Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
آداب كيفية تلقين الميت لا إله إلا الله
والعلماء في كيفية التلقين يبينون أن السنة في ذلك ألا تتوجه بالأمر فتقول: يا فلان! قل لا إله إلا الله، بخلاف ما يقوله بعض المتأخرين في بعض كتبهم، فإن علماء السلف يقولون: إذا كان الميت مشغولاً بسكرات الموت أو غافلاً عن ذلك مشغولاً بنفسه فحينئذ يذكّر حتى يقول: لا إله إلا الله.
ويقولون: لا ينبغي التكرار المتوالي، ولا ينبغي توجيه الأمر إليه بقل؛ لأن الإنسان في حال الحرج والضيق لا يتحمل؛ لأن صدره ضيق، وهو مشغول بنفسه، فإذا أكثرت عليه ربما ضجر لهذا الإكثار، وربما كره أن يقول ما تلقيه عليه، وربما تكلم بكلام من منطلق تعبه وضجره فتكون أنت السبب، فقالوا: لا ينبغي أن يوجه إليه الأمر، ولا ينبغي أن يكثر عنده.
وإذا قال: لا إله إلا الله، تلقيناً من الحاضر وسكت بعدها فإنه لا ينبغي أن يعاد التلقين؛ فإن مات في هذا السكوت كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، أما إن تكلم بعد ذلك وأطال الكلام فإنك تعيدها وتقولها أيضاً دون أن توجهها بأمرٍ إليه، ودون أن تكثر عنده.
ولهذا على من يحضر عند الميت أن يكون حكيماً رفيقاً، حتى قالوا: ينبغي له أن يعرض على الميت محاسن أعماله؛ ليعظم جانب رجائه فقد ورد عند الترمذي أن الرسول ﷺ دخل على شاب وهو يحتضر فقال: (كيف أجدك يا غلام؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، قال ﷺ : ما اجتمع هذان في مثل هذا الموطن في قلب رجل إلا أعطاه الله مأمنه، أو أعطاه الله مطلبه) والذي ينبغي على الإنسان في تلك اللحظات أن يغلّب دائماً جانب الرجاء، يقول العلماء: الإنسان في حياته دائماً وأبداً بين الخوف والرجاء، بين الطمع والعطاء، فهو يخاف من الشر ويرجو الخير، فإذا كان الأمر كذلك فهو يعمل لتحقيق ما يرجوه ويعمل لاتقاء ما يخافه، فإذا كان في سعةٍ من الدنيا فالأولى أن نغلّب جانب الخوف؛ لأن دفع المضار مقدم على جلب المنافع، فإذا قدم جانب الخوف كان دائماً وأبداً على حذر ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] .
وإذا كان في اللحظات الأخيرة يجب أن يغلب جانب الرجاء؛ لأن الخوف الآن ليس له مجال، وقد جاء في الحديث القدسي (أنا عند حسن ظن عبدي بي) وجاء في الأثر أيضاً: [إذا عرجت الملائكة بروح العبد وصحيفته فكان في أولها كلاماً حسناً وفي آخرها كلاماً حسناً يقول الله سبحانه: أشهدكم بأني قد غفرت له ما بين هذين] وهكذا قالوا: إن النبي ﷺ غلَّب للغلام جانب الرجاء، ما اجتمع هذان في قلب مؤمن في هذا الوقت إلا أعطاه الله ما أنال وإلا غفر له.
فجانب الرجاء مقدم في تلك اللحظة.
ولما أصيب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه دخل عليه شاب قال: يا أمير المؤمنين! والله لا أسفاً على أمرك، إنك قسمت بالسوية، وعدلت في الرعية.
وكذا وكذا، وذكر له محاسن أعماله، وعزاه في نفسه في حياته بحسن فعاله، فلما ولى الشاب قال: ردوه، فجاءه قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك -لأن ثوبه طويل، تحت الكعبين-؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.
أنقى للثوب؛ لأنه إذا جره على الأرض فإنه يجمع كل ما علق به، وأتقى لربه؛ وفي الحديث: (ما جاوز الكعبين فهو في النار) فـ عمر وهو في تلك الحالة لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أن الشاب جاء يعزيه بأحسن شيء، وما جامله في أمر نفسه بل نصحه أيضاً.
ونحن يهمنا في هذه الحال أنه يجب على من يحضر الميت من أن يغلب عنده جانب الرجاء، يذكره بحسن أفعاله التي يعرفها عنه، يذكره بأن رحمة الله وسعت كل شيء، يذكره بأن يحسن الظن بالله، ويتحين الفرص لتلقينه: لا إله إلا الله.
стр. 1087
التزام الحكمة والصبر وقول الخير عند خروج الروح
من الآداب أيضاً أنه حينما تصعد الروح إلى باريها ينبغي على الموجودين تعزية الحاضرين وحثهم على الصبر، وعدم التكلُّم بكلمات غير لائقة؛ لأن الرسول ﷺ قال (قولوا خيراً، ولا تقولوا إلا الخير؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون) وقد جاء عن بعض السلف بأنه كان يحذر وينهى ويوصي أهله إذا هو مات ألا ينعوه نعي الجاهلية، وجاء عن ابن رواحة رضي الله تعالى عنه لما أغمي عليه ثم أفاق أنه رأى الملائكة تقول له ما كان يقوله بعض أهله: كنت لنا كنت لنا كنت لنا، أهكذا كنت؟ أهكذا كنت؟ يعاتبونه على ذلك، فلما أفاق نهاهم عن هذا كله.
إذاً: ينبغي على الحاضر أن يلتزم الحكمة والصبر، وحسن اللفظ، وتثبيت الحاضرين، وأن يقول قولاً طيباً، وأن يحملهم على الصبر وحسن العزاء.
والله تعالى أعلم.
стр. 1088
حكم التلقين للميت بعد الدفن
يقول بعض الناس بعد الدفن: يا فلان ابن فلان! اذكر ما كنت عليه عندنا في الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإذا أتاك ملكان يسألناك: من ربك؟ وما نبيك؟ وما دينك؟ .
إلى آخره، فيرى بعض الناس أن هذا من البدع، وينهى عن ذلك، وربما تخاصموا في المقبرة، في الموضع الذي تذرف فيه الدموع، والذي تخشع فيه القلوب، والذي هو موضع الموعظة والعبرة (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) فتجدهم يتخاصمون، ويتناكرون في أمر هل هو سنة أم بدعة؟ والسلف رضوان الله تعالى عليهم منهم من فعل هذا ومنهم من تركه، ويروون عن أحمد ﵀ أنه مر على رجل يلقن إنساناً فقال: أسكتوه، ثم أدركه رجل وقال: إن شعبة قد فعل، وسفيان قد فعل وكذا، قال: اتركوه يقول ما يقول.
فالمسألة خلافية من سابق الأمر، وجاء في العموم أنه ﷺ لما دفن الميت قال: (سلوا الله له الثبات؛ فإنه الآن يسأل) فهذه وصية من رسول الله ﷺ بأن نسأل الله أن يثبته عند السؤال: اللهم ثبته، اللهم ارحمه، اللهم أفسح له في قبره، على ما سيأتي من دعاء النبي ﷺ لـ أبي سلمة عندما أغمض عينيه، ودعا له الدعوات الكريمات، وسواء فعل ذلك بعض السلف أو لم يفعلوه، وقد جاء عن عمرو بن العاص أنه طلب من أهله فقال: [إذا مت ودفنتموني فانتظروا عند قبري قدر ما تنحر الجزور وتقسم؛ فإني أستأنس بوجودكم عند سؤال الملكين] ، وجاء عنه ﷺ : (إن الميت ليسمع حفيف نعالكم) إذاً: هناك عمومات صريحة أن ندعو للميت بأن الله يثبته.
وبعض السلف أوصى أن ينتظر عند قبره بقدر قراءة سورة (يس) ، وسيأتي الكلام على قراءة (يس) .
стр. 1089
حكم قراءة يس على الموتى
أما حديث (اقرءوا يس على موتاكم) فقد جاء الخلاف: هل نقرأه على موتانا بعد أن يموت، أو نقرأه على موتانا بعد أن يدفن، أو نقرأه على موتانا حينما يحضره الموت؟ جاءت بعض النصوص تؤيد المعنى الثاني، وهو (ما من إنسان يحضره الموت وتقرأ عنده (يس) إلا خفف الله عنه النزع) إذاً: قراءة (يس) على موتانا تكون على من حضره الموت.
والحكمة في ذلك أن الروح تنشط ويخف عليه نزعات الموت، ويكون أخف عليه مما لو ترك.
إذاً: (موتاكم) هنا تصرف إلى المعنى الثاني المجازي بقرينة يخفف عنه سكرات الموت، أما أن نذهب إلى الميت، أو إلى القبر ونقرؤها فبعض العلماء يقول: كان بعض السلف يحب أن يقرأ عنده يس، وبعضهم يحب أن تقرأ عنده سورة الرعد، وبعضهم سورة البقرة، كل ذلك من أقوال السلف ومن أفعالهم، فلا ينبغي الإنكار في ذلك إلى حد الخصومة، ولو أن إنساناً عرض وجهة نظره واكتفى بذلك فقد أدى ما عليه، لكن أن تؤدي إلى الخصومة والمنازعة والمدافعة فهذا ليس من سنة رسول الله ﷺ في البيان، وفي الدعوة إلى الله أو إلى سنة رسول الله.
стр. 1090
حكم إهداء ثواب الأعمال من الحي إلى الميت
هل يستفيد الميت من قراءة الحي لـ (يس) أو غيرها أم لا؟ هذه مسألة يمكن إدراجها تحت عنوان: ما علاقة الميت بفعل الحي؟ هناك فريقان: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ومن وافقها أخذوا بقوله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] فليس للميت من الحي أي شيء إلا ما جاء به النص.
وفي الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له) فقال أولئك: ينتفع بهذه الثلاث: ولد صالح يدعو له، صدقة جارية، علم ينتفع به.
وجمهور العلماء يقولون: إن عمل الحي -كما هو معروف- في العبادات ينقسم إلى قسمين: - عمل بدني محض: كالصلاة، والصيام وقراءة القرآن، والدعاء.
- وعمل مالي بحت: كالصدقة، والكفارة، وسداد الدين، والحج يجمع بين الأمرين.
стр. 1091
حكم وصول العبادات المالية إلى الميت
قال بعض العلماء: ما كان من عمل مالي فهو يصل إلى الميت قطعاً، فهو داخل في عموم الصدقة، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه بعد الهجرة ربما ذبح الشاة وقسمها صدقة عن خديجة لصاحباتها، حتى قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: خديجة، حتى بعد الممات خديجة.
فهذا فعله ﷺ .
وكذلك سداد الدين؛ فإن المرأة التي سألت رسول الله ﷺ عن حجها عن أمها: [إن فريضة الله في الحج، أدركت أمي أفأحج عنها؟] كان الجواب يكفي: نعم أو لا، ولكن يأتينا رسول الله ﷺ في هذا المقام بقياس؛ لنأخذ نحن الحكم من أنفسنا: (أرأيتِ -أخبريني وأعلميني- لو أن على أمك دين فقضيتيه -أي: عنها- أكان ينفعها؟ قالت: بلى.
قال: كذلك فدين الله أحق) إذن قضاء الدين ينفع.
وكما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان في بادئ الأمر إذا قدمت جنازة يسأل: (هل على ميتكم دين؟ إن قالوا: نعم، قال: صلوا عليه أنتم، وإن قالوا: لا.
صلى عليه.
فأتي بميت فسأل قالوا: عليه ديناران، قال: صلوا عليه، قال أبو قتادة: يا رسول الله! صلِّ عليه وديناراه عليَّ أنا، قال: في ذمتك؟ قال: نعم.
قال: برئت منهما ذمة الرجل؟ قال: بلى.
قال: عليك أنت؟ قال: نعم.
فصلى عليه) فهنا بين يدي رسول الله لم يسدد، لكن التزم واعترف وقال: (برئت منهما ذمته - أي بضمانك وكفالتك؟ - قال: بلى) وفي نفس الخبر أنه لقيه رسول الله من الغد فقال له: (ماذا فعل الديناران؟ قال: يا رسول الله! الرجل مات -بالأمس فقط- من الغد، قال: ماذا فعل الديناران؟ -يعني يطالبه- قال: سددتهما، قال: الآن بردت جلدته من النار) لأن الميت يرهن في قبره بدينه.
ثم لما وسع الله على المسلمين وجاءت الفتوحات والغنائم، وبقي عند المسلمين بيت مال، قال ﷺ : (من مات وله مال فماله لورثته، ومن مات وعليه ضياع أو دين فعليَّ) فكان ﷺ يصلي على المدين وغير المدين، والمدين يوفي دينه من بيت مال المسلمين.
والذي يهمنا هنا بيان أن العبادة المالية: الصدقة سداد الدين الكفارات المالية.
إلى غير ذلك، تصل إلى الميت.
стр. 1092
حكم وصول العبادات البدنية إلى الميت
العبادات البدنية تبدأ من الذكر باللسان: الدعاء، الاستغفار، تلاوة القرآن، البدن: صلاة، صيام، فجاءوا في الأذكار والدعاء وقالوا: لا شك أن الدعاء يصل الميت، وقد وجدت للإمام ابن تيمية نحواً من المائة صفحة في هذا الباب يدلل على وصول عمل الحي للميت بدنياً كان أو مالياً، والدعاء -يقول- أكبر شاهد، حيث إنه يؤتى بالميت ونقوم فنصلي عليه، وفيها قراءة الفاتحة، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، ثم ندعو للميت، ولولا أن الميت ينتفع بدعاء المصلين له لما كان له فائدة ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر:١٠] إخواننا من؟ ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] يدعون الله بالمغفرة لهم ولمن سبقهم من إخوانهم بالإيمان، فهذا نص القرآن الكريم بأنهم يدعون لأنفسهم بالمغفرة، ولمن سبقهم من إخوانهم بالإيمان، أي: الذين ماتوا قبلهم، فالدعاء لا شك فيه ولا غبار.
أما الصلاة فجاء الحديث: (كان لي أبوان أبرهما في حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فذكر ﷺ : تتصدق عنهم، وتدعو لهم مع دعائك، وتصلي لهم مع صلاتك) فقالوا: هذا بيان منه ﷺ أنه يصلي لوالديه مع صلاته.
ونجد في الحج أن يُحج عن الميت، وبعد الطواف هناك صلاة ركعتي الطواف، فهذا طواف عن الميت، وهذه الصلاة عن الميت، نقول: هو الذي طاف، ليس هناك مانع، لكن باسم غيره.
أما الصوم، فقد جاء في الحديث الصحيح: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وعليه الأئمة الثلاثة ما عدا المالكية يقولون: إن كان الصوم نذراً فإنه هو الذي أوجبه على نفسه فيقضيه، أما إذا كان صوم رمضان فالله هو الذي كلفه وهو الذي أماته فليس عليه قضاء، لكن الحديث عام وصريح: من مات وعليه صوم﴾ بالتنكير دون تعيين نوع من أنواع الصيام.
والحج جاء فيه: (أحج عن أبي؟ قال: بلى) (أمي ماتت أحج عنها؟ قال: نعم ... ) والحج عن الغير أمر مشهور عند الجميع.
لكن بقي الخلاف والنزاع الطويل في قراءة القرآن، فمن يرجع إلى الإمام ابن تيمية ﵀ في المجموع وفي كتاب الجنائز يجده ﵀ يرتب الموضوع فيقول: نحن اتفقنا على أن الميت ينتفع بدعاء الحي: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وهذا متفق عليه، ما معنى: اللهم ارحمه؟ معناه: يا رب! أنا ليس عندي شيء، ولكن أتوجه إليك، وأسألك من عندك رحمة للميت، فإذا كان الله سبحانه يرحم الميت برحمة من عنده بسؤالك أنت إياه، فرحمة الله نزلت على الميت فضلاً من الله وليس لك في ذلك شيء إلا المسألة، فالرحمة من الله لعبده ماذا فعلت أنت؟ دعوت.
يقول: نأتي إلى القراءة حينما تقرأ الفاتحة يس آية من كتاب الله، لك بكل حرف عشر حسنات، فأنت عملت وبعملك وعدك الله الأجر، فأصبح لك -بمقتضى وعد الله وإخبار رسول الله ﷺ بكل حرف عشر حسنات تكتب في صحيفة أعمالك، فأنت تقول: يا رب! هذا الذي عملت، وهذا الذي وعدتني وهو حق لي، أسألك أن تعطيه لفلان، فإذا كان الدعاء وهو طلب الرحمة من الله وأنت لا تملك منها شيء يصل إلى الميت، فكيف بالحسنات التي استحققتها أو التي وعدت بها وتكتب في صحيفتك فأنت تقول: أنت وعدتني به وأنا أتبرع به للميت، أيهما أولى بالقبول الشيء الذي كان عن عمل منك، أو الشيء الذي هو مجرد سؤالك رحمة من الله؟ الذي كان عن عمل منك؛ لأنك عملته، وبوعد من الله كنت تستحقه، ويكتب لك في صحيفة أعمالك، فهو موجود عن سبب منك أنت.
وبهذا المنطق يسترسل ﵀ في إثبات انتفاع الميت بعمل الحي.
ثم نحن نقول: هل نحن نحجر فضل الله؟ هل نمنع رحمة الله عن عباده؟ فإنك إذا ما عملت عملاً وطلبت من الله أن يجعل ثوابه لوالديك أو لمن شئت من المسلمين، فإنه يكون صدقة جارية ذا ثمرة تدوم بعدك، مثل بناء مدرسة، أو مسكن للمساكين، أو حفرت قناة، أو بنيت جسراً، أو مهدت طريقاً، أو بنيت مسجداً، أو ورثت مصحفاً، فأنت بصلاحك وبفعلك الخير لهذا الرجل بقي من أثر عملك عنده ما جعله يدعو الله لك، إذن لك أثر في هذا العمل؛ لأنه لا يوجد أحد يقرأ لك قرآناً ويهب ثوابه إليك وبينك وبينه عداوة، بل لابد أنه كانت هناك صلة، كان لك عمل من الخير يجعله باقٍ عنده يعطفه عليك حتى يهب لك من عمله الخير.
إذاً: الصدقة الجارية باقية.
وكذلك عمل الولد: (ولد صالح يدعو له) (ولد الرجل خير كسب أبيه) فإذا دعا الولد أو عمل الولد صالحاً فإنه داخل لا يمنعه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] فقد أجاب ابن تيمية ﵀ حيث قال: الآية تقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ﴾ [النجم:٣٩] أي: من نفسه إلا ما سعى هو به، فالآية ما منعت أن يكون له من سعي غيره، نعم.
سعيه انقطع لحديث: (إذا مات العبد انقطع عمله) لكن إذا انقطع عمله فإنه لا يمنع أن يستمر له عمل من غيره، إذن الميت انقطع عمله، لكن هذا لا يمنع أن يأتيه من عمل الغير خير له.
وأرجو من كل طالب علم أن يرجع من هذا الموضوع إلى هذا المرجع المجموع ليرى الأسلوب والمنهج والهدوء، وعدم الخصومة، وعدم النزاع، وليرى أسلوب السلف في معالجة الأمور، وكيف كانوا يقيمون الأدلة عليها، وأرى إن شاء الله أنه ما من طالب علم يقرأ هذا البحث إلا سيجد الخير الكثير، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1093
باب القراءة عند الميت
وعن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: (اقرءوا على موتاكم يس) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان.
على ما تقدم في معنى (موتاكم) أنه حين الاحتضار أو بعد الوفاة، والجمهور على أن هذا الحديث بالذات إنما يراد به عند الاحتضار؛ لأن القرائن في النصوص الأخرى تؤيد ذلك (فإنه ما قرئت يس عند محتضر إلا خفف عنه) وهذه قرينة على أنها تقرأ عند احتضار الموت وعند النزع.
стр. 1094
تسبيح الجمادات
قد يتوقف بعض الإخوان في بعض النصوص، ولكن أكرر وصيتي مرة أخرى لكل طالب علم أن يرجع في البحث إلى الإمام ابن تيمية ﵀.
مر النبي ﷺ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان لا يستتر -أو لا يستنزه- من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) إلى هنا الحديث متفق عليه، وهناك زيادة في الحديث: (فأخذ جريدة رطبة فشقها ووضع على كل قبر شقاً منها وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فقالوا: هذا يدل على انتفاع الميت بشيء خارج عن عمله، وأين عمل الغير؟ وإنما هو انتفاع بالرطوبة الموجودة، وقالوا: إن النبات والشجر ما دام رطباً يسبح الله، فلعل الله يخفف عنهما بالتسبيح الصادر من هذه الأغصان، مع أنه جاء في القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الإسراء:٤٤] أخضر أو يابس، نبات أو جماد أو حيوان أو أياً كان: ﴿إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] .
وجاء عند بعض السلف أنهم كانوا جالسين على خوان فقال أحدهم لصاحب البيت: أيسبح هذا الخوان؟ -على عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]- قال: نعم.
كان يوماً يسبح، يعني حينما كان نباتاً أخضر.
وقد جاءتنا حادثة معجزة محسوسة ملموسة شاهدها الناس، وسمعوها بآذانهم، وهي حينما كان النبي ﷺ نطق الحصى وسبح في كفه ﷺ ، وأيضاً لما كان يخطب متكئاً على الجذع ثم انتقل إلى المنبر، فلما تحول ﷺ إلى المنبر حن الجذع لرسول الله حنين الناقة العُشَراء، حتى سمعه كل من في المسجد، فأتى إليه ﷺ وربت عليه وقال: (إن شئت أخذتك فغرستك فعدت نخلاً غضاً تثمر، وإن شئت كنت من غرس الجنة، فقال: -والكل يسمع- بل أكون من غرس الجنة، فحفر له في أصل المنبر ودفنه) فهذه الجمادات الله أعلم بأمرها، ولكن ثبت في العيان أنها تسبح الله، وأنها تتكلم ويسمعها الناس، أنطقها الله الذي أنطق كل شيء إذاًَ: نترك الأمر لله .
стр. 1095
باب إغماض عيني الميت
وعن أم سلمة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، وقد جاء ناس من أهلي فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه) رواه مسلم.
стр. 1096
الصلاة على الجنازة في عهد رسول الله ﷺ
يقول ابن أبي شيبة في تاريخه: كانوا في سابق الأمر، أول مجيئهم إلى المدينة، إذا مرض إنسان واحتضر آذنوا رسول الله ﷺ بأمره، فيأتي إلى بيته، ويجلس معهم ينتظر، فإذا ما قضى الله أمره، جهزوه، وصلى عليه رسول الله ﷺ في محله، وذهبوا إلى دفنه، فقالوا: لقد أكثرنا على رسول الله، وقد يحضر الميت الوفاة بالليل، فيشق ذلك عليه ﷺ ، ولكن لندع رسول الله يستريح، وإذا ما جهزنا ميتنا حملناه إليه، وهناك يصلي عليه.
فكان بداية مصلى الجنائز من ذلك الوقت إلى الآن، ومصلى الجنائز هو السور الصغير، أو الحوش الصغير الذي ما بين باب جبريل، وغرفة المشايخ التي يصلي فيها الإمام هناك، وهو الجانب الشرقي من المسجد.
стр. 1097
حقيقة الروح
حضر ﷺ عند أبي سلمة، فأغمض عينيه، وبيَّن: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) وهنا وقفة استسلام ماذا يرى هذا البصر؟ يرى الروح، ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] ، وهل الروح جرم وجسم له حيِّز يرى، أم أنها أمر معنوي لا نعلم كنهه، أم هي جسم شفاف، أم هي متوزعة في جميع خلايا الجسم، تحت كل شعرة جزء منها، وتكون بها الحياة، أم ما أمرها؟ نقف موقف العاجز الذي لا يدرك، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] .
جميع ما يتعلق بها: بكنهها بتصرفها في الجسم بخروجها منه بمصيرها إلى الآخرة كل ذلك من أمر ربي؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] ، النفخ من روحه ، وهو نفخ جبريل أو أن (روح) مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، كل ذلك أمره ومرجعه إلى الله.
стр. 1098
استحباب تغميض الميت عند خروج الروح والحكمة منه
إذاً: الرسول ﷺ يعلمنا عملياً أن نغمض العينين عند تلك الحالة، قبل أن تستكمل الروح خروجها؛ لأن العين إذا شخصت وذهب أثر الحياة منها، يصعب أن تنطبق؛ لأن الباقي جرم مادي ليس فيه أثر الحركة، فلا يمكن أن يرجع الجفن على ما كان عليه، وإذا بقي الميت على تلك الصورة ربما أفزع النساء أو الأطفال أو بعض الأشخاص، فالنبي ﷺ أغمض عينيه؛ ليبقى في صورة النائم على وضع طبيعي، وقال: (إن الروح إذا قبض) إذاً: الروح تصعد إلى الله، وكل روح تصعد سواء كانت مؤمنة أو كافرة، ولكن هناك روح تتفتح لها أبواب السماء، حتى تصعد إلى الجنان، ويأمر الله بها أن توضع في طيور خضر.
إلخ، وهناك -عياذاً بالله- من توصد دونها الأبواب، وترد إلى سجين.
إذاً: ينبغي على الحاضر عند الميت أن يلاحظ تلك الحالة، فإذا وجد الميت يشخص ببصره إلى السماء، في تلك اللحظات يغمضه برفق، لا بشدة ولا بعنف، حتى يصبح الميت كأنه إنسان نائم.
стр. 1099
حقيقة الموت
ما هي حقيقة الموت؟ نجد أن الأطباء يقولون: الموت موت الدماغ، وليس موت القلب؛ لأن القلب عضو يعمل آلياً، وبقية الأعضاء تعمل ميكانيكياً، بمعنى: أن اليد منفردة لأن العضلة منبسطة، فإذا أراد الله لليد أن تنقبض جاءت هناك عملية مواصلات واتصالات، فتنقبض العضلة فتسحب الذراع، كما لو كان هناك ذراع مربوط ببكرة بها حبل، فإذا ارتخى الحبل نزل الذراع، وإذا شُدَّ الحبل ارتفع، فهذه عملية ميكانيكية، وكذلك الحاجب، فكل عضو متحرك إلا القلب فإنه يعمل آلياً، أي: أن حركته منبعثة من داخله هو، وليس هناك عضو يسيطر عليه؛ لأن حياة الإنسان بحركة القلب، فإذا ما توقف لحظات مات الإنسان.
وآخرون يقولون: يعمل آلياً بعمل الروح، والروح ساكنة في القلب، ومنتشرة في الجسم كله بأحاسيس.
إلخ، وهذا أمر في التشريح لا ندري عنه.
إذاً: هم يقولون: حقيقة الموت موت الدماغ، وذلك بأن يصبح الدماغ لا يدرك ولا يدير شيئاً في الجسم، وتتعطل إشاراته إلى الأعضاء، أما القلب فهو مضخة تعمل، يجمع الدم ويدفعه، مثل أي دينامو يسحب من الخزان الأسفل ويدفع للخزان الأعلى، ومن هنا يمكن الاستعاضة عن القلب في الجسم بقلب صناعي، ويكون القلب الصناعي يعمل دورة في الدم في الجسم بدلاً من القلب الطبيعي، وعلى هذا باستطاعتهم الآن تحت آلات الإنعاش أن يديموا حركة القلب بعد وفاة الدماغ لمدة يوم إلى أسبوع إلى شهر، ولعلكم سمعتم عن بعض العظماء في أنفسهم أو عند قومهم، أنه عند وفاة أحدهم بقي قلبه يعمل تحت الآلات إلى ستة أسابيع، وأخيراً ليس هناك أي فائدة، ما دام أن الدماغ قد مات فإن الحياة قد انتهت.
стр. 1100
علامات الموت
للموت علامات عند الفقهاء تدل عليه، حيث لم يكن عندهم موت الدماغ ولا موت القلب، إنما إذا توقف النفس علموا أن الموت قد حصل، إلا موت الفجأة، فينتظرون له ست ساعات أكثر أو أقل، وأحياناً يأتون بالمرآة ويضعونها عند فم الميت، فإذا كان هناك نفس فإن البخار يتكاثف على المرآة في شكل الماء، فيعلمون أن النفس ما زال موجوداً وأحياناً يضعون آذانهم على القلب لعلهم يسمعون شيئاًً، وهو بدل السماعة وأحياناً تميل أرنبة الأنف إلى جانب، أو تظهر زرقة في الأنف، أو زرقة في القدمين، أو تميل القدمان إلى غير ذلك من العلامات التي يعرفونها بالعادة، وهذا كله راجع إلى التجارب.
إذاً: من حضر عند المريض وهو في آخر اللحظات، ورأى بصره شاخصاً، فعليه أن يغمض عينيه، وذلك حينما يرى تلك العلامات أو تلك الأمارات.
стр. 1101
إحساس بعض العباد بدنو أجله
من نوادر الأمور: أن الله سبحانه قد يجعل عند بعض الأشخاص إحساساً بقدوم الوفاة، فقد جاء في بعض التراجم لـ فاطمة بنت رسول الله ﷺ أنها في يوم وفاتها بعد أن صلت العصر حضَّرت الماء، واغتسلت، ولبست ثيابها النظيفة أو الجديدة، وقالت لمن عندها: لقد اغتسلت والآن قد حضر الموت.
ثم نامت على فراشها بثيابها، وما أذن المغرب إلا وفاضت روحها.
ويذكرون أخباراً نسمعها من أناس كثيرين، يقول بعضهم: يا بني! قد حضر الأوان يا بني! إن الشمس على أطراف الجريد يعني في آخر النهار وهكذا.
وهذه أمور نوادر قد يطلع الله بعض عباده بشيء من الإحساس بشيء من الخواطر بشيء مما يكشفه لبعض العباد، وهذه أمور لا حكم لها؛ لأنها نوادر، وقد يجعلها الله إكراماً لمن شاء من عباده.
ثم قال: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) .
الروح إذا قبضت صعدت، وتبعها البصر إلى أعلى.
стр. 1102
كراهية البكاء والعويل عند الميت
قالت أم سلمة: (فضج ناس من أهله) لما رأوه يغمض بصره عرفوا أنه قد مات فضجوا، فهناك قال لهم: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) أي: لا تقولوا إلا خيراً، كما في بعض الروايات: (لا تقولوا إلا خيراً؛ فإن الملائكة تؤمن) أي: أن الملائكة تحضر عند الميت، إما ملائكة الرحمة، وإما ملائكة العذاب، عياذاً بالله! إذاً: الملائكة تحضر عند الوفاة، وتؤمن على ما يقول أهل بيته.
стр. 1103
الدعاء للميت
ثم دعا لـ أبي سلمة فقال: (اللهم اغفر لأبي سلمة) وههنا لطيفة، وهي أنه كان يمكن أن يقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ولكنه سماه باسمه فكأنه نوع من التلطف، ونوع من المواساة، بحيث أبرز الظاهر بدل الإضمار عنه، وهذا فيه شدة عناية به؛ لأنه يحب أبا سلمة.
ولا شك أن دعاء النبي ﷺ مستجاب، ولهذا قال بعض الصحابة لما دعا النبي ﷺ لميت: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت.
وذلك لمكان دعاء رسول الله ﷺ .
стр. 1104
شرح قوله ﷺ : (وارفع درجته في المهديين)
ثم قال: (وارفع درجته في المهديين) .
من هم المهديون؟ لو تأملنا قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦-٧] أي: أنعمت عليهم بالهداية، وقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] .
فالنبي ﷺ دعا لـ أبي سلمة أن يرفع الله درجته في المهديين، ليس فقط: وألحقه بهم، أو أن يكون معهم، بل أن يكون معهم في درجة رفيعة، وهذا والله هو سيد الدعاء.
وفاز بها أبو سلمة ﵁، وهو حري بذلك، ومن قرأ ترجمته في هجرته وفي حياته وجهاده عرف أنه يستحق فعلاً (وارفع درجته في المهديين) .
стр. 1105
شرح قوله ﷺ : (وأفسح له في قبره)
ثم قال: (وأفسح له في قبره) .
القبر محدود، وهو على قدر الإنسان، فكيف يفسح له فيه أو يضيق عليه؟ هذا أمر غيبي، وأمور البرزخ غيبية لا يمكن إدراك شيء منها قط.
وهناك محاولات عديدة رغبة في الاستطلاع، ولكنها باءت بالفشل.
وقد أخبر ﷺ عن القبر أنه بين أحد أمرين: إما روضة من رياض الجنة، ورياض الجنة لن تكون ضيقة بل فسيحة، وإما حفرة من حفر النار، عياذاً بالله! ولا مجال للعقل أن يتدخل في الكيفيات، لكنه يتدخل في التصور، فيتصور روضة الجنة، ويتصور حفرة النار، لكن كيف يصير القبر واحدة من هاتين؟ هنا يعجز العقل؛ لأننا نجد الموتى في المقبرة متجاورين، وهذا في نعيمه وذاك في جحيمه، عياذاً بالله! فدعاء الرسول ﷺ أن يفسح الله له في قبره يدل على أن هذا ممكن؛ لأنه لو لم يكن ممكناً لما كان لسؤاله حاجة.
وقد ذكرنا فيما سبق ما جاء عند ابن كثير في قصة العلاء بن الحضرمي، لما رجع من البحرين، وفتح الله على يديه، أصيب بعد عبور النهر، فتوفي فدفنوه في مكانه، فأتاهم أناس من أهل ذلك المكان وقالوا: إن كان صاحبكم عزيزاً عليكم فلا تتركوه في هذا القبر، فإن هذه الأرض لا تقبل الموتى، تلفظهم على وجهها!! ماذا فيها؟! والله يقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً﴾ [المرسلات:٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ [المرسلات:٢٦] ؟ فالله جعل الأرض أماً للإنسان، في حياته تطعمه وفي مماته تؤويه، وهذه الأرض خرجت عن القاعدة، فكيف أعطاها الله هذه الحالة؟ لا ندري، فقالوا: والله ما من حق ابن الحضرمي أن نتركه نهباً للسباع.
ما دامت الأرض سوف تلفظه ستأتي السباع وتأكله، ومن حقه علينا أن نكرمه، فرجعوا إلى القبر وحفروه وهم حديثو عهد به، فلما فتحوا القبر لم يجدوا فيه أحداً، ووجدوا القبر ممتداً على مرمى البصر.
وقد ذكرت لكم مصدر هذا الخبر؛ لأن الروايات التاريخية مبناها على الإثبات، وابن كثير ليس رجلاً عادياً، بل هو محدث، ومفسر، وهو سلفي، وبعيد عن الترهات.
وقد جاء في الحديث الآخر ما يتعلق بسؤال الملكين، وأنه أول ما ينزل الإنسان القبر يأتيه الملكان ويسألانه، ثم إن كان صالحاً فتحت له نافذة إلى النار، وقيل له: هذا مكانك لو لم تؤمن، ثم تغلق، وتفتح له نافذة إلى الجنة، ويقال له: هذا مكانك، ويفسح له في قبره مد البصر، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة.
فجاء الإخبار عنه ﷺ بأن القبر يفسح فيه ويضيق، وهنا يدعو النبي ﷺ لـ أبي سلمة أن يفسح الله له في قبره.
стр. 1106
شرح قوله ﷺ : (ونور له فيه)
ثم قال: (ونور له فيه) .
لا شك أن القبر مظلم، وهو أشد ظلمة من ظلمات الدنيا، لا يأتيه ضياء ولا هواء، إلا رحمة الله، وهنا يدعو النبي ﷺ لـ أبي سلمة أن ينور الله له في قبره ومن أين يأتي هذا النور؟ لا توجد شمس، والعالم كله يقول بأن الشمس هي مصدر النور، حتى القمر يقولون: يستمد ضوءه من الشمس، وقد خالف في ذلك بعض العلماء، ونحن لسنا بفلكيين في هذا الموضوع.
وقد جاء عن علي ﵁ لما رتب أمير المؤمنين عمر صلاة التراويح في المسجد جماعة، وأمر بإسراج المساجد في رمضان، فدخل علي ﵁ فقال: نور الله عليك قبرك يا ابن الخطاب كما نورت مساجدنا.
وتنوير القبر إنما هو من رحمة الله، فنحن لا ندري، وليس لنا طريق أن ندري كيف يكون نور القبر؟ إنما هو من رحمة الله بالعبد، وما دام أن قبره روضة من رياض الجنة فإن الجنة ليس فيها ظلام.
إذاً: يأتيه النور من رحمة الله وجزاءً لحسن عمله، وهو إكرام من الله مهما يكن له من عمل، وهذا النور إلى أن تقوم الساعة، ولو حسبنا كل أربعة وعشرين ساعة بدرهم لما وفى حقها، لكنها رحمة الله.
هذا هو دعاء النبي ﷺ ، ولعل في جهره صلوات الله وسلامه عليه بالدعاء ليسمعه الحاضرون فيتذكروا ويعلموا أن الإنسان أحوج إلى أن يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، وأن أخوف ما يكون عليه ضيق القبر وظلمته، كي يعمل لذلك اليوم، ويرجو في الله خيراً.
وقد جاء عن بعض السلف أنه كان يداوم على صلاة ركعتين من صلاة الأوابين، وهي كما قيل ما بين المغرب والعشاء، فكان يصليها بنية أن ينور الله عليه قبره.
ومهما يكن من شيء؛ فقد جاء الحديث يبين حالات غيبية من خصائص ذلك اليوم، وجاء القرآن ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] ، وجاء الحديث: (إن أمتي يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء) وتتمة الآية: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد:١٣] .
إذاً: الله ينير القبر للمؤمن، ويرزقه نوراً يوم القيامة، وكذلك تنور مواطن الوضوء، نسأل الله أن يرحمنا جميعاً.
стр. 1107
شرح قوله ﷺ : (واخلفه في عقبه)
ثم قال: (واخلفه في عقبه) دعا له بشخصه بالرحمة، وبسعة القبر وبنوره، فلا تحزن - أبا سلمة - فالقبر فسيح، ولا تخف فالقبر مضيء لك لا تخف فإن دعوة رسول الله لك بالرحمة مستجابة.
وأهلك وعقبك لا تخف عليهم، فإن الله يخلفك فيهم، ومن أخلفه الله في عقبه فلن يضيعوا.
ولقد خلفه الله في عقبه، نعم.
إنه تصديق للدعوة؛ فإنه لما دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة، وقال لها: (قولي: اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلفني خيراً منها، قالت في نفسها: ومن سيكون خيراً من أبي سلمة؟) ولكن امتثالاً وطاعةً قالتها، فأخلفها الله خيراً من أبي سلمة.
وإذا كان الله قد حقق بعض هذه الدعوات المباركات؛ فإنه دليل على تحقيق بقية الدعوات التي صدرت من رسول الله ﷺ لـ أبي سلمة.
стр. 1108
تعامل النبي ﷺ مع أصحابه
نظرة سريعة أيضاً في أمر أبي سلمة، لنرى الروابط والصلة الإسلامية والدينية والروحية بين سيد الخلق ﷺ وأفراد أمته: لو أن إنساناً قرأ جميع سجلات التاريخ في العالم، فلا يمكن أن يشم رائحة هذا العطف، ولا هذا التراحم، والتلاحم، بين قمة الأمة وأفرادها وآحادها، كما نجد هنا من رسول الله ﷺ .
وقد ذكرنا في عيادة المريض من مكارم أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان له خادم يهودي ذمي، وأنه مرض، فكان يذهب إليه ليزوره، ويعرض عليه الإسلام، ويكرم الله ذلك الغلام بالإسلام بعرض رسول الله عليه فمن يفعل هذا؟! أعتقد أنه لو لم يأت نص في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، ولا وصية من صحابي من أصحاب رسول الله بوجوب محبة رسول الله على النفس والمال والولد؛ لكان حرياً بذلك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] .
стр. 1109
كتاب الجنائز [٣]
من أصابته مصيبة، أو مات له قريب، فليتذكر مصابه برسول الله ﷺ ، فإنها مصيبة عظيمة، وفيها من العبر والعظات ما يذكر المرء بحقارة الدنيا.
وقد استنبط الفقهاء من حادثة موت رسول الله ﷺ كثيراً من الأحكام الشرعية في أبواب الجنازة.
ومن الأمور التي لابد للمسلم من الاهتمام بها، قضاء دينه قبل موته أو الوصية بذلك، ودين الميت تتعلق به أحكام وضح الشيخ حفظه الله كثيراً منها في هذه المادة.
стр. 1110
باب تسجية الميت
стр. 1111
شرح حديث استحباب تسجية الميت
عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي ﷺ حين توفي سجي ببرد حبرة) متفق عليه.
ننتقل إلى شرح هذا الحديث وهو إخبار أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، بأن النبي ﷺ لما قبض سجي ببرد حبرة، والتسجية هي: التغطية، بـ (برد حبرة) : هو نوع من نسج اليمن فيه خطوط، وكانت -كما يقول بعض العلماء- من أحب أنواع اللباس إلى رسول الله ﷺ .
والسنة في الميت أن يُسجى من قدمه إلى شعره، بحيث يُغطى جميعه؛ وذلك أستر له وأوقى وأحفظ، سواء سجي ببردٍ، أو سجي بقطن، أو سجي بصوف أو بأي شيء موجود -ما لم يكن الحرير؛ فإنه محرم على الرجال.
стр. 1112
شرح حديث: تقبيل أبي بكر للنبي ﷺ بعد موته
وعن عائشة: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قَبَّل النبي ﷺ بعد موته، رواه البخاري.
هذا الأثر ساقه المؤلف ﵀ في باب الأحكام، وهو يدل على جواز تقبيل الميت بعد موته، وهذا موقف تتحكم فيه العاطفة؛ لأنها أواخر لحظات الميت من أهله، والعاطفة تدفع أهل الميت لتوديع صاحبهم؛ فلا مانع أن يقبل الإنسان الميت في الموضع الذي قبل فيه النبي أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
بل في الموطن هذا -أيضاً- حديثٌ للنبي ﷺ : (أنه قبل عثمان بن مظعون وقال: أخي، وقال: ﵀ .
إلخ؛ فالنبي ﷺ فعل ذلك، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه فعل ذلك برسول الله ﷺ ، وجاءت نصوص في صفة ذلك بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبل بين عينيه ثلاثاً، وقبل رأسه ثلاثاً، إلى غير ذلك.
وهذا المشهد في الواقع لا يكفي أن يمر عليه الإنسان، ولكن لابد أن يعرف دواعي هذا التقبيل: إن النبي ﷺ لما آنس الوجع، تقول عائشة (كان ﷺ يمر بي -أي: في غير نوبتها- فيقول كلمة ينفعني الله بها -سواء مؤانسة في الدنيا، أو تنبيهاً للآخرة- فمر مرةً فلم يقل شيئاً، ومر ثانية فلم يقل شيئاً، فأخذت في نفسي؛ فقلت: يا جارية! قدمي الوسادة عند الباب، وشددت عصابة على رأسي -استدراراً للعطف- فمر فرأيته؛ فقلت: وارأساه؛ فقال: يا عائشة! وارأساه أنا، وتكلم خيراً وذهب، ثم نزل به المرض، ثم استأذن أن يكون عند عائشة رضي الله تعالى عنها) ثم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وقال في أول الأمر: (مروا من حضر للصلاة، فأمروا عمر، ولم يكن أبو بكر موجوداً، فسمع رسول الله ﷺ صوت عمر حينما كبر، فرفع الستار وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر -ثلاث مرات- ثم جاء بعد ذلك أبو بكر، وأخذ يصلي بالناس) كم صلى أبو بكر ﵁؟ خلاف: فقيل: خمس صلوات، وقيل: عشر صلوات، وقيل: عشرين صلاة، وفي يوم الإثنين في اليوم الذي قُبض فيه ﷺ قام أبو بكر يصلي صلاة الصبح، فرفع النبي ﷺ الستار، وتبسم معجباً بما يراه من انتظام المسلمين في الصلاة، نعم إنها بمثابة الثمرة لجهاد ظل ثلاثاً وعشرين سنة، من أول البعثة إلى ذلك التاريخ، وإذا بالأمة قد تقبلت الإسلام، وإذا بأصحابه قد قاموا بواجبهم على أكمل صورة.
стр. 1113
نعي النبي ﷺ في سورة النصر
في حجة الوداع نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ، وهنا لفتة بسيطة عن ترتيب السور، لو قرأ.
بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] ثم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر:١] لو تأملنا قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وجدناها تميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم، ففيهما: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢] ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] أي: كل في جانب، وبعد التميز ما كانت النتيجة يأتي نصر الله والفتح.
وتقدم مراراً ما قاله ابن عباس في تفسير سورة النصر لما سأله عمر بحضرة الشيوخ الكبار من الصحابة؛ فقال: نعي لنا فيها رسول الله ﷺ وهو بين أظهرنا، قال: وكيف ذلك؟ قال: قد جاء بالرسالة، فبلغها، وأدى الأمانة، وانتشر الإسلام، وأصبح الناس يدخلون في الدين أفواجاً، فلم يبق إلا أن يلقى ربه؛ فيجتهد في عبادته لله، ولذلك قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣] ، قال عمر: وأنا أقول ذلك.
تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: لما رفع الستار تبسم ضاحكاً استحساناً لما يفعل المسلمون، فسمع الناس ذلك، فكادوا أن تصيبهم فتنة؛ فرحاً بسماعهم صوت رسول الله ﷺ ؛ فأشار إليهم أن مكانكم، وأتموا صلاتهم، وكان آخر عهد العامة به ﷺ .
стр. 1114
موت النبي ﷺ كما روته عائشة ﵂
أما أبو بكر رضي الله تعالى عنه؛ فإنه لما صلى الصبح دخل بيت رسول الله ﷺ وقال لـ عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما أرى رسول الله ﷺ إلا بارئاً، وقال: يا رسول الله! أراك بخير والحمد لله، إن هذا اليوم يوم بنت خارجة -زوجه التي تزوجها من الأنصار- أفأذهب إليها؟ قال: نعم) وكانت زوجته ﵁ بالسنح، والسنح من العوالي، وهو في المثلث ما بين ما يسمى اليوم بمستشفى الزهراء وبلاد السديري، وبلاد الخريجي -في هذا المثلث تقع السنح- فذهب بإذن من رسول الله ﷺ ، ولكن في ضحى ذلك اليوم قُبض رسول الله ﷺ ، فجاء الخبر إلى أبي بكر فأسرع بالعودة.
وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تحكي أحداث ذلك اليوم، فتقول: مات في يومي، في بيتي، لم أظلم فيه أحداً، أي: لم يكن في نوبة واحدة أخرى وهو عندها في بيتها، مع أنه ﷺ من وفائه ومكارم أخلاقه لما اشتد به الأمر، استأذن زوجاته أن يمرض عند عائشة فأذنّ له، وكن يأتين لزيارته عندها.
وتقول: قُبض في دولتي ما ظلمت فيه أحداً، ومات بين سحري ونحري.
وتذكر قضيتها مع السواك؛ فتقول (سمعته يقول: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، ويشخص بصره إلى السماء، وقلت: والله لقد خير ولن يختارنا أبداً، وذلك أنها سمعت منه ﷺ قبل ذلك يقول: ما قبض الله نبياً إلا بعد أن خيره وأراه مصيره، فقالت: والله لقد خُير، ووالله لن يختارنا بعد ذلك أبداً؛ فعلمت أنه ميت) وهكذا ذكرت وفاته ﷺ ، ومن أراد زيادة التفصيل فليرجع إلى كتب السيرة في هذا الحدث، وأكثر من ذكر الأخبار والصور والأحداث ابن كثير في التاريخ.
стр. 1115
موقف أبي بكر الصديق ﵁ من خبر وفاة النبي ﷺ
من خبر أبي بكر رضي الله تعالى عنه -من شدة هول المصيبة على المسلمين- أنه حينما جاء إلى المسجد، ليدخل إلى حجرة عائشة وطريقها من المسجد، وجد الناس مضطربين، وعمر قائم يقول: والله ما مات رسول الله، وإنه غاب كما غاب موسى عن قومه وسيرجع، وسيقطع أيدي وأرجل رجالٍ قالوا إنه مات، ولن يموت حتى يقضي على المنافقين، فلما سمع أبو بكر ذلك ورأى تلك الحالة، ترك الناس ودخل على رسول الله ﷺ ، وفي بعض الروايات: وحوله نسوة، فخمرن وجوههن، إلا ما كان من عائشة؛ لأنها ابنته، وهذه الكلمة يستفاد منها في مسألة كون الوجه عورة أو ليس بعورة- فكشف الحبرة ونظر إليه، وقبل الرسول ﷺ بين عينيه، ثلاث مرات على الجبين والرأس إلى أن رق ورد الغطاء كما كان، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أما الميتة التي قد كتبها الله عليك فقد متها، ودعا بخير.
ثم خرج، فوجد عمر على حاله والسيف بيده، فقال: اجلس يا عمر! فلم يجلس، ثلاث مرات، فوقف عند المنبر، وقيل: صعد المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: [أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وإنا والله لعلى ما كنا عليه مع رسول الله ﷺ ، فمن بغى أو حدَّثته نفسه شيئاً لنقاتلنه كما قاتلنا مع رسول الله، ولسيوفنا بأيدينا -هذا موقف الثبات- ثم تلا قوله سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] إلى آخر السياق، فيقول عمر: هي في كتاب الله؟ والله لكأني لم أسمعها إلا اليوم، وعقرتني قدماي] أي: سقط من شدة ما سمع.
وفي هذا الموقف يقال: هل عمر ينكر الموت؟ الجواب: لا، ولكن عظم عليه المصاب في رسول الله ﷺ ، والمصيبة إذا عظمت أذهلت، وقد يتوقف العقل -كما يقولون: انشل التفكير- وعمر له نظرة بعيدة فيما يتعلق بنصرة الدين، ويرى في موت رسول الله ﷺ شدة المصاب، يقول بعض الصحابة -وأظنه أبو سعيد -: [لقد قدم رسول الله ﷺ المدينة فأنارت واستنار فيها كل شيء، وقُبض فأظلمت وأظلم منها كل شيء، والله لقد أنكرنا قلوبنا قبل أن نفيض التراب عليه] .
فلا شك أن وجوده ﷺ في أصحابه له أثر عظيم، فقد كان مرجع أصحابه في جميع أحوالهم، فهذا حنظلة يأتي ويقول (نافق حنظلة -لماذا؟ - قال: يا رسول الله نكون عندك فتذكرنا، فتخشع قلوبنا، وتذرف عيوننا، فإذا انقلبنا إلى أهلينا، وعافسنا أموالنا ذهب عنا كل ذلك، قال: ساعة فساعة، لو دمتم على ما كنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولزارتكم في بيوتكم) فلا يمكن للإنسان أن يقوى على تلك الحال.
وهذا عمر لما سمع قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ.
﴾ [آل عمران:١٤٤] قال: ما كنت أظن أنها آية من كتاب الله، وما كأني سمعتها قبل ذلك.
ذهل عنها.
ثم بعد ذلك شرعوا في تجهيزه ﷺ ، وقيل: قد بايع البعض أبا بكر في ذلك الوقت، ثم كانت سقيفة بني ساعدة، ثم كان تجهيزه ﷺ وتتمة البيعة، وهذا خبر طويل، ويهمنا أن أبا بكر ﵁ لم يكن حاضراً ساعة وفاته ﷺ ، وكان قد ذهب لزوجه، واستأذن رسول الله ﷺ حينما رآه نشطاً، وفي حالة أحسن من ذي قبل، ثم لما قدم كان منه ما ذكر لنا المؤلف ﵀ أنه قبّل رسول الله ﷺ بين عينيه.
وهنا يقول الفقهاء: إذا مات الميت، وأراد أهله أن ينظروا إلى وجهه ويقبلوه فلا يمنعون من ذلك، وخاصة من كان غائباً فحضر، فهذا مشروع من فعله ﷺ ومما فعله أبو بكر برسول الله ﷺ .
стр. 1116
باب نفس المؤمن معلقة بدينه
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) رواه أحمد والترمذي وحسنه.
بعد أن بين المؤلف رحمه الله تعالى حق الميت عند احتضاره من تلقينه لا إله إلا الله، وإغماض بصره، وجواز تقبيله، وقد يذكر بعض الناس استقباله إلى القبلة، أي: جعل قدميه إلى القبلة، ومنهم من ينكر ذلك، إلى آخر هذا مما ينبغي أن يعمل للميت في شخصه وذاته انتقل المؤلف ﵀ إلى حقوقه، وما ينبغي للأحياء بالنسبة لميتهم، فجاء بهذا الحديث، وهو أنه ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة في دينه)
стр. 1117
الخلاف في النفس
فقوله: (نفس المؤمن) يحتار العلماء في مدلول النفس، فمثلاً: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧] ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] أهو البدن أم البدن مع الروح؟ الله تعالى أعلم، وقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر:٢٧-٢٨] هل ترجع الروح والبدن أم الروح فقط؟ وكذلك السؤال، العذاب، النعيم هل هي للروح فقط، أم للروح والبدن؟ تجدون الكلام في هذا كثير، ولكن الذي يعنينا هنا أن المؤمن مرهون بدينه، والتعبير بالنفس ليشمل الروح، وأما البدن فقد يفنى، ولكن الله يجمعه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤] .
والرجل الذي أوصى أهله إن هو مات أن يحرقوه، ثم يسحقوه، ثم يأتون به في يوم شديد الريح، وعلى حافة البحر فيذرونه في الهواء، فجمع الله جسده، وقال له: ما حملك على هذا؟ قال: يا رب! خوفاً من عذابك، قال: قد غفرت لك، فمهما تنقص الأرض من أجسادهم يجمعها الله، نحن نعلم شخص المؤمن بروحه وببدنه، ولكن النقاش قائم فيما يتعلق بعذاب القبر وفي نعيمه إلى أن تقوم الساعة، أعني: هل هو للروح أم للبدن، ما عدا الشهداء والأنبياء؛ لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا تأكل الأرض أجسادهم، وحياتهم في قبورهم فوق مستوى الإدراك، وقد جاء عنه ﷺ ليلة الإسراء والمعراج أنه لقي جميع الأنبياء، بل أكثر من هذا: مر على موسى وهو قائمٌ يصلي في القبر الذي هو ذارع في ذراع! أي أنه وسع له في قبره! ثم إذا به يلقاه مع الرسل في بيت المقدس، ثم لقيه في السماء السادسة حينما عرج به، فهل عنده براق آخر وبأي صفة بروحه فقط وبدنه؟! كان قائماً يصلي ببدنه أمور لا دخل للعقول فيها، وهذا خصوصية المؤمن؛ أن لديه علوماً كثيرة جداً لا يمكن أن يصل إليها غيره؛ لأنها تأتيه عن الله بالوحي.
في هذا المسجد، وفي هذه الروضة أيام وقعة الحرة سنة ستين من الهجرة، خلت المدينة، وتعطل الأذان والصلاة ثلاثة أيام في هذا المسجد خوفاً من الجيش الغازي، إلا سعيد بن المسيب فإنه ما خرج ولا هرب، ولا ترك المسجد، وكان يأتي وحده، ويجلس بجوار الحجرة الشريفة في الروضة، فيسمع الأذان من الحجرة في الأوقات الخمسة، فمن الذي كان يؤذن هناك بلال هاجر إلى الشام، وأكرر وأقول: لا تحاول أن تسمح للعقل أن يتحكم في هذا ويكفيك أن تؤمن وتسلم لذلك، ولما انتهت الأزمة ورجع الناس، وأذن المؤذن في المسجد اختفى الصوت.
إذاً: هذه أمور لا يعلمها إلا الله ، فنفس المؤمن مرهونة، وهذا عام لا يخرج منه أحد، حتى المجاهد في سبيل الله يكون شهيداً لكنه محبوس.
стр. 1118
الحث على قضاء الدين وعدم التهاون به
وجاء عنه ﷺ : (أن رجلاً سأله عن الشهادة وما تكفر من الذنوب فقال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ قال: نعم، إن قتلت وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر.
ثم قال رسول الله ﷺ : كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال: نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين؛ فإن جبريل قال لي ذلك) فلو تأملنا يا إخوان! لوجدنا أن الدنيا بكاملها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فمؤمن يكون مديناً لمؤمن آخر بعشرة دراهم، أو درهمين، أو درهم، يحبس فيها؟! يا سبحان الله! إذا كان الأمر كذلك فينبغي على المؤمن أن يتحرى، وأن يفك نفسه قبل أن يحتاج إلى من يفكه، وإن كان عاجزاً أوصى.
وتقدم لنا أيضاً صلاته ﷺ على الموتى في أول الأمر، وسؤاله عن الميت فإن كان عليه دين، قال لأهله: (صلوا عليه) حتى جيء بميت وقالوا: عليه ديناران، فقال أبو قتادة: هما عليَّ، وتأكد منه ﷺ فلما تحملها أبو قتادة صلى عليه النبي ﵊.
الحقوق المتعلقة بتركة الميت خمسة، حق الميت في تجهيز كفنه وما يلزم لذلك حتى يدفن حقوق دينية، وتنقسم إلى: دين للعبد، ودين لله ، وسواء كان دين العبد موثقاً برهن أو غير موثق، فعند الشافعي ﵀ يقدم على كل شيء سداد دينه، حتى يقدم على تجهيزه، وتجهيزه يكون من بيت مال المسلمين، وذلك لأنه لو كان في الحياة معدماً ليس معه ما يأكل، فنفقته من بيت مال المسلمين.
وقال أحمد: يقدم تجهيزه؛ لأنه أحق بنفسه، كما لو كان مفلساً فللغرماء بيع ما عنده ولكن تترك له ثيابه.
إذاً: قضاء الدين أحق، قال به الشافعي، ابدأ بنفسك قال به أحمد، إلى غير ذلك، ثم تأتي بقية الحقوق من وصية وميراث.
فيبادر بسداد دينه قبل تجهيزه عند الشافعي، وإذا كان المال موجوداً فباتفاق الجميع لا نجعله مرهوناً بدينه بل ينادى في الناس: من كان له حق عند فلان فليتكلم، وهذا الذي ينبغي على أولياء الميت أن يبادروا به ليفكوه.
وقضاء الدين له شواهد كثيرة تؤكد أهميته، فهذا ثابت بن قيس خرج في غزوة كان يقودها خالد بن الوليد، فجاء إلى رجل وأيقظه من النوم، قال: يا فلان! أنا فلان فاسمع مني، إن فلاناً مر عليَّ وقد خلع عني درعي، فوضعه في آخر المعسكر، ووضع عليه برمة، وعلى البرمة رحله، فمر خالداً فليأخذ درعي من عنده، وإذا جئت إلى المدينة فأخبر أبا بكر رضي الله تعالى عنه أن لفلان عندي عشرة دراهم في قرن، وعبدي فلان عتيق، فجاء الرجل إلى خالد وأخبره، فدعا الرجل الذي سماه وقال: أين رحلك؟ قال: في مكان كذا، فأرسل خالد رجلاً من الحاضرين وقال: اذهب إلى رحل فلان وانظر ماذا تحته، فذهب فوجد الدرع، فجاء به، فقال خالد: هذه قرينة، فكتب إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه: لقد حدث كذا وكذا، فاستدعى أبو بكر ﵁ الرجل وسأله: ألك دين عند فلان؟ قال: بيني وبينه الله، وقد سامحته فيه، قال: أخبرنا ما هو؟ فأخبره أنه عشرة دراهم، فأمر بسدادها حالاً، ثم دعا العبد فأعتقه.
يقول ابن القيم ﵀ في كتاب الروح: وهذا من فقه أبي بكر عنه؛ أن أنفذ وصية الميت لما رأى من القرينة.
وهكذا أيها الإخوة! ينبغي على الإنسان أن يعنى بنفسه وأن يتخلص من دينه أولاً وقبل كل شيء، فإذا لم يكن عنده سداد وجب عليه أن يكتب، وهذا من دواعي كون الوصية واجبة، فإنها تكون واجبة، وتكون مندوبة، فحين تكون هناك ودائع، كديون ليس فيها سندات، ولا صكوك، ولا شهود، فعليه أن يكتب ذلك ليتولى أهله إنفاذها.
стр. 1119
كتاب الجنائز [٤]
من إكرام الميت أن يغسل بعد موته، فلا يدخل قبره إلا طيباً، وهذا التغسيل واجب على الأحياء بالقدر الذي يطهر به بدن الميت، ويكون على الصفة الواردة في السنة في الرجل أو المرأة.
стр. 1120
غسل الميت المحرم
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في الذي سقط عن راحلته فمات (اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبيه) متفق عليه.
стр. 1121
حكم الغسل والتطيب وتخمير الرأس لمن مات محرماً
يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب -كتاب الجنائز- أن رجلاً سقط عن راحلته فوقصته فمات، فقال ﷺ (غسلوه وكفنوه ولا تخمروه ولا تحنطوه وكفنوه في ثوبين) والرواية الأخرى: (في ثوبيه) .
هذا الحديث يسوقه المؤلف رحمه الله تعالى من قصة مشهورة، ذلك أن هذا الرجل كان محرماً وواقفاً بعرفات، فسقط عن راحلته، فوقصته راحلته -أي: رمحته- فمات وهو محرم، فأمر النبي ﷺ أن يعامل معاملة الموتى بأن يغسل ويكفن، ثم نهى عن إلحاق هذا المحرم بعامة الموتى، وألا يقرب بما لا يجوز للمحرم من جانب الطيب وتخمير الرأس، واستدلوا على أن الوجه من الرأس؛ لأن بعضهم يذكر: (ولا تخمروا رأسه ووجهه) والخلاف في ذلك عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا نام وهو محرم خمر وجهه، والجمهور على أنه لا يخمر الرأس ولا الوجه، فقد جاء في الحديث: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) وهذه التتمة تبين العلة في سبب النهي عن تغطية الرأس، وكذلك النهي عن الطِيب كما ينبغي التنبيه في الوقت الحاضر على ما يقع من حوادث السيارات -عافانا الله وإياكم- لبعض الحجاج، أو المعتمرين، وينتج عن ذلك الوفاة، فنجد البعض يجهز هذا الميت المحرم، ثم يكفنه ويغطي الرأس ويحنطه كما يحنط الموتى، وهذا لا ينبغي؛ لأن من مات قبل أن يقضي نسكه فإنه يعامل معاملة المحرم الحي، من حيث اجتناب الطيب، وعدم تغطية الرأس.
وقال بعض العلماء: إن هذه إكرامية للمحرم، مثلما أن الشهيد لا يغسل ولا يذهب عنه الدم؛ لأنه يكون شهادةً له عند الله؛ كما جاء في الحديث: (يبعث يوم القيامة، اللون لون الدم والريح ريح المسك) فقالوا كذلك من مات متلبساً بعبادة فإنه يبعث يوم القيامة عليه أثر تلك العبادة، والله تعالى أعلم.
إذاً من مات وهو محرم يغسل ويكفن.
стр. 1122
صفة الكفن لمن مات محرماً
قال في الحديث: (وكفنوه في ثوبيه) بالإضافة إليه، والمحرم ثوباه الإزار والرداء، فبدأ المؤلف أيضاً ليبين بأنه يمكن الاكتفاء في الكفن بثوبين، وكلمة (ثوب) هنا مجاز، ولكن قالوا: هذا لباس المحرم، ويكفن فيهما ما دام يمكن ستره في ذلك من قدمه إلى رقبته.
وجاء في رواية أخرى: (في ثوبين) وروايتان: (في ثوبين) ، (وفي ثوبيه) لا مغايرة بينهما، ولكن (ثوبيه) إشعار بأنه يكفن في هذا اللباس الذي خالط جزءاً من تلك العبادة، فهو أولى من ثوب جديد لم يشارك في تلك العبادة بشيء، كما في وصية أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن يكفن في ثوبه، ويؤتى بثوبين آخرين ويكفن فيها، فقالوا: ربما أوصى بذلك لخصوصيةٍ في هذا الثوب، إما أن يكون قد شهد العبادات معه، وإما أنه كان قد أعطاه إياه رسول الله ﷺ فيكون تبركاً، أو غير ذلك على ما سيأتي الكلام عنده.
ويستدل أيضاً بقوله: (بثوبيه) أنه كفن في ثوبين ليس فيها قميص، ولا عمامة، كما جاء عن أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميصٌ ولا عمامة، وسيأتي الكلام عليه، (ليس فيها) أي: ليس في العدد ثلاث وتكون العمامة والقميص زيادة عن الثلاث، ولكن ليست معدودة فيها، أو ليست فيها بالكلية، فلم يعمم ولم يلبس قميصاً، بل في ثلاثة أثواب.
وسيأتي بيان الكفن في ثلاثة أثواب أو في أكثر من ذلك عند النصوص الأخرى إن شاء الله، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1123
المحرم الميت يبعث ملبياً يوم القيامة
في الحديث أن هذا الميت قد مات وهو متلبس بهذه العبادة، فإذا بعث يوم القيامة بُعث ملبياً، وفي ذلك إشعار بأنه إظهار لعمله يكون ذلك كرامةً له، وامتداداً لعمله في الدنيا، ويكون في ذلك إمتاعاً له بأنه يلبي كما كان يلبي في الدنيا.
وقد يقول قائل: التلبية عبادة، والعبادة تكليف، والآخرة ليست فيها عبادة ولا تكليف، فكيف يلبي؟ ويجاب عن ذلك: أن الله قد أعطى أهل الجنة في الجنة ما تشتهيه الأنفس، فلو أن إنساناً في الجنة اشتهى أن يصلي ركعتين فإن الله يعطيه الصلاة؛ لأنه من توابع إرضائه وإكرامه لعبده، ولو أن إنساناً تمنى أو اشتهى أن يقرأ القرآن فإن الله يعطيه أيضاً قراءة القرآن، وقد يؤيد ذلك ما جاء في الحديث: (يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق) (اقرأ) (ارق) هذا تكليف، لكن الغرض منه ليس القراءة، ولكن إلى حيث ينتهي في قراءته ينتهي رقيه في درجاته في الجنة.
إذاً قد تكون هناك قراءة قرآن أو صلاة في الجنة، لا على التكليف بالثواب والعقاب في الامتناع، ولكن تتمةً أو إرضاءً أو إكراماً أو تحقيقاً لما تشتهيه الأنفس، حتى قال بعض العلماء: لو اشتهى الفلاحون أن يزرعوا لمكَّنهم الله من أن يزرعوا ويحصدوا.
إلى غير ذلك من الأقوال.
إذاً المحرم يبعث يوم القيامة ملبياً إكراماً له وإتماماً لعمله وقد يكون إرضاءً له فيما تشتهيه نفسه أن يكمل نسكه، وإن كانت بقية المناسك قد انتهت، وليس هناك مكانٌ لها.
والله تعالى أعلم.
стр. 1124
تغسيل رسول الله بعدما قبض
стр. 1125
اختلاف الصحابة في تجريده من ثيابه أثناء غسله ﵇
وعن عائشة ﵂ قالت: (لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ قالوا: والله ما ندري نجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا أم لا؟ الحديث) رواه أحمد وأبو داود.
يأتي بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها بأنهم لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ -أي بعدما قُبض ﷺ وأخبرتنا رضي الله تعالى عنها بأنه خُير فقال: (إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى) فالصحابة عندما أرادوا أن يغسلِّوا رسول الله ﷺ ، ترددوا فيما بينهم، فهم يعلمون من حالة الموتى أن يجردوا من الثياب ويغسلوا، وتقدم أن النبي ﷺ سجي ببرد حبرة -والتسجية: التغطية من الرأس إلى الظفر- والتسجية عادةً تكون بعد تجريد الميت من ثيابه العادية، ولكن رسول الله ﷺ لم يجردوه في تلك الحالة، بل سجي مع ثيابه.
والصحابة يعلمون أن من حالات الموتى عموماً أن يجردوا ويغسلوا، ومع التجريد يجعل على العورة ما يسترها، وكان الحاضرون من ذوي القرابة المعروفون بالأمانة، ... إلخ، فتهيبوا أن يجردوا رسول الله ﷺ .
هل سنة نبينا كسنة بقية الموتى في التجريد والتغسيل، فنغسله كما نغسل الموتى؟ إن كان الغسل للنظافة فهو أنظف الناس، وإن كان للطهارة فهو أطهر الخلق، وإن إلخ، أم ماذا؟ هل له خصوصية؟ فترددوا؛ لأنه ليس عندهم سنة في ذلك ولم يسبق لها نظائر، ولم يسبق لهم من سمع من رسول الله ﷺ شيئاً يخبرهم به.
والواقع -يا إخوان- أنه وقع للصحابة رضوان الله تعالى عليهم في ذلك اليوم اختلافٌ وترددٌ في ثلاث حالات: الحالة الأولى: عندما اختلف الصحابة في تجريد الرسول من ملابسه فجاءهم الحل كما يقول الحديث: (فألقى الله على الحاضرين جميعاً النعاس، ولم يبق أحد منهم إلا وذقنه في حجره -ناموا جميعاً، سبحان الله! - ثم سمعوا من يخاطبهم من جانب البيت ولا يعلمون من هو) هل نستطيع أن نفسر هذا أم لا نستطيع؟ لا شك أنه ملكٌ أرسله الله يخبرهم، فسمعوا من يقول لهم ولم يعلموا من هو: (غسلوا رسول الله ولا تجردوه) كان من الممكن أن يعفى من التغسيل كما يعفى الشهداء؛ لأن الشهيد لا يغسل، وهو سيدهم وإمامهم، ولكن لما التبس الأمر جاء بالأمرين: الغسل، وعدم التجريد: (غسلوا رسول الله ﷺ ولا تجردوه) فغسل ﷺ من فوق القميص، والمغسل يحرك يده فوق القميص، وغسله علي، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد، وكان العباس حاضراً ولم يشارك، وهؤلاء خاصته وآل بيته، فغسل صلوات الله وسلامه عليه من فوق القميص دون أن يجردوه، هذه واحدة.
следующие страницы →