Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
استحباب الدعاء بأسماء الله وصفاته بما يتناسب مع الحاجة
قال: (يا ذا الجلال والإكرام) .
هذه صفات الله ، يتوسل بها النبي ﷺ إلى رب العزة في قضاء ما سأله إياه، والجلال والعظمة والكبرياء صفات هي صفات الجلال والكمال لله ، ومن صفات العظمة والكمال والجلال الأسماء الثلاثة: الملك، والإله، والرب، وكلها جاءت في سورة الفاتحة، وفي المعوذتين في آخر المصحف.
وأما كونه ذا الإكرام فنحن نسأل ونطلب، فتسأل حاجتك وتطلبها من كريم، فنظهر ونتوسل بهذا الاسم وبتلك الصفة التي تناسب الحاجة.
ومن هنا يقول العلماء في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ، وفيما جاء الحديث (إن لله تسعة وتسعين اسماً -مائة إلا واحداً- من أحصاها دخل الجنة) يقولون: هل معنى (أحصاها) حفظها كما هي مكتوبة في آخر المصحف -كما في بعض الطبعات الهندية-، أن (أحصاها) فقه معناها؟ وحضرت مجلساً انعقد بين والدنا الشيخ الأمين -رحمة الله تعالى علينا وعليه- وفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز في هذا الموضوع في بيت الشيخ، وتذاكرا وقتاً طويلاً، وأخيراً استقر الأمر على أن (حفظها) بمعنى: صانها من التحريف والتأويل، وتأدب بها، فإذا قرأ أو إذا ذكر اسم الله الكريم فلا يبخل، وإذا ذكر اسم الله الرحيم فلا يتجبر، وإذا ذكر اسم الله الرزاق فلا يمنع، وهكذا يتخلق بأخلاق مدلول أسماء الله .
وهنا يقولون في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] يقولون: لن يتأتى لإنسان أن يسرد تسعة وتسعين اسماً، ويقول: يا رب: أعطني، أو يا رب: ارزقني.
أو: يا رب: اغفر لي.
قالوا: المراد هنا والمناسب أنك إذا سألت الله شيئاً انظر من أسمائه سبحانه ما يتناسب مع هذا الذي سألته، وتوسل إليه سبحانه بهذا الاسم، فإذا كان الإنسان فقيراً ويريد التوسع في الرزق، فهل سيقول: يا قهار، يا جبار، أم سيقول: يا رزاق، يا كريم؟ سيقول: يا رزاق، يا كريم.
وإذا كان يطلب المغفرة فهل سيقول: يا شديد العقاب يا شديد العذاب، يا جبار؟ إنه سيقول: يا غفار.
يا رحيم، وهكذا.
وقد جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها حينما ذكر النبي ﷺ فضل ليلة القدر، فقالت يا رسول الله! ماذا أقول إن أنا صادفتها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني) .
أي: من صفاتك العفو، وأنت تحب العفو، وتحب من يعفو عمن ظلمه، فأسألك بما تحبه، وما أنت متصف به أن تعفو عني.
فالسؤال يكون بذكر الصفة التي يتصف بها الله ، والتي يحبها في عباده، فـ عائشة رضي الله تعالى عنها لم تقل: يا رزاق، يا كريم.
ولم تقل: يا غفور، يا رحيم.
ولم تقل: يا ذا الجلال والإكرام.
ولم تقل: سبوح قدوس.
وكل ذلك من صفاته ، ولكن رسول الله ﷺ علّمها أن تأتي لمسألتها فتسأل الله بالصفة التي ترتبط بهذه الحاجة، وهكذا هنا: (يا ذا الجلال والإكرام) .
стр. 1052
استسقاء نبي الله سليمان ﵇
قال المصنف: [رواه أبو عوانة في صحيحه.
стр. 1053
استسقاء النمل مع سليمان ﵇
قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (خرج سليمان ﵇ يستقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك فقال: ارجعوا؛ فقد سقيتم بدعوة غيركم) رواه أحمد، وصححه الحاكم] .
هذا الحديث يستوقف كل مسلم وقفة طويلة، لا للاستسقاء فحسب، ولكن للتأمل في عجائب قدرة الله، وللتأمل فيما وهب الله لأصغر مخلوقاته من معرفته سبحانه، وما أهمه وجعل فيه من غرائز.
تفوق عقل الإنسان في تصرفاته وعقائده.
وهذا الحديث يمكن أن يدخله العلم في عدة أبواب، فمثلاً في الأصول يدخل في مسالة (شرع من قبلنا هل هو شرع لنا) لأن النبي ﷺ يذكر لنا ما وقع لمن كان قبلنا، وهو نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وسليمان ﵇ قد خصه الله بملك لم يأته لأحد من بعده، فعلمه منطق الطير، وسخر له الجن والريح، وأعطاه -كما في كتاب الله- ما لم يؤت أحد من العالمين.
وها هو كما في كتاب الله يسمع خطاب النملة، ويفقه ما قالت، ويتبسم ضاحكاً من قولها، وها هو ﷺ -وهو الصادق المصدوق- يخبرنا بأن نبياً قبلنا -وهو نبي الله سليمان- خرج يستسقي.
فالاستسقاء قديم في الأمم الماضية، وهو دأب المسلمين الذين يعلمون بأنه لا يسوق الخير إلا الله، ولا يدفع الشر إلا الله، ولا يقوى على إنزال المطر سواه، فخرج نبي الله سليمان يستسقي -أي: يطلب السقيا، وبمن معه- فإذا به يرى النملة.
وأما كيف رأى النملة وكيف سمعها فهذا أمر لا يقوى عقل البشر على إدراكه، وإنما عليه أن يؤمن بما وقع، ويترك كيفية وكنه ذلك لله رب العالمين.
وإن قيل: كيف يراها على صغرها وهو خارج في جمع من الخلق؟ نقول أيضاً: وكيف سمعها وهو في جنده وهي تقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ.
﴾ [النمل:١٨] فالله أعطاه القدرة على رؤيتها وهو في حالته، فلو كان جالساً أو ماشياً على قدميه فإنه يتفقد ما تحت رجله، أو ينظر إلى القريب منه، ويمكن أن نقول ذلك في هذه الحالة، لكنه خرج في جمع من أمته يستسقون رب العالمين، فكيف رآها؟ وعند هذه الآية الكريمة يروي بعض العلماء أن النملة رأتهم من مسافة ستة أميال قبل أن يصلوا، ثم أنذرت قومها، وسنرجع إليها إن شاء الله.
في موضوع الدرس هنا أن نبي الله سليمان خرج يستسقي -أي: يطلب السقي- فإذا به يرى نملة، ولم يرَ النمل كله، فيراها على تلك الحالة، ورأى قوائمها التي تكاد تكون أنحل من الشعر، وهي رافعة قوائمها إلى السماء، ولها ست قوائم.
فاستلقت على ظهرها ورفعت قوائمها، وهذا فيه رد على من لا يرى رفع اليدين في الدعاء، فهذه نملة تعرف أين تتوجه، وتسأل المولى لا من بطن الأرض، ولا من شرق ولا غرب، ولكن من السماء من العلو، ترفع قوائمها إلى الله كالذي يرفع يديه مستصرخاً ضارعاً، كما تقدم لنا أنه ﷺ رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه -أي: في هذه الحالة بالذات-، وهذه النملة مستلقية على ظهرها، ورفعت قوائمها تسأل الله.
ثم يروي لنا أنها قالت: (اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك) ، أو (بذنوب العباد) كما في رواية أحمد: (فلا تهلكنا بذنوب العباد، لا غنى لنا عن سقياك) ، وفي بعض الرويات -كما يذكرها الجاحظ: (إن لم تسقنا تهلكنا، إن لم تسقنا فأمتنا) أي: لنستريح من عذاب القحط.
فهذه نملة وهي أيسر ما تكون تأتي بهذا العمل، فمن أحق باللجوء إلى الله الإنسان أم هذه الحشرة؟ ومن أحق بالضراعة إليه الإنسان أم هي؟ ومن أحق بالاعتقاد بأن كل شيء بيده سبحانه؟! فما كان من نبي الله سليمان إلا أن اكتفى بدعائها، وقال لمن معه: (ارجعوا؛ فقد سقيتم بدعوة غيركم) .
فالله تعالى سمع دعاء النملة، كما يقول الزمخشري: يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ من تلك العظام النحل فالمولى سبحانه يسمع ويرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، فهذه هي القدرة الإلهية والعظمة الربانية، فهو الله ذو الجلال والإكرام سبحانه.
فإذا بسليمان ومن معه يرجعون.
فلله خلائق أخرى، ولله أمم وأجناس، فهو أرحم الراحمين.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨] ، فالطيور والوحوش والحشرات إنما هي أمم ولها نظامها.
стр. 1054
النمل وبدائع صنع الله فيه
وفي هذه الآية الكريمة يذكر المفسرون عجائب النمل، وكتب الحديث والتفسير، وكتب العلوم العامة كعلم الحيوانات، وعلوم الحشرات، وكتب مليئة بأخبار النملة، وهذا من العجب.
يقولون عن هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل:١٨] : هل للنمل وادٍ؟ والجواب: نعم.
وأتثبت الكتب والدراسات الحديثة أن في بعض الدول -خاصة في أمريكا وفي أفريقيا- ودياناً لا يسكنها إلا النمل، وقد يتخذ له بيوتاً، أو مساكن كما قالت النملة: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل:١٨] ، فللنمل مساكن، ويتفق علماء الحيوانات والحشرات وكتب التفسير على أن نظام النمل في بيته كنظام الإنسان سواءً، ففي بيوته دهاليز وطرقات وحُجَر، فحجرة يخزن فيها الطعام، وحجرة يضع فيها البيض الخاص بالنمل، وحجر لتصريف المياه، فإذا دخل المطر فإن حجر المياه تكون منخفضة إلى أسفل، والحجر التي فيها الطعام تكون مرتفعة إلى أعلى.
ويذكر بعض العلماء أن النمل يبني له قرية يسمونها (مستعمرة النمل) على اصطلاحهم، وتكون هرمية الشكل، فمن أعلى تنتهي برأس، ومن أسفل تنتهي بقاعدة، يقول بعض الكتّاب: ربما تسع اثني عشر رجلاً.
وتكون على طبقات ودرجات، وكل طبقة فيها عدة بيوت، ومجموعها يسمى (قرية النمل) ، أو (مستعمرة النمل) ، وذكر الجاحظ عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن للنمل سادة.
فسئل قتادة: وما معنى السادة؟ وقال: ساداته الذين يخرجون طلائع يطلبون الغذاء من كل جانب، ثم يرجعون وينذرون جماعتهم فيأتون إليه، وكلهم يتفقون على أن النمل أعطي من الحكم والسياسة ما أعطيه ساسة الأمة، أي: ساسة الدول، ومن الهندسة والمعرفة والقوة ما لا يرى نظيره عند البشر.
فمن الحكمة عند النمل أنه يجمع طعام الشتاء في الصيف، فإذا جمعه وخزنه فلقه نصفين -وانظر إلى الإلهام والغريزة-.
وبعض العلماء يقول: إنه يفلق الحبة نصفين حتى لا تنبت، وبعضهم يقول: هو لا ينصفها، وإنما يأتي إلى منبت الزراع فيخرم الحبة منه، ويخرج ما سيكون نباتاً مخافة أنه إذا بقي في الجحر وجاءته رطوبة يزرع وينبت، فلا يستفيد منه شيئاً، إلا حبة الكزبرة، فإنه يقسمها أربعة أقسام، فالبر والذرة وغيرهما يأخذ منه محل المنبت، وحبة الكزبرة بالذات يقسمها أربعاً؛ لأن حبة الكزبرة بذاتها فلقتان، وكل فلقة صالحة أن تنبت وحدها، فلو فلقت الكزبرة فلقتين فكل فلقة ستنبت نبتة، كما تنبت حبة البر الكاملة، فالنمل لا يكتفي بكسر حب الكزبرة نصفين كما يفعل في حبة البر، لكن يكسرها أربعاً ليقسم كل نصف حتى لا ينبت النصف وحده.
وإذا قدر ودخل المطر عنده، أو جاءت الرطوبة انتظر طلوع الشمس، وأخرج كل ما عنده في مستودعاته ونشرها في الشمس، أو في الليالي المقمرة؛ لأنه يستفيد من ضوء القمر كما يستفيد من حرارة أشعة الشمس، فإذا ما جف وأمن عليه العفونة رده في مكانه، ويذكرون من عجائب النمل ما لا يستطيع إنسان أن يحصيه؛ فإن هناك أشياء كثيرة وغريبة وعجيبة، ولتقرأ في هذا كتب الأدب، ككتاب الجاحظ، ومن كتب الثقافة العامة (حياة الحيوان) ، أو أنواع التفسير، ومنها تفسير الفخر الرازي، ولكنه أشار إشارة خفيفة إلى عموم وأصول سياسة النمل وحياته.
ويتفق العلماء إلى أن أقوى مخلوق هو النملة، بمعنى أنه يحمل أضعاف وزنه، بخلاف الإنسان، فإنه في علم الرياضة أول درجة في البطولة هي من يحمل وزنه، فمن استطاع أن يحمل وزنه دخل في درجة البطولة، وكلما استطاع حمل أكثر من وزنه دخل في البطولة أكثر، أما النملة فتحمل أضعاف وزنها، حتى قال بعضهم: تحمل الصفف ثلاث مائة مرة.
ومن طبائع النمل أنه لا يجب الكذب، بل يقتل الكاذب، وذكروا عن بعض الأشخاص أنه كان في فلاة، وكان يتناول طعاماً، فسقطت منه فتاتة من طعامه، فإذا بنملة تأتي، ومن العجيب في شأن النمل والذباب أنك تكون في مكان لا نمل فيه ولا ذباب البتة، فإذا أخرجت طعاماً وسقط منه شيء على الأرض فسرعان ما تجد نملة عندك، أو ذبابة تحوم حولك، فتلك النملة هي رائدة القوم، فإن استطاعت أن تحمل ما سقط على الأرض أخذته بفيها وذهبت إلى جحرها، وإن لم تستطع أخذت قليلاً منه -إن أمكنها- وذهبت إلى جحرها، واستدعت جماعة يتعاونون على هذا الطعام الصغير، ويحملونه إلى الجحر، فهذا الشخص سقطت منه فتاتة، فجاءت النملة تحملها فما قدرت فذهبت، ولم تلبث أن جاءت بمجموعة من النمل، ففطن أنها ذهبت تدعوهم، فلما اقتربوا من تلك الفتاتة حملها هذا الرجل، فأخذ النمل في البحث في المنطقة فما وجد شيئاً فرجع، ثم وضعها بعد ذلك، فجاءت نفس النملة ووجدتها، فرجعت إلى جماعتها، فجاءت فحمل الرجل تلك الفتاتة، وفي المرة الثالثة لما لم يجدوا تلك الفتاتة جاءوا إلى النملة التي أخبرتهم وقتلوها لأنها كذبت عليهم.
فهو ينظم عمله، وينظم جماعته، ولديه ترتيب في بيضه، وفي حضانته، وفي غير ذلك، حتى قال بعض الناس: إنه يختزن طعاماً يكفيه عدة أعوام، ولسنا نطيل الأمر في ذلك، ومن أراد التوسع في أخباره فليرجع إلى تلك المراجع التي أشرنا إليها أو غيرها.
ويهمنا في هذا البحث الطلب والرجاء، وأن ندرك أن هذه النملة أدركت حياتها، وأيقنت بربها، وآمنت بقدرته وأنه القادر على ذلك، وإدراك النمل وإدراك الحيوان ثابت في القرآن الكريم والسنة النبوية أيضاً.
ففي القرآن الكريم ذكر الهدهد، وهو طائر من الطيور -كما أن النملة حشرة من الحشرات- ذهب فمكث غير بعيد، وجاء إلى نبي الله سليمان وقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢] ، وأخبره عن بلقيس، ثم كان من أمره أن أنكر عليهم السجود للشمس والقمر من دون الله، فلم يكن أن أكتشف بلقيس فحسب، بل أنكر عليها الشرك بالله في عبادة الشمس والقمر، ثم كان من أمره ما كان.
وذكر مالك ﵀ في الموطأ في فضل يوم الجمعة أنه تقوم فيه الساعة، وقال: وما من دابة إلا تصغي بسمعها بعد طلوع الفجر من كل يوم جمعة مخافة أن تقوم الساعة، أو شفقاً من الساعة.
فالدواب تميز بين الخميس والجمعة والسبت، وتصغي بسمعها يوم الجمعة بعد الفجر، وليس في الظهر والعصر، وتؤمن بأن القيامة تقوم في يوم الجمعة، وتصغي بسمعها.
وعلى هذا فجميع الحيوانات تدرك، ومن ذلك البعير الذي ند عن صاحبه، وجاء إلى النبي ﷺ ، وذهب الرسول إليه، وأراد أن يدخل، فقال أبو بكر: على رسلك -يا رسول الله- فالجمل هائج فقال: (على رسلك أنت) ، ودخل ﷺ ، واستقبله البعير، ووضع فمه على رأسه ﷺ ، وأصغى إليه رسول الله، ثم انتهى بعد ذلك وقال: (يا صاحب البعير! بعيرك يشتكي كثرة الكلف وقلة العلف) أي: إن قانون المعاوضة لم يعتدل، ولم يتزن، فتكلفه أكثر مما تعلفه، وهذا ليس عدلاً، فلما انتهى قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! لكأن الجمل يعلم أنك رسول الله، فكيف جاءك وكيف خضع لك، وكيف جاء وكلمك وفهمت منه؟ فقال: (يا أبا بكر! ما بين لابتيها -أي: لابتي المدينة، وهي الحجارة الحارة الشرقية، والحجارة الحارة الغربية- من شجر أو حجر أو مدر أو حيوان أو طير إلا ويعلم أني رسول الله) .
وقد نكون أطلنا في هذا الموضوع، ولكن يهمنا تنبيه العقول، وتنبيه الضمائر، ولفت الأنظار إلى أن الكائنات كلها تعلم بوجود الله، وتؤمن بالله، وتؤمن باليوم الآخر، وهذا الذي أردنا التنبيه عليه، وإن كان خارجاً عن موضوعنا.
стр. 1055
استحباب الخروج بالحيوانات للاستسقاء
يقول بعض العلماء: لا مانع عند الاستسقاء أن نخرج البهائم؛ لأن الله سقى الأمة بنملة فلو أخرجنا البقر والأغنام والإبل كان ذلك أيضاً أدعى لأن يرحمنا الله إذا سمع رغاءها وسمع خوارها فلعل الله يرحمنا بها لهذا كانت صلاتها في الخلاء لتسع فيما لو اخرجوا البهائم.
وقال بعضهم: لا حاجة إلى ذلك.
وهنا مسألة، وهي: هل يجوز قتل النمل أم لا يجوز؟ فمما يذكرونه عن عبد الله بن أحمد أن رجلاً رأى جارية له تقتل نملة، فقال: لا تقتليها.
وطلب كرسياً وجلس عليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها النمل! أخرجوا عنا.
وفي بعض الروايات قال: إني لا أحب أن تقتل في بيتي، وبعضها يقول: اخرج عنا وإلا أحرقتك.
قال: فأخذ النمل يخرج أرسالاً.
وجاء في الحديث أن نبياً من الأنبياء كان في طريقه -وبعضهم يعزوها إلى نبي الله موسى، فقال: يا رب! تهلك قرية لرجل فيها فاسق! -أي: لمعصية إنسان تهلك قرية بكاملها- فأراد الله أن يريه الآية، فخرج مرة ثم جلس في ظل شجرة، واتكأ ونام، وفي أثناء نومه -كان بجانبه بيت للنمل-، فجاءت نملة وقرصته، فانتبه مذعوراً، فقام وأفسد قرى النمل كلها، فقال له الله : أمن أجل نملة تهلك القرية كلها؟! فتذكر سؤاله الأول.
وأخبار هذه الحشرة كثيرة، وقد نهى ﷺ عن قتل النمل والصرد والهدهد.
стр. 1056
كيفية رفع الكفين أثناء الدعاء
قال المصنف: [وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء، أخرجه مسلم] .
تقدم أن من هيئة صلاة الاستسقاء رفع اليدين حتى يُرى الإبط، وكيف يكون وضع اليدين في حالة رفعهما؟ يذكر العلماء أن الإنسان إذا سأل الله فإن سؤاله في أحد أمرين: إما أن يسأله جلب نفع، أو يسأله دفع ضر، وهذان الأمران هما مقاصد العقلاء في الدنيا، فلا تجد عاقلاً في أي بقعة من الأرض من أي جنس من الأجناس على أي دين من الأديان.
إلا وهو يسعى لأحد أمرين، إما ليجلب نفعاً، أو ليدفع ضراً، فيقولون في آداب الدعاء: إن كان الدعاء لطلب نفع طلب بأكف يديه، وجعل أكفه إلى السماء، وجاء الحديث: (إن الله حيي كريم يستحيي من عبده أن يمد يديه فيردهما صفراً) ، وإذا كان الدعاء لدفع مضرة.
قالوا: يجعل ظهور يديه إلى السماء، كأنه يريد أن يدفع هذا الذي نزل، والاستسقاء فيه طلب نفع، وفيها دفع ضر، ولكن دفع الضر مقدم؛ لأن دفع الضر هو السبب لطلب الخير، والضر النازل هو القحط.
فقالوا: كان ﷺ إذا رفع يديه إلى الاستسقاء قدم جانب دفع الضر الواقع بهم، كما في حديث عائشة (شكوتم إليّ قحط بلادكم) ، والقحط ضر، فكان يجعل ظهور كفيه إلى السماء، والله تعالى أعلم.
стр. 1057
كتاب الصلاة - باب اللباس [١]
من شروط الصلاة ستر العورة بلباس طاهر، وللباس أحكام وآداب بينتها الشريعة، كما بينت الفرق بين لباس الرجل ولباس المرأة، والمتأمل في هذه الأحكام يدرك حكمة الشريعة وكمالها.
стр. 1058
أحكام اللباس
стр. 1059
حرمة لبس الذكور للحرير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: يقول المصنف ﵀: [عن أبي عامر الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير) رواه أبو داود، وأصله في البخاري] .
أبو عامر هذا غير أبي موسى الأشعري، فهو رجل آخر.
قوله: (يستحلون) استحل الشيء: جعله حلالاً، فهل هو حلال في ذاته أو أنه محرم؟ لو كان حلالاً في ذاته لما قيل: استحله؛ لأنه حلال، وتحليل الحلال تحصيل حاصل، فهو حرام، ولكنهم يستحلونه، وهل يستحلونه تكذيباً للتحريم الثابت عن رسول الله، أو يستحلون استعماله مع اعتقادهم بتحريمه؟ إن من استحل شيئاً محرماً ورد به دليل التحريم فإنه يكون قد رد حكم الله الوارد على لسان رسول الله، ومن حرم ما هو حلال بالضرورة أو استحل ما هو محرم بالضرورة فهو مرتد عن الدين، ولكن من اعتقد أنه حرام، واستعمله فهذه تكون معصية، ولا يخرجه العصيان عن الإسلام.
وهذا اللفظ استدل به الجمهور على أن هذا الذي يستحله أقوام أصله محرم، فما هو موضوع الاستحلال؟ قال هنا: (الحر) بالحاء والراء، والحر: هو الفرج، فالمعنى يستحلون الفروج بالزنا، والحرير باللباس.
وأكثر علماء الحديث يروونه بالحاء والراء المهملتين -أي: ليس فيها نقط-، وبعضهم يرويه معجماً بالنقط، والحاء إذا كتب عليها نقطة صارت خاءً، والراء إذا صارت عليها نقطة صارت زاياً، فروي (الحر) و (الخز) ، والكتابة واحدة، ولكن الخلاف بكون الحرفين منقوطين أو بدون نقط.
والجمهور على أنه الخز؛ لأنه متناسب مع ذكر الحرير، والآخرون يقولون: إذا حرم الحرير فالخز نوع منه، فيكون تكراراً، فالأنسب أن يكون تحريماً لشيء آخر.
وجاء في بعض النصوص الأخرى: (يستحلون الحر والمعازف) ، واستحلال الفروج مع المعازف متجانس؛ لأنه من باب اللهو والاستمتاع المحرم، فعلى أنه الحر لا يدخل معنا في البحث، وهذا راجع إلى باب حد الزنا، وإذا كان (الخز) ، فما الفرق بين الخز وبين الحرير؟ وكيف ذكر معه؟ قالوا: الحرير ما كان من دودة الحرير، فهو إنتاج دودة معروفة باسم الحرير بصفة خاصة، والخزّ: هو وبر دابة يكون ناعماً كالحرير، وبعضهم قال: الخز: ما كان فيه حرير مخلوط مع غيره.
والزرقاني في شرح هذا الحديث -على رواية الخز بالخاء والزاي- ذكر عن مالك أنه روى عن خمسة وعشرين صحابياً أنهم كانوا يلبسون الخز، وكذا عن خمسة عشر من التابعين، فيكون (الخز) موضع الخلاف، و (الحرير) موضع الاتفاق، ويكون النهي عن الخز للكراهية، والنهي عن الحرير للتحريم، وتحقيق المناط أنه إن كان الثوب مخلوطاً بالحرير فإنه يبقى فيه جزء من المنهي عنه، فهو يحمل جزءاً من النهي، لكن لا يصل إلى حد التحريم؛ لأنه ليس خالصاً من الجنس الذي دخله التحريم والنهي عنه لذاته.
стр. 1060
حكم استعمال الذهب والفضة ولبس الديباج والحرير وافتراشهما
قال المصنف ﵀: [وعن حذيفة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه) رواه البخاري] .
إذا وجدت صنفين مقرونين في الحديث بالطلب أو بالنهي فلابد أن بينهما علاقة، فالآنية واللباس كلاهما يستعمله الإنسان، فهذه آنية لطعامه وشرابه، وهذا ثياب للباسه، فبينهما ارتباط، وهو الاستعمال، ونحن بحاجة إلى بيان ما يجوز منهما وما لا يجوز، ونحو هذا الحديث سبق في باب الآنية، وتقدم هناك، والنهي جاء بالوعيد، وهو حديث: (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) ، وفاعل (يجرجر) هو النار، كأن الطعام والشراب الذي يدخل إليه نار تجرجر، أو هو الفاعل للجرجرة، فيجرجر ناراً، ومهما يكن فهو وعيد شديد.
فنهى ﷺ عن استعمال أواني الذهب والفضة، وهذا مبحثه واسع تقدم في باب الآنية، وأهم ما يتطرق إليه البحث هنا هو ما إذا كان الإناء الصيني والفخار والزجاج مطلياً بالذهب، وفرق بين المطلي بالذهب والمموه بماء الذهب، فالمطلي: هو أن يؤخذ الذهب مذاباً ويطلى عليه كما يُطلى الدهان على الخشب وعلى البنيان، أما المموه بماء الذهب فهو أخف، ولا جرم للذهب فيه، إنما هو اللون، وتمسحه بأي شيء، والفرق بين المطلي والمموه ما قاله النووي ﵀ في المجموع، وهو أنه إذا أخذت سكيناً وحككت اللون الأصفر عن هذا الصيني الأبيض فإن حصلت باحتكاك السكين على هذا اللون الأصفر على جرم مادي ملموس فهو مطلي، وإن لم تحصل على شيء فهو مموه، وكذلك إذا أدخلته النار فذاب هذا الأصفر، وخرج منه مادة سائلة ذابت بعد أن كانت مجمدة فهذا مطلي، وهذا عين الذهب.
وإن لم يذب ولم ينحل عنه شيء فهو المموه.
وقد ذكروا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه جاء إلى المدينة فوجد في جدار المسجد النبوي عهود الخلفاء، وهذه كانت عادة كل خليفة أموي، حيث يكتب خطاب عهده، وهو خطاب العرش -أي: سياسة ملكه في الرعية-، ويكتبه على جدار المسجد النبوي إعلاناً لسياسته في الأمة، فكانت تكتب بماء الذهب، أو تكتب بالذهب، فرآها عمر وأراد أن يحتها، فقال له العلماء: إن كنت ستحصل من هذه الكتابة على مادة من الذهب فافعل، وإن كنت ستفسدها ولن تحصل على شيء لأنها مموهة فقط فاتركها فجرب فإذا به لا يحصل منها على شيء، بل كانت كتابة بمادة ذهبية لا يحصل منها على جرم، فتركها.
فما تجده على غلاف الكتاب، أو في بعض الأواني وبعض الزخارف إن كان مطلياً بالذهب فهو محرم، وإن كان مموهاً فلا شيء في ذلك.
مسألة: إذا وجدنا إناء من الجواهر النفيسة من الزمرد أو الياقوت أو غير ذلك فهل يحرم استعماله؟ الجواب: لا، كما لا يحرم على الرجل أن يلبس ويتختم بالخاتم الذي فيه فص من الفيروز، أو من الزمرد، أو من الألماس، ولو كانت قيمته أضعاف الذهب والفضة، فيجوز أن يلبسه، لكن الذهب والفضة حرام، وبعضهم يقول: لأنهما قيم الأعيان، والأثمان لا تكون للاستعمال، حتى لا تتعطل مهمتها النقدية فتتعطل الأسواق.
وقالوا: إن عامة الناس لا يميزون بين خرز وبين عقيق، والفقراء لا تنكسر قلوبهم من تلك الأحجار الكريمة كما تنكسر قلوبهم من الذهب والفضة؛ لأنهما معروفان للصغير وللكبير.
والله تعالى أعلم.
قوله: [وعن لبس الحرير والديباج] الحرير عرفناه، والديباج: هو عين الحرير، ولكن نسيجه متين، والحرير شفاف، ويقولون: يمكن أن تأخذ خيط حرير بأدق ما يمكن.
فالحرير إذا نسج على رقته كان رقيقاً شفافاً، كما قيل: شف عنها رقرق جندي، فـ (رقرق) أي: رقيق جداً، و (جندي) : نسبة إلى جند، أو إلى بلد تسمى بهذا الاسم، فإذا نسج غليظاً سمي ديباجاً، فنهى ﷺ عن لبس الحرير على طبيعته، أو أن يكون ديباجاً.
أي: حريراً متيناً مكثفاً في النسيج.
وقوله: (وأن نجلس عليه) أي: على الحرير والديباج.
وقالوا: الجلوس على الثياب نوع من اللباس، فكأنه لبسه، والكل ملبوس بحسب حالته، واستدلوا بحديث أن النبي ﷺ قال: (أين تريدون أن أصلي لكم؟) فعمد الصحابي إلى حصير قد اسود من طول ما لبس -أي: لكثرة الاستعمال- فأخذ ماءً فنضحه، قال العلماء: استعمال الحرير باللباس واستعمال الحرير في الجلوس سواء، والنهي فيهما سواء، فلا ينبغي للرجل أن يتخذ مجلساً به حرير يجلس عليه إذا كان مباشراً له.
وقد يقول قائل: الحرير مباح للمرأة تلبسه وتجلس عليه، فإذا اتخذت المرأة لنفسها ثياباً من حرير، واتخذت فراشاً من حرير فهو جائز لها، فهل تبيحون للزوج هذا الفراش تبعاً لها أو تمنعونه؟ والجواب: أعتقد أن المرأة إذا اتخذته لنفسها، ودعت زوجها إليه فله ذلك؛ لأنه ليس مستقلاً به، وإنما كان تبعاً لها في هذا الاستعمال، وهو مباح لها، ولا نفرق بين الزوجين، ولا نقول: كل واحد يتخذ له فراشاً على حدة.
стр. 1061
الترخيص في لبس قدر أربع أصابع من الحرير
قال المصنف ﵀: [وعن عمر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع) ، متفق عليه، واللفظ لـ مسلم] .
تبين لنا من إيراد المؤلف ﵀ ما يجوز لبسه بالنسبة للرجال، وما لا يجوز لبسه بالنسبة للرجال أيضاً، ومن ضمن اللباس الجلوس عليه، وجاء هنا بحديث النهى عن الحرير عن لبسه، وعن الجلوس عليه، ولكن هناك حالات استثنائية بمثابة الرخصة، فقد نهى ﷺ عن الحرير إلا مقدار إصبعين، أو ثلاث، أو أربع، وموضع هذه الأربعة الأصابع يكون في أطراف الثياب، مثل طرف الجبة، أو عند الرقبة عند الحاجة إذا كانت عنده حكه، أو طرف الكم الذي يباشر الجلد، فإذا احتاج إلى ملطف لحاجة في جسمه فلا مانع أن يتخذ من الداخل جزءاً على قدر أربعة أصابع على دائرة الفتحة، وإذا كان للثوب فتحات فلا بأس أن يتخذ من الحرير على تلك الفتحات -ويقال لها: الفروج- بقدر أربعة أصابع.
стр. 1062
الترخيص في لبس الحرير للعلاج
قال المصنف ﵀: [وعن أنس رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ رخص لـ عبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص من حرير في سفر من حكة كانت بهما) ، متفق عليه] .
الاستثناء الأول في أطراف الثياب أربعة أصابع، وهذا الحديث رخص في الثوب كله.
والرَخْص: الشيء الناعم، والرخيص الناعم من الثياب، ورخص البنان.
لين الأطراف، وسعر رخيص: لين هين كل إنسان يقدر عليه، والرخصة: هي التهوين من شدة، فالصوم واجب لكن المريض المسافر يشق عليه، فرخص له في الفطر، أي: لين له، وكذلك الميتة محرمة، لكن قد يضطر الإنسان إليها للإبقاء على حياته، فرخص وهون له، فالرخصة تكون من ممنوع ومن محرم؛ لأن الحرمة منع، والمنع شدة، فالرخصة تكون من شيء محرم فكونه رخص يبقى الأصل عدم الترخيص، وهو العزم والمنع.
فرخص ﷺ لـ ابن عوف والزبير في قميص الحرير في سفر من حكة، وحكة الجسم الآن تسمى (حساسية) أو (حرارة) أو (التهاباً في الجلد) ، وما هي خاصية الحرير؟ قالوا: طبيعة الحرير حيوانية رطبة، وهو لين، ويعالج بالحرير الجلدُ، فهو ألطف ما يكون استعمالاً بدون حائل لجلد الإنسان، فمن كان عنده حكة إذا لبس القطن جاءته الحكة، وإذا لبس الصوف كانت الحكة أكثر وأكثر، فالذي يناسبه الحرير، فمن أجل علة الحكة رخص له ما كان محرماً، وليست العلة كونه في سفر، ولكن الترخيص في السفر أحوج منه في الحضر؛ لأن الذي في الحضر يمكن أن يحصل على علاج، ويمكن أن يحصل على شيء يخفف عنه هذا، ويمكن أن ينزع القميص ويقعد في بيته، لكن هذا في سفر وفي حركة، فهو أحوج منه حينما يكون في غير سفر.
فيرخص الممنوع، وهذا وجدناه في جميع أبوب الفقه، ويقولون: المشقة تجلب التيسير.
ففي العبادات ينتقل إلى التيمم عند التضرر باستعمال الماء، والانتقال إلى الجلوس في الصلاة عند عدم استطاعة القيام، والانتقال إلى صيام عدة أيام أخر إذا كان في مرض أو سفر.
وهكذا نجد الرخصة تأتي عند الشدة وعدم الاستطاعة، مع بقاء التحريم؛ لأن الحكم قائم، وإذا انتفى الحكم يكون هذا نسخاً لما تقدم، وجاء هذا بديلاً عنه، ولكن الرخصة إباحة الشيء بخطاب جديد مع بقاء الحكم الأول على ما هو عليه، وتكون الرخصة مؤقتة بحالتها وبأسبابها وبدواعيها، فإذا انتفت الحكة انتفى جواز لبس القميص الحرير، والله تعالى أعلم.
стр. 1063
جواز إعطاء الرجل ثوب الحرير ليكسوه نساءه
قال المصنف ﵀: [وعن علي ﵁ قال: (كساني النبي ﷺ حلة سيراء، فخرجت فيها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي) ، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم] .
الحلة: هي إزار ورداء من جنس واحد، فهي قطعتان، أما الجبة فهي قطعة واحدة، وهي مثل العباءة، لكنها طويلة حسب عادة الناس في اللباس، وهي ثياب تلبس فوق اللباس العادي.
يقول علي رضي الله تعالى عنه: كساني النبي ﷺ يعني: أعطاني كسوة، والكسوة: اللباس.
وتكون كسوة إذا كانت مكتملة.
قوله: (سيراء) هي نوع من الحرير الرقيق، وليست حريراً خالصاً، قال: فخرجت بالحلة فرأيت الغضب في وجه رسول الله ﷺ .
والوجه يعبر ولو لم يتكلم، فالبشاشة والهش والبش والتكشير كلها صور معبرة، فـ علي رضي الله تعالى عنه عرف من وجه رسول الله الغضب، كأنه يقول: لماذا لبستها؟! ففهم علي ذلك بدون أن يتكلم، قال: (فشققتها بين نسائي) ، وفي بعض الروايات قال: (فقسمتها بين الفواطم) ، وليس هنالك اختلاف؛ لأن الفواطم جمع فاطمة، وهن نساء علي، فمنهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وهي زوجته، ومنهن فاطمة بنت أسد، وهي أمه، ومنهن فاطمة بنت فلان، وهي قريبة له، فكلهن من بيت علي رضي الله تعالى عنه، فقوله: (كسوتها نسائي) و (كسوتها الفواطم) معناهما واحد.
ونأخذ من هذا الحديث أن تغيير المنكر قد يكون باليد، وقد يكون باللسان، وقد يكون بالنظرة، ولذا يقول العلماء في باب التعزيرات: إذا ارتكب إنسان أمراً محظوراً واقتضى الأمر تعزيره فيعزر الأشخاص بحسب ذواتهم، فشخص لا ينفع فيه التعزير إلا بالضرب والجلد، وشخص يكفي أن يقال له: يا فلان! والله ما كان يليق بمثلك أن يفعل هذا.
وشخص يعزر بأن تعرض عنه، فإذا أقبل عليك أعرضت عنه، وهذا أثقل عليه من السب ومن الضرب، ويكفي هذا في تعزيره.
فالشخص الأبي الكريم تكفيه النظرة، والشخص الأقل منه كرماً يحتاج إلى كلام وإلى إيقاف، والشخص فاقد الإحساس يعزر بالضرب، فهنا أدرك علي رضي الله تعالى عنه إنكار رسول الله ﷺ عليه لبس هذا النوع، وحالاً قطعها وقسمها بين نسائه.
وهذا النوع لا يجوز للرجال ويجوز للنساء.
стр. 1064
أحكام الذهب بين الرجال والنساء
стр. 1065
جواز لبس الذهب للنساء خاصة
قال المصنف ﵀: [وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أحل الذهب لنساء أمتي، وحرم على ذكورها) ، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه] .
هذه قاعدة الباب التي يدور عليها فقه هذا الباب كله، حيث يخبر ﷺ : أن الحرير والذهب حرام على ذكور أمته، حلال على نسائها، وهل المراد أن لا يقتنيه؟ وهل الرجل لا يضع في بيته ثوب حرير، ولا يضع في بيته ذهباً؟ لا.
إن المراد انه حرام في استعماله الشخصي، أما إذا اقتنى من الذهب قناطير مقنطرة لتجارة وصناعة فلا مانع من ذلك؛ لأنه لم يلبسه، وإذا تاجر في الحرير وخزنه في بيته، أو في مستودعاته، وباع واشترى فيه، ولم يلبسه فلا مانع من ذلك.
فحلال للنساء استعماله، وحرام على الرجال استعماله، أما القنية فلا دخل لها في ذلك، والذهب حلال للنساء مادام أنه غير مصنع، فإذا صنع نظرنا، فإن صنع أواني فلا يجوز للرجال ولا للنساء استعمال أواني الذهب والفضة، لكن المرأة تستعمله زينةً وحلياً لها فلا مانع، وإن صنعه الرجل بيده ليبيع ويشتري في صنعته حلياً للنساء فلا مانع، لكن أن يصنع ملاعق وصحوناً ونحوها فلا يجوز؛ لأنه لا يجوز تصنيعه، ولا استعماله، ولا اقتناؤه في البيت للرجال ولا للنساء.
وهنا بين الرسول ﷺ أن الحرير والذهب حرام على الرجال بأي نوع من أنواع الاستعمال، وحلال للنساء على الوجه الذي تقدم، فيجوز للمرأة الحرير استعمالاً ولبساً، ما لم يكن لباس الحرير شفافاً يشف عن الجلد ويصف البشرة على ما سيأتي إن شاء الله؛ لأن المرأة مأمورة أن تستر نفسها، والذهب حلال لها أيضاً ما لم يكن في صورة الممنوع، وهو الأواني والاستعمال المباشر، أما للزينة وللحلي فلا مانع من هذا، وهذا الحديث هو القاعدة الأساسية.
стр. 1066
خلاف العلماء في تحلية الأطفال بالذهب
بقي عندنا من فقه الحديث مسألة الأطفال الصغار، فالآباء يفرحون بالمولود الصغير، فإذا جاءت مناسبة أو جاء العيد قد يأتون للطفلة بأنواع من الحلي على قدرها، وأنواع من الحرير على قدرها، وإذا كان المولود ذكراً وأرادوا أن يفرحوا به ويجملوه فهل يلبسونه الحرير والذهب؛ لأنه صغير لا يجري عليه القلم، أم هم المكلفون والمسئولون عن ذلك؟ فعند الشافعية جواز ذلك في الأعياد والمناسبات؛ لأنهم غير مكلفين، وعند مالك ﵀ عدم جواز ذلك؛ لأن النهي عام، فالذكر وهو في بطن أمه ذكر، فإذا جاء إلى الدنيا ما تغيرت الذكورة، فيشمله وصف الذكور، فلا يجوز مالك أن يلبس الصغير حريراً أو ذهبا في عيد ولا في غيره، وغير مالك يقول: هذا طفل صغير، ولا مانع أن نفرح به ونزينه، وفي نظري أن مما يؤيد مذهب مالك مبدأ سد الذريعة، وهذا باب واسع جداً، وللأسف إلى الآن لم أجد من طلاب العلم من خصه برسالة جامعية، فقد كتبوا في كثير من أبواب الفقه إلا هذا الباب على حد علمي.
وسد الذريعة: هو ترك المباح خشية الوقوع في غير المباح، فالنهي عنه لغيره، وأصله في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] ، فسب الذين يدعون من دون الله جائز، فلك أن تسب الأصنام وتحطمها، ولكن إذا كان سبك لأصنامهم يحملهم على أن يسبوا الله لأنك سببت آلهتهم فلا يجوز لك ذلك، كما في الحديث: (لعن الله من لعن والديه) ، وهل أحد يلعن والديه؟ نعم، كما في الحديث الآخر: (يلعن أبوي الرجل فيلعن الرجل أبويه) ، فهو سبب في لعنهما فهذا هو سد الذرائع وهو باب مهم جداً.
وأجد كثيراً من العلماء يتحاملون على المالكية لأنهم أكثروا من هذا الباب، ولا يوجد أحد من المذاهب الأربعة إلا وقد أخذ منه ما قل أو كثر.
وأقول: مما يمكن أن يستدل به لـ مالك ويستأنس به أن الطفل إذا عودته على حلوى معينه، أو على لعبة معينة، أو على شيء معين فكبر وقد تعود على شيء أصله ممنوع فإنك تحتاج إلى معاناة في أن ترده عن هذا الذي شب عليه وعودته إياه، أما إذا عرفته من الصغر أن هذا ممنوع فقد استرحت واستراح.
فالأولى ألا يلبس الصغار الحرير، بل ينشأون على الجد وعلى الرجولة، ولا يحلى الصبي بالذهب حتى لا يكون هو وأخته سواء، فالصبي الذي على الفطرة عندما تلبسه هو وأخته بالحرير والذهب أعتقد أنه يغضب، ويقول: هذا للبنت.
ويرميه.
فحينما يكون عند الطفل إحساس بما يخص البنات فإنها بادرة خير.
فمما يؤيد مذهب مالك ﵀ سد الذريعة حتى لا ينشأ الطفل ويتعود على الحرام.
والآن تجد الطفلة عمرها ست سنوات تخرج مع أمها، وقد تأتي بها إلى المسجد، وثيابها إلى الركبة، فهذه حينما تنشأ على ذلك، وتبلغ الثانية عشر من عمرها، وتريد أمها أن تلبسها ساتراً إلى الكعبين هل تستطيع ذلك؟ إنها -حينئذ- ٍتقول: أريد هذا أريد القصير الذي تعودت عليه لكن لو كان في أول الأمر عرفتها بأن هذا لباسها، وذاك لباس أخيها، حينئذ يسهل على الأم أن تأمر ابنتها، وأن تستجيب البنت لها، والله تعالى أعلم.
стр. 1067
التحدث بنعم الله
قال رحمه الله تعالى: [وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه) ، رواه البيهقي] .
(أنعم) (ونعمة) : مأخوذان من النعومة، يقال: هذا حرير ناعم.
أي: لا يؤثر على اليد، ولا يؤذي، بخلاف الصوف الخشن أو الشعر، فالوسادة التي تكون من الشعر تكون خشنة، حتى لو جلست عليها تتعب، والأرض الناعمة تستطيع أن تتكئ وتجلس عليها، ولو كانت خشنة تقلق إذا جلست عليها، وكذلك يقولون: حياة ناعمة، وفي عين النعيم، فالنعيم والنعمة من النعومة، وهو لين الملمس، وهو يدل على الراحة والدعة والطمأنينة، ويقابل هذا الخشونة، يقال: عيش خشن أو: عيشة خشنة، بمعنى: ضيق وعدم سعة وتقتير، بخلاف النعمة والنعيم.
قوله: (إذا أنعم الله) إنعام الله على الخلق لا حصر له، قال تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] ، وفي سورة الفاتحة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] أي: بالهداية والاستقامة.
لأن النعم تكون دنيوية، ودينية بالهداية والتوفيق والقبول، وأعظمها لطالب العلم أن يشرح الله صدره، وينير بصيرته، وييسر له الفقه والفهم في الدين، ثم يكمل هذه النعمة بالتوفيق للعمل بما علم، وهذه أعظم النعم عند الله.
فإذا أنعم الله على عبد نعمة، سواءٌ أكانت في البدن، أم كانت في العقل والعلم، أم كانت في المال، أم كانت في الجاه، أم كانت في أي مجال من مجالات النعم فإن الله يحب أن يرى أثر هذه النعمة على عبده، فلا ينعم عليك ثم أنت تخفيها، فلو شاء لأعطاها لغيرك، فإذا أخفيتها كأنك تخفي نعمة الله عليك، لكن بين أثرها؛ لأن من شكر النعمة أن تظهرها اعترافاً منك بالمنعم عليك، فإذا أعطاك الله مالاً يجب أن يظهر آثار المال عليك، بأن تكرم الجيران، وتعطي المحتاج، ويظهر هذا العطاء بنعم الله على ما تنفقه، وكذلك على نفسك، وابدأ بنفسك أولاً.
فأول ما ينبغي إظهار نعمة المال على صاحبه، ثم على من يليه من أصحاب الحقوق علية، وفي الحديث: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) .
ثم وسع الدائرة حتى يظهر أثر هذه النعمة، وحتى يتحدث الصالحون: فلان يشكر النعمة ويبذلها في طريقها وإذا أنعم الله عليك بالجاه يحب أن تظهر أثر هذه النعمة عليك، بأن تسعى في مصالح الآخرين، وترفع حوائجهم إلى من لم يصلوا إليهم، وإن أعطاك الله صحة في البدن فكذلك، فإذا مشيت في الطريق ووجدت إنساناً مريضاً ساعدته، أو حملته وحملت متاعه، كما قال ﷺ : (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع عليها متاعه صدقة) ، والرسول ﷺ مر على رجل ذبح شاة ويريد أن يسلخها ولا يعرف السلخ، والرسول يعرف، فشمر عن كمه، وأدخل يده ﷺ بين الجلد واللحم وسلخها، وقال: (هكذا فافعل) ، فيعلم الصنعة، ويرشد الضال، وكل هذا من إظهار النعم، فإذا رزق الإنسان مالاً فيلزم على صاحب المال أن يظهر النعمة؛ لأنه إذا أخفاها كأنه يجحد نعمة المنعم عليه، فيظن أنه مسكين ما عنده شيء، وقد أعطاه مالاً، ولكنه يدفنه في التراب ويكنزه.
ذكر ابن حجر في فتح الباري (أن النبي ﷺ رأى على رجل ثياباً رثة قديمة، فقال: يا فلان! إذا آتاك الله مالاً فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته عليك) ، وقد قال الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] ، والتحدث بالنعمة بأن تتحدث عنها، أو هي تتحدث عن نفسها.
فكونك تتحدث عنها أن تقول: الحمد لله.
إن ربنا أنعم علي هذه السنة بكذا.
أو: جاءتني صنعة كذا.
أو: المحصول هذه السنة كثير والحمد لله.
أو: التجارة -والحمد لله- ربحت كذا، لأشياء تتحدث بها إظهاراً للنعمة وشكراً لله، أو أنك حينما تخرجها هي بنفسها تتكلم، كما يقال: أبت الدراهم إلا أن تطل أعناقها.
فهي بنفسها تتحدث عن نفسها.
وإذا كان هذا في باب اللباس فليس معنى ذلك أن نظهر في أبهة وفي زهو وخيلاء، والبخاري ﵀ صدر باب اللباس في الجزء العاشر من فتح الباري بحديث: (كل واشرب والبس ما شئت في غير مخيلة ولا إسراف) ، قال ابن حجر: مهما لبست من طيب الثياب وأغلاها ثمناً بلا خيلاء ولا إسراف فلا مانع.
وقد قال أحمد بن حنبل ﵀: عجبت من الرجل يلبس الصوف والخشن من الثياب ويترك الناعم من الكتان، ويأكل الخشن من العيش ويترك اللين من الخبز! فهذا التقشف مع وجود النعمة يعتبر جحوداً لها وإخفاء لها، وهذا لا يليق، فالمؤلف ﵀ أتى بهذا الحديث لأن الإنسان إذا حرم عليه الحرير لأنه ناعم ولين ومريح قد يظن أن بقية الثياب أيضاً كذلك، فكأنه قال لك: لا.
بل أظهر نعمة الله عليك في مطعمك، وفي ملبسك، وفي مسكنك، وفي جميع حالاتك، من غير خيلاء، ومن غير إسراف، والله تعالى أعلم.
стр. 1068
كتاب الصلاة - باب اللباس [٢]
إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في كل شيء، ومن ذلك اللباس، فأباحت الشريعة لبس أحسن الثياب وأجملها بلا إسراف ولا مخيلة، ومما يدعو إلى المخيلة لبس الحرير والذهب للرجال، وإرخاء الثوب أسفل من الكعبين، ولبس المعصفر، وكل هذا حرمته الشريعة على الرجال.
стр. 1069
تابع أحكام اللباس
стр. 1070
حرمة الخيلاء في اللباس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: إن الله تعالى يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه، فليلبس الإنسان مما أنعم الله عليه من غير خيلاء، فقد قال النبي ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة) ، وفي حديث آخر: (بينما رجل يمشي في حلة مرجلاً جمته إذ أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) رواه البخاري.
فهذا أعجبته نفسه، وهذا هو البطر والخيلاء، وقد قال ﷺ : (الكبر بطر الحق، وغمط الناس) ، والغمط: هو أن يستخف بالآخرين لقلة ما عندهم.
فإذا وجد نفسه في نعمة زائدة نظر للآخرين بنظرة أقل مما ينبغي، فهو يقيس الناس بالمال، والمال ليس مقياساً، فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٤-٣٥] .
والرجل المذكور في الحديث هو قارون، وقيل: هذا الرجل مبهم، ولعله قارون حينما خرج في زينته، وأعجب بنفسه، وغمط الناس حقهم.
فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده من غير بطر، والصديق رضي الله تعالى عنه حينما سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا ينظر الله إلى من يجر إزاره بطراً، قال: يا رسول الله! إن جانب إزاري يرتخي إلا أن أرفعه.
فقال: لست ممن يفعل ذلك بطراً) ، فلابد من نية من يلبس هذا اللباس، فإما أن يلبسه ستراً، أو شكراً، أو بطراً، وقد جاء حديث أكثر توضيحاً، فقد قال ﵊: (الخيل لثلاثة: خيل أجر، وخيل ستر، وخيل وزر) ، فالخيل ما تتغير، ولكن ذلك بحسب قصد صاحبها، فمن اقتناها للجهاد عليها في سبيل الله فهي له أجر، فكل ما علفها وكل ما سقاها ونحو ذلك له فيه كله حسنات وأجر.
وهي ستر لمن يقتنيها للنسل والبيع، ويستتر بمنافعها ونسلها، ويستعفف عن سؤال الناس، ففيها نوع من الربح والتنمية.
وخيل وزر لمن اقتناها بطراً ورئاءً وكبرياءً.
فاختلف الحكم والخيل واحدة، فكذلك الثياب.
وقال النبي ﷺ : (إزرة المؤمن إلى نصف ساقه) ، وقال ﵊: (ما أسفل من الكعبين ففي النار) ، ومن جرهما فهو بطر ورياء ومخيلة، يقول ابن حجر: العبرة بما في نفسه.
فلو لبس الثياب الرخيصة بطراً ومخيلة وكبرياءً فهو آثم ولو كان مشمراً ثوبه إلى نصف الساق، وإذا كان الثوب إلى الكعبين ولم يخطر في باله كبر ولا بطر كعامة الناس فهذا أمر عادي، وإذا ما شمر الثوب، وأعجب بنوعه وبغلاء ثمنه، وأخذ يمشي على الناس متفاخراً فيدخل في الوعيد، ويقع في البطر بالثياب والخيلاء، فليست العبرة في الخيلاء بطول الثياب وقصرها، ولكن العبرة بنية اللابس.
قال ﵊: (إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يظهر أثر نعمته عليه) ، وقد كان أهل المدينة في زمن الرسول ﷺ في أوائل الصيف إذا ظهرت باكورة الثمرة حمراء أو صفراء، يفرح بها صاحب البستان، ويأتي بها حالاً إلى النبي ﷺ ليريه إياها شكراً لله أن أنعم الله عليه قبل الناس الآخرين؛ لأنه بعد أسبوع الزهو سيمتلأ البلد، فيأخذها ﷺ ويدعو له بالخير، وينظر إلى أصغر طفل في المجلس فيعطيه إياها ليفرح بها.
فالباب واسع، فإذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه أياً كان هذا الإنعام، وأياً كان نوعها، فيحب الله تعالى إظهارها.
стр. 1071
حرمة لبس القسي والمعصفر
قال المصنف ﵀: [وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ : (نهى عن لبس القسي والمعصفر) رواه مسلم] .
قوله: (القَسي) اختلف في حركة قافه، فقيل بالفتح، وقيل بالكسر وكلاهما صحيح، والقِسّيّ بالتشديد: هو ما غلظ من الثياب وبعضهم يقول: هو الخز أو غيره فيه خطوط وبعضهم يقول: فيه مثل الأترجة من الحرير، مثل هذه الثياب التي تأتي مطرزة، أو يكون بين خيوطها خيط حرير، وتكون جامعة بين الحرير وغير الحرير، فنهى ﷺ عن هذا النوع، ويتفقون على أن النهي هنا للتنزيه، أي: للكراهة وليس للتحريم؛ لأن أصلها ليس حريراً، ولكنها نوع من نسج الثياب نسبت إلى قرية مصرية تسمى (قسا) أو غير ذلك، والله تعالى أعلم.
قال المصنف ﵀: [وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (رأى علي النبي ﷺ ثوبين معصفرين فقال: أمك أمرتك بهذا؟) ، رواه مسلم] .
تأمل هذا الأسلوب، ف عبد الله بن عمرو يرى عليه النبي ﷺ ثوبين معصفرين، و (المعصفر) : كقولك: المزعفر ومثلما تقول: المسكر والمملح فهو شيء يضاف إليه شيء آخر، فالمعصفر: هو الذي أضيف إليه العصفر، والمزعفر: هو الذي أضيف إليه الزعفران، والمسكر: هو الذي أضيف إليه السكر.
والعصفر: هو زهر القرطم، ولونه يشبه الزعفران، وليس له رائحة، والزعفران لونه أحمر يميل إلى الصفرة، وله رائحة عطرية، فلما رآهما عليه سأله النبي ﷺ هذا السؤال: أمك أمرتك بهذا؟ كأنه يتلقى الأوامر من أمه، والذي يتلقى الأوامر من أمه في أمور عادية فهو من بر الوالدين، وهو واجب إذا كانت الأم حصيفة عاقلة توجه ولدها، لكن هذا المنهج وهذا الأسلوب فيه قرينة كراهية ما رأى عليه من اللباس، وهل يكون مدحاً للأم التي أمرته، أم ذماً له لأنه يتلقى الأوامر من أمه ويترك السنة؟ فمن تلقي الأوامر من أمه، أو من أبيه، أو زوجه وترك السنة النبوية يقال له مثل ذلك، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤] ، فهنا الرسول كلمه بهذا لأنه كره هذا اللون.
والحلة التي كساها النبي ﷺ لـ علي هي السيراء، وفيها ألوان، فقال: رأيت الكراهة في وجه رسول الله ﷺ فذهبت فقطعتها وقسمتها بين الفواطم زوجته وأمه وبنت جعفر.
فالنبي ﵊ قال ل عبد الله بن عمرو: (أمك أمرتك؟) ، ولو قال له بأسلوب هادئ: يا عبد الله! هذا لا يجوز ولا ينبغي.
ورده لأمه فأمه يمكن أن تلبس هذا النوع.
فاستنتج العلماء من قوله: (أمك امرتك؟) أن هذا من حلي النساء، وأن أمه هي التي أعطته، وأمه التي كسته، وأمه عندها هذا النوع، وأمه يجوز لها هذا النوع، وفي رواية أنه قال: (فذهبت إلى أهلي وهم مسجرون التنور فسجرتها) ، وفي بعض الروايات أنه قال: أغسلها يا رسول الله؟! قال له: (احرقها) ، وفي بعض الروايات أنه لما رجع قال له رسول الله: (ماذا فعلت الحلة يا عبد الله!) قال: سجرتها التنور، قال: (هلا كسوتها أهلك!) فكيف قال له: (احرقها) ، ثم قال: هلا (كسوتها أهلك) ؟ بعضهم يقول: قوله: (احرقها) نوع من التشديد في النهي عن المنكر، وهذا ما يسمى في القانون الجنائي: مصادرة الآلة التي استعملها في الجريمة.
فلو أن جماعة ذهبوا وسرقوا محلاً بسيارة فالسيارة التي استعملت تصادر؛ لأنها ساهمت في الجريمة، وهذه الحلة للنساء، ولكن لما استعملها في غير محلها صودرت عليه وأحرقت.
وبعضهم يقول: أحرقها عبد الله بنفسه تأثراً وأسفاً عما لحقه من استعمالها، ولقول رسول الله ﷺ له: (أمك أمرتك؟) ، بينما علي رضي الله تعالى عنه رجع وقسمها بين نسائه.
وفي ترجمة عبد الله بن رواحة أمر عجيب في السمع والطاعة، فقد كان ذاهباً إلى المسجد يوم الجمعة والرسول ﷺ يخطب في المسجد، فرأى الرسول ﵊ رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له: (اجلس) ، فسمعها ابن رواحة وهو في الشارع فجلس في مكانه حتى أنهى ﷺ الخطبة، فقيل لرسول الله: إن ابن رواحة سمعك تقول: اجلس فجلس في مكانه عند بيت بني فلان! قال (رحم الله ابن رواحة! زادك الله طاعة لله ولرسوله) .
وعلي رضي الله تعالى عنه لما أعطاه النبي ﷺ الراية يوم خيبر قال: (أنفذ على رسلك، ولا تلتفتن وراءك) ، فمضى علي بعض الخطوات، ثم وقف ليسأل رسول الله ﷺ عن مهمته، ولم يلتفت، بل رجع القهقرى بظهره وقال: يا رسول الله! علام أقاتلهم؟ فهذا هو منتهى الطاعة والامتثال، وما نقول: هي الطاعة العمياء كما يقول العسكريون، بل نقول: الطاعة المستبصرة طاعة لله وطاعة لرسوله ﷺ .
ومن شعر الشباب الذي كانوا يقولونه: قالت وقد سألت عن حال عاشقها بالله صفهُ ولا تنقص ولا تزد أي: صفه لي فقط، كيف حالته، من زمان ما رأيناه، كيف حالته؟ فقلت لها لو كان رهن الموت من ضمأٍ فقلت قف عن ورود الماء لم يرد أي: لو كان عطشان وهو رهن الموت، والماء أمامه فقلت له: لا ترد الماء؟! لن يرده.
فإذا كان هذا السمع والطاعة فيما بين البشر لأثر المحبة فكيف بالسمع والطاعة لله ولرسوله؟ فلا نستغرب ذلك فالنبي ﵊ قال: (أمك أمرتك بهذا؟) ، فرجع متأثراً ونادماً على ما وقع منه.
وأبو طلحة رضي الله تعالى عنه قام يصلي في بسان نخل له، فإذا بطائر الدُبس -وهو معروف عند أهل المدينة، رأسه أبيض، صغير الذنب، وهو طويل سريع الحركة- يطير، ويريد أن يخرج من البستان، فلم يجد منفذاً لتشابك أغصان بستانه، قال: فتبعته بنظري معجباً، فانتبهت، فلما انتهيت من صلاتي أتيت رسول الله ﷺ وأخبرته وقلت: يا رسول الله! كفارة ذلك أني أتصدق ببستاني في سبيل الله.
لقد أعجب بالبستان، وشغل عن عبادته بحسن بستانه، فرأى أن تكفير ذلك أن يخرج عن بستانه.
وجاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! إن لي جارية ترعى غنمي، فجاء الذئب وأخذ منها شاة، وأنا بشر من بني الإنسان أغضب فلطمتها، ثم أسفت على ذلك أفأعتقها كفارة لذلك؟ فقال له رسول الله ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة) ، فهذا وجد أنه أخطأ، وأراد أن يكفر خطأه بما يتناسب مع ذنبه، فأخرج الجارية من ملكه وأعتقها، مع أنه يمكن أن يضربها من باب التأديب أو الحرص أو الشح على المال، لكن شعر بأنه رجل، وهي امرأة ضعيفة، وماذا تفعل مع الذئب؟ لكن الغضب جعله يضربها فتنبه، فوجد كفارة هذه الخطيئة أن يعتقها.
فـ عبد الله بن عمرو هو الذي سجرها بنفسه، وكان يمكنه أن يقسمها بين نسائه.
وقد أخذ العلماء من الحديث منع لبس الثياب المعصفرة، وهي المصبوغة باللون الأحمر، وقد أخبر بعض الصحابة أنه رأى رسول الله ﷺ في حلة حمراء، فقالوا: هذا للجواز، وهذا للكراهية وفي الموطأ أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى على عبد الرحمن بن عوف ثوباً مصبوغاً بأحمر، فقال ما هذا -يا ابن عوف - وقد سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن المعصفر؟ قال: والله ما هذا بعصفر إنها المغرة.
والمغرة: نوع من الطين يعطي لوناً أحمر، وهو مر، ولذا كان أهل المدينة يجعلونه في خشب النخيل ونحوه، وكانوا يضعونه في الثياب الصوف أو الخشنة حتى لا يأتيها ما يفسدها.
فهذا ليس من المنهي عنه، ولكن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ بباب سد الذريعة، فقال: يا ابن عوف! إنكم رهط يقتدى بكم.
فانظر إلى التفريق بين الناس في الأحكام والفتوى، قال: إنكم رهط يقتدى بكم.
أي: فلعل شخصاً يرى عليه هذا اللون، ولا يفرق بين مغرَة وعصفر، فيقول: ابن عوف يصبغ بالأحمر.
فيذهب ويصبغ به إقتداء بالصحابي.
فيجوز هذا اللون بالمغرة من العامة، ولا يجوز من الخاصة؛ لأن الخاصة يجب عليهم أن يبتعدوا عن كل ما به شائبة شبهة، ولهذا قالوا: لا ينبغي لأهل القدوة أو لأهل الخير الذين ينظر الناس إليهم أن يستعملوا الأشياء المنهي عنها ولو للكراهه؛ لأنهم أولى الناس بالابتعاد عنها.
стр. 1072
صفة جبة رسول الله ﷺ
[وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها أخرجت جبة رسول الله ﷺ ] .
أسماء بنت أبي بكر أخت لـ عائشة بنت أبي بكر، وأسماء هي ذات النطاقين، وكانت جبة لرسول الله ﷺ عند عائشة، فلما توفيت عائشة انتقلت إلى أسماء، فكانت تخرجها للناس، وكان في أكمامها وفي فتحة صدرها ديباج، وتجد أسفل بعض الثياب من الجانب الأيمن والجانب الأيسر فتحة بمقدار عشرين أو خمسة وعشرين سنتيمتراً تعطي الثوب سعة عند مد الخطوة، وهذه تسمى (الفُرَج) ؛ لأن (الفَرْج) هو الفتح، والفرجة: الفراغ في الصف، فكانت تلك الفُرج -أي: فتحات الجبة- في كمها، وفي صدرها، وفي جيوبها، ومن أسفلها عليها من الديباج قدر إصبعين، والذي يرى لباس أهل المناصب في مصر وفي الشام وفي المغرب يجد هذا الشيء موجوداً إلى الآن، ويسمونه (الشريط) ، وهذا لا يوضع إلا في الثياب النفيسة محافظة على الكم حتى لا يتقطع، ومحافظة على الفتحات حتى لا تنشق، ثم في الثياب الفخمة، مثل ما يسمونه (الجوخ) ، ونظير ذلك، يكون خشناً على الجلد، فيجعل في أطراف الفتحة شيء من الديباج يلاصق الجلد، وهو ألين وأنعم، وهذا يبين لنا جواز استعمال هذا الحرير بقدر إصبعين أو ثلاثة أو أربعة أصابع عند الحاجة، وهذا مباح مستثنى من عموم المنع، ومن هنا يقول ابن حجر في فتح الباري: مثل هذا كيس المصحف، وغلاف الكتاب، وخيط السبحة، فهذه الأشياء لو جعلت من الحرير الخالص لا ينبغي تحريمها؛ لأنها يسيرة، وقد رخص في أمثالها بقدر إصبعين في طرف الثوب أو في الفتحة، فلا ينبغي الاعتراض على ذلك، لا سيما إذا استعملت لتكريم المصحف أو حفظ الكتاب.
فكانت جبة النبي ﷺ في أطرافها قدر إصبعين من الديباج، وهو الحرير المتين.
فـ أسماء تروي أنها أخرجت جبة رسول الله ﷺ مكفوفة الجيب والكمين، وذلك عند قص المقص من طرف الثوب، فإن من الخيوط ما يتناسل، فإذا ثنيته إلى الداخل وخيطته كف عن أن يتناسل، ولذا يقولون في الخياطة: مكفوف.
أو: غير مكفوف.
قولها: [ (مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج) ] .
الجيب: هو فتحة الصدر.
وقولها: [كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها] كانت جبة النبي عند عائشة أمانة؛ لأن النبي ﵊ قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) ، ولو كانت ميراثاً لكان لكل زوجات رسول الله مثلها، لكن كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها أمانة، وكونهن سمحن لها وسكتن عنها لا ندخل فيه، وهذا لا يخصنا ولا نتدخل فيه، فالمهم أنها كانت عند عائشة ما تغيرت وما تبدلت، وهي عين جبة رسول الله ﷺ ، ثم انتقلت منها إلى أختها وما انتقلت إلى زوجات رسول الله الأخريات، إنما انتقلت إلى أختها؛ لأنها ليست ميراثاً.
قولها: [وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يلبسونها] .
كان النبي ﷺ يلبسها مع وجود الديباج في فتحاتها، أي أنه يقر استعمال هذا النوع من الثياب، وهذا فقه الحديث في باب اللباس.
وجاء في بعض الروايات: (كان يلبسها في الأعياد والجمع وللوفود) ، واللباس أنواع، منه ما هو للزينة وشكر النعمة والمناسبات، ومنه ما هو للمهنة، ومنه ما هو لأمور عادية.
وقولها: [فنحن نغسلها للمرضى] ينبغي أن يقف عنده طالب العلم بالعقيدة وبالعقل وبالاقتداء والاتباع، فـ أسماء رضي الله تعالى عنها كانت تأخذ جبة رسول الله التي كان يلبسها، وعرقه فيها، فتبلها في الماء ثم تخرجها، وتأخذ الماء الذي خالط تلك الجبة التي فيها من آثار رسول الله ﷺ وتعطيه للمرضى يتعالجون به؛ لأن المرضى أحوج من كل الناس.
وبإجماع المسلمين أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يتبركون بآثار رسول الله ﷺ التي هي حقاً من آثاره، فكانت أم سلمة ﵂ تخرج جلجلاً -أي: حقاً مثل الجرس- فيه شعرات لرسول الله ﷺ ، قالت: كنت أغمسها في الماء وأعطيها للمحموم فيشافيه الله.
وقد يقول قائل: هذا من فعل أسماء من بعده، وهذا فعل أم سلمة من بعده، لكن ماذا عن رسول الله ﷺ ؟ والجواب: كلنا يعلم أنه في صلح الحديبية جاء سهيل بن عمر ليفاوض المسلمين، أرسلته قريش وقالت: اذهب إلى هذا الرجل، فجاء -وكان رجلاً عاقلاً- ثم كلم رسول الله كلاماً طويلاً، وانتهى الأمر إلى ما هو معلوم، ورجع إلى قريش وقال: يا معشر قريش! والله لقد دخلت على قيصر وعلى كسرى في ملكهما، فما وجدت أمة تعظم سيدها أو ملكها كما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله ما توضأ وضوءاً إلا تسابقوا عليه، وما تفل تفالة إلا وقعت في كف أحدهم يدلك بها وجهه.
وفي حجة الوداع أو في عمرة القضية: (دعا النبي ﷺ أبا طلحة عندما حلق له الحلاق، فناول الحلاق شق رأسه الأيمن فقال: احلقه.
فحلقه.
فأعطاه أبا طلحة وقال: اقسمه على الناس، ثم حلق شقه الأيسر فقال لـ أبي طلحة: خذه لك) .
وهذا من فعله ﷺ ، ولا يمكن لإنسان أن يجد منفذاً لإسقاطه، أو لإضعافه، أو لنسبته إلى غير رسول الله، فهو عين فعله ﷺ .
وجاء عن أم سليم ﵂ أن النبي ﷺ نام عندها، فلما قام وجدها تأخذ في إناء صغير عرقه من الحصير الذي كان عليه وتجمعه، فقال: ماذا تفعلين بهذا؟ قالت: نجعله في طيبنا نتطيب به، وأم أيمن رضي الله تعالى عنها كانت تقم البيت، وفي يوم من الأيام سألها رسول الله ﷺ : (ماذا فعلتِ بالقدح الذي تحت السرير؟) -وكان قدحاً من أعواد يبول فيه ﷺ إذا قام من الليل- فقالت: القدح الذي تحت السرير شربته فقال: (لن تشتكي بطنك بعد اليوم) ، والآن عند الأطباء إذا إنسان شرب البول يأمرونه أن يعمل غسيل البطن؛ لأن البول مليء بالجراثيم، وهذه يقول لها رسول الله ﷺ : (لن تشتكي بطنك بعد اليوم) ؛ لأنه بوله ﷺ .
فما ثبت لنا في هذا الباب فعلى العين والرأس، وقسماً بالله لو وجدنا التراب الذي كان يمشي عليه لاكتحلنا به في عيوننا تبركاً برسول الله، ولكن لا يحق لنا بعد ذلك أن نأتي إلى الحديد ونتمسح به وما باشره، ولم يكن في عهده، إنما وضع بعد مئات السنين من موته، ولم يلمسه، ولم يمس جسده الطاهر، ولا يجوز أن نأتي إلى أبواب المسجد ونتزاحم عندها ونتمسح بها.
ثم بعد ذلك هل نفعل هذا بغير رسول الله، مثل سادة القوم أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؟ جمهور المسلمين يقولون: لا ينبغي التبرك بهم، ولا بغيرهم من الصالحين، والتابعون أعلم بحق رسول الله وبحق أصحابه، وماداموا لم يفعلوا ذلك بكبار أصحاب رسول الله فلا نفعل ذلك بعلمائنا، لكن يجوز أن نسألهم الدعوة الصالحة، وكل من عرفته صالحاً قد أصلح ما بينه وبين الله فألح عليه أن يدعو لك، فهذا أويس القرني رجل من اليمن قال ﷺ فيه لـ عمر: (يا عمر! إذا رأيته فاسأله أن يدعو الله لك، وهو بار بأمه، وفي جسده علامة) ، فكان عمر رضي الله تعالى عنه كلما جاء وفد من اليمن يسألهم: أفيكم أويس؟ فيقولون: لا.
حتى قيل له: نعم.
هو فينا.
فطلبه فجاءه، فقال: يا أويس: ادع الله لي قال: أنت أمير المؤمنين، فأنت ادع لي.
قال: لا.
فلما ألح عليه أخبره بما قال رسول الله ﷺ ، فدعا له.
وكان يتعامل مع الله فقط لا مع الخلق، فجلس فترة فعرفه الناس من خبر عمر فقال: يا أمير المؤمنين! اسمح لي أن أخرج من المدينة.
قال له: إلى أين؟ قال: أريد أن أذهب إلى العراق.
فقال له: إذا أردت الخروج فآذني لأكتب معك كتاباً للوالي هناك.
قال: لا.
لأن أكون في عامة الناس أحب إلي.
وخرج دون أن يخبر عمر، فكان عمر رضي الله تعالى عنه كلما جاء وفد العراق يسألهم عنه، إلى أن لقي رجلاً أخذ أويساً أجيراً عنده، وكان يشق عليه، فقال: أتعرف كذا؟ أتسمع عن كذا؟ قال: عندي رجل مسكين خامل ما يقدر على العمل.
فقال عمر: إذا جئته فقل له: عمر يقول لك: ادع له.
قال: ذاك يدعو لك؟! قال: قل له هكذا.
فلما سافر الرجل قال: يا أويس! اغسل يديك واترك عملك، واجلس هنا وسيأتيك طعامك وشرابك ومن يخدمك.
قال: والعمل أين؟! قال: تستريح.
قال: ألقيت عمر؟ قال: نعم لقيته.
فإذا به يخرج ليلاً ولا يعرفه أحد!.
فهذا رسول الله ﷺ يقول لـ عمر بن الخطاب: (إذا لقيته فاسأله أن يدعوا لك) ، وتقدم معنا في باب الاستسقاء أن عمر ﵁ قال: (اللهم! إنا كنا نستسقي بنبيك فتسقينا، وإنا الآن نستسقي بعم نبيك لصلاحه ولصلته برسول الله) ، وفي بعض الروايات: (كان ﷺ ينزل العباس عمه منزلة أبيه، فتأسوا برسول الله) ، فقام العباس ودعا الله فسقاهم الله.
فالدعوة الصالحة من كل رجل صالح على العين والرأس، لكن لا نتبرك بهم؛ لأننا ليس عندنا اليقين أنه يعطى حق النبي ﷺ في التبرك به، فهذا ما أحببنا التنبيه عليه عند هذا الأثر، وبالله التوفيق.
قال المصنف ﵀: [وزاد البخاري في الأدب: وكان يلبسها للوفد والجمعة] .
أي: كان يلبسها في الجمع والأعياد، وقد أشرنا
стр. 1073
كتاب الجنائز [ ١]
خلق الله الإنسان في هذه الدنيا وجعلها دار ابتلاء واختبار، بعدها ينتقل المرء إلى ربه، فعلى المسلم ألا يغتر بالدنيا، وأن يزهد فيها دون رهبانية ولا تواكل.
وعلى المرء أن يستعد للموت بتذكره، وبزيارة المرضى، وزيارة القبور، وذلك يتطلب أن يتعرف الإنسان على آداب زيارة المريض، وزيارة المقابر، وغير ذلك مما لا ينبغي أن يجهله المسلم.
стр. 1074
كفى بالموت واعظاً
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت) رواه الترمذي والنسائي، وصححه ابن حبان.
بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث تنبيهاً للحي، كي يتعظ بالموت (أكثروا ذكر هاذم اللذات) وهاذم اللذات كما تبين هو الموت؛ لأن كل إنسان مهما كانت حياته منعمة إذا كان في القمة في العالم كله أغنى أغنياء العالم أقوى أقوياء العالم أسعد سعداء العالم، حينما يتذكر الموت فإنه تنهزم أمامه كل لذة، ولو ذكر العريس ليلة عرسه الموت لما دخل على عروسه.
فذكر هاذم اللذات الذي هو الموت هو أكبر واعظ، وأكبر زاجر، وأكبر دافع لفعل الخير.
وبعض العلماء يفتتح هذا الباب بغير هذا الحديث، ولكن المؤلف من فقهه افتتح كتاب الجنائز بهذا الباب.
وقد جاء عنه ﷺ فيما يتعلق بزيارة القبور أنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تزهد في الدنيا وتذكر بالآخرة) وجاء في بعض الروايات: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات؛ فإنه ما ذُكر في قليل إلا كثره، ولا ذُكر في كثير إلا قلله) بمعنى: إنسان يعيش عيشة كفاف، ولديه القليل القليل من متاع الدنيا، فإذا ما تذكر الموت رأى أن الذي عنده كثير؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت، وإذا كانت عنده كنوز قارون، وتذكر الموت؛ صارت قليلة في نظره، ماذا يفعل بها؟! لا تنفعه في شيء، وليس هناك أنفع للإنسان من دوام ذكر الموت، يهوّن عليه مصائب الدنيا وشدائدها.
وكنت دائماً أسمع من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يزهد في الدنيا، ويبسط أمرها في قوله: الجوع يطرد بالرغيف اليابس فعلام تكثر حسرتي ووساوسي كأن الدنيا ما لها قيمة.
وكذلك الإنسان فيما أعطاه الله، إن كان مريضاً مبتلىً متألماً وذكر الموت هان عليه المرض والألم، وإن كان متعافياً وينظر إلى نفسه في حالته، فذكر الموت قامن من رأسه وقامن من تطاوله.
وهكذا أيها الإخوة: المؤمن لابد أن يؤمن بما وراء الموت، فإن الدنيا مزرعة حصادها في الآخرة، والإنسان ما بين أمرين: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بشر خاب مسكنه وإن بناها بخير طاب بانيها وكما قال بعض الناس في الزهد وفي الترهيب: إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا
стр. 1075
الأمة أمة وسط بين الأمم
الدنيا دار ممر، ولكن ليست رهبانية كما عند النصارى، فنترك الدنيا دون أن نعمرها، وأن نسخرها، وأن نستسخر ما فيها، وليست مادية وانهماكاً في موادها أو في مادياتها، بل هو الوسط والاعتدال، والله قد جعل هذه الأمة أمة وسطاً، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] ، وسطاً بين أمتين: أمة غلبت عليها المادية، وأفلست في المعنوية، وأمة غلبت عليها المعنوية، وأفلست في المادية، وفي سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] ، والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى اليهود مغضوب عليهم؛ لأنهم علموا ولم يعملوا، والنصارى عملوا بغير علم، فأولئك استحقوا الغضب، وأولئك وصفوا بالضلال، وجاءت هذه الأمة فعلمت وعملت.
فالإنسان مكون من عنصرين اثنين: جسم وروح، والجسم مادي منشؤه التراب ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧١] ، والعنصر الثاني الروح ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] ، فبمجموع الأمرين كان هذا الإنسان، وكل عنصر فيه له مقوماته ومتطلباته، فالعنصر المادي يرجع إلى المادة، ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح:١٧] ، ليست له حياة إلا من الأرض، وهو يخلد إليها، والعنصر الروحي عالم ملكوت الملأ الأعلى، بالعبادات وبمعرفة الله يسمو إلى أعلى.
فاليهود أمعنوا في خدمة البدن بالماديات، وأهملوا جانب الروح في العبادات، والنصارى عنوا بجانب الروح والعبادات والرهبانية، وفرطوا في جانب المادة، وتركوا الدنيا، وكانت هذه الأمة الوسط بين الطرفين لا مادية لاهية، ولا رهبانية طاغية.
فمثلاً: ونجد قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة:٩] هذه روحانية ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الجمعة:١٠] ، فالاستجابة إلى النداء لذكر الله غذاء للروح، والانتشار في الأرض بعد الصلاة لمتطلبات البدن، وخدمة الحياة، ومع ذلك تطلب الرزق من فضل الله وتذكر الله وأنت في عملك، تجمع ديناً ودنيا، ومن هنا كانت هذه الأمة هي الوسط بين الأمتين، وكانوا شهداء على الناس، كل المفسرين يقولون: شهداء يوم القيامة على إبلاغ رسلهم رسالة ربهم، ويقولون أيضاً: لا مانع أن يكونوا شهداء على الأمم بأنهم استطاعوا أن يطبقوا عملياً وفاء الإنسان والنفس في جانبي المادة والروح، فاليهود عجزوا عن أن يجمعوا بين الأمرين فجنحوا، والنصارى عجزوا عن أن يجمعوا بين الأمرين فجنحوا، كالطائر يتعطل أحد جناحيه فيجنح ويميل.
أما هذه الأمة فلم يتعطل جناحاها، كلاهما معتدل، فسارت سيراً متوازياً منذ أن جاءها سيد الخلق ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي مستقيمة مستقرة في مسيرتها، فهم شهداء على الناس في تطبيق المنهج الإلهي الحق الذي يوفي الإنسان حقه من الجانبين، ولا يطغى جانب على جانب، في الوقت الذي أفلست فيه الأمم التي من قبلنا لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا، كما تكونون شهداء على الناس في الآخرة.
وعلى هذا لا يكون الإنسان المسلم مستقيماً في حياته إلا إذا أيقن بأن الدنيا وراءها آخرة، وأن ما يتصرف به في دنياه سيلقاه في آخرته، أما الذي لا يؤمن ببعث، ولا يؤمن بجزاء، غاية ما عنده دنياه، فهو يريد أن يحصل فيها على كل ما يريد ولو على حساب الآخرين؛ لأنه ليس عنده رقيب ولا حسيب، ولا ينتظر يوم الدين الذي فيه الجزاء وفيه الحساب.
ولهذا نجد بعد قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] الرد إلى الإيمان بالغيب والبعث: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] من هم؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] وهو كل ما غاب عنك، وما جاءت أخباره عن الله وعن رسوله ﷺ ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٣] ، إيمان بالغيب وعمل في الحاضر ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٣-٥] ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] وهكذا القرآن يفسر بعضه بعضاً.
стр. 1076
زيارة المريض حكمها وآدابها
المؤلف هنا بدأ الباب بهذا الحديث: (أكثروا) ، وهناك من العلماء من يبدأ هذا الباب بالحث على عيادة المريض، وعيادة المريض حق للمريض، ولكن هنا حق للإنسان في نفسه، ثم بعد ذلك لما يأتي المرض نقول له: اذهب فعده، ولذا المؤلف كان دقيقاً جداً في ترتيبه وإيراده هذا الباب، وجمعاً بين المنهجين إذا مرض الإنسان كان حقاً على أخيه المسلم أن يعوده، وقد جاء عنه ﷺ أنه قاله: (حق المسلم على المسلم ست -وذكر منها-: وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) بدأ بالسلام، ثم بالإجابة إلى الوليمة، ثم بالنصح إلى آخره.
وجاء في عيادة المريض عدة أحاديث، كما يذكر البخاري في الأدب المفرد (من زار مريضاً في المساء خرج ومعه سبعون ألف ملك إلى الصباح، ومن عاد مريضاً صباحاً خرج ومعه سبعون ألف ملك إلى المساء) وجاء في الحديث أيضاً (من عاد مريضاً فإنما يمشي في مخرفة من الجنة) والمخرفة هي: الأشجار المثمرة تذهب فتخرفها، تمشي بين أشجار من أشجار الجنة المثمرة، تخرف منها من الثمار ما شئت.
стр. 1077
آداب زيارة المريض
ذكر العلماء في آداب عيادة المريض أن على الزائر أن يغلب عند المريض جانب البشرى، وآمال العافية، وأن يرقيه، ويفسح له في الأجل.
وألا يتبع نظره أثاث البيت الذي هو فيه؛ فإنه ربما تكون الحال متوسطة، أو دون ذلك، فيستضر صاحب البيت من أن تتأمل حالته بأنها رديئة أو قليلة أو غير ذلك.
وألا يطيل الجلوس عنده، فقد يكون في حاجة إلى خدمة أهله فتحجبهم عنه، وقد جاء عن الرسول ﷺ أنه كان يعود المريض بعد ثلاثة أيام؛ لأنه في أول يوم يمكن أن تكون وعكة خفيفة وتذهب، فليس هناك حاجة في أن تثقل عليه، أو تعطل نفسك، فتكون الزيارة بعد ثلاثة أيام.
ويقول بعض العلماء: لا بأس أن يزور المسلم المريض الكافر لعله يعرض عليه الإسلام في آخر لحظة فينفعه الله بذلك فقد جاء عنه ﷺ أنه كان له خادم، يهودي، فغاب الخادم فسأل عنه ﷺ فقيل: مريض، قال: قوموا بنا نعوده، فيذهب صلوات الله وسلامه عليه إلى خادم، ليس إلى أمير أو رئيس أو نحوه، بل خادم ويهودي!! أي أنه جمع النقيصتين، فلما أتاه وجلس عنده، وكان في لحظاته الأخيرة، قال له رسول الله ﷺ : (يا غلام! قل: لا إله إلا الله، فنظر الغلام إلى أبيه، وكان عند رأسه -كأنه يستشيره- فإذا بالأب يقول: أطع أبا القاسم يا بني!) الله أكبر! وأنت لماذا لا تطعه؟ لنعلم يا إخوان أن قضاء الله، وقدر الله فوق كل شيء، الولد في حالة الاحتضار، والرسول ﷺ يعرض عليه الإيمان، فيلتفت إلى أبيه كالمستشير، فإذا بالأب يشير عليه أن يطيع الرسول، فلم يقل له الرسول: وأنت أيضاً أطعني، عملاً بسنة التدرج، فقالها الغلام، وسمعها رسول الله ﷺ والحاضرون من الصحابة، ثم فاضت روحه، فقال ﷺ لمن معه من المسلمين: (تولوا أنتم أمر أخيكم) انظر محاسن الإسلام! انظر فضل الله على عباده! مجرد أن نطق بها صار أخاً من إخوانهم، صار صحابياً بين يدي رسول الله، وهذا من بركة زيارته ﷺ .
وهذا باب كما يقولون يأتي في الآداب والأخلاق وحقوق الجوار.
إلى آخره.
стр. 1078
زيارة القبور
نأتي إلى هذا الباب الذي معنا: (أكثروا) وهذا عام للرجال وللنساء، حتى إن العلماء عندما اختلفوا في زيارة النساء للقبور لحديث: (لعن الله زوارات القبور) وجاء حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) واو الجماعة في قوله: (فزوروها) هل يشمل النسوة، أو يبقى النسوة على المنع؟ فقالوا: إن في الحديث معنى يجمع بين الرجال والنساء وهو قوله: (فإنها تزهد في الدنيا وتذكر بالآخرة) فكما أن الرجل في حاجة إلى ذلك فكذلك المرأة في حاجة إلى ما يذكرها بالآخرة، فتكون مشمولة بالإذن، والمعروف عند علماء اللغة أنه لو وجد ألف امرأة ورجل واحد فإنهم يخاطبون جميعهم بواو الجماعة تغليباً للمذكر.
وكلمة: (أكثروا) تفيد الأمر بالتكرار، ولا تكون للغفلة، لكن من الصعب أن يوضع شريط على أذن الإنسان ليظل يذكره: اذكر الموت اذكر الموت ولكن لا تطل الغفلة، ومن هنا كلما صلينا على جنازة، فتلك دقة جرس جديدة، وتنبيه جديد، إذاً: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) ألا وهو الموت.
وإذا نظرنا -أيها الإخوة- إلى إلزام الخلق بحق الخالق سبحانه، فلن نجد أقوى من الموت: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٣-٨٧] ولن يستطيعوا إرجاعها: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ويقصد المعنى اللغوي بالساعة ستين دقيقة بل تصدق على لحظة، فلا يملكون حتى التأخير ولا التقدم، وأنت لو جلست وتأملت وتذكرت هذه الآية الكريمة ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة:٨٣] فهناك الحشرجة في الصدر؛ لأن الموت يبدأ من القدمين، ثم يسري إلى الساقين إلى الفخذين إلى البطن إلى الصدر فتحشرج الروح أو النفس في صدره وحلقه، ثم تفيض إلى باريها، في تلك الحالة وهم حوله ينظرون، ولا يملكون له من قطمير، ولا نَفَساً واحداً يستطيعون أن يزيدوه: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٦] مدينين يعني: مغلوبين، مدانين، عاجزين، ومنه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] يوم الحساب والجزاء ﴿إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٦] غير ميتين ولا محاسبين، ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٤-٨٥] صحيح نحن لا نرى، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] .
﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٦-٨٧] لا والله لا تستطيعون إرجاعها، ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة:٨٨] ما مصيره؟ ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٨٩-٩١] يقول المفسرون: منذ أن تفيض روح المؤمن ويرى النعيم، يسلم على رسول الله ﷺ ؛ لأنه عن طريقه وصل إلى هذا الحد، وبعضهم يقول: هذا سلام من الله باسم رسوله يأتي من الموتى، والأول أظهر وأوضح، والله أعلم.
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة:٩٢] عافانا الله وإياكم.
إذاً: أكثروا من ذكر هادم اللذات.
стр. 1079
باب كراهة تمني الموت
стр. 1080
حكم تمني الموت لنزول الضر
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنياً، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي) متفق عليه.
(لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به) لأن تمني الموت لنزول الضر معناه عدم الرضا بالقضاء والقدر، ومعناه عدم الاستسلام لأمر الله، ومعناه الجزع وعدم الصبر، وهذا لا يتناسب مع الإيمان بالله، وإما إذا كان تمني الموت مخافة فتنة في الدين فبعضهم يقول: لا مانع؛ فإن تمني الموت لميتةٍ كريمة كالشهادة في سبيل الله لا مانع منه.
وقد ورد أن عمر رضي الله تعالى عنه في حجته الأخيرة جاء الأبطح واستلقى على ظهره فسمعه أحدهم يقول: [اللهم كبرت سني، وضعف عظمي، واتسعت رعيتي؛ فاقبضني إليك غير مفتون] .
ما طلب لشيء نزل به، لا، إنما خاف من فتنة في الدين، أو على المسلمين، وقد أصبح الأمر ثقيلاً عليه، فطلب لقاء ربه.
فمثل هذا ليس داخلاً في هذا الأمر، أما لضرٍ نزل به: فقر، مرض مزمن، مضايقة من أي جهة من الجهات، فلا ينبغي أن يتمنى الموت بسبب ذلك، بل يصبر ويحتسب.
والعجيب أن الله جعل في رسله النماذج للمثاليات الكاملة في كل شيء، فجعل -مثلاً- نأخذ من إبراهيم ﵇ صبره وصموده؛ حتى كان أمة، وشدة توكله على الله عندما ألقي في المنجنيق ليلقى في النار، فيأتي جبريل يقول له: ألك حاجة؟ فيقول: أما إليك فلا، وإلى ربي بلى.
مثال في أعلى ما يمكن من اليقين بالله والتوكل عليه.
تأتي إلى نوح في صبره، وعزمه، وطول أجله, و.
إلخ.
تأتي إلى موسى تأتي إلى يوسف ﵇ مثالية نموذجية إلى أقصى ما يمكن أن يتصوره العقل البشري في العفة والطهارة: ﴿وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] .
والرسول ﷺ هو المثل الأعلى في كل الجوانب، ولا شك في ذلك، كذلك نبي الله أيوب أصبح مثالاً عند الناس في الصبر، صبر على الابتلاء، وعلى فقد أهله، وعلى فقد ماله، و.
و.
والملائكة تقول: يا رب! ارحم عبدك، فيقول: إذا اشتكى لكم فأغيثوه، إن شكى لكم فأجيبوه، وهو ما زال يقول: ما دام قلبي سليماً لا يفتر عن ذكر الله وأخيراً: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] فكان المثل.
فالمؤمن عندما يبتلى بمرض، أو أي شيء الصبر أفضل له، وقد جاء في الحديث: (إن الله ليكتب للعبد المنزلة فلا يصلها بعمله، فيصيب منه ليبلغ تلك المنزلة) يكتب له الأجر مائة في المائة، ولكن عمله خمسون في المائة فليس قادراً أن يصل إلى هناك، فيبتليه بالمرض ليصبر، وليصعد الباقي بالصبر على مرضه.
إذاً: ليس هناك شر عليه، وإذا صبر وجد الخير، وفي بعض الروايات أيضاً أن المريض يئن لمرضه، فالملائكة تقول: (يا رب! عبدك كان يقوم الليل، كان يصوم، كان يفعل، كان يذكر وهو الآن عاجز، فيقول: أنينه -هذا العبد الصالح- في مرضه خيرٌ من صوت الآخرين بالذكر والعبادة) إذاً: لا ييأس الإنسان ولا يجزع، وليعلم أن ربه أرحم به منه، وإذا كان سيد الخلق: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٦] هذا النبي ﷺ ، فما بالك برب النبي؟! إذاً العاقل المؤمن يسلم أمره لله، ويحمل نفسه -عقلاً وإيماناً وعقيدة- بأن ما أتاه الله به فهو الخير؛ لأنه أعرف بعبده من نفسه، ولهذا: لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به, ولكن إذا ضجر وكان تنفيساً له، فليقل مفوضاً الأمر لله الذي أنزل به الضر: (اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي) لم يقل: أحيني لأن الحياة خير لي، لا، أنت الذي تعلم إن كانت الحياة خيراً لي، أي: يطول العمر، ويستقيم في العبادة، ويعمل صالحاً، فخيركم من طال عمره، وحسن عمله.
فقد كان هناك أخوان صالحان، فمات الأول قبل الآخر، وكان الأول أصلح من الآخر، فبقي الآخر بعده، فذكروا ذلك لرسول الله، قالوا: (والله مات الأخ الصالح، قال: والثاني، قالوا: ليس مثل الأول، قال: لعله يصلي بعده، ويصوم بعده، ويذكر الله بعده فيلحقه) إذاً: (اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي) أي: وأنت الذي يعلم ذلك، (وتوفني إن كانت الوفاة خيراً لي) حتى لا أفتن؛ لأن الذي يعلم ذلك هو الله، فكأنه أيضاً رجع إلى الله .
стр. 1081
باب صفة النزع للمؤمن
стр. 1082
شرح حديث: (المؤمن يموت بعرق الجبين)
وعن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (المؤمن يموت بعرق الجبين) رواه الثلاثة وصححه ابن حبان.
بعدما قدم المؤلف رحمه الله تعالى في أوائل كتاب الجنائز حديث: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) وحديث: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان لابد متمنياً أو لا محالة فليقل: اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي، وأمتني إن كان الممات خيراً لي) وقد تقدم الكلام على هذين الحديثين أعقب ذلك ببيان حالة موت المؤمن، فأورد قوله ﷺ : (المؤمن يموت بعرق الجبين) هذه حالة يبينها ﷺ من غالب وأكثر حالات الموتى المؤمنين، ثم نجد العلماء يذهبون في تفسير عرق الجبين إلى جانبين: جانب لفظي في موضعه، ومعروفٌ الجبين، وعرق الجبين يكون في حالة الشدة عند النزع.
وقومٌ يفسرونه بجانب آخر وهو: الكد والكدح، أي أن المؤمن يسعى ويكدح ويعمل حتى يعرق جبينه فيأتيه الموت وهو على هذه الحال، سواءً كان هذا العمل لكسب الرزق، أو كان هذا العمل للعبادة، ولكن هذا الوجه ضعيف، والصحيح الأول؛ لأن الموت له شدة، وقد جاء: (اللهم هوّن علينا سكرات الموت) ولما دخلت فاطمة رضي الله تعالى عنها على رسول الله ﷺ وهو في النزع قالت: (واكرباه عليك يا أبتي! فقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا ابنتي) وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان بين يدي رسول الله ﷺ مخضب فيه ماء -إناء صغير- إذا اشتد عليه أمر الموت غمس يده في الماء، ثم مسح بها جبينه) وذلك لشدة ما يعاني.
وجاء عند الترمذي: (نفس المؤمن تخرج رشحاً) والرشح وعرق الجبين سيان، فهذا مما يؤيد المعنى الأول، وهو عرق الجبين كناية عن شدة المعاناة، وكذلك أيضاً عن سرعة النزع فلا يطيل إطالةً شديدة حتى يتعذب في ذلك.
ثم قال ﷺ في حديث الترمذي: (إن نفس المؤمن تخرج رشحاً، وأعوذ بالله من موتةٍ كموت الحمار، قيل: وما موت الحمار يا رسول الله؟! قال: موت الفجأة) فكان ﷺ يستعيذ من ميتة المفاجأة.
وقد بين العلماء بأن مفاجأة الموت تفوت على الإنسان أشياء كثيرة؛ فقد يكون في حاجة إلى أن يوصي، فتفوته الوصية، قد يكون يعمل في عمل دنيا بعيد عن ذكر الآخرة أو الموت، فيفوت عليه أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله، وبعض الناس يرى موت الفجأة راحة من آلام النزع، وهذا خطأ؛ فإنه وإن كان في النزع شدة ولكن كما قيل: تزول، فهي آلام مؤقتة، ولكن يكون عند المؤمن فرصة في هذا الوقت الحرج بأن يوادع الدنيا بوصية صالحة، ويستقبل الآخرة بشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقد جاء عنه ﷺ : (من كان آخر قوله أو كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) وسيأتي الكلام عليها فيما بعد كما سمعنا إن شاء الله.
إذاً: المؤمن يموت بعرق الجبين، كناية عن الشدة والحالة التي تعتري الإنسان في حالة النزع وخاصةً المؤمن، وقد جاء في الحديث في الابتلاء: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) وهكذا جاء في بعض الآثار (أنه ﷺ كان يعاني أشد ما يعاني أشد الرجال) وكان صلوات الله وسلامه عليه يصبر على ذلك ويسأل الله التخفيف.
стр. 1083
كتاب الجنائز [٢]
الموت حق، وهو حتم واقع على كل إنسان، وحدث يتردد على بيوتنا وجيراننا بين الحين والآخر؛ فلذلك كان من الواجب علينا أن نتعلم الأحكام المتعلقة به، لنتمكن من توديع موتانا ودفنهم وفقاً للسنة، ولنتجنب البدع التي كثرت في العهود المتأخرة في مراسم الموت.
وعلى هذا فإن هناك أحكاماً كثيرة متعلقة بالاحتضار، والتجهيز، والدفن، والتلقين، والقراءة للميت، والصدقة عنه وغير ذلك من الأحكام؛ موضحة أحسن توضيح، مدعمة بالأدلة الشرعية، مردفة بأقوال الأئمة والفقهاء.
стр. 1084
باب تلقين الموتى لا إله إلا اله
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه مسلم والأربعة.
стр. 1085
التلقين بين حقيقة الموت ومجازه
في هذا الحديث: (لقنوا) التلقين هو أن تقول الشيء ويقوله غيرك من بعدك، يقول ﷺ : (لقنوا موتاكم) وموتانا جمع ميت، والميت حقيقة من فارق الدنيا وفاضت روحه، فهل هنا موتاكم على حقيقتها بعد الموت، أو على المجاز: ما قارب الشيء يعطى حكمه باعتبار ما سيكون؟ وعلى هذا يقول بعض العلماء: لقنوا موتاكم، أي: من حضره الموت؛ لأن الذي مات وانتهى وفارق الحياة لا يسمع التلقين، ولا يستفيد منه، ولا يفيده بشيء، إذن الذي يستفيد من موتانا التلقين هو الذي حضره الموت، والذي يمكن أن يسمع التلقين ويعيه ويتلقنه ويقوله، وهذا هو الصحيح.
стр. 1086
آداب كيفية تلقين الميت لا إله إلا الله
والعلماء في كيفية التلقين يبينون أن السنة في ذلك ألا تتوجه بالأمر فتقول: يا فلان! قل لا إله إلا الله، بخلاف ما يقوله بعض المتأخرين في بعض كتبهم، فإن علماء السلف يقولون: إذا كان الميت مشغولاً بسكرات الموت أو غافلاً عن ذلك مشغولاً بنفسه فحينئذ يذكّر حتى يقول: لا إله إلا الله.
ويقولون: لا ينبغي التكرار المتوالي، ولا ينبغي توجيه الأمر إليه بقل؛ لأن الإنسان في حال الحرج والضيق لا يتحمل؛ لأن صدره ضيق، وهو مشغول بنفسه، فإذا أكثرت عليه ربما ضجر لهذا الإكثار، وربما كره أن يقول ما تلقيه عليه، وربما تكلم بكلام من منطلق تعبه وضجره فتكون أنت السبب، فقالوا: لا ينبغي أن يوجه إليه الأمر، ولا ينبغي أن يكثر عنده.
وإذا قال: لا إله إلا الله، تلقيناً من الحاضر وسكت بعدها فإنه لا ينبغي أن يعاد التلقين؛ فإن مات في هذا السكوت كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، أما إن تكلم بعد ذلك وأطال الكلام فإنك تعيدها وتقولها أيضاً دون أن توجهها بأمرٍ إليه، ودون أن تكثر عنده.
ولهذا على من يحضر عند الميت أن يكون حكيماً رفيقاً، حتى قالوا: ينبغي له أن يعرض على الميت محاسن أعماله؛ ليعظم جانب رجائه فقد ورد عند الترمذي أن الرسول ﷺ دخل على شاب وهو يحتضر فقال: (كيف أجدك يا غلام؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، قال ﷺ : ما اجتمع هذان في مثل هذا الموطن في قلب رجل إلا أعطاه الله مأمنه، أو أعطاه الله مطلبه) والذي ينبغي على الإنسان في تلك اللحظات أن يغلّب دائماً جانب الرجاء، يقول العلماء: الإنسان في حياته دائماً وأبداً بين الخوف والرجاء، بين الطمع والعطاء، فهو يخاف من الشر ويرجو الخير، فإذا كان الأمر كذلك فهو يعمل لتحقيق ما يرجوه ويعمل لاتقاء ما يخافه، فإذا كان في سعةٍ من الدنيا فالأولى أن نغلّب جانب الخوف؛ لأن دفع المضار مقدم على جلب المنافع، فإذا قدم جانب الخوف كان دائماً وأبداً على حذر ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] .
وإذا كان في اللحظات الأخيرة يجب أن يغلب جانب الرجاء؛ لأن الخوف الآن ليس له مجال، وقد جاء في الحديث القدسي (أنا عند حسن ظن عبدي بي) وجاء في الأثر أيضاً: [إذا عرجت الملائكة بروح العبد وصحيفته فكان في أولها كلاماً حسناً وفي آخرها كلاماً حسناً يقول الله سبحانه: أشهدكم بأني قد غفرت له ما بين هذين] وهكذا قالوا: إن النبي ﷺ غلَّب للغلام جانب الرجاء، ما اجتمع هذان في قلب مؤمن في هذا الوقت إلا أعطاه الله ما أنال وإلا غفر له.
فجانب الرجاء مقدم في تلك اللحظة.
ولما أصيب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه دخل عليه شاب قال: يا أمير المؤمنين! والله لا أسفاً على أمرك، إنك قسمت بالسوية، وعدلت في الرعية.
وكذا وكذا، وذكر له محاسن أعماله، وعزاه في نفسه في حياته بحسن فعاله، فلما ولى الشاب قال: ردوه، فجاءه قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك -لأن ثوبه طويل، تحت الكعبين-؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.
أنقى للثوب؛ لأنه إذا جره على الأرض فإنه يجمع كل ما علق به، وأتقى لربه؛ وفي الحديث: (ما جاوز الكعبين فهو في النار) فـ عمر وهو في تلك الحالة لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أن الشاب جاء يعزيه بأحسن شيء، وما جامله في أمر نفسه بل نصحه أيضاً.
ونحن يهمنا في هذه الحال أنه يجب على من يحضر الميت من أن يغلب عنده جانب الرجاء، يذكره بحسن أفعاله التي يعرفها عنه، يذكره بأن رحمة الله وسعت كل شيء، يذكره بأن يحسن الظن بالله، ويتحين الفرص لتلقينه: لا إله إلا الله.
стр. 1087
التزام الحكمة والصبر وقول الخير عند خروج الروح
من الآداب أيضاً أنه حينما تصعد الروح إلى باريها ينبغي على الموجودين تعزية الحاضرين وحثهم على الصبر، وعدم التكلُّم بكلمات غير لائقة؛ لأن الرسول ﷺ قال (قولوا خيراً، ولا تقولوا إلا الخير؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون) وقد جاء عن بعض السلف بأنه كان يحذر وينهى ويوصي أهله إذا هو مات ألا ينعوه نعي الجاهلية، وجاء عن ابن رواحة رضي الله تعالى عنه لما أغمي عليه ثم أفاق أنه رأى الملائكة تقول له ما كان يقوله بعض أهله: كنت لنا كنت لنا كنت لنا، أهكذا كنت؟ أهكذا كنت؟ يعاتبونه على ذلك، فلما أفاق نهاهم عن هذا كله.
إذاً: ينبغي على الحاضر أن يلتزم الحكمة والصبر، وحسن اللفظ، وتثبيت الحاضرين، وأن يقول قولاً طيباً، وأن يحملهم على الصبر وحسن العزاء.
والله تعالى أعلم.
стр. 1088
حكم التلقين للميت بعد الدفن
يقول بعض الناس بعد الدفن: يا فلان ابن فلان! اذكر ما كنت عليه عندنا في الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإذا أتاك ملكان يسألناك: من ربك؟ وما نبيك؟ وما دينك؟ .
إلى آخره، فيرى بعض الناس أن هذا من البدع، وينهى عن ذلك، وربما تخاصموا في المقبرة، في الموضع الذي تذرف فيه الدموع، والذي تخشع فيه القلوب، والذي هو موضع الموعظة والعبرة (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) فتجدهم يتخاصمون، ويتناكرون في أمر هل هو سنة أم بدعة؟ والسلف رضوان الله تعالى عليهم منهم من فعل هذا ومنهم من تركه، ويروون عن أحمد ﵀ أنه مر على رجل يلقن إنساناً فقال: أسكتوه، ثم أدركه رجل وقال: إن شعبة قد فعل، وسفيان قد فعل وكذا، قال: اتركوه يقول ما يقول.
فالمسألة خلافية من سابق الأمر، وجاء في العموم أنه ﷺ لما دفن الميت قال: (سلوا الله له الثبات؛ فإنه الآن يسأل) فهذه وصية من رسول الله ﷺ بأن نسأل الله أن يثبته عند السؤال: اللهم ثبته، اللهم ارحمه، اللهم أفسح له في قبره، على ما سيأتي من دعاء النبي ﷺ لـ أبي سلمة عندما أغمض عينيه، ودعا له الدعوات الكريمات، وسواء فعل ذلك بعض السلف أو لم يفعلوه، وقد جاء عن عمرو بن العاص أنه طلب من أهله فقال: [إذا مت ودفنتموني فانتظروا عند قبري قدر ما تنحر الجزور وتقسم؛ فإني أستأنس بوجودكم عند سؤال الملكين] ، وجاء عنه ﷺ : (إن الميت ليسمع حفيف نعالكم) إذاً: هناك عمومات صريحة أن ندعو للميت بأن الله يثبته.
وبعض السلف أوصى أن ينتظر عند قبره بقدر قراءة سورة (يس) ، وسيأتي الكلام على قراءة (يس) .
стр. 1089
حكم قراءة يس على الموتى
أما حديث (اقرءوا يس على موتاكم) فقد جاء الخلاف: هل نقرأه على موتانا بعد أن يموت، أو نقرأه على موتانا بعد أن يدفن، أو نقرأه على موتانا حينما يحضره الموت؟ جاءت بعض النصوص تؤيد المعنى الثاني، وهو (ما من إنسان يحضره الموت وتقرأ عنده (يس) إلا خفف الله عنه النزع) إذاً: قراءة (يس) على موتانا تكون على من حضره الموت.
والحكمة في ذلك أن الروح تنشط ويخف عليه نزعات الموت، ويكون أخف عليه مما لو ترك.
إذاً: (موتاكم) هنا تصرف إلى المعنى الثاني المجازي بقرينة يخفف عنه سكرات الموت، أما أن نذهب إلى الميت، أو إلى القبر ونقرؤها فبعض العلماء يقول: كان بعض السلف يحب أن يقرأ عنده يس، وبعضهم يحب أن تقرأ عنده سورة الرعد، وبعضهم سورة البقرة، كل ذلك من أقوال السلف ومن أفعالهم، فلا ينبغي الإنكار في ذلك إلى حد الخصومة، ولو أن إنساناً عرض وجهة نظره واكتفى بذلك فقد أدى ما عليه، لكن أن تؤدي إلى الخصومة والمنازعة والمدافعة فهذا ليس من سنة رسول الله ﷺ في البيان، وفي الدعوة إلى الله أو إلى سنة رسول الله.
стр. 1090
حكم إهداء ثواب الأعمال من الحي إلى الميت
هل يستفيد الميت من قراءة الحي لـ (يس) أو غيرها أم لا؟ هذه مسألة يمكن إدراجها تحت عنوان: ما علاقة الميت بفعل الحي؟ هناك فريقان: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ومن وافقها أخذوا بقوله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] فليس للميت من الحي أي شيء إلا ما جاء به النص.
وفي الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له) فقال أولئك: ينتفع بهذه الثلاث: ولد صالح يدعو له، صدقة جارية، علم ينتفع به.
وجمهور العلماء يقولون: إن عمل الحي -كما هو معروف- في العبادات ينقسم إلى قسمين: - عمل بدني محض: كالصلاة، والصيام وقراءة القرآن، والدعاء.
- وعمل مالي بحت: كالصدقة، والكفارة، وسداد الدين، والحج يجمع بين الأمرين.
следующие страницы →