← Акыда

Акыда · id 7712

شرح العقيدة الطحاوية - خالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (230 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مسئولية الأمة في تبليغ دين الله السؤال يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] ؛ فإذا كان الرسول ﷺ مرسل إلى جميع الناس فمن يبلغ هؤلاء الناس بدينه الذي بعثه الله به؟ وهل الأمة مسئولة عن إبلاغ دينه كل في ثغرٍ يدعو بما يعلم؟ الجواب بعثة النبي ﷺ لا إشكال أنها لجميع الناس، والواجب على جميع الأمة أن تبلغ دين الله كل حسب طاقته وحسب استطاعته، كما قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] . والصحيح أن كل من لم تبلغه الحجة ولم تبلغه رسالة النبي ﷺ ، ومن كانت هذه حاله فإن الله يمتحنه يوم القيامة، مثلهم مثل المجانين والصغار الذين ماتوا من أطفال أهل الشرك، فهؤلاء يمتحنهم الله ؛ فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن امتنعوا دخلوا النار، واعلم أن الله حكم عدل لا يدخل النار إلا من استحقها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] .

стр. 72

صفة الكلام صفة ذاتية فعلية السؤال هل صفة الكلام ذاتية فعلية؟ الجواب نعم هي صفة ذاتية فعلية، لكن الأصل فيها أنها صفة ذاتية، وهي فعلية باعتبار الأفراد وسيأتي إن شاء الله مزيد تقرير لهذا.

стр. 73

نفي التقارب المدعى بين اليهود والنصارى والمسلمين السؤال ما صحة دعوى التقريب بين الأديان الثلاثة: اليهودية والنصرانية والإسلام؟ الجواب هؤلاء غلطوا غلطاً عظيماً، كيف يتقارب من يقول: إن معنى: لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، ومن يقول: عزير ابن الله والمسيح ابن الله؟ كيف ويتقارب من يقول: بأن محمداً ﷺ مبعوث إلى عامة الجنِّ وكافة الورى، ومن يقول: إنه ما بعث فقط إلا للأميين العرب ولم يبعث لغيرهم؟ لا يمكن التقارب بين هؤلاء، تقريبهم إلينا بأن ندعوهم إلى الإسلام، وهذا لا بأس به وهو مأمور به، أما أن نتقرب نحن أو نقرب منهم. فهذا لا إشكال فيه أنه من أعظم الفتن. ثم الأمر واضح في خطاب بني إسرائيل وأهل الكتاب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران:٦٤] ، يعني: مستوية ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤] ، فنحن لا نجادلهم ولا نحاورهم ولا نناقشهم إلا على هذا الأصل الأول. أما الدخول معهم في مناقشات أخرى قبل تقرير هذا الأصل ويدعى أن هذا هو التقارب؛ فهذا غلط. والله تعالى أعلم.

стр. 74

شرح العقيدة الطحاوية [٧] تعتبر مسألة كلام الله تعالى من أشد المسائل وأكثرها نزاعاً بين الفرق، فهم بين مثبت ونافٍ، ومثبت لها على عوج لرأي رآه، والقول الحق هو قول الله ورسوله وهو: أنها صفة ذاتية فعلية قائمة بالله ، وقد توعد الله سبحانه من وصف كلامه بقول البشر بسقر، فكيف بمن نفى تلك الصفة العظيمة عن المولى جل وعلا؟!

стр. 75

إضافة القرآن إلى الله من باب إضافة الصفات وإضافته إلى الرسول من باب البلاغ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر؛ حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر] . تقدم الكلام على أول ما يتعلق بهذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ في قوله: (وإن القران كلام الله) ، وقلنا: إن في هذا إثباتاً لصفة الكلام لله جل وعلا، والكلام صفة لله ذاتية فعلية دل عليها الكتاب والسنة والإجماع والعقل؛ فإن صفة الكلام من صفات الباري جل وعلا العظيمة، والتي يقتضي إنكارها القدح في الإيمان بالله وبالرسول وبالكتب، فإن الإيمان بالرسالة من لوازمه: أن تؤمن بالمرسل، ومن لوازم الإيمان بالمرسل: أن تؤمن بالقول الذي أرسل به رسله، فالإخلال بهذا النوع من أنواع الصفات خلل في أنواع عديدة من العقائد وما يجب الإيمان به من أصول الإيمان. وتقدم الكلام على أن الكلام ينقسم إلى قسمين: - كلام كوني. - وكلام شرعي. فالمؤلف ﵀ في هذا المقطع يقرر كلام الله جل وعلا الشرعي؛ لأن القرآن من كلام الله الشرعي. يقول ﵀: (وإن القرآن كلام الله) ، وعلى هذا أهل السنة والجماعة، ودل على ذلك الكتاب في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، والمراد بكلام الله في الآية: كلامه الذي تكلم به وهو القرآن؛ فإن الله جل وعلا تكلم بالقرآن وقت نزوله، وبلغه جبريل النبي ﷺ ، فهو كلام رب العالمين أضافه الله إلى نفسه إضافة الصفة إلى الموصوف، فليس في هذا مرية ولا شك ولا ريب عند أهل السنة والجماعة. وأما إضافة القرآن إلى النبي ﷺ وإضافته إلى جبريل في بعض الآيات؛ فإن هذا من باب إضافة الكلام إلى مبلغه، وليس إلى قائله، بل المتكلم به وقائله هو رب العالمين جل وعلا، ولذلك أضاف الله القرآن في كتابه إليه، وأضافه إلى جبريل، وأضافه إلى النبي ﷺ وإضافته إليه من باب إضافة الصفات، وإضافته إلى جبريل من باب البلاغ، فهو الرسول الملكي الذي أرسله الله بالقرآن، وإضافته إلى النبي ﷺ ؛ لأنه الرسول البشري الذي جعله الله مبلغاً لرسالاته ﷺ ، فلا يلتبس عليك الأمر؛ فإن الكلام يضاف وينسب إلى من تكلم به أولاً لا إلى من قاله مبلغاً، ولذلك تجد القائل ممن يبلغ قول النبي صلى الله يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذا وكذا) مع أنه لم يسمعه منه، وهذا الكلام ليس كلام المتكلم، أي: أنه ليس منسوباً إليه، وإنما هو مبلغ وناقل لما قاله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالكلام يضاف في لغة العرب إلى من تكلم به ابتداءً، وإن أضيف إلى من نقله فهو إضافة نقل وتبليغ لا إضافة ابتداء وكلام؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (منه بدا بلا كيفية قولاً) ، فـ (من) هنا بيانية لبيان ابتداء الغاية، أي: أن الكلام منه ابتدأ ، فـ (من) لابتداء الغاية، والهاء هنا الضمير فيها يعود إلى الرب جل وعلا فلم يتكلم به غيره ولم يخلقه في غيره. وهذه الكلمة منقولة عن السلف، ومرادهم بها كما ذكر شيخ الإسلام ﵀ وغيره: أن الله لم يخلق هذا الكلام في غيره، كما تقول المعتزلة والجهمية إن الكلام كلام والقرآن كلام الله، لكنه كلام الله مخلوق، فللرد عليهم قال ﵀: (منه بدا) أي: هو المتكلم به، فالجهمية يقولون: القرآن كلام الله لكنه خلقه في غيره؛ فهو مخلوق من جملة خلق الله . وقد رد عليهم سلف هذه الأمة، وحصل في هذه الصفة فتنة عظيمة لأهل السنة والجماعة أيام الإمام أحمد ﵀؛ حيث بلي الناس بمسألة القول بخلق القرآن، وامتحن فيها العلماء والقضاة وأهل العلم بل امتحن العامة بهذه المسألة، وثبت الله جل وعلا الإمام أحمد ﵀، وحفظ الله به كتابه وعقد السلف الصالح من الاندثار والضياع؛ حيث ثبت على قوله، وذَبَّ عما دل عليه الكتاب والسنة، ورد قول المبتدعة الجهمية الذين قالوا: إن القرآن كلام الله لكنه مخلوق كسائر المخلوقات، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] ، والقرآن شيء؛ فهو داخل في هذا العموم، لكنه كذب؛ لأن (كل) في كل موضع تفيد العموم بحسب الموضع الذي وردت فيه، فإفادة (كل) للعموم ليست مطلقة مجردة عن السياق الذي وردت فيه. ولذلك الريح التي أرسلها الله على عاد لم تدمر المساكن، مع أن الله قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٥] ، ولو كان المراد أنها تدمر كل شيء لما بقيت حتى الأرض؛ لأنها مرت على الأرض فبقيت الأرض، فدل ذلك على أن (كل) تفيد العموم بحسب السياق الذي ترد فيه وبحسب ما يقتضيه معنى الكلام، ولا تفيد في كل المواضع العموم المطلق الذي لا يخرج عنه شيء. ثم إن القول بأن القرآن مخلوق استدلالاً بهذا: يقتضي أن نجعل جميع الصفات مخلوقة؛ لأن الرحمة شيء والعلم شيء والبصر شيء والسمع شيء والإرادة شيء، ومقتضى هذا: أن تكون جميع صفات الله مخلوقة داخلة في قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، مع أنه الخالق المدبر الذي لا يدخل شيء من صفاته في عموم قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، فالرد على المعتزلة والجهمية في استدلالهم بهذه الآية على أن القرآن مخلوق واضح وبيّن، يدركه كل من فقه اللسان، وعرف موارد الكلام، وفهم وعلم أن إفادة العموم من هذا الفظ ليست واضحة في إدخال كلام الله . المراد: أن القرآن كلام الله حقيقة، والإضافة هنا إضافة أوصاف لا إضافة أعيان، والمعتزلة والجهمية عندهم أن الإضافة إضافة عين؛ لأن الكلام مخلوق فإضافته إلى الله كإضافة بيت الله وناقة الله، وما أشبه ذلك من الإضافات التشريفية التي أضافها الله إلى نفسه للتشريف وبيان المكانة والمنزلة، فناقة الله الإضافة فيها ليست إضافة صفات؛ لأن الناقة عين قائمة بذاتها، فإضافتها إلى الله إضافة تشريف، كذلك بيت الله الإضافة فيها إضافة تشريف؛ لأنه عين قائمة، وكذلك عبد الله الإضافة إضافة تشريف؛ لأن العبد عين قائمة، لكن ما لا يقوم بذاته من الإضافات كالكلام والرحمة والسمع والبصر هذه ليست أعياناً قائمة بذاتها، إنما تقوم بغيرها، فإضافتها إلى الله جل وعلا من باب إضافة الصفات. فالكلام ليس شيئاً يقوم بذاته حتى نقول: إن الإضافة إضافة خلق، بل هذا تلبيس وتشبيه يرده أصحاب العقول النيرة والأفهام البينة.

стр. 76

الاعتقاد بانتفاء علم كيفية ذات الله وبالتالي انتفاء علم كيفية صفاته يقول ﵀: [بلا كيفية] ، الكيفية المنفية هنا هي كيفية العلم، يعني: نفي علم الكيفية لا الكيفية ذاتها بل الكيفية ثابتة والمنفي هو علمنا لهذه الكيفية، إذ لا شيء إلا وله كيفية، لكن نحن لا ندرك هذه الكيفية، فقول العلماء: نثبت ما أثبته الله لنفسه من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل. المراد من غير تكييف نعلمه، وأما كيفية الشيء وهو أن يكون له هيئة؛ فإن الصفات لابد أن يكون لها هيئة لكن هيئة هذه الصفات لا نعلمها ولا ندركها، بل الله أعلم بها. فالمنفي هنا هو العلم بالكيفية لا أصل الكيفية وذاتها، فليس نفياً لأن تكون الصفات على هيئة وصفة معينة. ودليل نفي التكييف قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، تقول: هذا نفي للمثلية فكيف يكون نفياً للكيفية؟ الجواب أنه لا يمكن أن تصل إلى المثلية إلا بالتكييف، فالآية تضمنت نفي الغاية والوسيلة، فالله جل وعلا نفى المثل، وإذا كان المثل منتفياً فما يوصل إليه وهو العلم بالكيفية يكون أيضاً منتفٍ. ولذلك لما سئل بعض السلف عن الاستواء: كيف استوى؟ قال: دلني كيف هو؟ فأخبرك كيف استوى. أي: دلني كيف الله جل وعلا حتى أخبرك بكيفية صفاته، ولا أحد يمكن أن يقول: الله على هذا الكيف، أو على هذه الهيئة، أو على هذه الصفة؛ فإنه جل وعلا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فإذا انتفى علم كيفية الذات فكذلك علم كيفية الصفات؛ لأن القاعدة عند أهل السنة والجماعة -وهي قاعدة دل عليها الكتاب والسنة-: أن القول في الصفات كالقول في الذات، فإذا كنا نجهل كيفية ذات الرب جل وعلا فنحن نجهل أيضاً كيفية صفاته . والمراد: أن كل صفات الله على هذا الباب، وليس هذا مما اختص به الكلام بل هو في جميع الصفات؛ فإن نفي الكيفية من عقد أهل السنة والجماعة الذي دل عليها الكتاب والسنة، ولذلك لما سئل الإمام مالك ﵀ عن كيفية الاستواء أجاب بالجواب الفصل البين الواضح الذي عليه نور القرآن وهدي السنة، قال ﵀: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول أو غير معلوم) ، فنفى العلم بالكيفية، وذلك أن العلم بالكيفيات فرع عن العلم بالذات. قوله ﵀: [قولاً] ، هذا في الرد على الأشاعرة والماتريدية، وهذه العبارة على اختصارها ردت على فرق الضلال في صفة الكلام، فقوله: [منه بدا] فيه الرد على الجهمية، والمعتزلة الذين قالوا: كلام الله مخلوق. وفي قوله: [قولاً] ، رد على الأشاعرة والماتريدية والكلابية الذين ضلوا في هذه الصفة، فقالت الأشاعرة: القرآن عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله؛ لأن الكلام معنىً يقوم بالنفس، وقالت الكلابية: القرآن حكاية عن كلام الله وليس كلام الله، واختلفوا في المعنى المحكي عنه، فمنهم من قال: إنه معنىً واحد، ومنهم من قال: إنه خمس معانٍ، على اختلاف بينهم، ولا إشكال في أن القول باطل ترده النصوص من الكتاب والسنة، ويرده قول أهل السنة والجماعة في القرون المفضلة ومن بعدهم ممن سار على طريقهم.

стр. 77

أنواع الوحي وأقسامه قوله ﵀: [وأنزله على رسوله وحياً] . هذا فيه بيان أن القرآن منزل من رب العالمين، وهذا تأكيد لمعنى ما تقدم من أن القرآن كلام الله جل وعلا، حيث إنه نزل منه ، وقد قرر الله جل وعلا هذا الأمر -وهو إنزال الكتاب من عنده- في آيات كثير ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] تنزيل الحكيم الخبير، والآيات التي يخبر فيها جل وعلا أن القرآن منزل منه كثيرة، وهذا فيه: أنه كلامه المضاف إليه، فهذا تأكيد لما تقدم من أن القرآن كلام الله جل وعلا منه بدا بلا كيفية قولاً. قال: (أنزله على رسوله) الرسول هنا المراد به النبي ﷺ ، وقوله: (وحياً) أي: أنزله على صفة الوحي. والوحي أيها الإخوة له ثلاث درجات: - يطلق الوحي ويراد به الإعلام السريع الخفي. وهذا هو الأصل فيه، فمنه ما يكون ظاهراً، ومنه ما يكون خفياً، ومنه ما يكون يقظة، ومنه ما يكون مناماً، وقد بين الله جل وعلا أقسام الوحي في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى:٥١] ، هذه المرتبة الأولى. - ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] ، هذه المرتبة الثانية. - ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] ، هذه المرتبة الثالثة. فأقسام الوحي ثلاثة: - القسم الأول: هو الإعلام السريع، وهذا لا يختص به الأنبياء، بل يكون للأنبياء وغيرهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي﴾ [المائدة:١١١] ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص:٧] ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨] ، فهذا كله يدخل في القسم الأول. - القسم الثاني: وهو ما خص الله به موسى ﵇، وهو التكليم من وراء حجاب، وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] . - القسم الثالث: وهو العام في الرسل، ولا يكون إلا لهم، وهو: أن يرسل إليهم رسولاً وهو جبريل ﵇، والأصل في الرسول الذي يبلغ القرآن ووحي رب العالمين في الكتب السابقة هو جبريل ﵇. وهذا عام لجميع الأنبياء. فقول المؤلف ﵀: (وأنزله على رسوله وحياً) ، من أي أنواع الوحي؟ هل هو من النوع الأول أو الثاني أو الثالث؟ الجواب الثالث؛ لأن جبريل هو الذي نزل بالقرآن، قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] ، وقال : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢] ، فالذي نزل بالقرآن جبريل ﵇. وأرفع هذه الأنواع هو النوع الثاني الذي خص الله به موسى ﵊، وهو أن يكلم الله الرسول من وراء حجاب، ثم النوع الثاني الذي هو آخر المذكورات في الآية، وأقلها وأدناها درجة هو النوع الأول الذي ابتدأ به ذكر أقسام الوحي في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى:٥١] ، وهذا لا يختص بالأنبياء كما تقدم. والإعلام الخفي لا يلزم منه أن يكون كلاماً، ومنه قوله تعالى للنحل في إطلاق الوحي على غير الكلام، نحن لا ندري هل للنحل لها لغة كلمها الله بها أو لا؟ وهناك شيء أوضح من هذا في قصة زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران:٤١] ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم:١١] ، هنا أوحى إليهم بغير الكلام؛ لأن الله أخذ عليه العهد بأن لا يكلم الناس، فهذا دليل على أن الوحي الخاص يكون بغير التكليم، ولذلك الوحي والتكليم بينهما عموم وخصوص، فقد يكون الوحي بالتكليم وقد يكون بغيره، والكلام قد يكون وحياً، وقد لا يكون وحياً. والقسم الثاني من أنواع الوحي: ما خص الله به موسى ﵇ وهو التكليم من وراء حجاب. والثالث: الوحي بإرسال الرسول لتبليغ الوحي. ثم قال: [وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً] الضمير يعود إلى القرآن، أي: صدق القرآن المؤمنون، (على ذلك حقاً) أي: على الصفة التي تقدمت بأنه كلام الله : (منه بدا بلا كيفية قولاً وأنزله على رسوله وحياً) . وقوله: (حقاً) أي: من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل بل صدقوه على ما دلت عليه هذه الألفاظ من أنه كلام الله حقيقة. قال ﵀ تأكيداً لما سبق: [وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة] ، وهذا فيه الرد على طوائف الضلال ممن قال: إن القرآن مضاف إلى الله إضافة خلق، وممن قال: إنه عبارة عن كلام الله، وممن قال: إنه حكاية عن كلام الله.

стр. 78

كفر من زعم أن القرآن من كلام البشر عاد المؤلف رحمه لتقرير ما تقدم من أن القرآن كلام الله فقال: [ليس بمخلوق ككلام البرية] أي: أن كلام الله جل وعلا لا يوصف بالخلق بل هو كلامه الذي هو صفة من صفاته، ليس بمخلوق ككلام البرية، أي: ككلام الخلق؛ فإن كلام الخلق مخلوق وإن تكلموا بالقرآن فإن حركاتهم مخلوقة، لكن الكلام الذي يتكلمون به وهو القرآن كلام رب العالمين ليس بمخلوق. وقولنا: (إن القرآن قول الله) يشمل اللفظ والمعنى، فإنه كلام الله لفظه ومعناه، وهذا فيه الرد على من قال: إن المعنى هو كلام الله واللفظ من جبريل أو من النبي ﷺ ، وفيه الرد أيضا على من قال: إن كلام الله هو الألفاظ فقط دون المعاني. وكل هذا من أنواع الضلال في كلام الله ، بل كلام الله اللفظ والمعنى، فليس اللفظ خارجاً عن كلام الله، وليس المعنى خارجاً عن كلام الله، فالقرآن بلفظه ومعناه كلام رب العالمين. يقول: [فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر؛ فقد كفر] ، وهذا فيه بيان: أن التكذيب بأن القرآن كلام الله كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن الكريم، وفيه أيضاً بيان حكم من قال: إن القرآن من قول النبي ﷺ كما يقول بعض الأشاعرة، وأن المعنى من الله واللفظ من النبي ﷺ ، يقول: (فقد كفر) . وهل التكفير في مثل هذا تكفير عيني أو وصفي؟ تكفير وصفي، أي: من قال بهذا القول فقد كفر، لكن يبقى حكم من يقول بهذا القول، هل نقول: إنه كافر؟ الجواب لا. لكن نقول القول كافر، وأما القائل فنحتاج إلى النظر في حاله من حيث توافر الشروط وانتفاء الموانع؛ فإن تكفير المعين يحتاج إلى هذا، وأما تكفير الأقوال فإنه لا يحتاج إلا إلى إثبات الدليل على أن القول كفر، أما تنزيل الحكم العام على الشخص المعين فنحتاج فيه إلى النظر في الشروط: هل توافرت؟ والموانع: هل ارتفعت؟ فإن توافرت الشروط وانتفت الموانع؛ فإننا نحكم بكفره. قال رحمه الله تعالى: [وقد ذمه الله وعابه، وأوعده بسقر] ، سقر: اسم من أسماء النار نعوذ بالله منها، وقيل: إنه اسم من أسماء أبوابها. قال: [حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر] ، وهذا القول قول الوليد بن المغيرة الذي لما سمع القرآن قال في مدحه والثناء عليه ما نفى عنه قول البشر، ثم حاجه قومه فقالوا: كيف تقول هذا وأنت سيد قريش؟! فرجع وقال: إن هو إلا قول البشر، فقال الله في توعده وتهديده: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ؛ لأنه كذب بكلام رب العالمين، وأضافه إلى النبي صلى لله عليه وسلم حيث قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، و (إن) هنا نافية، والمعنى: ما هذا إلا قول البشر. قال ﵀: [ولا يشبه قول البشر] ، وهذا ليس خاصاً بالقرآن، بل هو في سائر الصفات كما تقدم، فإنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، سبحانه وبحمده.

стр. 79

كفر من وصف الله بمعنى من معاني البشر ثم قال المؤلف ﵀: [ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر] ، هذا فيه النهي عن الأصل الثاني من أصول الشرك والكفر بالله ؛ لأن الشرك يدور على أصلين: - الأصل الأول: تشبيه الله بخلقه. - والأصل الثاني: تشبيه الخلق بالخالق. فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن شبه الخلق بالله فقد كفر، وعلى هذين الأصلين تدور جميع أنواع الشرك والكفر. يقول: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر) ، أي: شبه الله بخلقه، فقال: يده كأيدينا، أو سمعه كأسماعنا، أو حياته كحياتنا، أو كلامه ككلامنا، أو ما أشبه ذلك فقد كفر، وهذا قول الممثلة الذين غلو في إثبات الصفات فمثلوا الله بخلقه. وأبرز الفرق القائلة بهذا: الكرامية أتباع عبد الله بن كرام الذي مثل الله بخلقه، إلا أن هذه الفرقة انقرضت؛ ذلك أن الفطر مجبولة على تنزيه الخالق، وأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، ولذلك لم يقم لهذه الفرقة سوق، وإنما السوق القائمة لقول أهل التعطيل الذين دخلوا في صفات الله عزل وجل بعقولهم وآرائهم الفاسدة؛ فأفسدوا ما دلت عليه النصوص. يقول ﵀: [فمن أبصر هذا] ، أي: من تأمل وأدرك وفهم وعقل، فالإبصار هنا إبصار القلب لا إبصار النظر فقط، (فمن أبصر هذا اعتبر) ، أي: حصلت له العبرة والعظة. قال: [وعن مثل قول الكفار انزجر] أي: إن كف وامتنع سواء فيما يتعلق بصفة الكلام أو بغيرها من الصفات، وعلم أنه جل وعلا بصفاته ليس كالبشر، كما قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . تنبيه: الضمائر في قوله: (فأنزله، وصدقه) كلها تعود إلى القرآن، ويمكن أن يكون المعنى: صدق الرسول في قوله.

стр. 80

الأسئلة

стр. 81

تعريف لباس الشهرة السؤال ما هو لباس الشهرة؟ الجواب لباس الشهرة هو كل ما يخرج به الإنسان عن المعتاد ارتفاعاً وانخفاضاً، ارتفاعاً: بأن يلبس ما لا يلبسه الناس عادة من جهة الغلاء والجمال، وانخفاضاً: من جهة الدون والنزول، والمقصود بالشهرة ما يشتهر به، يعني: يكون النظر في هذا إلى كل شخص بحسبه، فمثلاً لبس العالم للعباءة (البشت) لا يعد شهرة، لكن لو جاء إنسان ليس من أهل العلم ولا أهل الوجاهة ولبس في وسط لا يلبس مثله هذا اللباس يكون شهرة، فالشهرة ليس لها ضابط ينتظم الناس جميعاً، إنما هو ما يخرج به الإنسان عن المعتاد ارتفاعاً أو انخفاضاً.

стр. 82

حكم الفرق المبتدعة في الدين السؤال هل الفرق المذكورة في الحديث مسلمة؟ الجواب هذه الطوائف من الفرق التي ذكرها النبي ﷺ في قوله: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) بعد ذكر افتراق اليهود والنصارى. واختلف العلماء في الجهمية منهم، هل يدخلون في هذه الفرق أو لا؟ والظاهر أنهم لا يدخلون لشدة بدعتهم وشناعة قولهم، ولما يفضي إليه قولهم من تعطيل الرب جل وعلا، فالجهمية خارجون عن الثلاث والسبعين فرقة، أو نقول: الثنتين وسبعين، فيما لو أخرجنا أهل السنة والجماعة.

стр. 83

كلام الله صفة ذاتية فعلية السؤال قلت: إن كلام الله صفة ذاتية، ألا نقول: إنه صفة ذاتية فعلية؟ الجواب هو ذاتية باعتبار أصل الصفة، لكن أفراد الصفات فعلي؛ لأن الله تكلم بالقرآن وقت نزوله، ويتكلم متى شاء ، وهذا هو ضابط الصفات الفعلية، لكنه لم يزل ولا يزال متصفاً بذلك، خلافاً لصفة الاستواء مثلاً فهي صفة فعلية؛ لأنها كانت بعد أن لم تكن، والله تعالى أعلم.

стр. 84

شرح العقيدة الطحاوية [٨] من معتقد أهل السنة والجماعة إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وقد خالف في ذلك من أضله الله من المعطلة فظنوا أن إثبات الرؤية يلزم منه التشبيه، وهؤلاء قوم ابتعوا أهواءهم وحكموا عقولهم على نصوص الكتاب والسنة، وقد رد عليهم أهل السنة بما يدحض شبهاتهم.

стр. 85

الاعتقاد في رؤية الله جل وعلا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: قال الإمام الطحاوي ﵀: [والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه. وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه. ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حُظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه؛ حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً شاكاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً. ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأوَّلها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنىً يضاف إلى الربوبية ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين. ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه] . فهذا المقطع قرر فيه المؤلف ﵀ عقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق برؤية الرب جل وعلا. فقال ﵀: (والرؤية حق لأهل الجنة) . حق أي: ثابتة حقيقة لا مجازاً، فالحق هو: الشيء الثابت الذي لا شبهة فيه ولا افتراء. وقوله ﵀: (لأهل الجنة) هذا فيه بيان أعلى ما يكون من الرؤية، فإن الرؤية التي يحصل بها التنعيم وهي فضل الله جل وعلا ومنته وإحسانه وكرمه وهي أعظم ما ينعم به أهل الجنة هي ما يكون من رؤية أهل الجنة لربهم . فقوله ﵀: (والرؤية حق لأهل الجنة) يخرج به أهل النار، فإن أهل النار لا يرونه، ويخرج أيضاً أهل الدنيا، فإن أهل الدنيا لا يرونه، ويبقى رؤية الناس للرب جل وعلا قبل دخول الجنة في أرض المحشر، فإنها ثابتة كما دل على ذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ .

стр. 86

رؤية الكفار لربهم في أرض المحشر واختلف أهل العلم: هل يرى الربَّ الكفارُ في الموقف أو لا يرونه؟ على أقوال: فمنهم من نفى الرؤية مطلقاً، ومنهم من قال: إنهم يرونه، ومنهم من قال: لا يراه إلا المنافقون، أما الكفار فلا يرونه. وعلى كل حال فإن الرؤية التي تكون لأهل الموقف هي لأهل الإيمان رؤية تعريف، وأما أهل الكفر والنفاق فإنها رؤية حسرة وعذاب وليست رؤية تنعيم، ولا ينبغي ولا يسوغ أن يقال على وجه الإطلاق: إن الكفار يرون ربهم، بل لابد من تقييد ذلك، وهذا على القول بأنهم يرونه، فإن إطلاق الرؤية لا يكون إلا على وجه التنعيم، وهذا لا يكون إلا لأهل النعيم وهم أهل الجنة، أما الرؤية في النار فلا تكون لأهل النار، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] .

стр. 87

رؤية الله في الدنيا وأما في الدنيا فإنه لا يرى جل وعلا، كما قال لموسى لما طلب رؤيته: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه قبل أن يموت) ، فدل ذلك على أن الرؤية بالعين ممتنعة في الدنيا، أما رؤية الفؤاد فإنها حصلت للنبي ﷺ ، وكذلك الرؤية في المنام فقد حصلت له صلى الله عليه وعلى آله سلم. وأما ما نقل عن الإمام أحمد وابن عباس ﵄ من إثبات الرؤية في الدنيا فإن المنقول عنهما مطلق، يعني: الرؤية مطلقاً فلم يقيداها برؤية العين، وفي بعض الروايات وردت مقيدة، فالمطلق يحمل على المقيد، ولم ينقل عنهما أنهما قالا: إنه رأى ربه بعينه في الدنيا.

стр. 88

موقف أهل السنة وبعض الطوائف الأخرى من الرؤية فقول المؤلف ﵀: (والرؤية حق لأهل الجنة) أي: ثابتة لا مرية فيها ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة وسلف الأمة. وقد أنكر الرؤية بعض الطوائف، كالجهمية وهم أول من أحدث إنكار الرؤية، حيث أنكروا أن يُرى الرب ، فقالوا: لا يرى. وتبعهم على ذلك المعتزلة، ووافقهم الخوارج، ووافقهم كذلك متأخرو الإمامية، أما متقدمو الإمامية الرافضة فإنهم يثبتون الرؤية، لكن المتأخرين منهم هم الذين أنكروها؛ لأن متأخري الإمامية على مذهب الاعتزال فهم معتزلة في الاعتقاد. كذلك ممن ضل في الرؤية: بعض مثبتة الصفات كالأشاعرة والكلابية والماتريدية فإنهم أثبتوا الرؤية لكن على غير طريقة أهل السنة والجماعة، وحقيقة قولهم عند المحققين: أنه لا رؤية؛ لأنهم يقولون: يُرى من غير معاينة ولا في جهة، وهذا قول في غاية السقوط؛ لأنه لا يمكن أن يُرى الشيء إلا في جهة، فقولهم: يُرى من غير معاينة ولا في جهة؛ حقيقته كما قال محققوهم: أنه لا يُرى، فهم من حيث حقيقة القول وافقوا نفاة الرؤية. أما أهل السنة والجماعة فإنهم يثبتون الرؤية، وحجتهم في ذلك كتاب الله جل وعلا فإنه قد جاء إثبات الرؤية في الكتاب تصريحاً وتعريضاً، وأما السنة فقد ورد ذلك متواتراً عن النبي ﷺ ، حيث رواه أكثر من ثلاثين من الصحابة ﵃، وأما الأقوال الواردة عن السلف في إثبات رؤية المؤمنين لرب العالمين، فهي أكثر من أن تحصى، نسأل الله من فضله.

стр. 89

رؤية الله تلزم الإحاطة يقول ﵀ في الرؤية التي يثبتها أهل السنة والجماعة: (بغير إحاطة ولا كيفية) بغير إحاطة لقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] فإن إثبات أهل السنة والجماعة لرؤية الرب لا إحاطة فيه؛ لأنه الكبير الواسع العظيم الذي جل عن أن يحيط به عباده، وعلا قدره عن أن تدركه أبصار خلقه. قال أبو سعيد الخدري ﵁ في قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] (لو أن الملائكة والأنس والجن والشياطين منذ خلق الله الخلق إلى آخر واحد منهم صفوا صفاً واحداً ونظروا إلى الرب لما أحاطوا به) ، فكيف يحيط به نظر واحد من خلقه؟ وهذا كله يدلك على أن معنى الآية نفي الإحاطة لا نفي الرؤية، فإن الآية ليس فيها أنه لا يُرى، بل فيها نفي إدراكه، وأنه لا تدركه الأبصار، ونفي الإدراك أمر زائد على نفي الرؤية، بل هو غير نفي الرؤية، فإن الإنسان ينظر إلى أشياء كثيرة لا يدركها إما لعظم خلقها أو لشدة فيها، فمثلاً: الشمس يراها كل أحد ممن له بصر ونظر، ولكن هل يدركها الناظر إليها؟ الجواب لا. وإذا أقبلت على مدينة من بُعد ورأيتها فهل تدركها؟ فإذا قلت: لا أدرك هذه المدينة لسعة أطرافها فهل هذا نفي لرويتها؟ الجواب: لا، فلا تلازم بين نفي الرؤية ونفي الإدراك، فإن نفي الإدراك هو نفي للإحاطة، وأما نفي الرؤية فإنه لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، بل على العكس الأدلة في الكتاب والسنة دالة على ثبوت الرؤية لأهل الإيمان.

стр. 90

وجوب إثبات الرؤية من غير تكييف وقوله ﵀: (ولا كيفية) هذا كسائر الصفات أي: أننا نثبت الرؤية من غير تكييف كسائر ما نثبته لله من الصفات، وهذا فيه الرد على من يقول: إنه يلزم من أنه يُرى أنه جسم، ويلزم من أنه جسم أن يكون متحيزاً، ويلزم من هذا أن يكون له مكان يحيط به، وما أشبه ذلك من اللوازم الباطلة، ونحن نقول: نثبت ما أثبته الله لنفسه من غير هذه اللوازم، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.

стр. 91

بعض الأدلة من القرآن على رؤية الله قال ﵀: (كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ) . قوله: (كما نطق به) أي: تكلم به، وبعض الناس يتحاشى من أن يقول: نطق الكتاب بكذا. والظاهر أنه لا بأس بهذا اللفظ، وقد استعمله شيخ الإسلام ﵀ في كثير من كلامه وكذلك ابن القيم وهو مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] فلعله مأخوذ من هذا، مع أن النطق في الآية مضاف إلى النبي ﷺ . يقول: (كما نطق به كتاب ربنا) أي: القرآن العظيم، ثم ذكر أعظم ما يستدل به على إثبات الرؤية من القرآن وهو قوله وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] وهذه الآية هي أقوى ما في كتاب الله جل وعلا من إثبات رؤية المؤمنين لربهم ، حيث قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فأضاف النظر إلى الوجوه ومعلوم أن النظر يكون من الوجوه؛ لأن العينين محلهما الوجه، ولذلك أضاف النظر إلى الوجه. ثم إنه عدى النظر بإلى ولا يكون ذلك إلا في نظر العين، فلا يستعمل نظر معدى بإلى إلا فيما ينظر بالعين، ثم قال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] وهذا لنظرها إلى الرب فاكتسبت من نظرها إلى الله جل وعلا نضارة، وكل هذا من الدلائل في هذه الآية على أن النظر هو النظر إلى الله . أما أهل التحريف الذين يحرفون الكلم عن مواضعه فقالوا: إن قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: مننتظرة لفضل الله ورحمته، وقالوا: إن هذه المادة تستعمل في الانتظار، ومن ذلك قول المنافقين لأهل الإيمان: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، فالجواب على هذا التحريف: أن في الآية ما ينفي تفسير النظر بالانتظار فإن الله جل وعلا ساق هذه الآية في التنعيم، ومعلوم أنه ليس من تنعيم أهل الجنة الانتظار؛ لأن الانتظار فيه إيلام، وإنما هو النظر إلى الرب الذي هو غاية نعيم أهل الجنة. ثم إنه لا يمكن أن يكون قوله تعالى: (ناظرة) بمعنى: منتظرة وقد عُدي بإلى الدالة على أن النظر بالعين. ثم إن النظر هنا أضيف إلى الوجه، ومعلوم أن الانتظار لا يضاف إلى الوجه، فدل ذلك على أن قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] ما فهمه سلف الأمة مما دل عليه الكتاب والسنة، أي: من أن النظر هنا هو النظر إلى الرب جل وعلا، كقوله تعالى في نعيم أهل الجنة: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] فإن السلف فسروها بالنظر إلى الرب . وكقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فالزيادة فسرها صديق الأمة بالنظر إلى الرب جل وعلا، بل قد ورد ذلك في تفسير النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث صهيب، والمزيد فسره أبو بكر وغيره بالنظر في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] . قال ﵀: (وتفسيره) -أي: تفسير النظر في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]- على ما أراده الرب وعلمه) وهذا فيه الرد على تأويل وتحريف المحرفين لهذه الآية، فإن تفسير النظر هنا على ما أراد الله تعالى وعلمه، والمراد بالتفسير هنا: على الكيفية: وإلا فالتفسير في المعنى أي: إدراك معنى هذا الكلام، فهو على ما أراد الله تعالى وعلمه، وعلمناه نحن من مقتضى اللغة وما نقل من تفسير الصحابة ﵃، فهذا أمر لا يختص الله به، لكن الذي يختص الله به من التفسير هو معرفة حقيقة ما أخبر الله عن نفسه، فحقيقة ما أخبر الله به عن نفسه هو الذي لا يعلمه إلا هو .

стр. 92

الأدلة من السنة على إثبات الرؤية ثم قال ﵀: (وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال) . قوله: (كل ما جاء في ذلك) المشار إليه هو الرؤية، (من الأحاديث الصحيحة فهو كما قال) يعني: لا نحرفه ولا نؤوله تأويلاً مذموماً، بل نفسره ونمضيه على ظاهره، وهو ﵀ يشير بهذا إلى ما جاء من الأحاديث الدالة على إثبات الرؤية، ومنها حديث أبي هريرة في الصحيحين وفيه: أن النبي ﷺ سأله أناس: (هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم سترونه كما ترون هذين) أو (كما ترون ذلك) أي: كما ترون الشمس ليس دونها سحاب، وكما ترون القمر في إبداره ليس دونه سحاب. ومعلوم أن أكمل ما يرى في الدنيا وضوحاً ويدركه كل أحد هو الشمس ليس دونها سحاب، والقمر ليلة الإبدار ليس دونه سحاب، فشبه الرسول ﷺ الرؤية بالرؤية، وشبهها بأعظم ما يرى في الدنيا وهو رؤية الشمس والقمر، وليس فيه تشبيه وتمثيل المرئي بالمرئي، بل الله جل وعلا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فنثبت ما أثبته النبي ﷺ كما جاء، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تأويل.

стр. 93

نصوص الصفات في الكتاب والسنة تمر على ظاهرها ثم قال: (ومعناه على ما أراد، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا) يبطل بذلك تأويلات المحرفين الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وحملوا الكلام على غير ظاهره ليثبتوا ما اعتقدوه قبل أن ينظروا في النصوص، فوقعوا في إبطال الرؤية ونفي ما دلت عليه النصوص. قوله: (لا ندخل في ذلك) يعني: فيما قاله الله وفيما قاله رسوله ﷺ في شأن الرؤية، بل وفي غيرها، فلا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا. ثم قال ﵀ في قاعدة مهمة قال: (فإنه ما سلم في دينه) والسلامة هي: النجاة من العطب. قوله: (ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله ، ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم) لا إشكال أنه لا سلامة لأحد إلا بالتسليم لله ولرسوله، والتسليم يكون لله ولرسوله، ويكون بقبول ما جاء عن الله وعن رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل ينقاد ويقبل ما جاءت به النصوص دون تأويل أو تحريف. ثم قال: (ورد علم ما اشتبه به إلى عالمه) وهذا فيه تأديب لمن أشكل عليه شيء من النصوص فضاق عنها فهمه ولم يدركها عقله، إذ الواجب عليه في ذلك أن يرد علم ما اشتبه عليه -يعني: اختلط والتبس- إلى عالمه، فيقول: الله أعلم بمراده، ولا يدخل في ذلك بتأويل فاسد، ولا بوهم باطل، بل يسلِّم لله ولرسوله، فإذا قصر فهمه عن شيء مما أخبر به الله عن نفسه وجب عليه أن يرد علم ذلك إلى عالمه، كما قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] فنهى الله عن اتباع ما ليس للإنسان به علم. وقد ذكر ابن القيم ﵀ مثالاً لهذا في تفسير أسماء الله؛ الظاهر والباطن، والأول والآخر، فإنه أطال في الكلام عن هذه الأسماء وبيانها، ثم بعد أن بيّن المعاني في هذه الأسماء قال: فإن ضاق عن ذلك فهمك فجاوزه، على حد قول القائل: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع يعني: إذا قصر فهمك ولم يتسع ذهنك إلى فهم معاني كلام الله فليس هذا مسوغاً لردها، ولا التكذيب بها، ولا تحريفها، بل الواجب عليك أن تسلم للنصوص وتقول: لم أفهم هذا، الله أعلم بمراده، ولا يجوز لك أن تقول: ليس لها معنى، بل لها معنىً ضاق عنه فهمك، والناس أفهام، فرد علم ما اشتبه عليك واختلط إلى عالمه، ولا تدخل في ذلك بتحريف أو تعطيل. قال: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام) وهذا لا إشكال فيه، فإنه من دخل فيما أخبر الله به عن نفسه على وجه المنازعة والمعارضة فإنه لا تثبت قدمه على الحق، بل يزيغ عن الصراط المستقيم، ويقع في مهاوي الضلال، فخير ما يثبِّت القدم على الإسلام أن يسلّم لله ، ولذلك قال: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام) والتسليم بمعنى: الاستسلام، ودليل ذلك قول الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ، وأكد التسليم بالمصدر تحقيقاً له، وأنه لا يحصل تمام الإيمان إلا بالتسليم التام لما جاء عن الله وعن رسوله، وكل من عارض كلام الله وكلام رسوله بالشبه والعقول الفاسدة والآراء الباطلة لم يحصل له الثبات على الإسلام.

стр. 94

طلب العلم المحظور يورث الشك والحيرة يقول ﵀: (فمن رام علم ما حُظر عنه علمه) والذي حظر عنا علمه هو: علم الكيفيات، وعلم ما لم يخبر به الله ورسوله من الصفات، (فكل من رام -أي: طلب- علم ما حُظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه) أي: فيما جاء الخبر عنه؛ لأن هناك ما مُنعنا من النظر فيه وهو ما يتعلق بكيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وهناك ما أُخبرنا به وهو الصفات التي جاء الخبر عنها في الكتاب والسنة، فما أخبرنا به فالواجب فيه التسليم، وما منعنا من النظر فيه وهو الكيفيات فالواجب فيه عدم النظر وعدم الطلب. (فمن رام علم ما حظر عنه علمه) وهو في الكيفيات، (ولم يقنع بالتسليم فهمه) فيما أخبرنا عنه، وما جاء الخبر فيه عن كتاب الله وسنة رسوله (حجبه مرامه -أي: مطلوبه- عن خالص التوحيد) ، ولا إشكال أنه يحجب عن خالص التوحيد، ويقع في أنواع من الاشتباه والشرك، ولا يكون صافي المعرفة وصحيح الإيمان. فلا يصح إيمانه ولا تتم معرفته بربه ولا يحصل صافي التوحيد عنده؛ لأن كمال التوحيد فرع عن كمال الإيمان بالأسماء والصفات، وهذا مما يدلك على أن التوحيد مرتبط بعضه ببعض، فالخلل في توحيد الأسماء والصفات يؤثر وينجر على توحيد الإلهية فيفضي إلى نقص فيه ونقص في توحيد الربوبية، فمن لم يثبت ما أثبته الله لنفسه من الصفات الدالة على كماله وعظيم قدره جل وعلا فإنه ينقص من توحيده بربه بقدر ذلك، ولذلك لا يُعد الخلل في نوع من أنواع التوحيد مقصوراً عليه، بل في الغالب إذا تأملت وجدت أن الخلل في توحيد الإلهية ناشئ عن خلل في توحيد الأسماء والصفات أو في توحيد الربوبية ولابد. يقول ﵀: (فيتذبذب) هذا بيان الثمرة في ذلك، فالفاء هنا للتفريع، أي: لبيان ما الذي يثمره طلب علم ما حظر عنه، وعدم القناعة والتسليم بما جاءت به النصوص، فثمرة ذلك هي كما قال المؤلف: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار) فهو في أمر مريج، وهذا من الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] أي: أمر مضطرب، وهذا شأن كل من كذب بالحق قليلاً أو كثيراً، فإن شأن المكذبين بالحق الذين لا ينقادون له ولا يقبلونه أن يكونوا في اضطراب عظيم فيتذبذبون بين الكفر والإيمان، وبين التصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار. قال ﵀: (موسوساً تائهاً شاكاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً) وهذا مطابق لحال من لم يسلموا للنصوص القياد فإنهم لم يحصلوا علماً، ولم يدركوا مطلوباً ولا معرفة بالرب ، بل هم تائهون شاكون لم يتحقق لهم تمام الإيمان والتصديق، ولم يسلموا من اعتراضات الجاحدين المكذبين، ومن قرأ كلامهم ورأى مقال من سلك طريق التشبيه علم صدق ذلك، فإذا نظرت إلى ما ذكره الرازي على سبيل المثال وما ذكره الغزالي صاحب إحياء علوم الدين مما وجدوه في هذا الطريق من العطب والضلال، وأنهم لم يسلموا ولم يطمئنوا إلا بالنظر والتسليم للنصوص علمت أن ما قاله المؤلف ﵀ مطابق للواقع، ويكفي في هذا ما أنشده الرازي حيث قال: نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال والعالمين المراد بهم: من ترك طريق أهل السنة والجماعة ودخل في علم الأسماء والصفات وما يتعلق بالرب بعقله متأولاً، ولذلك قال: ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا يعني: طوال هذا الكد والسعي والبذل والتأليف والكتابة لم نستفد سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا، والعجيب أن الواحد منهم يثبت في أول المؤلَّف ما ينفيه في آخره، بل بعضهم يقول: ونفي هذا كفر. ثم تجده في آخر المؤلَّف يقول بنقيض ذلك، فيثبت ما جعل نفيه كفراً أو ينفي ما جعل إثباته كفراً، وهذا غاية الاضطراب نسأل الله السلامة والعافية، وهذا حال كل من كذب بالحق كما دلت عليه الآية.

стр. 95

تحريم تأويل الرؤية ثم قال المؤلف ﵀: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام -جعلنا الله وإياكم من أهلها- لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم) . قوله ﵀: (لا يصح الإيمان بالرؤية) أي: لا يتم الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم، يعني: من مثلها أو أولها، فإن من مثل وقع في الضلال؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ومن أول -بمعنى: حرف- فإنه قد ضل في إثبات ما أثبته الله لنفسه؛ لأن التحريف لا يفضي إلا إلى ضلال ولا يوصل إلا إلى عطب، فلا يصح الإيمان بالرؤية إلا بالتسليم للنصوص وإثبات الرؤية على ما أثبته الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. يقول: (إذ كان تأويل الرؤية) التأويل المراد به هنا: التحريف، واعلم أن التأويل في الأصل معناه: التفسير لكن المشبهين استعملوا هذا اللفظ في طريقة سلكوها وحقيقتها التحريف، فسموا تحريف النصوص تأويلاً وهم كاذبون، فإن النصوص التي عطلوها بما يسمى التأويل حقيقة فعلهم فيها أنهم حرفوها وعطلوها عن معانيها. يقول ﵀: (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم) فالتأويل الذي ينبغي أن تفسر به النصوص هو ما جاء عن السلف، وأما غير ذلك من التأويل الذي يسميه أصحابه تأويلاً فإن حقيقته تحريف وضلال وباطل. يقول ﵀: (وعليه دين المسلمين) أي: ترك التأويل الباطل المنحرف هو ما عليه دين المسلمين، فإن الصحابة ﵃ لم يدخلوا في النصوص مؤولين تأويلاً يعطلها عن معانيها أو يحرفها عما دلت عليه.

стр. 96

لا يكون تنزيه الله إلا بتوقي النفي والتشبيه ثم قال ﵀: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) . ذكر المؤلف ﵀ في هذا المقطع البدعتين الرئيستين فيما يتعلق بالأسماء والصفات، وهما بدعة التمثيل وبدعة التأويل والتحريف الباطل. يقول ﵀: (ومن لم يتوق النفي) والنفي هو طريق المؤولة أهل التحريف والتعطيل، سواء كان تعطيلاً كلياً كقول الجهمية، أو جزئياً كقول المعتزلة وبعض مثبتة الصفات. يقول: (والتشبيه) المراد به: التمثيل، فمن لم يتوق هاتين البدعتين: - بدعة التعطيل. - وبدعة التمثيل. زل، ولا إشكال أنه زل، والزلل هو: الخروج عن الطريق المستقيم. قال: (ولم يصب التنزيه) يعني: لم يصب ما قصده من تنزيه رب العالمين، فإن تنزيه الله جل وعلا لا يكون إلا من طريق الكتاب والسنة، وكل من اقترح طريقاً ينزه فيه الرب جل وعلا خارجاً عن الكتاب والسنة فإنه لم يصب التنزيه، بل التنزيه الكامل التام هو في إثبات كلام الله وكلام رسوله ﷺ ؛ لأن الكلام عن الله كلام عن غيب، والغيب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالوحي، ولا يكون تمام التنزيه إلا في إثبات قول الله وقول رسوله والتزام ما جاء في الكتاب والسنة. وقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه -أي: والتعطيل والتمثيل- زل ولم يصب التنزيه) وهذا فيه الرد عليهم؛ لأنهم قالوا: إنما نؤول لكي ننزه الله جل وعلا، فيقال لهم: ليس في تأويلكم تنزيه للرب جل وعلا، بل في تأويلكم إثبات النقص له سبحانه وتعالى عما تقولون علواً كبيراً. ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: (كل من أول النصوص بشبهة يروم بها تنزيه الرب جل وعلا لزم على قوله أعظم مما فر منه) . فالذين يؤولون الرؤية ويقولون: إن قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يعني: لا يرى تنزيهاً له عن أن يكون في جهة أو عن أن يكون جسماً؛ لأن لازم الرؤية عندهم أن يكون جسماً كما يزعمون، قلنا لهم: أنتم فررتم من التجسيم وفررتم من أن يكون في جهة فوقعتم في أعظم من ذلك وهو أنكم شبهتموه بالعدم، لأن الذي لا يُرى هو العدم، والعدم هو أقل شأناً من الموجودات، فالموجودات أكمل من العدم، فإنهم ما فروا من باطل ألا ووقعوا في باطل أعظم منه وهلم جراً.

стр. 97

إثبات صفة الوحدانية والفردانية لله جل وعلا ثم قال ﵀ في التعليل للجملة السابقة: [فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفة الوحدانية] (الوحدانية) مأخوذة من اسم الله الواحد، والواحد اسم من أسماء الله ، كما قال تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل:٢٢] فالله واحد في صفاته واحد في أفعاله واحد في أسمائه واحد فيما يجب له، فهو واحد لا شريك له. وبعض العلماء يقول الوحدانية مأخوذة من اسم الله الأحد، والأحد اسم من أسماء الله ، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لكن الظاهر أن هذا القول ليس بصواب؛ لأن الأحد ينسب إليه صفة الأحدية، وأما هنا فالمؤلف قال: (الوحدانية) فتكون مأخوذة من اسمه الواحد. قال ﵀: [منعوت بنعوت الفر دانية] (منعوت) أي: موصوف، والنعت والوصف بمعنىً واحد، وبعضهم يفرق بين النعت والوصف، لكن الذي جرى عليه أكثر العلماء على أن النعت والوصف لفظان مترادفان معناهما واحد، فقوله ﵀: (منعوت بنعوت الفردانية) أي: موصوف جل وعلا بصفات الفردانية، وصفة الفردانية مأخوذة من الفرد، والفرد ليس اسماً لله فإنه لم يثبت ثبوتاً يعتد به ويلحق هذا الوصف بأسمائه، لكنهم قالوا: إنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] فإن من معاني اسمه الصمد (الذي لم يلد ولم يولد) فهو فرد .

стр. 98

سبب تعطيل المعطلة لصفات الله وقوعهم في التمثيل ابتداءً قال ﵀: [ليس في معناه أحد من البرية] (ليس في معناه) أي: لا يثبت لأحد من البرية معنى من معانيه، ولا يثبت له ما يثبت للمخلوق، فلا يثبت لله جل وعلا معنىً من معاني الخلق، كما أن الخلق لا يثبت لهم شيء من صفات الرب، فقوله: (ليس في معناه) أي: في معنى الله جل وعلا وما ثبت له من الصفات العظيمة الجليلة أحد من البرية، وهذا فيه نفي التمثيل. والمؤلف ﵀ يبدئ ويعيد في تقرير نفي التمثيل لكون هذا من أعظم ما يسلم به الإنسان من التعطيل، فإن المعطل إنما عطل لما مَثَّلَ صفات الرب جل وعلا بصفات العبد، وعظم في صدره أن يكون الرب كالعبد فعطل ما أخبر الله به عن نفسه لشبهة التمثيل، ولذلك أبدأ المؤلف ﵀ وأعاد في نفي هذه البدعة؛ لأنها أصل الضلالات في باب الأسماء والصفات، فإن المعطلة إنما عطلوا بعدما مثلوا، وكذلك الممثلة وقعوا في هذه البدعة بعدما توهموا تمثيل الخالق بخلقه وأن له جل وعلا مثيلاً. والله تعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 99

شرح العقيدة الطحاوية [٩] عقيدة أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج أنه حصل للنبي ﷺ بروحه وبدنه يقظة، كما يثبتون له الحوض على ما أخبر به ﷺ ، ويثبتون له الشفاعة العظمى التي يشاركهم في إثباتها المعتزلة والخوارج، كما يثبتون له الشفاعة في أهل المعاصي.

стр. 100

ما ذكر عن الطحاوي من وصف الله بألفاظ محتملة وصحة نسبتها إليه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية، وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] . قوله ﵀: (تعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) قال بعض الشراح: إنها مما أدخل على المؤلف، وليست من كلامه، وذلك أن الطحاوي ﵀ سائر في باب الأسماء والصفات على عقيدة أهل السنة والجماعة، فلم يقرر في هذه العقيدة شيئاً يخالف ما عليه سلف الأمة مما يتعلق بالأسماء والصفات. وما ذكره في هذه الجملة ليس من منهج أهل السنة والجماعة، فإن أهل السنة والجماعة سائرون في هذا الباب على ما جاء في الكتاب والسنة، فلا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، كما أنهم لا ينفون عن الله إلا ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله، والمؤلف ﵀ في هذا المقطع نفى عن الله الحدود والغايات والأركان والأعضاء. وإذا طلبنا هذا في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ، وفي كلام السلف الصالح لم نجد له ذكراً، فإن هذا مما أحدث بعد القرون المفضلة، ولم يكن عليه سلف الأمة، ولقائل أن يقول: لماذا تنكرون هذه الألفاظ مع أنها توحي للسامع التعظيم ويفهم منها تعظيم الرب جل وعلا؟ نقول: إن هذه الكلمات قد يظهر منها التعظيم إلا أن أهل الكلام الباطل المنحرفين عن طريق أهل السنة والجماعة يستعملونها في نفي ما دل عليه الكتاب والسنة، فقولهم: (تعالى عن الحدود) ينفون به الاستواء والعلو و (تعالى عن الغايات) ينفون به الحكمة، فيقولون: ليس لأفعال الله غاية ولا حكمة، ويقولون: الغاية إنما تكون للمحتاج، أما الله فهو الغني عن الغايات، وينفون بالأركان والأعضاء والأدوات ما أخبر الله به عن نفسه من أن له وجهاً جل وعلا كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ونحو ذلك من الآيات التي فيها إثبات الوجه. وكذلك ينفون عنه بهذا الكلام ما أخبر به عن نفسه من أن له يداً كما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وما أشبه ذلك. فهم يأتون بهذه الألفاظ المجملة المبهمة التي تحتمل معنىً صحيحاً وتحتمل معنىً باطلاً، ويستعملونها في رد ما دلت عليه النصوص من إثبات صفات الكمال للرب جل وعلا. وينفون بقولهم: (لا تحويه الجهات الست) العلو، ولذلك كان عقد أهل السنة والجماعة في هذا من أفضل ما يكون، حيث إنهم لا يثبتون هذه الألفاظ المجملة المبهمة ولا ينفونها، يعني: لا نثبت ولا ننفي؛ لأن الإثبات يحتاج إلى دليل، كما أن النفي يحتاج إلى دليل، لكننا نستفصل، ومعنى نستفصل: نطلب التفصيل من أصحاب هذه الأقوال، فنثبت المعنى الصحيح من أقوالهم، ونرد المعنى الفاسد، المنبني على الألفاظ المبتدعة، فلا نقول: تعالى عن الحدود والغايات وما أشبه ذلك من الألفاظ التي يقولها هؤلاء؛ لأن نفيها نفي لما لم يأت في الكتاب والسنة نفيه، وإثباتها كذلك مشكل؛ لأنها محتملة مبهمة. فإذاً: قاعدة أهل السنة والجماعة في الألفاظ المبهمة المجملة: أنهم يستفصلون، أي: يطلبون من المتكلم بهذه الكلمات التفصيل، فإذا استفصلوا نظروا في المعاني الصحيحة فأثبتوها، ونظروا في المعاني الباطلة فردوها، وهذا منهج يسلم به الإنسان من أن يتورط في ألفاظ ظاهرها التعظيم للرب جل وعلا، وباطنها نفي ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ . ولذلك نجد في تعليق شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ المكتوب والمسموع إنكار هذا الكلام، بل إنه في التسجيل الذي علق فيه على العقيدة الطحاوية ﵀ قال: إن هذا الكلام رديء، ولكنه محمول على معنىً صالح فيما ذكره المؤلف؛ لأن المؤلف ﵀ من أهل السنة والجماعة، وكلامه يفسر بعضه بعضاً، فما أجمله في هذا المكان يفسره في هذه العقيدة التي بين فيها إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات. والمعاني الصحيحة التي تحتملها هذه الألفاظ مرادهم في قوله: (تعالى عن الحدود) أي: تعالى عن أن يحده عقل بشر، فهو غير محدود، أي: لا تحيط به عقول عباده، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ، والغايات أي: النهايات، فالله جل وعلا الكبير المتعال الذي لا تحيط به عقول عباده. مما ينفى أيضاً من المعاني الصحيحة التي تنفى عن الله بهذا اللفظ الغاية التي يحتاجها، فهو الغني عن عباده كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٧] فنفى الله عن نفسه الحاجة. ونحن لا نريد أن نفصل في المعاني الصحيحة والمعاني الفاسدة التي تضمنتها هذه الجمل، لكن نقول: كل من تكلم بهذا الكلام ينظر إلى كلامه بالاستفصال؛ فما صح ثبت، وما لم يصح من المعاني رد، هذا من حيث المعاني، أما من حيث الألفاظ فإننا لا نثبت ولا ننفي بل نتوقف فيها؛ لأن الألفاظ موقوفة على النصوص من الكتاب والسنة، فما ثبت بها ثبت، وما لم يثبت يرد.

стр. 101

الاعتقاد في معراج النبي ﷺ ثم قال ﵀: [والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ ، وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلى، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] فصلى الله وسلم عليه في الآخرة والأولى] . يقول ﵀ في بيان عقد أهل السنة والجماعة: (والمعراج حق) فالمعراج اسم آلة الصعود، هذا في الأصل، فالمعراج هو السلم الذي يصعد به إلى علو، وأصل المادة (عرج) يدور على معنى الذهاب في الصعود، ويعني: العلو والارتفاع، فهذا معنى المعراج في اللغة.

стр. 102

ثبوت معراج النبي ﷺ بالكتاب والسنة وأما ما يشير إليه المؤلف ﵀ فهو ما أكرم الله به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كونه عرج به إلى السماء أي: صعد به إلى السماء صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الصعود جاء إثباته في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﷺ . أما ثبوته في الكتاب فبما ذكره الله جل وعلا في سورة النجم، فإنه ذكر ما يدل على عروجه بنبيه ﷺ إلى السماء، وذلك في قوله في رؤية جبريل: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣-١٤] ومعلوم أن سدرة المنتهى في السماء وليست في الأرض، فهذا دل على أن الله عرج بنبيه ﷺ ، وهذا دليل المعراج من القرآن. أما دليله من السنة فقد ورد متواتراً بما لا شك فيه أن النبي ﷺ قد عرج الله به إلى السماء، ولم ينكر ذلك أحد من السلف.

стр. 103

عروج النبي ﷺ كان بشخصه يقظة لم يختلف السلف في معراج النبي وثبوته، وإنما اختلفوا في مسألة هل عرج به ﷺ بروحه وشخصه، أم أنه عرج بروحه دون شخصه؟ يعني: دون بدنه، ولم يقل أحد منهم إنه عرج به مناماً، وهنا مسألة تلتبس على طلبة العلم فيظن أن قول عائشة ومعاوية ﵄ من أن العروج كان بروحه أنه كان مناماً، وهذا ليس بمراد لهم، إنما أرادوا أن الروح انفصلت عن البدن انفصالاً تاماً وعرج بها فلم يكن لها تعلق بالبدن. والذي عليه أهل السنة والجماعة ودل عليه الكتاب والسنة وقول الصحابة ﵃: أن العروج إلى السماء كان بروحه ﷺ وبدنه، ولا تعجب فهذه قدرة الله جل وعلا الذي أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وليس المحل محل تنظير بالواقع حتى نقول: هذا لا يمكن، فإن ذلك على الله يسير. قال ﵀: (وقد أسري بالنبي ﷺ هذا فيه إثبات الإسراء، وهو مقدمة المعراج، وقد جرى للنبي ﷺ في إسرائه ومعراجه آيات عظيمة، وأما الإسراء فقد ثبت في الكتاب في سورة الإسراء حيث قال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] فلا إشكال في ثبوت الإسراء، حيث أسري به ﷺ إلى المسجد الأقصى، وصلى فيه بالأنبياء، ثم بعد ذلك عرج به إلى السماء صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال ﵀ في بيان المعراج: (وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء) ومعلوم أنه حين قال: (بشخصه) فالمراد الروح والبدن؛ لأن العروج بالبدن دون الروح لا فائدة منه، إنما العروج الذي أثبته بقوله: (وعرج بشخصه) أي: بروحه وبدنه ﷺ (في اليقظة) ليدفع قول من قال: إنه عرج به في المنام، (إلى السماء) إلى العلو، والسماء هنا: اسم جنس يشمل السماء الدنيا والعليا، فإن النبي ﷺ جاوز السبع الطباق، وبلغ مكاناً لم يبلغه أحد سمع فيه صريف الأقلام الله أكبر! صوت الأقلام التي تكتب ما شاء الله أن يقضي في عباده، كل يوم هو في شأن جل وعلا، وهذه منزلة لم يبلغها أحد قبل النبي ﷺ ، ولن يبلغها أحد بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 104

الاعتقاد في منتهى عروج النبي ﷺ يقول ﵀: (ثم إلى حيث شاء الله من العلى) لم يذكر المؤلف ﵀ منتهى للعروج، بل قال: (حيث شاء الله من العلى) أي: العلو والارتفاع، وأكرمه الله تعالى بما شاء مما شاهد في ذلك الموقف العظيم، إذ شاهد آيات قال الله جل وعلا فيها: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] رأى آيات عظيمة، حيث رأى الجنة والنار، ورأى جبريل كما خلقه الله ، ورأى سدرة المنتهى، وما غشيها من التغير الذي أذن الله به لهذه السدرة العظيمة، حتى إنه قال ﷺ : (فاعتراها من أمر الله ما لا يكاد يحيط به وصف) أو (ما لا يدرك بوصف) وذلك لعظيم ما رأى، مع أن النبي ﷺ لم يتزلزل فؤاده، ولم يضطرب قلبه لما رآه في ذلك الموقف العظيم، وقد زكاه الله جل وعلا في موضعين، في قوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] ، وزكاه أيضاً في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ومع هذا الثبات العظيم لقلبه وفؤاده في هذه المشاهد الكبرى العظيمة ما استطاع أن يصف ما اعترى الشجرة من تغير لما أذن الله جل وعلا أن يغشاها ما يغشى، كما قال تعالى في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٤-١٦] وأبهم ما غشيها تعظيماً وتفخيماً لشأنها، (وأوحى إليه) أي: أوحى الله جل وعلا إلى رسوله ﷺ في هذا الموقف العظيم (ما أوحى) يعني: الذي أوحى، والإبهام هنا كما مر معنا في التفسير إبهام تعظيم، فقد أوحى الله إليه أمر الصلاة وما شاء الله أن يوحيه إليه ﷺ . قال ﵀: (قال الله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ) أي: ما رأى من تلك المواقف العظيمة والآيات الكبيرة.

стр. 105

أفضلية ليلة المعراج بالنسبة للنبي ﷺ ، والقول في رؤية النبي لربه فيها واعلم أن ليلة المعراج هي أفضل ليالي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي أفضل بالنسبة له من ليلة القدر، أما سائر الأمة فإن الفضل لها في ليلة القدر، وأما النبي ﷺ فإن الفضل الذي حصله وناله وجرى له في تلك الليلة أعظم مما يجري في ليلة القدر. ثم المؤلف ﵀ طوى ذكر هل رأى النبي ﷺ في تلك الليلة ربه أو لا؟ لأنه لا دليل على أنه رأى ربه، ولعل المؤلف ﵀ أتى بالمعراج بعد ذكر الرؤية إشارة إلى الخلاف في رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة المعراج. والعلماء في هذا لهم قولان: القول الأول: أنه لم ير ربه بعينيه التي في رأسه، وهذا قول جمهور العلماء، وعليه المتقدمون والمتأخرون أنه لم ير النبي ﷺ ربه رؤية معاينة؛ لأنه لا يراه أحد قبل الموت، أي: في الآخرة، كما قال جل وعلا لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] في قوله لموسى، وكما قال النبي ﷺ : (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) . وذهب بعض العلماء إلى أنه رآه بفؤاده، وهذه الرؤية ليست مقيدة بالمعراج؛ لأنهم يقولون: رآه بفؤاده مرتين، ورؤية الفؤاد هي رؤية القلب، وهي غير رؤية المنام؛ لأن رؤية المنام لا إشكال في إثباتها. ولكن لا يقال: كيف رآه بفؤاده؟ فإن هذا أمر لا يدرك، لكن رآه بفؤاده، هكذا قال الإمام أحمد وابن عباس، وورد عنهم إثبات الرؤية مطلقاً للنبي ﷺ يعني: دون تقييد، فما ورد عنهم مطلقاً يحمل على المقيد. ثم قال ﵀: (فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى) حق أن يصلى عليه ﷺ لما ميزه الله به من الفضائل والمناقب، ومعنى الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الثناء عليه في الملأ الأعلى، هكذا قال أبو العالية في صحيح البخاري، وذهب شيخنا ﵀ إلى أنه لا يقال شيء في الصلاة على النبي، إنما يقال: هو ثناء ومرتبة وفضل يدعى به للنبي ﷺ دون أن يقيد بمعنىً خاص؛ لأن هذا يحتاج إلى توقيف ونص، والذي عليه الأكثرون هو ما ذكره أبو العالية من أن الصلاة عليه ﷺ هو ثناء الله عليه في الملأ الأعلى. قوله: (في الآخرة والأولى) يعني: في الدنيا والآخرة، وهو أحق من يصلى عليه ﷺ لعظيم ما من الله به علينا حيث أخرجنا به من الظلمات إلى النور صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 106

مسألة: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج ؟ ثم المؤلف ﵀ طوى ذكر هل رأى النبي ﷺ في تلك الليلة ربه أو لا؟ لأنه لا دليل على أنه رأى ربه، ولعل المؤلف ﵀ أتى بالمعراج بعد ذكر الرؤية إشارة إلى الخلاف في هل النبي ﷺ رأى ربه في ليلة المعراج أو لا؟ والعلماء في هذا لهم قولان: القول الأول: أنه لم ير ربه بعينيه التي في رأسه، وهذا قول جمهور العلماء، وعليه المتقدمون والمتأخرون أنه لم ير النبي ﷺ ربه رؤية معاينة؛ لأنه لا يراه أحد قبل الآخرة قبل الموت، كما قال جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] في قوله لموسى، وكما قال النبي ﷺ : (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) . وذهب بعض العلماء إلى أنه رآه بفؤاده، وهذه الرؤية ليست مقيده بالمعراج؛ لأنهم يقولون: رآه بفؤاده مرتين ورؤية الفؤاد هي رؤية القلب، وهي غير رؤية المنام؛ لأن رؤية المنام لا إشكال في إثباتها. ولكن لا تقول كيف رآه بفؤاده فإن هذا أمر لا يدرك، لكن رآه بفؤاده هكذا قال الإمام أحمد وابن عباس، وورد عنهم إثبات الرؤية مطلقاً للنبي ﷺ يعني: دون تقييد، فما ورد عنهم مطلقاً يحمل على المقيد. ثم قال ﵀: (فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى) حق أن يصلى عليه ﷺ لما ميزه الله به من الفضائل والمناقب، ومعنى الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الثناء عليه في الملأ الأعلى، هكذا قال أبو العالية في صحيح البخاري، وذهب شيخنا ﵀ إلى أنه لا يقال شيئ في الصلاة على النبي، إنما يقال: هو ثناء ومرتبة وفضل يدعى به للنبي ﷺ دون أن يقيد بمعنىً خاص؛ لأن هذا يحتاج إلى توقيف ونص، والذي عليه الأكثرون هو ما ذكره أبو العالية من أن الصلاة عليه ﷺ هو ثناء الله عليه في الملأ الأعلى. قوله: (في الآخرة والأولى) يعني: في الدنيا والآخرة، وهو أحق من يصلى عليه ﷺ لعظيم ما من الله به علينا حيث أخرجنا به من الظلمات إلى النور صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 107

حوض النبي ﷺ وثبوته في السنة ثم قال: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق، والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما رؤي في الأخبار] . ذكر المؤلف ﵀ في هاتين الجملتين أمرين من أمور الاعتقاد: الأمر الأول: الحوض، قال المؤلف ﵀: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق) أخبر النبي ﷺ بأن الله جعل له حوضاً في عرصات القيامة أي: في فناء القيامة في أرض المحشر، وهذا الحوض من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حيث السعة، وكثرة من يرد عليه، ولكنه جاء ما يدل على أن لكل نبي حوضاً، لكن الحوض الذي أختص به لا يشبهه حوض. وقد ثبت ذلك بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] فإن الكوثر نهر في الجنة وهبه الله لرسوله ﷺ يخرج منه ميزابان يصبان في الحوض الذي يكون في عرصات القيامة، فهذه الآية بها ما يثبت ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن النبي ﷺ له حوض يرده أهل الإسلام في عرصات القيامة، وهذا الحوض وصفه رسول الله ﷺ من حيث كثرة من يرد عليه، ومن حيث كثرة آنيته، ومن حيث طوله وعرضه؛ كل ذلك جاء مبيناً في سنة النبي ﷺ . واعلم أن الحوض الذي وعده الله أهل الإسلام يكون قبل الصراط، بل هو أول ما يرد الناس في أرض المحشر؛ لأن الناس يخرجون يوم القيامة في هول عظيم، وكرب شديد، وتدنو منهم الشمس فيصيبهم عطش عظيم، كما قال الله جل وعلا في وصف المجرمين: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] أي: عطاشاً بلغ بهم العطش منتهاه. قال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀: والظاهر أن هذا الوصف لا يخصهم؛ لأن الجميع يعطشون في أرض الموقف، لكن أهل الإيمان يرون الحوض فيطفأ ظمؤهم، فإنهم إذا شربوا من ذلك الماء لم يظمئوا بعده أبداً. بخلاف أهل الإجرام فإنهم يردون النار عطاشاً، إذ أنهم لا يسقون من حوضه ﷺ ، ولا من حوض غيره من الأنبياء، فيردون النار على هذه الحال التي ذكرها الله جل وعلا (ورداً) أي: عطاشاً. وما قيل في أن الحوض يكون بعد الصراط لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة في ذكر ما يكون في ذلك اليوم أن ورود الحوض يكون قبل الصراط، بل إن في السنة ما يدل على أنه لا يمكن أن يكون بعد الصراط؛ لأن النبي ﷺ يرى أقواماً من أمته يذادون عن الحوض أي: يمنعون، فيقول ﷺ : (أصيحابي أصيحابي) فتقول الملائكة له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: سحقاً سحقاً) وهؤلاء هم اللذين ارتدوا بعد النبي ﷺ ، وهذا لا يمكن أن يكون بعد الصراط فإنه لا يجوز الصراط إلا مؤمن، نسأل الله أن نكون منهم. المهم أن الحوض ثابت بالكتاب والسنة، وهو مما تواتر به الخبر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقول المؤلف ﵀: (أكرمه الله تعالى به) أي: أكرم به محمداً ﷺ (غياثاً لأمته) أي: يغيثهم من هول ذلك الموقف وشدة العطش والكرب فيه. وقوله: (لأمته) يحتمل أن يكون تخصيصاً فلا يكون الحوض إلا للنبي ﷺ ، ويحتمل أن الحوض الذي أكرم الله به نبيه ﷺ خاص بأمته، فلا يرده غير هذه الأمة، إذ أن كل أمة ترد حوض نبيها، فقوله: (لأمته) إما أنه تخصيص للنبي ﷺ دون غيره من الأنبياء، وإما أن يكون تخصيص حوض النبي ﷺ لهذه الأمة، والمعنى الثاني أظهر؛ لأنه جاء في الحديث بأن لكل نبي حوضاً.

стр. 108

شفاعة النبي ﷺ العظمى ثم قال ﵀: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار] . الشفاعة: تقدم تعريفها، وأصلها من الشفع، وهو جعل الفرد زوجاً، هذا أصلها في اللغة، والمراد بها: التوسط في جلب الخير أو دفع الضر، وهي كذلك في الآخرة، فإن الشفاعة التي في الآخرة توسط ممن يمن الله عليه بالتوسط في جلب خير أو دفع ضر، لكنها تختلف عن شفاعة الدنيا؛ لأن شفاعة الآخرة لا تكون إلا بإذن من الرب جل وعلا، ولا تكون إلا برضاه عن المشفوع له، فلابد من هذين الشرطين: لابد من الإذن فلا يشفع أحد إلا بإذنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] . ولابد من الرضا كما قال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] . فلابد من الإذن والرضا في كل موارد الشفاعة، وليس فقط في مورد واحد، يعني: في الشفاعة العظمى وما دونها، فإن الشفاعة العظمى لا تكون إلا بعد الاستئذان، ولذلك يذهب النبي ﷺ إلى ربه فيسجد، ولا يبدأ بالشفاعة أولاً بل يستأذن، فإذا أذن له شفع ﷺ ، والشفاعة ثابتة للنبي ﷺ ، وهي ثابتة يوم القيامة وهي على درجات: - منها ما حصل الاتفاق بين الأمة على ثبوتها. - ومنها ما جرى فيه الخلاف بين أهل السنة والجماعة وغيرهم من أهل البدع. أما ما اتفقوا على ثبوته فهو ما أشار إليه في قوله: (والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار) وهي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها الرسول ﷺ عند ربه أن يأتي جل وعلا لفصل القضاء بين الناس، وهذه شفاعة عظمى؛ لأن المنتفع بها هم الخلق جميعاً، ولأن الجميع يتخلون عنها فلا يكون لها إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك سميت عظمى؛ لعظيم الانتفاع بها، ولكون الأنبياء بل آدم وأولو العزم من الرسل يتخلون عنها، فكل منهم يعتذر، فإن الناس إذا اشتد بهم الكرب يقول بعضهم لبعض كما في الصحيحين وغيرهما من قولهم لبعضهم: (ألا ترون ما قد حل بكم وبلغ بكم، فيذهبون إلى آدم ويعدون عليه ما خصه الله به فيعتذر، ويذهبون إلى نوح فيعتذر، ويذهبون إلى إبراهيم فيعتذر، ويذهبون إلى موسى فيعتذر، ويذهبون إلى عيسى فيعتذر، ويذهبون إلى النبي ﷺ . وهذه فائدة: الناس الذين يذهبون إلى الأنبياء هم أهل الإيمان فيما يظهر، وكما قال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀؛ لأنهم يعددون على الأنبياء ما لا يقر به الكفار، فيقولون لنوح مثلاً: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ويقولون لآدم: أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، ويقولون لموسى: أنت رسول الله الذي كتب الله لك التوراة بيده وكلمك، وأيضاً يذكرون خصائص عيسى ﵇. الشاهد: أنهم ذكروا لكل نبي ما لا يثبته له إلا أهل الإيمان، فهذا يدل على أن الناس المذكورين في الأحاديث هم أهل الإيمان الذين يصدقون بهذا وهو القريب. أما أهل الكفر فإنهم لا شأن لهم بذلك فهم مشغولون بأنفسهم والتكفير فيما سينالهم من حيث ما ينالهم من سخط الله وعذابه، فإنهم يحشرون يوم القيامة صاغرين، ومن كان صاغراً ليس أهلاً للطلب، ولا أهلاً للسعي في نفع الخلق. على كل حال: هذه الشفاعة يثبتها أهل السنة والجماعة وغيرهم من معتزلة وخوارج وغيرهم من الفرق، وهي خاصة بنبينا ﷺ ، أما باقي الشفاعات فإن أهل السنة والجماعة أثبتوها وغيرهم من أهل البدعة نفوها، إلا فيما يتعلق بالشفاعة في رفع الدرجات في الجنة، فإنهم يثبتونها، لكن الشفاعة في أهل الكبائر وفي قوم استحقوا النار أن لا يدخلوها، والشفاعة في إخراج من دخل النار أن يخرج منها، هذه كلها ينكرها المعتزلة والخوارج، ويحملون ما ورد في الشفاعة على الشفاعة العظمى، وعلى الشفاعة في رفع الدرجات في الجنة. والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق.

стр. 109

شرح العقيدة الطحاوية [١٠] أخذ الله على عباده الميثاق بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وفطرهم عليه، وسيسألهم عنه يوم القيامة، وكتب الله مقادير الخلائق عنده في الأزل، فالقدر سر الله الذي لا يطلع عليه أحداً من خلقه، وعقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا ينبغي الخوض فيه؛ لأنه من علم الله الغيبي الذي لا ندركه.

стр. 110

الاعتقاد في الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق وقد علم الله تعالى] . الميثاق: مأخوذ من الوثاق فهو اسم مصدر، وأصله الشد والربط، من وثق الشيء وأوثق إذا شد وربط، فالميثاق: هو ما عقد الله جل وعلا الناس عليه، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى من آدم وذريته، وهو حق كما قال المؤلف ﵀، يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] * ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣] فهاتان الآيتان فيها الإشارة إلى الميثاق الذي أخذه الله جل وعلا على الناس.
следующие страницы →