← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

استحباب الثياب البيض لطالب العلم جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه: (أحبُ لطالب العلم بياض الثياب) هذه خصوصية لطلبة العلم، وقد يكون الإنسان صاحب مهنة لا ينفع معها لبس البياض، لكن -كما تقدم- تكون ثياب المهنة للمهنة، وثياب المجتمعات والمناسبات خاصة بها، فلا مانع في ذلك.

стр. 1157

ميزة الثياب البيض إن البياض قليل الحمل للدنس، فلو جاءت ذبابة ونزلت على الغترة البيضاء وتركت أثراً بسيطاً فإنه يظهر بوضوح عليها، لكن لو كانت الغترة أو الشماغ ملوناً وجاء ذباب الدنيا ونزل وعشش فيها لا يظهر فيها شيء. إن بياض الثياب قليل التحمل للأوساخ فأقل شيء يجيء عليه يظهر، فيكون عاملاً مساعداً على نظافته بصفة دائمة، وهنا التوجيه (البسوا من ثيابكم البياض) بصرف النظر عن نوعيتها: (كرسف) أو (كتان) أو أي نوع آخر ما لم يكن حريراً ولا من الممنوع لبسه. وقوله: (وكفنوا فيها موتاكم) وعلى هذا يستحب في حالة السعة وحالة التيسير أن يكون الكفن من الثياب البيض، أما في حالة الاضطرار؛ فالضرورات لا حكم لها -كما قيل- ولها ظروفها، ولا يقاس عليها حالات السعة واليسر.

стр. 1158

باب تحسين كفن الميت وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) رواه مسلم. إحسان الكفن يكون في طريقة العمل، كما جاء عنه ﷺ أنه مر بالبقيع فوجدهم يحفرون لجنازة، فوجد في القبر مَيلاً، فأمر بتعديله، وقال: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يحسنه) وجاء الحديث الآخر: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ونعلم حديث جبريل ﵇ في الإسلام، والإيمان، والإحسان، فالإحسان هو أعلى المراتب، والمراحل التي تنتاب العمل. ومن أجل الإحسان يقول المولى سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:١-٢] لم يقل: أكثر أو أقل أو أنقص، بل قال: (أحسن عملاً) . فكذلك قال النبي ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن) . والإحسان هنا -في حالة السعة- أن تكون اللفائف واسعة، وأن يُحكم لفها، حينما يأتي بالطرف الأيمن إلى اليسار، والطرف الأيسر إلى اليمين بأن يحكمها على جسم الميت، لا أن يلقيها إلقاءً بدون إحكام، لا، وكذلك إذا وضع الحنوط، وإذا أراد أن يلفها من عند رأسه، ومن عند قدميه فيحسن ذلك، وكما جاء الأثر: (من كفن أخاه كان كمن كساه إلى يوم القيامة) . إذاً: ينبغي لمن كفن الميت أن يحسن عمل التكفين بإتقان اللفائف عليه، ويحسن الحنوط، كذلك إذا كان هناك ثياب قديمة، رثة، وثياب نظيفة جديدة، فمن الإحسان أن يختار له النظيف الجديد، ولا يبخل عليه.

стр. 1159

كتاب الجنائز [٦] الصلاة على الأموات فرض كفاية، على خلاف في الصلاة على بعض أصناف المسلمين، فإذا دفنوا فيجعل كل ميت على حدة، إلا في بعض الحالات التي يجمع فيها أكثر من ميت في قبر واحد.

стр. 1160

تقديم حفظة القرآن في اللحد وعنه قال (كان النبي ﵌ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فيقدمه في اللحد، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) رواه البخاري.

стр. 1161

كيفية ترتيب الموتى في القبور الجماعية جميع ما تقدم في طريقة تغسيل الميت وتكفينه هي في الحالات العادية، لكن هناك حالات تطرأ في المجتمع يكثر فيها الموتى، سواء كان في حالات الحروب والكوارث، أو في حالات الأمراض السارية -كما يسمونها- كالطاعون، أو الكوليرا وأنواعها، فقد يبلغ عدد الموتى في القرية في اليوم الواحد عشرة أو خمسة عشر، وكذلك في المعارك والكوارث الأخرى، ماذا يفعلون مع كثرة الموتى في حفر القبور؟ أعتقد أن بعض الإخوة يذكر ما حصل في حدث الطائرة، والتي كان فيها عدد كبير من الناس، فعندما سقطت ماذا فعلوا؟ لم يحفروا لكل واحد قبراً. الذي يهمنا هنا أن في حالات كثرة الموتى، ومشقة حفر قبرٍ لكل فرد يجمع الاثنين والثلاثة والأكثر والأقل في القبر الواحد. والآن البقيع موجود فيه غرفتان تسمى في عرف الناس: الفسقية أو الفساقي، وهي غرفة تحت الأرض بعمق القبر، وهي تسع عشرة أشخاص أو خمسة عشر شخصاً متراصين متجاورين، وهذه توجد في بعض البلاد في الأرياف للعوائل الكبيرة، ويكون لكل عائلة فسقيتين: واحدة للرجال وأخرى للنساء، ولهم مدة معينة تفتح الفسقية فيها لا تفتح قبل ذلك، وهم لم يجعلوها للموت الجماعي، وإنما يجعلونها لجمع موتاهم في مكانٍ واحد، ولا مانع في ذلك، فالنبي ﵌ لما صلى على عثمان بن مظعون ودفنه، ووضع الحجر عنده، قال (لأعرفه، لأجمع إليه من أهله) فلا مانع أن يكون للجماعة أو للأسرة مكانٌ يجمع فيه موتاهم، حتى إذا أتوا للزيارة والسلام يكونون في مكان مجموعين فيه. ففي هذه الحالة لو أتي بعدد من الموتى ووضعوا في تلك الفسقية أو الغرفة تحت الأرض لا مانع. فإذا لم تكن هذه موجودة وليست معدة من قبل كما هو الحال في غزوة أحد، إذ لا يمكن أن يحفروا سبعين قبراً في وقت وهم على حالتهم -مصابون وجرحى. إلخ- فكانوا يجمعون الاثنين والثلاثة والأكثر في قبرٍ واحد. ففي مثل هذه الحالة كيف يكون ترتيب الدفن؟ أولاً: اتفقوا على أنه يجمع الرجال مع الرجال، والنساء مع النساء، والصبية الصغار دون السابعة حيثما دفنوا، وبعد السابعة يأخذ حكم الجنس ذكراً أو أنثى، وبعضهم يقول: لو اقتضت الضرورة وكانت الكارثة كبيرة وفيها رجال ونساء، ولم يمكن أن نميز النساء معاً والرجال معاً! لا بأس أن نجمع الرجال والنساء بحيث تكون النساء وراء الرجال، ويوضع بين النساء والرجال حاجز. ولكن الجمهور على المنع، ونحن قدمنا بأن حالة الضرورة لها حكمها، ولا يقاس عليها غيرها، فإذا جاء الأمر واضطر الناس على أن يجمعوا العدد من الموتى في قبر واحد للعجز، أو للمشقة، أو لعدم الإمكان بأن يجعل لكل ميت قبر مستقل، فلا مانع. وعند الوضع في القبر يسأل ﷺ (أيهم كان أكثر أخذاً للقرآن؟) لم يقل: أيهم أغنى مالاً، أو أيهم أعلى جاهاً، أو أعظم وأفخم نسباً وحسباً؛ كل هذا قد التغى بالموت، انتهى الأمر، وأصبح الشخص بنفسه، فمن يكون أكثر أخذاً للقرآن قُدم إلى جهة القبلة، ثم الذي يليه ثم الذي يليه وهكذا. وهذا يكون في حالة الضرورة ومشقة أن يحفر قبر لكل إنسان فإنه لا مانع أن يجمع العدد منهم في القبر الواحد.

стр. 1162

لا ينقل الشهيد في المعركة من قبره حيث مات إلا لمصلحة وقد جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن أباه كان من شهداء أحد، فدفن مع رجل آخر، ثم بعد مدة يقول جابر: (والله عزت علي نفسي أن يكون أبي مع غيره في قبر، فذهبت لأفرده في قبرٍ، قال: فذهبت، فوجدت كأنه مات بالأمس) ، ونقله وأفرده في قبر مستقل، ومعلوم أن الشهداء الذين سقطوا في المعركة وماتوا فيها يدفنون في مكانهم، ولا ينقلون إلى جهة أخرى، اللهم إلا في حالة الضرورة ولمصلحتهم ينقلون إلى أقرب مكان كما وقع لسيد الشهداء حمزة رضي الله تعالى عنه، ومن كان معه دفنوا حيثما أصيبوا وكان في مجرى الوادي. فلما أجرى معاوية رضي الله تعالى عنه قناته، جاء السيل واحتفر القبور وظهرت الأقدام فضج الناس -وذلك بعد أربعين سنة من وقعة أحد - فذهبوا إليهم فوجدوهم كأنهم دفنوا بالأمس! فما كان إلا أن رفعوهم إلى المكان المرتفع على عدوة الوادي الذي هم فيه الآن، وكان هناك بقايا القبة التي كانت من قديم، وتسمى (المصرع) يعني المكان الذي صرع فيه حمزة رضي الله تعالى عنه ودفن فيه، ثم نقل بعد ذلك إلى المكان المرتفع، فنقله كان لمصلحته؛ لأن السيل قد جرف القبر وظهر، والسيل لا يؤمن في أي وقت يأتي، فرفع إلى مكان بعيد عن السيل. وقد جاء في غزوة أحد أن بعض القتلى جاء أهلهم وحملوهم إلى المدينة، فردهم رسول الله ﷺ ، وقال: (لا. ردوهم وادفنوهم حيث أصيبوا) وهكذا شهيد المعركة. أما من صُوب في المعركة ولكنه لم يقتل وذهب به إلى بيته أو إلى مكان آخر، وعاش حتى أكل وشرب فإنه يعامل معاملة جميع الموتى من أن يغسل ويكفن بلا خلاف ويصلى عليه بلا خلاف، ويعامل كما يعامل جميع موتى المسلمين. وعلى هذا عند الضرورة سواءً كان في حال معركة، أو كان في كارثة، مثل مواضع الزلزال -عافانا الله وإياكم- يكون هناك موتى كثيرون، ومتى يستطيعون أن يحفروا لهؤلاء في وقتٍ واحد؟ فيتخذ لهم هذه الطريقة والله تعالى أعلم.

стр. 1163

معنى قوله: (يجمع بين الرجلين في ثوب واحد) قوله رضي الله تعالى عنه (يجمع بين الرجلين في ثوب واحد) يقول بعض العلماء: هل يبقى الثوب على ما هو عليه، ويلف الرجلان بهذا الثوب معاً كأنهما شخص واحد؟ أو أن الثوب الواحد يقسم قسمين ويعطى لكل واحد منهما قسم؟ وهذا يدل على قلة وجود ما يكفن به القتلى عند العدد الكثير، والذين قالوا: إنما يشق الثوب قسمين، قالوا: لئلا يجمع بين رجلين بجسد متلاصق في ثوب واحد، ولكن هذا غير وارد؛ لأن الشهداء لا يغسلون ولا يجردون من ثيابهم، بل يلفون في ثيابهم التي كانت عليهم، ولكن يبعد عنهم ما كان فيه من الجلود أو الحديد، فإذا كان محتزماً بمنطقة جلد، أو ترس فيه جلد، أو درقة فيها جلد، أو قميص فيه شيء من الجلود فهذا يبعد عنه، وكذلك إذا كان هناك شيء من الحديد كالدرع مثلاً أو الخوذة على رأسه أو شيءٌ في يده، فهذه تنزع عنه ويلف في أثوابه التي هي عليه، فيكون الكفن زيادة على ثيابه التي هي عليه. وتكون مهمة هذا الثوب هو تغطية أطراف الميت أو الشهيد من رأسه إلى قدميه، حتى قالوا: لو أن الثوب الموجود لشخصٍ واحد، وكل واحدٍ له ثوب لكنه قصير لا يبلغ ما بين الرأس إلى القدم، قالوا: يقدم جانب الرأس فيغطى، وبقية الجسم من جهة القدمين يوضع عليه من نبات الإذخر أو نحوه ويغطى في قبره، ولا تترك الجثة مكشوفة. فقول جابر ﵁ (كان النبي ﵌ يجمع بين الرجلين في الثوب الواحد) هذا الحديث يسوقه المؤلف ليبين بأن أقل الكفن هو ثوب واحد، وإن تعذر الثوب فبعض الثوب، وهذا عند الضرورة، وكما تقدم أن الضرورة لا يقاس عليها، كما لو أن إنساناً كان عليه غسل جنابة وعنده ماء لا يكفيه للغسل فعليه أن يتوضأ به، ثم يتيمم بالباقي، وكذلك إذا كان لا يملك ثياباً تستره من السرة إلى الركبة يغطي به السوءة، وكذلك الكفن يكون بقدر المستطاع. إذاً: يجمع بين الرجلين في ثوبٍ واحد، إما على معنى: يجمعهما في لفافة واحدة، ولا محظور في ذلك؛ لأن ثياب كل منهما تحول بينه وبين ملاصقة جسم الآخر، وإما أن يشق هذا الثوب الموجود ويعطى لكل واحد منهما ما يجزئ عنده، إن كان يكفي طول الجسم فالحمد الله، وإن كان لم يكف عني بجانب الرأس وستر بقية الجسم بالنبات أو بنحوه

стр. 1164

الصلاة على الشهداء أما القسم الثالث من الحديث: (ولم يصل) هذا مبحث طويل، هل الشهداء يصلى عليهم أم لا؟. أولاً: تقدم تقسيم الشهداء إلى قسمين: شهداء المعركة، وشهداء غير المعركة. قال عمر رضي الله تعالى عنه: (اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك ودفناً في مدينة رسولك) ، قالوا: ماذا بك يا عمر! تريد تأتي بالقتل إلى المدينة؟! قال: الله كريم. فقتل وهو في الصلاة وكتبت له الشهادة، ولكن ليست شهادة المعركة، فهذا يعامل معاملة عامة الموتى. أما الذي في أرض المعركة فيختلف الفقهاء في كونه يصلى عليه أم لا. أولاً: وقبل كل شيء: أجمع العلماء على أن شهداء المعركة لا يغسلون، ويقولون: يبقى بدمه ليبعث يوم القيامة كما قال ﷺ : (اللون لون الدم والريح ريح المسك) ويقولون: هنا قسمان: مداد العلماء، ودماء الشهداء، تأتي يوم القيامة اللون لون الحبر، والريح ريح المسك، فالشهداء لا يغسلون بإجماع المسلمين دون أي خلاف، ولو وجد خلاف لا عبرة له؛ لأن شهداء المعركة لا يغسلون. أما الصلاة عليه فيقول جابر: (ولم يصل عليهم) إذا جئنا إلى هذه المسألة بعنوان مستقل: (الصلاة على الشهداء) هل يصلى على الشهداء أم لا؟ نجد الآثار الواردة أن النبي ﷺ صلى على شهداء أحد، وجابر يقول (ولم نصل عليهم) ونجد الآثار متعددة، ولا يسلم واحد منها من مطعن ومقال، منها: أن النبي ﷺ صلى على عمه حمزة ﵁ فكبر سبعاً -سبع تكبيرات- ومنها: أنه صلى عليه وبقي في مكانه وكان يؤتى بالشهداء الآخرين فيوضعون بجواره ويصلي عليه رسول الله ﷺ -أي: على الشهيد الثاني وحمزة موجود فيشهد حمزة صلاة على غيره معه- ثم يؤتى بآخر إلى سبعين صلاة بعدد الشهداء في أحد. ونجد بعض الروايات تقول: كان يؤتى بهم عشرة عشرة، ويصلي على العشرة مرةً واحدة، وتكون صلاته على السبعين سبع مرات يصلي عليهم عشرة عشرة وحمزة موجود، فقال بعض العلماء: صلى على حمزة سبعين مرة، أي: بتكرار الصلاة على الأفراد، سبع مرات أي: بتكرار السبعين وتقسيمهم عشرة عشرة، كبر سبع تكبيرات أي: على صلاته وحده. والآخرون يقولون: لا، لا نصلي على أحد. وإذا جئنا إلى مجموع هذه النصوص نجد: أن كل نص جاء بأنه صلى عليهم لا يسلم من مقال أو أنه موقوف على صاحبه كـ أبي أمامة وابن عباس وغيرهم، وإذا جئنا إلى: (لم يصل عليهم) وجدنا الأحاديث الصحاح بأنه لم يصل عليهم. ولنعلم أن الغزوات التي وقعت من بدر إلى الخندق إلى حنين إلى فتح مكة إلى خيبر لا شك وقع فيها شهداء، يقول الشوكاني: لم يرد نص واحد أنه صلى، ولم يرد نصٌ واحد أنه لم يصل، وإنما النصوص المختلف فيها إنما هي في غزوة أحد فقط، وعلى هذا نجد الأئمة ﵏ اختلفوا في كون الشهيد يصلى عليه أم لا، فنجد مالكاً والشافعي والمقدم في مذهب أحمد أنه لا يصلى على شهيد، كما أنه لا يغسل فكذلك لا يصلى عليه. ونجد الإمام أبا حنيفة ﵀ يقول: يصلى عليه. إن جئنا للأحاديث فهي متعارضة: صلى كذا مرة، لم يصل عليهم، وأحاديث الإثبات -كما يقولون- (الإثبات مقدم على النفي) لكنها أسانيد ضعيفة، ونجد للمالكية قول عن مالك: عدم الصلاة على الشهداء لماذا؟ قالوا: لأنهم أحياء عند ربهم والحي لا يصلى عليه، فما داموا أحياء عند ربهم والصلاة شفاعة ودعاء للميت، وصلاة على الميت المفارق للحياة، فقالوا: هؤلاء أحياء ولا يحتاجون إلى شفاعة الناس، شهادتهم تكفيهم. هذا تعليل قد يكون مناسباً أو الوصف المناسب لحالة الشهداء، فإذا كان الأمر مع تاريخ الجهاد في سبيل الله وجاء بعد ذلك الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين، ونعلم كم من المواقع وكم من الغزوات وكم من الجهاد، ولم ينقل بأنهم كانوا يصلون على شهداء المعارك في ذلك التاريخ. إذاً الجمهور على عدم الصلاة، والأحناف على أنهم يصلون، فإن وجدنا من يصلي لا ننكر عليه، وإن وجدنا من لم يصل لا ننكر عليه، كما قال بعض العلماء: الصلاة فيها الخير. ونسأل الله أن يأتي بعهد الشهداء، وأن يرفع راية الجهاد ويعلي كلمة المسلمين ويكون هناك شهداء، أما مسألة أن يصلى أو لا يصلى، عليهم فهم في غنىً عن ذلك. يهمنا تتمة البحث في هذا الحديث، ولم نكن أكملنا الكلام عليه. إذاً في ثوب واحد، إما أنه يلفان معاً، وإما إنهم يشق لهما -وهذا بعيد- والثاني: أيهما يقدم في اللحد؟ يجمعهم في ثوب واحد في الكفن، ويجمع أكثر من واحد واثنين في قبر واحد للظروف الطارئة. قوله (ولم يصل عليهم) تقدم الإيراد فيما هو عند الجمهور من الصلاة على الشهداء وعدم الصلاة عليهم. ونؤكد مرةً أخرى بأن ينبغي علينا أن نفرق بين الصلاة على شهيد المعركة وغير شهيد المعركة، والخلاف في شهيد المعركة، وبعض العلماء يقدم في هذا الباب الصلاة على الجنائز، الميت في الحالة العادية والشهيد في الصلاة على النبي ﷺ . قالوا: لما قُبض ﷺ ، وتم التجهيز ماذا فعلوا؟ قالوا: كانوا يدخلون عليه ﷺ يصلون لأنفسهم بدون إمام، لم يتعين إمام بعده ﷺ ، ولم تتم البيعة بعد لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنه، والبعض يروي بعض الآثار لكنها ضعيفة بأن أبا بكر هو الذي صلى بالناس، ولكن الجمهور على أنهم يدخلون، قيل أفراداً وقيل: جماعات، وقدموا الرجال، فلما انتهى الرجال أدخلوا النساء، فلما انتهى النسوة أدخلوا الصبية المميزين الذين يحسنون الصلاة. ويمكن أن يقال: كثيراً ما يتساءل بعض الناس: هل المرأة تصلي على الجنازة أم لا؟ سيأتي لنا حديث عائشة في سعد وأبي بياضة أنه صلى عليه في المسجد، وكذلك النسوة في محضر من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، يدخلن أفراداً أو جماعات ويصلين على رسول الله ﷺ . بعض الناس كان يقول: أولئك الذين يدخلون، لا يصلون صلاة الجنازة المعروفة، ولكن كان مجرد دعاء. ولكن كلمة (صلاة) تحمل على معناها الشرعي ولا تحمل على معناها المجازي أو اللغوي إلا لضرورة أو لقرينة، وليس هنا ضرورة ولا قرينة فصلوا عليه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1165

باب كراهة المغالاة في الكفن وعن علي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سريعاً) رواه أبو داود. تقدم الكلام على هذا الأثر عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ في النهي عن الغلو في الكفن؛ لأنه يسلب سريعاً، فلا حاجة إلى المغالاة فيه. والمغالاة هنا إما بزيادة عدد اللفائف والأثواب بدل ثلاثة سبعة أو تسعة، وإما في نوعية الأثواب. الرسول ﷺ كفن في ثلاثة أثواب من الكرسف سحولية، فإذا كفن الميت في لفائف من الخز -الحرير- أو الصوف أو الأقمشة الثمينة النفيسة في الثمن فهذا من المغالاة!! الغلو يصدق بنوعية الثوب أو بعدد الأثواب، وهذا كله منهي عنه كما تقدم، وعلينا الاكتفاء -بالاقتداء- بما كفن به رسول الله ﷺ ، وحسبنا ما اختار الله لنبيه ﵊. والله أعلم. والمغالاة في الكفن ليست من السنة، وقد بين ﷺ سبب ذلك بقوله: (فإنه يسلب سريعاً) أي: تأكله الأرض ويذهب، وجاء عن الصديق ﵁ أنه قال في مرضه الأخير، وكان عليه ثوب فيه زعفران: (اغسلوه وكفنوني فيه مع ثوبين آخرين) فقالوا: كيف نكفنك في هذا وهو قديم وكذا، وجاءوا بجديد؟ فقال: (الحي أولى بهذا، إنما هو للمهلة) أي: هذا جديد تعطوني إياه لماذا؟ أنا ذاهب، وكلمة: (المهلة) قالوا: من الإمهال، يعني: مهلة بسيطة، أي: ليس هناك حاجة أن يكون الكفن جديداً ويضيع عليكم، أو (المهلة) أي: ما يسيل من جسم الإنسان، ويتلف الثوب الجديد ويبليه، ولكن نحن نعلم جميعاً بأن أبا بكر ﵁ وأمثاله لن تأكل الأرض أجسادهم. فهذا من الصديق ﵁، ويكفينا قوله: (الحي أولى بهذا) وكونه قال: اغسلوا هذا الثوب وكفنوني فيه فهو على ما تقدم من أنه كان يشهد الخير فيه: كالصلاة، وذكر الله، ومن جانب آخر عدم المغالاة في الكفن، والله تعالى أعلم.

стр. 1166

باب جواز غسل الرجل امرأته (أوصت فاطمة أن يغسلها علي) .

стр. 1167

جواز غسل الزوج زوجته وعن أسماء بنت عميس ﵂: (أن فاطمة ﵂ أوصت أن يغسلها علي رضي الله تعالى عنه) رواه الدارقطني. يأتي المؤلف أيضاً بعد حديث عائشة لقول رسول الله (لو مت قبلي لغسلتك) دل هنا على أنه يجوز للرجل أن يغسّل زوجته، وأن هذا الأمر مستفيض معروف عند الجميع، فهذه فاطمة ابنة رسول الله ﷺ توصي إن هي ماتت أن يغسلها زوجها علي.

стр. 1168

مسألة غسل الميت قبل موته وحكم ذلك وجاء في ترجمتها في كتب السير والتراجم: أنها يوم أن توفيت بعد صلاة الظهر أحضرت ثيابها، وأحضرت الماء، وتغسلت وغيَّرت ثيابها، وتوجهت على فراشها إلى القبلة، وأخبرت جاريتها وقالت: (أخبريهم إن مت أني قد اغتسلت) ولكن يُجمع العلماء بأن الغسل قبل الموت لا يجزئ عن غسل الميت بعده. الذي يهمنا في هذا الحديث أن فاطمة أوصت، ومن المعلوم أن عندها ﵂ وأرضاها علماً، والذي تحمَّل الوصية عنده علم، والموصى إليه -وهو علي ﵁ عنده علم، إذاً تغسيل الزوج للزوجة مستفيض مشهور. والله تعالى أعلم. هناك من يقول يا إخوان: إن كان أحد الزوجين يغسل صاحبه فيجب أن يستر العورة، بأن يضع شيئاً ساتراً على العورة، وإذا احتاج موضع العورة لغسل، فمن تحت خرقة أو حجاب عازل عن العورة، ولا يلامس العورة، أما بقية الجسم فله ذلك.

стр. 1169

باب جواز غسل الرجل امرأته (تغسيل الرجل لزوجته) وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها (لو مِت قبلي لغسلتك) الحديث. مت: بالضم والكسر والكسر أفصح. عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي حديثها الذي أشرنا إليه سابقاً (بأن الرسول ﷺ رجع من جنازة بالبقيع، فمر عليها عاصبة رأسها تقول: وا رأساه! فقال: بل أنا يا عائشة! وا رأساه، ثم قال لها: وما يضرك إن أنتِ مِت قبلي، فقمتُ عليكِ، وغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك؟ قالت: ما إخالك إلا أن تُعرِّس على فراشي من ليلتها) والمؤلف يسوق هذا من حديث عائشة: (لو مِت قبلي غسلتك) وهذا فيه دليل على أن الزوج يغسل زوجته. إذاً: لم يبق حاجة إلى وجود الخلاف في أن الموت هل ينقضي به العقد الزوجي، أو أنه يرفع المحرمية فيما بين الزوجين؟ فالرسول يقول لـ عائشة: (لو مِت قبلي غسلتك) إذاً أثر الزوجية باقٍ، والذين يقولون هي تغسله وهو لا يغسلها، أو هو يغسلها وهي لا تغسله، كل هذا استنباط بعيد عن هذا النص الموجود، وقدَّمنا بأن عائشة قالت (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّل رسول الله إلا أزواجه) إذن من الطرفين. وأسماء بنت عميس زوجة أبي بكر (لما توفي الصديق رضي الله تعالى عنه غسلته، ثم خرجت على الناس وهم ينتظرون، قالت: ما تَبِعُون عليَّ -اليوم شديد البرد- وقد غسَّلت أبا بكر فهل ترون عليَّ من غسل؟) وذلك لحديث: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) فحمل الجمهور معنى: (من غسَّل ميتاً فليغتسل) على عموم الموتى، لأن الميت عادة ربما يكون عليه أو على ثيابه أشياء إذا جاءها الماء انتشر الرذاذ فيصل إلى الإنسان المغسِّل، فينبغي أن يغتسل من هذا السبب. وإذا حمل ميتاً فليتوضأ؛ لأنهم كانوا يحملون الموتى من بيوتهم إلى مصلى الجنائز؛ فإذا أراد الحامل له الصلاة عليه فلابد أن يكون متوضئاً من أجل أن يصلي مع الناس، قالوا: وليس حمل الميت من نواقض الوضوء، وليس تغسيل الميت موجباً للغسل، ولكن أعتقد والله تعالى أعلم أن الغسل والوضوء قبل أن يباشر تغسيل الميت؛ لأن ذلك أفضل؛ لأنهم قالوا: لا ينبغي لحائض ولا لجنب أن يغسل ميته. إذاً: حالة غسل الميت قربة ودعاء يقدم بين يدي الله، فينبغي للشخص الذي يتقدم لهذا أن يكون على حالة طيبة. وكذلك حمله، إذا حمله وهو متوضئ، ودعا الله له، واستغفر له ولنفسه، فإنه يكون على حالة من حالات التهيؤ للعبادة، فيكون الغُسْلُ ليس بعد الغسْلِ، ولكن كما قيل: ما قارب الشيء يعطى حكمه، مثل (كان ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) لا يقول ذلك حينما يدخل، بل إذا أراد الدخول وذلك قبل أن يدخل. ومثله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨] أي: إذا أراد القراءة. فالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن الندب للغسل لمن سيغسل الميت من باب كمال الحالة من ناحية عبادية أو ناحية روحية تكون مصلحة للمغسل. ويشهد لهذا ما سيأتي في موت إحدى بنات النبي ﷺ ، فلما أرادوا إنزالها في القبر، قال ﷺ (من لم يقارف الليلة فلينزل) من لم يقارف، معلوم بهذه الكناية أنه يراد بها: من لم يأت زوجته تلك الليلة فلينزل، والذي أتى زوجته يبعد، سبحان الله! لأن الذي قارف زوجته حديث عهد بأمر دنيوي وشخصي، والذي لم يقارف كأنه بعيد عن هذا، مع أن بعض العلماء يقول: الذي قارف زوجته حينما يلحد امرأة يكون أبعد من أي شيء، بخلاف الذي له مدة لم يقارف، وقيل: هذه الحالة خاصة. فنزل عثمان بن مظعون، وبعضهم قال: الذي نزل كانت مهمته لحد الموتى، وعثمان زوجها كان موجوداً، وبعضهم يقول: إنما أراد الرسول شيئاً آخر بالنسبة لـ عثمان. الذي يهمنا هنا هو أن الإنسان الذي يغسل الميت يجب أن يكون على حالة تكون أقرب إلى الكمال للإنسان المسلم من غيرها. وفيه أن الزوج يغسل الزوجة، والزوجة تغسل الزوج، وقد تقدم الكلام على تغسيل النسوة الأجانب للرجل الأجنبي، وعدم التغسيل، وقلنا بأنهم يتفقون بأنه إذا ماتت امرأة في جمع من الرجال، ولا توجد امرأة تغسلها ولو حتى كتابية -فإذا وجدت امرأة كتابيه فإنها تغسليها- وبعضهم يقول: الكافر لا يغسل مسلماً أبداً؛ لأن تغسيل الميت عبادة يحتاج إلى نية، والكافر لا تصح نيته، فنحن ننوي ونغسلها أفضل من أن ندفنها بدون تغسيل، وقال بعض العلماء: الرجال ييممون المرأة، والنسوة ييممن الرجل. أما الأطفال الذين ليست لهم عورة، وهم من دون السبع سنوات، فمن حضره من رجال أو نسوة فلا مانع من غسله، وإن كان أحمد ﵀ يكره للرجل أن يغسل الفتاة في سن السابعة فما بعدها. والله تعالى أعلم.

стр. 1170

الصلاة على المقتول حداً .

стр. 1171

أصناف الموتى بالنسبة للصلاة عليهم وعن بريدة ﵁ في قصة الغامدية التي أمر النبي ﵌ برجمها في الزنا، قال (ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت) رواه مسلم. هذا مبحث في الصلاة على عامة الناس في حالات مختلفة، عامة الناس يصلي عليهم -كما تقدم لنا- أولى الناس بهم إن لم يكن الميت قد أوصى، فإن لم يكن أوصى ولم يوجد أولى الناس به فالإمام الراتب، وفي هذا الحديث امرأة أقيم عليها حد، فهل يصلي الإمام الراتب على من أقيم عليه الحد أم لا؟ لنعلم أولاً أن الإمام الراتب لا يصلي على فاجر أو مشهور بالفجور والفسق، أو أنه رُجم حداً بغير توبة، أما إذا تاب وقدم نفسه كـ الغامدية وكماعز وغيرهم، فسيأتي الكلام عليه. الغالّ الذي أخذ من الغنائم ومات لا يصلي عليه الإمام الراتب؛ لأن في صلاته عليه تشجيعاً على ذلك الفعل، ولكن لا يترك بدون صلاة، إنما يصلي عليه عامة الناس. إذاً فالموتى على أقسام: عامة المسلمين يصلي عليهم أولى الناس بهم، أو الإمام الراتب، أو من أوصى بأن يصلي عليه. الشهداء لا صلاة عليهم عند الجمهور. الذي مات بسبب أو بحادث إن كان فيه خطيئة، كالذي غلّ من الغنيمة، والذي قتل نفسه عمداً -لا أن يكون تسبب في قتل نفسه دون قصد- لأنه وقع في خيبر أن رجلاً قاتل قتالاً شديداً، ثم رجع سلاحه عليه فقتله، فتكلم الناس وقالوا: قتل نفسه بسلاحه. يعني: شكّوا في شهادته، فأخبر بذلك رسول الله ﵌ فقال (له أجره مرتين) يعني: له أجر شهيدين. إذاً: الذي يقتل نفسه عمداً لأمر من أمور الدنيا، فهذا لا يصلي عليه الإمام الراتب، وإنما يصلي عليه أهله، كما تقدم. المدين الذي ليس عنده وفاء لدينه، ما كان يصلي عليه رسول الله ﷺ ، وكان يأمر أهله أو يترك غيره يصلي عليه.

стр. 1172

حكم الصلاة على من قتل في حد أما الذي قتل في حدٍ بأن أخذ قسراً، أو تقدم بتوبة إلى الله وإلى ولي الأمر وأقام عليه الحد، فهل يصلي عليه الإمام أم لا يصلي عليه؟ الجمهور أنه يصلي عليه، وهذه الغامدية لما جيء بها أول ما جاءت وهي حامل قال لها ﵌ (اذهبي حتى تضعي حملك) لأنه إذا رجمها مات الحمل، وما ذنب الحمل يموت في هذه الحال فذهبت، حتى وضعت الحمل ثم جاءت، فقال لها: (اذهبي حتى تفطميه) لأنها إذا أقيم عليها الحد فمن سيتولى هذا الطفل؟ فذهبت حتى فطمته، وجاءت به وفي يده كسرة خبز يأكل منها، قالت: قد فطمته، فأقام عليها الحد، فقال رجل كلمة بمعنى أنه ردها وجاءت وجاءت، فهذه تموت كميتة. ، قال كلمة ما كانت تناسب أن تقال، فقال رسول الله (مه! لقد تابت إلى الله توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) وبعض الروايات (لو قسمت على سبعين رجلاً لوسعتهم، أتجد أكثر من أن تجود بنفسها لله؟!) قالوا: وصلى عليها. هناك من يقول: لا ينبغي أن يصلى على من مات في حد ولو جاء تائباً؛ لأن في ذلك تشجيعاً على الفعل، والآخرون ينظرون إلى الحالة ما كل من قتل في حد يتساوى مع الآخرين، فهذه جادت بنفسها وتركت حتى تضع الحمل ثم حتى ترضعه حولين كاملين، ثم بعد ذلك ما تركت، وكان يقول الراوي: وكنا نرى لو لم تأت لم يطلبها رسول الله إذاً: في مثل هذه الحالة طرفان: من كان آثماً في موته فلا يصلي عليه الإمام، ومن كان تائباً كهذه الغامدية فبعضهم يلحقها بالتائبين، وكأنه لا أثر لذنبها الأول، وبعضهم يقول: هذه قتلت في غير حالة عادية، أو في حد عليها، فيصلي عليها أهلها والله تعالى أعلم.

стр. 1173

باب لا صلاة على من قتل نفسه .

стр. 1174

مسألة: الصلاة على قاتل نفسه حيث أنه مازال مسلماً وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال (أُتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه) رواه مسلم. هذا يبين عكس المتقدم (أن رجلاً قتل نفسه بمشاقص) المشاقص جمع مشقص، وهو نوع من آلة الحديد، وجاءت روايات على أن رجلاً هاجر إلى المدينة فاجتوى هواءها ولم يصح، فجاء إلى النبي ﷺ وقال: (أقلني بيعتي يا رسول الله -لأنه كان قد بايع رسول الله على الإسلام- قالها مرتين أو ثلاث فلم يجبه، فذهب ووضع ذبابة السيف في صدره وقتل نفسه، فلم يصل عليه ﷺ وبعضهم يأتي برواية أخرى: أن رجلاً قاتل ثم قطع إصبعه، فتأذى فأجهد عليه فنزف فمات. كل هذه الحالات وكل هذه الروايات تبين أن من قتل نفسه لا يصلي عليه الإمام، ولكن لا يترك بدون صلاة؛ لأن قتل النفس لا يخرجه من عموم الإسلام، هو مسلم بصفة عامة، وحقيقة أمره مردها إلى الله. وقد جاء عنه ﷺ أن من قتل نفسه بآلة أو بسبب فهو يعذب بذاك السبب إلى يوم القيامة (من تجرع سماً فمات فهو يتجرعه إلى يوم القيامة من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يُوجأ بها إلى يوم القيامة)

стр. 1175

الانتحار أو قتل النفس سببه ضعف في الإيمان فنهى ﷺ عن قتل النفس -وكما يسمى: الانتحار- والإسلام ليس فيه انتحار قط، والمسلم الحقيقي لا يجد مأزقاً ينتحر فيه؛ لأن الانتحار إما لضيق معيشة، أو لنزول مصيبة، أو لفرار من عدو. وضيق العيش قد نفاه الله بقوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] . ويذكرون أن أعرابياً كان يمشي فسمع قارئاً يقرأ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] فنحر ناقته وقسمها، ثم مضى بقية العام ثم جاء إلى مكة وعندما كان يطوف سمع ذاك القارئ مرة أخرى يقرأ تلك الآية وقرأ بعدها: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] فقال: أغضبوه فأقسموه، أغضبوه فأقسموه، وخر ميتاً! عظم عليه أن يسمع القسم من الله على أنه يرزقهم: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات:٢٣] يعني: في السماء رزقكم حقاًَ فعندما سمع قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الذاريات:٢٣] صعق عندما سمع هذا القسم بعد أن قال: أغضبوه فأحلفوه.

стр. 1176

عدل الحاكم يساعد على تقليل أو إغلاق باب الانتحار إذاً: المسلم ليس عنده ضائقة رزقٍ يمكن أن ينتحر بسببها، وقد ضمن بيت مال المسلمين حصة للفقراء والمساكين بما يكفيهم، سواء كان من الزكاة، أو كان من الفيء من الغنائم وغيرها، بل يقول عمر رضي الله تعالى عنه: (لو مات رجل وسط حي من الناس فاقةً وجوعاً، لحملتهم ديته؛ لأنه كان عليهم حقاً أن يطعمونه) . وعلى هذا ليس هناك انتحار بسبب ضائقة مالية. وما جعلت العدالة والخلافة والإمامة والسلطان إلا لتأمين الخائف وكذلك رفع الظلم. إذاً: يكون ضيق في النفس فقط، ولهذا إحصائيات العالم في الانتحار تحصى بالدقائق في أوروبا وفي أمريكا وفي غيرها. ومن فضل الله ولله الحمد والمنة حالات الانتحار في المسلمين أقل ما يمكن أن تكون نسبة، لماذا؟ لأن المؤمن من قواعد إيمانه الإيمان بالقضاء والقدر، فيؤمن بأنه من عند الله، إذن هو يؤمن بأن قضاء الله ماضٍ، ويعلم بأن الله أعلم له بمصلحته، وعلى هذا لا يتفق أبداً انتحار مع إسلام، إذن لماذا يقتل نفسه؟ يكون في غيبة عن الإيمان، كما جاء الحديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) لا يقتل، لا يشرب، لا يسرق وهو مؤمن، كأن الإيمان كما قال ابن رواحة: (الإيمان كالقميص تلبسه فإذا أنت خلعته. ] . وهكذا يكون الإيمان في وجوده مع الإنسان وفي يقظة ضميره مع الله، مستحيل أن يقدم على انتحار، أما إذا غفا هذا الضمير وغاب هذا الإيمان، وضعف هذا الوازع، هناك يفعل ما قدر له. والله تعالى أعلم.

стр. 1177

باب الصّلاة على الميت بعد دفنه .

стр. 1178

حكم الصلاة على الميت في قبره وعن أبي هريرة ﵁: (في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد فسأل عنها النبي ﷺ فقالوا: ماتت، فقال: أفلا كنتم آذنتموني، فكأنهم صغَّروا أمرها، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه، فصلى عليها) متفق عليه وزاد مسلم (ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) . فمن فاتته صلاة على الميت، هل يصلي عليه في قبره، وهل يصلى على الموتى في قبورهم أم لا؟ هذا عنوان المسألة، ولكن جاء المؤلف بهذه القصة، والتي تدل دلالة واضحة على أعلى وأقصى ومنتهى مكارم أخلاقه ﷺ ، ومنتهى رحمته ورأفته بالمؤمنين، في الحديث: امرأة سوداء، تقم المسجد، أي: تكنس المسجد، مرضت فافتقدها ﷺ ، ولذا فبعض الروايات تقول (وكان ﷺ يحب المساكين ويتفقدهم، ويزورهم إذا مرضوا) فافتقد هذه المرأة التي كانت تقم المسجد، ما هي امرأة تطعم المصلين، ولا تكسو العارين، ولا تفعل ولا تفعل، بل تقم المسجد، وفي الحديث (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة؛ أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) وفي حديث (حتى القذاة ترفعها من المسجد) فهذه امرأة تقم المسجد، فمرضت، فافتقدها ﷺ فسأل عنها، قالوا: مريضة، قال: (إذا ماتت فآذنوني) أي: أعلموني بموتها، قالوا: فماتت ليلاً، فكرهنا إزعاج رسول الله من أجلها. فهنا تعارض العقل مع العاطفة، العقل يقول: امتثلوا الأمر: (آذنوني) ، والعاطفة تقول: لا تزعجوا رسول الله، فعدم إزعاجه أمر عاطفي ليس عقلياً، وإعلامه بموتها ولو في منتصف الليل، في الليلة المطيرة الباردة أمر عقلي امتثالاً للأمر، وكما يقال في ذلك: إذا تعارض العقل مع العاطفة حصلت الحيرة الشديدة، فقدموا جانب العاطفة؛ لأنهم لم يؤذنوا رسول الله ﷺ إكراماً واحتراماً وإراحة لرسول الله من عناء الليل، فدفنوها، فلما أصبح ما نسيها، فسأل عنها، قالوا: ماتت، قال: (أفلا كنتم آذنتموني، قالوا: كرهنا أن نوقظك ليلاً) فاعتذروا بالعاطفة. وهنا نجد أن رسول الله لم يعتب عليهم ولم يعنفهم، ولم يعاقبهم، ولم يجعل عليهم إثماً في عدم امتثال الأمر، بل عذرهم بتقديم العاطفة، ولكن ماذا يفعل علاجاً للواقع؟ فقد وقع أمر لم يكن يريد وقوعه ﷺ ، قال: (دلوني على قبرها) تداركاً لما فات، فدلوه على قبرها، فذهب إلى البقيع، ووقف على قبرها، وصلى عليها. هنا عنوان مسألة: الصلاة على الميت في قبره، والصلاة على الغائب، وهما مسألتان مقرونتان، أما الصلاة على الغائب فسيأتي للمؤلف صلاته ﷺ على النجاشي، يوم أن مات فنعاه لأصحابه، وخرج بهم وصلى عليه في يومه وهو في الحبشة، وأما الصلاة على القبر فبعض العلماء يقول: لا صلاة على القبر، وبعضهم يقول: يصلي مطلقاً بدون حد، وبعضهم يقول: إلى حدود الشهر، إن كان دفن وهو ممن يحب أن يصلي عليه، أو أنه دفن ولم يوجد من يصلي عليه، فدفن بدون صلاة، قالوا: إنه يصلى عليه في القبر، وإذا دفن بدون غسل أو كفن، وكان الوقت قريباً (قبل أن تتبدد الجثة) نبش وغُسِّل وكُفِّن وصلي عليه، وأعيد دفنه، أما إذا غسل وكفن، ولم يوجد من يصلي عليه، ثم دفن، فيصلى على قبره، بعضهم يقول: إلى ثلاثة أيام قبل أن تتغير الجثة، وبعضهم يقول: إلى شهر، ويستدلون بفعله ﷺ في الصلاة على القبر. ثم زادت رواية مسلم عبارة تبيّن ميزة صلاته ﷺ على الميت (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أصحابها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) وهذا من فضل دعائه صلوات الله وسلامه عليه للميت المقبور، فالله يستجيب دعاء رسوله، وينور القبر على صاحبه.

стр. 1179

فوائد مستفادة من حديث الصلاة على المرأة التي كانت تقم المسجد الحديث من حيث هو يسوقه المؤلف ﵀ دليلاً لجواز الصلاة على القبر، ثم فيه تكريم أهل الصلاح وفعل الخير، بصرف النظر عن شخصياتهم، ثم فيه عناية النبي ﷺ بنظافة المساجد، هذه ثلاث نقاط محل البحث في هذا الحديث: أولاً: تكريمه ﷺ لأهل الخير وفعل الخير، فهذه امرأة من عامة المسلمين، يعنى بها ﷺ ، وقد جاء في خبرها أنه افتقدها (فقالوا: إنها مريضة، فقال: إذا ماتت فآذنوني -أي: أعلموني- فماتت ليلاً، قالوا: فكرهنا أن نشق على رسول الله ﷺ فدفناها، فلما أصبح سأل عنها، قلنا: ماتت، قال: هلا آذنتموني؟ -يعني: كما أخبرتكم- فاعتذروا فقالوا: كرهنا أن نشق عليك ليلاً) وفي رواية (كأنهم تقالوا أمرها) يعني: لأنها امرأة من عامة الناس، ما هي من ذوات المناصب، أو الحسب، ولا يوجد من كبار الصحابة من ينتمي إليها فتكرم من أجله، فهي امرأة عادية، فبين أبو هريرة أن فضلها وعناية النبي بها إنما هو لذاك العمل الجليل الذي كانت تقوم به، وهو أنها تقم المسجد، أي: تجمع القمامة من المسجد، أي: تقوم بعمل الكناسين، وتنظف المسجد، ومن هنا كانت عناية النبي ﷺ بها. وفيه خدمة النساء للمساجد، ما لم توجد خلوة مع أحد من المصلين، وليس لها عمل أهم منه، فهي تقم المسجد، والمؤلف ﵀ ساق الحديث لجواز الصلاة على القبر. أما العناية بالمساجد فقد تقدم في هذا الكتاب المبارك في أول باب المساجد (أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تطيب وتنظف) تلك هي العناية بالمساجد، بل قال ﷺ (عرضت علي أعمال أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) وقال (البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) ، (ورأى النبي ﷺ نخامة في جدار القبلة في مسجد من المساجد، فأخذ ﷺ يحتها بطرف ردائه، وقال لهم لا يؤمنكم إمامكم هذا بعد اليوم) أي أنه عزل الإمام عن الإمامة؛ لأنه لم يراع حرمة المسجد، وبعضهم قال: لأنه تنخم وهو في الصلاة أمامه، وقد نهى ﷺ المصلي أن يبصق أمامه في الصلاة، وقال (فإن الله تجاه وجهه، فليبصق تحت قدمه اليسرى) وقالوا: في المنديل أو في نحو ذلك. وقبل هذا كله جاء الأمر بذلك في كتاب الله، وذلك في موطنين: منهما قوله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] أن ترفع، أي: حساً ومعنى، لأن رفعة البناء تدل على عظمته وتقديره، والعناية به، وانخفاض البناء يدل على تحقيره وعدم أهميته، وترفع معنوياً أيضاً بالذكر وبالعلم، وبالحفاظ عليها. والموطن الثاني في مقارنة بين البناء وبين الصيانة والحفاظ، ففي بيت الله الحرام يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧] يرفع إبراهيم: إسناد رفع القواعد من البيت لإبراهيم وإسماعيل جاء معطوفاً على إبراهيم كالمساعد؛ لأن إسناد رفع القواعد لإبراهيم وحده، ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧] لكن في العناية وفي النظافة، وفي الرعاية؛ جاء إسناد ذلك لإبراهيم وإسماعيل معاً على المشاركة، ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة:١٢٥] أي: وعهدنا إليهما معاً: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي﴾ [البقرة:١٢٥] بألف التثنية، فشرَّك بينهما في العناية بالبيت الحرام في تطهيره من الأرجاس، ومن الأصنام، ومن الأوساخ، إلى آخره. ومن هنا يتضح لنا أن العناية أهم من البناية، لأن البناية تقام مرة واحدة، فهذا المسجد النبوي الشريف، وجدنا هذه البناية الفخمة الضخمة العظيمة، انتهى أمرها بتكاليفها وميزانيتها، وبقيت الصيانة والعناية، فالبناية مرة واحدة أياً كان المشروع؛ محطة تصفية -أي تحلية المياه-، محطة توليد الكهرباء، فإذا انتهت إقامتها بقيت العناية والرعاية بها، مدة تشغيلها طول عمرها، إذاً: العناية والرعاية لكل مشروع أهم من إنشائه، فكان هنا ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا﴾ [البقرة:١٢٥] أي: فهذه رعاية البيت أسندت إليهما معاً. ومن هنا كان ﷺ يعنى بالمساجد، بل كان في زمن النبي ﷺ رجل خاص يجمر المسجد، أي: يأتي بالمجمرة وفيها الجمرة، وعليها العود، ليطيب بها المسجد، وكان هذا الأمر معمولاً به إلى عهد قريب حضرناه، ولا يزال حتى الآن يوم الجمعة، وكان يعهد به الأمير في رمضان في صلاة التراويح، ويطيب المسجد بالعود ويجمر. إذاً: هذه المرأة لكونها تقوم بهذا العمل، سواء كانت سوداء أو بيضاء أو حمراء، فإن الرسول ﷺ عني بها وكرمها، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] كرمها بحسن عملها، وبعنايتها ورعايتها للمسجد في أنها كانت تقمه، هذا من جانب تكريمها. الجانب الثاني: الصلاة على قبرها، من الناحية الفقهية نجد العلماء قد يختلفون: هل يصلى على القبر بصفة عامة أم لا؟ فأول الأقوال: لا يصلى، والذين قالوا: لا يصلى استدلوا بالزيادة التي زادها مسلم (فإن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) فقالوا: (بصلاتي) هذه خاصة به ﷺ ، وليست صلاة كل إنسان ينور الله بها قبر من صُلِّي على قبره، والمجيزون قالوا: لقد ذهب معه أشخاص وصلوا معه، فهذه صلاة غير رسول الله من أصحابه معه، فقال المانعون: التابع ليس كالأصيل، هم تبع لرسول الله، والمجوزون قالوا: لو أنه لا يجوز أن يصلى على القبر لبيَّن ﷺ وقال: لا تفعلوا أنتم، كما جاء في بيان الخصوصيات، فالذين قالوا: يصلى قالوا: لفعله ﷺ ولتقريره هذا، وهو يعلم أنهم يرونه ويشاركونه في الصلاة، ويتأسون بفعله صلوات الله وسلامه عليه. ثم اختلفوا: إلى متى يصلي، فبعضهم يقول: إلى ثلاثة أيام، وجاء أيضاً (أنه ﷺ مر على قبر رطب فصلى عليه) يعني: مدفون حديثاً، ولا يزال ترابه طرياً، وقوم قالوا: إلى شهر، فقد جاء عنه ﷺ (أن أم سعد توفيت وهو غائب، فلما قدم صلى عليها ﷺ بعد دفنها) قيل: بشهر. إذاً: الحديث جيء به لبيان الأحكام من حيث جواز الصلاة على القبر، فهناك من يمنع ويقول: هذه خصوصية، ولكن دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، والمجوزون يختلفون، فمنهم من يقول: إلى ثلاثة أيام، ومنهم من يقول: إلى شهر، والبعض من يقول: ما لم يترب، أي: ما لم يصر تراباً. فالجمهور على جواز الصلاة على القبر، ويختلفون في المدة التي يمكن أن يصلى فيها، والكلمة المجملة أن يقال: ما دام يغلب على الظن أن الميت لم يتفسخ.

стр. 1180

كتاب الجنائز [٧] مسألة نعي الميت لها حالات منتشرة بين الناس: فهو إما لتجهيزه والصلاة عليه، وإما للصلاة عليه فقط، وإما للمباهاة والمفاخرة بهذا الميت، وإما نوحاً عليه وتفجعاً وندبةً، وفي هذه المادة بيان هذه المسألة وما يتعلق بها

стр. 1181

باب كراهية النعي

стр. 1182

حكم نعي الميت وعن حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ (كان ينهى عن النعي) رواه الترمذي وحسنه.

стр. 1183

أنواع النعي والجمع بين النهي والفعل يلاحظ في هذا دقة العلماء وأن فن التأليف ليس مجرد جمع نصوص! ففي هذا الحديث كان ﷺ ينهى عن النعي، وبعده مباشرة يأتي المؤلف بحديث أن النبي ﷺ نعى، فقد نعى النبي ﷺ في يوم موت النجاشي، فكيف ينهى عن النعي، وكيف نعى؟! وهذا كما أشرنا سابقاً فيما يظهر ذلك بدقة أكثر في الموطأ وصنيع الإمام مالك في الموطأ في إيراد الأبواب يفسر بعضها بعضها، فهنا اتفق الجميع. ما هو النعي؟ قالوا النعي: خاص بالإخبار عن الميت، مات فلان، ثم يقول ابن عبد البر: النعي على ثلاثة أقسام: نعيٌ لمجرد إخبار أهل وأصدقاء الميت من أجل القيام بواجبه من تجهيزه والصلاة عليه والدعاء له ودفنه، فهذا لا بأس به. ونعي للمكاثرة والمفاخرة وأن يذهب أشخاص إلى الأسواق أو إلى غير ذلك، ويعلنون موت فلان، فهذا للمكاثرة والشهرة والكثرة، وهو لا يجوز. ونعي كنعي الجاهلية: يا سندنا يا سيدنا يا صفوتنا يا كذا، ويصفونه بصفات أكثرها زور وبهتان، فهذا من النعي المحرم الذي نهى عنه النبي ﷺ . إذاً: النعي إخبارٌ بموت الميت، هذا الإخبار إن كان لمجرد الإعلام بموته عند ذويه وأقاربه وأصدقائه، ومحبيه ليشاركوا في مصالحه: من تجهيز ودفن وصلاةٍ عليه، ودعاء له، فهذه سنة، وما عدا ذلك فهو داخل في النهي؛ لأنه ﷺ مع نهيه عن النعي، نعى النجاشي لأصحابه. إذاً بهذين النصين واقترانهما نجد أن هناك نعياً منهياً عنه، ونجد هناك نعياً واقعاً بالفعل منه ﷺ ، ولا يمكن أن يجتمع النهي والفعل، كما أن السلب والإيجاب لا يجتمعان؛ لأنهما نقيضان لا يجتمعان. إذاً النعي المنهي عنه: ما كان فيه من صفات الجاهلية. والنعي المثبت المشروع هنا: ما كان من حق الميت وفي مصلحته، ثم إن العلماء ذكروا ناحية أخرى وهي أن الميت إذا نعي نعياً كنعي الجاهلية، فإذا وضع في القبر أتاه الملكان يعذبانه ويقولان: أأنت كذا؟ ويضربانه، فيقول: أنا ما قلت، كما جاء عن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه: (أنه مرض فأغشي عليه، فأتاه النبي ﷺ وعاده وقال: اللهم إن كنت جعلت له بقية في العمر فعافه، وإن كنت كتبت له كذا فسهل عليه، فتعافى وصح وقال: يا رسول الله! أمي كانت تقول كذا أو أختي كانت تقول كذا، فكنت أعذب على ذلك. من هنا قالوا: من نعي نعياً كنعي الجاهلية، فإنه يعذب بهذا النعي، فقيل: وما ذنبه وإنما كان النعي من الآخرين، فأجابه: أنه إذا كان يعلم من طبيعة أهله أنهم يفعلون ذلك، فوجب عليه أن يحذرهم، وأن يمنعهم في حياته كما جاء عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا مت فلا تنعوني أي كنعي الجاهلية، فإذا كان يعلم من حالهم أنهم يفعلون شيئاً من ذلك، وأوصاهم أن لا يفعلوا وقال: أنا لا أقبل ذلك، برئت ذمته، ومن فعل أقاربه شيئاً من ذلك بعد هذا فعلى أنفسهم، ويكون هو قد خرج من العهدة.

стр. 1184

نعي النبي ﷺ النجاشي وصلاته عليه نأتي إلى الحديث الثاني وهو (أن النبي ﷺ نعى النجاشي لأصحابه في اليوم الذي مات فيه) وعرفنا بأن نعي النبي ﷺ ، إنما هو مجرد الإعلام ولا شك، والنجاشي كان في الحبشة وهم بالمدينة، لا توجد هواتف ثابتة ولا جوالة ولا وسائل إعلام حديثة، لم يكن إلا الوحي، ولم يكن إلا المعجزة، كما وقع من النبي ﷺ ، أو ما يقع لبعض صالحي الأمة، كما وقع لـ عمر حين قال: (يا سارية الجبل) وإن كان بعض الناس، يطعن في هذه القصة وفي الرواية ويرتب عليها أشياء لا طائل تحتها، بل قالوا: النبي ﷺ كشف له ما بينه وبين الحبشة. نقول: الرسالة والنبوة والأمور الغيبية، لا نتدخل فيها، ويكفي أن نثبت الخبر، وقد جاء في غزوة مؤتة، وكان ثالث الأمراء ابن رواحة وذلك لما أرسل ﷺ جيشاً قوامه ثلاثة آلاف، وأميرهم زيد بن حارثة قال النبي ﷺ : (فإن أصيب: فـ جعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فـ عبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليختر المسلمون رجلاً منهم) ثم كشف الله له عن سير المعركة في يومها، فجلس على المنبر ثم قال (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم قال: أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم قال: أخذ الراية عبد الله وصمت، فلما صمت شك أو توهم الأنصار أنه وقع بـ ابن رواحة ما يكرهون، ثم أعاد وقال: أخذ الراية عبد الله بن رواحة فأصيب) فكان أشد إيلاماً على الأنصار في هذه الواقعة. فهنا أخبر النبي ﷺ بأن الذي أخذها أصيب ثم أخذها فلان، وجاء في ترجمة ابن رواحة أيضاً، وفي قصة مؤتة أن رجلاً جاء بخبرهم، فقال رسول الله ﷺ (إن شئت أخبرتنا، وإن شئت أخبرتك بالواقع، قال: أخبرنا يا رسول الله! فذكر له ما وقع بالفعل، فقال: والذي بعثك بالحق: ما غيرت حرفاً واحداً مما وقع، ثم قال ﷺ : الآن أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله ألا وهو خالد بن الوليد يفتح الله عليه أو يفتح الله إليه) يهمنا بأن الله يفعل لرسوله ما يشاء، وقد يلهم إنسانٌ عن أمر بعيد عن الواقع، ويكون حقاً، هذه أمور بعيدة عن الحس، وليس للعقل فيها تحكم، ولكن الأمر للواقع الفعلي. فهنا نقول: نعى النبي ﷺ النجاشي لأصحابه -أي أعلمهم بموته- والنجاشي كما يقولون، لقب مُلك، وليس لقب شخص، فكل من حكم الحبشة يسمى (نجاشي) . وكان نجاشي الحبشة آنذاك اسمه أصحمة وقيل بالحبشية معناه: عطية، وقيل: ألفاظٌ أخرى، وقيل: كل من ملك الروم قيصر، وكل من ملك الفرس كسرى، وكل من ملك القبط في مصر فرعون، وكل من ملك مصر في غير القبط يسمى العزيز وكل من ملك اليمن يسمى تبعاً، وهكذا ألقاب للملوك وليس للشخص بذاته. فـ النجاشي في ذلك الوقت كان لقب ملك الحبشة، فمن كان قبله يسمى نجاشياً، ومن كان بعده يسمى نجاشياً، كما هو معروف عند الناس في كسرى وقيصر. بقي عندنا ما يتعلق بإخباره ﷺ عن هذا النجاشي في ذلك الوقت، تجدون في منتقى الأخبار مع شرح نيل الأوطار تأتي روايات (مات اليوم رجلٌ صالح بالحبشة) وفي رواية أخرى (إن أخاكم النجاشي قد مات) فوصفه بأنه كان رجلاً صالحاً، وسماه أخاهم. وكونه يخرج ويصلي عليه، فهل النبي يصلي على مسلم أم على غير مسلم؟ هذا أكبر دليلٍ على أن النجاشي رضي الله تعالى عنه أسلم وآمن برسول الله ﷺ ، ولقد نذكر ما كان من شأنه في السيرة النبوية، بأن النبي ﷺ في سنة تسع لما اشتد الأمر على المسلمين بموت عمه وبموت زوجه خديجة ﵂، وكانت تسمى سنة الشدة، أو عام الحزن، واشتد حزنه ﷺ ، وتجرأ عليه بعض من كان لا يتجرأ في حياة عمه، وخرج إلى الطائف ثم رجع ثم قال لأصحابه (إن بالحبشة ملكاً عادلاً، أرى أن تهاجروا إليه لا يضام أحد في جواره) فقال: (ملكاً عادل) لأنه آنذاك، لم يبلغه خبر رسول الله، وفرقٌ بين كلمة (عادل) وبين (عدل) ؛ لأن العادل الذي يعدل في حكمه ويعادل بين المتساويين، وذلك مأخوذ من العِدْلة، والعِدْلة هي ما يكون في أحد شقي البعير، عِدلة عن اليمين وعِدلة عن اليسار، فإن تعادلت العدلتان في الوزن والثقل، وكان الحمل معتدلاً استراح البعير، وإن كانت إحدى العدلتين ثقيلة مال وكان البعير تَعِباً في هذا الحمل. فالعادل يصدق على كل من عدل في الحكم، وكما هي كلمة عمر رضي الله تعالى عنه: لما بلغه أن عامله في مصر، أخذ دار امرأةٍ حينما أراد أن يبني الفسطاط، وجاءت واشتكت إلى عمر إلخ، كتب إليه كلمة ونصف فقال: (نحن أحق بالعدل من كسرى) المرأة تعجبت، هذا صاحب الهيمنة وصاحب كذا، يعطي هذه الرقعة وفيها هذه الكلمة، ماذا عساها أن تجدي؟!! وكانت تستثقل رحلتها من وإلى مصر، فلما وصلت وأعطتها إياه، وضعها على رأسه، وأمر العمال أن يهدموا كل ما بنوه على أرض المرأة، وأمر أن يقيموا لها بيتها على أحسن ما كان، قالت: واعجباً أميرهم هناك، وبهذه الرقعة يفعل كذا، والله هؤلاء الناس على حق!! وأسلمت! فنحن يهمنا قوله: (نحن أحق بالعدل من كسرى) . إذاً: العدل صفة في الملك لمن أراد دوام ملكه، ويقول الإمام ابن تيمية ﵀: (الملك يدوم مع العدل ولو لكافر، ولا يدوم مع الظلم ولو لمسلم) . إذاً ملكٌ عادل: وهذا من عقلاء الملوك، فأشار النبي على أصحابه بالهجرة، فهاجروا إليه، فلما هاجروا أرسل أهل مكة بعد بدر للذين هاجروا إلى الحبشة ليثأروا لقتلى بدر، وأرسلوا عمرو بن العاص وكان من دهاة العرب وصديقاً للنجاشي في ذلك الوقت، أرسلوه بهدايا، فجاءه وسجد له على ما كان يتعامل معه، وقال: يا أيها الملك! إن أُناساً منّاً فارقوا ديننا ودين آبائهم، ولجئوا إلى بلادك وليسوا على دينك، وقد أرسلنا قومهم إليك لتردهم إلى قومهم، فقال: ما كان لي أن أرد قوماً اختاروني على غيري حتى أدعوهم وأسمع ما عندهم، وأعرف ما لديهم، فدعاهم، وكان جعفر رضي الله تعالى عنه، هو خطيب القوم. وقال: لا يتكلم أحدٌ غيري، فلما دخلوا على النجاشي وعمرو بجانبه، لم يسجد للملك، فقال: انظر! لم يسجدوا لك كما نسجد، -بأسلوب فيه إثارة- فقال النجاشي: ما لك لا تسجد كما يسجد القوم؟ قال: أيها الملك! نحن لا نسجد إلا لله، قال: وما ذاك، قال: كنا في جاهليةٍ جهلاء يأكل قوينا ضعيفنا، ونأكل كذا، ونفعل كذا -وعدد المنكرات- ثم قال: فبعث الله فينا رجلاً منا نعرف نشأته ومولده ونسبه، وصدقه وأمانته، فأمرنا بعبادة الله وحده وبالصدق، وبالأمانة وصلة الأرحام و. و. إلخ. وجد النجاشي كلاماً حسناً، كما قال دريد بن الصمة لما أرسل ولده من الطائف إلى مكة انزل وأتني بخبر هذا الرجل، فرجع إليه وقال: والله إنه ليأمر بالصدق وبأداء الأمانة وصلة الأرحام وكذا وكذا، قال: والله يا بني! إن لم يكن ديناً فهو مكارم الأخلاق. فهذا قول رجل جاهلي، فكذلك النجاشي سمع كلاماً حسناً فغاظ عمرو بن العاص، وقال: اسأله ماذا يقولون في مريم وابنها عيسى. انظروا يا إخوان! الأعداء كيف يكيدون للمسلمين، وكيف يثيرون الشبه، ليحرضوا عليهم أعداءهم، فسأله، فقال: أيها الملك! نقول ما قال الله فيه، قال: وماذا يقول الله فيه؟ فقرأ عليه مطلع سورة مريم ثم قال: نقول فيه: إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم. إلخ. فما كان من النجاشي إلا أن أهوى إلى الأرض، وأخذ عوداً ثم قال: والله ما زاد صاحبكم على عيسى ومريم مثل هذه القشة على ما جاء في التوراة والإنجيل. ومن هناك دخل الإيمان في قلب النجاشي، ثم قال لبطارقته: ردوا عليهم هداياهم، لا حاجة لي في هداياكم -أي: هدايا كفار قريش-، فإن الله لم يأخذ مني الرشوة على أن رد لي ملك أبي، وكانت له قصة مع أبيه ومع أخيه، ثم قال لـ جعفر وأصحابه: سبحوا في بلادي لا يؤذيكم أحد، من اعتدى عليكم كأنه اعتدى عليّ، فصاروا آمنين. بعد فترة فإذا بـ عمرو يأتي إلى النجاشي مرةً أخرى، ويدخل رجل مُرسَل بكتاب من رسول الله إلى النجاشي، يشكره على ما صنع بالمسلمين، فذهب عمرو مع أصحابه ودخل على الملك، أو كانوا فروا من مكة لما سمعوا بالنصر في بدر، ولما سمعوا بظهور الإسلام، قالوا: نذهب عند النجاشي ليس لنا طريق إلا هو، ضاقت بنا الأرض، واجتمع عدد من الصحابة فراراً بالإسلام عند النجاشي يعيشون في ظل ملكه، فرأى عمرو هذا الرسول، فدخل على النجاشي وقال في نفسه: (لئن طلبت هذا الرجل من النجاشي أضرب عنقه، لرأت قريش أني صنعت شيئاً) ، فدخل على النجاشي، وقال: أيها الملك! أطلب منك أن تعطيني هذا الرجل أضرب عنقه، لترى قريش أني فعلت لها شيئاً! يقول: فما كان منه إلا أن صكني على وجهي، حتى سال الدم من أنفي ولطخ ثيابي، ثم كأنه أسف على ذلك، ثم قال: أتطلب مني رسولَ رسول الله الذي يأتيه الناموس من السماء، قال: أيها الملك! أتعلم بأنه رسول الله؟ قال: يا عمرو! والله إنه لرسول الله، ولينصرنه الله كما نصر موسى وعيسى قال: يا أيها الملك! أتبايعني على الإسلام له، قال: نعم، فبسط النجاشي يده وب

стр. 1185

صلاة الجنازة على الغائب ومن فقه الحديث: هل لنا أن نصلي على الغائب أم لا؟ يقولون في الصلاة على الجنازة: (اللهم اغفر له اللهم ارحمه) والجنازة أمامنا وبين أيدينا، فإذا كان غائباً كيف نصلي عليه بالنية أو بالقصد؟!! فهناك من قال: لا يصلى على غائب، وهناك من قال: يصلى؛ لصلاته ﷺ ، وهناك من قال: هذه الصلاة خصوصية لماذا؟ قالوا: لأن الله لما كشف لرسوله موت النجاشي، كشف له عن جنازته، فلكأن النجاشي بين يديه وهو يكبر ويدعو له. والآخرون يقولون: والذين خرجوا معه، وصفوا خلفه، وكبروا وصلوا على النجاشي هل كانوا يشاهدون الجنازة؟ ما كانوا يشاهدونها، وإنما صلوا تبعاً له، ومن هنا يختلفون في الصلاة على الغائب. فبعض العلماء قال: إذا مات إنسان في بلد، ويغلب على الظن أنه لا يوجد فيها من يصلي عليه، ودفن بغير صلاة، صلينا عليه، ولكن وجدنا ذلك كما يقول الآخرون مدفوعاً، بأن لا تخلوا الحبشة من بعض المسلمين، وكذلك أيضاً ما دام قد فعل ﷺ ، ولم يخصص ذلك وذكروا بأن الرسول ﷺ صلّى على معاذ بن مقرن أو فلان، وهو في تبوك، والميت في المدينة، والحديث تكلم عنه ابن كثير بضعف؛ لأن جبريل أتاه وقال (إن فلاناً قد مات، فأسف عليه، قال: هل لك أن تصلي عليه؟ قال: بلى، فقال: بيده هكذا، وفرج له ما بينه وبين المدينة، فصلى عليه وهو يرى جنازته) . فقالوا: هذا من خصوصياته ﷺ ، والجمهور على جواز الصلاة على الغائب، وأخذاً من هذا الحديث ومن فعله ﷺ .

стр. 1186

من صلى عليه أربعون رجلاً موحداً يشفعون فيه وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) رواه مسلم. بدأ المؤلف يتجه إلى الصلاة على الجنائز، وبدأ ببيان فضل العدد الذين تتاح لهم الفرصة في الصلاة على الجنازة. أولاً: هذا الحديث (ما من رجل يصلي عليه أربعون رجلاً ... ) جاءت روايات متعددة في هذا المعنى: (لا يشركون بالله شيئاً) وجاء: (مائة رجل) وجاء: (صلى عليه أمة يبلغوا أن يكونوا ثلاثة صفوف) ومن هنا استحب بعض العلماء: إذا كان العدد قليلاً أن يقسمهم الإمام إلى صفوف ثلاثة، ولو كان الصف شخصين فقط، لتعدد الصفوف على رواية ثلاثة صفوف، وجاء: (وصلى عليه أربعة من جيرانه الأدنين) وجاء: (صلى عليه أربعة، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أو ثلاثة؟ قال: أو ثلاثة، قال: أو اثنان؟ قال: أو اثنان، يقول: وسكت أن أسأله عن الواحد) فهذه النصوص، جاءت أن من صلى عليه أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً أو مائة رجل أو أربعة رجال؛ يشهدون له، أو يشفعون فيه، إلا شفعهم الله فيه، وشفاعتهم فيه قالوا: يخلصون له الدعاء، فيدعون له بالمغفرة، وبحسن الجزاء إلخ، بنية خالصة، وبقصدٍ طيب بأن الله يغفر له، وبعضهم يقول: يشفعون، أو يشهدون له بالثناء عليه خيراً، وورد (بأن جنازةً مرت، فأثنوا خيراً، فقال ﷺ : وجبت، وقيل: قالها ثلاث مرات، وجبت، وجبت، وجبت ومرت جنازة أخرى، فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت، وجبت، وجبت، فقال عمر: ما وجبت يا رسول الله؟! قال: وجبت الجنة بالثناء عليه، ووجبت النار بذمه، أنتم شهداء الله على خلقه) وبعضهم يقول: هناك رواية الله أعلم بصحتها: (إن لله ملائكة تنفث على ألسنة الخلق بما تشهد به) كل هذه الروايات متكلم فيها، ولا ينبغي تعمد قول: ماذا تقولون؟ أو على ماذا تشهدون؟ لأن هذه أمور فيها إحراج، ولا ينبغي ذلك، إنما يكون عفوياً إذا اجتمع جماعة، وصلوا على ميت، وأخلصوا الدعاء له، هم بأنفسهم كانوا شفعاء له عند الله بدعواتهم وصلاتهم عليه. فقال ﷺ : (ما اجتمع أو ما صلى أربعون رجلاً على مسلم، أو على ميتٍ، لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) وعلى ما تقدم من أن العدد ليس قاصراً على الأربعين ولا على المائة، وبعض العلماء يقول: هذا عدد لا مفهوم له، يعني: ليس له مفهوم مخالفة، فلو جاء عدد مائة ونقص واحد أو عشرة وصاروا تسعين، لا نقول إن هذا يبطل العدد، لا. وبعضهم يقول: إن تلك الحالات أجوبة عن أسئلة قد صدرت. بمعنى واحد يسأل: يقول: يا رسول الله! رجل صلى عليه أربعون رجلاً، أيشفعون فيه؟ قال: نعم. ثم جاء رجل آخر وقال: رجل صلى عليه مائة رجل يشفعون فيه؟ قال: نعم. يعني لم يكن ذلك ابتداءً وتحديداً من النبي ﷺ ، ولكن كانت أسئلة، والأسئلة مختلفة، تارةً يسأل عن أربعين، وتارةً يسأل عن أربعة، وتارةً يسأل عن مائة، وفي كلٌ يجيب: بنعم يشفعون فيه. والله تعالى أعلم.

стр. 1187

كتاب الجنائز [٨] الصلاة على الجنازة حق من حقوق المسلم على أخيه المسلم، لكن لهذه الصلاة أحكام وسنن كثيرة ينبغي على المسلم استكمالها، حتى يحوز الأجر ويفوز بالفضل

стр. 1188

باب أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه وعن سمرة بن جندب ﵁ قال (صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسْطها) متفق عليه. هذا شروع في كيفية الصلاة على الجنازة، وذلك أن الميت إما أن يكون رجلاً أو امرأة أو أن يكون عدد من الموتى رجالاً أو نساءً، أو رجالاً ونساءً، فأين يكون موقف الإمام من الجنازة إن كانت واحدة رجلاً أو امرأة؟ وكيف توضع وترتب الجنائز إن اختلفت وتعددت، هنا يقول: (صليت وراء النبي على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها) الوسْط بالتسكين للمحسوس، والوسَط بالحركة للمعنوي، خير الأمور الوسَط، تقول: جلس فلان وسْط الدار، جاء يمشي وسْط رجلين، فبالتسكين للمحسوس، وبالتحريك للمعنوي، فوقف النبي ﷺ في وسْطها، لم يقف عند رأسها، ولا عند قدميها، بل في الوسْط، وهذه هي: سنة الموقف عند الصلاة على المرأة. وإذا كان الميت رجلاً فإنه يقف عند كتفيه، أو في الجانب الذي يلي الرأس وليس في الوسْط، وإذا كان هناك جنازات متعددة، فإن كانوا رجالاً جعلوا الأفضل مما يلي الإمام، وقال قوم: الأفضل يقدم إلى القبلة، كما جاء: (قدموا أكثرهم أخذاً للقرآن) في دفنهم في القبر. وإذا كان هناك رجال ونساء فإنهم يجعلون الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة، هذا مجمل ما في المسألة، وسيأتي له تتمة إن شاء الله في ترتيب الصلاة على الجنائز المتعددة. هناك صورة تكلم عنها صاحب وفاء الوفاء، وهو إذا تعددت الجنائز هل نرصهم بالطول، بحيث يكون رأس هذا عند رجلي ذاك، أو نرصهم يميناً ويساراً إلى عرض المسجد، أو نرصهم شمالاً وجنوباً هذا بجانب هذا، ورأس هذا محاذاة لرأس ذاك، وأقدام هذا محاذاة لأقدام ذاك؟ الذي عليه الجمهور أنهم يرصون الأول والثاني مما يلي القبلة في عرض واحد وتكون رءوسهم متساوية من جهة الرءوس، وأقدامهم متساوية من جهة الأقدام، لا أن يمددوا الواحد تلو الثاني إلى اليمين واليسار. وهناك تتمة لكيفية وقوف الإمام بالنسبة للرجل، وهو أن يكون عند صدره، وهذه المسألة لها صور بالنسبة للواقع مختلفة؛ لأن الجنازة إما أن تكون واحداً: رجلاً أو امرأة، أو متعددة رجالاً أو نساء، أو متنوعة رجالاً ونساء، فإذا كانت الجنازة واحدة فالمرأة يقف الإمام وسْطها، والمصلون يصفون من وراء الإمام، والقاعدة يا إخوان! بهذه المناسبة أن صفوف الصلاة في الجماعة تبنى وتنشأ من خلف الإمام مباشرة، ثم تمتد من اليمين ومن اليسار، لأننا ربما نجد بعض الإخوان في صلاة الجماعة (الصلاة العادية) يصفون من طرف الصف من الميسرة أو من الميمنة، وهذا خطأ، وصحة بناء الصف الجديد أن يبدأ من خلف ظهر الإمام، ثم يمتد يميناً أو يساراً، وهكذا في صلاة الجنازة، الإمام يقف في الموضع الذي بيَّنه الفقهاء ابتداءً من هذه المرأة، يقف وسْط المرأة والمصلون يصفون وراءه يميناً ويساراً. وتقدم بأنه كلما كثرت الصفوف، ولو لم تكن مكتملة إلى النهاية، فهو أفضل بالنسبة للجنازة، أما الصلوات الخمس فأتموا الصف الأول فالأول. فالحاصل في الوقوف على الجنازة أن المرأة يوقف عند وسطها، والرجل عند صدره، فإن كانوا رجالاً متعددين، فمهما كان العدد فيصلى عليهم صلاة واحدة بأربع تكبيرات، ولكن كيف يُصَفون أيُصَفون تباعاً من القبلة إلى الإمام ويتأخر الإمام إلى الوراء؟ أم يُصَفون سلسلة، بحيث يكون رأس كل واحد عند قدمي الآخر، ويمتدون يميناً ويساراً بالنسبة للإمام؟ الذي عليه الجمهور أنهم يرصون تباعاً، يبدأ بالأول من جهة القبلة ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ويكون الإمام عند الأخير منهم، وتتحاذى رءوسهم وأقدمهم، ويصلي على الجماعة كما يصلي على الواحد أربع تكبيرات على ما سيأتي، ويقف أيضاً عند محاذاة صدر الأخير في الرجال، وإن كن نساء كان الوضع أيضاً تباعاً، ويقف وسْط المرأة الأخيرة، هذا إذا كان الجنس واحداً. فإذا كانت الجنائز رجالاً ونساءً، فالجمهور يقولون: يقدم النساء إلى القبلة، أي: يبعدن عن الرجال، ويكون الرجال وراء النساء مما يلي الإمام، فالنسوة يقدمن إلى القبلة، والرجال يكونون حاجزين بين جنائز النسوة وبين الإمام والمصلين. وبعضهم يقول وهو خلاف الجمهور: العكس؛ لأن الرجال أفضل، فيقدمون في الصلاة، ولكن المسألة ليست بالأفضلية، لأننا نظرنا المغايرة في الموقف بين الرجل والمرأة، ولم ننظر في الأفضل. إذاً: ما قاله الجمهور هو السنة المتتابعة أو المنقولة، وعليها عمل الجماهير. فإذا وجد طفل فأين يوضع؟ قالوا: إذا وجد طفل دون السابعة فإنه يوضع مع تلك الجنائز؛ سواء مع امرأة أو مع رجل، فإن كانت هناك امرأة والطفلة أنثى فتوضع مع المرأة على خشبتها (على جنازتها) وإن كان الطفل ذكراً، وكان الميت رجلاً وضع مع الرجل على جنازته، وإن كانت امرأة وحدها ويوجد طفل وكان صغيراً وضع معها على الخشبة التي هي عليها، وكان تبعاً لها في الصلاة. هذا هو ترتيب وضع الجنائز في صلاة الإمام عليها، واحداً أو واحدة، أو جماعة ذكوراً أو إناثاً، أو كانوا من الجنسين معاً. والله الموفق.

стр. 1189

باب الصلاة على الجنازة في المسجد وعن عائشة ﵂ قالت (والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني نيضاء في المسجد) رواه مسلم. هذا الحديث الذي تقسم عليه عائشة ﵂، ونحن نعلم في سر البلاغة في العربية أن من أساليب الكلام: الأسلوب الابتدائي، والأسلوب الإنكاري، والأسلوب الطلبي، فالأسلوب الابتدائي مثلاً: إنسان يكون له شخص غائب -كأخيه مثلاً-، ويكون جالساً تقول له: جاء أخوك؛ لأنه ليس منكراً لمجيئه، ويترقب الخبر عن مجيئه، تقول: جاء أخوك، وتلقي إليه الخبر بدون عوامل تأكيد، لكن إذا كان هو يشك: هل أخوه يأتي أو لا يأتي، تقول له: لقد جاء أخوك، إذ إن كلمة جاء أخوك لا تكفي، فلذلك تزيد في أسلوب التأكيد ما يعادل التشكيك الذي عنده فتقول: لقد جاء أخوك، باللام و (قد) فإذا استبعد ذلك وقال لك: لا أبداً، أنا عندي خبر أنه لن يأتي، فإنك عندئذٍ تقول له: والله لقد جاء أخوك، وتزيد التأكيد بالقسم. إذاً: القسم لا يأتي ابتداءً؛ لأن هذا ليس من أسلوب البلاغة العربية. هناك ناحية أخرى كما يقولون: إذا نُزل غير المنُكِر منزلة المنكر، أو العكس، وهذا فن في البلاغة ليس لنا حاجة للانشغال به الآن، فهنا أم المؤمنين عائشة ﵂ تأتينا بالجملة الخبرية ابتداءً مقدمة بالقسم، إذاً: لابد من وجود شيء قبل ذلك حملها على أن تُقسم هذا القسم!! وهو أن أصل هذا الحديث أنها قالت لما توفي سعد ﵁: (مروا به على المسجد لأصلي عليه) فأنكروا عليها، كونهم يدخلون الميت المسجد، فقالت: والله، أي: أقسمت، ترد على المنكرين طلبها إدخاله المسجد.

стр. 1190

حكم الصلاة على الجنازة في المسجد وهنا يأتي البحث: هل يصلى على الجنائز في المسجد أو خارج المسجد، أو عند المقبرة، أو في بيته حيثما جهز؟ إذاً: حديث عائشة ﵂ في تحديد أو تعيين أو بيان مكان الصلاة على الجنائز، ويذكر العلماء في أصل هذه المسألة كما أشرنا سابقاً، وقد يكون من زمن طويل، بأن النبي ﷺ لما جاء المدينة كان في بادئ الأمر يتفقدهم، وإذا مرض إنسان يسأل عنه ويعوده، فإذا احتضر رغب أن يحضر تجهيزه، ويصلي عليه في بيته، ويحملونه من بيته مجهزاً ومصلىً عليه وينطلقون به إلى البقيع، فكانوا إذا احتضر الشخص آذنوا رسول الله ﷺ ، فيأتي ويحضر، وتتم المهمة، ويُحمل ويتبعه من يتبعه إلى البقيع، فلما كثر مثل ذلك قالوا: إننا نشق على رسول الله ﷺ أن نؤاذنه على جميع موتانا، فالأولى أن نصبر حتى نجهز الميت ونذهب به إلى رسول الله ليصلي عليه هناك دون أن نكلفه المجيء، وقد يكون نزول الموت في الليل أو غير ذلك، فاتفقوا على هذا. وكلكم يعلم ما يسمى بفرش الحجر، وهو مصلى الجنائز، وهو الحوش الصغير الذي ما بين باب جبريل وباب البقيع الذي فتح مؤخراً، هناك حوش صغير يمتد من باب جبريل إلى الجنوب بجوار المسجد، خارج المسجد -تلاحظون هذا أم لا- هذا قديماً كان يسمى فرش الحجر؛ لأنه مفروش بالحجر المنحوت، فكان هذا الحوش هو مصلى الجنائز، وكان شرقي الحجرات ملاصقاً لها، وليس كالوضع الحالي الآن، والحجرات كانت في السابق جدار الحجرات هو جدار المسجد من الشرق، والطرقة الموجودة الآن ما بين الحجرات، والجدار الذي فيه باب جبريل وباب البقيع ما كانت هذه الطرقة موجودة، إلا بعد ما وقعت قضية الأعاجم الذين جاءوا وأرادوا أن ينقلوا جثمان الرسول ﷺ ، وقصتهم طويلة في السيرة وفي تاريخ المدينة. فلما حفروا حول القبور الشريفة، وصبوا الرصاص حولها، وأمنوا في ذلك جعلوا هذه الطرقة؛ لأن الذين جاءوا نزلوا في رباط كان ملاصقاً لجدار الحجرات من الجهة الشرقية، فنزلوا في ذاك الرباط، وحفروا في مكانهم، وبعمق حتى وصلوا إلى مستوى القبر الشريف، وهناك أُنذر الخليفة العثماني، ورأى في النوم. إلى آخر القصة الطويلة، فلما عمروا المسجد بعد ذلك جعلوا هذه الطرقة لئلا يتوصل إنسان بعد ذلك بأن يحفر بجوار الجدار، ويأتي إلى الجثمان الطاهر الشريف. إذاً: تكون الطرقة مانعة من إمكان الوصول كما وصل أولئك في السابق. فكان مصلى الجنائز، وفرش الحجر ملاصقاً لجدار الحجرات، وكان ﷺ إذا جيء بالجنازة خرج إليها وصلى عليها في هذا المكان.

стр. 1191

حكم إدخال الجنازة إلى المسجد وهنا اختلفوا في صلاة الجنازة على الميت في المسجد، فقالوا: كان يصلي عليها خارج المسجد، وهذا مصلى الجنائز معروف، والطريق الذي كان قبلي المسجد في المدينة سابقاً يسمى درب الجنائز، يعني: طرق مجيء الجنائز من أطراف المدينة، وتأتي إلى أن تأتي إلى الشرق وتأتي إلى المصلى -مصلى الجنائز الموجود حالياً- فهنا الناس منهم من يقول: لا يدخل الميت المسجد، وهناك من يقول: لا مانع من دخول الميت المسجد. الذين منعوا الدخول، وأقسمت لهم عائشة، وبينت لهم فعل النبي ﷺ ليس عندهم حديث يمنع دخول الميت المسجد، ولكنهم يقولون قولاً مردوداً، يقولون: الموت يأتي بالنجاسة، وكل حي مات تنجس. ويُرد عليهم بأن الإنسان مكرم، والمسلم لا ينجُس حياً أو ميتاً كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ يقول (كنت أتبع رسول الله ﷺ فتذكرت أني جنب، فانخنست عنه فذهبت فاغتسلت ثم جئت فلحقت به، فقال: أين كنت؟ قال: كنت نجساً فاغتسلت، ففهم ﷺ منه أنه أراد نجساً -يعني: جنباً- قال: يا أبا هريرة! إن المؤمن -المسلم- لا ينجس حياً ولا ميتاً) وعلى هذا قالوا: تعليل عدم دخول الميت المسجد للصلاة عليه بموته ونجاسته مرفوض، وهنا عائشة ﵂ تأتينا بفعل رسول الله، فابني بيضاء ماتا في وقت واحد، وجيء بهما إلى المسجد وصلى عليهم رسول الله ﷺ في المسجد. أيضاً يذكر علماء الحديث بأن الصديق رضي الله تعالى عنه لما توفي صلى عليه عمر في المسجد، ولما توفي عمر ﵁ صلي عليه في المسجد. إذاً: الصلاة على الجنازة في المسجد عمل الجمهور، والله أعلم.

стр. 1192

حكم صلاة المرأة على الجنازة بقي هنا سؤال جانبي، ونحن نحتاجه ويكثر السؤال عنه: هل المرأة تصلي على الميت؟ كثيراً ما يسأل بعض الناس عن هذا فيقولون: هل النسوة يصلين على الميت أم لا؟ فهذه أم المؤمنين تقول: (مروا به بالمسجد، ومروا به عليَّ لأصلي) فبعضهم يقول: لا، لا تصلي إنما تدعو، وأولوا الحديث عن ظاهره، ولو كانت هذه المسألة مسألة دعاء فتدعوا له حيث كان، لكن تريد أن يوقف وأن يوضع وأن تصلي عليه كما يصلى على جميع الجنائز، ثم ذكرنا سابقاً انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وأرادوا الصلاة عليه، ما كان هناك من يؤم الناس؛ لأن الخلافة لم تنعقد لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلا بعد بيعة سقيفة بني ساعدة، فهنا لعدم وجود إمام كانوا يدخلون عليه فرادى واحداً واحداً كلٌ يصلي وينصرف، وقيل: جماعات عشرة عشرة يدخلون فيصلون بدون إمام ثم ينصرفون، فأدخلوا الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان، أي المميزين، وعلى هذا فإن النسوة قد صلين على رسول الله ﷺ ، وأم المؤمنين تقول: (مروا بـ سعد عليَّ لأصلي عليه) إذاً النسوة يصلين على الميت، باستقلال أم تبع الرجال؟ ما دام أن هناك رجال فالرجال أولى بالإمامة، وهن يكن تبعاً، إذا لم يكن وحضرن وحدهن فلهن أن يصلين على الجنازة وتأمهن إحداهن. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1193

باب التكبير على الجنازة (عدد التكبيرات على الجنازة) وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال (كان زيد بن أرقم ﵁ يكبر على جنائزنا أربعاً، وإنه كبر على جنازةٍ خمساً، فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها) رواه مسلم والأربعة. هنا شروع في عدد التكبيرات، وأشرنا في الصلاة على النجاشي ﵁ أن الرسول ﷺ صفَّ بهم وكبر عليه أربعاً. قالوا كان التكبير قبل ذلك أربعاً خمساً سبعاً تسعاً وبعد أن كبَّر النبي ﷺ على النجاشي أربعاً، استقر الأمر على ذلك، وثبت على الأربع إلى أن انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى. نجد هناك روايات عن ابن عمر ﵄ يقول: (كان التكبير كذا وكذا، واتفقنا على أن تكون أربعاً) وتأتي رواية أخرى بأن عمر ﵁ هو الذي جمع الصحابة على أربع، وليس هناك تعارض؛ لأن فعل النبي ﷺ لمن حضر وسمع وعلم به. ومن لم يحضر ولم يسمع ولم يعلم كان على ما كان عليه الأمر أولاً، من شاء كبر أربعاً أو خمساً أو ستاً أو سبعاً، وقد يزاد على الشخص الواحد في ذاته لخصيصة عنده، فلما كان الأمر كذلك، ورأى عمر أن بعض الناس لم يبلغه اقتصار النبي ﷺ على الأربع، جمع الصحابة وأقرهم -أو اتفقوا وأجمعوا- على ألا يزاد عن أربع. وبعد ذلك لم تكن التكبيرات على الجنائز أكثر من أربع، إنما روي عن علي ﵁ أنه كبر على رجل خمساً، ولما سئل في ذلك قال: إنه بدري، يعني: زاده لكونه من أهل بدر، ونحن يهمنا التشريع العام، فليس عندنا الآن أحد من أهل بدر، وإنما عندنا التشريع العام لعامة المسلمين، وإذا كان الخلاف قد وقع قبل عمر، وانتهى الإجماع بعد عمر، وأصبح الأمر مستقراً بإجماع أصحاب رسول الله فلا ينبغي لأحد أن يزيد على الأربع تكبيرات التي توارثها الخلف عن السلف. هذا مجمل ما يتعلق بهذه المسألة وهو عدد التكبيرات على الجنائز.

стр. 1194

باب التكبير على الجنازة - التكبير على الجنائز أربعاً .

стр. 1195

بيان فقه المؤلف في تأخير حديث جابر وعن جابر ﵁ قال (كان رسول الله ﷺ يكبر على جنائزنا أربعاً، ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى) رواه الشافعي بإسناد ضعيف. من فقه المؤلف ﵀ أنه جاء بالتكبيرات المختلف فيها، ثم ختم في النهاية بحديث جابر ﵁ (كان النبي ﷺ كان يكبر على جنائزنا أربعاً) فكأن المؤلف يقول: أختم لك البحث، وأقضي لك على الخلاف بما ثبت عنه ﷺ . قوله: (ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى) رواه الشافعي بإسناد ضعيف.
следующие страницы →