← Акыда

Акыда · id 7713

شرح لمعة الاعتقاد لخالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (265 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حقيقة الرؤية وذكر بعض أدلتها

стр. 107

حجب الكافرين عن رؤية الله ومعناه يقول ﵀: وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] (إنهم) أي: أهل الكفر، (عن ربهم لمحجوبون) فهم محجوبون عن النظر إلى الله ، وهذا في حق الكفار. يقول المؤلف ﵀: (فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا) ، فدلالة الآية على إثبات الرؤية من وجهين: الأول: حجب الكفار عن ربهم. الوجه الثاني: مفهوم المخالفة وهو أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا، ولذلك ذكر المؤلف ﵀ نوعي الدلالة في الآية: دلالة المطابقة، ودلالة المخالفة، فدلالة المطابقة في قوله: حجب أولئك في حال السخط، ودلالة المخالفة في قوله: أن المؤمنين يرون ربهم في حال الرضا. فإذا كان من عقوبة أهل الكفر أنهم لا يرونه حال الغضب، فكذلك تدل الآية بمفهوم المخالفة أن المؤمنين يرون ربهم . قال: (وإلا لم يكن بينهم فرق) أي: إذا لم يكن أهل الإيمان يرونه في حال الرضا وهم كالكفار في الحجب، فما فائدة الإخبار بأن الكفار يحجبون عن الله ؟! فدلت الآية دلالة واضحة على أن أهل الإيمان ينعمون برؤيته جل وعلا كما أن أهل الكفر يعاقبون بحجبهم عنه .

стр. 108

الحكمة في تشبيه رؤية الله برؤية الشمس والقمر وقال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه، وهذا الحديث رواه الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما من حديث جرير بن عبد الله، وقد جاء من حديث غيره، لكن هذا اللفظ في حديث جرير بن عبد الله يقول شيخ الإسلام ﵀: وهو من أصح الأحاديث. وقد أجمعت الأمة على قبوله وتلقيه بالقبول. وفيه إثبات رؤية المؤمنين لله : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) والمشار إليه هو القمر المعروف الذي في السماء، وفي بعض الروايات: (كما ترون الشمس ليس دونها سحاب، والقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته، بل ترونه في سعة، وفي رواية أخرى: (لا تضامّون في رؤيته) أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض لتروه بل هو جلي واضح؛ فالناس إذا أرادوا أن يتراءوا الشمس، هل يحتاج أحدهم أن يقترب إلى الآخر حتى يرى الشمس أم أن كل واحد يراها وهو منفرد عن الآخر بدون تضام واجتماع؟ وهل يلحقهم ضيم في رؤيتها؟ لا، فمن أوسع ما يكون رؤية القمر والشمس، أما رؤية الهلال في أول إهلاله فيحتاج الناس فيه إلى تضام حتى يروه في الغالب، لذلك تجد أحدهم يقترب من الآخر ليريه مكان الهلال، وكذلك يحصل عليهم ضيم؛ لأن إدراكه ليس بالأمر السهل، أما رؤية الشمس والقمر فإنه لا تضام فيها ولا ضيق على أهلها؛ ولذلك ذكر النبي ﷺ في الرؤيا القمر والشمس لأمرين: الأمر الأول: أنهما أعظم ما يرى في الدنيا، فأعظم ما يراه أهل الدنيا وأوضحه الشمس والقمر. الثاني: أن كيفية رؤية الشمس والقمر من أسهل ما يكون، فيراها الحاضر والبادي، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، فليس هناك إشكال في رؤيته، فلا عسر في الرؤية، فهي من أسهل ما يكون، فاجتمعت سهولة الرؤية ووضوحها، فالوضوح من أوضح ما يكون، والسهولة واليسر من أسهل وأيسر ما يكون، ولذلك قال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) . يقول ﵀: (وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي) ، أي: فلو قال قائل: إن هذا تمثيل، فقد شبه النبي ﷺ ربه بالقمر. نقول: لا، ليس التشبيه للمرئي بالمرئي، إنما التشبيه للرؤية، فالكاف في قوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون) لتشبيه الرؤية، ولذلك قال: (كما ترون) ؛ (ما) : هنا مصدرية، و (ترون) فعل، ما المصدرية والفعل الذي بعدها تؤول بمصدر تقديره: كرؤيتكم، هذا معنى قوله ﵀: (هذا تشبيه للرؤية) ، فالمعنى: إنكم سترون ربكم كرؤيتكم القمر، أي: في الوضوح وعدم التضام والضيق في الرؤية، فالتشبيه للرؤية لا للمرئي، أما الله جل وعلا فليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال ﵀: (فإن الله لا شبيه له ولا نظير) . أي: لا مثيل له ولا مساو؛ لأن الله تعالى نفى عن نفسه الند والنظير والمثيل والكفء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، فليس له ند، ولا يمكن أن يمثل بغيره، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] . فلا يجوز أن يقال: المرئي كالمرئي فالله تعالى كالقمر، بل تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .

стр. 109

إثبات زيارة المؤمنين لله يقول ﵀: (والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه) : هذا فيه إثبات زيارة المؤمنين لله ، وحديث الزيارة رواه الدارقطني وغيره عن ابن مسعود وأنس وأبي هريرة وابن عباس وعن غيرهم من الصحابة ﵃، وقد جاء ذلك أيضاً عن جماعة من التابعين. يقول شيخ الإسلام ﵀ في حديث الرؤية: وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر. يعني: أن الزيارة ثابتة، وإن كان أفراد هذه الأحاديث ضعيفة. قال ﵀: بل قد يقتضي القطع بثبوت الزيارة، فقد روي عن الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، وذكرنا أن المروي عن الصحابة في الزيارة من طريق ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وحديث أنس أمتن الأحاديث في ذلك لم تذكر فيه الزيارة، فقد روى الإمام مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة لسوقاً يأتيه أهل الجنة كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو على ثيابهم ووجوههم فيزدادون طيباً وجمالاً، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا طيباً وجمالاً أو حسناً وجمالاً، فيقولون لأهليهم: لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقول أهلهم لهم: وأنتم أيضاً ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً) ، فهذا الحديث في صحيح مسلم ليس فيه زيارة لله ، لكنه جاء عند الدارقطني بأسانيد متعددة عن جملة من الصحابة أن هذه الزيادة ليس سببها الريح فقط، بل سببها الريح ورؤية المؤمنين الله ، كما قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] (ناضرة) أي: اكتسبت نضرة وجمالاً، ثم ذكر السبب في هذه النضارة وهي النظر إلى الله فقال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] . إذاً: أحاديث الزيارة ثابتة، فزيارة المؤمنين لله ثابتة، ولذلك قال المؤلف ﵀: (ويزورونه) . قوله: (ويكلمهم) فيه إثبات الكلام أيضاً، وهو ثابت في الصحيحين وفي غيرهما: (ما منكم أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ، وهذا يعم المسلم والكافر، لكن الفرق في نوع التكليم، فإن تكليم الله لأهل الإيمان تكليم رحمة وبر وتنعيم، وأما تكليمه لأهل النفاق فهو تكليم تقريع وتعذيب وذم، وتكليم الله للكفار ليس مقتصراً على أرض المحشر، بل يكلمهم في المحشر ويكلمهم إذا صاروا إلى النار نسأل الله السلامة والعافية منها؛ فإنهم إذا سألوا التخفيف من العذاب يقول الله لهم فيها: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ، فهذا كلام رب العالمين لأهل النار، فنفي التكليم إنما هو في حال من الأحوال في أرض المحشر، أو يكون المنفي من التكليم هو تكليم البر والإحسان والرحمة والإنعام. قال ﵀: (ويكلمونه) فيكلمهم الله ويكلمونه. قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وهذه من أقوى الأدلة التي يثبت بها أهل السنة والجماعة نظر المؤمنين لله يوم القيامة، فإن الله أخبر عن وجوه أهل الإيمان بالنضارة، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: حسنة جميلة منعمة مكرمة، فيها من البهاء والنور والجمال ما ليس في غيرها، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: إلى الله جل وعلا ناظرة، فأضاف نظر أهل الإيمان إلى الرب، ثم النظر بأي شيء كان؟ بالقلوب أم بالوجوه؟ بالوجوه، ولذلك قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] ، فنص على الوجوه التي فيها آلة النظر، وهذا دليل ما ذكره المؤلف ﵀ من أنهم يرونه بأبصارهم؛ لأنه أخبر عن الوجوه بأنها ناضرة إلى ربها، فالوجوه هي التي تنظر إلى ربها وتنظر إليه بأبصارها، بالآلة التي يحصل بها النظر في الوجه وهي البصر، فلا يمكن أن يقول قائل: إنها رؤية كشف؛ لأن الكشف لا يكون للأبصار، بل يكون للقلوب، ولا يمكن إن يقال: إنه نظر إلى النعيم؛ لأن الله أضاف النظر إليه جل وعلا فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فلا يسوغ أن يقال: إلى نعيم ربها، لأنه أضاف النظر إليه جل وعلا، فمن حرف الكلم عن مواضعه وقال: إنه النظر إلى النعيم يكون قد خرج عما دلت عليه الآية من إضافة النظر إليه جل وعلا، فهذه الآية من أقوى وأظهر وأصرح الأدلة في إثبات نظر المؤمنين لربهم جل وعلا، نسأل الله أن نكون منهم.

стр. 110

رؤية الله في الدنيا

стр. 111

لا يُرى الله في الدنيا يقظةً مسألة: هل يرى الله في الدنيا أو لا؟ جواب هذه المسألة: أن أهل السنة والجماعة ذهبوا إلى أن الله لا يراه أحد من الناس في الدنيا؛ لقول النبي ﷺ : (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) كما في صحيح الإمام مسلم، وهذا يدل دلالة واضحة على أن رؤية الله في الدنيا لا تكون، وأن كل من قال: إنه رأى الله أو ادعى ذلك فإنما أتي من قبل وهم أو خيال أو ظن، والذي رآه ليس هو الله جل وعلا؛ لأن الله لا يرى في الدنيا، وقد منع الله جل وعلا أحد أولي العزم من الرسل وهو موسى ﵇ من أن يراه، فكيف بمن دونه من سائر المؤمنين؟ فإن الله جل وعلا لما قال له موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فمنعه من أن يراه، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ذلك فيما يتعلق بأهل الإيمان، والخلاف الذي وقع هو في رؤية النبي ﷺ ربه، هل رأى الله جل وعلا أم لا؟ فقد اختلف أهل السنة والجماعة على قولين، فأنكر هذا جمهورهم، فمن الصحابة ابن مسعود وغيره، وأثبت رؤية النبي ﷺ لربه يقظة جماعة من العلماء، واحتجوا لذلك بما جاء عن ابن عباس وجماعة من الصحابة من أن النبي ﷺ رأى ربه. ولكن هذا الذي ذكروه ليس في كلام الصحابة ما يؤيده، بل ما في كلام الصحابة إما إثبات الرؤية مطلقاً كما جاء ذلك عن ابن عباس وعن غيره، وإما أن يكون ذلك مقيداً برؤية القلب أو الفؤاد، فما كان مطلقاً فإنه يحمل على المقيد من كلامهم، والصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أن النبي ﷺ لم ير ربه يقظة، إنما رآه في المنام، وما كان من الرؤية التي ذكرها بعض الصحابة فهي رؤية قلب وفؤاد وليست رؤية عين.

стр. 112

خلاف العلماء في حكم رؤية الله في المنام مسألة: هل يرى الله جل وعلا في المنام؟ من العلماء من قال: إنه يرى في المنام، والأكثرون على أنه لا يرى، وأن ما يراه الإنسان في منامه ويظن أنه الله جل وعلا فليس هو الله؛ لأن الله عز وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقد قال النبي ﷺ : (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) والموت: هو مفارقة الروح البدن مفارقة تامة كاملة، ولا يصدق هذا على النائم؛ لأن النائم ميت من بعض الوجوه فقط، ولا يصدق عليه أنه ميت مطلقاً، فلا يمكن أن نحمل قول النبي ﷺ : (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) على حال النوم باعتبار أن النوم موت، لكن نقول: إن الموت الذي أراده النبي ﷺ هو الموت الكامل الذي يحصل به تمام مفارقة الروح للبدن، وينقطع به العمل، أما النائم فموته موت نسبي وليس موتاً تاماً، وهذا يدل على أنه لا يرى في المنام. وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يرى في المنام، وقال شيخ الإسلام: إن النائم يمكن أن يرى الله وما يراه في منامه هو على قدر إيمانه، فكلما كمل إيمانه كان رؤيته أتم وأكمل. والذي يظهر أنه لا يمكن لأحد أن يجزم بأنه رأى الله جل وعلا، أما النبي ﷺ فقد رأى ربه ولا إشكال في منامه، فقد جاءت فيها أحاديث متعددة منها حديث: (رأيت ربي البارحة بأحسن صورة) ، فهذا يحمل على رؤية المنام، وأما من عدا النبي ﷺ فإنه لا دليل على ثبوت الرؤيا في حقه. ثم ما تراه لا تجزم بأنه الله؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف ﵀ فيما يتعلق بالرؤية، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 113

شرح لمعة الاعتقاد [٨] الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة التي يجب على العبد اعتقادها والإيمان بها، ومن مراتب القدر مرتبة الخشية والإرادة، وهي تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، فلا يقع شيء في الكون إلا بإرادة الله ، فلا محيد للعبد ولا مهرب عن مقدوره جل وعلا.

стр. 114

الإيمان بالقدر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن صفات الله تعالى أنه فعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يكون إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] ، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام:١٢٥] . روى عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) متفق عليه، وقال النبي ﷺ : (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره) ، ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت) . ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وفعل نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن الله أنزل الحجة علينا بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره] .

стр. 115

تعريف القدر لغة وشرعاً والقدر يطلق في اللغة على التقدير، والمراد به في كلام النبي ﷺ في مثل قوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) المراد به: علم الله بالكائنات وحكمه فيها. وعرفه جماعة من العلماء بأنه الحكم الكوني، يعني: الحكم وقضاء الله في الكون، وعرفه آخرون بأنه علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، وهذا تعريف يسير سهل يجمع لك بيان القدر وبيان مراتب الإيمان بالقدر.

стр. 116

مراتب القدر والإيمان بالقدر على مراتب: أولها وثانيها: الإيمان بعلم الله ، وأنه ما من شيء إلا بعلمه، وأنه ما من شيء من علمه إلا وقد كتبه الله . الثالث: مشيئته، فما من شيء إلا بمشيئته جل وعلا. الرابع: خلقه، فما من شيء في الكون إلا وهو من خلقه . وقد قال بعض العلماء في ذلك نظماً: علم كتابة مولانا مشيئته وخلقه وهو إيجاد وتكوين وهذا يجمع لك تعريف القدر. قوله: (وهو إيجاد وتكوين) بيان معنى الخلق وأنه يطلق على الإيجاد، ويطلق أيضاً على التكوين.

стр. 117

الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب الإيمان بالقدر هذا الفصل ذكر فيه المؤلف ﵀ ما يتعلق بالإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إيمان أحد إلا بها، فلابد للمؤمن أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وكل من كان غير مؤمن بالقدر فإنه لم يحقق الإيمان الذي تحصل به النجاة من النار. وقد دلت الأدلة في الكتاب والسنة، وأجمع سلف الأمة من الصحابة ﵃ والتابعين وأئمة الدين على وجوب الإيمان بالقدر، وأنه ما من شيء إلا بقضاء وقدر، وقد قال ابن عباس ﵁ في بيان منزلة الإيمان بالقدر: (الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده) ، وهذا يدل على أن كل من لم يؤمن بالقدر فقد انتقض توحيده؛ لأن الإيمان بالقدر أساس التوحيد، فهذا معنى قوله ﵀: (نظام التوحيد) ، أي: به ينتظم وبه يستقيم وبه يستقر فمن لم يؤمن بالقدر لا توحيد له، ومن لم يؤمن بالقدر لا إيمان له، فالإيمان بالقدر أصل من أصول الدين، ومن أصول الإيمان وأركانه التي لا يتم إيمان أحد إلا بها. وقد قال ابن عمر ﵁ لما بلغه إنكار من ينكر الإيمان بالقدر ويقول: إن الأمر أنف، قال: (والذي نفس ابن عمر بيده، لو أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) ، وجاء مثل هذا عن غير واحد من الصحابة ﵃. وقد أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن والدارقطني وابن حبان وابن خزيمة وغيرهم من أئمة أهل السنة حديث عبد الله بن فيروز بن الديلمي الذي جاء إلى أبي بن كعب فقال: إن في نفسي شيئاً من القدر، فحدثني لعل الله أن يذهبه عني، فقال له أبي ﵁: (إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو أنه رحم أهل سماواته وأهل أرضه لكانت رحمته لهم، وإنه لو أنفق أحد مثل جبل أحد ذهباً لم يتقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال له: وائت ابن مسعود فاسأله) . يقول ابن الديلمي: فأتيت ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بما حدثني به أبي عن النبي ﷺ ، فدل ذلك على أن الصحابة ﵃ مجمعون على الإيمان بالقدر، وأنه من لم يؤمن بالقدر مات على غير الإسلام. ولذلك جاء في حديث عبادة بن الصامت في وصيته لابنه الوليد بن عبادة لما قال له: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) وفي رواية: (فمن مات على غير هذا أحرقه الله بالنار) فدل ذلك على وجوب الإيمان بالقدر. وأمر القدر أمر خطير عظيم، إنكاره ينقض التوحيد كما ذكرنا في كلام ابن عباس ﵁، وهو تكذيب للقرآن وانتقاص لرب العالمين، ولذلك لما سئل الإمام أحمد ﵀ عن القدر قال: القدر قدرة الله ؛ فمن أنكر القدر فقد أنكر قدرة الله جل وعلا. وكل هذا يبين لنا منزلة الإيمان بالقدر، وأن الاختلال في الإيمان به اختلال في أصل الإيمان؛ ولذلك لا يخلو كتاب من كتب الاعتقاد من الحديث عن القدر وبيان منزلته، وبيان ما الذي يجب فيه.

стр. 118

أنواع الإرادة يقول ابن قدامة في هذه العقيدة: (ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد) . هذا تقرير ما يتعلق بالقدر في إثبات صفات الفعل لله جل وعلا، وأن الإيمان بالقدر فرع عن الإيمان بأنه فعال لما يريد، وإن من قال: إنه لا يقدر مقادير الأشياء وأن في الكون ما يكون بلا تقديره ولا خلقه ولا مشيئته، فإنه مكذب لإيمانه بأن الله جل وعلا فعال لما يريد، فإذا كان جل وعلا فعال لما يريد فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقوله ﵀: (فعال لما يريد) مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] في بيان صفة الرب جل وعلا فيما أخبر به سبحانه وتعالى عما أخبر به عن نفسه في كتابه، و (فعال) جيء بها على صيغة المبالغة لإفادة معنيين: المعنى الأول: كثرة الفعل، والثاني: عظم الفعل، فصيغة المبالغة تستعمل لأحد هذين المعنيين؛ إما لكثرة الشيء وإما لعظمه ولو لم يكن كثيراً، والذي في حقه جل وعلا المعنيان، فأفعاله كثيرة ، ما يكون من شيء إلا بأمره وتقديره، وأيضاً هذه الأفعال عظيمة كبيرة المنزلة والمكانة ورفيعة الشأن.

стр. 119

الإرادة الشرعية النوع الثاني من الإرادات: الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، كل هذه من أسمائها، فتسمى الإرادة الدينية، وتسمى الإرادة الأمرية، والإرادة الشرعية، وهي لا تكون إلا فيما يحبه الله ويرضاه، فلا يدخل في هذا النوع من الإرادة شيء من المبغوضات والمكروهات لرب العالمين، بل ليس فيها إلا ما يحبه الله تعالى ويرضاه. إذاً: فهمنا أن الإرادة في كلام الله وفي كلام رسوله ﷺ تنقسم إلى قسمين، وهذا أساس في فهم باب القدر والسلامة من الضلال فيه؛ لأن من ضل في هذا الباب لم يميز بين هذين النوعين من الإرادة: بين الإرادة الكونية الخلقية، وبين الإرادة الشرعية الدينية. إذاً: الإرادة الشرعية تختص بما يحبه الله ويرضاه، وتختص بما يتعلق بمحاب الله ، أما الإرادة الكونية الخلقية فهي تشمل جميع الحادثات والكائنات بلا استثناء.

стр. 120

أمثلة على الإرادة الكونية والشرعية مثال النوع الأول من الإرادة وهي الإرادة الكونية الخلقية قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] قلنا: إن الإرادة هنا إرادة كونية؛ لأنها تشمل كل ما في الكون، فإنه داخل في إرادته هذه سواء كان يحبه أو لا يحبه. مثال آخر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، ومثال الإرادة الكونية أيضاً قول نوح ﵇ لقومه في نصيحته لهم: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] أي نوع من الإرادة هنا: الشرعية التي يحبها ويرضاها أو الكونية التي تنتظم كل ما يقع في الكون؟ الكونية. قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] الإرادة المذكورة في الآية هي الكونية؛ لأنه بها يقع الضلال والفساد، ويقع الخير والصلاح؛ لأنها تنتظم كل شيء، وهذه الآية تشكل على بعض طلبة العلم، ويظن أنها تجمع نوعي الإرادة، لكن هذا ليس مقصوداً، فليس المقصود إثبات نوعي الإرادة، إنما الإرادة هنا إرادة واحدة وهي الإرادة الكونية: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] . والمشيئة: هل تنقسم إلى مشيئة شرعية ومشيئة كونية أم أنها مشيئة واحدة تنتظم كل شيء؟ المشيئة واحدة لا تنقسم إلى شرعية دينية وخلقية كونية، بل هي واحدة في كل شيء، ولذلك فالإرادة الكونية هي المشيئة. يقول المؤلف ﵀ بعد أن ذكرنا هذين القسمين: (لا يكون شيء إلا بإرادته) أي الإرادة الكونية، (ولا يخرج شيء عن مشيئته) والمشيئة تشمل كل ما يكون ولا تنقسم، بخلاف الإرادة.

стр. 121

الإرادة الكونية يقول ﵀: (فعال لما يريد) الإرادة هنا: المقصود بها الإرادة الكونية، وإنه لمن المهم لمن أراد أن يفهم باب القدر أن يميز بين نوعي الإرادة، النوع الأول: الإرادة الكونية، وتسمى الإرادة الخلقية، وهذه الإرادة الكونية الخلقية تعني كل ما يقع في هذا الكون، فالإرادة الكونية يحصل بها كل شيء في الكون من خير وشر، من أمر البشر ومن أمر غيرهم، فكل ما يجري في الكون مندرج تحت الإرادة الكونية، من خير وشر من صلاح وفساد من حوادث ووقائع في السماوات والأرض وفي البشر وغيرهم، فهي الإرادة الشاملة المحيطة لكل الوقائع في الكون، وهي التي يقصدها العلماء في قولهم: ما من شيء إلا بإرادة الله ومشيئته. فمقصود العلماء بهذا: كل شيء، وكل ما يقع في الكون؛ ولذلك قال المؤلف: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته) ، فالمشيئة هنا والإرادة هي الإرادة الكونية التي تنتظم جميع الحادثات والكائنات بلا استثناء، هذا النوع الأول من الإرادة، وهذا النوع من الإرادة هل يتعلق بمحبة الله ؟ الجواب لا يتعلق بالمحبة، يعني: لا يلزم من هذا أن يكون مما يحبه الله ، فليس كل ما يقع في الكون محبوباً له، لكنه ما من شيء في الكون إلا وهو مراد له جل وعلا، فصلاح الصالحين، وفساد المفسدين وما إلى ذلك من وقائع الدنيا هي كلها مندرجة تحت إرادته الكونية له سبحانه وبحمده. ولذلك لما قال أحد المبتدعة لأحد العلماء: سبحان من تنزه عن الفحشاء. سجع به هذا المبتدع في مجلس أحد العلماء، يريد بهذا أن ما يقع من الشر والفساد في الدنيا ليس من إرادته سبحانه وبحمده، فماذا أجابه العالم المدرك لمعنى ما يقول هذا المبتدع؟ قال: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء. أيهم أعظم إجلالاً لله ؟ الثاني، لأنه إذا كان الله جل وعلا المالك، فإنه لا يسوغ أن يكون في ملكه ما لم يرد، لكن لا يلزم من أن يكون جميع ما في ملكه محبوباً له، فإن الزنا والسرقة وفساد المفسدين وترك التاركين للتوحيد والواجبات الشرعية لا يحبه ولا يرضاه، ومع ذلك فهو جل وعلا يقدره لحكمة بالغة، فهو مما يريده الله الإرادة الكونية الخلقية التي تنتظم جميع الكائنات والحادثات، ولا يخرج عنها شيء من خلق الله .

стр. 122

مخالفة العاصين وعلاقتها بإرادة الله يقول ﵀: (ولو عصمهم لما خالفوه) : هذا فيه الجواب عن إشكال: هل معصية العاصين تقع بمشيئة الله أو بغير مشيئته؟ بإرادة الله الكونية أو بغير إرادته؟ الجواب تقع بمشيئته وإرادته وهو على كل شيء قدير جل وعلا، لكنه مكنهم من مخالفته وأذن لهم في عصيانه لحكمة قضاها؛ ولذلك قال: (ولو عصمهم) أي: منعهم من الوقوع في المعصية أو منعهم من ترك الواجب (لما خالفوه) ، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه) ، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨] أي: في الإيمان والصلاح والتقوى والهدى، ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] فمنهم مؤمن ومنهم كافر كما قال جل وعلا، والمذكور في سورة هود هو المشار إليه في سورة التغابن، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] ، فقسم الله الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، هذا في المآل، وفي العمل أيضاً قسمهم قسمين: قسماً يؤمن، وقسماً يكفر. فقوله ﵀: (ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه) أدلة هذا من القرآن كثيرة منها ما ذكرناه.

стр. 123

ما قدره الله لا يخرج عن اللوح المحفوظ (ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور) : أي: ما يصيبك وما ينزل بك، لا يتجاوز ما رقم وكتب في اللوح المسطور، وهو: اللوح المحفوظ الذي كتب فيه القلم مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. فالمؤلف أثبت مرتبتين من مراتب القدر: المشيئة حيث قال: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور) ثم قال: (ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور) ، فأفادنا أن القدر مكتوب، وهذا من مراتب القدر، أن تؤمن بأن الله كتب مقادير كل شيء، فما من شيء إلا قد كتبه الله جل وعلا، وجرى به القلم الذي خلقه الله جل وعلا. (أراد ما العالم فاعلوه) وهذه هي الإرادة الكونية التي تنتظم فعل بني آدم كلهم.

стр. 124

لا مهرب عما قدره الله يقول: (ولا محيد) يعني: لا مفر ولا مخرج ومهرب (عن القدر المقدور) وهذا ما قاله عبادة ﵁ لابنه: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك) وهذا قد جاء مرفوعاً إلى النبي ﷺ من غير حديث عبادة ﵁، وفيه وجوب الإيمان بأن ما نزل بك لا يمكن أن يندفع عنك مهما فعلت، وما صرفه الله عنك لا يمكن أن يصيبك مهما سعى الناس أن ينزل بك. وهذا معنى ما ذكره النبي ﷺ لـ ابن عباس في الوصية الشهيرة المعروفة: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإذا اجتمعوا على أن يضروك بشيء، فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) أي: قضي الأمر وفرغ منه، ليس الأمر وليد الساعة أو الآن، أو يمكن زحزحته وتغييره، بل هو أمر قضاه الله وقدره قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. لما خلق القلم قال له: (اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة) ، فإذا أيقن العبد بهذا اطمأن وعلم أنه لا مفر من تقدير الله ولا محيد من القدر المقدور، أي: التقدير الذي قدره الله جل وعلا.

стр. 125

كل ما في الكون لا يخرج عن تقدير الله قال ﵀: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره) : فنؤمن بأنه ليس في الكون شيء يخرج عن تقدير الله ، فكل حركة وسكون في بر أو بحر أو سماء أو أرض أو في بني آدم أو في غيرهم؛ هي من تقدير الله جل وعلا، حتى نبض عروقنا ولحظ أعيننا وسير أقدامنا كله بتقدير الله جل وعلا، واجعل في بالك أنه ما من حي أو ميت في سماء أو أرض إلا بتقدير الله جل وعلا. دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فكل شيء هو مخلوق بتقدير الله ، فالقدر ينتظم كل كائن في الكون، لا يخرج عنه شيء من خلق الله في العالم.

стр. 126

كل ما في الكون تحت تصرف الله وإرادته يقول: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره) : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإيمان العبد بهذا يورثه عظيم التوحيد لله جل وعلا، ويعقبه عظيم التعظيم والمحبة لله ، الذي بيده مقاليد الأمور يصرفها كيف شاء، يهب لمن يشاء ما يشاء، ويمنع من يشاء ما يشاء، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد-أي: صاحب الغنى- منه الجد، فالجد والغنى لا ينفع صاحبه إذا جرده الله منه، فكم من إنسان يملك من المال العريض الشيء الكثير، لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى جوفه قطرة ماء إما لمرض أو لمانع، فكل شيء في هذا الكون لا يصدر إلا عن تدبير الله جل وعلا.

стр. 127

أفعال العباد وضلال الطوائف فيها قوله: (خلق الخلق وأفعالهم) : هذا فيه الرد على القدرية، واعلم أن القدر ضل فيه طائفتان من الناس: الطائفة الأولى: القدرية الذين قالوا: إن الله لم يشأ معصية العاصين، ولم يقدر مخالفتهم، فالله لم يخلق أفعال العباد، بل العباد هم الذين يخلقون أفعالهم. وقابل هؤلاء طائفة أخرى غلو في إثبات القدر وهم الجبرية الذين قالوا: إنه ليس للإنسان اختيار ولا له فعل، وإنما هو كالريشة في مهب الريح، لا تملك لنفسها تصريفاً ولا توجيهاً، فأفعال الخلق هي أفعال الله جل وعلا، ليس لهم إرادة ولا اختيار، وإنما هم مجبورون على ما يكون منهم. ويشير ﵀ في قوله: (ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم) إلى الرد على الذين نفوا أن يكون فعل الخلق من تقدير الله وخلقه، وهم القدرية الذين يقولون: إن فعل المخلوق ليس مقدراً من الله جل وعلا. يقول ﵀: (وقدر أرزاقهم وآجالهم) أي: ما ينالهم من الرزق، والأرزاق جمع رزق، والرزق: هو كل ما يصل إلى الإنسان من نعمة الله ، يشمل هذا النعم الحسية والمعنوية، فيدخل في الرزق صلاح القلب واستقامة الحال، وصلاح العمل، والتقوى والإيمان، فهذا من رزق الله جل وعلا، ويدخل فيه ما يقوم به البدن، فرزق الله يشمل ما يقيم القلوب والأبدان، فكله يدخل في رزق الله. قال: (وآجالهم) أي: قدر أعمارهم وآجال أعمالهم، وآجال ما يكون منهم. (يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته) أي: هو في فعله جل وعلا بين الهداية والإضلال، لا يخرج عن الرحمة والحكمة.

стр. 128

شرح لمعة الاعتقاد [٩] القدر سر الله في خلقه، فمن رام البحث عنه وقع في الهاوية، ولهذا زاغ من زاغ وضل من ضل في هذا الباب بسب التعمق والبحث. فعلى كل مسلم أن يؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، سواء ظهرت له الحكمة في هذا الأمر أم لم تظهر.

стр. 129

وجوب الإيمان بالقدر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] ، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام:١٢٥] . روى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) رواه مسلم. وقال النبي ﷺ : (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره) ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت) ] يقول المؤلف ﵀ في صلة كلامه عما يتعلق بالقدر وما يجب من الإيمان به: (أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه) : وقد تكلمنا على هذا في الدرس السابق، وذكرنا عند قوله: (أراد ما العالم فاعلوه) أن ما يكون في هذا الكون من خير وشر، ومن صلاح وفساد، ومن طاعة ومعصية؛ كله مراد لله جل وعلا، يدخل في إرادته لا يخرج شيء عما أراده الله جل وعلا، وهذه الإرادة هي الإرادة الكونية الخلقية القدرية، أي: التي يصدر عنها خلق الله ويصدر عنها كل شيء، فهي تنتظم كل ما يكون في الكون. وقوله ﵀: (ولو عصمهم لما خالفوه) ؛ فيه بيان أن ما يكون من المعصية إنما هو بتقدير الله جل وعلا، ولو شاء لمنع العاصي من أن يعصيه، ولذلك قال ﵀: (ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه) ، وقد ذكر الله جل وعلا هذا في مواضع عديدة من كتابه، فذكر أنه لو شاء جل وعلا لهدى الناس جميعاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] ، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس:٩٩] ، فكل هذه الأدلة تدل على أن الله جل وعلا لو شاء هداية أهل المعصية وأهل الكفر لهداهم، لكن هذه المشيئة ليست حجة لهم على ما هم عليه من كفر وعصيان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف. والذي نريد أن نقرره الآن: أنه ما من شيء في الكون إلا بمشيئة الله ، ومعلوم أن الإيمان بأن مشيئة الله أحاطت بكل شيء، مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر، وقد ذكرنا المراتب في الدرس السابق، وقلنا: إن أولها: علم الله ثم كتابته ثم مشيئته ثم خلقه.

стр. 130

الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية قال ﵀: (وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام:١٢٥] ) هذه الآية فيها إثبات الإرادة لله جل وعلا، وهي هنا الإرادة الكونية الخلقية؛ لأن الله ذكر فيها إرادة الهداية وإرادة الضلال، وما الذي ينتظم هذين النوعين من الإرادة؟ الإرادة الكونية هي التي تنتظمهما؛ لأن هذه الإرادة يصدر عنها كل شيء يحدث في الكون من صلاح وفساد، وهداية وضلال، وخير وشر، فهذا النوع من الإرادة هو الذي يسمى بـ (الإرادة الكونية) وهي: بمعنى المشيئة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] ، فإنه مطابق لمعنى هذه الآية، حيث ذكر الله مشيئته للهداية ومشيئته للإضلال، وهنا ذكر إرادته للهداية وإرادته للإضلال، فالإرادة هنا هي المشيئة هناك، فيكون المعنى: ما من شيء في الكون إلا بإرادة الله ، وهذه الإرادة هي الكونية. الإرادة الثانية هي: الإرادة الشرعية، مثالها قوله تعالى: ﴿إنما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] . فهذه الإرادة المذكورة في هاتين الآيتين هي الإرادة الشرعية. وما الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؛ لأن هذه المسألة هي التي يسلم الإنسان بمعرفتها من الضلال فيما يتعلق بباب القدر؟ الإرادة الشرعية تتعلق بالمحبة والرضا، فلا يريد الله إلا ما يحبه ويرضاه، وأما الإرادة الكونية فلا تتعلق بمحبة الله ورضاه بل هي متعلقة بكل واقع في الكون من خير أو شر، ومن صلاح أو فساد وغير ذلك، هذا هو الفرق. وهناك فرق آخر بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وهو: أن الإرادة الشرعية غير لازمة الوقوع، فيحتمل أن لا تقع، فالله يريد من الناس أن يعبدوه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، فالعبادة مرادة لله من جميع الناس، ولكن هل حصلت منهم جميعاً؟ لم تحصل كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] ، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] أي: فمنهم مؤمن ومنهم كافر، فالإرادة الشرعية غير لازمة الوقوع، فقد تقع وقد لا تقع. فإذا قيل: من أي أنواع الإرادة أمر الله الناس بالصلاة؟ ف الجواب من الإرادة الشرعية؛ وكيف عرفنا أنها من الإرادة الشرعية؟ الجواب: لأنه مما يحبه الله ويرضاه؛ ولأنه قد لا يقع، فكثير من الناس لا يصلي كأهل الكفر وبعض من هو مسلم يترك الصلوات أو بعضها. والمقصود: أن الإرادة الشرعية تتميز بميزتين: أولاً: أنها محبوبة لله مرضية. ثانياً: أنها غير لازمة الوقوع. أما الإرادة الكونية فهي لا تتعلق بالمحبة، وإنما تتعلق بكل شيء في الكون، هذا فرق. والفرق الثاني: أنها لازمة الوقوع، فلابد أن تقع، ولا يمكن أن تتخلف.

стр. 131

الخلاف في عود الضمير في قوله تعالى: (نبرأها) والآية تضمنت إثبات جميع المراتب: الكتابة، والعلم، والمشيئة، والخلق: فقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] الضمير في قوله (نبرأها) للعلماء فيه أقوال: منهم من يقول إنه يعود إلى المصيبة، لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نبرأ المصيبة، أي: من قبل أن نوجدها، وهذا يدل على الخلق والمشيئة. وقيل: يعود الضمير على الأرض، فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نبرأ الأرض، وهذا يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) . القول الثالث في ضمير (نبرأها) : إنه يعود على الأنفس، أي: من قبل أن نبرأ الأنفس، أي: نخلقها، وهذا مطابق لحديث عبد الله بن عمرو ولحديث عبد الله بن مسعود ﵄، وغيرهما من الصحابة الذين أخبروا بالتقدير قبل الخلق، وأن الملك يؤمر بأربع كلمات، ثم ينفخ فيه الروح، وهذه الأربع الكلمات هي قبل الخلق؛ لأن نفخ الروح جاء بعدها، فأي هذه الأقوال الثلاثة أرجح؟ من حيث النظر أرجحها الأخير؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الأنفس قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] فأقرب مذكور هو الأنفس، وقال ابن القيم ﵀: إنه يصلح أن يكون الضمير عائداً إلى كل ما تقدم، ثم قال: وهو أحسن، فيكون قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: من قبل أن نخلق المصيبة، ومن قبل أن نخلق الأرض، ومن قبل أن نخلق الأنفس، وكل هذه المعاني صحيحة دل عليها الكتاب والسنة، فتحمل الآية على جميع هذه المعاني.

стр. 132

كل شيء بقدر ثم قال المؤلف ﵀ في الاستدلال لما تقدم من أن الله خالق كل شيء وأنه ما من شيء إلا بقضاء وقدر: (قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ) : (إنا) الضمير يعود إلى الرب جل وعلا، وتكلم الله بضمير الجمع، وهو يريد التعظيم لنفسه جل وعلا، (كل شيء) : يشمل كل شيء في هذا الكون، فكل شيء في هذا العالم قد خلقه الله بقدر، (بقدر) : الباء هنا سببية، ويمكن أن تكون للمصاحبة؛ يعني: أنه مع تقدير، وليس خالياً عن التقدير فهو متلبس بتقدير الله ، وقدر الله محيط به، وقد روى الإمام مسلم عن طاوس قال: (أدركت أناساً من أصحاب النبي ﷺ يقولون: كل شيء بقدر) ، وهذه حكاية لإجماع الصحابة على هذا. ثم قال ﵀: (وسمعت عبد الله بن عمر يقول: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) يعني: حتى الضعف وعدم إدراك ما تحب، والكيس، أي: الفطنة والذكاء وإدراك المطلوب، فكل شيء بقضاء وقدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وهذا إجماع أهل الإسلام. فقد دلت الأدلة في الكتاب والسنة ودل أيضاً إجماع سلف الأمة على أنه ما من شيء إلا بقضاء وقدر، وعلى هذا مضى أهل العلم وأئمة الدين، ولم يقع خلاف في ذلك إلا عند أن تكلم معبد الجهني فيما يتعلق بالقدر وأن الأمر أنف، وقد رد الصحابة ﵃ عليه كـ ابن عمر وواثلة بن الأسقع وغيرهما، فردوا على هذه الشبهة، وبينوا خطرها، وأنه لا يبلغ الإنسان الإيمان إلا بأن يسلم لله ويؤمن بالقدر. قال ﵀ في ذكر الأدلة: (وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] ) أي: خلق كل شيء مصاحباً للقدر، فليس هناك شيء بلا تقدير، فقد خلق كل شيء وقدر كل شيء تقديراً، وأكد القدر بذكر المصدر تأكيداً له وتقريراً لمعناه، وأنه لا شيء إلا بقدر، وأما الخلق فإنه لم يؤكد فقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان:٢] ، أما القدر فذكره مؤكداً لتقريره ولنفي شبه المعارضين الذين يقولون: إن الله جل وعلا لم يقدر بعض أفعال الخلق، وليس كل شيء بقضائه وقدره. ثم قال ﵀: (وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] ) . هذه الآية من الأدلة الدالة على ما تقدم من أنه ما من شيء في الكون من حركة وسكون يقع من الأنفس إلا بقضاء الله وقدره، يقول الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ) ، وهذا يشمل كل ما يصيب الإنسان وينزل به مما يفرح به ويسر، ومما يسوءه ويكدره، فكل شيء بقضاء وقدر، فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:٢٢] أي: أنه مكتوب، وهذا يدل على شيئين: على علم الله بهذا المصاب وبهذا النازل، وعلى أنه قد كتبه، وهذه الآية تدل على العلم وتدل على الكتابة.

стр. 133

خلق أفعال العباد قال ﵀: (خلق الله الخلق وأفعالهم) : خلق الله الخلق، أي: الأعيان، وأفعالهم: أي: ما يصدر عنهم من أعمال وأقوال وسائر ما يعد من كسبهم سواء كان ظاهراً أو مستتراً، فكله خلق الله جل وعلا كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، وسيأتي دليل ذلك في كلام المؤلف ﵀. قال: (وقدر أرزاقهم وآجالهم) : أرزاقهم، أي: أرزاق الخلق، وآجالهم: أي: أعمارهم، وتقدير الأرزاق والآجال هو على مراحل ومراتب، فالتقدير الكلي السابق هو الذي جرى به القلم لما قال الله جل وعلا له: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، كما في حديث عبادة وغيره، فهذا تقدير سابق، وجاء أيضاً في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (أن الله قدر مقادير الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) . وهناك أيضاً التقدير الذي يكون في الأرحام، وهو ما جاء به الخبر عن جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ قال: (إن الله يبعث ملكاً فيكتب أجل الإنسان وعمله ورزقه، وشقي أو سعيد) جاء هذا في حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث حذيفة وغيرهم. وقد اتفق سلف الأمة على أن الشقي من شقي في بطن أمه، أي: أن الشقاء يكتب قبل الخلق، وقد أشار حديث ابن مسعود الذي في صحيح مسلم إلى مراحل وأطوار الخلق، وما يكون من مجيء الملك لكتابة الأربع الكلمات التي تكون قبل خلق الإنسان. قال ﵀: (يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته) : وهذا يدل على أن ما يكون من هداية المهتدين ومن ضلال الضالين، إنما هو بمشيئة الله ، ومشيئته ليست مجردة عن حكمته بل كل ما شاءه فلحكمة، فهو الحكيم الخبير سبحانه وبحمده.

стр. 134

كل أفعال الله فيها حكمة ولكن قد تخفى على البعض قال المؤلف ﵀ في الاستدلال لما تقدم: (قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ) : (لا يسأل) أي: الله جل وعلا لا يُسأل عما يفعل، يعني: عما يكون منه من خلق وتقدير، (وهم يسألون) أي: الخلق يسألون، وفي هذه الآية نفي السؤال عن الله ، فلماذا: هل لكونه يفعل لغير حكمة؟ الجواب لا، وإنما (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) هذا لكمال حكمته وعلمه جل وعلا، وأنه يضع الأشياء في مواضعها، وأنه ليس في فعله خلل ولا عبث ولا فساد حتى يسأل عنه، بل فعله في غاية الحكمة، فله فيما يقضي ويقدر الحكمة البالغة، هذه الحكمة قد يدركها الإنسان بنظره وفكره وتدبره، وقد يحال بينه وبين إدراكها، لكن امتناع الحكمة من أن تدرك ومن أن يعقلها الإنسان لا يدل على أنه ليس لهذا الفعل حكمة أو ليس لهذا القضاء أو هذا القدر حكمة، بل لابد له من حكمة، لكن هذه الحكمة قد تخفى ولا تدرك. فقوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] هذا لكمال حكمته جل وعلا وعلمه وأن ما يفعله ليس فيه خلل ولا عبث، وأنه جل وعلا يضع الأشياء في مواضعها، خلافاً لمن استدل بهذه الآية على نفي التعليل، فقال: إن الله يفعل لا لحكمة. وهذا لجهلهم بكلام الله وصفاته وما يجب له، لأن المؤمن يدرك أن الله جل وعلا حكيم كما وصف نفسه بذلك، وحكمته لا تقتصر على شيء من فعله جل وعلا أو من قضائه وقدره، بل هي منتظمة جميع أفعاله، وجميع أقضيته، وجميع ما يقدره الله جل وعلا. وهذه الآية بدأ بها المؤلف في بداية الأدلة الدالة على ما تقدم من الكلام لبيان أنه يجب على الإنسان إذا عجز عن إدراك الحكمة في قضاء الله ألا يعارض القدر، بل يجب أن يسلم للقدر، فالقدر سر الله في خلقه، لم يُطْلِع عليه ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، فإذا عجز الإنسان عن إدراك شيء مما يقضيه الله ويقدره، فالواجب عليه أن يسلم وألا يتهم الله جل وعلا بظلم أو بشيء من ذلك، بل يجب عليه أن يعتقد كمال الرب وأن يتهم نفسه، وأنه جل وعلا لعلمه وحكمته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولذلك لما جاء ابن الديلمي إلى أبي بن كعب وقال له: (إن في نفسي شيئاً من القدر) قال له مبتدئاً الجواب: (لو أن الله عذب أهل سماواتته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته أوسع لهم وأفضل لهم) . فالواجب على المؤمن فيما يتعلق بالقدر إذا وقع في قلبه شيء أن يطلب حله من كلام الله وكلام رسوله ومن سؤال أهل العلم، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] فإن لم يجد جواباً فالواجب عليه أن يرد هذا الاشتباه إلى ما يعلمه من عظيم صفات ربه، وأنه الحكيم العليم الخبير الذي لا يظلم الناس شيئاً، وأن يعلم أن قدر الله من جملة ما يدخل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فإنه ليس كمثله شيء في شأن من شئونه، فإذا اعتقد العبد أنه ليس كمثل ربه شيء، فإنه ينحل ما قد يورثه الشيطان أو ما يوسوسه الشيطان من انتفاء الحكمة أو وجود الظلم أو ما أشبه ذلك في شيء من أقضية الله وقدره، وليكن على باله قول الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .

стр. 135

الكلام على خلق الشر وتقديره بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] ، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام:١٢٥] . روى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) رواه مسلم. وقال النبي ﷺ : (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره) ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت) ] يقول المؤلف ﵀ في صلة كلامه عما يتعلق بالقدر وما يجب من الإيمان به: (أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه) : وقد تكلمنا على هذا في الدرس السابق، وذكرنا عند قوله: (أراد ما العالم فاعلوه) أن ما يكون في هذا الكون من خير وشر، ومن صلاح وفساد، ومن طاعة ومعصية؛ كله مراد لله جل وعلا، يدخل في إرادته لا يخرج شيء عما أراده الله جل وعلا، وهذه الإرادة هي الإرادة الكونية الخلقية القدرية، أي: التي يصدر عنها خلق الله ويصدر عنها كل شيء، فهي تنتظم كل ما يكون في الكون. وقوله ﵀: (ولو عصمهم لما خالفوه) ؛ فيه بيان أن ما يكون من المعصية إنما هو بتقدير الله جل وعلا، ولو شاء لمنع العاصي من أن يعصيه، ولذلك قال ﵀: (ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه) ، وقد ذكر الله جل وعلا هذا في مواضع عديدة من كتابه، فذكر أنه لو شاء جل وعلا لهدى الناس جميعاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] ، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس:٩٩] ، فكل هذه الأدلة تدل على أن الله جل وعلا لو شاء هداية أهل المعصية وأهل الكفر لهداهم، لكن هذه المشيئة ليست حجة لهم على ما هم عليه من كفر وعصيان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف. والذي نريد أن نقرره الآن: أنه ما من شيء في الكون إلا بمشيئة الله ، ومعلوم أن الإيمان بأن مشيئة الله أحاطت بكل شيء، مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر، وقد ذكرنا المراتب في الدرس السابق، وقلنا: إن أولها: علم الله ثم كتابته ثم مشيئته ثم خلقه.

стр. 136

نسبة الشر إلى الله لكن يبقى السؤال هل الشر في فعل الله أو في مفعوله، يعني: في مقضيه وما يقدره؟ الجواب ليس في فعله شر بالكلية، ودليل هذا ما رواه الإمام مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ في دعاء الاستفتاح الذي كان يقوله النبي ﷺ في صلاته: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين وفيه: لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) فقال النبي ﷺ في الثناء على ربه: (والشر ليس إليك) ، أي: لا ينسب إليك، ويفهم هذا من قوله: (والخير كله في يديك) ، فإذا كان الخير كله في يديه فإنه لا ينسب إليه الشر، ولا يوصف به، ولذلك فالشر في كلام الله وفي كلام رسوله ﷺ لا يضاف إلى الله جل وعلا، بل إما أن يضيفه الله للمخلوق المقضي المقدر، من ذلك قول الله تعالى في سورة الفلق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١-٢] أي: من شر الذي خلقه الله، فأضاف الشر للمخلوق، ومنه أيضاً هنا: (وقني شر ما قضيت) ، فأضاف الشر للمخلوق في سورة الفلق، وأضافه في هذا الحديث للمقضي، حيث أتى ذكر الشر دون ذكر فاعله في كلام الله مع التصريح بأن الخير من الله، فلا يضاف إليه الشر. ومنه قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦-٧] ، ثم قال في المغضوب عليهم والضالين: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ، فلم يذكر فاعل ذلك وذكر المفعول والواقع، وهو الغضب والضلال. ويذكر الشر على وجه الإجمال، أي: يندرج في غيره ولا يكون منصوصاً عليه، مثل قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] ومنه قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فلا يشك مؤمن يدرك معاني كلام الله وما كان عليه السلف الصالح من مفهوم هذه الآية أن الشر مندرج في هذه الآية لعموم قوله: (كُلَّ شَيْءٍ) فكل شيء من خلق الله . إذاً: ليس في كلام الله ولا كلام الرسول ﷺ إضافة الشر إلى الرب جل وعلا، وإنما يرد على هذه الصيغ أو الصور التي ذكرناها قبل قليل، فالشر ليس من فعله، إنما يكون في المقضي المقدر، وإنما أضفناه للمقضي المقدر لأنه شر، فالمرض شر، والمعصية شر، ولكنها شر نسبي وليس شراً محضاً، فهي شر من جهة وخير من جهة: شر من جهة المخالفة أو من جهة ما يلحق الإنسان من ضرر، وأما ما يترتب على وجود هذه الأشياء، فإنه يترتب على وجودها الحكمة البالغة والرحمة الواسعة، فمراد المؤلف ﵀ في سياق هذه الآيات والأحاديث هو تقرير أن القدر يشمل الصلاح والفساد، ويشمل الخير والشر، ويشمل الطاعة والمعصية. وحديث الحسن بن علي ﵁ رواه الخمسة ونبه ابن حبان وابن خزيمة إلى أن لفظ: (في قنوت الوتر) في قول الحسن: (علمني رسول الله ﷺ دعاءً أقوله في قنوت الوتر) زيادة تفرد بها أبو إسحاق السبيعي وخالفه فيها شعبة، وشعبة أحفظ من أبي إسحاق، والبون بينهما شاسع، ولذلك رجح جماعة من العلماء رواية شعبة على رواية أبي إسحاق، ورواية شعبة ليس فيها ذكر القنوت، إنما قال: (علمني النبي ﷺ دعاءً) وليس فيه أنه يقال في الوتر، ولكن جاء عند النسائي من طريق ثانية: أن النبي ﷺ علمه في دعاء الوتر، فيعضد ما ذكره أبو إسحاق السبيعي عن بريد ابن أبي مريم، فيصح ما ذهب إليه الجمهور من أن هذا الدعاء يقال في قنوت الوتر. والله تعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 137

خلق الله للشر وتقديره له قال: (روى ابن عمر أن جبريل قال للنبي ﷺ : (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر بالقدر خيره وشره)) الشاهد في هذا الحديث قوله: (وبالقدر خيره وشره) ، والحديث مشهور من حديث عمر ﵁ في الصحيحين وغيرهما. وفيه وجوب الإيمان بالقدر، لقوله: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره) ، وفيه أيضاً فائدة تدل على ما تقدم من شمول التقدير لكل ما يكون في الكون وهي في قوله: (خيره وشره) فالقدر -وهو: ما يقضيه الله جل وعلا- يكون فيه خير ويكون فيه شر، قال ﷺ : (وتؤمن بالقدر خيره وشره) . وقوله ﷺ : (آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره) ، هذا الحديث رواه الحاكم في كتابه علوم الحديث، وهو مثال للحديث المسلسل؛ لأن النبي ﷺ أخذ بلحيته وذكر الحديث، وراوي الحديث أنس بن مالك أخذ بلحيته عند حكاية قول النبي ﷺ عند قوله: (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره) ، وهكذا تسلسل هذا الوصف في الرواة، إلا أن الحديث فيه ضعف؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي وهو ضعيف. وعلى كل حال فالشاهد من هذا الحديث قوله: (خيره وشره وحلوه ومره) ، وهذا يفيد ما أفاده حديث عمر ﵁ في الصحيحين وفيه قوله: (وبالقدر خيره وشره) . قال: (ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت) . المقصود من سياق هذا الحديث أن القدر ينتظم الشر، فالشر صادر عن تقدير الله، وليس خارجاً عن قدر الله لعموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] والآيات الدالة على أن القدر يشمل الخير والشر كثيرة.

стр. 138

شرح لمعة الاعتقاد [١٠] أفعال العباد من الطاعات والمعاصي كلها مخلوقة لله ، ولكن ليس في ذلك حجة للعاصي على فعل المعصية؛ لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فعلى المسلم أن يجتنب المعاصي كلها، وألا يتذرع ويحتج بالقدر على فعل المعاصي، فإن هذا هو مسلك الشيطان وأهل الشرك ومن تبعهم من الجبرية، وقد رد الشيخ عليهم، وبين وجه الضلال في مذهبهم.

стр. 139

حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنتهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ، ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] ، فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً يُجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره] . فهذا له صلة بما تقدم من البحث في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالقدر. يقول ﵀: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإرسال الكتب وبعثة الرسل) . في هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ إبطال احتجاج أهل المعصية والكفر على ما هم عليه أو على ما هم فيه من معصية الله والكفر به.

стр. 140

الأدلة على أن للعبد مشيئة واختياراً فقوله ﵀: (وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة) واضح، وأما أدلة هذا فذكر المؤلف ﵀ منها: (قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ) أي: طاقتها، أي: ما تتسعه من العمل فعلاً وإيجاداً وتركاً واجتناباً، فالله جل وعلا لا يكلف نفساً إلا ما تقدر عليه وما تستطيعه. قال المؤلف ﵀: (وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ) ، وتقوى الله هي: فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، فالأمر وهو إيجاد المطلوب، والنهي وهو ترك المحرم كله ينتظمه قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] أي: اتقوا الله ما قدرتم وتمكنتم من ذلك. قال ﵀: (وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] ) وهذا فيه أن ما يكون من الإنسان هو كسبه وعمله، وأنه يجازى على هذا الكسب والعمل يوم القيامة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] أي: تجازى بما عملت وبما قدمت، فلا يظلم صاحب الطاعة بنقص طاعته، ولا يظلم صاحب المعصية بالزيادة عليه في إساءته ومعصيته. قال ﵀: (فدل-أي: دل ما تقدم- على أن للعبد فعلاً وكسباً) ، أي: أثراً في إيجاد فعله، واختياراً في إيجاد فعله، وكسباً، فينسب إليه ما يكون من العمل. قال المؤلف ﵀: (يُجزى على حسنه -يعني: من الفعل والكسب- بالثواب، وعلى سيئه-يعني: من الفعل والكسب- بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره) ، أي: ما يكون من فعله وكسبه، من حسناته وسيئاته، فكل ذلك واقع بقضاء الله وقدره، فيجتمع في هذا كمال الإيمان وكمال العبودية لله ، حيث يؤمن العبد بالشرع ويعمل ويصدق ويؤمن بالقدر، وبه ينتظم إيمانه ويستقيم إسلامه، ولا قرار للإيمان إلا بهذا، وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف ﵀ فيما يتعلق بالإيمان بالقدر.

стр. 141

موقف القدرية من القدر يقابل هؤلاء القدرية وهم الذين نفوا خلق الله لأفعال العباد، وهؤلاء حادوا وانحرفوا عن الصراط المستقيم، وخالفوا هدي سيد المرسلين ﷺ ، وما عليه الصحابة وأئمة الدين، لكنهم في البدعة أخف من الجبرية الذين احتجوا بالقدر على إبطال الشرع فهؤلاء عندهم تعظيم للأمر والنهي، وعندهم تعظيم للشريعة، بخلاف أولئك الذين أبطلوا الشرائع وأهدروها وليس لها عندهم قيمة؛ لأنه ما من شيء في الكون إلا محبوب لله، فإذا كان كل ما في الكون محبوب لله فقد بطل الشرع وبطل الدين، ولا حاجة إلى الشرائع ولا حاجة إلى بعثة الرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا إلى الخلق مبشرين ومنذرين.

стр. 142

الرد على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي يقول المؤلف ﵀: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة في ترك أوامره واجتناب نواهيه) . والحجة هي: كل ما يحتج به الخصم من حق أو باطل، فليس من لازم الحجة أن تكون حقاً، بل قد تكون باطلاً، فالحجة إذا كانت باطلاً فهي حجة زاهقة ذاهبة مضمحلة داحضة، وإذا كانت حقاً فهي برهان وبينة. فقوله ﵀: (فلا نجعل قضاء الله وقدره حجة) أي: لا نجعلها مما يحتج به في المخاصمة، ولا نجعلها حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، كما فعل الجبرية الذين قالوا: إن المحبوب هو ما قدره الله وقضاه، فأبطلوا الشرع باحتجاجهم بالقدر. يقول ﵀: (بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل) أي: علينا الحجة البالغة التي ينقطع بها العذر بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ، أي: فقد بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين حتى لا يبقى للناس على الله حجة يحتجون بها ويتذرعون بها على ما هم فيه من كفر، وعلى ما هم عليه من عدم التوحيد. ومما ينبغي التنبه له أن بطلان الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع مستقر في الفطر وأنه مما اتفقت عليه الأمم، فإن الأمم متفقة على أنه لا يسوغ إبطال الشرائع بكون الأمر قد قضاه الله وقدره، وقد ذكر أئمة هذا الدين وعلماء المسلمين أوجهاً كثيرة لإبطال الاحتجاج بالقدر، وهي حجة قد يحتج بها كثير من العصاة على تسويغ ما هم عليه من باطل، وعلى مضيهم فيما هم فيه من مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ . وهذه بعض الأوجه التي يستدل بها على بطلان الاحتجاج بالقدر في إبطال الشريعة وفي عدم العمل بها: أول هذه الأوجه: أنه يلزم من احتج بالقدر على ترك الواجب وفعل المحرم أن يسوغ كل فساد يقع عليه من غيره، فكل من احتج بالقدر على إبطال الشريعة يقال له: قم صل، وافعل ما أمرك الله أن تفعل، أو اترك ما نهاك الله عنه، فإن قال: ما كتب الله لي، أو هذا أمر قدره الله علي؛ فإن من لازم حجته أن يقال له: كل ظلم يقع عليك في مالك أو أهلك أو نفسك فإنه يجب عليك أن تقبله وألا تنكره؛ لأن الناس يشتركون جميعاً في كونهم تحت قدر الله ، لا خروج لهم ولا قدرة لهم على أن ينفكوا عن قضاء الله وقدره، فإنه إذا كان ذلك فإنه لا يسوغ لك أن تنكر ظلم الظالم لك؛ لأن ظلم الظالم لك هو بقدر الله ، وهذا مما لا يقبله أحد مهما كان، حتى لو كان محتجاً بالقدر في إسرافه ومعصيته فإنه إذا جاء عند هذه المسألة لا يمكن أن يقبل الاحتجاج بالقدر، بل يرد الاحتجاج بالقدر ليأخذ حقه وليرفع عن نفسه الظلم في ماله أو أهله أو أي شيء من شئونه. إذاً: هذا هو الوجه الأول من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع. الوجه الثاني من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع؛ أن من لازم ذلك أن كل من أخبر الله عنهم من أهل الكفر وأوعدهم بالهلاك أو أوقع عليهم هلاكاً، أنهم في الحقيقة معذورون، فإذا كانوا معذورين فلماذا يعذبهم الله جل وعلا، فإنه بعث الرسل لقطع العذر، فلم ينفع بعث الرسل لهؤلاء؛ لأنهم كذبوا وخالفوا وأوقع الله عليهم من العذاب والعقاب ما ذكره الله جل وعلا في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ ، وأجمعت عليه الأمم، فدل ذلك على أن الاحتجاج بالقدر باطل؛ لأنه لو لم يكن باطلاً لكان إبليس وفرعون وقوم نوح وغيرهم من الأمم التي أخبر الله بإهلاكها وعقابها لكانوا معذورين فيما هم فيه من الكفر؛ لأنه بقضاء الله وقدره. الوجه الثالث من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر: أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الأمر والنهي وعلى إبطال الشريعة، يفضي إلى التسوية بين أولياء الله وبين أعدائه؛ لأن المميز والفارق بين أعداء الله وبين أوليائه أن هؤلاء امتثلوا الأمر فكانوا أولياء لله ، وأن هؤلاء عصوا الله وخالفوا أمره فكانوا أعداءً له جل وعلا، فإذا كان الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة صحيحاً، فإن من لازم ذلك أن يلغى التفريق بين المؤمنين والكفار، وبين الأعمى والبصير، وبين المهتدي والضال، وقد جاء في كتاب الله في مواضع كثيرة ذكر الفرق بين هؤلاء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:١٩-٢١] . ولو كان القدر حجة للفريقين على ما هم فيه لانتفى الفرق ولاستوى هؤلاء جميعاً، وقد قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ، وهذا استفهام فيه إنكار التسوية بين هذين الفريقين. الوجه الرابع من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على الشريعة: ما جاء من حديث علي بن أبي طالب في الصحيحين قال: قال ﷺ : (ما من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة وعلم مقعده من النار. فقال بعض الصحابة: ففيمَ العمل يا رسول الله؟! أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . فلم يجعل النبي ﷺ القدر مسوغاً لترك العمل، بل لما قالوا له: أفنتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال لهم ﷺ : (اعملوا) ولم يقل: اتركوا، أو: اعتمدوا على الكتاب، أو: اعتمدوا على التقدير وإنما قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . وكذلك جاء في حديث سراقة بن مالك في صحيح الإمام مسلم أن رجلاً سأل النبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ فقال النبي ﷺ : بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، فقال رجل: ففيمَ العمل؟ فقال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وهذا يبين لنا أن الاحتجاج بالقدر من أبطل ما يكون في إبطال الشرائع، أي: أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة وعدم العمل بها وإهدار الأمر والنهي من أفسد ما يكون؛ لقول النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . ومن أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر أيضاً: أنه لو كان القدر حجة على إبطال الشريعة لما عذب الله أحداً في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لو عذبهم مع كون القدر حجة لهم لكان ظالماً لهم، حيث إنه لم يمض ما هو حجة، لكن لما كان القدر ليس حجة في إبطال الشريعة عذب الله من خالف أمره، وجعل المخالفة سبباً للعقوبة. وبعد هذا العرض الموجز لبعض الأوجه التي يتبين بها فساد الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة وترك العمل، نعلم علماً يقيناً لا يخالطه ريب ولا شك أن أهل السنة والجماعة على حق في هذا، وأنهم وسط بين الفريقين المختلفين: بين من ألغى قدر الله وقدرته على خلق أفعال العباد، وبين من ألغى قدرة الإنسان واختياره فيما يكون منه وما يصدر عنه. قال ﵀: (ونعلم أنه سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك) . وهذا أيضاً يضاف إلى الأوجه التي يبطل بها الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة. فنعلم أنه سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، أي: المستطيع على القيام بما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، وأنه لم يجبر أحداً على المعصية، أي: ليس هناك إجبار على المعصية، بل العاصي يعصي الله جل وعلا بإرادته واختياره، وكون الله جل وعلا علم ذلك وكتبه وشاءه وخلقه، لا ينافي اختيار العبد، بل العبد مختار لما يفعل ولما يقع منه من معصية الله في ترك الواجبات ومواقعة المنهيات والمحرمات، فالعبد ليس مجبوراً على معصية الله ، بل له الاختيار التام في طاعة الله والتزام شرعه، وفي معصيته والإعراض عن دينه، ولذلك رتب الله العقاب والثواب على امتثال الأمر وترك النهي، فمن امتثل فاز بالفضل، ومن أعرض وتنكب وواقع ما حرم الله استحق العقوبة. قال ﵀: (ولا اضطره إلى ترك الطاعة) أي: ما اضطره الله جل وعلا إلى ترك طاعة، بل معصية العاصي هي بفعله ومشيئته واختياره، وطاعة الطائع هي بمشيئته واختياره؛ ولذلك إذا وقعت المعصية إكراهاً لم تترتب عليها العقوبة، حتى لو كانت هذه المعصية أكبر ما يكون من المعصية ألا وهي الكفر، كما قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ، فإن الله استثنى من المؤاخذة من أكره وكان منشرح الصدر بالإيمان ومطمئن القلب بحقائق الإسلام، فإنه لا يؤاخذ على ما يكون منه، فدل ذلك على أن الإكراه يخرج الإنسان عن التكليف.

стр. 143

احتجاج الجبرية على المعاصي بالقدر وذلك أن القدر انقسم الناس من حيث الإيمان به إلى طوائف: فطائفة غلت في إثبات القدر، وجعلت كل ما يكون من الإنسان وما يقع في هذا الكون محبوباً لله مرضياً، فكل ما في الكون هو محبوب لله جل وعلا عندهم، وهو فعله ومشيئته، ولا فعل للإنسان ولا مشيئة ولا إرادة، فألغوا فعل الإنسان ومشيئته واختياره وإرادته، وقالوا: كل ما في الكون إنما هو فعل الله ولا فعل لغيره، ومشيئة الله ولا مشيئة لغيره، فاحتجوا بالقدر وبما يقع من قضاء الله وقدره على أمره ونهيه ودينه وشرعه، فجعلوا القدر حجة لإبطال الشرع، وهؤلاء إمامهم فيما ذهبوا إليه إبليس، حيث قال كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] ، فأضاف الإغواء إلى الله ، واحتج بإغواء الله له جل وعلا وعدم هدايته على فعل نفسه، وعلى صحة ما هو عليه، فزاده ذلك من الله جل وعلا بعداً وعذاباً. وقد سلك هذا المسلك أهل الشرك أيضاً: فاحتجوا بالقدر على معصية الله ، كما قال الله عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام:١٤٨] ، فأخبر الله جل وعلا عما سيقوله المشركون من أن ما يقع منهم من الشرك وتحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله؛ أن ذلك واقع منهم بمشيئة الله ، فاحتجوا بالقدر والقضاء على مخالفة أمر الله جل وعلا في توحيده وإفراده بالعبادة، وقد كذَّبهم الله جل وعلا في ذلك. كما أن هذه الحجة هي حجة أهل التفريط والتقصير الذين أسرفوا على أنفسهم يوم القيامة، فإن مما ذكر الله جل وعلا من أقوالهم: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] ، فلم ينفعهم ذلك في دفع عذاب ولا رفع عقاب، وقد قال أهل الشرك كذلك: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ [النحل:٣٥] ، ولما دعاهم جل وعلا وأمرهم بالإنفاق والإطعام والصدقة قالوا كما قال تعالى حاكياً عنهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] فاحتجوا بالقدر على إبطال الأمر والنهي وعلى إبطال الشرع، وهذا من أخبث وأخطر الأقوال وأرداها؛ لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة.

стр. 144

النقض على الجبرية في احتجاجهم بمحاجة آدم وموسى ومما ينبه إليه في مسألة الاحتجاج بالقدر على المعصية هو أن الجبرية الذين غلوا في إثبات القدر، وجعلوا القدر، حجة على إبطال الشريعة، يستدلون بما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ في محاجة موسى آدم، حيث قال النبي ﷺ : (حج آدم موسى، فإن موسى قال سائلاً الرب جل وعلا: أرنا أبانا الذي أخرجنا من الجنة، فلما رآه قال: يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لمَ خرجت وأخرجتنا من الجنة؟ فقال آدم ﵇ لموسى: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله بتكليمه فكلمك، وكتب لك التوراة بيده، بكم وجدت ذلك مكتوباً علي قال: بأربعين سنة، قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى) ، هذا الحديث يحتج به الذين يقولون: إنه يسوغ أن يحتج بالقدر على المعصية؛ قالوا: إن آدم رد على موسى بأن الله كتب عليه المعصية، حيث قال له: فبكم وجدت مكتوباً علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى؟. والصحيح أنه لا حجة لهم في هذا الحديث على ما ذهبوا إليه من الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع؛ لأن الموضوع والمحاجة بين آدم وموسى: هل هي في المعصية أم في المصيبة وهي الإخراج من الجنة؟ وهل قال: يا آدم! لمَ عصيت الله وأكلت من الشجرة، أو قال له: لمَ أخرجتنا؟ الجواب أن المحاجة والمناقشة وقعت في المصيبة التي ترتبت على وقوع المعصية وهي الإخراج من الجنة، فأجاب آدم بأن المصيبة من قدر الله ، وهذا لا يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة من أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، فإذا نزلت بالإنسان مصيبة احتج بالقدر، ومن ذلك قول النبي ﷺ المروي في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) ، وقال النبي ﷺ : (استعن بالله ولا تعجز، فإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، أو قدّر الله وما شاء فعل) ، فكان الاحتجاج بالقدر على المصيبة. ولذلك إذا أصابك شيء مما تكره؛ ففاتك خير أو نزل بك ضر، فإنك تقول: قدر الله وما شاء فعل، فدل هذا على أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، وهذا إجماع من أهل السنة والجماعة ولا خلاف بينهم فيه، لكن هل يسوغ لأحد أن يحتج بالقدر على المعصية؟ الجواب: لا. فآدم ﵇ احتج بالقدر على الإخراج -وهي المصيبة التي نزلت به وببنيه- لا على المخالفة، وهذا هو الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀ ورجحه، وأبطل سائر ما ذكر من الأوجه في إبطال المحاجة؛ لأن من العلماء من قال: إن آدم حج موسى لكونه أباه أو غير ذلك من الأوجه. المهم أن هذا هو أرجح الأقوال، وابن القيم ﵀ سلك مسلكاً آخر فقال بعد أن ذكر كلام شيخه: ويكون هناك وجه آخر يصلح أن يكون جواباً في هذه المحاجة وهو: أن آدم ﵇ إنما احتج بالقدر على المعصية بعد أن وقعت وتاب منها. فيقول ﵀: فيجوز للإنسان إذا وقعت منه معصية وتاب الله عليه منها أن يحتج بالقدر إذا عاتبه أحد. فمثلاً: إنسان أسرف على نفسه بشرب الخمر وسائر ألوان المعاصي ثم تاب، فجاءه شخص وقال: أنت ما فيك خير، وأنت شارب خمر، وأنت سراق، وما أشبه ذلك، فله أن يقول: ذلك بقدر الله؛ لأنه في الحقيقة بقدر الله، فساغ الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها، وهذا هو الذي وقع من آدم، فإنه ما احتج بالقدر - على ما وجه ابن القيم ﵀ على الاستمرار والمضي في المعصية، وإنما احتج بالقدر على أنها قد وقعت وانتهت فلا تعيرني بها، ومن تاب تاب الله عليه، والتوبة تجب ما قبلها، فبطل احتجاجهم بهذا الحديث على مسألة الاحتجاج بالقدر في إبطال الشريعة. وإنما أطلنا في هذا وبينا أوجه إبطال وإفساد احتجاجهم بالقدر على إبطال الشريعة الإسلامية؛ لأن كثيراً ممن ابتلوا بالتصوف يحتجون بالقدر على أخطائهم، وكثير ممن يسرفون على أنفسهم في المعاصي إذا أمروا بالمعروف أو نهوا عن المنكر قالوا: ما قدر الله لنا الطاعة، وما هدانا الله لترك المعصية، وما أشبه ذلك من الحجج الباردة التي يبطلون بها الشريعة.

стр. 145

ذكر الكسب ليس مختصاً بالأشعرية قول المؤلف ﵀: (فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً) . انتقد هذا بعض أهل العلم فقال: إن هذا فيه شائبة أشعرية حيث قال: فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً، والصحيح أن كلام المؤلف ليس عليه مؤاخذه، وأنه سالم وجارٍ على طريقة أهل السنة والجماعة، وذكر الكسب ليس دليلاً على أشعرية المؤلف؛ لأن الكسب قد ذكره الله تعالى فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] ، وقد ذكر المؤلف ﵀ هذه الآية قبل ذكر الكسب، ففهم من الكسب ما دلت عليه الآية من أنه فعل الإنسان الذي يكون باختياره وإرادته ومشيئته. أما الأشعرية فلهم في القدر قول عجب خالفوا به الناس، حيث قالوا: إن أفعال الخلق كسب لهم وليس لهم عليها قدرة، وهذا القول لا نطيل فيه؛ لأنه من الأقوال المستبشعة والمستغربة والتي لا حقيقة لها ولا معنى لها؛ ولذلك فهم يرجعون إلى أنهم يقولون بقول الجبرية، فهم يقولون: إن فعل العبد كسب له لكن لا قدرة له عليه، وهذا لا يمكن أن يكون. إذ كيف يكون فعله كسباً له ولا قدرة له عليه؟! فمن قال: إن كلام المؤلف هنا فيه شائبة أشعرية أو فيه إيهام أو إبهام، ففي قوله نظر وتكلف؛ لأن المؤلف ﵀ ذكر هذا بعد ذكر الآية التي فيها الكسب وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] ، فيكون معنى الكسب الذي ذكره هو ما دلت عليه الآية، وبهذا يكون قد انتهى ما يتعلق بمسائل القدر في هذا الفصل، وينبغي للمؤمن أن يقر قلباً وأن يقر فؤاداً بأن الله جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ، وكما قال : ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] فإذا استقر في قلب العبد هذا اطمأن من أن يقع ظلم من الله أو تعارض بين الشرع والقدر، بل الأمر كله لله جل وعلا يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، والعبد له اختيار ومشيئة وإرادة، ومشيئته وإرادته لا تخرج عما قدره الله وعلمه وكتبه وشاءه وخلقه. والله تعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →