منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو لفظي، ولكن هذا لا يوجب الفرقة، ولا يوجب القدح والطعن فيهم؛ لأنهم إنما قالوا هذا باجتهادهم، ولكن يجب أن يقرر ويبين ما يعتقده أهل السنة والجماعة من دخول الأعمال في مسمى الإيمان.
أما أبو حنيفة فهو من مرجئة الفقهاء، ولا نطلق عليه قولنا: إنه من المرجئة؛ لأن من المرجئة من يقول: إن الإيمان هو المعرفة فقط، وهؤلاء هم غلاة المرجئة وهم الجهمية، الذين يقولون: الإيمان هو المعرفة فقط، ومعنى هذا عندهم: أن فرعون مؤمن؛ لأنه عرف الله، وإبليس مؤمن لأنه عرف الله! فلا نطلق إنهم من المرجئة، إنما نقيد ذكرهم بمرجئة الفقهاء حتى يتميزوا عن غلاتهم، والله تعالى أعلم.
стр. 170
شرح العقيدة الطحاوية [١٦]
من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن مآل الموحدين إلى الجنة، حتى أهل الكبائر فإنهم لا يخلدون في النار.
ثم إن أهل السنة والجماعة يدعون إلى الاجتماع ويحذرون من التفرق والشقاق، ويجيزون الصلاة خلف كل بر وفاجر، ويوجبون الطاعة لهم بالمعروف.
стр. 171
الشفاعة الخاصة بأهل الكبائر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا ولايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به] .
يقول المؤلف ﵀ في تتمة ما تكلم به في مسائل الإيمان: (ثم يخرجهم منها برحمته) أي: يخرج أهل الكبائر؛ لأنه قال ﵀: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون) يقول: (ثم يخرجهم منها) أي: من دخل النار من أهل القبلة من أمة محمد، والمقصود بالأمة هنا: أمة الإجابة، فمن دخل منهم النار بذنبه فإنه لا يخلد فيها كما تقدم، بل مآله إلى الجنة كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة الدالة على عدم خلود أهل الإسلام في النار، (وأن الله يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان) وهذا يدل على أنه لا يبقى في النار من أهل التوحيد أحد، بل قضى الله جل وعلا ألا يخلد فيها إلا أهل الكفر والشرك دون أهل المعصية من أهل التوحيد والإيمان.
(ثم يخرجهم منها) أي: من النار برحمته وشفاعة الشافعين، وذكر المؤلف ﵀ من أسباب خروج أهل الكبائر من النار رحمته التي وسعت كل شيء، وقدم الرحمة مع أن الحديث الذي ذكر فيه الشفاعة أخر ذكرها؛ حيث يقول الرب جل وعلا بعد شفاعة من يشفع: (شفع النبيون، شفع الصالحون، شفعت الملائكة، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين) قدمها في الذكر؛ لأن الشفاعة برحمته، فالشفاعة إنما هي بإذنه ورضاه، بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع، وذلك من رحمته بعباده.
فرحمته سابقة لاحقة، بل ما يصل الإنسان من الخير إنما هو برحمة الله ، فإن الرحمة دائرة على إيصال الخير ودفع الضر، وهو جل وعلا الرحمن الرحيم، وكلا الاسمين مشتق من صفة الرحمة التي هي إيصال النفع ودفع الضر، فإيصال الخير، ودفع الضر كله من رحمة الله جل وعلا، والشفاعة إيصال خيرٍ إلى المشفوع له، وهو خير للشافع؛ لأنه إكرام له، وإظهار لمنزلته، فهو رحمة من الله جل وعلا للشافع والمشفوع له.
يخرجهم برحمته وشفاعة الشافعين، والشفاعة هي التوسط في إيصال الخير ودفع الضر عن الغير، وقد تقدم الكلام عليها فيما مضى، وهي ثابتة عند أهل السنة والجماعة بجميع أنواعها التي دلت النصوص من الكتاب والسنة عليها، فالشفاعة العظمى ثابتة لأهل الموقف، وشفاعة النبي ﷺ في رفع الدرجات وفي دخول أهل الجنة، وفيمن استحق النار ألا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها، كل هذا مما جاءت به النصوص، ودلت عليه دلالة واضحة، ولا يمتري فيها إلا أهل الأهواء.
يقول: [وشفاعة الشافعين من أهل طاعته] هذا بيان لمن هو مستحق لأن يشفع، فالشفاعة فضل وكرامة وهي لا تكون إلا لأهل السبق والطاعة من الملائكة والإنس وغيرهم ممن يقدر الله جل وعلا أنه يشفع.
قال ﵀: [ثم يبعثهم إلى جنته] البعث مضمن معنى الإثارة في اللغة، والمقصود يبعثهم إلى جنته أي: يدخلهم في جنته، فإنهم يخرجون من النار ويلقون في نهر الحياة، فينبتون في هذا النهر، ثم يمنّ الله جل وعلا عليهم بدخول الجنة، ومعلوم أن أحوال الآخرة مختلفة تماماً عن أحوال الدنيا؟! يقول: [وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته] ، [ذلك] المشار إليه ما منّ الله به على هذه الأمة من إخراج أهل الكبائر من النار، وعدم خلودهم فيها، فالمشار إليه هو عدم خلود أهل الكبائر في النار، والمؤلف ﵀ استعمل هذا اللفظ، وإن كان قد يدل دلالة فاسدة عند بعض المنحرفين كغلاة المرجئة الذين يقولون: يكفي للتوحيد المعرفة، وأن الإيمان هو معرفة الرب، لكن المؤلف لا يريد هذا، إنما يقصد بأهل معرفته، أي: أهل طاعته كما تقدم في كلامه؛ لأنهم أهل كبائر ولم يفقدوا الإيمان، ولم يخرجوا عن دائرة الإسلام، وهو مستفاد من قول النبي ﷺ : (تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة) والتعرف على الله في الرخاء: هو أن يقوم الإنسان بما فرض الله عليه من العبادات الواجبة، وأن يسارع فيما شرع له وندب إليه من العبادات المستحبة.
[تولى أهل معرفته] والولاية تقتضي القرب والمحبة والنصرة، فإن الله جل وعلا تولى أهل الإيمان، وتوليه لهم يكون بمحبته لهم، وتقريبهم، ودفع ما يضرهم، ونصرهم في المواطن التي يحبون النصر فيها.
يقول: [ولم يجعلهم في الدارين] يعني: في دار الدنيا وفي دار الآخرة، [كأهل نكرته] يعني: كأهل الكفر به من أهل الجحود وغير ذلك مما يدخل به الإنسان في دائرة الكفر، ويخرج به عن دائرة الإسلام.
ولا شك أن الله جل وعلا فرق بين الفريقين، ولم يسوِ بين أهل الجنة وأهل النار لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل أنكر التسوية بين الفريقين: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥-٣٦] ، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] فنفى الله جل وعلا التسوية بين هذين الفريقين في الدنيا والآخرة، وهم مفترقون في أحكام الدنيا، ومفترقون أعظم الافتراق في أحكام الآخرة، فإن كان هناك شيء من اتفاق بين أهل الإسلام والإيمان وأهل الإجرام والكفر في الدنيا لكنهم في الحقيقة لا يستويان في الأحكام.
وفي الآخرة يكون الافتراق واضحاً بيّناً يدركه كل أحد، فإن أهل الإسلام يعطون من النور في الموقف ما يتميزون به عن أهل الكفر والنفاق، ثم إذا آل الأمر واستقر الفريقان عظم الافتراق، وتبين تبيناً لا لبس فيه ولا امتراء، فريق في الجنة وفريق في السعير، فلم يسو الله جل وعلا بين الفريقين، بل فرق بينهما كما دلت على ذلك النصوص.
يقول ﵀: [ولم يجعلهم] أي: يجعل أهل الإيمان ولو كانوا من أهل الكبائر، وأهل التقصير والمعصية، لم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، أي: أهل جحوده الذين خابوا، أي: لم يحصلوا هدايته، وخسروا سلوك هذا الصراط القويم الذي تحصل به للعبد الفضائل والمنن.
قال: [ولم ينالوا من ولايته] لم ينالوا أي: لم يدركوا من ولايته، والولاية المنفية هنا هي ولاية النصر والتقريب؛ لأن الولاية في القرآن نوعان: ولاية عامة لا يخرج منها أحد، وولاية خاصة.
الولاية العامة: هي التي يرزق الله جل وعلا بها كل أحد، كما قال النبي ﷺ : (لا أحد أصبر على أذى من الله جل وعلا؛ ينسبون له الولد، وهو يرزقهم ويعافيهم) فالرزق والمعافاة والإمداد بكل خير لأهل الكفر هذا من ولاية الله جل وعلا لهم، لكنها الولاية العامة، وليست هي الولاية التي نفاها المؤلف ﵀، الولاية التي نفاها المؤلف ﵀ في هذا الموطن هي الولاية الخاصة التي يحصل بها نصر الله لعبده، وتقريبه، وإنجاؤه من مواطن الهلكة، ومحبته ، وهي المشار إليها في قول النبي ﷺ : (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) إلى آخر الحديث، وفي الرواية الثانية المفسرة لهذا الحديث: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يمشي، وبي يبطش) هذه هي الولاية التي تنتفي عن هؤلاء الكفرة.
ثم قال ﵀ سائلاً الله جل وعلا: [اللهم يا ولي الإسلام وأهله] فهو جل وعلا نعم المولى ونعم النصير، وهو ولي الإسلام، وصاحبه، وناصره، ومظهره، ومحبه، وهو ولي أهل الإسلام، ناصرهم، ومحبهم، ومقربهم ، فتوسل إليه بما هو سبب للنصر والنجاح.
[ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به] اللهم آمين، والثبات يكون باستقرار القدم على ما جاء في الكتاب والسنة، وبلزوم ما جعله النبي ﷺ سبيلاً للنجاة، (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله) فكتاب الله جل وعلا من تمسك به هدي، والمؤلف ﵀ قد ذكر قبل فقرات قريبة أكرم الخلق عند الله فقال: [وأكرمهم عنده أطوعهم وأتبعهم للقرآن] ، فكلما كان الإنسان أتبع للقرآن كلما ثبتت قدمه على الإسلام، فالإسلام لا تثبت فيه القدم إلا بالعلم النافع والعمل الصالح، والعلم النافع والعمل الصالح هما اللذان جاء بهما النبي ﷺ ، قال الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣] الهدى: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، وبهما يحصل الثبات على الإسلام.
أسأل الله أن يتوفانا وإياكم مسلمين، وأن يلحقنا بعباده الصالحين.
стр. 172
عقيدة أهل السنة في الصلاة خلف الأئمة
قال المؤلف ﵀: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم.
ولا نُنزل أحداً منهم جنة ولا ناراً، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى] .
يقول ﵀: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم] نرى: أي نعتقد، والرؤية هنا رؤية العلم والاعتقاد، و (الصلاة) المقصود بها: الصلاة المفروضة، أو الصلاة التي يشرع لها الاجتماع من الصلوات المسنونة، يشمل هذا وهذا والمراد نرى ونعتقد وجوب الصلاة خلف كل (بر) وفاجر، بر أي: صاحب طاعة، (فاجر) أي مسرف بالمعصية.
ولكن المؤلف ﵀ قيد الفجور بقوله: [من أهل القبلة] يعني: من أهل الإسلام، وأهل القبلة تقدم لنا أنهم أهل الإسلام الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما رواه البخاري منفرداً: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذاك المسلم له ما لنا، وعليه ما علينا) .
فالمؤلف ﵀ يقول: [نصلي خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة] يدخل في هذا الكلام الصلاة خلف العصاة والفساق والفجار، فإننا نصلي خلفهم لقول عثمان ﵁: (إن الصلاة من أحسن ما عمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب) كما في صحيح البخاري، ولا شك أن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا صلى الإنسان خلف الفاسق فإنه شاركه في خير وبر، ولم يشاركه في إثم ومعصية.
وهذا الذي ذكره المؤلف ﵀ هو عقد أهل السنة والجماعة.
وأما ما ورد من الخلاف بين الفقهاء في جواز الصلاة خلف الفاسق؛ فإنه خلاف موجود بين الفقهاء، لكن الصحيح ما ذكره المؤلف ﵀ من أن السلف كانوا يصلون خلف كل بر وفاجر.
والإمام لا يخلو من أحوال: إما أن يكون مستور الحال لا نعلم حاله، فهذا يجب الصلاة خلفه على كل حال، وترك الصلاة خلفه من البدع التي يخالف الإنسان بها طريق أهل السنة والجماعة، ولم يقل أحد من أهل العلم: يجب أن تسأل عن عقيدة الإمام الذي تصلي خلفه، أو أن تفتش عن باطنه، وأن تسأل عن حاله، فهذا مما لم يقله أحد من أهل العلم.
الحالة الثانية: أن يكون من أهل الطاعة.
وهذا لا إشكال في أن الصلاة خلفه من عمل أهل السنة والجماعة.
الحالة الثالثة: أن يكون من أهل الفسق والمعصية.
وهذا فيه الخلاف بين العلماء، لكن الصحيح أنه يصلى خلفه لا سيما إذا كان إماماً، وعلى هذا يخرج البحث الذي ذكره الفقهاء في مسألة صحة إمامة الفاسق؛ فإن بحث الفقهاء في صحة إمامة الفاسق في غير الأئمة، أي: غير الأمراء والمقدمون؛ فإن الصلاة خلفهم ديانة، ولو كانوا على فسق؛ لأن الصحابة أحرص منا على الخير، وأعلم منا بالشرع، ومع ذلك كانوا يصلون خلف الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، بل نقل عنهم أنهم صلوا خلف الحجاج، والحجاج مشهور ظلمه، ومعروف حاله عند الصحابة، صلى خلفه عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، بل إن عبد الله بن مسعود ﵁ صلى خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان شراباً للخمر، حتى إنه صلى بهم صلاة الفجر أربع ركعات، فلما سلم، قال: هل أزيدكم؟ قال عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة، ولم ير هجره وترك الصلاة خلفه؛ لأنه كان الأمير في الجهة التي فيها ابن مسعود ﵁.
المهم أن مسألة الخلاف في صلاة الفاسق يخرج عنها ما إذا كان النظر في الصلاة خلف من ولاه الله أمر المسلمين، فإنه يصلى خلفه ولو كان فاجراً، وهذا من عقد أهل السنة والجماعة الذين تميزوا به عن أهل البدعة.
الحالة الرابعة من أحوال الإمام: أن يكون مبتدعاً لا عاصياً، وهذا يصلى خلفه أيضاً إذا كان لا يجد الإنسان غيره، وإذا كان هو المتولي للجمعة والجماعة، ولو كان داعية إلى بدعته، فإن الصحابة والتابعين صلوا خلف ابن أبي عبيد وكان متهماً بالإلحاد والبدعة، وكل هذا إنما هو لتحقيق معنى الجماعة، وعدم الفرقة، وبه نعلم خطأ الذين يفرقون بين الناس ويدعون إلى المنابذة، والمخالفة، والتحزب، والتشرذم، والتفرق؛ فإن هذا خلاف ما كان عليه سلف الأمة.
يقول ﵀: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة] ويشهد لهذا أن عثمان ﵁، لما خرج عليه الخوارج وحصروه في بيته، جاءه أحد السائلين فقال له: يا عثمان أنت إمام جماعة، وهذا الذي يصلي بنا إمام بدعة، فهل نصلي خلفه؟ فقال: (يا ابن أخي! إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنبهم) مع أنه ﵁ محصور، والذي يصلي بالناس من أعدائه وخصومه الذين خرجوا عليه، ومع ذلك لم يقل: لا تصل خلفه، بل قال: إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، يعني: صلي معهم، وإذا أساءوا فاجتنبهم، وهذا يدل على كمال ورعه ﵁، وعظيم منزلته، ولو كان شخصاً من عموم الناس أو غير عثمان فالمتوقع: أن يقول -في أقل الأحوال- لا تصل خلفه؛ لأنه نازعه حقه وإمامته، لكن مع ذلك قال: صل خلفه، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، وهذا يدل على كمال فقهه ﵁.
والمراد: أنه يصلى خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، لكن عند الاختيار إذا أردت أن تختار بين أن تصلي خلف إمام مبتدع، وبين إمام من أهل السنة؛ فعند الاختيار لا إشكال أنك تذهب إلى إمام أهل السنة، لكن في بعض البلاد التي يظهر فيها قول من أقوال المبتدعة، ولا يكون في المكان الذي أنت فيه أحد من أهل السنة، فنقول: صل مع الناس، ولا تترك الجمعة والجماعة؛ فإن ترك الجمعة والجماعة هو البدعة، وهو المخالف لطريق أهل السنة والجماعة.
يقول: [وعلى من مات منهم] أي: من أهل القبلة؛ فإن أهل السنة والجماعة يرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة، سواء كان فاسقاً مبتدعاً أو مستور الحال لا فرق، لكن إن رأى أصحاب المكانة والمنزلة أن يعتزلوا الصلاة على أهل الفجور، وأهل البدعة؛ ردعاً لبدعتهم، فهذا الأمر سائغ ولا بأس به، لكن من حيث العموم يصلي أهل السنة والجماعة على كل من مات من أهل القبلة، يعني: ممن ينتسب إلى الإسلام، وهل يصلى عليه ولو كان منتسباً للجهمية أو القدرية أو الرافضة؟
الجواب
نعم؛ لأن انتسابه إلى هذه البدعة المغلظة لا يسوغ الحكم عليه بالكفر عيناً؛ وفرق بين أن نقول: الجهمية كفار، وبين أن نقول: هذا كافر، لأن المسألة فيها تفريق واضح بين عند أهل السنة والجماعة، فرق بين التكفير العام وبين الحكم بالكفر على المعين، فيصلى على من كان من أهل الإسلام ولو كان من أهل الملل.
يقول: [ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً] أي: لا نشهد ولا نحكم لأحد من أهل القبلة، وتقدم تقييد هذا الإطلاق بمن شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجنة أو نار، فمن دلت النصوص على أنه من أهل الجنة فهو من أهل الجنة، أو هو من أهل النار فهو من أهل النار، ومن عدا من دلت عليه النصوص فإننا نمسك عن الشهادة له؛ لأن الشهادة له بجنة أو نار لا تنفع.
وقوله: [لا ننزل أحداً منهم] أي: من أهل القبلة، وغير أهل القبلة هل ننزلهم النار؟ الجواب: ظاهر عقد أهل السنة والجماعة -وصرح به بعضهم- أنه لا يشهد للكفار بالنار على وجه التعيين، أما على وجه العموم فكل كافر في النار، لكن على وجه التعيين لا نشهد لمعين بالنار إلا من شهد له النبي ﷺ .
يقول: [ولا نشهد عليهم بكفر، ولا بشرك، ولا بنفاق] لأن هذه أحكام مبنية على نصوص، فلا نشهد عليهم بكفر، ولا بشرك، ولا بنفاق؛ ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، يعني: من الشرك والكفر والنفاق، ويجب فيما إذا ظهر منهم شيء من ذلك أن نقيم عليهم الحجة، وأن نبين لهم الخطأ، فإن أصروا عليه ولم يرتدعوا عن الكفر أو الشرك أو النفاق فعند ذلك حكمنا لهم بما تقتضيه أحوالهم وأفعالهم، لكن بعد إقامة الحجة، وبعد البيان والتوضيح.
يقول ﵀: [ونذر سرائرهم إلى الله تعالى] أي: نكل سرائرهم إلى الله تعالى؛ لأن السرائر لا سبيل إلى معرفتها، ولا إدراك ما فيها، فإنها خفايا مستورة لا يعلمها إلا الله جل وعلا؛ ولذلك قال : ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] ؛ فالسر من علمه ليس من علم غيره، ما أكنته القلوب وأخفته الأفئدة وأسرته الضمائر علمه إلى الله جل وعلا، ولا يكشف ولا يتبين إلا يوم تبلى السرائر، فيجب ترك السرائر إلى الله؛ فالبحث في النيات والمقاصد أمره إلى الله جل وعلا ليس إليك، لكن من ظهر منه أمر عاملناه وحكمنا عليه بما ظهر منه، لا بما قصده، ما لم يعتذر بأمر يوجب رفع الحكم عنه.
ذكرنا أن كلام المؤلف ﵀ يشمل كل المبتدعة الذين لم نعتقد كفرهم، أما من كان كافراً فإنه لا يصلى عليه، فقوله: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم] هذا يشمل كل من لم يكفر ببدعته، ولا فرق بين أن تكون البدعة مكفرة وبين ألا تكون مكفرة، بمعنى: أنه قد تكون البدعة مكفرة، ويكون القول كفراً، لكن لا نحكم على القائل بأنه كافر، فهنا يدخل في عموم قوله: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم] .
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في حكايته للصلاة خلف المبتدعة والتفصيل في ذلك، وقال: ويدخل في هذا الجهمي والرافضي، وذكر في موضع آخر: أنه لا يصلى خلف من لا يرى الجمعة والجماعة كأئمة الرافضة، فالمسألة على عمومها في كلام المؤلف ﵀: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم] ، ولا يعني هذا أن يتقصد الإنسان الصلاة على هؤلاء، أو يطلب الصلاة عليهم، ولا يخالف هذا ما قرره أهل السنة والجماعة من هجر المبتدع، وقد نقل عن الإمام أحمد ﵀ قال: لا أشهد جنازة جهمي ولا رافضي، ومن أحب أن يشهدهم فليشهد.
وهذا يدل على أن المسألة فيها خيار، وأنه للإنسان أن يختار ألا يصلي ع
стр. 173
حرمة الدماء عند أهل السنة والجماعة
قال ﵀: [ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف] .
[لا نرى السيف] أي: لا نرى القتل على أحد من أمة محمد، وهم أمة الإسلام الذين عصم الله دماءهم وأموالهم وأعراضهم بكلمة الإسلام، كما قال النبي ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام) ، فكل من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فهو معصوم الدم، لا يجوز التعرض له بقتل إلا إذا فعل ما يوجب القتل.
ولذلك استثنى المؤلف بقوله: [إلا من وجب عليه السيف] ولا يلزم من وجوب السيف أن يخرج عن الأمة وعن الإسلام، بل هو في الأمة وفي الإسلام وإن وجب عليه السيف، كالذي يقتل نفساً بغير حق، أو يزني وهو محصن، وما أشبه ذلك من موجبات القتل في شرعة الإسلام، (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) .
стр. 174
عقيدة أهل السنة في الخروج على الولاة
ثم قال ﵀: [ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة] .
يقول ﵀ في بيان عقد أهل السنة والجماعة: [ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا] أي: لا نعتقد ولا نجيز الخروج على أئمتنا، والأئمة هنا هم ولاة الأمر؛ ولذلك قال في بيانه: [وولاة أمرنا] أي: من ولاه الله أمر المسلمين من أهل الإسلام فإنه لا يجوز الخروج عليهم، يقول: [وإن جاروا] أي: وإن ظلموا فإنه لا يجوز الخروج عليهم، وقد حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك، وأمر أصحابه بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، ولو ظهر منه ما يخالف الدين، وهذا يدل على أن من عقائد أهل السنة والجماعة التزام الجماعة، ولذلك سموا بالجماعة لأنهم يجتمعون على ولاة أمرهم، ولا تخلوا عقيدة من عقائد أهل السنة والجماعة فيما أدركت ونظرت من ذكر هذا الأمر؛ وذلك أن فتنة الخروج من أول ما حصل من البدع في هذه الأمة، وهي من شر البدع لما ترتب عليها من الشر الكثير.
وقد ذكرنا فيما تقدم: أن بدعة الخوارج من البدع التي جاء التحذير والتنفير منها في أحاديث النبي ﷺ ، ولم تحض بدعة من التحذير والتنفير كبدعة الخوارج لشدة شرها؛ ولأنها تفسد ما جاءت به الشريعة، فالشريعة جاءت بالاجتماع، والائتلاف، والتعاون على البر والتقوى، والتناهي عن الإثم والعدوان، والخروج يحصل به الفساد في هذا كله، وانتفاء هذه المصالح كلها.
[لا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا] أي: وإن وقع منهم الجور، سواء بقصد أو بتأويل، لا فرق بين ذلك، ويجب الصبر والاحتساب عند الله على ما جرى منهم من الجور.
قال: [ولا ندعو عليهم] أي: لا يجوز أن ندعو عليهم؛ لأن الدعاء عليهم منابذة لهم، وهو من أوائل الخروج؛ لأنه خروج بالقول عليهم.
وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذكر الولاة: (خير ولاتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتدعون لهم ويدعون لكم؛ وشر ولاتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتدعون عليهم ويدعون عليكم) فهذا ليس فيه تجويز الدعاء عليهم؛ لأن بعض الناس يحتج بمثل هذا في الدعاء عليهم، وهذا إنما هو بيان لعلامة وأمارة، وليس فيه أنه يجوز الدعاء عليهم، بل الواجب ما ذكر المؤلف ﵀ في قوله: [وندعو لهم بالصلاح والمعافاة] ؛ لأن في صلاحهم صلاح الأمة.
قال ﵀: [ولا ننزع يداً من طاعتهم] أي إذا وقع منهم الجور فلا ننزع يداً من طاعتهم، بل يجب الصبر عليهم والطاعة لهم مع ذلك؛ لأن النبي ﷺ أوصى فيما أوصى أمته بذلك: (عليكم بالسمع والطاعة ولو تأمر عليكم عبد حبشي) ومعلوم أن العرب كان تولي مثل هذا عليهم من أعظم ما يكون في نفوسهم، ومن أعظم أسباب النفرة وعدم الطاعة، مع ذلك أمرهم بالطاعة ولو كان المتولي عليهم من كان بالأمس رقيقاً عندهم، يتصرفون به تصرفهم في سائر أموالهم، ومع ذلك أمرهم بالسمع والطاعة، وهذا فيه بيان عظم هذا الأمر، وأنه لا يجوز الخروج مهما كان الأمر، ما دام الحال لم يبلغ ما ذكر النبي ﷺ : (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) .
يقول: [ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله تعالى فريضة ما لم يأمروا بمعصية] .
أي: طاعة ولي الأمر فريضة واجبة يؤجر عليها الإنسان، ويأثم بالمخالفة، والطاعة هنا ليست فقط فيما إذا أمروا بالطاعة، بل فيما إذا أمروا بالطاعة، وفيما إذا أمروا بما يرون أنه مصلحة وليس فيه معصية مما يحصل به تنظيم أمور الناس، ومن هذا نفهم خطأ الذين يعارضون في بعض المسائل التي تتبع التنظيمات والترتيبات الإدارية، وهذا جهل منهم؛ لأنهم ظنوا أن الطاعة في النظام الذي لا يخالف الشرع ليس من الشرع، وهذا خطأ، بل الطاعة في النظام الذي لا يخالف الشرع يؤجر عليه الإنسان، ويأثم بمخالفته، وهذا معنى قوله ﵀: [ونرى طاعتهم من طاعة الله] هذا مما يدخل في كلامه يرحمه الله: [ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية] فإذا أمروا بالمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والمعصية إما أن تكون معصية عند كل أحد، كأن يأمر مثلاً بالزنا، فهنا لا يجوز أن تطيعه؛ لأن هذه معصية عند كل أحد، وإذا كانت معصية عندك وليست معصية عند غيرك، يعني: من مسائل الاجتهاد فهل تطيع أو لا تطيع؟ الجواب تطيع؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، فإذا كان حكم القاضي في المحكمة يرفع الخلاف في قضية من القضايا عليك بما ترى أنه خلاف الصواب، فكيف بحكم من هو أعلى من القاضي وهو ولي أمر المسلمين؟ فإذا حكم ولي أمر المسلمين بحكم ترى أنت أن فيه معصية، والمسألة من مسائل الخلاف فيجب عليك طاعته، ولا إثم عليك؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وهذه من المسائل المهمة التي يقع السؤال عنها.
فقوله ﵀: [ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية] إذا كانت المعصية عامة فلا إشكال أنه لا طاعة لأحد في معصية الخالق، أما إذا كانت المعصية مما فيه اجتهاد واختلاف فالواجب الطاعة، ويمكن أن يعتذر الإنسان، ويترخص ممن أمره بالأمر بأنه لا يرى هذا أو أنه يرى أنه معصية، فإن أذن له فالحمد لله، وإن لم يؤذن له فيجب عليه أن يطيع.
يقول ﵀: [وندعو لهم بالصلاح والمعافاة] ؛ لأن الدعاء بالصلاح والمعافاة ليس خيره خاصاً بهؤلاء، بل خيره في هؤلاء الذين هم ولاة الأمر وللأمة أيضاً؛ لأن صلاحهم من صلاح الأمة؛ ولذلك ورد عن السلف كالإمام أحمد ﵀ قوله: (لو علمت أن لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان؛ لما يترتب على صلاحه من صلاح الأمة) وبعض الناس يبخل بالدعاء لولاة الأمر، ويظن أن هذا من الحكمة، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو جهل؛ لأن صلاحهم صلاح للأمة؛ ولذلك ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء لهم، وليس هذا فقط في الأدعية العامة كالخطب وغيرها بل حتى في الدعاء الخاص؛ فإنهم من أسباب صلاح الأمة، ومن أسباب خروجها من البلايا، والله تعالى أعلم.
стр. 175
شرح العقيدة الطحاوية [١٧]
أهل السنة والجماعة ينطلقون في اعتقادهم وفي عباداتهم وفي شأنهم كله من الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، فلذلك تراهم أهل اجتماع وعدل وأمانة، وتراهم من أبعد الناس عن الشذوذ والفرقة.
стр. 176
وجوب اتباع السنة والجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة، ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة، ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه، ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر.
والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما.
] .
قال المؤلف ﵀: (ونتبع السنة والجماعة) هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، وبيان مسلكهم العملي في أنهم أهل اتباع للسنة، فهم يعظمون سنة النبي ﷺ ، وبها يستمسكون، وعنها يصدرون، وإليها يتحاكمون، وبها يفصلون ويقومون الأقوال والأعمال، فمصدرهم سنة رسول الله ﷺ ، فما صح منها وثبت فإنه حاكم على أقوالهم وأعمالهم وآرائهم وكل شأنهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ، فأهل السنة من أخص الناس التزاماً بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يردونها ولا يعارضونها ولا يتأولونها تأويلات باطلة، بل يقبلون ما صح منها ويرجعون إليه؛ ولذلك وصفوا بهذا الوصف، ولا يوصف به غيرهم.
قال: (والجماعة) وهذا فيه بيان خاصية أخرى من خصائص أهل السنة والجماعة: أنهم أهل اجتماع، وسموا بالجماعة؛ لأنهم يتبعون الجماعة، والجماعة هي الحق ولو كان الإنسان وحده، وليس المقصود بالجماعة الكثرة، فإن الكثرة ليست دالة على الحق في كل الموارد، بل قد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٨] ، وقال : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] .
стр. 177
مفهوم الجماعة
المقصود بالجماعة: جماعة أهل الحق، فهم أهل إجماع ويعتدون بالإجماع، وأهل اجتماع على من ولاه الله أمر المسلمين، فلا خروج عندهم ولا منابذة، وأهل اجتماع على الحق، وهو: ما كان عليه سلف الأمة في القرون المفضلة.
هم الجماعة الذين من انحاز إليهم انحاز إلى الحق واتصف بهذا الوصف، وليس الحق مع الأكثر في كل زمان، بل هو ما كان عليه أهل الصدر الأول والسلف الصالح: الصحابة أولاً ثم تابعوهم ثم تابعو تابعيهم، فهم أهل القرون المفضلة الثلاثة الذين قال فيهم النبي ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) .
هؤلاء هم أهل الجماعة، فمن اجتمع إليهم، وانحاز لهم؛ فهو على الحق ولو كان وحده، ولا يضره التوحد في متابعة السلف الصالح.
المهم أن الجماعة تصدق بالأخذ بالإجماع، وأيضاً الاجتماع على ولاة الأمر، وعدم الخروج عليهم، وموافقة ما كان عليه سلف الأمة في القرون المفضلة.
стр. 178
خطورة الشذوذ والفرقة
قال ﵀: (ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة) وكل هذا ناشئ عن التفريط في اتباع السنة والجماعة، فكل من فرط في اتباع السنة، وفي الأخذ بالجماعة؛ فإنه يقع في أحد هذه الخلال الثلاث المذمومة: الشذوذ وهو: الانفراد، ولكنه ليس الانفراد بمعنى: التوحد على الحق، وإنما هو: الخروج عن الصراط المستقيم، والخلاف، والفرقة.
والفرقة: هي مفارقة الجماعة، وقد جعل النبي ﷺ مفارقة الجماعة سبباً مما يستباح به الدم، بل كل من سعى في تفريق المؤمنين فإنه يستحق أن يقتل كما قال النبي ﷺ : (إذا جاءكم أحد وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائناً من كان) وهذا يدل على أن كل من سعى في الفرقة بين المسلمين، وفي اختلال اجتماعهم فإنه من أهل الفرقة الذين يستحقون هذه العقوبة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولا شك أن الاختلاف وقع بعد الصحابة ﵃، أما الخلاف في العمليات فهو واقع في زمنهم ﵃، بل حتى في زمن النبي ﷺ فيما لم يعلموا فيه قولاً عنه ﷺ ، لكن الخلاف المذموم هو: الاختلاف الذي فيه المخالفة لهدي السلف الصالح، ولما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الاعتقاد، هذا الذي يذم صاحبه، وكذلك تقصد مخالفة النبي ﷺ فيما عُلِمَ أنه من فعله أو قوله أو هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد حذر النبي ﷺ من الاختلاف فقال في وصيته: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) ثم وجه إلى المخرج من هذا الاختلاف فقال: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) ووصفهم بالوصفين الدالين على المسوغ للاتباع: الرشد والهداية، الرشد: ضد الغي، والهداية: ضد الضلال، وبهما يسلم الإنسان من الزيغ والانحراف.
стр. 179
قوله: ونحب أهل العدل والأمانة
ثم قال ﵀: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة) المقصود بالمحبة هنا: المحبة العبادية، بمعنى أننا نتعبد لله جل وعلا بمحبة أهل العدل والأمانة، وأهل العدل هم: أهل الإسلام أهل السنة والجماعة الذين اجتمعوا على الحق، ويخرج بقوله: (أهل العدل) أهل البغي وأهل البدعة، أما أهل البغي فهم: الذين يخرجون على الحكام سواء كان خروجهم بمسوغ أو بغير مسوغ، فهؤلاء ليسوا أهل عدل.
وكذلك يخرج بقوله ﵀: (ونحب أهل العدل) أهل البدعة، فإن أهل البدعة ليسوا أهل عدل، ولو كانوا أهل عدل لما عدلوا بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئاً.
قال ﵀: (ونبغض أهل الجور والخيانة) أي: أهل الظلم، وقد يجتمع في الإنسان عدل وظلم، وهذا متصور وموجود، فالواجب في مثل هذا أن يحب لما معه من العدل والاستقامة والأمانة، وأن يبغض بما معه من الجور والخيانة، فيعامل الإنسان بما تقتضيه حاله من هذين الأمرين.
стр. 180
رد العلم إلى عالمه
قوله: (ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه) وهذا فيه بيان ما عليه أهل السنة والجماعة من رد العلم إلى عالمه، وأنهم لا يقولون ولا يعتقدون إلا ما ظهر لهم من الكتاب والسنة، وما اشتبه عليهم علمه مما في الكتاب والسنة لم يدخلوا فيه بآرائهم وتأويلاتهم، لا سيما فيما يتعلق بالله ، بل يردون العلم إلى عالمه، فيردون علم ما اشتبه واختلط ولم يتبين ولم يتضح إلى عالمه وهو الله جل وعلا، هذا هو سبيلهم، وهذه هي طريقهم، وهي طريق النجاة والسلامة.
следующие страницы →