← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

حكم الغسل والتطيب وتخمير الرأس لمن مات محرماً يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب -كتاب الجنائز- أن رجلاً سقط عن راحلته فوقصته فمات، فقال ﷺ (غسلوه وكفنوه ولا تخمروه ولا تحنطوه وكفنوه في ثوبين) والرواية الأخرى: (في ثوبيه) . هذا الحديث يسوقه المؤلف رحمه الله تعالى من قصة مشهورة، ذلك أن هذا الرجل كان محرماً وواقفاً بعرفات، فسقط عن راحلته، فوقصته راحلته -أي: رمحته- فمات وهو محرم، فأمر النبي ﷺ أن يعامل معاملة الموتى بأن يغسل ويكفن، ثم نهى عن إلحاق هذا المحرم بعامة الموتى، وألا يقرب بما لا يجوز للمحرم من جانب الطيب وتخمير الرأس، واستدلوا على أن الوجه من الرأس؛ لأن بعضهم يذكر: (ولا تخمروا رأسه ووجهه) والخلاف في ذلك عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا نام وهو محرم خمر وجهه، والجمهور على أنه لا يخمر الرأس ولا الوجه، فقد جاء في الحديث: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) وهذه التتمة تبين العلة في سبب النهي عن تغطية الرأس، وكذلك النهي عن الطِيب كما ينبغي التنبيه في الوقت الحاضر على ما يقع من حوادث السيارات -عافانا الله وإياكم- لبعض الحجاج، أو المعتمرين، وينتج عن ذلك الوفاة، فنجد البعض يجهز هذا الميت المحرم، ثم يكفنه ويغطي الرأس ويحنطه كما يحنط الموتى، وهذا لا ينبغي؛ لأن من مات قبل أن يقضي نسكه فإنه يعامل معاملة المحرم الحي، من حيث اجتناب الطيب، وعدم تغطية الرأس. وقال بعض العلماء: إن هذه إكرامية للمحرم، مثلما أن الشهيد لا يغسل ولا يذهب عنه الدم؛ لأنه يكون شهادةً له عند الله؛ كما جاء في الحديث: (يبعث يوم القيامة، اللون لون الدم والريح ريح المسك) فقالوا كذلك من مات متلبساً بعبادة فإنه يبعث يوم القيامة عليه أثر تلك العبادة، والله تعالى أعلم. إذاً من مات وهو محرم يغسل ويكفن.

стр. 1122

صفة الكفن لمن مات محرماً قال في الحديث: (وكفنوه في ثوبيه) بالإضافة إليه، والمحرم ثوباه الإزار والرداء، فبدأ المؤلف أيضاً ليبين بأنه يمكن الاكتفاء في الكفن بثوبين، وكلمة (ثوب) هنا مجاز، ولكن قالوا: هذا لباس المحرم، ويكفن فيهما ما دام يمكن ستره في ذلك من قدمه إلى رقبته. وجاء في رواية أخرى: (في ثوبين) وروايتان: (في ثوبين) ، (وفي ثوبيه) لا مغايرة بينهما، ولكن (ثوبيه) إشعار بأنه يكفن في هذا اللباس الذي خالط جزءاً من تلك العبادة، فهو أولى من ثوب جديد لم يشارك في تلك العبادة بشيء، كما في وصية أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن يكفن في ثوبه، ويؤتى بثوبين آخرين ويكفن فيها، فقالوا: ربما أوصى بذلك لخصوصيةٍ في هذا الثوب، إما أن يكون قد شهد العبادات معه، وإما أنه كان قد أعطاه إياه رسول الله ﷺ فيكون تبركاً، أو غير ذلك على ما سيأتي الكلام عنده. ويستدل أيضاً بقوله: (بثوبيه) أنه كفن في ثوبين ليس فيها قميص، ولا عمامة، كما جاء عن أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميصٌ ولا عمامة، وسيأتي الكلام عليه، (ليس فيها) أي: ليس في العدد ثلاث وتكون العمامة والقميص زيادة عن الثلاث، ولكن ليست معدودة فيها، أو ليست فيها بالكلية، فلم يعمم ولم يلبس قميصاً، بل في ثلاثة أثواب. وسيأتي بيان الكفن في ثلاثة أثواب أو في أكثر من ذلك عند النصوص الأخرى إن شاء الله، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1123

المحرم الميت يبعث ملبياً يوم القيامة في الحديث أن هذا الميت قد مات وهو متلبس بهذه العبادة، فإذا بعث يوم القيامة بُعث ملبياً، وفي ذلك إشعار بأنه إظهار لعمله يكون ذلك كرامةً له، وامتداداً لعمله في الدنيا، ويكون في ذلك إمتاعاً له بأنه يلبي كما كان يلبي في الدنيا. وقد يقول قائل: التلبية عبادة، والعبادة تكليف، والآخرة ليست فيها عبادة ولا تكليف، فكيف يلبي؟ ويجاب عن ذلك: أن الله قد أعطى أهل الجنة في الجنة ما تشتهيه الأنفس، فلو أن إنساناً في الجنة اشتهى أن يصلي ركعتين فإن الله يعطيه الصلاة؛ لأنه من توابع إرضائه وإكرامه لعبده، ولو أن إنساناً تمنى أو اشتهى أن يقرأ القرآن فإن الله يعطيه أيضاً قراءة القرآن، وقد يؤيد ذلك ما جاء في الحديث: (يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق) (اقرأ) (ارق) هذا تكليف، لكن الغرض منه ليس القراءة، ولكن إلى حيث ينتهي في قراءته ينتهي رقيه في درجاته في الجنة. إذاً قد تكون هناك قراءة قرآن أو صلاة في الجنة، لا على التكليف بالثواب والعقاب في الامتناع، ولكن تتمةً أو إرضاءً أو إكراماً أو تحقيقاً لما تشتهيه الأنفس، حتى قال بعض العلماء: لو اشتهى الفلاحون أن يزرعوا لمكَّنهم الله من أن يزرعوا ويحصدوا. إلى غير ذلك من الأقوال. إذاً المحرم يبعث يوم القيامة ملبياً إكراماً له وإتماماً لعمله وقد يكون إرضاءً له فيما تشتهيه نفسه أن يكمل نسكه، وإن كانت بقية المناسك قد انتهت، وليس هناك مكانٌ لها. والله تعالى أعلم.

стр. 1124

تغسيل رسول الله بعدما قبض

стр. 1125

اختلاف الصحابة في تجريده من ثيابه أثناء غسله ﵇ وعن عائشة ﵂ قالت: (لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ قالوا: والله ما ندري نجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا أم لا؟ الحديث) رواه أحمد وأبو داود. يأتي بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها بأنهم لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ -أي بعدما قُبض ﷺ وأخبرتنا رضي الله تعالى عنها بأنه خُير فقال: (إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى) فالصحابة عندما أرادوا أن يغسلِّوا رسول الله ﷺ ، ترددوا فيما بينهم، فهم يعلمون من حالة الموتى أن يجردوا من الثياب ويغسلوا، وتقدم أن النبي ﷺ سجي ببرد حبرة -والتسجية: التغطية من الرأس إلى الظفر- والتسجية عادةً تكون بعد تجريد الميت من ثيابه العادية، ولكن رسول الله ﷺ لم يجردوه في تلك الحالة، بل سجي مع ثيابه. والصحابة يعلمون أن من حالات الموتى عموماً أن يجردوا ويغسلوا، ومع التجريد يجعل على العورة ما يسترها، وكان الحاضرون من ذوي القرابة المعروفون بالأمانة، ... إلخ، فتهيبوا أن يجردوا رسول الله ﷺ . هل سنة نبينا كسنة بقية الموتى في التجريد والتغسيل، فنغسله كما نغسل الموتى؟ إن كان الغسل للنظافة فهو أنظف الناس، وإن كان للطهارة فهو أطهر الخلق، وإن إلخ، أم ماذا؟ هل له خصوصية؟ فترددوا؛ لأنه ليس عندهم سنة في ذلك ولم يسبق لها نظائر، ولم يسبق لهم من سمع من رسول الله ﷺ شيئاً يخبرهم به. والواقع -يا إخوان- أنه وقع للصحابة رضوان الله تعالى عليهم في ذلك اليوم اختلافٌ وترددٌ في ثلاث حالات: الحالة الأولى: عندما اختلف الصحابة في تجريد الرسول من ملابسه فجاءهم الحل كما يقول الحديث: (فألقى الله على الحاضرين جميعاً النعاس، ولم يبق أحد منهم إلا وذقنه في حجره -ناموا جميعاً، سبحان الله! - ثم سمعوا من يخاطبهم من جانب البيت ولا يعلمون من هو) هل نستطيع أن نفسر هذا أم لا نستطيع؟ لا شك أنه ملكٌ أرسله الله يخبرهم، فسمعوا من يقول لهم ولم يعلموا من هو: (غسلوا رسول الله ولا تجردوه) كان من الممكن أن يعفى من التغسيل كما يعفى الشهداء؛ لأن الشهيد لا يغسل، وهو سيدهم وإمامهم، ولكن لما التبس الأمر جاء بالأمرين: الغسل، وعدم التجريد: (غسلوا رسول الله ﷺ ولا تجردوه) فغسل ﷺ من فوق القميص، والمغسل يحرك يده فوق القميص، وغسله علي، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد، وكان العباس حاضراً ولم يشارك، وهؤلاء خاصته وآل بيته، فغسل صلوات الله وسلامه عليه من فوق القميص دون أن يجردوه، هذه واحدة.

стр. 1126

اختلاف الصحابة في موضع دفنه ﵇ الحالة الثانية: لما أرادوا مكان القبر قالوا: أين ندفن رسول الله؟ هل نرده إلى مسقط رأسه مكة عند إسماعيل، أو نرده إلى الشام عند أبيه إبراهيم، أو نرفعه إلى مقبرة موتى المسلمين في البقيع، أم ماذا نفعل؟ حتى قال الصديق ﵁: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض الله روح نبي إلا في المكان الذي يدفن فيه) يعني: إذا أريد دفنه لا ينقل من مكان موته إلى مكان آخر؛ لأن الله اختار له المكان الذي يدفن فيه ويقبض روحه فيه، فعزموا على أن يدفن في مكانه الذي قبض فيه وهو حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها.

стр. 1127

اختلاف الصحابة في نوع دفنه ﵇ الحالة الثالثة: عرفنا كيفية الغسل، وتعين مكان الدفن، بقي نوع الدفن، وكان في المدينة طريقتان: طريقة الشق، وطريقة اللحد. والشق هو: أن يحفر وينزل بعمق في الأرض إلى مستوى -كما يقولون- صدر الرجل العادي، فيوضع الميت في هذا الشق، ويبنى عليه باللبن على هيئة العقود? ثم يهال التراب فوق تلك اللبنات. أما اللحد: فبعد أن ينزلوا بالحفر إلى المستوى المطلوب يأتون إلى أحد الجانبين في القبر -وغالباً يوضع الميت على شقه الأيمن ما بين الغرب والشرق في المدينة والقبلة أمامه- فيحفرون من جانب القبر الشمالي بقدر ما يسع جسم الميت، ويدخلونه تحت هذا اللحد المائل، وإذا ما أدخلوه في هذا اللحد وصار مسامتاً لحافة القبر في الشق، سدوا هذا اللحد باللبن، وأصبح الشق خالياً والميت تحت الأرض من جهة ما ألحدوا له، ثم أهالوا التراب في الحفرة على ما كان. وهنا قالوا: ماذا نفعل لرسول الله ﷺ ، أنشق له شقاً، أم نلحد له لحداً؟ لأن الحالتين كانتا موجودتين في المدينة، بعد أن فكروا في هذا -وليس عندهم أيضاً خبر يقفون عليه ليعملوا بمقتضاه- قالوا: أرسلوا رسولاً للذي يشق ويدفن في الشق، وأرسلوا رسولاً للذي يلحد ويدفن في اللحد، أيهما جاء أولاً يبدأ في الحفر، فجاء صاحب اللحد، فلحدوا لرسول الله ﷺ .

стр. 1128

تعيين مكان قبره ﵇ وإلى هنا -أيها الإخوة- يكاد يكون إجماع الإجماع -يعني فوق الإجماع بإجماعٍ آخر- تعيين مكان قبره ﷺ ، ولذا يقال: لا يُعلم على سبيل الجزم على وجه الأرض قبرٌ معين بذاته سوى قبر النبي ﷺ ، وجميع الأنبياء وجميع الرسل لا يُعلم بالتحديد، قد يقال: هذا قبر الخليل، وهذا قبر يوسف، وهذا قبر فلان، وهذا قبر كذا، لكن على سبيل التعيين لا على سبيل اليقين، بخلاف قبره ﷺ فهو على التحديد يقيناً في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها. ثم جاء الصديق رضي الله تعالى عنه، وجاء الفاروق رضي الله تعالى عنه وعُينت أيضاً مواقع القبرين الشريفين من قبره ﷺ ، من أن قبر أبي بكر خلف النبي ﷺ ، وينزل إلى جهة الشرق بحيث يكون رأس أبي بكر عند كتف النبي ﷺ ، وجاء عمر وراء أبي بكر ووضع رأس عمر تحت كتف أبي بكر بقليل. وضعوا بهذا الترتيب حتى لا يكونوا على قدم المساواة، وبهذا تتعين هذه القبور الثلاثة يقيناً جزماً بدون أي ريبٍ ولا شك.

стр. 1129

حكم تغسيل الميت يهمنا في موضوع الباب: أنهم عندما سمعوا من يقول لهم (غسلوه ولا تجردوه) فأصبح الغسل هنا واجباً، وهو فرض كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وقد نجد من يورد بأن الغسل سنة وليس بواجب، ولكن كما قال بعض العلماء: إذا لم يكن واجباً فلماذا هو سنة؟ قالوا: للتطهير والتنظيف -على ما سيأتي (وجعلنا فيه سدراً وكافوراً) ولكن يقول بعضهم: إذا كان سيد الطاهرين، وسيد الطيبين قد غسل ما قيمة الكلام والخلاف في ذلك؟ إذاً: غسل الميت واجبٌ وهو فرضٌ كفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.

стр. 1130

أولى الناس بتغسيل الميت من أولى الناس بتغسيل الميت: نجد هناك من يقول: إن كان قد أوصى بأن يغسله شخصٌ بعينه لا مانع، والفكرة العامة أن يكون أولى الناس به آمنهم وأتقاهم؛ لأن الميت بين يديه أمانة، وقد يوجد من الميت ما لا يحب الميت لو كان حياً أن يرى منه، فينبغي على من يغسل الميت أن يكون أميناً لا يفشي سر الميت، وهذا لا يكون إلا ممن كان أولى الناس به. ومن الناحية التكليفية، أو ناحية الجواز قالوا: أولى الناس بتغسيل الميت الزوجان أحدهما للآخر، الزوج يغسل زوجته، والزوجة تغسل زوجها، على خلاف عند الأحناف، وأما الحنابلة فقالوا: هو يغسلها وهي لا تغسله؛ لأنها لو قدر بأنها في الحياة وفارقها فإنها في العدة، وفي العدة تكون تابعة للزوجية، والآخرون قالوا: العكس، والأحناف قالوا: إنه بالموت انقطعت الصلة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة نقلية وعقلية. أما انقطاع الصلة فليس بصحيح؛ لأن الميراث عقب الوفاة بصلة الزوجية، ولأنه جاء عنه ﷺ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (رجع النبي ﷺ من جنازة بالبقيع فمر عليَّ فقلت: وارأساه، قال: بل أنا يا عائشة وارأساه، وماذا عليكِ لو مت قبلي فقمتُ عليكِ فغسلتكِ وكفنتكِ وصليتُ عليكِ ودفنتكِ) فهذا نصٌ صحيح صريح في أنه ﷺ يغسل زوجه، وجاء عنها رضي الله تعالى عنها قالت: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله إلا نساؤه) . وجاء عن أسماء بنت عميس زوج أبي بكر رضي الله تعالى عنهما لما توفي وغسلته هي وخرجت على الناس في يومٍ شديد البرد فقالت: (ماذا ترون، هل عليَّ من غسلٍ وقد غسلت أبا بكر؟ قالوا: لا. ليس بواجبٍ عليكِ) وقد جاء في ذلك حديث متكلم فيه: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) فـ أسماء أخبرت بأنها غسلت زوجها، وهذه أم المؤمنين تقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله إلا زوجاته) وهو ﷺ يقول لـ عائشة (وماذا عليكِ لو متِ قبلي وقمتُ عليكِ فغسلتكِ وكفنتكِ وصليتُ عليكِ) فهذا منه ﷺ لزوجه. إذاً: غسل رسول الله ﷺ وتولى غسله خواص آل بيته. ابنا عمه علي رضي الله تعالى عنه، والفضل، وأسامة حِب رسول الله ﷺ وابن حبه، والعباس عمه كان حاضراً، ولهذا قالوا: يغسل الميت أولى الناس به، وإذا لم يكن من أهل الميت من يحسن تغسيل الميت؛ لأنه في بعض البلاد لا تجد في القرية بكاملها من يحسن تغسيل الميت إلا شخصاً واحداً أو شخصين، والبقية لو مات عندهم ميت لا يعرفون كيف يغسلونه، وهذه من المشاكل. إذاً: يتعين على كل مسلم ما دام أنه واجب كفائي أن يتعلم تغسيل الميت؛ لأنه قد يصادف أنك تجد ميتاً فيكون متعين عليك أنت غسله، أو كان هناك ميت ولا أحد يحسن التغسيل، فكن أنت متعلماً عارفاً، وعلى هذا سيأتي بيان كيفية تغسيل الميت في تغسيل ابنة رسول الله ﷺ .

стр. 1131

باب كيفية غسل الميت .

стр. 1132

عدد غسلات الميت وعن أم عطية ﵂ قالت (دخل علينا النبي ﷺ ، ونحن نغسل ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك بماءٍ وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور) يأتي المؤلف ﵀ -بعدما قدم لنا ما يتعلق بسيد الخلق ﷺ في غسله وعدم تجريده- بما يتعلق بغسل عامة المسلمين، ويأتي بحديث أم عطية رضي الله تعالى عنها، قالت: (دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته) . فهل معنى قولها: (دخل علينا) أي: عندها، ينظر إليها وهي تغسل؟! لا، بل معنى (دخل علينا) يعني البيت الذي نحن فيه، فقال لهن: (اغسلنها -كم؟ - ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً إن رأيتن ذلك) وهي بعض الروايات أو أكثرها، وهي دليل بعض العلماء حيث يقول: السنة في تغسيل الميت هو تغسيله ثلاثاً، وهذه السنة في الطهارة للحي، وسنة الوضوء التثليث، وجاء عنه ﷺ : (أنه توضأ فغسل مرةً مرة -غسل كفيه مرة، وتمضمض مرة، واستنشق مرة، وغسل وجهه مرة، ويده اليمنى مرة... وهكذا- وقال: هذا الوضوء الذي لا يقبل الله صلاةً بدونه. -فلا يصح الوضوء بأقل من مرة- ثم توضأ فغسل مرتين مرتين، ثم قال: هذا وضوء الأنبياء قبلي، ثم توضأ وغسل ثلاثة، فقال: هذه سنتي) فتثليث الغسل في الوضوء وغسل الجنابة بأن يفرغ الماء عليه ثلاث مرات -على ما جاء في تفسير الغسل فيبدأ بما ينبغي إزالته، ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن ثم الأيسر... إلخ ثلاث مرات. وهنا قال لـ أم عطية ومن معها: (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً) . يقول بعض العلماء: خمسة أو سبعة تكريم أو أفضلية أو موجب، قالوا: لقد قال ﷺ : (إن رأيتن) ، كأن الزيادة عن الثلاث مرهونة برأي من يتولى التغسيل، على ما يطرأ له حتى يزيد، المهم أن يكون الغسل وتراً: ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً، قالوا: إذا غسلوا الميت ثلاثاً ثم كان في حالة ربما خرج منه شيء يحتاج إلى غسل؛ فيعيدون الغسل ويزيدون رابعاً وخامساً؛ فإذا انتهوا ثم رأوا شيئاً آخر، ورأوا أن يزيدوا في الغسل إكراماً للميت وأداءً للواجب، زادوا غسله وتراً بحيث تصير سبعاً... وهكذا، لقوله: (إن رأيتن ذلك) .

стр. 1133

الحد الأدنى للغسل إذاً: الحد الأدنى كما يقول بعض العلماء: ما يؤدي الواجب غسله وهو واحدة، ولكن النبي ﷺ قال هنا (اغسلنها ثلاثاً) فنقول: ثلاثاً، وجعل الزيادة عن الثلاث لرأي الذين يقومون بعملية الغسل، إذا اقتضى حال الميت أن يزاد في غسله مرة أو مرتين زيادة عن الثلاث إلى خمس أو سبع، ولا يزيدون عن السبع كما يقول البعض، ثم بعد ذلك يتولون ويدبرون أمرهم بما يمكن عمله. وللعلماء والفقهاء تفصيلات فمن أراد الاستزادة فليرجع لها في كتب الفقه. واستعمال الطين الحلو، والقطن، والكافور. إلى غير ذلك في تلك المواطن.

стр. 1134

مادة السدر وحكم قلع شجرها ثم قال ﷺ (واجعلن فيه سدراً) السدر: هو شجر النبق، والمراد بالسدر الورق، وهنا تكلم الفقهاء عن حكم الماء الذي خلط بالسدر، وكيف نعمل بالسدر؟ فبعضهم قال: يفرك باليد حتى يكسر، وبعضهم قال: يدق، وبعضهم قال: يجعل في الماء ويخبط خبطاً شديداً، والسدر من طبيعته أن يخرج رغوة، وهو من أدوات التنظيف، وبعضهم يقول: السدر فيه بركة، وجاء عند ابن ماجة النهي عن قلع شجرة السدر، إلى غير ذلك.

стр. 1135

بعض خصائص السدر ذكر ابن القيم ﵀ في باب فك السحر أن من أخذ عن زوجه أو ظهر به سحرٌ فليأخذ سبع ورقات من سدرٍ ويدقها بين حجرين، ثم يجعلها في ماء ويخبطها ويغتسل به، ثم يكرر ذلك من ثلاث إلى سبع وسوف يفك الله عنه السحر. إذاً: للسدر خصائص.

стр. 1136

هل الماء المخلوط بسدر يجزئ في الوضوء ؟ وأما كلام الفقهاء عن جعل السدر في الماء، أي: الماء إذا كان مخالطاً هل يرفع حدثاً؟ أو أنه يصبح متغيراً طاهراً غير طهور؟ ويقولون في الماء الطهور: هو ما بقي على خلقته في لونه وطعمه وريحه، ونحب أن نقول للإخوان بأن أوراق السدر لا يغير صفة من صفات الماء، لا ريح له، ولا طعم فيه، ولا لون.

стр. 1137

قاعدة حول تغير الماء بالمجاورة أو المخالطة إذاً فالسدر من المجاور لا المخالط، والفقهاء عندهم قاعدة: إذا تغير الماء بمجاور فلا يسلب الماء حكم الطهورية، وإذا تغير بمخالط سلبه، ومثال هذه المجاورة: لو أن هناك -كما يقولون- غديراً صغيراً وعليه أشجار، فتساقط ورق الشجر فيه، فتعفن، هذا الورق لم يخالط الماء ولم يمتزج بذرات قطرات الماء، ولكنه بجواره فتغير برائحته، قالوا: هذا متغير بمجاور وليس بمخالط فلا يسلبه الطهورية. وقالوا كذلك في النفط، لو وقع القاز في الماء فلا يسلبه الطهورية، وكذلك لو وقع الأزفلت، وكذلك الكافور، فإنه لا يذوب في الماء، وجميع الزيوت لا تذوب في الماء، إنما تكون على وجهه، أو في جانب من جوانبه، ولا تمتزج بالماء أبداً، إلا بطريقة معينة يعرفها أهل الاختصاص في الصيدلة لها طريق خاص، فعلى هذا قالوا: الماء المتغير بمجاور لا يسلبه الطهورية. إذاً: النقاش في كون السدر في الماء عند غسل الميت يسلبه الطهورية ويجعل الغسل للنظافة لا محل له أبداً, فسيد الخلق ﷺ أنظف الناس، وقد غسل على تلك الحال. وهناك من يقول: الأمر تعبدي؛ لأننا لا ندري ما الحكمة، وكونه يقول (اجعلن في الأخيرة كافوراً) لماذا خص الكافور بالأخيرة؟ الآن له رائحة؟ ورائحته نفاذة قوية، كما يقولون: عطر طيار يطير في الهواء، لو تركت قطعة دهن الكافور معراة للهواء فإنك بعد فترة لا تحصلها، مثل (النفثالين) الذي يضعونه لحفظ الصوف، لو تركته لتبخر مع الهواء، فيقول بعض العلماء: إنما جعل في الأخيرة بعد أن استوفى الغسل المشروع بغسلات ماء طهور. وبعضهم يقول: لأن الكافور له خصوصية تتناسب مع حالة الميت، منها: أنه يلين الجلد، ومنها: أنه يحفظ الجلد من التأثر، ومنها: أن رائحته لا تقوى عليها الحشرات، فلو تأخر دفن الميت وقد جعل في تغسيله كافور فلا تقربه الحشرات، لا نمل ولا ذر ولا شيء يقترب منه؛ لأن رائحة الكافور تطردها. إلى غير ذلك من التعليلات التي من أجلها جعل الكافور في غسل الميت وفي الغسلة الأخيرة. والله تعالى أعلم.

стр. 1138

نقض شعر الميت إذا كان له ظفائر ثم قالت (ثم ظفرنا شعرها ثلاثة قرون) وفي بعض الروايات (فنقضنا شعرها) أي: أنه كان مظفوراً، وصار شعراً مرسلاً، وبعد أن غسِّل وسرِّح ورجِّل ظفرنه ثلاث ظفائر. فهنا يقول العلماء: إذا كان الميت رجلاً أو امرأة وله شعر مظفر -بعض أهل البادية قد يعنى بشعره- وكان له ظفيرتان كظفيرتي المرأة، أو ظفيرة واحدة، فإذا كان للمرأة شعرٌ مسترسل ومظفر نقض، ومن المعلوم أنه في غسل المرأة من الجنابة لا تنقض المظفور، بل تجمعه بين كفيها وتضغطه حتى يتخلل الماء بين الشعر، أما في غسل الحيض فإنها تنقضه. وهنا تقول أم عطية رضي الله تعالى عنها: (فنقضنا شعرها) . إذاً: غسل الميت آكد من غسل الجنابة؛ لأن نقض الشعر لا يكون في غسل الجنابة، ولكن يكون في غسل الحيض.

стр. 1139

تظفير شعر المرأة بعد غسلها ثم بعد ذلك ظفرنه، وهذا يذكرونه خلافاً للأحناف الذين يقولون: إنه لا يظفَّر بعد الغسل، ويلقى على وضعه الطبيعي من جوانبها، أو من خلفها، أو من أمامها؛ حتى ولو على وجهها، ويقولون: هذا فعل صحابية ولا نص عليه من رسول الله، ولكن يقال: لم ينكر رسول الله ﷺ عليها، وكذلك الحاضرات ما أنكرن عليها، وإذا كان الأمر يدور بين اجتهاد شخصٍ عادي، وبين فعل صحابية أو صحابيات، فالأولى الأخذ بقول الصحابية أو الصحابيات، كما هو معلوم عند الأصوليين، أن قول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف فهو أصل يتبع. والله تعالى أعلم.

стр. 1140

استحباب البداية في غسل الميت بالميامن ومواضع الوضوء وقال في الحديث (ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها) التيامن مطلوب في كل شيء، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي تعالى عنها (أنه ﷺ كان يعجبه التيامن في كل شيء) فكان يتيامن في لبس النعلين، ويتيامن في لبس القميص فيدخل يده اليمنى، ويتيامن في أول نومه فينام على شقه الأيمن، ويتيامن في أكله الطعام وتناول الشراب بيده اليمنى، ثم قالت (وفي شأنه كله) وهنا قال ﷺ (ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها) وهذه سنة -أيضاً- في غسل الجنابة والحيض، فقد تقدم معنا في باب الغسل أن الإنسان لا يفيض الماء على جسمه مرة واحدة، ولكن يبدأ -كما في غسل الجنابة- بغسل فرجه، ثم يضرب يده بالتراب في الأرض، ثم يتوضأ، وجاء في بعض الروايات (وضوءه للصلاة) وجاء في بعض الروايات: ويؤخر غسل قدميه حتى ينتهي من إفاضة الماء، ثم يتحول من مكانه الذي هو فيه إلى مكان آخر؛ فيغسل قدميه. إذاً: الوضوء مقدمةٌ للغسل، فهنا أمرهن أن يوضئنها، أي: يبدأن في تغسيلها بالوضوء، وعند الغسل يبدأن بالميامن، ثم يكملن الغسل على ما بين لهن، ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر، قال: (إن رأيتن ذلك) . ثم قال (فإذا فرغتن فآذنني) من آذن يؤذن، والإذن كله راجع في اللغة إلى مادة الأذن؛ لأن اللغة أول ما توضع توضع للمحسوسات المادية، ثم تنقل إلى المعنويات. قالت (فلما فرغنا آذناه، حقوه) أي: الإزار الذي على الحقو، والحقو هكذا، محل عقد الإزار، ثم قال (أشعرنها به) وهذا منه ﷺ عطفاً عليها، وشفقة بها، والتماساً لبركته معها؛ لأن هذا الحقو قد خالطه، وقد يكون مس من عرقه أو غير ذلك. إلخ، على ما سيأتي في أمر بن أبي، وهذه ابنته رضي الله تعالى عنها زينب، وعطفه على ابنته لا شك فيه، ففعلن وأشعرنها، أي: اللباس يكون قسمين: شعارٌ ودثار، كما جاء في حديث الأنصار لما رجعوا من فتح مكة، وقسم النبي ﷺ الغنائم، وأعطى المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئاً، فبلغته مقالة؛ فجمعهم، ثم قال (ما مقالة بلغتني عنكم يا معشر الأنصار؟! أتأخذون عليَّ في لعاعة من الدنيا أتألف بها قلوب أقوامٍ، إني لأعطي أقواماً أتألفهم على الإسلام، وأترك أقواماً لما وقر في قلوبهم من الإيمان، والله يا معشر الأنصار! لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، الأنصار شعار، والناس دثار، لو سلك الناس وادياً وطريقاً، وسلك الأنصار وادياً وطريقاً، لسلكت وادي الأنصار وطريقها) فقوله ﷺ : (الأنصار شعار) . الشعار: هو الثوب الذي يلاصق شعر الجلد على الإنسان، والدثار هو ما يتدثر به فوق الثياب، كالمشلح، أو العباية، أو البالطوا، أو أي شيء آخر، هذا دثار يتدثر به، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] أي: المتغطي، والدثار هو الغطاء فوق اللباس. فأشعرنها إياه، وكما أشرنا أن هذا من رحمته ﷺ وشفقته ورغبته في إنالة ابنته البركة.

стр. 1141

كتاب الجنائز [٥] من الآداب الشرعية الواجبة على الأحياء للميت تكفينه في أثواب تستره، على تفصيل فيما يكون للرجل وما يكون للمرأة، مع استحباب أن تكون بيضاء واسعة بدون مغالاة ولا مباهاة.

стр. 1142

كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض

стр. 1143

صفة كفن رسول الله ﷺ وعن عائشة ﵂ قالت (كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة) متفق عليه.

стр. 1144

الفرق بين الثوب والقميص هذا شروع من المؤلف في بيان كيفية الكفن للميت، وبدأ ببيان كفن النبي ﷺ ، وجاء بحديث أعرف الناس بذلك، وهي أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت (كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة) ثلاثة أثواب ثم بعد ذلك تقول: (ليس فيها قميص) مما يدل على أن المراد بالثوب هو اللفافة التي يلف فيها الميت، والقميص هو ما كان مخيط الطرفين، أي: لو جئت بطرفٍ من القماش على ما هو معروف الآن، القماش الأبيض عرضه -كما يقال: ياردة (تسعون سنتيمتراً) ، أو عرضه متر، وأخذت منه بقدر طول الإنسان مرتين، أي: أخذت ثلاثة أمتار وثنيت طرفيها معاً ثم جئت في الوسط حيث ثنيت وفتحت فتحة تُدخل الرأس، فأدخلت رأسك -وأنت إنسان على قيد الحياة- وصار النصف أمامك والنصف وراءك، إذا خطت الطرفين من اليمين والطرفين من اليسار، وتركت موضع اليدين سمي قميصاً، فإذا لم يكن مخيطاً لا يسمى قميصاً، فالقميص هو ما كان مخيط الطرفين. والأثواب: يمكن أن يقال في كل قطعة من لباس المحرم، -الإزار والرداء- أنه ثوب، كما تقدم لنا في الحديث في الرجل الذي سقط عن راحلته فوقصته فقال ﷺ : (كفنوه في ثوبيه) وثوباه وهو محرم هما عبارة عن الإزار والرداء، أما ما يطلق الآن على الثوب الذي يلبسه عموم الناس فهذا اصطلاح آخر. قميص طويل، وعند بعض الناس قميص قصير قميص نصف كم قميص كم كامل، فالقميص لغة هو ما كان مخيط الطرفين، وأصبح محيطاً بالجسم بالخياطة.

стр. 1145

كيفية تكفين الميت وهنا الثلاثة الأثواب التي تقول عنها أم المؤمنين ﵂ ليس فيها مخيط، لا قميص ولا سروال ولا شيء من ذلك، كيف تكون الثلاثة الأثواب. يقول ابن قدامة في المغني: يؤتى بالثلاثة الأثواب بعد أن ينتهى من تغسيل الميت، ومما ينبغي التنبيه عليه أن يغسل الميت على شيء مرتفع، لا على الأرض مباشرة، فإذا ما غسل جفف أو نشف، وكذلك يحسن ألا يغسل تحت السماء في الكشف مباشرة، بل يكون تحت سقف في غرفة أو في صالة، وإذا لم يكن ففي خيمة، وإذا لم يكن ظلل بغطاء يحجب بينه وبين السماء، فلا يكون مكشوفاً إلى السماء مباشرة، فإذا ما غُسِّل -على طريقة الغسل التي لها تفصيلات عديدة لم نذكرها، وهي مدونة في كتب الفقه- وانتهوا من تغسيله، نشفوه، فإذا ما انتهوا من تنشيفه، وكان المكان الذي هو عليه مبللاً بسبب الغسل، فإنه يوضع في مكان آخر أو يفرش له فراش في الأرض، ويؤتى بالثلاثة الأثواب، فإن كانت متفاضلة -أي: بعضها أفضل من بعض في الجودة- يجعل الأفضل منها أولاً، ثم يؤتى بالثاني فوقه، ثم يؤتى بالثالث فوقه، فتكون الأثواب الثلاثة قد رصَّت على المكان الذي ينقل إليه، أو على فراش على الأرض، وكل واحد من الثلاثة يسمى ثوباً. فينقل الميت من موضع غسله، إلى هذه الأثواب الثلاثة، فتؤخذ اللفافة الأولى -أي: الثوب الأول الذي هو ثالث الأثواب من جهة الأخذ- فيثنى عليه الطرفان، فما كان في جهة اليمين، يؤتى به إلى اليسار، وما كان في اليسار يؤتى به إلى اليمين، ويصبح ملفوفاً في الثوب الأول، ثم يجعل فوق هذا الثوب الأول حنوط وطيب وكافور، ثم يؤخذ الثوب الثاني أي الوسط فيفعل به كذلك أيضاً، القسم الذي إلى اليمين يجعل إلى اليسار، والقسم الذي على اليسار يجعل إلى اليمين، وتكون تلك الأثواب الثلاثة زائدة عن طول الميت تتجاوز القدمين وتتجاوز الرأس، ويكون الجزء المتجاوز للرأس أطول من الجزء المتجاوز للقدمين، فلو جعلنا زيادة على القدمين عشرين سنتيمتراً، نجعل أربعين سنتيمتراً من جهة الرأس، ونأتي أيضاً بالحنوط ونجعله على اللفافة الثانية الذي هو الثوب الوسط، ثم يؤتى باللفافة الثالثة وهي الأخيرة وتكون أفضلها وأحسنها أي موضع تجملٍ للكفن، وقد جاء عنه ﷺ (من كفن أخاه فليحسن تكفينه) وجاء في هذا (من كفن مسلماً كان كمن كساه إلى يوم القيامة) وعلى هذا يؤخذ الثوب الثالث الذي هو الأخير، ويفعل به كذلك ويلف على الميت الطرف الأيمن يرفع ويجعل إلى اليسار، والطرف الأيسر يرفع ويجعل إلى جهة اليمين. إلى الآن أصبح الميت مندرجاً في ثلاثة أثواب، يؤتى بعد ذلك إلى جهة القدمين فتجمع تلك الزوائد بعضها فوق بعض، وقيل: تربط، وقيل: تلف، ثم توضع تحت القدمين، وكذلك من جهة الرأس، تجمع تلك الزوائد بعضها فوق بعض، وتلف من عند الرأس، وتثنى تحت رأسه، أو تربط حتى لا تنفك، حينما يحمل وحينما ينزل في القبر، وحينما يوضع على شقه الأيمن في اللحد، هذه كيفية تكفين الميت في الأثواب الثلاثة.

стр. 1146

تفصيل الروايات في كفن الرسول ﷺ وهذا هو أصح الروايات في تكفينه ﷺ ، وهو أعدل الأقوال وأفضلها عند الجمهور، وقد اتفقوا على أنه عند الحاجة إذا اقتصر على لفافةٍ واحدة على هذا الوضع وسترته من رأسه إلى ظُفر قدمه أجزأت، يعني: أقل المجزء في الكفن ما يستره، والثلاثة هي أقل الكمال، وبعضهم قال هي نهاية الكمال، أي الأفضل. وكما يقول العلماء، لا ينبغي لأحد أن يزيد في الكفن على كفن النبي ﷺ ، وهناك روايات جاءت في كفنه ﷺ سوى ذلك ولم تسلم من مقالات. ستجدون في كتب الحديث وفي حديث عائشة هنا (. ثلاثة أثواب سحولية من كرسف) الكرسف: القطن، سحولية: نسبة إلى قرية، وهي ثياب بيض، وهذا صفة الكفن أو أثواب الكفن وأنها من القطن. قولها هنا: (ليس فيها قميص ولا عمامة) يقولون ليس فيها: يعني في العدد، فهي ثلاثة فقط من غير أن نحسب القميص والعمامة، فيكون القميص والعمامة موجودين لكن ما عدتهم، أو ليس فيها: في جنسها، ولم يتجاوز الكفن الثلاثة الأثواب، والجمهور على أن ظاهر اللفظ ليس فيها -أي في الأثواب الثلاثة- قميص ولا عمامة، يعني ليس قميص وعمامة يكملان العدد، لا. بل القميص والعمامة منفية الوجود بالفعل. وسيأتي في بعض الروايات: (كُفِّن في قميصه الذي مات فيه) وفي روايات أخرى: (كفن في حلة حبرة) وفي بعض الروايات: (كفن في حلة لـ عبد الرحمن بن أبي بكر) ولكن أم المؤمنين عائشة ﵂ تبين لنا تلك الروايات. أما موضوع القميص فقالوا: إنه جرد عنه، أي بعد ما غسل وسجي، وبعضهم يقول: موجود، والبعض الآخر يقول: أما الحلة فإن عائشة ﵂ قالت (لقد جيء بالحلة فردوها) إذاً: عند الكفن جيء بالحلة لتجعل في كفنه، ولكن الذين قاموا بتكفينه ﷺ ردوها، ولم يجعلوها في الكفن، وفي بعض الروايات: (فنشفوه بها، ثم ردوها) إذاً أم المؤمنين عائشة ﵂ تبين قضية الحلة فيما يتعلق بالكفن وأنها فعلاً جيء بها، ولكن لم تكن في الكفن؛ لأنهم ردوها ولم يكفنوه فيها. وهناك من يقول أن النبي كفن في سبعة أثواب: الثلاثة الأثواب التي في حديث عائشة، والقميص الذي مات فيه، والعمامة والحلة، والحلة من قطعتين، إذاً: مع هذه الروايات ومع توضيح أم المؤمنين عائشة ﵂ في خبر الحلة نعلم بأنه ما كان الكفن إلا ثلاثة أثواب. والذين يقولون بالقميص، يقولون: تجعل اللفافات اثنتين، ويؤتى بدل الثالثة التي هي الأولى أي التي تكون في الأعلى، والتي تكون كما وصفنا من القماش طول الإنسان مرتين، ويجعل فتحة في وسطه عند الثنية، ويدخل فيها الرأس ويثنى عليه طرفاها، كما يثنى الثوب على التفصيل المتقدم. ومن يضيف السروال، يقول: يؤتى أيضاً بقطعتين من القماش، ولكن يفتح كما تلك الفتحة ويدخل من الرجلين إلى الحقو، ويكون طرفا القماش واحدة تلف على الساق اليمني والأخرى تلف على الساق اليسرى دون أن تجعل مثل الكم للرجل، أي: لا يوجد خياطة، فعلى هذا الجمهور يقولون: (لا ينبغي التعمق ولا التزيد في الكفن ولا المغالاة) وكما ثبت في أصح الروايات في كفن النبي ﷺ ، الثلاثة الأثواب السحولية البيض التي ذكرتها أم المؤمنين ﵂.

стр. 1147

كفن المرأة والصغير بقي فيما يتعلق بالصغير والمرأة: قالوا: الصغير أي لفافة يلف فيها تجزئه، والمرأة يزاد فيها القميص والمقنعة، والخمار وثالث يلف على وسطها ويربط، فتكون في خمسة: الثلاثة الأثواب المذكورة، والخمار على رأسها وشعرها ووجهها، والثالث في وسطها يشد ويلف عليها، حفظاً لها وصيانة، هذا ما يتعلق بموضوع الكفن.

стр. 1148

حكم المغالاة في الكفن واتفقوا على أنه لا يجوز المغالاة في نوعية القماش، فلا نذهب إلى القماش الفاخر الغالي الذي صفته كذا، ونقول إكراماً للميت واعزازاً، لا. فكل ميت ليس أكرم من رسول الله على الله، ويكفي أنه كفن في هذه الثلاثة الأثواب البيض السحولية كما قالت أم المؤمنين عائشة. هناك اجتهادات للفقهاء ﵏، في نوعية الثياب، على ما سيأتي التنبيه عليه عند ذكر كفن أبي بكر ﵁.

стр. 1149

التبرك بثياب العبادة واتخاذها كفناً قالوا: لو أن إنساناً، تخير ثوباً يكون لكفنه من الثياب المعتادة، سواء أكان إزاراً ورداء أو قميصاً يلبسه، ثم لبسه ليصلي فيه عدة صلوات، ثم خلعه وركنه ليكون كفنه، وتكون صلاته فيه من باب التبرك ويشهد له، سئل أحمد ﵀ عن ذلك قال: (لا بأس) وكذلك ما سيأتي عنه ﷺ أنه أعطى قميصه لـ عبد الله بن عبد الله بن أبي من أجل أن يكفن فيه والده، هذا من سبيل التبرك أو على ما سيأتي العلة مع ابن أبي بأنه كان قد كسى العباس قميصاً حينما جيء به أسيراً من بدر، سيأتي الكلام عليه في محله. لكن قالوا: لو أن الإنسان اختار ثوباً لكفنه وعمل فيه من القربات، ثم كفن فيه لذلك فلا مانع. وقد كان كثير من الحجاج قديماً يأتي بكفنه معه من بلده، وذلك لشدة الخوف وعدم الأمان فإذا مات في الطريق كان كفنه معه، وبعضهم كان إذا كتب الله له السلامة يغسله بماء زمزم، ويأخذه معه ويبقيه ليكفن فيه بعد أن غسل بماء زمزم، يفعلون ذلك للتبرك، وقد أقر النبي ﷺ بعض الحالات، من ذلك ما ذكر عنه صلوات الله وسلامه عليه، أنه في يوم بارد شديد البرد، أهديت إليه شملة، مثل الرداء على كتفيه، فقال رجل من الحاضرين (اكسنيها يا رسول الله! فأخذها وأعطاها إياه، فقالوا له بعد ما ذهب النبي: تطلبها من رسول الله وأنت تعلم أنه في حاجتها وتعلم أنه لا يرد سائلاً؟ قال: والله ما طلبتها إلا لتكون كفني) أي ليكفن فيها، وعلى هذا لا مانع أن يتخذ الإنسان الثوب في العبادة. ونعلم أيضاً ما كان في معتقد الجاهلية بقياس العكس، قبل الإسلام كانوا إذا أراد الإنسان أن يطوف وهو محرم، يعتقدون بأن الثياب التي عليهم، شاركت وحضرت ما ارتكبوا من الآثام من سفك الدماء وأكل الحرام وو إلخ، فيعتقدون بأن من أراد أن يخرج من ذنوبه، يجب أن يفارق هذا الثوب عند الطواف؛ لأن الثوب قد دُنس بتلك الذنوب، فكانوا يطوفون عراة، إلا من كان عنده سعة، فيشتري ثوباً جديداً لم يلبس ولم يدنس بمعصية، فيطوف به، فإذا انتهى من طوافه، خلعه وجعله عند الكعبة، وكان لسدنة البيت، أو يأتي إلى شخص من سدنة البيت ويستعير منه ثوباً يطوف فيه، بناءً على أن سدنة البيت لا يرتكبون الذنوب فثيابهم طاهرة، إذاً كانوا يعتقدون بأن ملابسة الشر في الثوب تؤثر عليه، وكانوا يعتقدون بأن الثوب الذي لم يشارك في معصية، يكون أولى بطوافه، فما بالك إذا كان يشارك في الطاعة، نحن نذكر ذلك من تأثير المعتقدات في أثر الثياب الذي يشهد الخير والذي يشهد الشر. وعلى هذا ما ذكر عن أحمد رحمه الله تعالى حينما سئل عن الرجل يلبس الثياب ليصلي فيه ثم يجعله كفناً له، قال: لا بأس، لكن لا يطيل اللبس حتى يدنسه، أي يوسخه. لا؛ لأن السنة أن يكفن الإنسان في ثوبين أبيضين جديدين أو نظيفين غسيلين، كما يتعلق بالإحرام، فما ينبغي أن يبدأ إحرامه في ثياب مدنسة، إما أن تكون جديدة نقية، وإما أن يحتفظ به ويغسله ويحرم فيه كل سنة، فلا مانع في ذلك، هذا ما يتعلق بنوعية الكفن، والسنة فيه الاقتداء بالنبي ﷺ فخير الهدي هدي محمد ﷺ . هذا والله أعلم.

стр. 1150

باب تكفين الميت بغير قميصه .

стр. 1151

حكم تكفين الميت في قميص غيره وعن ابن عمر ﵄ قال (لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فقال: ائتني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه إياه) متفق عليه.

стр. 1152

تعريف موجز بعبد الله بن أبي بن سلول ومواقفه قصة هذا القميص وعبد الله بن أبي بن سلول طويلة، ولكن أقول بإيجاز: عبد الله بن أبي بن سلول هو رئيس المنافقين، وكان أشد الناس على رسول الله ﷺ ، ويبين لنا خبره سعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة (ركب النبي ﷺ ومر على مجلس فيه عبد الله بن سلول، وفيه جماعة من المسلمين، وجماعة من المشركين، وجماعة من جماعة ابن أبي، فلما مر من هناك عرض عليهم القرآن، فقال ابن أبي: يا هذا! والله إنه لكلام حسن لو كان حقاً، الزم رحلك، ومن أتاك فاقرأه عليه، فقال ابن رواحة: لا يا رسول الله! بل اغشنا به في مجالسنا وائتنا واقرأه علينا، فإنا والله نحبه، فتلاحى ابن رواحة ومن معه من المسلمين، وابن أبي وجماعته والمشركون وغيرهم، حتى أخذ ﷺ يسكت في القوم ويهدئهم خشية الفتنة. ثم مضى ﷺ حتى جاء إلى سعد بن عبادة، فقال: ألا ترى ما فعل أبو الحباب؟! -كناه- قال: ماذا فعل؟ فأخبره بما قال، وقال: يا رسول الله! اعذره؛ -وتأمل معي هذا الكلام! - فإنك جئت بما أعطاك الله من الحق، وكانوا قد اجتمعوا على أن يتوجوه عليهم ملكاً، ففات عليه ما كان يريد بالحق الذي جئت به) انظروا -يا إخواني- كيف تكون مراعاة النواحي النفسية، فبعد أن أساء إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين، نجد هذا الصحابي الأنصاري الجليل يعتذر عنه. كان قبل أيام على وشك أن يُنصَّبُ ملكاً، فَسُلِبَ ملكه، فهو بهذا لا يحتمل شيئاً بل هو قد فاته الملك بمجيء هذا الدين. إذن: كان موقفه موقفاً حرجاً في ذاته وفي شخصه. ثم أسلم إسلام النفاق وهو باقٍ على دينه، يكيد للإسلام والمسلمين. وهو صاحب المقالة الشنيعة التي قيلت في عودتهم من غزوة بني المصطلق، حينما نزل المسلمون عند ماء، وتلاحى غلام لـ عمر رضي الله تعالى عنه وغلام للأنصار على الماء، فغلب غلام عمر غلام الأنصار، فقال غلام الأنصار: يا للأنصار! وقال الآخر: يا للمهاجرين! فبلغت المقالة ابن أبي فقال: أوفعلوها؟!! والله! ما نحن وإياهم إلا كمثل القائل: سمِّن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، غلام الأنصار سمع هذه فذهب إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) فشغل الناس بأنفسهم، وحان وقت القيلولة -الوقت الذي ينامون ويرتاحون فيه- وواصل السير إلى الليل وإلى الغد، فقالوا: هذه حالة من رسول الله غير عادية، ما الذي حمله على ذلك؟ فعلموا ما قاله ابن أبي، فذهبوا يعنفونه، فعلم أن الخبر وصل إلى رسول الله ﷺ ، فجاء يعتذر: يا رسول الله! سمعت أنه بلغك أني قلت كذا وكذا والله ما قلت، هذا كلام كذب، ما قلت، الغلام يكذب عليَّ، يقول الغلام: والله كدت أن تنشق بي الأرض أن أكذَّب، فنزل القرآن بذلك: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا. ﴾ [المنافقون:٨] إلى آخره. وهنا يقول الأصوليون: قضية القول بالموجب وهي قاعدة أصولية ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] لم يقولوا من هو الأعز ولم يقولوا من هو الأذل، لكن يزعمون العزة لمن؟ لأنفسهم، بصفتهم أصحاب الأرض وأصحاب المال، فنزل القرآن: (يقولون) ثم جاء القرآن وقلب عليهم القضية، وميز من هو الأعز ومن هو الأذل حقيقة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] يبقى من هو الذي سيخرج الثاني؟ بمقتضى مقالتهم جاء الحكم عليهم، فجاء الوحي وصدق الخبر.

стр. 1153

مواقف عبد الله بن عبد الله بن أبي المشرفة عبد الله بن عبد الله صحابي جليل، وكان من أبر الأبناء بآبائهم -على نفاق أبيه- وكان براً بأبويه، لما حصلت هذه المقالة -وهي ليست بهينة- حينما وصلوا إلى المدينة جاء عبد الله ابن رئيس المنافقين ووقف على باب المدينة، واستلَّ السيف حتى وصل أبوه، فمسك بزمام راحلته وقال: [والله لا تدخلنَّها حتى يأذن لك رسول الله، وتعلم أنك أنت الأذل وأن العزة لله ولرسوله] من الذي وقف لهذا المنافق؟ ولده. بلغ الخبر رسول الله أن عبد الله منع أباه أن يدخل، قال (مروه فليأذن له فليدخل) فدخل بإذن من رسول الله، وهذه تكفي، ملك الأمس يرده ولده حتى يعلم أنه الأذل وأن العزة لغيره، لمن؟ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] . بعد فترة -وأنتم تعلمون أن مثل هذا ليس بسهل، ولا يمر بسلام، بل لا بد أن تكون له بقايا- أشيع -والشائعات دائماً تزيد المسألة قليلاً- أشيع بأن رسول الله ﷺ سيقتل ابن أبي لمقالته، هذه الإشاعة بلغت عبد الله ولده، ماذا يفعل، وهو أبر الناس بأبيه، أبوه يقتل غداًَ أيمنع أمر رسول الله أم ماذا يصنع؟ أمر محرج له جداً!! فأتى إلى رسول الله ﷺ وقال (يا رسول الله! بلغني -أو علمت، أو سمعت- أنك قاتل ابن أبي -لم يقل: أبي، حتى لا يقول أنه جاء يستعطف، من هو ابن أبي؟ - إن كنت فاعلاً لا محالة -يعني لست عافياً عنه- مرني أنا آتيك برأسه -قتل أبيه مصيبة، وأن يكون بيده مصيبة أكبر، فماذا فعل رسول الله إزاء هذه الشائعات- قال: لا يا عبد الله! دعه) وتركه ولم يقتله، هذا الولد مع أبيه في موقفه في منعه من دخول المدينة حتى يقر ويعرف، يعني: حطم التاج الموهوم الذي كان يتخيله في ذهنه، وأوقفه على باب المدينة، ثم بعد ذلك هاهو مستعد بأن ينفذ أمر القتل لو صدر، أي مكافأة تكون لهذا الابن لو فعل ذلك؟ ماذا تقولون أينصب ملكاً بدلاً عن أبيه؟ لم يعد هناك ملك، الأمر لله ولرسوله ﷺ ، هنا كان الرسول ﷺ يراعي خاطر عبد الله في أبيه، أما أبوه فهو الذي رجع بثلث الجيش في غزوة أحد.

стр. 1154

تكفين رئيس المنافقين في قميص رسول الله ﷺ وسبب ذلك إذاً: مواقف الأب لا نقول: إنها ليست مشرفة! لكنها مخزية، ولكن مواقف ولده مشرفة، من هنا لما مات أبوه جاء وقال (يا رسول الله! أعلم أن قميصك لن ينفعه إذ لم يكن مؤمناً، ولن يضرك إذا أعطيته إياه -انظر العقيدة!! - ولكن أعطنيه حتى لا تكون سُبَّةً علينا مدى الدهر) انظروا السياسة!! ماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ قال: لا هذا كان وكان، وهذا رجع بثلث الجيش، وهذا وهذا، هل عدد له مفاسده، أو أخطاءه؟ لا أبداً، بل رحب بذلك الطلب وأعطاه قميصه. وقيل: كان لرسول الله ﷺ قميصان فقال (أعطني القميص الذي هو شعارك -ليس الذي فوق بل الذي تحت- فخلعه ﷺ وأعطاه إياه، وذهب وكفنه فيه) هنا بعض الناس يقول: وهل بركة رسول الله ﷺ تنفع المنافق؟ وبعض الناس يقول: ما حابى عبد الله في أبيه المنافق، إنما كان يرد جميلاً، كان ابن أبي حينما جيء بأسارى بدر وفيهم العباس عم رسول الله ﷺ ، وكان العباس وضيئاً وجسيماً، وكذلك ابن أبي، يقولون كان طويلاً وضخماً، يعني: هيئة الملك موجودة فيه، فكسا العباس من ثيابه، فالرسول كافأ ابن أبي على ذلك القميص، يعني: ما كافأه إلا في ذلك الوقت؟! لو كانت مكافأة كانت في وقتها، بعد الغنائم التي جاءت، وكان يرد الجميل في حينه، ولكن نأخذ من هذا الرفق والرحمة، وإذا قلنا بمعنى المجاملة -وإن كان مجالها واسعاً لا نقدر أن نحدده- ولكن مراعاة وكرامة لهذا الابن البار المؤمن، صاحب المواقف الفاضلة الكريمة، الذي وقف تلك المواقف بجانب المسلمين ضد أبيه عدو الإسلام، ولا بأس بذلك، وكما قال عبد الله بنفسه (أعلم أنه لن ينفعه لأنه لم يؤمن، ولن يضرك، وإنما يرفع عنا سُبَّة الدهر) وكان ذلك مصانعة لـ عبد الله في أبيه. والله تعالى أعلم. يهمنا أن الرسول ﷺ أجاز لـ ابن أبي أن يكفن في قميصه. إذاً: لا مانع أن يكون في الكفن قميص، ولكن يمكن يقال: إن ابن أبي لا يقاس عليه بقية المسلمين. والله أعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1155

استحباب الكفن الأبيض وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي. هذا توجيه لنوعية ثياب الكفن ولباس الحي، وكما قالوا أيضاً: إن المحرم وهو في حالة الإحرام يكون في أحسن حالاته؛ لأنه متلبس بأفضل العبادات وخامس الأركان، فاستحب له أن يكون في إزار ورداءٍ أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين.

стр. 1156

استحباب الثياب البيض لطالب العلم جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه: (أحبُ لطالب العلم بياض الثياب) هذه خصوصية لطلبة العلم، وقد يكون الإنسان صاحب مهنة لا ينفع معها لبس البياض، لكن -كما تقدم- تكون ثياب المهنة للمهنة، وثياب المجتمعات والمناسبات خاصة بها، فلا مانع في ذلك.

стр. 1157

ميزة الثياب البيض إن البياض قليل الحمل للدنس، فلو جاءت ذبابة ونزلت على الغترة البيضاء وتركت أثراً بسيطاً فإنه يظهر بوضوح عليها، لكن لو كانت الغترة أو الشماغ ملوناً وجاء ذباب الدنيا ونزل وعشش فيها لا يظهر فيها شيء. إن بياض الثياب قليل التحمل للأوساخ فأقل شيء يجيء عليه يظهر، فيكون عاملاً مساعداً على نظافته بصفة دائمة، وهنا التوجيه (البسوا من ثيابكم البياض) بصرف النظر عن نوعيتها: (كرسف) أو (كتان) أو أي نوع آخر ما لم يكن حريراً ولا من الممنوع لبسه. وقوله: (وكفنوا فيها موتاكم) وعلى هذا يستحب في حالة السعة وحالة التيسير أن يكون الكفن من الثياب البيض، أما في حالة الاضطرار؛ فالضرورات لا حكم لها -كما قيل- ولها ظروفها، ولا يقاس عليها حالات السعة واليسر.

стр. 1158

باب تحسين كفن الميت وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) رواه مسلم. إحسان الكفن يكون في طريقة العمل، كما جاء عنه ﷺ أنه مر بالبقيع فوجدهم يحفرون لجنازة، فوجد في القبر مَيلاً، فأمر بتعديله، وقال: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يحسنه) وجاء الحديث الآخر: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ونعلم حديث جبريل ﵇ في الإسلام، والإيمان، والإحسان، فالإحسان هو أعلى المراتب، والمراحل التي تنتاب العمل. ومن أجل الإحسان يقول المولى سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:١-٢] لم يقل: أكثر أو أقل أو أنقص، بل قال: (أحسن عملاً) . فكذلك قال النبي ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن) . والإحسان هنا -في حالة السعة- أن تكون اللفائف واسعة، وأن يُحكم لفها، حينما يأتي بالطرف الأيمن إلى اليسار، والطرف الأيسر إلى اليمين بأن يحكمها على جسم الميت، لا أن يلقيها إلقاءً بدون إحكام، لا، وكذلك إذا وضع الحنوط، وإذا أراد أن يلفها من عند رأسه، ومن عند قدميه فيحسن ذلك، وكما جاء الأثر: (من كفن أخاه كان كمن كساه إلى يوم القيامة) . إذاً: ينبغي لمن كفن الميت أن يحسن عمل التكفين بإتقان اللفائف عليه، ويحسن الحنوط، كذلك إذا كان هناك ثياب قديمة، رثة، وثياب نظيفة جديدة، فمن الإحسان أن يختار له النظيف الجديد، ولا يبخل عليه.

стр. 1159

كتاب الجنائز [٦] الصلاة على الأموات فرض كفاية، على خلاف في الصلاة على بعض أصناف المسلمين، فإذا دفنوا فيجعل كل ميت على حدة، إلا في بعض الحالات التي يجمع فيها أكثر من ميت في قبر واحد.

стр. 1160

تقديم حفظة القرآن في اللحد وعنه قال (كان النبي ﵌ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فيقدمه في اللحد، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) رواه البخاري.
следующие страницы →