Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين [٣]
في العيد يظهر فضل الله تعالى على عباده المؤمنين بما شرع لهم من أسباب الترويح عن النفس والأهل، كما أن من فضله عليهم تلك الآداب الواردة في كيفية الذهاب إلى المصلى والرجوع منه، حيث يشرع للمسلم الذهاب من طريق والرجوع من آخر ليلقى أكثر إخوانه ويسلم عليهم ويدعو لهم، وكذلك الخروج إلى المصلى، إذ فيه إظهار فضل الله على عباده المؤمنين بإعزاز دينه وأهله، وإغاظة اليهود والنصارى وسائر الكافرين.
стр. 1017
من آداب العيدين
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
стр. 1018
حكمة المخالفة في الطريق يوم العيد
فيقول المصنف: [وعن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم العيد خالف الطريق) أخرجه البخاري، ولـ أبي داود عن ابن عمر نحوه] .
هذا من آداب يوم العيد، فقد كان ﷺ إذا خرج إلى المصلى وصلى العيد خالف بين الطريق، وهذا عندما يكون للمصلى طرق متعددة بالنسبة للإمام وكذلك المصلي، وقد اختلفوا في هذه المغايرة هل هي خاصة بالنبي ﷺ ؛ لأن الذين في الطرقات أو في البيوت ينتظرون مرور رسول الله ﷺ ليدعو لهم ويسلم عليهم وتنالهم بركات سلامه عليهم ودعواته، أم أن ذلك عام لكل مصل؟ فبعضهم يقول: هذه خاصة برسول الله ﷺ ؛ لأن الناس ينتظرون عودته ورواحه، وهنا يذكر ما يفعله بعض الناس من التهنئة بيوم العيد، وربما نسمع بعض الناس يقول: هذه بدعة! وهي سنة عن رسول الله، والسلف رضي الله تعالى عنهم ينقل العلماء عنهم أنه كان بعضهم يقول لبعض: تقبل الله منا ومنك، وهذه هي التهنئة بيوم العيد.
فالذهاب من طريق والعودة من طريق قيل: إنها ليرى الإنسان من لم يره من قبل، وقيل: هذا من جانب المقيمين، ليكون لهم حظ من سلام الإمام ودعوته لهم في ذلك اليوم بالخير.
فمغايرة الطريق قيل: هي خاصة برسول الله ﷺ ، وقيل هي عامة لكل مصلٍ، والله تعالى أعلم.
стр. 1019
العيد يوم راحة المسلم وسعادته مع إخوانه المسلمين
[وعن أنس ﵁ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: قد أبدلكم الله خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر) أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد جيد] .
في هذا الحديث أن النبي ﷺ لما قدم المدينة مهاجراً صلوات الله وسلامه عليه، وجد لأهل المدينة يومين يلعبون فيهما، وهذه من عادات الشعوب، فلها -حسب العادات والوقائع- أيام يفرح فيها الناس ويلعبون فيها، كما هي العادة المشهورة عند كثير من الأمم، وسبب هذين اليومين لم أقف عليه حتى الآن.
وهنا لم يسأل النبي ﷺ عن أسباب اللعب في هذين اليومين، ولكنه لما كان من عمل الجاهلية وقبل الإسلام، ولم يتضح لهما سبب شرعي لم ينههم عن ذلك، وهذه مسألة ينبغي التنبيه عليها؛ لأنها قاعدة إسلامية إصلاحية عظيمة جداً، فإذا رأيت إنساناً يرتكب أمراً مخالفاً فقبل أن تنهاه عنه انظر إلى البديل الذي يصلح لتقدمه إليه ليتخلى عن غير الصالح، إنسان كفيف له عصا يتوكأ عليها، لكن تلك العصا متنجسة، أو فيها شوك، أو أنها على وشك الانكسار، أي أنها غير صالحة لمهمتها في نظرك وأشفقت عليه، فلا تقل له: ارم العصا من يدك، بل قبل ذلك، وقبل أن تقول له إن العصا غير صالحة ائت بعصا صالحة، وقل له: خذ هذه فهي خير مما في يدك، وألق التي في يدك.
فستجد أنه عندما يحصل على شيء خير من الذي بيده سيلقي ما بيده قبل أن تقول له: ألق ما في يدك؛ وهكذا لو وجدت شخصاً في طريقة مبتدعة وطريقة منكرة لم تجد لها أصلاً في الدين.
فلا تأت إلى إنسان لتنزع ما بيده استنكاراً قبل أن تهيأ له البديل عن ذلك المنكر.
стр. 1020
حكمة النبي ﷺ في معالجة الأمور
وهنا النبي ﷺ وجد القوم يلعبون على حال من الترفيه البريء، فما استنكر لعبهم، ولكن استنكر توقيت اللعب باليومين، فقال: (قد أبدلكم الله خيراً من هذين اليومين يوم الفطر والأضحى) .
ولو جئت من باب الترفيه، ومن باب التسلية، ومن باب إظهار السرور لا تجد يومين في حياة الأمة كيومي العيد، بخلاف الأفراد؛ لأنه قد يكون للفرد في حياته يوم خير من العيد، كما وقع لـ كعب بن مالك حين كان مع الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في تبوك، فعندما تخلفوا عن تبوك وجاءوا يعتذرون قبل عذرهم إلا ثلاثة، ومنهم كعب بن مالك، حتى جاءت توبتهم من عند الله، وليس المخلفون الذين تخلفوا عن الغزوة، فالذي تخلف عن الغزوة عدد كثير، لكن كلهم جاءوا فاعتذروا فعذرهم رسول الله ﷺ في ظاهر الأمر، وترك حقيقتهم إلى الله إلا هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا وقالوا: والله ما كان عندنا عذر فخلفوا عن قبول توبتهم وعذرهم، فيوم أن نزلت توبتهم وذهب إلى كعب رجل ونادى وقال: أبشر يا كعب، وركض إليه رجل بالفرس فكان صوت المنادي أسرع من ركض الخيل، فلما جاء الذي صرخ له أعطاه ثوبه الذي عليه وقال: والله ما عندي غيره، ثم استعار ثوباً من جماعته وذهب إلى رسول الله ﷺ ، فاستقبله رسول الله بالبشر وقال له: (أبشر -يا كعب - بخير يوم طلعت عليك فيه الشمس من حين ولدتك أمك) ، فأسعد يوم مر عليك هذا اليوم، رغم أنه قد مرت عليه أعياد، وشارك في الجهاد، لكن هذا اليوم الذي تاب الله عليه فيه كان أسعد يوم مر عليه.
فالأيام السعيدة ذات الذكرى الجميلة قد تكون للفرد، وكلنا له يوم أو أيام حسب ظروفه ومشاغله، لكن لا يوجد للأمة يومان أفضل من يومي العيدين، وتقدم لنا أن الأعياد عند الأمم لمناسبات سببها حدث في يوم واحد تبقى ذكراه مع التكرار، لكن في الإسلام في كل سنة عيد حقيقي؛ لأن عيد الفطر عيد بصيام رمضان، وهذه نعمة كبرى؛ لأن الله وفق الناس وأعانهم على أنفسهم وعلى الشيطان والهوى، وحجزوا النفس عن الأكل والشرب والشهوات حتى أكملوا الشهر، كذلك الحج جاءوا من كل فج عميق، واجتمعوا في واد غير ذي زرع، وأدوا المناسك بحمد الله، فكان عيد الأضحى.
فهما يومان عظيمان مرتبطان بيومين متكررين وعبادتين متكررتين في كل سنة، والرسول ﷺ انتقد اليومين ولم ينتقد اللعب، وأشعرهم أن الله قد أبدلهما خيراً منهما.
стр. 1021
إباحة اللعب والترفه يوم العيد
فمن باب الإيماء والتنبيه يكون هذا الحديث: (إن الله قد أبدلكم يومين خيراً منهما) فيه إباحة اللعب في العيد، ولا شك أنه لم ينكر اللعب عليهم، ولكن أنكر التوقيت الزمني، فأخبرهم أن الله تعالى أبدلهم يومين بيومين، واللعب على ما هو عليه.
والله أعلم.
ولو أن للناس عادة ويوجد نظير ذلك من السنة من الشرع فالأولى أن يأخذ البديل من السنة، بل قد يتعين؛ لأن المسلمين أمروا باتباع ما جاء عن النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] والخير كل الخير فيما جاءنا به الرسول ﷺ ، ولو كان يخالف عادات وطباع الناس، وعلى الناس أن يتطبعوا على ما جاء به النبي ﷺ ، لا أن يخضع الرسول ﷺ وما جاء به لأهوائهم، قال ﷺ : (والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) .
دعا الرسول ﷺ وصنع له الطعام، وكان رجل بصحبة رسول الله ﷺ ، فكان الطعام من الدباء، فالرجل يقول: (رأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدباء في القصعة، قال: فما زلت أحب الدباء من ذلك اليوم) ، فبسبب محبة الرسول ﷺ للدباء صار الصحابي يحب الدباء، وهل هناك حب أكبر من هذا؟ فكأنه يقول: اخترت ما اختاره الله لرسوله ﷺ .
وقد ثبت الحديث الذي يدل على لعب الأحباش في المسجد النبوي وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: (ربما سألني -أو سألته-: أتحبين أن ترينهم؟ قلت: بلى.
فقمت وهو يسترني من الناس وخدي على خده، وهو يقول لهم: دونكم يا بني أرفدة، دونكم يا بني رفيدة) وكان يقول لـ عائشة: (هل اكتفيت) وهي تقول: لا.
قالت: والله ما بي رؤيتهم، وإنما أردت أن يعلم زوجات رسول الله بقيام رسول الله معي ليعرفن مكانتي عند رسول الله، فهل يمكن أن تتسع لإنسان أخلاقه مع الزوجة في مثل هذا الباب إلى هذا الحد فيتحمل من أجلها ويصبر؟ فانظروا إلى مكارم أخلاق الرسول ﷺ في ذلك.
فلا مانع من اللعب في يومي العيد، وفي القديم كان يوجد مكان للعب الصبيان في المدينة، وكان أهلهم يجمعونهم ويحملونهم على العربات التي تنزل من القرى محملة بالبرسيم أو الدباء، وهي التي كانت تستعمل في التنقل في المدينة، فكانت هذه العربات التي تجرها البهائم يوم العيد تزين، ويجعل لها صندوق، ويجمع الأطفال بلباسهم يوم العيد والزينة، ويذهب بهم للتنزه واللعب، وتظهر ألعاب جديدة منها الجائز ومنها المحرم، فكان أطفال المدينة يظلون ثلاثة أيام في لعب ومرح وبهجة، ولا يعكر عليهم شيء.
فلا مانع أن يسمح للكبار والصغار، ولا مانع أن يسمح أيضاً للأطفال ذكوراً كانوا أو إناثاً، ماداموا في السن الذي ليس فيه فتنة، وكان عندهم كبير يرعاهم حتى لا يتأذون، فلا مانع أن نسمح لهم، ونجعل لهم أماكن للعب، بشرط أن تكون تحت إشراف مسئولين، وبأنواع جائزة بعيداً عن المقامرات.
ومما جاء في هذا أيضاً أن أبا بكر ﵁ دخل على عائشة، وأنكر عليها وجود الجاريتين تغنيان، فقال الرسول ﷺ (دعهن يا أبا بكر؛ ليعلم اليهود أن ديننا دين سماحة) ، أي: ليعلموا أن في ديننا الترفيه البريء.
فسعادة الإنسان إن يجد شيئاً كان يفتقده، وهذا ما يحصل في يوم العيد، ومما يذكر عن بعض الفلاسفة أن إنساناً جاء يشتكي إليه الضيق والقلق، فسأله: هل أنت متزوج؟ قال: لا، قال: هل ينقصك من الدنيا شيء؟ قال: عندي أموال كثيرة، قال: هل أحد ينغص عليك وظيفتك؟ قال: أنا أعمل عملاً حراً، فأخذ يسأله عن كل الجوانب فرأى أن كل شيء متوفر عنده، فقال له: اكتب لي أن تعمل ما آمرك به حتى تنال السعادة؟ قال: أعَملُ ما أردت، فأخذه ودخل به على الطبيب وقال له: اثنِ رجله إلى فخذه وغطها بالجبس، فخدره فنام، وجاء من المشرحة برجل مبتورة ووضعها بجانبه على السرير، فلما استيقظ إذا به يبحث عن رجله فلم يرها، ووجد رجلاً مبتورة بجانبه، فظن أن رجله قد بترت، فقال: أنا ما قلت لك أن تفعل هذا، قال: لقد كتبت لي أن أعمل ما أشاء حتى أوصلك إلى السعادة، ثم قال له: إن أردت أن أرجع لك رجلك، فإني أريد مالاً، قال له: خذ ما تريد، فخدره وفتح الجبس وأعاد تلك الرجل إلى المشرحة، فلما استيقظ قال: أنا الآن أسعد مخلوق؛ لأنه افتقد شيئاً عزيزاً عليه ثم وجده وظفر به.
ورجل هرب عليه عبد، فقال: من يأتيني بعبدي فله عشرة آلاف.
فقيل له: العبد لا يساوي أكثر من ألف! قال لهم: ائتوني به، فلما أتوا به دفع العشرة الآلاف، فعوتب على ذلك، فقال: إنكم لا تعرفون لذة الظفر، فالعشرة الآلاف لم أدفعها لعودة العبد، ولكن لأظفر بمطلوبي.
وقد روي أن خالد بن الوليد ﵁ قيل له: شاركت في المعارك، ولك أموال وصحة، فما هي أمنيتك بعد هذا؟ فقال: (أن تكون ليلة شديدة البرد عاصفة الرياح غزيرة الأمطار وأقوم حارساً للجند تالياً لكتاب الله) .
فسعادة الإنسان في أن يجد شيئاً كان مفقوداً، وإذا ما استكملت له كل أغراضه افتقد السعادة، فيوم العيد يجد فيه الأطفال والكبار والصغار البهجة ودواعي السرور وما يسمى الترفيه البريء، وليس غير البريء، والذين يذكرون بعض الحروب المتأخرة يعرفون الترفيه البريء ماذا كانت نتائجه، سواءٌ على إسرائيل أم على غيرها.
стр. 1022
سنة المشي في الذهاب إلى المصلى
[وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشياً.
] .
هذا الأثر عن علي ﵁، وهذا اصطلاح علماء الحديث، والسنة لغة: الطريقة، والسنة: نهج الحياة، كما قيل: من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل أمة سنة وإمام فالسنة: الطريقة التي تعارف عليها الجماعة.
والسنة في الشرع تطلق على معنيين، فتطلق على النصوص التي صدرت عن رسول الله ﷺ بجانب القرآن، فتقول: الكتاب والسنة، فيكون الكتاب نصوصه وحي من الله والسنة وحي لرسول الله، وكلاهما وحي كما قال السيوطي: الوحي وحيان: وحي أمرنا بكتابته وتعبدنا بتلاوته، فقال ﷺ : (من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ، فهذا تعبدنا الله بتلاوته، قال: ووحي لم نؤمر بكتابته ولم نتعبد بتلاوته، وهو السنة.
وكان كلامه وحياً لنص القرآن الكريم في حقه ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] ، لكن اتفقوا على أن الحديث القدسي كلام الله، ولكن فرق في الاصطلاح بين القرآن المأمور بكتابته المتعبد بتلاوته وبين الحديث القدسي، وكذلك هناك فرق بين الوحي الثالث والسنة النبوية.
وتطلق السنة على منهج العمل، فالسنة في الأكل والشرب أن تأكل بيمينك، نسبة إلى الحديث الذي يقول: (يا غلام! سم الله وكل بيمينك) ، والسنة في النوم أن تضطجع على شقك الأيمن، فالسنة: الطريق والمنهج الذي سنه رسول الله ﷺ للأمة.
فهنا علي يقول: (من السنة) ولم يقل: من السنة قوله ﷺ فتكون سنة قولية، لكنه هنا ينقل لنا سنة فعلية، فقال: (أن تذهب إلى العيد ماشياً) وتخرج من بيتك إلى مصلى العيد ماشياً، ولا يكلف كل إنسان أن ينزل من ذاك المكان ماشياً، ويمكن أن نقول: في الزمن الأول لا بأس بذلك، الرسول ﷺ -وقد جاوز الخمسين- كان يخرج إلى قباء تارة ماشياً وتارة راكباً، لكن قد تغير الناس في زماننا، فقالوا: لو ركب يركب من منزله حتى يقارب مشارف مصلى العيد فينزل ويمشي.
وقالوا: المشي هنا لأنه ذاهب إلى عبادة، ويكون ممشاه له فيه بكل خطوة أجر.
وعند الرجوع لم يذكر لنا علي سنة، قالوا: العودة على حسب العادة راكباً أو ماشياً، والفرق بين الذهاب والعودة أن الذهاب من البيت إلى المصلى بقصد العبادة، فهذا يتمحض فيه المشي للطاعة والعبادة، لكن في العودة تكون العبادة قد انتهت.
فالسنة في الذهاب لمن كان يقدر على المشي أن يذهب ماشياً؛ لأن النبي ﷺ كان يذهب إلى المصلى ماشياً، وكان يغاير بين الطريقين، فقالوا: ذلك سنة فعلية نقلاً عن النبي ﷺ .
قالوا: لأن في المشي نوعاً من التواضع وإظهار الإخبات إلى الله، فيكون منذ خروجه من بيته إلى مصلاه في إخبات وإنابة إلى الله .
стр. 1023
حكمة الخروج إلى المصلى، ومتى يصلى في المسجد
[وعن أبي هريرة ﵁: (أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم رسول الله ﷺ صلاة العيد في المسجد) رواه أبو داود بإسناد جيد] .
لما تقدم أن النبي ﷺ كان يخرج لصلاة العيدين إلى المصلى، وذلك لأمرين: لضيق المسجد، ولإظهار الكثرة العددية، والكثرة العددية في ذلك التاريخ كان لها أثر كبير؛ لأن مجتمع المدينة كان فيه المسلمون والوثنيون واليهود والمنافقون، والوثنيون واليهود والمنافقون يتربصون بالمسلمين، وكان في نواحي المدينة أعراب لا يعرفون شيئاً، ولا يقدرون إلا القوة والمنفعة.
فالأعداء في داخل المدينة وخارجها كانوا لا يعرفون إلا منطق القوة، فعندما يخرج النبي ﷺ بالمسلمين بهذا العدد الكبير رجالاً ونساء وأطفالاً حتى الحيض يخرجن مع المسلمين إلى صلاة العيد، يرى أعداء الإسلام الكثرة فيعملون لذلك حساباً، ومن هنا كانت الكثرة قوة، ومن هنا كان النبي ﷺ يحث على التكاثر، فقال: (تناكحوا تناسلوا تكاثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة) ، بل يذكر في تاريخ العصور الحديثة والدول الكبرى والصغرى أن جولدا مائير كانت كل صباح تسأل مصلحة المواليد الإسرائيلية عن عدد المواليد الإسرائيليين والمواليد العرب تنتظر العدد والكثرة،؛ لأن الكثرة قوة وغلبة.
وقد ذكر أن محاضراً ذهب يحاضر في الصين عن خطورة القنبلة الذرية ويحذرهم منها، فضحك الحاضرون، فسأل المحاضر: لم يضحكون؟ قالوا: لأن الصين تفرح ولا تهتم إذا جاءت قنبلة وأخذت مائة ألف أو أكثر من ذلك، فإنه سيبقى في الصين من يرث العالم كله بالتعداد، فالعدد في الأمة إنما هو قوة.
وحدث في مؤتمر ماليزيا عام خمسة وثمانين وثلاثمائة وألف من الهجرة -وشاركنا فيه- أنهم قدموا قراراً بتحديد النسل تتدخل فيه الدولة، فقلنا لهم: نحن قبل أن نأتي إلى ماليزيا درسنا التعداد السكاني والوضع الاجتماعي حتى نكون على بينة، فعرضنا على رئيس اللجنة عدد سكان ماليزيا، فالمسلمون فيهم خمسة وخمسون في المائة، والصينيون خمسة وأربعون في المائة، والصينيون لم يكونوا يحددون النسل عقيدة في ذلك الوقت، أما اليوم فأصبحت القضية عامة، فإذا أصدرتم قراراً بتحديد النسل في ماليزيا الذي سيعمل به المسلمون، فإذا عمل المسلمون بهذا القانون ولم يعمل به الصينيون -وهم أعداؤكم- فبعد خمس سنوات سيقضي هذا القرار على ماليزيا دون أن تشعروا، فألغي القرار وألغي الموضوع؛ بسبب ما سيئول إليه التعداد من الكثرة أو القلة.
وهنا كانوا يخرجون إلى مصلى العيد لإظهار تلك الكثرة أمام الأعداء، وكان النبي ﷺ يحث الشباب على الزواج، ونهى عن تحديد النسل على الصحيح، فنهى عن العزل أو كرهه، والله تعالى يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] وأقل شيء أن كل واحدة تأتي بواحد.
وسوداء ولود خير من حسناء لا تلد.
إذاً: كان خروج النبي ﷺ بالمسلمين لمصلى العيد لأمرين: الأول: التوسعة على المسلمين، فقد كان مسجده ضيقاً لا يسع لجميع الناس، فخرج بهم إلى الصحراء، وقد كانت الصحراء واسعة قبل أن يحدث البناء الموجود اليوم.
ولما نزل المطر وعم الجميع، وأصبح المصلى ممطوراً صلى بهم في المسجد، وهنا يبحث الفقهاء مسألة صلاة العيدين في المسجد.
فالفقهاء يقولون: إن كان المسجد يسع المصلين فهو أولى وأفضل؛ لأنه معد للعبادة طوال السنة فهو أولى من الخروج إلى المصلى.
والآخرون قالوا: ولو كان يسع فإن السنة الخروج.
ومن قال: إن تعذر الخروج، أو كان فيه مشقة على الناس، فإنهم يصلون في المسجد، ولكن إذا ضاق المسجد بالناس فإنهم يصلون حوله؛ ولهذا ينص المالكية على أن الجمعة تصح في تلك المحلات المحيطة بالمسجد إذا كان يدخل إليها بدون استئذان، مثل المعارض المفتوحة، والدكاكين التي بجوار المسجد، ففي هذه المحلات تصح الجمعة، فإذا امتدت الصفوف من المسجد إلى الشارع إلى المعرض والدكان صحت الجمعة لمن صلى في الدكان ما دام الصف متصلاً بالمسجد، فإذا كان الحال كذلك في الجمعة -وهي آكد من العيد- وحصل مطر وتعذر الخروج إلى المصلى صلينا في المسجد.
وفي الحرمين من زمن بعيد يصلون صلاة العيدين في المسجد، فلو جئت إلى مكة الآن، أو سألت أهل مكة: هل يوجد مكان يمكن أن يصل الإنسان إليه بقدمه أوسع من المسجد الحرام وما حوله؟ يقال لك: لا.
وهل يوجد مكان بسعة المسجد النبوي يمكن أن يصل إليه إنسان برجله؟ خاصة بعد التوسعة الأخيرة والتخلية التي حولها، فالمدينة كلها دخلت في التوسعة، ولم يبق بيت واحد مما كان داخل السور الرسمي للمدينة إلا دخل في توسعة المسجد النبوي.
فالمؤلف ﵀ يختم البحث بهذا الحديث ليبين لنا أنه إن كان المسجد ضيقاً، ويوجد مصلى للعيد، وليس هناك عذر فالسنة الصلاة في المصلى، وإن كان هناك عذر مانع، أو ما يشق على الناس معه الذهاب إلى المصلى صلوا العيد في المسجد، سواءٌ أكان في المسجدين الشريفين أم المسجد الأقصى، أم أي مسجد كان في أي قرية كانت، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1024
كتاب الصلاة - باب صلاة الكسوف
إن الحوادث الكونية من آيات الله العظيمة التي يخوف بها عباده، والتي يبين بها سبحانه للخلق كلهم أنه لا طاقة لهم بها، ولا يستطيعون دفعها، ومن هذه الآيات كسوف الشمس والقمر، وكذلك الزلازل والرياح العاصفة الشديدة وغيرها، وقد بين النبي ﷺ ما يشرع للمسلم فعله عند وقوع آية من هذه الآيات.
стр. 1025
أحكام صلاة الكسوف
стр. 1026
الكسوف وسببه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: (انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) ] .
في هذا النص الكريم أن الشمس انكسفت على عهد رسول الله ﷺ ، والحمد لله الذي أحدث هذا في عهده، فبين لنا وشرع لنا ماذا نفعل.
وأحب أن أنبه على بعض المعتقدات الجاهلة -ولا أقول: الجاهلية-، فعندما يقع كسوف أو خسوف للقمر يدق بعض الجهال الطبول، ويطوفون بالشوارع ويلعبون، فهل دق الطبول واللعب يرفع الكسوف عن القمر؟ فنحمد الله أن هذا الحدث وقع في عهد رسول الله ﷺ فبيّن لنا ماذا نفعل، وهؤلاء الذين يدقون الطبول ربما لم يعلموا السنة، أو أنهم علموها ولكن لم يطبقوا شيئاً منها، فنحمد الله سبحانه على أن الرسول علمنا.
قوله: (انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم) .
إبراهيم ولد من مارية، ومن الكنى التي كني بها النبي ﷺ : (أبو إبراهيم) ، وتوفي إبراهيم وهو صغير، وحين جاءوا إليه ﷺ وطلبوا منه أن يحضر قال: (أن العين لتدمع، والقلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ... ) ، ووقع هذا الحدث -الكسوف- متزامناً مع موته، فقالوا تلك المقالة؛ لأن الكسوف عندهم في اعتقادهم لا يكون إلا لأحد أمرين: إما أن يحدث ذلك لموت عظيم حزناً عليه، وإما لوقوعه في غير ما اعتادوه في علم الفلك عندهم.
ويجب أن نعلم أن العرب هم أول أمة عنيت بالفلك، وأول أمة برعت فيه، وأول أمة وضعت خرائط للأرض، وأول أمة بينت وحددت رقعة وتضاريس الكرة الأرضية من بحار وجبال، وهذه الخرائط الأساسية هي المبدأ الأساسي في أوروبا في دراسة الفلك في العالم.
فالعرب كان لديهم علوم في الفلك ما سبقهم إليها أحد، ونعلم استفادة العرب في تقدير الزمن بحركة النجوم، كما قال الله : ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] ، وكما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٩٧] ، فكانوا يعرفون الاتجاه ويعرفون المسير، ويؤرخون لظهور كل نجم من النجوم السيارة الاثني عشر، فهم كانوا يعرفون متى تكسف، ومتى لا تكسف، فاستغربوا كونها كسفت في غير وقتها، ولا نقول: إنهم يجهلون ذلك.
كلا؛ فالنبي صلى الله عليه بيّن أن هذه المقالة خاطئة، فقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) ، وآيات الله كثيرة وعظيمة، كالرياح والجبال والبحار والأشجار والسموات والأرض، فالآيات الكونية عديدة جداً، وكل آية لها مهمتها، ولكن هنا قال: (يخوف الله بهما عباده) ، وهذا هو الواقع، فأنت لو تأملت في القمر فإنه يكون في تمامه وهو مكتمل، وفجأة يضيق عليه ويبدأ بالتناقض.
وبعض العلماء يقول: إن حركة الكسوف لا دخل لها في تعارض الأفلاك بعضها مع بعض، وإنما هو أمر يتجلى الله فيه للكوكب فيحدث له ذلك، ولكن لا نستطيع أن نقول هذا، وإنما هي أقوال تقال، وقد حدث أنهم عينوا أنه سيكسف الكوكب كسوفاً جزئياً في وقت كذا في مكان كذا، وكسوفاً كلياً في الساعة الفلانية في مكان كذا، وحدث كما عينوا، وقد اجتمع علماء الفلك في موريتانيا في مرة من المرات وعلقوا المراصد ورصدوا الكسوف كاملاً للشمس.
قوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) .
إذا عرفنا أنهما لا ينكسفان لموته فكيف لحياته؟ قالوا: ربما كان مريضاً مرضاً شديداً وتعافى، فنقول: المعافاة نعمة فكيف انكسفت لها الشمس؟ قالوا: يمكن أنها انكسفت لولادة شخص سيئ سيسيئ إلى العالم، فانكسفت لما سيلحق بالعالم من مضار ومفاسد، فالرسول ﷺ أتى بالمتقابلين فقال: (آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد) وتأكيداً لهذا النفي أنها لا تنكسف لموت أحد قال: (ولا لحياته) .
والله أعلم.
стр. 1027
الواجب عند كسوف الشمس أو القمر
قوله: [ (فإذا رأيتموها فادعوا الله وصلوا) ] ؛ لأن هذه حالة شدة وحالة إنذار، فالذي يحدث في النظام العالمي شيئاً من التغيير هو قادر على أن يغير العالم كله في لحظة، ولذا فإن الكوارث الأخرى تحدث في لحظة من اللحظات وكم تدمر، وكم يحصل فيها من التغيير، كما سيأتي في آخر الباب إن شاء الله.
وقوله: (فادعوا الله) أي: إلى أن يأتي وقت الصلاة ادعوا الله أن يرحمنا، وادعوا الله أن يكشفها، وادعوا الله أن لا ينزل بنا سوءاً، وادعوا الله بكل ما فيه اللجوء إليه أن يكشف ما بنا، ثم مع الدعاء الصلاة.
قوله: [ (فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف) ] .
أي: حتى تنكشف الشمس، أو ينجلي القمر.
[وفي رواية للبخاري: (حتى تنجلي) ] .
ذلك لأنها تظلم عند كسوفها، ويجب على المسلمين أن يبحثوا في هذه المسألة أبحاثاً علمية، وقد تكون هذه الأبحاث موجودة ولكن نحن ما وقفنا عليها.
والرسول ﷺ لم يعز سبب الكسوف إلى عارض، حتى إنه لم يقل: حتى يزول العارض ولكن قال: (حتى تنجلي) فهذا الأثر في الكسوف قد يكون في عين الشمس بذاتها، وقد يكون حتى تنجلي الشمس عما بها، وقد يكون حتى تنكشف الشمس عما حل بها.
قال المؤلف ﵀: [وللبخاري من حديث أبي بكرة ﵁: (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) ] .
هنا (حتى ينكشف ما بكم) أي: من الغم والخوف والرهبة التي حصلت بوقوع هذا الحدث المغاير للمعتاد.
стр. 1028
صفة صلاة الكسوف
قال المؤلف ﵀: [وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ جهر في صلاة الكسوف بقراءته، وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات) متفق عليه، وهذا لفظ مسلم] .
هنا المؤلف ﵀ بعد أن جاء بحديث: (ادعوا وصلوا) جاء بحديث عائشة لتشرح لنا فيه كيفية هذه الصلاة المطلوبة.
فذكرت رضي الله تعالى عنها أن الصلاة في الكسوف تكون على الصفة الآتية: أولاً: الجهر بالقراءة، والجهر بالقراءة مبحث فقهي طويل، فهل قولها: (جهر بالقراءة) في خصوص الشمس أو في خصوص القمر؟ لأن الشمس نهارية والصلاة في النهار سرية، والقمر ليلي والصلاة في الليل جهرية، فهل نجهر في كلتا الحالتين أو نجهر فيما يجهر فيه فقط؟ المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء يقول: نجهر في الحالتين؛ لأن أم المؤمنين ﵂ قالت: (جهر) ، والبعض يقول: يكون الجهر في الذي محله الجهر، ويكون الإسرار في الذي محله الإسرار، ومن العلماء من يقول: يسر في كلتا الحالتين.
ثم قالت: (يصلي أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات) .
في قولها: (أربع ركعات في ركعتين) -كما يقولون- المشترك اللفظي؛ لأن المراد بالركعة هنا: الركوع، لأنها قالت: (في ركعتين) وقالت: (أربع سجدات) ، والأربع السجدات لا تكون إلا لركعتين لكل ركعة سجدتان، فقولها: (أربع ركعات) هذه الركعات أين تكون؟ وكم عددها؟ قالوا: في الركعة الأولى يركع ثم يرفع، ثم يركع مرة ثانية ثم يرفع، ثم يسجد، وفي الركعة الثانية كذلك، وأما عدد الركعات في الركعة الواحدة فسيأتي الخلاف في ذلك.
فالإجماع على أن صلاة الكسوف ركعتان، وإنما الخلاف في عدد ركعات كل ركعة، فهنا في الحديث ركوعان، وجاءت روايات بثلاثة ركوعات، وستة ركوعات، وثمانية ركوعات.
والذي عليه الجمهور هوما جاء في حديث عائشة: أن النبي ﷺ جهر بصلاة الكسوف، وأنه صلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات، بمعنى: أربعة ركوعات في الركعتين.
وسيأتي التفصيل بأنه ﷺ قرأ الفاتحة، ثم قرأ طويلاً نحواً من سورة البقرة، ثم ركع نحواً من ذلك، ثم رفع وقرأ نحواً من ذلك، ثم ركع نحواً من ذلك، وهكذا حتى أتم الركعتين.
وبعض العلماء يأخذها بالتفصيل الهندسي ويقول: يقرأ في الركوع الأول سورة البقرة، وفي الركوع الثاني مقدار سبعين في المائة منها، وفي الذي بعده مقدار خمسين في المائة، وهكذا يتدرج وينزل، وليس بلازم أن تكون سورة البقرة بعينها، بل مقدارها؛ لأن الموقف موقف شديد وعصيب ومخيف، مما يقتضي أن يكون العبد في تلك الحالة بين يدي الله .
قوله: [وفي رواية له: (فبعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة) ] .
هنا الزائد في هذه الصلاة عن صلاة العيد: (فبعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة) الصلاةَ بالنصب، منصوبة على الإغراء والتحريض، وأما بالضم فلا أعرف له وجهاً، وهذا من أجل أن يحثهم ويحرضهم على الحضور إليها.
وقد تقدم أن العيد لا يحتاج إلى نداء؛ لأن الناس يذهبون بأنفسهم إلى المصلى، فقد انتظروه من قبل يوم أو يومين، ولكن الكسوف أمر طارئ طرأ والناس في بيوتهم وأعمالهم، فينبههم، ولا ينبههم بالآذان؛ لأنه خاص بالصلوات الخمس.
فمن المصلحة أن يرسل في الطرقات وعلى المياه وفي مجامع الناس، وفي الأسواق من ينادي: الصلاة جامعة، وهذا هو المعمول به الآن في المدينة النبوية، وفي كثير من البلدان، والله تعالى أعلم.
стр. 1029
حديث ابن عباس في صفة صلاة الكسوف
قال رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى، فقام قياماً طويلاً) ] .
الذي عليه الجمهور أن الرسول ﷺ صلى الكسوف مرة واحدة، فكيف اختلف الروايات في عدد الركوعات؟ فـ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يبين لنا التفصيل في كيفية صلاة النبي ﷺ الكسوف، قال: (انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ -وبعضهم يذكر يوم موت إبراهيم، وبعضهم قد يترك هذا التاريخ- فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة) .
والسلف رضوان الله عليهم كانوا يقدرون الزمن بالقراءة، أي: بقدر ما يمكن أن يقرأ الإنسان في ذلك التوقيت، كما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه في الصيام حين سأله سائل: كم كان بين سحوركم والصلاة؟ قال: (قدر خمسين آية) ، فالتقدير للزمن بمقدار القراءة أمر تقريبي؛ لأن هناك من يسرع في القراءة، وهناك من يبطئ، والكل يعرف مقدار قراءة سورة البقرة أو آل عمران فـ ابن عباس وصف لنا طول قيامه ﷺ من أول ما دخل في الصلاة.
ولنعلم أن الفاتحة تُقرأ قبل البقرة؛ لأن الفاتحة في كل ركعة، ولكن هل يعيدها المصلي عندما يرفع من الركوع الأول للركوع الثاني حينما يجدد القراءة؟ قالوا: لا؛ لأنها ركعة واحدة فتكفي فيها الفاتحة مرة واحدة.
فالنبي ﷺ قام طويلاً بقدر ما تقرأ سورة البقرة مع الفاتحة، وبعضهم قال: يأتي أيضاً بدعاء الاستفتاح.
وابن عباس لم يحدد ما قرأ النبي ﷺ فقال الذين قالوا بالجهر: ابن عباس لم يسمع القراءة؛ لأنه كان بعيداً.
والذين قالوا بالسرية قالوا: ابن عباس كان بجانب رسول الله ﷺ ولم يسمع ماذا قرأ؛ لأنه لم يجهر وسيأتي هذا في مبحث الجهر والإسرار.
قال: (ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول) .
هنا لم يحدد لنا مقدار الركوع، لكنه أيضاً ركوع طويل، وقوله: (ثم رفع) أي: رفع بعد الركوع الأول، ثم قام قياماً طويلاً لكنه دون الركوع الأول، وبعضهم ينص ويقول: بقدر قراءة سورة آل عمران؛ لأنها تنقص عن البقرة قليلاً، فهناك من حدد القيام الثاني، وهم مجمعون على أن كل قيام هو أقل من الذي قبله، سواءٌ أكان في الركوع الثاني، أم الثالث، أم الرابع عند من يقول بتعدد الركوع.
قال (ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول) .
أولاً ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً أقل من الأول، ثم ركع ركوعاً ثانياً وهو أقل من الركوع الأول، ثم سجد في حديث ابن عباس، فركع ركوعين ثم سجد، ولم يفصل لنا ابن عباس طول السجود من عدمه، وغيره يقول: سجد سجوداً طويلاً، ففي قوله: (وسجد) عندنا سجدتان وجلسة بين السجدتين، ومقدار هاتين السجدتين والجلسة لم يذكره ابن عباس، وغير ابن عباس ذكره وقال: (سجد سجوداً طويلاً، ثم جلس -أي بين السجدتين- ولم يطل، ثم سجد السجدة الثانية وهي دون السجدة الأولى، ثم قام) أي: إلى الركعة الثانية.
قال: (ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول) .
أي: قام إلى الركعة الثانية، وقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، والأول بالنسبة لهذه الركعة الثانية هل يكون هو الثاني بعد الركوع الأول، أو هو القيام الأول الذي هو أول قيام في الصلاة والذي هو بقدر البقرة؟ الاحتمال موجود، وقد قيل بالقولين، ولكن نظراً لأن الصلاة تأخذ بالتناقص تدريجياً نحمل هذا القيام على القيام الذي هو دون البقرة.
فنقول: في الركعة الأولى قرأ -مثلاً- بمائتي آية، وفي القيام الثاني من الركعة الأولى قرأ بمائة وخمسين، فلما قام إلى الركعة الثانية قرأ في قيامه الأول من الركعة الثانية بمقدار مائة آية، أي: أن كل قيام يكون أقل من الذي قبله.
قال المؤلف ﵀: [ (ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول) ] .
دون الركوع الأول الذي يعتبر الركوع الثاني بالنسبة للركعة الأولى، أي: أنه تدرج في تنقيص الزمن في كل من القيام ومن الركوع، أي: كل ركن أقل من الذي قبله.
قال (ثم رفع، فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول) .
أي: دون القيام الأول في الركعة الثانية.
قال (ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول) .
أي: دون الركوع الأول في الركعة الثانية.
قال: (ثم رفع رأسه ثم سجد) .
أي: ثم سجد بعد الركوعين اللذين في الركعة الثانية.
قال: (ثم انصرف وقد انجلت الشمس) .
قبل الانصراف كان هناك السجود والجلسة بين السجدتين، وكذلك التشهد، والمعنى: ثم انصرف بعد أن أتم الصلاة وقد انجلت الشمس.
و (انجلت) معناه: ظهر نورها؛ لأن الكسوف تغير اللون إلى سواد، والخسوف -كما يقولون- هو النقصان، فقوله: (انجلت) أي: انجلى ما عليها من غشاء، أو ما عليها من ظلمة، وصارت ناصعة نقية كالمعتاد.
стр. 1030
الخطبة بعد صلاة الكسوف
قال: (ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس) .
في قوله هنا: (فخطب الناس) اختلف العلماء أيضاً في الخطبة، فبعضهم يقول: خطب.
وبعضهم يقول: لم يخطب، وإنما وقف وبين للناس خطأ ما كانوا يعتقدون، فقال: (إنما هما آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) ، وجاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنه ﷺ حث الناس على الاستغفار وعلى الصدقة وعلى العتق) ، فالذين قالوا: خطب هذه هي شروط الخطبة عندهم؛ لأنه حمد الله وأثنى عليه، ثم حث على التقوى والاستغفار، وأمر ونهى.
والآخرون قالوا: هذه لا تسمى خطبة، وإنما تسمى موعظة، أو تصحيح خطأ، أو إرشاداً لما ينبغي أن يعملوه، ولهذا فأكثر الأئمة الأربعة لا يرون للكسوف خطبة، ويرون أن ما توجه به ﷺ من كلام بعد الصلاة إنما هو بيان للحقيقة، وتوجيه لخلاف ما كانوا يعتقدون في الجاهلية.
стр. 1031
الخلاف في عدد الركوعات في صلاة الكسوف والراجح في ذلك
قال: [وفي رواية لـ مسلم: (صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات) ] .
في رواية ابن عباس عند البخاري ومسلم التي ساقها المؤلف أولاً أربعة ركوعات في ركعتين، يعني أن في كل ركعة ركوعين، ثم جاءنا بزيادة عند مسلم فيها أنه صلى ثماني ركوعات، أي أنه ركع في كل ركعة أربعة ركوعات، فرواية ابن عباس بذاتها يختلف فيها البخاري ومسلم، فـ البخاري يتفق مع مسلم على أن الركوع ركوعان في الركعة، ومسلم ينفرد بزيادة أن الركوعات كانت ثمانية.
وهنا بداية الخلاف بين العلماء، وكما يقول الشوكاني ﵀: إن قدر أن الصلاة تعددت فالأمر سهل، وتُحمل كل واحدة من الصلاتين على عدد، فمرةً صلى صلاة بأربعة ركوعات، ومرةً أخرى صلى بثمانية ركوعات، ويكون ذلك بحسب انجلاء الشمس وعدمه؛ لأن في بعض الروايات: أنه ﷺ كان يوكَّل رجلاً بعد كل ركعة أن ينظر إلى الشمس هل انجلت أو لا فإن قدر أو احتمل أن الصلاة تعددت فيكون الجمع هيناً، فيقال: تارةً انجلت بسرعة فاكتفى بركوعين، وتارةً طال الكسوف فأطال في الصلاة وركع أربعة ركوعات في كل ركعة.
أما إذا لم تثبت صلاة الكسوف أكثر من مرة، ورجح وصح عند الجميع أنه صلاها مرة واحدة، وأنها لم تكسف في عهده ﷺ إلا مرة واحدة يوم أن مات إبراهيم، فلا يمكن أن يقع في صلاة واحدة ركوعان وأربعة وخمسة وثمانية.
فإن قيل: فما العمل؟ قلنا: إن منهج علماء الحديث فيما تعارض واختلف أنه إن أمكن الجمع صير إليه، وإن لم يمكن الجمع يصار إلى الترجيح، وإمكان الجمع لا يتأتى في هذه؛ لأنها صلاة واحدة والموقف واحد، بخلاف ما إذا أمكن الجمع، فعلى سبيل المثال -فيما يمكن فيه الجمع- جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ وقال: يا ابن عباس! والله إني قد وجد في صدري شيء، قال: ماذا يا ابن أخي؟! قال: ما حج رسول الله ﷺ إلا مرة واحدة، وإني لأسمع من يقول: إنه لبى من مصلاه -أي: قبل أن يركب الراحلة-، وأسمع آخر يقول: لبى حينما انبعثت به راحلته -يعني: على ظهر الناقة-، وأسمع من يقول: لبى بالبيداء -أي: بعد أن طلع من الوادي إلى البيداء- وهي حجة واحدة، فكيف يكون هذا الخلاف؟ قال ابن عباس: تعال -يا ابن أخي! - أبين لك -وهذا هو فقه الحديث، وهو الجمع بين الروايات المختلفة التي يمكن الجمع بينها بحيث لا تتعارض رواية مع أخرى- قال: يا ابن أخي! إن النبي ﷺ لبى في مصلاه، فسمع بذلك أقوام فأخبروا بما سمعوا، ثم لما استوت به راحلته لبى فسمع بذلك أقوام، ولم يكونوا قد سمعوا التلبية الأولى فأخبروا بما سمعوا، فلما أتى البيداء لبى فسمع بذلك أقوام لم يكونوا قد سمعوا ما قبلها، وكل أخبر بما سمع، وكل صادق.
فهنا أمكن الجمع ولم يوجد تعارض لاختلاف الزمان، ولكن هنا الصلاة واحدة، فقالوا: إما الترجيح وإما النسخ، والنسخ لا يأتي إلا في حادثتين إحداهما متأخرة عن الثانية، وتكون الثانية ناسخة للأولى.
فإذا لم يثبت التعدد لم يبق إلا الترجيح، فنظروا في تلك الروايات التي جاءت بالتعدد تارة بعدد، وتارةً بعدد آخر، فرجحوا بعضها على بعض، وأول خطوة في الترجيح هي الترجيح بالصحة، فحديث ابن عباس الذي جاء بركوعين في الركعة الواحدة متفق عليه بين الشيخين، والذي جاء بأربعة ركوعات في الركعة الواحدة انفرد به مسلم عن صاحبه، وعند علماء الحديث أن الذي يرجح هو أقوى الروايات، وهي الرواية المتفق عليها، ويليها ما انفرد بها واحد منهما، ثم يليها ما جاء في بعض السنن والمسانيد وهي صحيحة، فإذا جاءت الرواية متفقاً عليها بين الشيخين: البخاري ومسلم فهذه رواية عالية في سندها وصحتها، فإذا تعارض الحديث المتفق عليه مع ما انفرد به واحد منهما، فالأقوى والأرجح هو المتفق عليه.
وكما يقولون في باب العول في الفرائض: كان علي ﵁ لا يرى العول، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يرى العول في مسائل الفرائض، وقال به وأمضاه.
ولما آلت الخلافة إلى علي جاءت إليه قضية فيها عول، فقال: أنا لا أرى العول، قالوا له: لقد وافقت عمر عليه! فقال: لقد كان رجلاً شديداً مهاباً فقالوا: لأمر اتفقت معه عليه أحب إلينا مما انفردت به.
فالمتفق عليه بين عمر وعلي أقوى من الذي انفرد به علي.
فهذه طريقة من طرق الترجيح، فعندنا رواية ركوعين وأربعة ركوعات، فعمدنا إلى الترجيح فوجدنا أن رواية الركوعين في ركعة واحدة هي الأرجح.
وقد يقول قائل: ماذا نفعل في رواية مسلم وهو من أئمة الحديث؟ نقول: إذا جاءت رواية صحيحة وعارضت رواية أصح منها، مثل رواية اتفق عليها الشيخان والأخرى انفرد بها أحدهما، فهي شاذة، وبعض العلماء يقول في هذه الرواية: ضعيفة؛ لأن فيها فلاناً وهو مدلس، ولكن الصحيح هو أن نعتبر الحديث الذي خالف أصح منه شاذاً، والشاذ لا يعمل به، فيعمل بالمتفق عليه ولا يعمل بالشاذ.
ونظير هذا أيضاً ما جاء في قضية زواج النبي ﷺ من ميمونة، فهناك من يروي: أنه تزوجها وهو حلال بعد أن تحلل من العمرة، ومنهم من يروي: أنه تزوجها وهو محرم، وكل من الأئمة قد أخذ بأحد هاتين الروايتين، فبعضهم أخذ بأنه تزوجها وهو حلال، وبعضهم أخذ رواية أنه تزوجها وهو محرم، فاختلفت الروايتان وكلتاهما صحيحتان، قالوا: لما تعارضت الروايتان جمعنا الطرق فوجدنا من يروي بأنه تزوجها وهو محرم ليس له علاقة بالقضية، ووجدنا من يروي أنه تزوجها وهو حلال كان هو السفير بينهما، أي: الواسطة بين رسول الله وبين ميمونة رضي الله تعالى عنها، فيكون على ذلك الأعرف بالقضية هو من كان الواسطة.
كما وجدنا أن ميمونة نفسها صاحبة القصة أخبرت بأنه تزوجها وهو حلال، فرواية (تزوجها وهو محرم) صحيحة، ورواية السفير بينهما ورواية صاحبة القصة بأنه تزوجها بعد أن تحلل أيضاً صحيحة، فنأخذ برواية السفير بينهما، وبرواية صاحبة القصة، ونقول في الرواية الأخرى: هي شاذة؛ لأن فيها ثقة خالف الثقات.
قال المؤلف ﵀: [وعن علي ﵁ مثل ذلك] .
أي: مثل حديث ابن عباس، ونقول: ليس عندنا إلا الترجيح.
قال المؤلف ﵀: [وله عن جابر (صلى ست ركعات بأربع سجدات) ] .
أي: أن في كل ركعة ثلاثة ركوعات، ونعود إلى حل هذه القضية بالترجيح، فـ مسلم انفرد برواية ابن عباس بأربعة ركوعات في كل ركعة، وبرواية جابر بأنها ثلاثة ركوعات في كل ركعة، فكل هذا مما انفرد به مسلم عما اتفق عليه مع البخاري.
قال المؤلف ﵀: [ولـ أبي داود عن أبي بن كعب ﵁: (صلى فركع خمس ركعات وسجد سجدتين وفعل في الثانية مثل ذلك) ] .
وهذه الرواية دون الروايات الأولى المتفق عليها بين البخاري ومسلم، والتي انفرد بها مسلم، وهذه الرواية أخرجها أبو داود فتكون أنزل من التي قبلها.
ورواية الخمس أخذ بها العترة كما يقول الشوكاني.
فنخرج من هذا الخلاف ونقول: إن تعدد الركوعات قد جاءت به الروايات، وكلها لا يمكن أن تقاوم رواية (ركوعين) ، ولهذا أخذ الجمهور بأن صلاة الكسوف ركعتان، وأن في كل ركعة ركوعين.
وهناك من يرى الجمع ويقول: لا نلغي تلك الروايات كلها، ولكن ننظر إلى الحالة؛ لأن في الرواية الأولى لـ عائشة ولـ ابن عباس: (ثم انجلت الشمس) فإذا صلينا ولم تنجلِ، فبعض العلماء يقول: نطيل في الركوع إلى أن تنجلي أو نأخذ برواية الأربعة أو برواية الخمسة الركوعات حتى تنجلي؛ لأن الرسول ﷺ صلى حتى انجلت، وحالات الكسوف ليست سواءً كما أشرنا، فقد يكون الكسوف جزئياً بسيطاً، وقد يكون كاملا مطبقاً.
وبعضهم يقول: بل نبقى على ما رجح وثبت، وهو ركوعان في كل ركعة، فإذا انتهت الركعتان بركوعين في كل ركعة وانجلت فالحمد لله، وإذا لم تنجلِ فلا نطيل ولا نعيد الصلاة من جديد، ولكن نلزم الاستغفار والدعاء والتسبيح وذكر الله ، والله تعالى أعلم.
стр. 1032
حكم الصلاة للآيات الكونية كالريح والزلازل
قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (ما هبت الريح قط إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال: اللهم! اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً) رواه الشافعي والطبراني] .
هذه الرواية يسوقها المؤلف مقدمة للحالات الكونية العامة، فكسوف الشمس والقمر آية كونية، وتقدم لنا كيف نعمل، ولكن إذا وقعت آية أخرى مثل ريح عاصف شديدة أو زلزال أو شيء آخر من النوازل الكونية الشديدة، فماذا يكون الحال؟ بين لنا ابن عباس أن النبي ﷺ حينما هبت الريح جثا على ركبتيه، وهي صورة تذلل وخضوع واستكانة والتجاء واعتراف بالضعف والافتقار إلى من جثا إليه، وجاء نظير ذلك حينما قام ﷺ وخطب الناس في أمر ما، فقام رجل وسأل رسول الله ﷺ سؤالاً خاصاً به، فغضب ﷺ ، والسؤال هو أن الرجل قال: (من أبي؟ قال: أبوك فلان ونسبه إلى أبيه، وقام آخر وقال: من أبي؟ قال: أبوك فلان، ونسبه إلى غير أبيه، وظهر الغضب في وجه رسول الله ﷺ ، فما كان من عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلا أن قام وجثا بين يدي رسول الله ﷺ وقال: نستغفر الله ونتوب إليه يا رسول الله! آمنا بالله وبأنك نبينا، وجعل يقول مثل هذا بين يدي رسول الله حتى سري عن رسول الله) .
فهذه الحالة إنما تعطي صورة اللجوء والاستكانة والضعف وإظهار الذلة، وهكذا الرسول ﷺ كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، فكان إذا رأى الريح الشديدة خاف؛ لأن أمماً كثيرة قد أُهلكت بالريح، فخاف أن تكون عذاباً، فجثا على ركبتيه وسأل الله أن تكون رحمة لا أن تكون عذاباً، وهكذا ينبغي للأمة عند هبوب الريح الشديدة المخيفة أن يتضرعوا إلى الله بأن يجعلها الله ريح رحمة لا ريح عذاب.
قال المؤلف ﵀: [وعنه رضي الله تعالى عنه: (أنه صلى في زلزلة ست ركعات وأربع سجدات، وقال: هكذا صلاة الآيات) رواه البيهقي] .
جاء أن الرياح لا يصلى لها، والزلزال يصلى له، فإذا وقع الزلزال صلى الناس حتى لا يتواصل أو يزيد، وذكر لنا هنا ستة ركوعات في ركعتين، وهذا العدد أيضاً مختلف فيه، وهذه الرواية رواها البيهقي، فهي خارجة عن الكتب الستة وهي: - البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، هذه الكتب الستة هي المعتبرة بالدرجة الأولى عند علماء الحديث، وما جاء بعد ذلك فهو دونها في الرتبة، فقد يأتي بالصحيح وقد يأتي بما دونه.
فمن قال بالصلاة في الزلزال قال: إن صورتها كصورة صلاة الكسوف، وبعضهم يقول: لا مانع إذا زاد في عدد الركوعات في الزلزال.
فالحوادث الكونية يجب على العالَم كله أن يرجع إلى الله فيها؛ لأنه لا طاقة له بها، سواءٌ في الزلزال أم في غيره من الحوادث الكونية، فإنه لا قدرة له بها، فهذه مسائل تدل على القدرة الإلهية، وليس للخلق فيها طاقة إلا بالرجوع إليه ، والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1033
كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء [١]
إن دين الإسلام هو دين التوحيد، فما من مناسبة إلا ويربط الإسلام الناس فيها بربهم سبحانه، ففي حالة الجدب وشحة الأمطار دلنا الإسلام على الطريق الصحيح الذي يربطنا بالله سبحانه، فشرعت لنا صلاة الاستسقاء، وبينت لنا كيفيتها وآدابها، وتعددت طرق الاستسقاء تيسيراً لنا، تارة بالخروج إلى المصلى والصلاة والدعاء، وتارة بالدعاء في خطبة الجمعة ورفع اليدين لذلك، وتارة بالدعاء المنفرد لمن أراد من المسلمين.
стр. 1034
أحكام صلاة الاستسقاء
стр. 1035
كيفية خروج النبي ﷺ إلى المصلى للاستسقاء
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: يقول المصنف ﵀: [عن ابن عباس ﵄ قال: (خرج النبي ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً) رواه الخمسة، وصححه الترمذي وأبو عوانة وابن حبان] .
مما ينبغي التنبيه عليه أن بعض المؤلفين قدّم لهذا الباب أحاديث ترد الإنسان في قوته وغناه وضعفه وفقره إلى الله، ومن ذلك ما جاء عن الرسول ﷺ : (لولا شباب خشّع، وبهائم رتّع، وأطفال رضّع لصب عليكم العذاب صباً) .
وجاء أن النبي ﷺ ساوى في السهام بين المجاهدين في غزوة بدر، فقال سعد: أتجعل من أبلى كمن ليس كذلك، فقال ﷺ : (ثكلتك أمك! وهل تنصرون إلا بضعفائكم) ، وكذلك قوله ﵊: (وهل ترزقون إلا بضعفائكم ودعواتهم) ، وهكذا رواية أخرى: (لولا شيبان ركّع، وأطفال رضّع، وبهائم في الخلاء رتّع لصب عليكم العذاب صباً) ، فقد يغيث الله الناس لا لذواتهم، ولكن لما حولهم، ولبعض من معهم من المخبتين إلى الله، ومن الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة، ونحن نعلم قصة هاجر وابنها إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كيف سقاها الله في ذلك المكان، وفي ذلك الوقت الحرج.
ويذكرون أيضاً أن نبي الله سليمان خرج يستسقي، ثم رجع من الطريق، فقيل له: لم رجعت؟ قال: قد سقيتم بدعوة غيركم، قالوا: ما رأينا أحداً! قال: رأيت نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها تقول: اللهم إنا خلق من خلقك لا غنى لنا عن فضلك ورحمتك فاسقنا.
فرجع نبي الله سليمان وقال: سقيتم بدعوة غيركم.
فكيف رأى النملة وهو يمشي في الطريق؟ وكيف سمع نداءها؟ لقد قص لنا القرآن ذلك في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا﴾ [النمل:١٨] خطبة طويلة عريضة بلسان المقال، أو بلسان الحال، فهذه معجزة خاصة به ﵇ لا نعلم كيفيتها ولا يعلم ذلك إلا الله.
فقد يرحم الله العباد بالحيوان، وقد يرحم الله العباد بالأطفال الرضع، وبالشيوخ الركع، أي: بمن يظهر العبادة والضعف إلى الله، وقد تكون رحمته لمخلوقاته الأخرى من بهائم وحشرات وغيرها.
قوله: (خرج النبي ﷺ متواضعاً) .
الخروج يكون من الداخل إلى الخارج فمن أين خرج الرسول ﷺ ؟ والى أين خرج؟ قالوا: خرج إلى المصلى، فخرج بالناس إلى الفضاء يستسقي ربه، والحديث يبين لنا كيفية الحالة التي خرج بها ﷺ في طلب السقيا؛ لأن الهمزة والسين والتاء للطلب، فـ (استسقى) أي: طلب السقيا، كما أن (استغفر) معناها: طلب المغفرة والغفران، وهكذا.
فنخرج إلى الله تعالى تاركين كل ما لدينا، مظهرين الفاقة والحاجة، رافعين أكف الضراعة إلى الله، قائلين: ها نحن جئناك يا رب لا حول لنا ولا قوة، ولا مال لنا ولا غنى إلا بك، نسألك الغيث والرحمة، ولا نخرج في عروض الخيل وأبهة السلاح وزينة الثياب، بل نخرج متواضعين منكسرين.
وبعض المحتالين في السؤال قد يكون عنده مال وفير، وهو معافى في بدنه، لكنه لما يخرج يتكفف الناس يبحث له عن ثياب قديمة، أو يتصنع عاهة؛ ليخدع الناس بمنظره وعاهته، مدعياً الحاجة والفاقة.
فنحن نخرج للاستسقاء في حالة الضراعة والذلة والتواضع وإظهار الفاقة والحاجة للمولى ، فهذا هو هدي النبي ﷺ .
وقوله: (متواضعاً) التواضع حساً ومعنىً ألا يكون رافعاً رأسه، ولا مصعراً خده، ولا ضارباً للأرض بقدمه، وإنما يمشي في سكينة وتواضع.
قال: (متبذلاً) .
يوجد جناس بين التبذل والبذلة، فالبذلة: الهيئة -أي: الثوب الخلق- وقوله: (متبذلاً) معناه لابس لها، أي: خرج في ثياب ليست ثياب فخر، ولا ثياب إظهار النعمة، بل ثياب إظهار الفاقة، ونحن نعلم أن النبي ﷺ كانت له حلة، وكان له لباس خاص يلبسه يوم العيد، كما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه وجد حلة جميلة تباع عند باب المسجد، فجاء بها إلى رسول الله، فقال للرسول ﷺ : اشتر هذه تلبسها يوم العيد، وتتجمل بها عند الوفود -لأن هذه أماكن تحتاج إلى إظهار الغنى والسعة وشكر النعمة- فنظر فيها ﷺ وقال: (يلبس هذه -هذه الحلة التي جئتني بها- من لا خلاق له، وبعد قليل أرسلها إلى عمر، فجاء عمر يجري قائلاً: يا رسول الله! أنت قلت فيها: (يلبسها من لا خلاق له) ثم تعطينيها! فقال رسول الله: لا يا عمر! ما أرسلتها إليك لتلبسها) أي: استنتاجك وتقسيمك -يا عمر - ناقص، فمن الممكن أن تلبسها، ومن الممكن أن تلبسها غيرك، أو تهديها لإنسان آخر، أو تتخذها فراشاً، فإن لاستعمالها أوجهاً متعددة.
ووجه الدلالة أن النبي ﷺ لم يعترض على تخصيص حلة للعيد والوفود، ولكنه اعترض على نوع قدم إليه، وقد كانت له البردة، وكان يخطب فيها أيام العيد؛ لأنها أيام زينة، وأيام إظهار النعمة شكراً لله على عطائه، وكان يلبسها عند مقابلة الوفود حتى يكون في مظهر الغني الموسع عليه، لا في مظهر الفاقة فيطمع الناس فيه.
والذي يهمنا أنه ﷺ خرج متواضعاً متبذلاً، ولهذا ينبغي على كل من شارك في صلاة الاستسقاء أن يخرج إليها في حالة تواضع في مشيته ومنطقه في الطريق متبذلاً في ثيابه، ولا يخرج بثياب الفخر والعز، والتواضع صفة خُلقية، والتخشع صفة خَلقية، فقوله: (متخشعاً) معناه أنه ليس سريعاً في مشيته، وإنما يمشي مترسلاً، أي: في خطوات متقاربة، وليس كمن يركض إلى غنيمة أو جهاد ويظهر القوة والنشاط وسرعة الحركة، بل يمشي بهدوء ورفق وتؤدة.
وقوله: (متضرعاً) : يستوي أن يكون بكلماته أو بتلك الصفات؛ لأنها صفات المتضرع لا المتجبر.
قال ابن عباس: (فصلى ركعتين كما يصلي في العيد) .
وحديث ابن عباس هذا أصل من أصول مباحث صلاة الاستسقاء.
فحديث ابن عباس أول حديث جاء به المؤلف في مشروعية صلاة الاستسقاء، وفيه أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد، ويقولون في التشبيه: ليس من الضروري أن يشبه المشبهُ المشبَهَ به في كل الصور، فقد يقال: فلان كالنخلة، والنخلة طويلة، ولها جذع خشن، وعلى رأسها الجريد، وتثمر البلح ثم الرطب، فهل هو كالنخلة بهذه الصفات كلها، أو أنه كالنخلة في بعض صفاتها؟! فحين نقول: فلان كالنخلة.
أي: في الطول.
ولا يعني ذلك المشابهة في الثمرة والجريد والجذع الخشن، بل يكفي أن يشبهها في صفة واحدة.
وقوله: (كما يصلي في العيد) صلاة العيد ركعتان، فيها تكبيرات وخطبة، ففي أي صفة من تلك الصفات شابهت.
منهم من قال: كصلاة العيد في العدد، أي: ركعتان، ومنهم من قال بالتكبيرات، أي: بتكبيرات كتكبيرات صلاة العيد، ومنهم من قال: في الخطبة، فلها خطبة كصلاة العيد.
والآخرون يقولون: كصلاة العيد في الركعات فقط، وحذفوا الصفات الأخرى، وسيأتي إن شاء الله بيان أنواع الكيفية والخلاف فيها، وبيان الجائز من ذلك كله إن شاء الله.
стр. 1036
الخطبة في صلاة الاستسقاء
قال ابن عباس: [كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه] .
شبه ابن عباس صلاة الاستسقاء بصلاة العيد، وعلم أن العيد فيه خطبتان، فقال: (ولم يخطب) ؛ لأن الخطبتين داخلتان في التشبيه بصلاة العيد، فأخرجها بنص مستقل، ولكن هل قال: ولم يخطب.
أم أنه نفى خطبة معينة؟ نقول: نفى خطبة معينة، وذلك بقوله: (كخطبتكم) ، كأنه يقول: خطبتكم التي توقعونها في صلاة الاستسقاء مغايرة لخطبة النبي ﷺ ، فهو يثبت خطبة، ولكنه ينفي عنها صفة خطبتهم.
فنأخذ من حديث ابن عباس: أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد، وفيها خطبة، ولكن ليست (كخطبتكم) هذه، أي: من حيث عدم الإطالة، وعدم الزجر ومن حيث إنكم تجعلونها خطبتين تجلسون بينهما، فكأنه يقول: وكان يخطب فيها خطبة ليست كخطبتكم هذه.
وسيأتي المؤلف -إن شاء الله- بنصوص تدل على ما كان منه ﷺ ، سواء أعتبرنا ذلك مجرد دعاء، أم اعتبرناه خطبة مع الصلاة، وأيدنا ذلك بتشبيهها بصلاة العيد.
стр. 1037
الخروج إلى المصلى للاستسقاء
قال المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بالمنبر فموضع له بالمصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم! أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت علينا قوةً وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه فلم يزل حتى رُئي بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله تعالى سحابةً، فرعدت وبرقت ثم أمْطَرَت) رواه أبو داود وقال: غريب وإسناده جيد.
وقصة التحويل في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد وفيه: (فتوجه إلى القبلة يدعو، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة) وللدارقطني من مرسل أبي جعفر الباقر: (وحول رداءه ليتحول القحط) ] .
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها من أجمع الأحاديث فيما يتعلق بصلاة الاستسقاء وكيفية فعله ﷺ ، وقولها رضي الله تعالى عنها: (شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر) أي: غياب المطر، وتخلفه عن موعده، حتى قحط الناس.
ويذكر العلماء أن تلك الشكوى سبق نظيرها في مكة قبل الهجرة، حينما اشتد أمر المشركين على المسلمين، فدعا عليهم رسول الله ﷺ قائلاً: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف) فاشتد الأمر بالقحط على أهل مكة، فجاء أبو سفيان في ذلك الوقت وهو على دين قومه وقال: يا محمد! إنك تدعو إلى صلة الرحم، وقد دعوت على قومك، وقد قحطوا، فادع الله أن يسقيهم فدعا النبي ﷺ فأمطروا.
وقضية استشفاع المشركين برسول الله ﷺ قد وقعت مرة ثانية بعد الهجرة، وذلك في قصة ثمامة بن أثال، وهو سيد بني حنيفة باليمامة، خرج معتمراً وهو على دين قومه فأخذته خيل المسلمين، فجيء به أسيراً، وربط في سارية المسجد، وكان يراح عليه بالحليب وهو مربوط في السارية، وكان ﷺ كلما خرج مر عليه وقال: (كيف بك يا ثمامة) فيقول: يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن ترد مالاً أعطيتك ما يرضيك، وإن تمنن تمنن على كريم، وبعد ثلاثة أيام، قال ﷺ : (أطلقوا ثمامة) فأطلقوه فأتى إلى بعض الصحابة وقال: ماذا يفعل من أراد أن يدخل في دينكم؟ قالوا: يغتسل ويجلس إلى النبي ﷺ ، وينطق بالشهادتين، فذهب إلى بيرُحاء -وكان بستاناً قريباً من المدينة إلى عهد قريب- فذهب واغتسل، ثم رجع، وبعد صلاة الظهر جلس إلى النبي ﷺ ، ونطق بالشهادتين مسلماً، فقيل له: لم لم تشهد قبل ذلك؟ قال: خشيت أن تقولوا: أسلم خشية السيف، ثم بعد ذلك قال: يا رسول الله! والله لقد كنت أبغض الناس إليّ، ولأنت الآن أحب الناس إليّ، وإني قد كنت خرجت معتمراً، فماذا ترى، قال: (اذهب فأتم عمرتك) ، فلما أتى إلى مكة علموا بإسلامه، فنالوا منه، فأقسم بالله لن تصلكم حبة بر من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ .
ورجع إلى بلده، ومنع الميرة أن تؤخذ إلى مكة من وادي اليمامة، وكان وادياً خصباً يمول مكة، فاشتد الأمر على أهل مكة لعدم إرسال الميرة إليهم، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا: إن ثمامة أسلم ومنع الميرة عن مكة، وأقسم أن لا يسمح بها حتى تأذن له، وإن لك بمكة -يا محمد- الخالة والعمة -أي: الرحم- فمر ثمامة أن يسمح بالميرة إلى مكة، فكتب إليه أن مر بالميرة إلى أهل مكة؛ فأمر بها وسمح.
المشركون استشفعوا برسول الله ﷺ مرتين: مرة قبل الهجرة عندما قحطوا، ومرة بعد الهجرة في الميرة.
стр. 1038
مسألة استسقاء أهل الذمة
وهنا يأتي بحث في الاستسقاء، فلو أن أهل الذمة طلبوا من المسلمين أن يستسقوا من أجلهم، أو طلبوا أن يخرجوا معهم، أو طلبوا أن يستسقوا لأنفسهم، فماذا يكون الحكم؟ يرى الجمهور: عدم الخروج معهم، وألا يمكنوا من الاستسقاء بأنفسهم، وإن طلبوا من المسلمين أن يستسقوا لهم فعلوا.
وذلك لأنهم قالوا: لو خرجوا وحدهم، وصادف أن سقاهم الله رحمة من عنده لا استجابة لدعائهم، ربما ظنوا أنهم على حق، وأن الله استجاب لهم، وإذا خرجوا مع المسلمين وسقوا من أجل المسلمين، ربما ادعوا بأنهم سقوا بوجودهم معهم، أما إذا طلبوا من المسلمين أن يستسقوا لهم، فهذه هي السنة، فيخرج المسلمون، فإن ﵏ فبفضل من عنده، وإن لم ينزل المطر، فهذا أمر خارج عن نطاقهم وقدرتهم.
ومن عجيب ما سمعت أنه في زمن مضى بعض الدول الأوربية حدث فيها قحط فاستسقى المسلمون فسقوا، أو أن أهل البلاد قحطوا فطلبوا من المسلمين أن يخرجوا ليسألوا الله نزول المطر فخرجوا فأمطروا.
ومما يهمنا في هذا الخبر قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (شكا الناس إلى رسول الله) ، وهكذا حال المسلمين، فإذا نابهم أمر هرعوا إلى الرسل، وسألوهم أن يكونوا شفعاء لهم عند الله، فيسألونه رفع الضر الذي نزل بهم.
стр. 1039
خطبة النبي ﷺ في الاستسقاء
تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (شكا الناس إلى رسول الله قحط المطر، فأمر بمنبر) .
ابن القيم ﵀ يشكك في كلمة المنبر، وابن حجر في فتح الباري يقول: كان ذلك سنة ستٍ من الهجرة في رمضان، والمعروف في تاريخ المنبر أنه صنع سنة ثمان من الهجرة، فالله تعالى أعلم، ولهذا يقول بعض العلماء: إن صح الحديث وإلا ففي النفس منه شيء.
فأمر بمنبر وخرج، أي: خرج من المدينة إلى المصلى ليستسقي للناس هناك.
قالت: (فقعد على المنبر (القعود على المنبر ليس في حالة الخطبة؛ لأن الخطبة إنما يكون الخطيب فيها قائماً، فبعضهم يقول: قعد ليدعو، وبعضهم يقول: خطب قاعداً وبعضهم يقول: قعد ثم قام وخطب قائماً.
ويهمنا أنه ﷺ وعد الناس يوماً يخرجون معه فيه، وفي ذلك اليوم، أمر بالمنبر فأخرج إلى المصلى، وخرج الناس معه، فقعد على المنبر.
قالت: (فكبر رسول الله ﷺ وحمد الله) .
هناك من يقول: التكبر في صلاة الاستسقاء كالتكبير في العيدين، سبع في الأولى، وخمس في الثانية وبعضهم يقول: كبر مرة واحدة، ولم يأت هنا عدد، فيحمل الحديث على حديث ابن عباس المتقدم: (كما يصلي في العيد) .
قولها: (وحمد الله) يقولون: هذا افتتاح الخطبة بالحمد؛ لأن السنة في ابتداء الكلام إما بـ (باسم الله) ، وإما بحمد الله، أو بهما معاً، فهنا بدأ بحمد الله، وفي الحديث: (كل أمر ذي بال لم يبدأ بحمد الله -أو لم يبدأ باسم الله- فهو أجذم، وفي رواية: أقطع، وفي رواية: أبتر) يعني: ناقص.
(ثم قال) يخاطب الناس: (إنكم شكوتم جدب دياركم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم) .
يبين ويذكّر العباد بما جاء عنه من أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: (والله إني لا أهتم لإجابة الدعاء بقدر ما أهتم بإلهامي الدعاء) .
لأن الإجابة وعد من الله، فقد قال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فبقي الدعاء منا، فنحن نهتم بأن يلهمنا الله الدعاء أكثر من اهتمامنا بأن يستجيب الله لنا؛ لأنه وعد بذلك.
قالت: (ثم قال: الحمد لله رب العالمين) بعد أن أمرهم بأن يتوجهوا بالدعاء قال: (الحمد لله رب العالمين) ، وهذه فاتحة سورة الفاتحة، وقرأ ﷺ من سورة الفاتحة جملة: (الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين) .
يقول بعض العلماء: في هذا الحديث ترجيح إحدى القراءتين؛ لأنه قرئ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ، وفي الأخرى: (ملك يوم الدين) ، وهي قراءة مالك، فقالوا: في هذا الحديث قرأ ﷺ (مَالِكِ) بمد الميم، من الملك.
وقد يقول المالكية: ومن الذي يحتم بأنه أراد القراءة، ربما أراد الافتتاح أيضاً، والله تعالى أعلم.
قوله ﷺ : (لا إله إلا الله يفعل ما يريد) .
هذا التسليم والتفويض لله؛ لأنه الإله الخالق الرازق المدبر: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] يعني: أراد القحط فوقع القحط، ويريد الخصب فيأتي الخصب، فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه.
ولهذا يقولون من باب التندر: إن عمرو بن عبيد -وهو من رؤساء القدرية- جاءه أعرابي وقال: إن حماري قد ضاع فادع الله لي أن يردها.
فرفع يديه وقال: اللهم إن حماره سُرق ولم ترد أن يُسرق، فقال: يا هذا! امسك عليك دعاءك، والله لئن كان سرق ولم يرد أن يُسرق فقد يريد أن يرد ولا يُرد عليّ، أمسك عليك دعاءك.
فقوله: (لا إله إلا الله يفعل ما يريد) يدل على أنه إن أراد خيراً فعل ولا أحد يرده، وإن أراد شراً فعل ولا أحد يدفعه، فلا يسوق الخير إلا الله، ولا يرد الشر إلا الله.
وقوله: (اللهم! أنت الله لا إله إلا أنت) .
(اللهم) بمعنى: يا الله.
والميم في الآخر بدل عن الياء في الأول، والياء ياء النداء.
وقوله: (أنت الله لا إله إلا أنت) أي: أنت الفعال لما يريد، ولا إله إلا أنت، ولا غالب لما أردت.
وقوله: (أنت الغني ونحن الفقراء) هذا هو التضرع، فأنت الغني بيدك خزائن الملك وملكوت كل شيء، ونحن الفقراء لا نملك شيئاً إلا ما أتانا من عندك، وهذه هي الضراعة، وهذا هو الالتجاء إلى الله، كما تقدم أنه خرج متبذلاً متخشعاً متواضعاً، وهنا يظهر الفاقة والحاجة لرب العالمين، ويعترف بأن الغنى المطلق هو لله .
قوله: (أنزل علينا الغيث) أي: ما دمت غنياً ونحن فقراء عاملنا بفقرنا، وأعطنا من غناك، وأنزل علينا الغيث؛ لأنه من عندك.
قال: (واجعل ما أنزلت) ، ولم يكن الغيث نزل عند كلامه، ولكنه ﷺ قال: (ما أنزلت) لأنه ﷺ موقن بمجيء الغيث، وكأنه قد نزل بالفعل.
قال: (واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغاً) : قوله: (قوة وبلاغاً) أي: لا بطراً ولا هلاكا، ً والبلاغ والبلاغة والبلوغ: الشيء الذي يُبَلِّغُكَ الغاية التي تريدها.
أي: اجعل ما أنزلت من الغيث قوة لنا، وقد يقال: وهل الغيث فيه قوة؟ والجواب: الغيث مطر ينزل، ولكن المراد: اجعله سبباً لما ينشأ عنه من إحياء الأرض وإنبات النبات وإيجاد الثمار التي تكون قوة لنا.
قال: (وبلاغاً إلى حين) أي: ليس طغياناً نطغى به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] ، ولكن اجعل ما أنزلته علينا قوة لنا في ديننا ودنيانا نستعين به على ما تحبه وترضى وقوله: (إلى حين) أي: إلى أجل.
стр. 1040
رفع اليدين في الاستسقاء
قالت ﵂: (ثم رفع يديه فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه) .
في هذا الحديث: (ثم رفع يديه ولم يزل حتى رئي بياض إبطيه) يقال: كيف هذا الترتيب؟ فهل كونه رفع ولم يزل حتى رئي بياض إبطيه هو قبل الرفع أو بعد الرفع؟ هنا حذف خفي على بعض الناس، فادعى أنه لم يرفع يده في دعاء إلا الاستسقاء، كما جاء في أثر أنس: (ثم رفع يديه ولم يزل يرفع ويرفع حتى رئي بياض إبطيه) يعني: بالغ في رفع يديه في دعائه في الاستسقاء حتى رئي بياض إبطيه، بخلاف المواقف الأخرى، فيمكن أن يرفع يديه حذو منكبيه، أو حذو أذنيه ولا يرى بياض إبطيه، لكن هنا في شدة الضراعة واللجوء إلى الله وإظهار الحاجة بالغ في رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه.
وهنا ينقل العلماء عن النووي ﵀، أنه أنكر على من ينكر رفع اليدين في الدعاء مطلقاً، ويقول: لم يأتِ رفع اليدين إلا في الاستسقاء، كما في حديث أنس: (ما رفع يديه إلا في الاستسقاء) وأجاب العلماء عن قوله: (ما رفع يديه) أي: على تلك الحالة التي رئي فيها بياض إبطيه إلا في الاستسقاء.
يقول النووي ﵀: ولقد جمعت في ذلك رسالة فوق الثلاثين حديثاً في رفع اليدين، في عموم الدعاء، وذكر ذلك في كتاب (المجموع) في نهاية باب الصلاة، وينقله العلماء عنه لنفاسته.
وقال بعد أن ذكر الأحاديث: ومن ظن أنه لا ترفع الأيدي إلا في هذه المواطن فهو جاهل.
أي: إن العبرة بعموم الأحاديث في رفع اليدين عند كل دعاء، ومن أعم ما جاء في هذا قوله ﷺ : (إن الله ليستحيي من عبده أن يمد إليه يديه فيردهما صفراً) يعني: لابد أن يجيبه، كما لو جاءك السائل فإنك تستحيي أن ترده بلا شيء، فتعطيه ما تيسر، فكذلك الله تعالى يستحي من عبده إذا مد إليه يديه، لم يعين ولم يحدد ﷺ في أي شيء يمد يديه بل جعله على العموم.
وقولها: (رفع يديه ولم ينزل) أي: لم يزل يرفع ويرفع حتى رئي بياض إبطيه ﷺ .
стр. 1041
تحويل الرداء في الخطبة قبل الدعاء
قالت: (ثم حول إلى الناس ظهره) كان على المنبر يحمد الله بهذه الكلمات الكريمات مواجهاً للناس.
واجهة الخطيب للمصلين تكون بطبيعة الحال معاكسة لجهة القبلة، فتكون القبلة وراءه، وليس معقولاً أن يستدبر الناس ويخاطبهم، فليس هذا من الآداب، بل سنة الخطبة أن يواجه الخطيب من يخاطبهم.
قالت: (ثم حول إلى الناس ظهره) أي: لما استقبل القبلة.
قالت: (وقلب رداءه) ، وجاء: (حول رداءه) ، وجاء: (كانت عليه طنفسة غليظة فأراد أن يحولها فثقلت عليه فقلبها) ، وجاءت عدة ألفاظ.
والراجح من كل تلك الألفاظ أنه حول، وجاء التصريح أنه جعل الطرف الأيمن على الكتف الأيسر، والطرف الأيسر على الكتف الأيمن، والفرق بين (قلب) و (حول) أن القلب معناه أنه كان طرف الرداء الأعلى على رأسه، فإذا كان (قلب) فسينزل هذا الطرف إلى أسفل، ويأتي بالطرف الأسفل إلى أعلى، وتبقى أطراف اليمين في اليمين، واليسار في اليسار، لكن التحول معناه أنه يأخذ الرداء كله ويرفعه، فالأيمن يجعله أيسر، والأيسر يجعله أيمن.
والمشهور أو الراجح أنه حول، وبعض العلماء يقول: تارة قلب، وتارة حول وكل ذلك تفاؤل واستشعار بتحويل الحال التي هم عليها إلى حال أحسن منها، أو قلب الوضع من جدب إلى خصب، وكل ذلك لا بأس به.
يقول ابن حجر: وكان رداؤه ﷺ ستة أذرع في ذراعين، وبعضهم يزيد: وشبرين.
فالمهم أنه حول الرداء، والآن لا أحد يلبس الرداء.
فإذاً: كان ما يلبس قابلاً للتحويل فيحول، فإن كان مشلحاً حوله، فيجعل كم اليد اليمنى في اليسرى، وما كان في اليد اليسرى يجعله في اليد اليمنى، وجعل المشلح بهذا الحال يقتضي القلب؛ لأنه ما كان في الداخل سيكون في الخارج، وما كان خارجاً سيكون داخلاً.
وعلى كل إذا لم تكن هناك عباءة أو مشلح فهناك ما يضعه على الرأس فيحوله أو يقلبه.
وفي ذلك الاستشعار والتفاؤل بتغيير الحال الذي هم فيه إلى حال أخرى أحسن منها.
قالت: (وقلب رداءه وهو رافع يديه) .
في حالة رفع اليدين أمسك بالرداء وقلبه أو حوله.
قالت: (ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين) .
بعدما أجرى حركة الرداء تحويلاً أو قلباً استقبل الناس بوجهه، ونزل من على المنبر، أي: عاد إلى حالته الأولى،:ثم قام فصلى ركعتين، ومن هنا بعض الناس يقول: خطبة الاستسقاء تكون قبل الصلاة وقال آخرون: لا.
فقد جاءت أحاديث أخرى تفيد أن خطبة الاستسقاء بعدها.
فما فعله رسول الله ﷺ هل كان دعاء، وليس خطبة؟! سيأتي البحث: هل يخطب لها أم لا، وهل يخطب بعدها أم قبلها، وسيأتي تفصيل ذلك في الأحاديث الآتية إن شاء الله.
стр. 1042
استجابة الله لدعوة نبيه ﷺ
قالت: (فأنشأ الله تعالى سحابة) .
أسندت عائشة ﵂ الإنشاء إلى الله، فهو الفعال لما يريد، وليس كقول الجغرافيين، ولا كقول الفلكيين: بنوء، أو بتبخر ماء البحر، وإنما أنشأ الله سحابة، وستأتي الرواية: (فوالله ما بيننا وبين سلع من سحابة ولا قزعة) .
والسحابة: السحاب المتواصل المتراكم، والقزعة: السحابة المتقطعة، كما في الحديث: (نهى عن قزعة الشعر) ، أي: أن الإنسان يحلق جزءاً ويبقي جزءاً، وهذا لا يجوز، وابن حجر يذكر رواية: (والسماء كالمرآة صافية) ، أي: ليس فيها شيء، فأنشأ الله سحابة من وراء سلع -من جهة الغرب؛ لأن المدينة شمالها إلى أحد، وغربها إلى وراء سلع- فأنشأ الله سحابة من وراء سلع، وبعضهم يقول: كرجل الطير، وبعضهم يقول: كالترس والترس: هو الآلة التي يمسكها المقاتل يتترس بها من ضربات العدو بالسيف أو الرمح.
يعني: لا يزيد قطرها عن خمسين أو مائة سنتيمتر.
وفي الحديث: (فجاءت ريح فساقتها، حتى أقلت سماء المدينة، فانتشرت فأمطرت) ، وهذا الذي أشرنا إليه سابقاً بأن سوق السحاب وإنشاء السحاب وإنزال المطر إنما هو من الفعال لما يريد .
قالت: (فرعدت وبرقت ثم أمطرت) .
الرعد والبرق يذكر بعض العلماء أنه من عوامل السحب، أو من تنقيحها.
قالت: (ثم أمطرت) أي: تلك السحابة التي نشأت، وجاءت وهم يرونها.
قال المصنف: [رواه أبو داود، وقصة التحويل في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد وفيه: (فتوجه إلى القبلة يدعو ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة) ] .
الزيادة هنا أنه في صلاته جهر بالقراءة، وعائشة رضي الله تعالى عنها أخبرتنا أن خروجه كان حين بدا حاجب الشمس، وصورة الشمس في أول خروجها تشبه استدارة الحاجب على العين، وذلك في أول ظهور حافتها العليا، فتكون في صورة حاجب العين، أو في صورة الهلال، فحينما بدا كان قبل أن يكتمل القرص في الظهور، ولما وصل إلى هناك، أكتمل القرض بالظهور، وصحت الصلاة بعد شروق الشمس.
قال المصنف: [وللدارقطني من مرسل أبي جعفر الباقر: (وحول رداءه ليتحول القحط) ] .
هناك (قلب) ، وهنا (حول) ، فالرواية باللفظين، وأيهما فعل فلا مانع في ذلك، وزادنا هنا: (ليتحول الحال) ، أي: تفاؤلاً.
стр. 1043
الاستسقاء في خطبة الجمعة
قال المصنف: [وعن أنس (أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا.
فرفع يديه، ثم قال: اللهم أغثنا.
اللهم أغثنا) وذكر الحديث، وفيه الدعاء بإمساكها، متفق عليه] .
الحديث الأول فيه أنه وضع له منبر وخرج، فتلك صورة من صور الاستسقاء.
والحديث الثاني حديث أنس أن النبي ﷺ كان قائماً يخطب يوم الجمعة، فليست خطبة استسقاء، فدخل رجل -يعني: بعد الشروع في خطبته- فالخطبة ليست لمجيء الرجل، وإنما الخطبة للجمعة، فقد يقع الاستسقاء مستقلاً بخروج الإمام وخروج الناس معه، وقد يقع ضمن خطبة الجمعة في المسجد.
فهذا رجل دخل -ويقال: من باب مقابل المنبر- (فقال الرجل: يا رسول الله! هلكت الأموال ... ) أي: من القحط، فما بقي شجر، ولا بقيت دواب، ولا أنعام، وما بقي مرعى، فإذا لم يبق مرعى هلكت الأنعام.
قال: (وانقطعت السبل) .
السبل: جمع سبيل، وهي الطريق، والطريق ممدود في الأرض فكيف تنقطع؟ والجواب: أن المراد أنقطع استعمالها، إما لأن الإبل وهي سفينة الصحراء -كما يقال- لم يبق عندها ما تأكل، فلا تستطيع أن تذهب أو أن تسافر، كما لو انعدم الآن البنزين، فالسيارات ستبقى في محلها، كذلك هنا، فإذا المرعى للإبل انقطع لن تقوى الإبل على السير، أو أن السبل كانت تستعمل لنقل المنتجات وغلات الزرع، ولم يبق هناك زرع ولا ثمار، فلا يبقى هناك أسفار؛ لأن موجب الأسفار تعطل.
قوله: (فادع الله يغيثنُا) روي: (يغيثنا) بالرفع، و (يغيثَنا) بالنصب، فعلى رواية الرفع يكون التقدير: (فادع الله إن دعوته) .
وعلى رواية النصب يكون التقدير:: (ادع الله أن يغيثَنا) فكلا الروايتين وارد وموجود، وله توجيه في الإعراب، والغرض من ذلك: ادع الله لنا بالغيث.
قال أنس:) فرفع يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... ) هذا الحديث -حديث أنس - فيه زيادات: فقد ذكر فيه قضية السحابة ومجيئها، حيث قال: فأمطرت، فوالله ما رأينا الشمس سبتاً.
أي: أسبوعاً.
وفي بعض الأقطار يسمون الأسبوع جمعة، فالجمعة الأولى والجمعة الثانية، والشهر عندهم أربع جمع، أي: أربعة أسابيع، ويرمزون إلى الأسبوع بجزء منه وهو يوم الجمعة.
يقول بعض العلماء: هذا الصحابي قال: (ما رأينا الشمس سبتاً) أي: أسبوعاً كاملاً من صلاة الجمعة إلى يوم السبت الآتي بعدها.
يقول بعض العلماء: إن كلمة (سبت) أخذها الأنصار من اليهود؛ لأن اليهود يعتبرون يوم أسبوعهم هو يوم السبت، والنصارى يعتبرون أسبوعهم يوم الأحد، والمسلمون يعتبرون أسبوعهم يوم الجمعة، فكان مستعملاً قبل ذلك وعرفاً سارياً، فاستعمل الكلمة على ما هي جارية على ألسنتهم.
والغرض من ذلك أنهم أمطروا، وما رأوا الشمس سبتاً، أي: استمر المطر من حين دعا رسول الله ﷺ إلى أن مر عليهم السبت الآتي بعد يومهم ذلك.
وجاءت روايات: (فأمطرت كالجبال) ، وجاءت روايات: (وكان هم الرجل أن يصل إلى مكنة) يعني: ما يكنه من المطر من شدة ما نزل من الماء.
стр. 1044
جواز الدعاء بإمساك المطر إذا خشي الضرر
قال المؤلف ﵀: [وذكر الحديث وفيه الدعاء بإمساكها متفق عليه] .
اختصر الحديث اختصاراً شديداً، وتتمة الحديث في يوم الجمعة الثانية دخل رجل من نفس الباب، وفي بعض الروايات (دخل الرجل) فاللام للعهد، أي: الرجل الأول، وبعضهم يقول: لا ندري أهو بعينه أم غيره.
فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعو الله أن يمسكها عنا.
فضحك ﷺ ، وتبسم لشدة خلف ابن آدم، فمن قبل تشتكون الجدب، والآن تشكون المطر! ثم أجابهم، وقد نقل ابن حجر وغيره عن قتادة: أن فيه إظهار كرامة الله لنبيه كما أشرنا سابقاً أن الاستسقاء فيه إثبات المعجزات للأنبياء، والكرامات للأولياء وللصالحين، فرفع ﷺ يديه وهو في الخطبة، وقال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية، ومنابت الشجر، ويشير بيده) ، فيقول الراوي: والله إنا لنرى السحاب يتفتق ويتقطع وينفلق، فطلعت الشمس وخرجنا نمشي في الشمس.
وبعضهم يقول: تحولت حول المدينة، وأصبحت المدينة كأن عليها التاج أي: كان السحاب محيطاً حول المدينة، وعلى سماء المدينة ما في سحاب ولا مطر، فسبحان الله، ولا إله إلا الله يفعل ما يريد.
وهنا جواز الدعاء بإمساكها، وهنا ينبه بعض العلماء على أن النبي ﷺ لم يقل أمسكها عنا ولكن طلب رفع الضرر، وأنه قد اشتد أمر نزولها علينا فتضررنا، فحولها إلى ما لا ضرر فيه، فإنها إذا نزلت على الآكام، -وهي المرتفعات- وعلى الجبال، وعلى بطون الوديان جرت الوديان، وسقت الأرض، وشربت الدواب، فكان في وجودها وجريانها في مجراها خير كثير، بخلاف ما إذا أمطرت على البيوت فإنها قد تهدمها، فلم يسأل ﷺ ربه أن يمسكها؛ لئلا يقع في طلب الإرسال أولاً، ثم طلب الإمساك، وإنما طلب رفع ضررها بأن تتحول إلى الأماكن التي لا يحدث منها فيها ضرر.
стр. 1045
كتاب الطهارة - باب صلاة الاستسقاء [٢]
إن للاستسقاء آداباً، منها أن يكون الداعي فيه من صالحي الناس، لا سيما إذا كان من آل بيت النبوة فإنه يقدم للاستسقاء، وأيضاً من آداب دعاء الاستسقاء أن يكون دعاءً جامعاً شاملاً فيه الثناء على الله وإظهار الفاقة إليه والحاجة، وفيه التوسل بأسماء الله وصفاته المناسبة للمقام، وإن مما ينبغي الحرص عليه في الدعاء أيضاً تقديم الضعفاء والفقراء؛ فإن سليمان ﵇ قد اكتفى باستسقاء نملة.
стр. 1046
تابع أحكام صلاة الاستسقاء
стр. 1047
الدعاء في الاستسقاء وممن يكون
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعنه -أي: عن أنس -: أن عمر ﵁ كان إذا قُحطوا استسقى بـ العباس بن عبد المطلب وقال: (اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون) .
رواه البخاري] .
هذا العمل من أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه يدل دلالة عظيمة جداً على مكانة عمر أولاً، وعلى مكانة العباس ثانياً، وعلى ما ينبغي مراعاته في الاستسقاء بأهل الخير.
أما من جانب عمر رضي الله تعالى عنه فإنه أمير المؤمنين الملهم المحدث، الذي وافقه ربه في نزول القرآن في ستة مواطن، وهو الذي قال عنه رسول الله ﷺ : (ما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً آخر) ، فهو بهذه المثابة، وخليفة رسول الله، وهو خليفة راشد، وسماه النبي ﷺ الفاروق، ومع هذا يتنحى أن يتقدم يستسقي للمسلمين بوجود من هو أفضل منه في هذه الميدان.
فهناك رجال يصلحون للعبادات والدعاء لقربهم من الله، وهناك رجال يصلحون لسياسة الملك، وقهر العدو، وإصلاح أمر دنيا الناس.
فـ عمر يبين لنا هذه الخصائص، وقد جاء عن مالك ﵀ قوله: لقد تركت تحت سواري هذا المسجد رجالاً إني لأرجو دعوتهم عند الله، ولم آخذ منهم؛ لأنهم ليسوا من أهل هذا الشأن.
فهم ليسوا من أهل هذا الشأن، تفوتهم بعض صفات الرواة، فيمكن أن يتساهلوا، ويمكن أن لا يضبطوا، فهم في شأن آخر.
فخصائص الناس تختلف، فمنهم من يصلح لأمر ولا يصلح لأمر آخر، وهنا عمر تواضع وهو خليفة رسول الله ﷺ وولي أمر المسلمين، ومع ذلك يتأخر، ويقدم العباس.
وذلك ما ينبغي على الإمام وكل من أراد أن يستسقي، وهناك حديث مكتوب في منبر عثمان رضي الله تعالى عنه: (أئمتكم وافدوكم إلى الله، فتخيروا من توفدون) ، فالإمام الذي يصلي بنا وافدنا إلى الله قدمناه يسأل الله لنا، فيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٥-٦] ، فهو وافدنا يسأل لنا الله، وقوله: (فتخيروا) أي: انظروا.
(من توفدون) ، أي: أفضلكم وأقرؤكم لكتاب الله.
ومن هنا نعرف مكانة العباس، وجاء في بعض الروايات عن عمر: (لقد رأيت رسول الله ﷺ ينزل العباس منزلة والده فتأسوا برسول الله) يعني: رأيت رسول الله يكرم عمه العباس كما يكرم أباه، أو كان يعزه أو يجله كما يُعَزُّ الوالد، فتأسوا برسول الله وقدموه.
وهنا العباس رضي الله تعالى عنه عرف هذه المكانة، فقام عمر بين يدي الله قائلاً: اللهم إنا كنا نتوسل أو نستسقي برسول الله فتسقينا.
والرسول ﷺ مجاب الدعوة.
وفي فتح الباري أن رجلاً أتى قبر النبي ﷺ وطلب الاستسقاء، فرأى في المنام أن: ائت عمر.
وهذا يعلق عليه الشيخ ابن باز في طبعته بأنه لم يصح.
والذي عليه الرواية الصحيحة هنا أن عمر لم يأت إلى القبر، ولم يأت أحداً، ولكن توجه إلى الله بالأصل، ولم يبعد عمر عن الأصل -أي: رسول الله-؛ لأنه قدم واحداً من آل بيت رسول الله، ألا وهو عم رسول الله ﷺ .
ولهذا يقول العلماء: إذا أراد الإمام أن يستسقي وفي الناس من آل بيت رسول الله ﷺ من الصالحين فإنهم أولى بأن يقدموا على غيرهم؛ لأن معهم زيادة فضل، وهو نسبهم إلى رسول الله ﷺ .
قال عمر: وإنا الآن نتوسل إليك بـ العباس -ولم يكن التوسل بشخصه ولكن بدعاءه قم- يا عباس -فاستسق لنا.
أو: قم- يا عباس -فادع لنا.
فلو كان الاستسقاء بذاته لكان سيبقيه في مكانه، ولكن بدعائه، فقام العباس وسأل الله بمكانته من رسول الله، وبطاعته لله أن يسقي الناس فسقوا في حالهم.
стр. 1048
ما يفعل عند السقيا بنزول المطر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعنه -أي: عن أنس ﵁ قال: (أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، وقال: إنه حديث عهد بربه) رواه مسلم] .
بدأ المؤلف ﵀ يذكر بعض جوانب أو آثار الاستسقاء لمن مطروا بغير استسقاء، أو بعد الاستسقاء، فتقدم ﷺ إلى ماء المطر، وخاض بساقيه، وحسر ثوبه، وقال: (إنه حديث عهد بربه) تبركاً بهذا الماء النازل غوثاً للمسلمين.
يقول العلماء في تفسير قوله: (حديث عهد بربه) : إن المطر جاء من السحاب، والسحاب دون السماء الأولى، والله مستوٍ على عرشه كما بيّن ، وهذه أمور لا يدركها العقل.
قالوا: أي أن الله ساقه برحمة منه، فهو حديث عهد برحمة الله التي رحم بها أهل الأرض.
ومن هنا يتبرك به ﷺ فيغمس قدميه فيه، وفي بعض الروايات: (رُئيَ المطر ينزل من لحيته) ، وفي بعضها: (حسر عن رأسه، وقال: أصيبوا منه) ، إلى غير ذلك، حتى قيل بأنه كان يشرب منه، وكان يتوضأ منه، وكان يخرج إلى وادي قناة، وكان أغزر أودية المدينة مطراً، إلى غير ذلك من الروايات، فلا مانع أن يصيب الإنسان من المطر إذا كان عند نزوله، أو يأتي إلى الوادي ويغسل يديه أو رجليه منه، أو يشرب منه إن طابت له نفسه إذا كان صافياً صالحاً للشرب، أو غير ذلك، فكل ذلك تبرك بهذا الماء الجديد لأنه حديث عهد بربه، أي: بأوامره وبإنزاله، وبإغاثته للعباد برحمة منه سبحانه.
стр. 1049
الوارد عند رؤية المطر
قال المصنف: [وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال: (اللهم صيّباً نافعاً) أخرجاه] .
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: إن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر -أي: إذا نزل ورآه رأي العين وتأكد من نزوله- قال: (اللهم صيّباً نافعاً) .
و (الصيّب) أصله: صيْوِب، وعند علماء الصرف أنه إذا اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، كما في (جيّد) ، فأصله (جَيْوِد) ، من الجودة.
وأصل (الصيب) من الإصابة، تقول: صوب السهم فأصاب الرمية.
وسمي المطر صيباً لأنه ينزل ويصيب مكانه، فإذا رأى النبي ﷺ المطر دعا الله أن يجعله صيباً نافعاً، وذلك مخافة أن يكون صيباً ضاراً؛ لأنه إذا زاد المطر عن مقدار تَحمُّل الخلق أو الأرض كان ضرره أكثر من نفعه، ونحن نشاهد ونسمع بالكوارث والحالات التي يأتيها المطر غزيراً فيهلك الزرع، ويهدم البنيان، ويكسر الطرق والجسور، فالنبي ﷺ رحمة منه بالأمة حينما يرى المطر يقول: (اللهم صيباً نافعاً) .
و (صيب) من أسماء المطر أيضاً، ومنهما (الوبل) ، ومنها (الرذاذ) ، ومنها (الهتان) ، وكلها أسماء تأتي على حسب صفاته وحالاته وشدته ورقته، والله تعالى أعلم.
стр. 1050
ما يحسن الدعاء به عند الاستسقاء
قال المصنف: [وعن سعد ﵁ أن النبي ﷺ دعا في الاستسقاء: (اللهم جَلّلْنا سحاباً كثيفاً ... ) ] .
الجلال: جمع جلالة، والجلالة: الثوب الذي يوضع على البُدْن حينما تساق هدياً إلى بيت الله، وتقول: فلان جلل فلاناً بالنعم.
أي: غطاه وغمره، فكذلك كانوا إذا ساقوا الهدي إلى بيت الله تكريماً وإمعاناً في القربة إلى الله، يزينون تلك البدن بنوع من الأقمشة الجديدة، فيجعلونها عليها تجميلاً لها، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أهدى إلى البيت كسا هديه من الجلال في أول خروجها، ثم إذا أراد أن يشعرها كشفها عنها، ثم بعد ذلك يلبسها إياها، ثم ينزعها حتى تدنو من مكة، فإذا دنت من مكة جللها وذهب بها إلى الموقف، ثم إذا رجع وأراد أن ينحرها، أخذ الجلالة عنها حتى لا يصيبها الدم، وتصدق بجلالها مع لحمها.
فالنبي ﷺ يقول: (اللهم جللنا سحاباً) .
أي: ارزقنا سحاباً يكون عامّاً شاملاً كما تشمل الجلال بهيمة الأنعام من البدن.
وفيه إشارة لطيفة بأن تكون تلك السحابة من باب الجلال، أي: لطيفة نافعة؛ لأن الجلال لا تضر الإبل، فتحملها الإبل متزينة بها، فكذلك دعا النبي ﷺ أولاً بطلب السحاب، وأن يكون شاملاً مغطياً عاماً كشمول الجلال لبهيمة الأنعام في البُدْن، والله أعلم.
وقوله: (سحاباً كثيفاً) السحاب يأتي خفيفاً، ويأتي كثيفاً متراكماً، والخفيف يسمى الكهام أو الجهام، وهي التي أمطرت ما فيها وأصبحت خفيفة، وتجد السحب الخفيفة سريعة المشي؛ لأنها خفيفة على الرياح، فتمضي سريعاً، أما السحاب المحمل بالماء فتجده بطيئاً في المشي؛ لأنه مثقل بالماء ومحمل به، فالكثيف المتراكم بعضه فوق بعض والمحمل بالماء بخلاف الكهام أو الجهام الذي أراق ماءه، أو لم يحتمل الماء.
وقوله: (قصيفا) .
القصيف: فعيل من القصف يقال لصوت قصف الرعد، فالقصيف: الصوت الشديد، كقصف المدافع والأصوات الشديدة، فهذا يدل على كثافة السحاب وغزارة المطر.
قال: (دلوقاً) .
الدلوق: فعول من (دلق) ، والعامة قد تقول: دُلق ماء الإناء.
بمعنى: أُفرغ ما فيه، وتقول: الماء اندلق، والكأس اندلقت، بمعنى انكفأت وسقط ما فيها، فـ (دلوقاً) ، معناها: غزير الماء.
ويقال: إبل دلوق، إذا كانت سريعة، أو: خيل دلوق، إذا كانت سريعة، وكذلك الإناء أو الكأس، فما أسرع خروج الماء منه فهو اندلاق.
قوله: (دلوقاً ضحوكاً) .
السحاب الضحوك هو الذي يكون فيه البرق، كأنه يتبسم، فهي أوصاف عجيبة جداً، من أنواع البلاغة، واستعمال اللطيف من العبارات، فيسمى أو يعبر عن ضوء البرق الذي يلمع بأنه ثغر آدمي يضحك.
قال: (تمطرنا منه رذاذاً) .
(تمطرنا منه) كل ما تقدم صفات للسحاب، فإذا اكتملت تلك الصفات لهذا السحاب فكان مجللا، كثيفاً، قصوفا، ً دلوقاً، ضحوكاً قيل: ماذا ينزل من هذا كله؟ مخافة أن تكون هذه الصفات فيها من جرم الماء وكثرته ما يضر، فيكون الدعاء: ابعث لنا سحاباً هذه صفاته، وتمطرنا منه رذاذاً.
وفي فقه اللغة أن الصوت يوحي بالمعنى، ومن ذلك قول عباد الصيمري من علماء اللغة: إن بين اللفظ ومعناه رائحة شمها أولوا الألباب.
بمعنى أن الفطن صاحب الفطرة الصحيحة إذا سمع لفظة فهم معناها من جرس صوتها، واستدل بذلك على أسماء الأصوات في اللغة، وبعض المصادر تدل على معانيها ولو لم تعلمها من القاموس، فتسمع -مثلاً- كلمة (غليان) ، و (جريان) ، فهذا النطق فيه حركات متوالية، ففي (جَرَيَ) ثلاث حركات متوالية بالفتح، فـ (جريان) ، لا يدل على الجلوس، وإنما يدل على الانطلاق، و (غليان) ، تدل على أن الماء تحرك.
وحين تقول: (حفيف الشجر) فكلمة (حفيف) ، توحى بأن شجرة تحركها الرياح وراءك، ولما تسمع (زقزقة العصافير) وتكررها بقولك: (زق زق زق) فكأن عصفوراً في القفص وراءك.
فقالوا: إن أسماء الأصوات مأخوذ من معانيها ما يدل عليها بجرسها، فهنا لفظة: (رذاذاً) كأنها تعطي المعنى، أي: خفيف خفيف.
قال: (تمطرنا منه رذاذاً قِطْقِطْاً) .
قوله: (قِطْقِطْاً) هو كقولك: ليقطر نقطة نقطة، فليس هو صب القرب حتى تغرق الدنيا، ويكسر الشجر وتهدم البيوت، وإنما شيئاً فشيئاً، فكأنه شيء غير متواصل، فهو خطوة خطوة، ومقاطع منفصلة.
قال: (قِطْقِطْاً سَجْلاً) .
قوله: (سَجْلاً) منه السِجل، والذَنُوب، وهي أنواع من أواني المياه.
стр. 1051
استحباب الدعاء بأسماء الله وصفاته بما يتناسب مع الحاجة
قال: (يا ذا الجلال والإكرام) .
هذه صفات الله ، يتوسل بها النبي ﷺ إلى رب العزة في قضاء ما سأله إياه، والجلال والعظمة والكبرياء صفات هي صفات الجلال والكمال لله ، ومن صفات العظمة والكمال والجلال الأسماء الثلاثة: الملك، والإله، والرب، وكلها جاءت في سورة الفاتحة، وفي المعوذتين في آخر المصحف.
وأما كونه ذا الإكرام فنحن نسأل ونطلب، فتسأل حاجتك وتطلبها من كريم، فنظهر ونتوسل بهذا الاسم وبتلك الصفة التي تناسب الحاجة.
ومن هنا يقول العلماء في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ، وفيما جاء الحديث (إن لله تسعة وتسعين اسماً -مائة إلا واحداً- من أحصاها دخل الجنة) يقولون: هل معنى (أحصاها) حفظها كما هي مكتوبة في آخر المصحف -كما في بعض الطبعات الهندية-، أن (أحصاها) فقه معناها؟ وحضرت مجلساً انعقد بين والدنا الشيخ الأمين -رحمة الله تعالى علينا وعليه- وفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز في هذا الموضوع في بيت الشيخ، وتذاكرا وقتاً طويلاً، وأخيراً استقر الأمر على أن (حفظها) بمعنى: صانها من التحريف والتأويل، وتأدب بها، فإذا قرأ أو إذا ذكر اسم الله الكريم فلا يبخل، وإذا ذكر اسم الله الرحيم فلا يتجبر، وإذا ذكر اسم الله الرزاق فلا يمنع، وهكذا يتخلق بأخلاق مدلول أسماء الله .
وهنا يقولون في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] يقولون: لن يتأتى لإنسان أن يسرد تسعة وتسعين اسماً، ويقول: يا رب: أعطني، أو يا رب: ارزقني.
أو: يا رب: اغفر لي.
قالوا: المراد هنا والمناسب أنك إذا سألت الله شيئاً انظر من أسمائه سبحانه ما يتناسب مع هذا الذي سألته، وتوسل إليه سبحانه بهذا الاسم، فإذا كان الإنسان فقيراً ويريد التوسع في الرزق، فهل سيقول: يا قهار، يا جبار، أم سيقول: يا رزاق، يا كريم؟ سيقول: يا رزاق، يا كريم.
وإذا كان يطلب المغفرة فهل سيقول: يا شديد العقاب يا شديد العذاب، يا جبار؟ إنه سيقول: يا غفار.
يا رحيم، وهكذا.
وقد جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها حينما ذكر النبي ﷺ فضل ليلة القدر، فقالت يا رسول الله! ماذا أقول إن أنا صادفتها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني) .
أي: من صفاتك العفو، وأنت تحب العفو، وتحب من يعفو عمن ظلمه، فأسألك بما تحبه، وما أنت متصف به أن تعفو عني.
فالسؤال يكون بذكر الصفة التي يتصف بها الله ، والتي يحبها في عباده، فـ عائشة رضي الله تعالى عنها لم تقل: يا رزاق، يا كريم.
ولم تقل: يا غفور، يا رحيم.
ولم تقل: يا ذا الجلال والإكرام.
ولم تقل: سبوح قدوس.
وكل ذلك من صفاته ، ولكن رسول الله ﷺ علّمها أن تأتي لمسألتها فتسأل الله بالصفة التي ترتبط بهذه الحاجة، وهكذا هنا: (يا ذا الجلال والإكرام) .
стр. 1052
استسقاء نبي الله سليمان ﵇
قال المصنف: [رواه أبو عوانة في صحيحه.
стр. 1053
استسقاء النمل مع سليمان ﵇
قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (خرج سليمان ﵇ يستقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك فقال: ارجعوا؛ فقد سقيتم بدعوة غيركم) رواه أحمد، وصححه الحاكم] .
هذا الحديث يستوقف كل مسلم وقفة طويلة، لا للاستسقاء فحسب، ولكن للتأمل في عجائب قدرة الله، وللتأمل فيما وهب الله لأصغر مخلوقاته من معرفته سبحانه، وما أهمه وجعل فيه من غرائز.
تفوق عقل الإنسان في تصرفاته وعقائده.
وهذا الحديث يمكن أن يدخله العلم في عدة أبواب، فمثلاً في الأصول يدخل في مسالة (شرع من قبلنا هل هو شرع لنا) لأن النبي ﷺ يذكر لنا ما وقع لمن كان قبلنا، وهو نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وسليمان ﵇ قد خصه الله بملك لم يأته لأحد من بعده، فعلمه منطق الطير، وسخر له الجن والريح، وأعطاه -كما في كتاب الله- ما لم يؤت أحد من العالمين.
وها هو كما في كتاب الله يسمع خطاب النملة، ويفقه ما قالت، ويتبسم ضاحكاً من قولها، وها هو ﷺ -وهو الصادق المصدوق- يخبرنا بأن نبياً قبلنا -وهو نبي الله سليمان- خرج يستسقي.
فالاستسقاء قديم في الأمم الماضية، وهو دأب المسلمين الذين يعلمون بأنه لا يسوق الخير إلا الله، ولا يدفع الشر إلا الله، ولا يقوى على إنزال المطر سواه، فخرج نبي الله سليمان يستسقي -أي: يطلب السقيا، وبمن معه- فإذا به يرى النملة.
وأما كيف رأى النملة وكيف سمعها فهذا أمر لا يقوى عقل البشر على إدراكه، وإنما عليه أن يؤمن بما وقع، ويترك كيفية وكنه ذلك لله رب العالمين.
وإن قيل: كيف يراها على صغرها وهو خارج في جمع من الخلق؟ نقول أيضاً: وكيف سمعها وهو في جنده وهي تقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ.
﴾ [النمل:١٨] فالله أعطاه القدرة على رؤيتها وهو في حالته، فلو كان جالساً أو ماشياً على قدميه فإنه يتفقد ما تحت رجله، أو ينظر إلى القريب منه، ويمكن أن نقول ذلك في هذه الحالة، لكنه خرج في جمع من أمته يستسقون رب العالمين، فكيف رآها؟ وعند هذه الآية الكريمة يروي بعض العلماء أن النملة رأتهم من مسافة ستة أميال قبل أن يصلوا، ثم أنذرت قومها، وسنرجع إليها إن شاء الله.
في موضوع الدرس هنا أن نبي الله سليمان خرج يستسقي -أي: يطلب السقي- فإذا به يرى نملة، ولم يرَ النمل كله، فيراها على تلك الحالة، ورأى قوائمها التي تكاد تكون أنحل من الشعر، وهي رافعة قوائمها إلى السماء، ولها ست قوائم.
فاستلقت على ظهرها ورفعت قوائمها، وهذا فيه رد على من لا يرى رفع اليدين في الدعاء، فهذه نملة تعرف أين تتوجه، وتسأل المولى لا من بطن الأرض، ولا من شرق ولا غرب، ولكن من السماء من العلو، ترفع قوائمها إلى الله كالذي يرفع يديه مستصرخاً ضارعاً، كما تقدم لنا أنه ﷺ رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه -أي: في هذه الحالة بالذات-، وهذه النملة مستلقية على ظهرها، ورفعت قوائمها تسأل الله.
ثم يروي لنا أنها قالت: (اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك) ، أو (بذنوب العباد) كما في رواية أحمد: (فلا تهلكنا بذنوب العباد، لا غنى لنا عن سقياك) ، وفي بعض الرويات -كما يذكرها الجاحظ: (إن لم تسقنا تهلكنا، إن لم تسقنا فأمتنا) أي: لنستريح من عذاب القحط.
فهذه نملة وهي أيسر ما تكون تأتي بهذا العمل، فمن أحق باللجوء إلى الله الإنسان أم هذه الحشرة؟ ومن أحق بالضراعة إليه الإنسان أم هي؟ ومن أحق بالاعتقاد بأن كل شيء بيده سبحانه؟! فما كان من نبي الله سليمان إلا أن اكتفى بدعائها، وقال لمن معه: (ارجعوا؛ فقد سقيتم بدعوة غيركم) .
فالله تعالى سمع دعاء النملة، كما يقول الزمخشري: يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ من تلك العظام النحل فالمولى سبحانه يسمع ويرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، فهذه هي القدرة الإلهية والعظمة الربانية، فهو الله ذو الجلال والإكرام سبحانه.
فإذا بسليمان ومن معه يرجعون.
فلله خلائق أخرى، ولله أمم وأجناس، فهو أرحم الراحمين.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨] ، فالطيور والوحوش والحشرات إنما هي أمم ولها نظامها.
стр. 1054
النمل وبدائع صنع الله فيه
وفي هذه الآية الكريمة يذكر المفسرون عجائب النمل، وكتب الحديث والتفسير، وكتب العلوم العامة كعلم الحيوانات، وعلوم الحشرات، وكتب مليئة بأخبار النملة، وهذا من العجب.
يقولون عن هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل:١٨] : هل للنمل وادٍ؟ والجواب: نعم.
وأتثبت الكتب والدراسات الحديثة أن في بعض الدول -خاصة في أمريكا وفي أفريقيا- ودياناً لا يسكنها إلا النمل، وقد يتخذ له بيوتاً، أو مساكن كما قالت النملة: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل:١٨] ، فللنمل مساكن، ويتفق علماء الحيوانات والحشرات وكتب التفسير على أن نظام النمل في بيته كنظام الإنسان سواءً، ففي بيوته دهاليز وطرقات وحُجَر، فحجرة يخزن فيها الطعام، وحجرة يضع فيها البيض الخاص بالنمل، وحجر لتصريف المياه، فإذا دخل المطر فإن حجر المياه تكون منخفضة إلى أسفل، والحجر التي فيها الطعام تكون مرتفعة إلى أعلى.
ويذكر بعض العلماء أن النمل يبني له قرية يسمونها (مستعمرة النمل) على اصطلاحهم، وتكون هرمية الشكل، فمن أعلى تنتهي برأس، ومن أسفل تنتهي بقاعدة، يقول بعض الكتّاب: ربما تسع اثني عشر رجلاً.
وتكون على طبقات ودرجات، وكل طبقة فيها عدة بيوت، ومجموعها يسمى (قرية النمل) ، أو (مستعمرة النمل) ، وذكر الجاحظ عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن للنمل سادة.
فسئل قتادة: وما معنى السادة؟ وقال: ساداته الذين يخرجون طلائع يطلبون الغذاء من كل جانب، ثم يرجعون وينذرون جماعتهم فيأتون إليه، وكلهم يتفقون على أن النمل أعطي من الحكم والسياسة ما أعطيه ساسة الأمة، أي: ساسة الدول، ومن الهندسة والمعرفة والقوة ما لا يرى نظيره عند البشر.
فمن الحكمة عند النمل أنه يجمع طعام الشتاء في الصيف، فإذا جمعه وخزنه فلقه نصفين -وانظر إلى الإلهام والغريزة-.
وبعض العلماء يقول: إنه يفلق الحبة نصفين حتى لا تنبت، وبعضهم يقول: هو لا ينصفها، وإنما يأتي إلى منبت الزراع فيخرم الحبة منه، ويخرج ما سيكون نباتاً مخافة أنه إذا بقي في الجحر وجاءته رطوبة يزرع وينبت، فلا يستفيد منه شيئاً، إلا حبة الكزبرة، فإنه يقسمها أربعة أقسام، فالبر والذرة وغيرهما يأخذ منه محل المنبت، وحبة الكزبرة بالذات يقسمها أربعاً؛ لأن حبة الكزبرة بذاتها فلقتان، وكل فلقة صالحة أن تنبت وحدها، فلو فلقت الكزبرة فلقتين فكل فلقة ستنبت نبتة، كما تنبت حبة البر الكاملة، فالنمل لا يكتفي بكسر حب الكزبرة نصفين كما يفعل في حبة البر، لكن يكسرها أربعاً ليقسم كل نصف حتى لا ينبت النصف وحده.
وإذا قدر ودخل المطر عنده، أو جاءت الرطوبة انتظر طلوع الشمس، وأخرج كل ما عنده في مستودعاته ونشرها في الشمس، أو في الليالي المقمرة؛ لأنه يستفيد من ضوء القمر كما يستفيد من حرارة أشعة الشمس، فإذا ما جف وأمن عليه العفونة رده في مكانه، ويذكرون من عجائب النمل ما لا يستطيع إنسان أن يحصيه؛ فإن هناك أشياء كثيرة وغريبة وعجيبة، ولتقرأ في هذا كتب الأدب، ككتاب الجاحظ، ومن كتب الثقافة العامة (حياة الحيوان) ، أو أنواع التفسير، ومنها تفسير الفخر الرازي، ولكنه أشار إشارة خفيفة إلى عموم وأصول سياسة النمل وحياته.
ويتفق العلماء إلى أن أقوى مخلوق هو النملة، بمعنى أنه يحمل أضعاف وزنه، بخلاف الإنسان، فإنه في علم الرياضة أول درجة في البطولة هي من يحمل وزنه، فمن استطاع أن يحمل وزنه دخل في درجة البطولة، وكلما استطاع حمل أكثر من وزنه دخل في البطولة أكثر، أما النملة فتحمل أضعاف وزنها، حتى قال بعضهم: تحمل الصفف ثلاث مائة مرة.
ومن طبائع النمل أنه لا يجب الكذب، بل يقتل الكاذب، وذكروا عن بعض الأشخاص أنه كان في فلاة، وكان يتناول طعاماً، فسقطت منه فتاتة من طعامه، فإذا بنملة تأتي، ومن العجيب في شأن النمل والذباب أنك تكون في مكان لا نمل فيه ولا ذباب البتة، فإذا أخرجت طعاماً وسقط منه شيء على الأرض فسرعان ما تجد نملة عندك، أو ذبابة تحوم حولك، فتلك النملة هي رائدة القوم، فإن استطاعت أن تحمل ما سقط على الأرض أخذته بفيها وذهبت إلى جحرها، وإن لم تستطع أخذت قليلاً منه -إن أمكنها- وذهبت إلى جحرها، واستدعت جماعة يتعاونون على هذا الطعام الصغير، ويحملونه إلى الجحر، فهذا الشخص سقطت منه فتاتة، فجاءت النملة تحملها فما قدرت فذهبت، ولم تلبث أن جاءت بمجموعة من النمل، ففطن أنها ذهبت تدعوهم، فلما اقتربوا من تلك الفتاتة حملها هذا الرجل، فأخذ النمل في البحث في المنطقة فما وجد شيئاً فرجع، ثم وضعها بعد ذلك، فجاءت نفس النملة ووجدتها، فرجعت إلى جماعتها، فجاءت فحمل الرجل تلك الفتاتة، وفي المرة الثالثة لما لم يجدوا تلك الفتاتة جاءوا إلى النملة التي أخبرتهم وقتلوها لأنها كذبت عليهم.
فهو ينظم عمله، وينظم جماعته، ولديه ترتيب في بيضه، وفي حضانته، وفي غير ذلك، حتى قال بعض الناس: إنه يختزن طعاماً يكفيه عدة أعوام، ولسنا نطيل الأمر في ذلك، ومن أراد التوسع في أخباره فليرجع إلى تلك المراجع التي أشرنا إليها أو غيرها.
ويهمنا في هذا البحث الطلب والرجاء، وأن ندرك أن هذه النملة أدركت حياتها، وأيقنت بربها، وآمنت بقدرته وأنه القادر على ذلك، وإدراك النمل وإدراك الحيوان ثابت في القرآن الكريم والسنة النبوية أيضاً.
ففي القرآن الكريم ذكر الهدهد، وهو طائر من الطيور -كما أن النملة حشرة من الحشرات- ذهب فمكث غير بعيد، وجاء إلى نبي الله سليمان وقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢] ، وأخبره عن بلقيس، ثم كان من أمره أن أنكر عليهم السجود للشمس والقمر من دون الله، فلم يكن أن أكتشف بلقيس فحسب، بل أنكر عليها الشرك بالله في عبادة الشمس والقمر، ثم كان من أمره ما كان.
وذكر مالك ﵀ في الموطأ في فضل يوم الجمعة أنه تقوم فيه الساعة، وقال: وما من دابة إلا تصغي بسمعها بعد طلوع الفجر من كل يوم جمعة مخافة أن تقوم الساعة، أو شفقاً من الساعة.
فالدواب تميز بين الخميس والجمعة والسبت، وتصغي بسمعها يوم الجمعة بعد الفجر، وليس في الظهر والعصر، وتؤمن بأن القيامة تقوم في يوم الجمعة، وتصغي بسمعها.
وعلى هذا فجميع الحيوانات تدرك، ومن ذلك البعير الذي ند عن صاحبه، وجاء إلى النبي ﷺ ، وذهب الرسول إليه، وأراد أن يدخل، فقال أبو بكر: على رسلك -يا رسول الله- فالجمل هائج فقال: (على رسلك أنت) ، ودخل ﷺ ، واستقبله البعير، ووضع فمه على رأسه ﷺ ، وأصغى إليه رسول الله، ثم انتهى بعد ذلك وقال: (يا صاحب البعير! بعيرك يشتكي كثرة الكلف وقلة العلف) أي: إن قانون المعاوضة لم يعتدل، ولم يتزن، فتكلفه أكثر مما تعلفه، وهذا ليس عدلاً، فلما انتهى قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! لكأن الجمل يعلم أنك رسول الله، فكيف جاءك وكيف خضع لك، وكيف جاء وكلمك وفهمت منه؟ فقال: (يا أبا بكر! ما بين لابتيها -أي: لابتي المدينة، وهي الحجارة الحارة الشرقية، والحجارة الحارة الغربية- من شجر أو حجر أو مدر أو حيوان أو طير إلا ويعلم أني رسول الله) .
وقد نكون أطلنا في هذا الموضوع، ولكن يهمنا تنبيه العقول، وتنبيه الضمائر، ولفت الأنظار إلى أن الكائنات كلها تعلم بوجود الله، وتؤمن بالله، وتؤمن باليوم الآخر، وهذا الذي أردنا التنبيه عليه، وإن كان خارجاً عن موضوعنا.
стр. 1055
استحباب الخروج بالحيوانات للاستسقاء
يقول بعض العلماء: لا مانع عند الاستسقاء أن نخرج البهائم؛ لأن الله سقى الأمة بنملة فلو أخرجنا البقر والأغنام والإبل كان ذلك أيضاً أدعى لأن يرحمنا الله إذا سمع رغاءها وسمع خوارها فلعل الله يرحمنا بها لهذا كانت صلاتها في الخلاء لتسع فيما لو اخرجوا البهائم.
وقال بعضهم: لا حاجة إلى ذلك.
وهنا مسألة، وهي: هل يجوز قتل النمل أم لا يجوز؟ فمما يذكرونه عن عبد الله بن أحمد أن رجلاً رأى جارية له تقتل نملة، فقال: لا تقتليها.
وطلب كرسياً وجلس عليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها النمل! أخرجوا عنا.
وفي بعض الروايات قال: إني لا أحب أن تقتل في بيتي، وبعضها يقول: اخرج عنا وإلا أحرقتك.
قال: فأخذ النمل يخرج أرسالاً.
وجاء في الحديث أن نبياً من الأنبياء كان في طريقه -وبعضهم يعزوها إلى نبي الله موسى، فقال: يا رب! تهلك قرية لرجل فيها فاسق! -أي: لمعصية إنسان تهلك قرية بكاملها- فأراد الله أن يريه الآية، فخرج مرة ثم جلس في ظل شجرة، واتكأ ونام، وفي أثناء نومه -كان بجانبه بيت للنمل-، فجاءت نملة وقرصته، فانتبه مذعوراً، فقام وأفسد قرى النمل كلها، فقال له الله : أمن أجل نملة تهلك القرية كلها؟! فتذكر سؤاله الأول.
وأخبار هذه الحشرة كثيرة، وقد نهى ﷺ عن قتل النمل والصرد والهدهد.
следующие страницы →