Полный текст (265 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
موقف القدرية من القدر
يقابل هؤلاء القدرية وهم الذين نفوا خلق الله لأفعال العباد، وهؤلاء حادوا وانحرفوا عن الصراط المستقيم، وخالفوا هدي سيد المرسلين ﷺ ، وما عليه الصحابة وأئمة الدين، لكنهم في البدعة أخف من الجبرية الذين احتجوا بالقدر على إبطال الشرع فهؤلاء عندهم تعظيم للأمر والنهي، وعندهم تعظيم للشريعة، بخلاف أولئك الذين أبطلوا الشرائع وأهدروها وليس لها عندهم قيمة؛ لأنه ما من شيء في الكون إلا محبوب لله، فإذا كان كل ما في الكون محبوب لله فقد بطل الشرع وبطل الدين، ولا حاجة إلى الشرائع ولا حاجة إلى بعثة الرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا إلى الخلق مبشرين ومنذرين.
стр. 142
الرد على من يحتج بالقدر على فعل المعاصي
يقول المؤلف ﵀: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة في ترك أوامره واجتناب نواهيه) .
والحجة هي: كل ما يحتج به الخصم من حق أو باطل، فليس من لازم الحجة أن تكون حقاً، بل قد تكون باطلاً، فالحجة إذا كانت باطلاً فهي حجة زاهقة ذاهبة مضمحلة داحضة، وإذا كانت حقاً فهي برهان وبينة.
فقوله ﵀: (فلا نجعل قضاء الله وقدره حجة) أي: لا نجعلها مما يحتج به في المخاصمة، ولا نجعلها حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، كما فعل الجبرية الذين قالوا: إن المحبوب هو ما قدره الله وقضاه، فأبطلوا الشرع باحتجاجهم بالقدر.
يقول ﵀: (بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل) أي: علينا الحجة البالغة التي ينقطع بها العذر بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ، أي: فقد بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين حتى لا يبقى للناس على الله حجة يحتجون بها ويتذرعون بها على ما هم فيه من كفر، وعلى ما هم عليه من عدم التوحيد.
ومما ينبغي التنبه له أن بطلان الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع مستقر في الفطر وأنه مما اتفقت عليه الأمم، فإن الأمم متفقة على أنه لا يسوغ إبطال الشرائع بكون الأمر قد قضاه الله وقدره، وقد ذكر أئمة هذا الدين وعلماء المسلمين أوجهاً كثيرة لإبطال الاحتجاج بالقدر، وهي حجة قد يحتج بها كثير من العصاة على تسويغ ما هم عليه من باطل، وعلى مضيهم فيما هم فيه من مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ .
وهذه بعض الأوجه التي يستدل بها على بطلان الاحتجاج بالقدر في إبطال الشريعة وفي عدم العمل بها: أول هذه الأوجه: أنه يلزم من احتج بالقدر على ترك الواجب وفعل المحرم أن يسوغ كل فساد يقع عليه من غيره، فكل من احتج بالقدر على إبطال الشريعة يقال له: قم صل، وافعل ما أمرك الله أن تفعل، أو اترك ما نهاك الله عنه، فإن قال: ما كتب الله لي، أو هذا أمر قدره الله علي؛ فإن من لازم حجته أن يقال له: كل ظلم يقع عليك في مالك أو أهلك أو نفسك فإنه يجب عليك أن تقبله وألا تنكره؛ لأن الناس يشتركون جميعاً في كونهم تحت قدر الله ، لا خروج لهم ولا قدرة لهم على أن ينفكوا عن قضاء الله وقدره، فإنه إذا كان ذلك فإنه لا يسوغ لك أن تنكر ظلم الظالم لك؛ لأن ظلم الظالم لك هو بقدر الله ، وهذا مما لا يقبله أحد مهما كان، حتى لو كان محتجاً بالقدر في إسرافه ومعصيته فإنه إذا جاء عند هذه المسألة لا يمكن أن يقبل الاحتجاج بالقدر، بل يرد الاحتجاج بالقدر ليأخذ حقه وليرفع عن نفسه الظلم في ماله أو أهله أو أي شيء من شئونه.
إذاً: هذا هو الوجه الأول من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع.
الوجه الثاني من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع؛ أن من لازم ذلك أن كل من أخبر الله عنهم من أهل الكفر وأوعدهم بالهلاك أو أوقع عليهم هلاكاً، أنهم في الحقيقة معذورون، فإذا كانوا معذورين فلماذا يعذبهم الله جل وعلا، فإنه بعث الرسل لقطع العذر، فلم ينفع بعث الرسل لهؤلاء؛ لأنهم كذبوا وخالفوا وأوقع الله عليهم من العذاب والعقاب ما ذكره الله جل وعلا في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ ، وأجمعت عليه الأمم، فدل ذلك على أن الاحتجاج بالقدر باطل؛ لأنه لو لم يكن باطلاً لكان إبليس وفرعون وقوم نوح وغيرهم من الأمم التي أخبر الله بإهلاكها وعقابها لكانوا معذورين فيما هم فيه من الكفر؛ لأنه بقضاء الله وقدره.
الوجه الثالث من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر: أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الأمر والنهي وعلى إبطال الشريعة، يفضي إلى التسوية بين أولياء الله وبين أعدائه؛ لأن المميز والفارق بين أعداء الله وبين أوليائه أن هؤلاء امتثلوا الأمر فكانوا أولياء لله ، وأن هؤلاء عصوا الله وخالفوا أمره فكانوا أعداءً له جل وعلا، فإذا كان الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة صحيحاً، فإن من لازم ذلك أن يلغى التفريق بين المؤمنين والكفار، وبين الأعمى والبصير، وبين المهتدي والضال، وقد جاء في كتاب الله في مواضع كثيرة ذكر الفرق بين هؤلاء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:١٩-٢١] .
ولو كان القدر حجة للفريقين على ما هم فيه لانتفى الفرق ولاستوى هؤلاء جميعاً، وقد قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ، وهذا استفهام فيه إنكار التسوية بين هذين الفريقين.
الوجه الرابع من أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر على الشريعة: ما جاء من حديث علي بن أبي طالب في الصحيحين قال: قال ﷺ : (ما من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة وعلم مقعده من النار.
فقال بعض الصحابة: ففيمَ العمل يا رسول الله؟! أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .
فلم يجعل النبي ﷺ القدر مسوغاً لترك العمل، بل لما قالوا له: أفنتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال لهم ﷺ : (اعملوا) ولم يقل: اتركوا، أو: اعتمدوا على الكتاب، أو: اعتمدوا على التقدير وإنما قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .
وكذلك جاء في حديث سراقة بن مالك في صحيح الإمام مسلم أن رجلاً سأل النبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ فقال النبي ﷺ : بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، فقال رجل: ففيمَ العمل؟ فقال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وهذا يبين لنا أن الاحتجاج بالقدر من أبطل ما يكون في إبطال الشرائع، أي: أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة وعدم العمل بها وإهدار الأمر والنهي من أفسد ما يكون؛ لقول النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .
ومن أوجه إبطال الاحتجاج بالقدر أيضاً: أنه لو كان القدر حجة على إبطال الشريعة لما عذب الله أحداً في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لو عذبهم مع كون القدر حجة لهم لكان ظالماً لهم، حيث إنه لم يمض ما هو حجة، لكن لما كان القدر ليس حجة في إبطال الشريعة عذب الله من خالف أمره، وجعل المخالفة سبباً للعقوبة.
وبعد هذا العرض الموجز لبعض الأوجه التي يتبين بها فساد الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة وترك العمل، نعلم علماً يقيناً لا يخالطه ريب ولا شك أن أهل السنة والجماعة على حق في هذا، وأنهم وسط بين الفريقين المختلفين: بين من ألغى قدر الله وقدرته على خلق أفعال العباد، وبين من ألغى قدرة الإنسان واختياره فيما يكون منه وما يصدر عنه.
قال ﵀: (ونعلم أنه سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك) .
وهذا أيضاً يضاف إلى الأوجه التي يبطل بها الاحتجاج بالقدر على إبطال الشريعة.
فنعلم أنه سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، أي: المستطيع على القيام بما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، وأنه لم يجبر أحداً على المعصية، أي: ليس هناك إجبار على المعصية، بل العاصي يعصي الله جل وعلا بإرادته واختياره، وكون الله جل وعلا علم ذلك وكتبه وشاءه وخلقه، لا ينافي اختيار العبد، بل العبد مختار لما يفعل ولما يقع منه من معصية الله في ترك الواجبات ومواقعة المنهيات والمحرمات، فالعبد ليس مجبوراً على معصية الله ، بل له الاختيار التام في طاعة الله والتزام شرعه، وفي معصيته والإعراض عن دينه، ولذلك رتب الله العقاب والثواب على امتثال الأمر وترك النهي، فمن امتثل فاز بالفضل، ومن أعرض وتنكب وواقع ما حرم الله استحق العقوبة.
قال ﵀: (ولا اضطره إلى ترك الطاعة) أي: ما اضطره الله جل وعلا إلى ترك طاعة، بل معصية العاصي هي بفعله ومشيئته واختياره، وطاعة الطائع هي بمشيئته واختياره؛ ولذلك إذا وقعت المعصية إكراهاً لم تترتب عليها العقوبة، حتى لو كانت هذه المعصية أكبر ما يكون من المعصية ألا وهي الكفر، كما قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ، فإن الله استثنى من المؤاخذة من أكره وكان منشرح الصدر بالإيمان ومطمئن القلب بحقائق الإسلام، فإنه لا يؤاخذ على ما يكون منه، فدل ذلك على أن الإكراه يخرج الإنسان عن التكليف.
стр. 143
احتجاج الجبرية على المعاصي بالقدر
وذلك أن القدر انقسم الناس من حيث الإيمان به إلى طوائف: فطائفة غلت في إثبات القدر، وجعلت كل ما يكون من الإنسان وما يقع في هذا الكون محبوباً لله مرضياً، فكل ما في الكون هو محبوب لله جل وعلا عندهم، وهو فعله ومشيئته، ولا فعل للإنسان ولا مشيئة ولا إرادة، فألغوا فعل الإنسان ومشيئته واختياره وإرادته، وقالوا: كل ما في الكون إنما هو فعل الله ولا فعل لغيره، ومشيئة الله ولا مشيئة لغيره، فاحتجوا بالقدر وبما يقع من قضاء الله وقدره على أمره ونهيه ودينه وشرعه، فجعلوا القدر حجة لإبطال الشرع، وهؤلاء إمامهم فيما ذهبوا إليه إبليس، حيث قال كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] ، فأضاف الإغواء إلى الله ، واحتج بإغواء الله له جل وعلا وعدم هدايته على فعل نفسه، وعلى صحة ما هو عليه، فزاده ذلك من الله جل وعلا بعداً وعذاباً.
وقد سلك هذا المسلك أهل الشرك أيضاً: فاحتجوا بالقدر على معصية الله ، كما قال الله عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام:١٤٨] ، فأخبر الله جل وعلا عما سيقوله المشركون من أن ما يقع منهم من الشرك وتحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله؛ أن ذلك واقع منهم بمشيئة الله ، فاحتجوا بالقدر والقضاء على مخالفة أمر الله جل وعلا في توحيده وإفراده بالعبادة، وقد كذَّبهم الله جل وعلا في ذلك.
كما أن هذه الحجة هي حجة أهل التفريط والتقصير الذين أسرفوا على أنفسهم يوم القيامة، فإن مما ذكر الله جل وعلا من أقوالهم: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] ، فلم ينفعهم ذلك في دفع عذاب ولا رفع عقاب، وقد قال أهل الشرك كذلك: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ [النحل:٣٥] ، ولما دعاهم جل وعلا وأمرهم بالإنفاق والإطعام والصدقة قالوا كما قال تعالى حاكياً عنهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] فاحتجوا بالقدر على إبطال الأمر والنهي وعلى إبطال الشرع، وهذا من أخبث وأخطر الأقوال وأرداها؛ لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة.
стр. 144
النقض على الجبرية في احتجاجهم بمحاجة آدم وموسى
ومما ينبه إليه في مسألة الاحتجاج بالقدر على المعصية هو أن الجبرية الذين غلوا في إثبات القدر، وجعلوا القدر، حجة على إبطال الشريعة، يستدلون بما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ في محاجة موسى آدم، حيث قال النبي ﷺ : (حج آدم موسى، فإن موسى قال سائلاً الرب جل وعلا: أرنا أبانا الذي أخرجنا من الجنة، فلما رآه قال: يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لمَ خرجت وأخرجتنا من الجنة؟ فقال آدم ﵇ لموسى: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله بتكليمه فكلمك، وكتب لك التوراة بيده، بكم وجدت ذلك مكتوباً علي قال: بأربعين سنة، قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى) ، هذا الحديث يحتج به الذين يقولون: إنه يسوغ أن يحتج بالقدر على المعصية؛ قالوا: إن آدم رد على موسى بأن الله كتب عليه المعصية، حيث قال له: فبكم وجدت مكتوباً علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى؟.
والصحيح أنه لا حجة لهم في هذا الحديث على ما ذهبوا إليه من الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع؛ لأن الموضوع والمحاجة بين آدم وموسى: هل هي في المعصية أم في المصيبة وهي الإخراج من الجنة؟ وهل قال: يا آدم! لمَ عصيت الله وأكلت من الشجرة، أو قال له: لمَ أخرجتنا؟
الجواب
أن المحاجة والمناقشة وقعت في المصيبة التي ترتبت على وقوع المعصية وهي الإخراج من الجنة، فأجاب آدم بأن المصيبة من قدر الله ، وهذا لا يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة من أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، فإذا نزلت بالإنسان مصيبة احتج بالقدر، ومن ذلك قول النبي ﷺ المروي في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) ، وقال النبي ﷺ : (استعن بالله ولا تعجز، فإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، أو قدّر الله وما شاء فعل) ، فكان الاحتجاج بالقدر على المصيبة.
ولذلك إذا أصابك شيء مما تكره؛ ففاتك خير أو نزل بك ضر، فإنك تقول: قدر الله وما شاء فعل، فدل هذا على أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، وهذا إجماع من أهل السنة والجماعة ولا خلاف بينهم فيه، لكن هل يسوغ لأحد أن يحتج بالقدر على المعصية؟ الجواب: لا.
فآدم ﵇ احتج بالقدر على الإخراج -وهي المصيبة التي نزلت به وببنيه- لا على المخالفة، وهذا هو الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀ ورجحه، وأبطل سائر ما ذكر من الأوجه في إبطال المحاجة؛ لأن من العلماء من قال: إن آدم حج موسى لكونه أباه أو غير ذلك من الأوجه.
المهم أن هذا هو أرجح الأقوال، وابن القيم ﵀ سلك مسلكاً آخر فقال بعد أن ذكر كلام شيخه: ويكون هناك وجه آخر يصلح أن يكون جواباً في هذه المحاجة وهو: أن آدم ﵇ إنما احتج بالقدر على المعصية بعد أن وقعت وتاب منها.
فيقول ﵀: فيجوز للإنسان إذا وقعت منه معصية وتاب الله عليه منها أن يحتج بالقدر إذا عاتبه أحد.
فمثلاً: إنسان أسرف على نفسه بشرب الخمر وسائر ألوان المعاصي ثم تاب، فجاءه شخص وقال: أنت ما فيك خير، وأنت شارب خمر، وأنت سراق، وما أشبه ذلك، فله أن يقول: ذلك بقدر الله؛ لأنه في الحقيقة بقدر الله، فساغ الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها، وهذا هو الذي وقع من آدم، فإنه ما احتج بالقدر - على ما وجه ابن القيم ﵀ على الاستمرار والمضي في المعصية، وإنما احتج بالقدر على أنها قد وقعت وانتهت فلا تعيرني بها، ومن تاب تاب الله عليه، والتوبة تجب ما قبلها، فبطل احتجاجهم بهذا الحديث على مسألة الاحتجاج بالقدر في إبطال الشريعة.
وإنما أطلنا في هذا وبينا أوجه إبطال وإفساد احتجاجهم بالقدر على إبطال الشريعة الإسلامية؛ لأن كثيراً ممن ابتلوا بالتصوف يحتجون بالقدر على أخطائهم، وكثير ممن يسرفون على أنفسهم في المعاصي إذا أمروا بالمعروف أو نهوا عن المنكر قالوا: ما قدر الله لنا الطاعة، وما هدانا الله لترك المعصية، وما أشبه ذلك من الحجج الباردة التي يبطلون بها الشريعة.
стр. 145
ذكر الكسب ليس مختصاً بالأشعرية
قول المؤلف ﵀: (فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً) .
انتقد هذا بعض أهل العلم فقال: إن هذا فيه شائبة أشعرية حيث قال: فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً، والصحيح أن كلام المؤلف ليس عليه مؤاخذه، وأنه سالم وجارٍ على طريقة أهل السنة والجماعة، وذكر الكسب ليس دليلاً على أشعرية المؤلف؛ لأن الكسب قد ذكره الله تعالى فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] ، وقد ذكر المؤلف ﵀ هذه الآية قبل ذكر الكسب، ففهم من الكسب ما دلت عليه الآية من أنه فعل الإنسان الذي يكون باختياره وإرادته ومشيئته.
أما الأشعرية فلهم في القدر قول عجب خالفوا به الناس، حيث قالوا: إن أفعال الخلق كسب لهم وليس لهم عليها قدرة، وهذا القول لا نطيل فيه؛ لأنه من الأقوال المستبشعة والمستغربة والتي لا حقيقة لها ولا معنى لها؛ ولذلك فهم يرجعون إلى أنهم يقولون بقول الجبرية، فهم يقولون: إن فعل العبد كسب له لكن لا قدرة له عليه، وهذا لا يمكن أن يكون.
إذ كيف يكون فعله كسباً له ولا قدرة له عليه؟! فمن قال: إن كلام المؤلف هنا فيه شائبة أشعرية أو فيه إيهام أو إبهام، ففي قوله نظر وتكلف؛ لأن المؤلف ﵀ ذكر هذا بعد ذكر الآية التي فيها الكسب وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] ، فيكون معنى الكسب الذي ذكره هو ما دلت عليه الآية، وبهذا يكون قد انتهى ما يتعلق بمسائل القدر في هذا الفصل، وينبغي للمؤمن أن يقر قلباً وأن يقر فؤاداً بأن الله جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ، وكما قال : ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] فإذا استقر في قلب العبد هذا اطمأن من أن يقع ظلم من الله أو تعارض بين الشرع والقدر، بل الأمر كله لله جل وعلا يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، والعبد له اختيار ومشيئة وإرادة، ومشيئته وإرادته لا تخرج عما قدره الله وعلمه وكتبه وشاءه وخلقه.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 146
شرح لمعة الاعتقاد [١١]
مسائل الإيمان من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وبين أهل الأهواء قديماً وحديثاً، فعلى المسلم أن يعلم قول أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ لأنه من أهم الأبواب، بل هو من صميم عقيدة المسلم.
وكذلك يجب على المسلم الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ من أخبار الغيب، سواء أدرك معناه وعقله أم لم يدركه.
стр. 147
عقيدة أهل السنة في الإيمان والجواب على مخالفيهم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] ، فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين.
وقال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، فجعل القول والعمل من الإيمان.
وقال تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران:١٧٣] ، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً﴾ [الفتح:٤] ، وقال رسول الله ﷺ : (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان) فجعله متفاضلاً] .
تقدم الكلام على ما في هذا الفصل، وذكرنا أن الإيمان الذي ذكره المؤلف بقوله: والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان، هو عقد أهل السنة والجماعة في بيان معنى الإيمان، وأن لهم على ذلك عبارات متعددة، منها هذه العبارة، ومنها أن الإيمان قول وعمل، ومنها أن الإيمان قول وعمل ونية، كل هذا مما جاء عن سلف الأمة ومعناه متفق وإن اختلف لفظه.
стр. 148
الإيمان قول واعتقاد وعمل
وقول المؤلف ﵀: (والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان) فيه رد على أهل البدع فيما يتعلق بالإيمان، فإن المخالفين في الإيمان على طرق، أشدهم مخالفة الجهمية الذين يقولون: الإيمان هو معرفة القلب، وهذا قول جهم ومن أخذ بقوله، ومعنى هذا: أنه لا يحتاج إلى قول، ولا يحتاج إلى عمل، ولا يحتاج إلى إقرار بالقلب، بل يكفي فيه عندهم مجرد المعرفة.
والقول الثاني: هو قول مرجئة الفقهاء الذين قالوا: الإيمان قول باللسان وعقد بالجنان، فأخروا العمل عن مسمى الإيمان، وهؤلاء يسمون بمرجئة الفقهاء، وهم الذين عابهم سلف الأمة وذموا قولهم، فإن هذا القول متقدم على قول الجهمية، أي: سابق لقول الجهمية الذين قالوا: إن الإيمان مجرد معرفة القلب، فما جاء من ذم السلف للإرجاء إنما هو ذم لما أحدثه مرجئة الفقهاء من تأخير العمل وإخراجه عن مسمى الإيمان.
стр. 149
أول من قال بالإرجاء من الفقهاء
وقد تزعم هذا القول وتكلم به جماعة من الفقهاء من أوائلهم حماد بن أبي سليمان، وممن نسب إليه الأولية في هذا القول ذر بن عبد الله الهمداني، وهو من العباد النساك، ونسب هذا القول إلى غير هذين، لكنه اشتهر في فقهاء الكوفة وهم من كان على طريقة أبي حنيفة ﵀؛ ولذلك ينسب هذا القول إلى الحنفية؛ لأنه كثر فيهم.
وقد اختلف العلماء هل هو قول أبي حنيفة أم لا؟ فمنهم من قال: إنه قول أبي حنيفة، وهو المشهور عند نقلة الأقوال، ومنهم من قال: إن أبا حنيفة قال به ثم رجع عنه، وليس هناك في كلام منقول عنه ما يشهد لقوله به أو رجوعه عنه، والذي يظهر أنه جار على ما كان عليه السلف من أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، أي: قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان.
وأما ما حدث من مرجئة الفقهاء فإنه قول انتشر في الحنفية فنسب إلى مذهب أبي حنيفة، وهو قول مخالف لقول أهل السنة والجماعة.
стр. 150
وجه الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء
ووجه المخالفة بين قول مرجئة الفقهاء وبين قول أهل السنة والجماعة، هو في إخراج العمل، فالمرجئة لم يدخلوا العمل في الإيمان، وقد اضطرب قولهم، نظراً لكون هذا القول فيه نوع إشكال في العمل -عمل القلب- هل هو من الإيمان أم لا؟ فبعضهم قال: عمل القلب من الإيمان، وعلى هذا يلزمهم أن يدخلوا عمل الجوارح، وبعضهم أخرج عمل القلب عن مسمى الإيمان، يقول شيخ الإسلام يرحمه الله: ويلزمهم على هذا أن يوافقوا جهم في قوله: إن الإيمان هو مجرد المعرفة.
стр. 151
الإيمان يزيد وينقص
والخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء خلاف حقيقي وليس خلافاً لفظياً كما ذكر ذلك ابن أبي العز ﵀ في شرحه للطحاوية، فالخلاف حقيقي يترتب عليه خلاف معنوي، فإن جمهور العلماء وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الصلاة والزكاة -وهما رأس العمل- من الإيمان، ومرجئة الفقهاء يقولون: إنهما ليسا من الإيمان.
ويرد عليهم بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] ، فجعل الله ذلك من الدين، فدل ذلك على أنها داخلة في الإيمان وأنها من الإيمان، فعلم بهذا أن الخلاف الواقع بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء هو خلاف حقيقي، وإنما قال من قال: بأنه خلاف لفظي بناءً على أن عمل القلب هل يدخل في الإيمان أو لا؟ وهل يؤثر في زيادة الإيمان أو لا؟ وقد ذكر الطحاوي ﵀ في متنه ما يدل على أن هذا القول مضطرب، فقال ﵀: (الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان) ، فلم يذكر العمل، ثم قال: (وجميع ما صح عن النبي ﷺ من الشرع والبيان كله حق والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء) ، ثم قال: (والتفاضل بينهم في الخشية) ، فجعل الإيمان متفاضلاً حيث قال: (والتفاضل بينهم في الخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى) ، هكذا قال ﵀ في متن الطحاوية، وهذا يدلك على أن هذا القول فيه من الاضطراب ما فيه، إذ كيف يقول: الإيمان واحد، ثم يقول: وأهله في أصله سواء؛ لأنه لو كان الإيمان واحداً لم يكن أهله في أصله سواء؛ لأن إيحاءه بأن له أصلاً وفروعاً يدل على أن العمل داخل فيه.
ثم قوله: (والتفاضل بينهم في الخشية والتقوى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى) يدل على أنه يثبت تفاضلاً، ومرجئة الفقهاء على أن الإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص بناءً على أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، والزيادة والنقصان إنما هي في الأعمال.
فهذا القول الذي ذكره المؤلف ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة قد انتظم في الرد على هذه الطوائف كلها، سواء الجهمية أو المرجئة -مرجئة الفقهاء- أو الكرامية، ولم نذكر قول الكرامية لأنه قول مندثر لا قائل به، فهم يقولون: الإيمان قول اللسان فقط.
والصحيح هو: مادلت عليه النصوص من أن الإيمان قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالجوارح، فترتب على هذا الاعتقاد اعتقاد أن الإيمان يزيد وينقص، ولذلك قال: (يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) ، وهذا يخالف فيه كل الفرق التي خالفت في حقيقة الإيمان، فيخالف فيه الجهمية، ويخالف فيه مرجئة الفقهاء، ويخالف فيه الكرامية، ويخالف فيه الخوارج والمعتزلة؛ لأن الخوارج والمعتزلة وإن كانوا يقولون كما يقول أهل السنة والجماعة: الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، ولكنهم يخالفون في زيادة الإيمان ونقصانه، ويقولون: الإيمان شيء واحد، إما أن يثبت جميعاً وإما أن ينتفي جميعاً، هذا هو قولهم فيما يتعلق بالإيمان.
قال: (قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] ) وهذا فيه دليل على ما تقدم من أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، وبين ذلك المؤلف ﵀ فيما قال: (فجعل عبادة الله وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين، وقال ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [التوبة:١٢٤] ) .
وبهذا فرغ المؤلف من الاستدلال لبيان حقيقة الإيمان وأنه قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، ثم انتقل إلى دليل الزيادة والنقصان، فذكر قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [التوبة:١٢٤] .
ثم قال: (وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً﴾ [الفتح:٤] وقال ﷺ : (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان) فجعله متفاضلاً) ، وهذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، أما الزيادة فبالنص، وأما النقصان فبالمفهوم، كما قال سفيان بن عيينة لما سئل: أينقص الإيمان؟ قال: (إنه لا يزيد شيء إلا وينقص) .
стр. 152
هل يدخل جنس العمل في مسمى الإيمان
ثم اعلم أن من المسائل التي يكثر الكلام فيها مسألة دخول جنس العمل في مسمى الإيمان، يعني: إذا لم يعمل الإنسان شيئاً بالكلية وإنما قال بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأقر بقلبه بالألوهية لله، وبالرسالة لمحمد ﷺ ، فهل يكفي هذا في الإسلام وتحقق الإيمان؟
الجواب
لا يكفي، وقد خالف في هذا مرجئة الفقهاء، وتبعهم بعض من تبعهم ممن ينتسب إلى السلف وقال: إن هذا هو اعتقاد السلف، وهذا غلط وخطأ وجناية على السلف فيما قالوا، فليس في كلام السلف شيء يدل على ما ذكر من أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، بل كلامهم واضح وجلي في خلاف هذا وأن العمل من الإيمان.
وقول من يقول: إن تخلف جنس العمل لا يؤثر قول محدث تكذبه الأدلة من الكتاب والسنة، ويكذبه ما نقل عن سلف الأمة من أن الإيمان قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالأركان.
ومن قال هذا القول إنما تأثر بقول من قال من مرجئة الفقهاء: إن العمل ليس من الإيمان، ولا فرق بين هذا وذاك في الحقيقة، وإذا تأمل الإنسان لم يجد فرقاً بين من يخرج جنس العمل عن مسمى الإيمان وبين من يقول: إن الإيمان قول باللسان، وإقرار بالقلب كما هو قول مرجئة الفقهاء.
والمشكلة أن الذين يقولون بهذا القول إنما قالوا به نتيجة الفرار من التكفير في بعض الأعمال، وهذا هو منشأ قولهم، فمنشأ قول مرجئة الفقهاء إنما كان ردة فعل للخوارج الذين كانوا يكفرون الأئمة ويكفرون المسلمين بكبائر الذنوب.
ولما كان الإيمان عندهم أصلاً واحداً أشكل عليهم ما يقوله الخوارج من أنه إذا كان الإيمان شيئاً واحداً فإما أن يثبت جميعاً أو أن ينتفي جميعاً؛ فقال مرجئة الفقهاء: إن الإيمان شيء واحد إما أن يثبت جميعاً وإما أن ينتفي جميعاً وليس منه العمل، فأخرجوا العمل حتى يسلم لهم بقاء الإيمان فيما إذا خالف الإنسان بسرقة أو زنا أو شرب خمر أو بغير ذلك من الأعمال المحرمة التي نفى الله ورسوله الإيمان عن فاعلها، فكان أول قولهم ردة فعل ثم تكوَّن بعد ذلك هذا المذهب، وهو مذهب المرجئة.
وأما من ينصر هذا وينسبه إلى السلف من المتأخرين، فكذلك تكرر الأمر، فهناك -مثلاً- من يكفر بترك الصلاة، ومن يكفر بالحكم بغير ما أنزل الله، فلما رأى هؤلاء أن التكفير بهذه المسائل خلافي وسعوا الخلاف وجعلوا المسألة لا تتعلق بهذين العملين وبالتكفير فيهما أو بأشباههما، وإنما قالوا: لا نكفر بالعمل إلا باستحلال أو بانتفاء عقد جنان، أو بترك القول بالشهادة، فوقع فيما وقعوا فيه سلفهم من مرجئة الفقهاء.
فالواجب على المؤمن أن يتحرى في عقيدته ما دل عليه الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وألا يكون عقده ودينه عرضة لردود الأفعال، فإن من كان كذلك يوشك أن يرد الباطل بالباطل، والواجب على المؤمن أن يرد الباطل بالحق لا أن يرده بباطل مثله، فإنه لا ينفع نفسه ولا يرد الشر عن المسلمين برد الباطل بالباطل، وهذه مسألة قد ألفت فيها مؤلفات، وكتب فيها كتب وكتيبات، وإنما أحببنا أن نشير إلى بعض ما في هذه المسألة، ومن طلب المزيد فليرجع إلى ما ذكره العلماء في ذلك.
стр. 153
وجوب الإيمان بكل غيب أخبر به النبي ﷺ
قال المؤلف ﵀: [ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا مناماً، فإن قريشاً أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات، ومن ذلك: أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فرد عليه عينه] .
ابتدأ المؤلف ﵀ هذا الفصل بوجوب الإيمان بالغيب، وبكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون في الدنيا ومما يكون في الآخرة.
قوله ﵀: (ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا) هذا الإيمان يسمى (الإيمان المجمل) الذي يجب أن يقر في قلب كل مؤمن، وهو أن يعتقد ما قاله ﷺ ويؤمن به، ويصدق به، وأنه حق على حقيقته، هذا هو الواجب على أهل الإيمان، سواء علموه أو لم يعلموه، أدركوه أو لم يدركوه، ظهر لهم أو خفي، من عالم الغيب أو من عالم الشهادة، فيجب أن يؤمنوا بكل ذلك.
стр. 154
من خصائص المؤمن الإيمان بالغيب كله
ومن خصائص أهل الإسلام وأهل الإيمان أنهم يؤمنون بالغيب، ولذلك قال تعالى في أول صفة ذكرها لأهل الإيمان في كتابه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٢-٣] ، فأول صفة ذكرها لعباده المتقين الذين يهتدون بالقرآن أنهم يؤمنون بالغيب، وهو الذي يميز بين أهل التقوى والدين والإيمان، وبين أهل الحجود والكفر والإعراض، فيجب على المؤمن أن يؤمن بكل ما أخبر به تعالى في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ إيماناً جازماً لا يدخله ريب ولا شك.
وهذا هو الإيمان المجمل، ولذلك قال: (يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ ، أي: سواء علمناه أو لم نعلم، بلغنا أو لم يبلغنا، فيجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ .
قال: (وصح به النقل عنه) ، أي: ما أخبر به في الكتاب، أو صح به النقل عنه، فالأول يشمل الكتاب والسنة، وأما قوله: (أو ما صح به النقل) فهذا يختص بالسنة؛ لأن النقل إنما تطلب صحته فيما كان من خبر النبي ﷺ بخلاف خبر الله .
قوله: (فيما شاهدناه) ، أي: فيما أدركناه، ووقع عليه بصرنا وهو من عالم الشهادة.
وقوله: (أو غاب عنا) يعني: مالم ندركه ولم نشاهده.
قوله: (نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ماعقلناه وجهلناه) : ما عقلناه: أي: ما أدركته عقولنا وفهمته، وما لم تدركه عقولنا ولم تفهمه، فالواجب الإيمان بجميع هذا، ولا يوقف الإنسان إيمانه بما أخبر الله به ورسوله على إدراك العقل وفهمه، فإن العقل قد يحار في إدراك خبر من الأخبار أو إدراك أمر من الأمور، لكنه لا يجوز له أن يتوقف في إيمانه بذلك، بل يجب عليه أن يؤمن بما أخبر الله به ورسوله.
والشريعة تأتي بما يحار فيه الإنسان، لكنها لا تأتي بما تحيله العقول، أي: تتحير في إدراكه وكيفية وحقيقته، فلا يمكن أن تأتي الشريعة بما تحيله العقول، أي: بما تمنعه العقول وتقول إنه مستحيل.
فيجب الإيمان بما أخبرت به الشريعة، سواء أدركنا ذلك بعقولنا أم لم ندركه، يعني: أدركنا حقيقته بعقولنا أو لم ندرك ذلك.
стр. 155
وجوب الإيمان بالإسراء والمعراج
يقول ﵀: (ولم نطلع على حقيقته معناه) ، ثم مثل لذلك فقال: (مثل حديث الإسراء والمعراج) .
والإسراء: هو انتقال النبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] ، فأسرى الله برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، هذا هو الإسراء، وقد أخبر به في كتابه وسبح نفسه عليه، فدل ذلك على أنه من عظيم قدرته، وأنه دال على عظيم صفاته وكمال قوته جل وعلا.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] أي: ليرى ويشهد آياتنا الدالة على صدق خبرنا، وقد وقع ذلك له ﷺ .
أما المعراج فجاء ذكره في القرآن الكريم في سورة النجم في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:١-٩] ، وكل هذا كان في تلك الليلة، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٠-١٢] أي: أتجادلونه وتناقشونه على ما رأى من تلك الآيات العظيمة الكبيرة التي تجلت له وشاهدها في تلك الليلة في معراجه؟! فالمعراج ثابت بالقرآن أيضاً، وثبوته في السنة لا مجال لإنكاره ولا شك فيه ولا ريب، فإن السنة قد دلت على ذلك دلالة واضحة جلية يدركها كل عقل مؤمن وقلب سليم، ولكن هل نحن ندرك كيف كان ذلك؟
الجواب
لا ندرك كيفية ذلك؛ لأن إدراك الكيفيات أمر زائد على التصديق بالخبر، فنحن نصدق بالخبر لكننا لا ندرك كيفية ذلك، ولذلك مثل به المؤلف على الأمور التي يجب الإيمان بها وإن كنا لا نعقل معناها، لأنا ولم نطلع ولم نشاهد كيف أسري به ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى سابع سماء، ثم عاد في ليلة واحدة، فكل هذا جرى له ﷺ في ليلة واحدة!
стр. 156
بيان أن الإسراء كان يقظة لا مناماً، وكان بالروح والجسد
يقول ﵀: (وكان يقظة لا مناماً) ، وهذا عليه جمهور أهل العلم، ودل عليه كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فإن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح لا بالروح وحدها كما يقوله من يقوله، بل كان بهما جميعاً كما دلت على ذلك النصوص، وهو ظاهر كتاب الله وظاهر سنة النبي ﷺ .
стр. 157
موقف قريش من الإسراء والمعراج
قوله: (فإن قريشاً أنكرته وأكبرته) : أي: أنكرت الإسراء والمعراج وأكبرته، وعدته من أكبر دلائل كذب النبي ﷺ ؛ ولذلك فرحوا به وشنعوا على النبي ﷺ فيه؛ حتى إن بعض أهل الإسلام ممن أسلم مع النبي ﷺ ارتد بسبب ما وقع في قلبه من شك وريب وشبهة من خبر النبي ﷺ ، وكان على رأس من أسلم أبو بكر ﵁، لكنه قال لما قالوا له ذلك: (إن كان قال ذلك فهو صادق، فإني أصدقه في أعظم من ذلك، أصدقه في خبر السماء الذي يأتيه في أي ساعة من ليل أو نهار) .
ثم قال: (ولم تنكر المنامات) ، أي: لو كان الإسراء مناماً لما كان هناك وجه لإنكار قريش؛ لأن قريشاً لا تنكر المنامات، وإنما أنكرت على النبي ﷺ وجادلت في الإسراء الذي كان بالروح والجسد لا بالروح فقط.
стр. 158
مجيء ملك الموت إلى موسى ﵇
قال: (ومن ذلك) ، أي: مما يجب التصديق به وإن لم ندرك حقيقته ولم نعقل كيفيته ما أخبر به النبي ﷺ (من أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فرد إليه عينه) .
وهذا الخبر جاء من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله بعث ملك الموت إلى موسى ﵇ ليقبض روحه، فجاءه فقال له: إن الله أمرني بقبض روحك، فلطمه موسى ففقأ عينه، فرجع ملك الموت إلى الله جل وعلا وقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، فرد الله على الملك عينه، وأمره بأن يذهب إلى موسى وأن يضع يده على جلد ثور فما وقع تحت يده من الشعر فله به سنوات من العمر) الحديث.
والشاهد من هذا الحديث هو ما أخبر به النبي ﷺ من فقء عين الملك، فإن هذا مما أخبر به النبي ﷺ وقد لا يدركه كثير من الناس، فعدم إدراكهم له وعدم تصورهم لذلك لا يعني أنه يسوغ لهم أن ينكروه وأن يردوه، بل الواجب عليهم أن يؤمنوا به ويقبلوه.
وهذا مثال آخر ذكره المؤلف لما يجب الإيمان به مما أخبر به النبي ﷺ ، وصح به النقل مما غاب عنا ولم نعلم حقيقته وكيفيته.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 159
شرح لمعة الاعتقاد [١٢]
ما سيأتي من أشراط الساعة، وما سيحصل في البرزخ ويوم القيامة؛ كله من الغيب الذي يجب على المسلم الإيمان به، وكذلك ينبغي على المسلم الاستعداد لذلك بالطاعة وتجنب المعصية.
стр. 160
من الإيمان بالغيب الإيمان بأشراط الساعة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك أشراط الساعة، مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل] .
هذا الفصل لما بدأه المؤلف ﵀ بقوله: (ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه) ، علمنا أنه يتكلم عما يتعلق بالإيمان بالغيب، وقلنا: إن الإيمان بالغيب من أوصاف المتقين التي يجب على المؤمن أن يتحلى بها، فإنه لا تقوى ولا إيمان إلا لمن صدق النبي ﷺ فيما أخبر به من أمر الغيب، سواء أدرك حقيقته ومعناه، أم لم يدرك حقيقته ومعناه.
ومثل المؤلف ﵀ لما يجب الإيمان به مما أخبر به النبي ﷺ وصح النقل عنه بالإسراء والمعراج، فإن حديث الإسراء والمعراج مما لا تدرك العقول حقيقته ويصعب عليها إدراك كيف كان ذلك للنبي ﷺ ، لكنه من آياته ﷺ ، كذلك مثل بما جاء من الخبر في قصة مجيء ملك الموت لموسى ﵇.
وهنا يقول ﵀ في صلة ما وقفنا عليه: (ومن ذلك) ، أي: ومما يجب الإيمان به مما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه ﷺ (أشراط الساعة) ، فقوله: (ذلك) المشار إليه هو ما تقدم في أول الفصل.
وقوله: (أشراط الساعة) ، أشراط: جمع شرط، بفتح الراء وهي العلامة، والمقصود بأشراط الساعة: علاماتها التي تدل على قربها ودنوها.
стр. 161
بعثة النبي ﷺ من أشراط الساعة
وأعظم هذه العلامات وأولها ظهوراً بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والتي تليها) ، وقد أشار الله جل وعلا إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] فجعل انشقاق القمر مقارناً لاقتراب الساعة، وانشقاق القمر هو ما جرى من الآية العظيمة للنبي ﷺ في مكة كما جاء عن ابن مسعود وغيره في الصحيح وغيره: (أن الله شق للنبي ﷺ القمر فلقتين: فلقة على الجبل، وفلقة دونه، فرآه أهل مكة، فقالوا: سحرنا محمد) ، فهذا أيضاً من الآيات الدالة على قرب الساعة.
стр. 162
أقسام أشراط الساعة
والأشراط تتنوع، وقد أخبر بها النبي ﷺ في أحاديث كثيرة مستفيضة، فلا إشكال في ثبوت علامات الساعة وأشراطها، فإنه قد جاء الخبر عنها في كتاب الله في قوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] ، وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٧-٥٨] ؛ فهاتان الآيتان في سورة النجم فيهما الدليل على قرب الساعة وقرب علاماتها؛ لأن الله أخبر بأن النبي ﷺ نذير من النذر الأولى، ثم أخبر بقرب الساعة لما ذكر نذارة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورسالته.
فأشراط الساعة كثيرة متنوعة ثبتت بكتاب الله وبسنة النبي ﵌، وهذه العلامات تنقسم إلى أقسام: قسم منها ظهر في عهد النبي ﷺ ، كبعثته وانشقاق القمر وما أشبه ذلك من الآيات التي أخبر بها ﷺ وظهرت في زمانه.
وقسم منها ظهر بعد موته ﵌، وهذا ينقسم إلى قسمين: آيات وأشراط صغرى، وهي كثيرة لا حصر لها، ومنها ما رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل عن الساعة، فقال النبي ﷺ في جواب جبريل: (ما المسئول عنها بأعلم بها من السائل) ، ثم سأله عن علاماتها وأماراتها، فذكر من ذلك: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى العراة الحفاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) ، فهذه من العلامات التي أخبر بها النبي ﷺ وجاءت في حديث اتفقت الأمة على قبوله والعمل به، فهو من أصح الأحاديث، وهذا الذي تضمنه الحديث هو من علامات الساعة الصغرى.
القسم الثاني من علامات الساعة: العلامات الكبرى، وهذه العلامات ليست على درجة واحدة، بل هي متفاوتة في الدلالة على قرب الساعة، فمنها ما يكون بين يدي الساعة مباشرة، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (إن أول ما يكون من الآيات خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها) ثم قال النبي ﷺ : (فأيهما كانت قبل كانت التي بعدها تليها) فهذا يدل على أن الأولية في أشراط الساعة الكبرى نسبية، فمنها ما يكون قريباً ومباشراً للساعة يدل على اختلال نظام الكون وقرب حصولها، ومنها ما يكون من العلامات الكبار والأشراط البينة الكبرى، لكنها ليست قريبة بين يدي الساعة، أي: ليست في القرب كالتي أخبر بأنها أول ما يكون من شأن الساعة، وذلك كخروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك من الآيات التي أخبر بها كالخسف الذي يكون في المغرب، والخسف الذي يكون في المشرق، والخسف الذي يكون في جزيرة العرب.
стр. 163
فائدة معرفة أشراط الساعة وعلاماتها
هذه الأشراط كلها علامات تدل على الساعة وتبين وتوضح قربها، والواجب على المؤمن أن يستشعر قرب الساعة لا بمجرد آية أو آيتين، بل بمجموع هذه الآيات، ومنها بعثة النبي ﷺ ، وقد أخبر الله بقرب الساعة ودنوها فقال: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١] وقوله تعالى: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ﴾ [النجم:٥٧] ، وما إلى ذلك من الآيات التي أخبر الله بقرب الحساب وقرب قيام الساعة التي يقوم الناس فيها لرب العالمين.
فالواجب على المؤمن ألا ينتظر آية معينة يستدل بها على قرب الساعة، بل الآيات كثيرة منتشرة منها ما حصل ومنها ما سيحصل، ومنها ما هو واقع وحاصل في دنيا الناس، ومن ذلك: ما أخبر به النبي ﷺ كما في الصحيحين بقوله: (لا تقوم الساعة حتى يقل العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، وتشرب الخمر) ، فهذه علامات قائمة في دنيا الناس اليوم، فإن العلم قليل والجهل منتشر، والزنا فاشٍ، وإن كان لا يلزم من فشوه أن يكون فاشياً في كل بلاد العالم، لكن ظهور الزنا فيما نسمعه وينقل إلينا من ظهوره في بلاد الكفار أمر واضح وجلي، وكذلك شرب الخمر استهان به كثير من الناس من المسلمين ومن غيرهم.
والمراد: أن العلامات منها ما يعايشه الناس، ومنها ما قد جاء وفرغ منه، ومنها ما هو مستقبل، أي: يستقبله الناس ولم يأت بعد، فالواجب على المؤمن أن يستفيد من هذه الأشراط لا في حسبها وعدها أو وقعت أو لم تقع، وإنما في الاستعداد لليوم الآخر؛ لأن الله إنما ذكرها في مساق التنبيه ولفت النظر إلى قرب قيام الساعة الذي يوجب للإنسان العمل الصالح، ويوجب للإنسان استدراك ما مضى وما فات من صالح العمل، ولذا قال الله : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨] ، وقال النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (بادروا بالأعمال ستاً: الدجال الدابة الدخان طلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة-يعني: يوم القيامة-وخاصة أحدكم) يعني: موته، فهذه الست التي ذكرها النبي ﷺ هي من علامات الساعة، فينبغي للإنسان أن يبادرها، ومنها ما هو من علامات الساعة الكبرى، وهي الأربع الأولى التي ذكرها رسول الله ﷺ .
فالواجب على المسلم أن يبادر، ولذلك قال النبي ﷺ : (بادروا بالأعمال) ، فالفائدة المرجوة من معرفة أشراط الساعة هي المبادرة، لا ما يهتم به كثير من الناس اليوم من عدها، وهل انحسر الفرات عن جبل من ذهب أو لم ينحسر؟ وهل قد حصل خسف في المشرق وخسف في المغرب؟ وما إلى ذلك من خلاف ونزاع في تحديد بعض أشراط الساعة، وإنما المقصود والمراد هو أن يتهيأ لها أهل الإسلام، وأن يستعدوا لذلك اليوم.
стр. 164
الأشراط الكبرى للساعة
ثم إن الساعة منها ماهو عام كالساعة التي هي صعق وموت كل بني آدم وجميع الخلائق، ومنها ما يكون خاصاً وهي موت الواحد منا، فإن القيامة الصغرى هي أن تموت، وقد قرر الله في كتابه في كثير من المواضع ذكر القيامتين: الخاصة التي تتعلق بكل واحد منا، والقيامة التي تعم الناس ويهلك فيها جميع الخلق.
إذاً: فائدة بحث هذه الشروط ليس في مجرد عدها أو معرفتها والنظر في وقوعها أو لا، وإنما النظر في المبادرة بالعمل الصالح والاستعداد لها.
стр. 165
من أشراط الساعة خروج الدجال
قال ﵀: (مثل خروج الدجال) : وهذا من أشراط الساعة الكبرى، والدجال كما قال النبي ﷺ : (ما من نبي أرسله الله إلا وأنذر أمته الدجال) ، وجاء عن النبي ﷺ في شأنه وحاله وعمله ما لم يسبقه إليه أحد من الرسل المتقدمين.
وخروج الدجال أمر مجمع عليه، وهو خروج حقيقي يحصل به من الفتنة والشر ما الله به عليم.
стр. 166
من أشراط الساعة نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال
قال ﵀: (ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله) ، وهذا أيضاً مما جاء به الخبر عن النبي ﷺ ودل عليه الكتاب، فإن عيسى رفعه الله تعالى إليه كما قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ، فهو مرفوع عند الله جل وعلا لم يمت، ثم ينزله الله متى شاء، فإذا نزل في وقت هذه الفتنة العظيمة، فيكون على يديه نهايتها وإبطالها وقتل الدجال.
стр. 167
من أشراط الساعة خروج يأجوج ومأجوج
قال ﵀: (وخروج يأجوج ومأجوج) ، وهذا دل عليه قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٦-٩٧] ، فجعل خروج يأجوج ومأجوج مقترناً باقتراب الوعد الحق.
ويأجوج ومأجوج خلق من خلق الله عظيم، وقد أخبر الله في كتابه أن ذا القرنين بنى سداً يمنعهم من الانتشار والإفساد في الأرض، فإذا أذن الله خرجوا ووقع الفساد منهم، ووقع ما أخبر به النبي ﷺ من الأعمال التي تكون منهم من الكفر والشر الذي يعم الأرض، ثم تبطل فتنتهم ويبطل شرهم بإذن الله تعالى.
стр. 168
من أشراط الساعة خروج الدابة
قال: (وخروج الدابة) : وخروج الدابة أمر أخبر الله به في قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ﴾ [النمل:٨٢] ، فهذا ما أشار إليه المؤلف بقوله: (وخروج الدابة) .
وخروج الدابة ثابت في السنة في أحاديث لا مجال لردها، فهي تبلغ حد الاستفاضة والتواتر.
والدابة ليس هناك وصف دقيق لها وكيف تكون، ولكن هناك وصف لما تخرج من أجله، وهو: أنه يحصل بها بيان وتمييز المؤمن من الكافر.
стр. 169
من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها
قال ﵀: (وطلوع الشمس من مغربها) : وهذه آية سماوية آفاقية تدل على انخرام نظام الكون، وقد جاءت الإشارة إليها في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨] ، فهذه الآية دالة على خروج الشمس من مغربها، وهي آية عظيمة كبرى تُرد بعدها التوبة ويغلق بابها، ولا ينتفع أحد بعد ذلك بعمل لم يكن قد علمه من قبل، وهذه الآية من أوضح الآيات وأعمها وأظهرها دلالة على دنو الساعة وقربها.
قال ﵀ بعد ذلك: (وأشباه ذلك مما صح به النقل) ، وهو كثير من الآيات الصغرى والآيات الكبرى.
стр. 170
وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته
قال المؤلف ﵀: [وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة] .
عذاب القبر: هو ما يكون من العذاب الذي يكون في القبر، ونعيمه: أي النعيم الذي يكون في القبر.
وعذاب القبر ونعيمه ثابت بالكتاب والسنة، وقد أجمع عليه سلف الأمة، فأدلة الكتاب وأدلة السنة في ثبوته كثيرة.
يقول المؤلف: (وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة) أي: أمر بالاستعاذة منه في كل صلاة.
وعذاب القبر: أي العذاب الواقع في القبر، وهذا من باب إضافة الشيء إلى محله، وليس هذا حصراً على القبور، فمن لم يقبر فإنه يدركه عذاب القبر ونعيمه ولو لم يكن في قبر، فهو إضافة للعذاب إلى محله الغالب، وإلا فإن العذاب يكون للمقبور ويكون لغير المقبور.
ودليله من الكتاب قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، فأخبر الله في هذه الآية بأن آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشيا، ثم أخبر ما يكون من حالهم يوم القيامة، فقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] .
ومن الأدلة التي يستدل بها العلماء على عذاب القبر قول الله : ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً﴾ [نوح:٢٥] .
ومن الأدلة الدالة على عذاب القبر أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠] ، فذكر الله حالهم في العذاب وقت قبض أرواحهم، ثم قال: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) فذكر بعد ذلك عذاب الحريق الذي هو عذاب بالنار، نسأل الله السلامة والعافية.
والمراد: أن الأدلة الدالة على العذاب الواقع في القبر كثيرة، وكذلك النعيم فإن أدلته كثيرة في سنة النبي ﷺ .
وقوله: (وقد استعاذ النبي ﷺ منه) أي: من عذاب القبر، وذلك فيما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (استعيذوا بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) وقد قال ابن عباس: (إن النبي ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن) وقالت عائشة ﵂ كما في الصحيحين (إن النبي ﷺ كان يستعيذ من أربع: من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) ، وهذا العذاب يستحقه كل من كان كافراً بالله العظيم، فإنه يعذب في القبر عذاباً دائماً كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦] ولم يذكر لذلك منتهى، ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، ففهم من هذا أن عذابهم دائم ومستمر.
النوع الثاني من العذاب: العذاب المنقطع، وهو ما يكون لبعض العصاة الذين يعذبون جزاء ما اقترفوا من جرم وما وقعوا فيه من ذنب، ثم يرفع عنهم العذاب.
ومن أدلة أن العذاب في القبر متفاوت من حيث الدوام وعدمه، ومن حيث الشدة والخفة، حديث ابن عباس ﵁ في قصة مرور النبي ﷺ على القبرين حيث غرز على كل قبر جريدة وقال ﷺ : (لعله يخفف عنهما مالم ييبسا) ، فدل ذلك على أن عذاب القبر ليس على درجة واحدة، بل هو متفاوت من حيث الشدة والخفة، وهو أيضاً متفاوت من حيث الدوام والانقطاع، فالكفار عذابهم فيه دائم، وأما أهل الإسلام الذين وقع منهم بعض المعاصي التي يستحقون العقوبة من أجلها في القبر فإنه قد يكون منقطعاً، وهذا العذاب الذي يصيب بعض أهل الإسلام في القبر يكفر الله به عنهم من الخطايا، ويكون حاطاً عنهم ما قد يعاقبوا بسببه في النار، فهو من جملة ما يصاب به المسلم، ويكفر به من خطاياه، حتى لا يعاقب عليها في الآخرة.
стр. 171
عذاب القبر ونعيمه حق
قال المؤلف ﵀: [وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة، وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] ، ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً، فيقفون في موقف القيامة، حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ ، ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل] .
ما ذكره ﵀ هو في بيان ما يجب الإيمان به واعتقاده مما يندرج تحت الإيمان باليوم الآخر.
стр. 172
فتنة القبر
قال: (وفتنة القبر حق) أي: الامتحان الواقع للموتى في قبورهم إذا دفنوا، فإن أهل القبور إذا دفنوا يمتحنون ويختبرون ويسألون ويقال للميت: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهذا السؤال يسأله الإنسان سواء قبر أو لم يقبر، لكن من كان سيقبر فإنه سيسأل في قبره؛ لحديث أنس وغيره، أن النبي ﷺ قال: (إذا وضع العبد في قبره أتاه ملكان) ، فإتيان الملكين هو من أجل السؤال، وهو الفتنة التي تكون في القبر، وقد أخبر النبي ﷺ بفتنة القبر وبينها في أحاديث مستفيضة تبلغ حد التواتر، فلا مجال لإنكارها ولا للتكذيب بها، وهذه الفتنة هي لجميع أهل التكليف، أعني: هي لجميع من كان مكلفاً.
стр. 173
هل يفتن الأنبياء والشهداء في قبورهم ؟
واختلفوا في الأنبياء هل يفتنون أم لا؟ والصحيح: أنهم لا يفتنون؛ لأن الأنبياء هم المسئول عنهم لا المسئولون، كما أنهم اختلفوا في الشهداء هل يفتنون أم لا؟ والصحيح: أنهم لا يفتنون؛ لقول النبي ﷺ : (كفى ببارقة السيوف فوق رءوسهم فتنة) ، فهذا مما يعطاه أهل الشهادة.
стр. 174
هل يفتن الصغير والمجنون والمعتوه في قبورهم
واختلفوا فيمن مات دون البلوغ، ومن بلغ وهو مجنون أو معتوه لا عقل له، فهل هؤلاء يفتنون أم لا؟ على قولين لأهل العلم: فمنهم من قال: إنهم يفتنون ويمتحنون، وهذا قول أكثر أهل العلم.
والقول الثاني: أنهم لا يفتنون ولا يختبرون؛ لأنه ليس معهم عقل، وهذا في حق المجانين، وليس عليهم تكليف من أجل أن تقع عليهم الفتنة والاختبار، وهذا في حق الصغار.
والذين قالوا بالفتنة استدلوا بما رواه مالك وغيره: أن أبا هريرة كان إذا صلى على جنازة قال: (وقه عذاب القبر) ، ومن جملة ما يكون في عذاب القبر ما يكون من الفتنة؛ لأن الفتنة قد يعقبها العذاب، فاستدل بعضهم بهذا على أن الصغار ومن لا عقل له يفتنون، والذي يظهر أنهم يفتنون والعلم عند الله، ولكن هذه الفتنة لا شيء فيها عليهم؛ لأن من لا عقل له يمتحن يوم القيامة، فإن أجاب دخل الجنة وإن امتنع ولم يجب فإنه يكون من أهل النار، والله حكم عدل كما قال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] .
стр. 175
الرد على من أنكر فتنة القبر وعذابه
يقول ﵀ في بيان الفتنة: (وفتنة القبر حق) ، أي: ثابتة لا مجال لإنكارها وردها، ومن أنكرها من المعتزلة وغيرهم إنما أنكروها لكون عقولهم قصرت عن إدراك هذه الفتنة العظيمة التي تكون في القبور، وقالوا أيضاً: إننا نفتح القبر ولا نرى ملائكة تسأل، ولا بدناً يُقعد، ولا نراه يضرب بمرزبة من حديد وما أشبه ذلك مما جاء به الخبر في فتنة القبر.
والجواب عن هذا أن يقال: إن ما ذكره النبي ﷺ من الإقعاد والسؤال إنما هو في الأصل للروح لا للبدن، وذلك أن دار البرزخ التي بين الدنيا والآخرة يقع الحكم فيها على الأرواح لا على الأبدان، وما يكون مما ذكر بلوغه للبدن أو ظهر أثره حساً على الأبدان إنما هو تبع، وإلا فالأصل أن أحكام دار البرزخ تتعلق بالأرواح ولا تتعلق بالأبدان، فالبدن لا يظهر عليه إقعاد، ولا يظهر عليه أثر الضرب الذي أخبر به النبي ﷺ لمن لم يجب ولم يوفق في فتنة الملكين، فإنهما كما في حديث أنس في الصحيحين: (يضربانه بمرزبة بين أذنيه أو بمطرقة من حديد يبن أذنيه فيصيح فيسمعه كل أحد إلا الثقلين) فهذا إنما يكون على الروح لا على البدن.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ وأيضاً ابن القيم أنه قد يظهر أثر ذلك على البدن، وقد يقوى اتصال الروح بالبدن، فيقعد البدن، ولا تقل: كيف؟ فإن هذا أمر لا ندركه نحن، فإننا لو فتحنا القبر أو وضعنا جهاز تصوير بعد الدفن فلن نجد بدناً يقعد، ولا ملكاً يأتي؛ لأن البدن متعلق بالروح، والآن الروح يحصل لها ما ذكر النبي ﷺ من الانتقال والسؤال وما إلى ذلك، ولا يظهر على البدن أثر، كما أن الإنسان إذا نام ورأى في المنام أنه يدخل في عراك وقتال تجده يتأثر ويستيقظ فزعاً، وقد يجد أثر هذا على بدنه وهو في منام؛ لأن الروح مرتبطة بالجسد، والحكم في الدنيا الأصل أنه على الأجساد، فكذلك ما أخبر به النبي ﷺ من عذاب القبر ونعيمه، فالأصل فيه أنه واقع على الأرواح وما يكون للأبدان إنما هو تابع، وهكذا ما يكون من نعيم الروح في الدنيا فهو تابع لنعيم البدن، أما الآخرة فيقترن الروح بالبدن اقتراناً تاماً في التعذيب والتنعيم، أي: في العذاب والنعيم، فيكون عليهما جميعاً.
فالذين أنكروا ما أخبر به النبي ﷺ من عذاب القبر ومن فتنة القبر، ومن سؤال منكر ونكير وما أشبه ذلك، إنما اعتمدوا في الإنكار على العقل والحس، وقالوا: لا ندرك ذلك ولا نشاهده.
فنقول: نعم، أما العقل فلا مجال لإعماله فيما أخبر به النبي ﷺ مما يكون من أمر الغيب؛ لأنه بأي عقل يوزن خبر الله وخبر رسوله؟ كما قال الإمام مالك: ليت شعري بأي عقل نزن الكتاب والسنة؟! وأما الحس فنقول: إن الحكم ليس على الأبدان حتى تعترضوا، وإنما الحكم في دار البرزخ على الأرواح لا الأبدان.
стр. 176
سؤال منكر ونكير للميت وسبب تسميتهما بهذين الاسمين
ثم قال ﵀: (وسؤال منكر ونكير حق) : هذا بيان تفصيل الفتنة، وأن الفتنة تكون بسؤال منكر ونكير.
ومنكر ونكير ملكان كريمان، وإنما سميا بهذين الاسمين منكَر-بفتح الكاف- ونكير؛ لأنهما لا يعرفهما الإنسان، فهما غير معروفين لمن يأتيان إليه، فالنكارة هنا ليست لفعلهما، ولا لحالهما، وإنما النكارة لكون الإنسان يجهلهما.
وقيل: إنهما يأتيانه على صورة منكرة فظيعة، تدهش العقول وتذهب الألباب، وتذيب القلوب، وهذا الموقف هو الذي يحصل به الفضل لأهل الفضل كما في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، فالثبات الذي يكون في الآخرة منه ما يكون في القبر عند سؤال منكر ونكير، بل هو سبب نزول هذه الآية كما في الصحيح، فهذان الاسمان لهذين الملكين إنما هما في الحقيقة وصف لحالهما وليس تقليلاً لشأنهما، فهما من الملائكة الكرام الذين سخرهم الله .
وقد جاء إطلاق هذين الاسمين عليهما في السنة فيما رواه ابن حبان في صحيحه، وأيضاً جاء في مسند الإمام أحمد، فهذان الاسمان لهذين الملكين ثبتا بالسنة، وإن كان بعض أهل العلم يضعف ما ورد في ذلك.
ثم قال: (والبعث بعد الموت حق) : البعث هو ما أخبر به الله به من قيام الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، ولعلنا نترك التفصيل بما يتعلق بالبعث إلى الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 177
شرح لمعة الاعتقاد [١٣]
من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما ورد من أخبار النبي ﷺ في أمور الآخرة، ومن ذلك: الشفاعة العظمى الخاصة بالنبي ﷺ ، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه أهل الموقف، ثم ما يتبع ذلك من حساب ونصب للموازين، ووزن للأعمال، وتطاير الصحف، ونشر للدواوين، والجواز على الصراط.
стр. 178
الإيمان بحشر الخلائق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ ، ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢] .
والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣]] .
هذا صلة لما تقدم من الكلام على الإيمان باليوم الآخر، والمؤلف ﵀ ذكر شيئاً مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر ولم يستوعبه، وقد تقدم أن الإيمان باليوم الآخر يقتضي الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت، كما قال ﵀: (والبعث بعد الموت حق) ، ثم قال: (وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور) (فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] ) .
وقد جاء النفخ في القرآن في ثلاثة مواضع: الموضع الأول قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧] ، هذه النفخة الأولى وتسمى نفخة الفزع.
والنفخة الثانية والثالثة في سورة الزمر في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ، فحصل من هذا ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام والبعث.
والمؤلف ﵀ ذكر في هذه الآية نفخة البعث التي يقوم بها الناس لرب العالمين، كما قال الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١-٣] ، ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤-٦] ، فهذا القيام عقب النفخ هو الذي يقوم به الناس من قبورهم، ويحشرون به إلى ربهم، قال ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] أي: يأتون من كل مكان، ويجتمعون من كل صوب، والنسل في قوله تعالى: (ينسلون) يدل على كثرة وعظم هذا البعث، وأنه بعث عظيم يأتي بالناس ويجمعهم من كل مكان.
قال ﵀: (ويحشر الناس يوم القيامة) .
بعد أن ذكر البعث وقيام الناس لرب العالمين ذكر الحشر، ويحشرون: أي يجمعون، وهذا الجمع ليس خاصاً بالناس، وإنما خصهم المؤلف ﵀ بالذكر لكونهم هم الذين يقصدون بالبعث والنشور والحشر؛ لأن مقصود الحساب والجزاء أن يتبين أهل السعادة وأهل الشقاء، وأما بعث ونشر وحشر غيرهم فهو تابع، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] ، فالوحوش تحشر وتجمع، وقال تعالى في حشر الخلائق:: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] ، أي: كل ما طار وما درج وكل ما خلقه الله يحشر يوم القيامة، فكل ذي حياة يبعث يوم القيامة ويؤتى به إلى أرض المحشر.
قوله ﵀: (ويحشر الناس) تخصيص لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، فيحشرون ويجمعون على الصفة التي ذكرها الله .
وسمى اليوم بيوم القيامة؛ لأنه ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، ولأنه اليوم الذي يقام فيه الميزان بالقسط، ولأن الله يقيم فيه العدل؛ فهذا هو سبب تسمية هذا اليوم بيوم القيامة.
قال ﵀ في صفة حشر الناس: (حفاة عراة غرلاً بهماً) ، وهذه الأوصاف جاءت بها السنة، ففي حديث ابن عباس في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنكم ملاقو ربكم حفاة عراة غرلاً) ، وأما زيادة: (بهماً) فجاءت في مسند الإمام أحمد بسند لا بأس به، قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً، قالوا: ما بهماً يا رسول الله؟ قال: ليس معهم شيء) ، أي كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ، ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام:٩٤] ؛ فكل الناس يأتي يوم القيامة ليس معه شيء من هذه الدنيا إلا ما كان من العمل الصالح، كما قال النبي ﷺ في الصحيحين: (يأتي الرجل يوم القيامة فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -جهة شماله - فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار) ، وإنما ذكر العمل عن اليمين وعن اليسار؛ لأن به يحصل فكاكه مما بين يديه.
يقول المؤلف ﵀ في بيان ذلك الموقف: (حفاة) : أي ليس معهم شيء يقي أقدامهم، (عراة) : ليس معهم ما يستر أجسادهم، (غرلاً) : قد تم خلقهم فلا نقص فيهم بوجه من الوجوه، حتى هذه القطعة التي تؤخذ من الذكور عند ختنهم بعد ولادتهم تعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ، فلا يضيع شيء من خلق الناس: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤] ، أي: يحفظ كل قطعة وكل جزء وكل ذرة من خلق الإنسان، ويعلم أين ذهبت؛ فيجمعها الله ويتركب منها هذا الخلق يوم القيامة.
قال: (فيقفون في موقف القيامة) ، أي: في أرض المحشر يقفون قياماً على أقدامهم في ذلك اليوم الشديد العصيب.
стр. 179
الشفاعة العظمى للنبي في الموقف
قال ﵀: (حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ .
فإنهم يقفون مدة طويلة، وهذه المدة ليست مدة لهو وابتهاج ونظر؛ إنما هي مدة عظيمة طويلة يطولها الله على أهل المعصية والكفر، ويقصرها جل وعلا ويخففها على أهل الإيمان والتقى والصلاح الذين قال الله فيهم: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] ، اللهم اجعلنا منهم! يقول النبي ﷺ فيما رواه الإمام مسلم من حديث المقداد بن الأسود: (تدنو الشمس يوم القيامة من رءوس الخلائق.
قدر ميل أو ميلين، فيكون الناس في عرقهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه العرق إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه العرق إلى حقويه - يعني إلى منتصف جسمه - ومنهم من يأخذه العرق إلى ثدييه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً) ، هكذا يتفاوت الناس في شدة ذلك اليوم بسبب صهر الشمس لهم بقدر ما كان من أعمال لهم في هذه الدنيا قف الآن في الشمس وانظر مدى أثرها عليك، وهل تطيق ذلك أو لا؟ فما ظنك بهذه الشمس عندما تدنو من رءوس الخلائق قدر ميل أو ميلين، والميل إما أن يكون ميل المكحلة، وهو الجزء الذي يدخل في أداة الاكتحال، وإما أن يكون المسافة المعروفة، وكلاهما قريب.
يقف الناس في ذلك الموقف العصيب الشديد، ثم يضيقون لطول الموقف وشدته، فيطلبون فكاكاً من ذلك الموقف، ويطلبون شفاعة سادات الخلق وهم الرسل الكرام، فيبدءون بآدم أبي البشر، فيأتون إليه ويقولون له: يا آدم! أنت الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! يعنون: من الشدة والكرب، فيقول: لست لها، اذهبوا إلى نوح، فيذهبون إلى نوح فيعتذر ويحولهم إلى إبراهيم، فيعتذر إبراهيم ويحولهم إلى موسى، فيعتذر موسى ويحولهم إلى عيسى وهكذا أربعة من أولي العزم من الرسل خامسهم آدم ﵇، فيحولهم عيسى ﵇ إلى النبي ﷺ .
فيأتون إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك الموقف الشديد العظيم فيقولون: ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟! فيقول النبي ﷺ : (أنا لها، أنا لها) ، فيقوم ﷺ ويخر لله ساجداً، فيقال له: (ارفع رأسك، واشفع تشفع) فيشفع النبي ﷺ في فصل القضاء، أي: أن يأتي الله جل وعلا لفصل القضاء بين الخلائق، وهذه هي الشفاعة العظمى التي اختص بها رسول الله ﷺ ، وهو المقام المحمود الذي يحمده عليه الناس كلهم مسلمهم وكافرهم.
وهذه الشفاعة لجميع الخلق مسلمهم وكافرهم؛ لأن الموقف موقف عظيم يضيق بالناس، سواء المسلم منهم والكافر، ولذا فإن هذه الشفاعة فيها نوع شفاعة للكفار، لكنها لا تنفعهم في الحقيقة، إذ إن ما يقبلون عليه وما يقدمون إليه أعظم مما خلفوا، فهو يشفع فيهم ليتخلصوا من شدة وكرب الموقف وينتقلوا إلى النار؛ نعوذ بالله من الخذلان والكفران، وهناك يكون الأمر أشد وأعظم.
وهذه الشفاعة مشار إليها أيضاً عند أنواع الشفاعة، وهي الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي يحمد فيه النبي ﷺ كل الخلائق.
стр. 180
حساب الله للخلائق يوم القيامة
قال: (ويحاسبهم الله ﵎ ، أي يحاسب الناس، وظاهر هذا أن الحساب لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم.
следующие страницы →