← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

حكم إدخال الجنازة إلى المسجد وهنا اختلفوا في صلاة الجنازة على الميت في المسجد، فقالوا: كان يصلي عليها خارج المسجد، وهذا مصلى الجنائز معروف، والطريق الذي كان قبلي المسجد في المدينة سابقاً يسمى درب الجنائز، يعني: طرق مجيء الجنائز من أطراف المدينة، وتأتي إلى أن تأتي إلى الشرق وتأتي إلى المصلى -مصلى الجنائز الموجود حالياً- فهنا الناس منهم من يقول: لا يدخل الميت المسجد، وهناك من يقول: لا مانع من دخول الميت المسجد. الذين منعوا الدخول، وأقسمت لهم عائشة، وبينت لهم فعل النبي ﷺ ليس عندهم حديث يمنع دخول الميت المسجد، ولكنهم يقولون قولاً مردوداً، يقولون: الموت يأتي بالنجاسة، وكل حي مات تنجس. ويُرد عليهم بأن الإنسان مكرم، والمسلم لا ينجُس حياً أو ميتاً كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ يقول (كنت أتبع رسول الله ﷺ فتذكرت أني جنب، فانخنست عنه فذهبت فاغتسلت ثم جئت فلحقت به، فقال: أين كنت؟ قال: كنت نجساً فاغتسلت، ففهم ﷺ منه أنه أراد نجساً -يعني: جنباً- قال: يا أبا هريرة! إن المؤمن -المسلم- لا ينجس حياً ولا ميتاً) وعلى هذا قالوا: تعليل عدم دخول الميت المسجد للصلاة عليه بموته ونجاسته مرفوض، وهنا عائشة ﵂ تأتينا بفعل رسول الله، فابني بيضاء ماتا في وقت واحد، وجيء بهما إلى المسجد وصلى عليهم رسول الله ﷺ في المسجد. أيضاً يذكر علماء الحديث بأن الصديق رضي الله تعالى عنه لما توفي صلى عليه عمر في المسجد، ولما توفي عمر ﵁ صلي عليه في المسجد. إذاً: الصلاة على الجنازة في المسجد عمل الجمهور، والله أعلم.

стр. 1192

حكم صلاة المرأة على الجنازة بقي هنا سؤال جانبي، ونحن نحتاجه ويكثر السؤال عنه: هل المرأة تصلي على الميت؟ كثيراً ما يسأل بعض الناس عن هذا فيقولون: هل النسوة يصلين على الميت أم لا؟ فهذه أم المؤمنين تقول: (مروا به بالمسجد، ومروا به عليَّ لأصلي) فبعضهم يقول: لا، لا تصلي إنما تدعو، وأولوا الحديث عن ظاهره، ولو كانت هذه المسألة مسألة دعاء فتدعوا له حيث كان، لكن تريد أن يوقف وأن يوضع وأن تصلي عليه كما يصلى على جميع الجنائز، ثم ذكرنا سابقاً انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وأرادوا الصلاة عليه، ما كان هناك من يؤم الناس؛ لأن الخلافة لم تنعقد لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلا بعد بيعة سقيفة بني ساعدة، فهنا لعدم وجود إمام كانوا يدخلون عليه فرادى واحداً واحداً كلٌ يصلي وينصرف، وقيل: جماعات عشرة عشرة يدخلون فيصلون بدون إمام ثم ينصرفون، فأدخلوا الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان، أي المميزين، وعلى هذا فإن النسوة قد صلين على رسول الله ﷺ ، وأم المؤمنين تقول: (مروا بـ سعد عليَّ لأصلي عليه) إذاً النسوة يصلين على الميت، باستقلال أم تبع الرجال؟ ما دام أن هناك رجال فالرجال أولى بالإمامة، وهن يكن تبعاً، إذا لم يكن وحضرن وحدهن فلهن أن يصلين على الجنازة وتأمهن إحداهن. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1193

باب التكبير على الجنازة (عدد التكبيرات على الجنازة) وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال (كان زيد بن أرقم ﵁ يكبر على جنائزنا أربعاً، وإنه كبر على جنازةٍ خمساً، فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها) رواه مسلم والأربعة. هنا شروع في عدد التكبيرات، وأشرنا في الصلاة على النجاشي ﵁ أن الرسول ﷺ صفَّ بهم وكبر عليه أربعاً. قالوا كان التكبير قبل ذلك أربعاً خمساً سبعاً تسعاً وبعد أن كبَّر النبي ﷺ على النجاشي أربعاً، استقر الأمر على ذلك، وثبت على الأربع إلى أن انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى. نجد هناك روايات عن ابن عمر ﵄ يقول: (كان التكبير كذا وكذا، واتفقنا على أن تكون أربعاً) وتأتي رواية أخرى بأن عمر ﵁ هو الذي جمع الصحابة على أربع، وليس هناك تعارض؛ لأن فعل النبي ﷺ لمن حضر وسمع وعلم به. ومن لم يحضر ولم يسمع ولم يعلم كان على ما كان عليه الأمر أولاً، من شاء كبر أربعاً أو خمساً أو ستاً أو سبعاً، وقد يزاد على الشخص الواحد في ذاته لخصيصة عنده، فلما كان الأمر كذلك، ورأى عمر أن بعض الناس لم يبلغه اقتصار النبي ﷺ على الأربع، جمع الصحابة وأقرهم -أو اتفقوا وأجمعوا- على ألا يزاد عن أربع. وبعد ذلك لم تكن التكبيرات على الجنائز أكثر من أربع، إنما روي عن علي ﵁ أنه كبر على رجل خمساً، ولما سئل في ذلك قال: إنه بدري، يعني: زاده لكونه من أهل بدر، ونحن يهمنا التشريع العام، فليس عندنا الآن أحد من أهل بدر، وإنما عندنا التشريع العام لعامة المسلمين، وإذا كان الخلاف قد وقع قبل عمر، وانتهى الإجماع بعد عمر، وأصبح الأمر مستقراً بإجماع أصحاب رسول الله فلا ينبغي لأحد أن يزيد على الأربع تكبيرات التي توارثها الخلف عن السلف. هذا مجمل ما يتعلق بهذه المسألة وهو عدد التكبيرات على الجنائز.

стр. 1194

باب التكبير على الجنازة - التكبير على الجنائز أربعاً .

стр. 1195

بيان فقه المؤلف في تأخير حديث جابر وعن جابر ﵁ قال (كان رسول الله ﷺ يكبر على جنائزنا أربعاً، ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى) رواه الشافعي بإسناد ضعيف. من فقه المؤلف ﵀ أنه جاء بالتكبيرات المختلف فيها، ثم ختم في النهاية بحديث جابر ﵁ (كان النبي ﷺ كان يكبر على جنائزنا أربعاً) فكأن المؤلف يقول: أختم لك البحث، وأقضي لك على الخلاف بما ثبت عنه ﷺ . قوله: (ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى) رواه الشافعي بإسناد ضعيف.

стр. 1196

القراءة في صلاة الجنازة هذا الجزء من الحديث شروع في كيفية الصلاة، فقد عرفنا أن التكبيرات أربع، لكن ماذا يفعل في التكبيرات الأربع؟ بدأ المؤلف في بيان ذلك فقال: في حديث جابر: (كان النبي ﷺ يكبر على جنائزنا أربعاً، ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى) مسألتان: الأولى: أنه يقرأ بفاتحة الكتاب، والثانية: أن ذلك في التكبيرة الأولى. لأن بعض الناس قد يقول: التكبيرات الأربع تعادل الركعات الأربع في الصلاة الرباعية، فيتوهم بأنه يقرأ في كل تكبيرة فاتحة الكتاب. فـ جابر بيَّن لنا أنه تقرأ فاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى، أما التكبيرات التي بعدها فسيأتي الكلام عما يقال فيها. فمسألة قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة مسألة مستقلة. ربما نجد من يقول لا قراءة في صلاة الجنائز؛ لأنها عبارة عن دعاء، وربما يستدلون بما جاء عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه كان ماراً بالمسجد فرأى جنازة في الداخل، فتيمم عند باب المسجد ودخل وصلى، قالوا: كيف تتيمم والماء موجود، أي: ليس هذا محل تيمم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة:٦] ، والماء موجود، قال: إنما هي دعاء، فقالوا: تساهل في ترك الوضوء واكتفى بالتيمم، على أن الصلاة على الميت دعاء، إذاً: فلماذا الفاتحة؟ إذاً القول الأول: أن صلاة الجنازة لا فاتحة فيها. والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة: على أن صلاة الجنازة فيها فاتحة. تأتي مسألة ثانية: فاتحة الكتاب في الصلوات الخمس معها سورة صغيرة أو آية، فهل فاتحة الجنازة معها كذلك أو يقتصر على الفاتحة. نجد البعض يقول وهو الجمهور: يقتصر على الفاتحة فقط، ولا يؤتى حتى بدعاء الاستفتاح، ولا يؤتى بسورة معها ولا بآية؛ لأن أمر الجنائز مبنيٌّ على الإسراع، فلا يلائمها تطويل القراءة، فقالوا: يقرأ الفاتحة فقط، تنجيزاً لأمر الميت، والإسراع به إلى مقره. إذاً الجمهور على أن فيها قراءة، والقول بعدم القراءة مردود؛ لأن حديث جابر يقول: (ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى) وجاء عن ابن عباس (أنه قرأ الفاتحة وجهر) وبعضهم يزيد: الفاتحة وسورة وجهر، ثم قال: (ليعلموا أنها سنة) ولكن الصحيح: أنه جهر أو رفع الصوت بالفاتحة، ليعلم من خلفه في الصلاة على الجنازة بأن السنة قراءة الفاتحة. والجمهور على أنه لا يقرأ مع الفاتحة غيرها.

стр. 1197

ما يفعل المصلي بعد التكبيرات الأربع في صلاة الجنازة بعد ذلك تأتي التكبيرات الأخرى، وسيأتينا المؤلف ﵀ بما سُمع وأُثر ونُقل عنه ﷺ من الأدعية للميت في التكبيرات الأخرى. والذي عليه الجمهور في ترتيب التكبيرات الأربع، أن التكبيرة الأولى يقرأ فيها المصلي بالفاتحة، والتكبيرة الثانية يأتي بعدها بالصلاة والتسليم على النبي ﷺ ، والتكبيرة الثالثة يدعو فيها للميت، والتكبيرة الرابعة: يدعو فيها لنفسه، ثم يسلم بعد الرابعة، هذه هي التكبيرات الأربع وما يشرع معها من القراءة أو الأدعية أو نحو ذلك.

стр. 1198

باب التكبير على الجنازة - التكبير على البدري ستاً وعن علي ﵁ أنه كبر على سهل بن حنيف ستاً، وقال: (إنه بدري) . رواه سعيد بن منصور وأصله في البخاري. كبر علي ﵁ على سهل بن حنيف ست تكبيرات، ولما سئل في ذلك قال: (إنه بدري) إذاً الذي سأل يستنكر الزيادة على الأربع، وعلي زاد وأجاب من سأله، لم يقل: هذا هو التكبير المعتاد، كأن علياً قال: نعم أنا أعلم بأن التكبيرات أربع، وأعذرك فيما انتقدتني فيه، أو فيما تساءلت، وقد زدت عن الأربع التي تعرفها ويعرفها غيرك، وأعرفها أنا، لكن هذه الست بخصوص هذا البدري. فلو توفي أعلم خلق الله على وجه الأرض أو أصلح خلق الله على الأرض، أو ولي من أولياء الله الصالحين أو شيخ العلماء، أو سيد كذا وكذا أنزيد عليه تكبيرات لفضله؟ لا. لأن الأمة في زمن علي، وفي زمن عمر، وفي زمن الصحابة، وفي زمن التابعين، وتابعي التابعين، فيها من الفضلاء، وأهل الخير، وأهل الصلاح، وأهل العلم ما لا يوجد لهم نظير الآن، ومع ذلك لم ينقل لنا أنهم زادوا على أي شخص كان تكبيرة خامسة، فيكون قد انعقد الإجماع على أربع تكبيرات.

стр. 1199

قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة وعن طلحة بن عبد الله بن عوف ﵁ قال (صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: ليعلموا أنها سنة) رواه البخاري. حديث ابن عباس جاء بعدة روايات: (قرأ الفاتحة وسورة) ، (قرأ الفاتحة وجهر) ، (قرأ الفاتحة وسورة وجهر) . ولهذا بعض من يرى قراءة سورةٍ مع الفاتحة يستدل ببعض روايات ابن عباس، ولكن رواية البخاري لـ ابن عباس ليس فيها (وسورة) ، وليس فيها (وجهر) ولكن قوله: (ليعلموا أنها سنة) فهم لا يعلمون إلا إذا جهر. ولذا يقول بعض الشافعية: إن صُلي على الجنازة ليلاً وقت الجهر جهر، وإن صُلي عليها بالنهار وقت الإسرار أسر، ولكن الجمهور على خلاف هذا القول، فهم على أن القراءة في الصلاة على الجنازة كلها سراً، ليلاً كانت أو نهاراً.

стр. 1200

باب الدعاء للميت في صلاة الجنازة .

стр. 1201

الدعاء للميت بالأدعية الجامعة الشاملة وعن عوف بن مالك ﵁ قال (صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر، وعذاب النار) رواه مسلم. هذا شامل جامع لكل ما فيه سعادة المسلم: (اللهم اغفر له وارحمه) الغفر: الستر، ومنه المغفر على الرأس، فمعنى اللهم اغفر لي، أي: استر عليّ ذنوبي وغطها، وقد يكون ذلك بالمحو، ثم يأتي العفو، (واعف عنه) عفت الريح الأثر: أي أزالته، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] ، يعني: يزيلون آثار الغيظ من نفوسهم، حتى لا تكون رد فعلٍ فيما بعد. (اللهم اغفر له وارحمه) الدعاء بالرحمة كما يقول العلماء بالنسبة للآخرة، في قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] ، قالوا: الرحيم: صيغة مبالغة، على وزن فعيل، فهذه صيغة مبالغة، قالوا: والرحمن: صفة للدنيا، فهو رحمان الدنيا ورحيم الآخرة، وجاء في الحديث: (إن الله قسم الرحمة مائة قسم، أنزل قسماً منها إلى الأرض، يتراحم بها الخلائق حتى البهائم، وإن الدابة لتضع حافرها على ولدها فترفعه رحمة به، وادخر تسعاً وتسعين جزءاً يرحم بها عباده في الآخرة) فهنا (وارحمه) : وفي الآية الكريمة: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ، سواء كانت القسم الواحد من المائة وسعته في الدنيا، أو المائة بكاملها، أو التسعة والتسعون في الآخرة وسعت كل شيء. (وعافه واعف عنه) والعافية: بدنية، والمعافاة: معنوية، ونحن نعلم بأن هذا الدعاء من أجمل وأشمل الأدعية؛ لأن من عافاه الله فهو سعيد، أي: عافاه في نفسه في ماله في ولده في سلوكه في عقيدته. إلى ما شاء الله. وتذكرون في دعاء ليلة القدر لما سألت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها رسول الله سؤال حبيب لحبيبه: (ماذا أقول إن أنا صادفت ليلة القدر؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عني) وهذا كما أشرنا إليه في محله أن تسأل الله باسم من أسمائه الحسنى بما يناسب المسألة، ولذا يقولون عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] وجاء في الحديث أنها تسعة وتسعون اسماً، فهل تسأل الله بتسعة وتسعين اسماً له في مسألة واحدة؟ قالوا: لا. ولكن تتخير من التسعة والتسعين اسماً من أسماء الله للمسألة التي تسألها، وتسأل بالاسم الذي يتناسب مع حاجتك، فمن يريد الرزق لا يقول: يا منتقم يا جبار ارزقني، ولكن يقول: يا رزاق يا كريم ارزقني، وكذلك المغفرة لا تقول: يا عظيم السلطان، وقل: يا غفور يا رحيم! وكذلك عندما تريد العفو تقول: اللهم إنك عفو، تسأله بالصفة التي تريد مسألة من نوعها. وهنا: (واعف عنه) ، أي: بلا سؤال ولا حساب ولا شيء؛ لأن من نوقش الحساب فقد عذب، فإذا كان محكوماً عليه بالإعدام أو بالسجن كذا سنة، فجاء له العفو خرج بالعفو، فعفو الله أوسع.

стр. 1202

معنى إكرام النزل وتوسيع المدخل (وأكرم نزله) النزل على قسمين: نزل بمعنى المنزل، أي: اجعل منزله كريماً واسعاً طيباً، ونزل بمعنى المقدمة في الضيافة التي تقدم بسرعة للضيف أول نزوله إلى أن تهيأ له المائدة الرسمية ومنه: ﴿نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢] فأول ما ينزل أهل الجنة، يكرمون بالنزل الخفيف، فكذلك الضيف الكريم عندك لا تقدم له حالاً المائدة، مرة تقدم له فاكهة، مرة تقدم له حلوى تقدم له قهوة إن كان من أهل القهوة، أو (شاي) إن كان من أهل (الشاي) ، هذا معنى النزل. (وأكرم نزله) أي: اجعل نزله الذي يقدم إليه أول مجيئه إليك كريماً، فسواء على النزل بمعنى الطعام الخفيف المقدم، أو على النزل: بمعنى المنزل الذي ينزله. (ووسع مدخله) تابعة للنزل، إذاً: القبر ضيق، والرسول يدعو أن يوسع، ولا يمكن أن يسأل رسول الله شيئاً مستحيلاً، فيمكن أن يوسع القبر، وقد جاء في الحديث أنه روضة أو حفرة، والروضة لا تكون ذراعاً، ويكون صاحبها مضغوطاً عليه، بل يفسح له مد البصر، فهنا يتحقق (ووسع مدخله) . (واغسله بالماء والثلج والبرد) سبحان الله: ماء ثلج برد، قد يكفي الماء، وقد يكفي الثلج، وقد يكفي البرد، يقول العلماء: أوائل درجة النظافة الماء، وهذا الغسل للحسيات، ثم يأتي الثلج والبرد بعد ذلك، ثلج الصدر، وبرد اليقين، كأنه حينما غسل بالماء طهر، لكن بقي بعض الخوف فيغسل بالثلج فيمتلئ صدره أماناً وطمأنينة، ثم يأتي البرد فيكون يقيناً، برد اليقين في نفسه بأنه اجتاز إلى بر السلامة، وهكذا يقولون: الماء يغسل الظاهر، والثلج والبرد يطهر الداخل، ويكسب النفس طمأنينة وارتياحاً، كما أن الماء يكسب الظاهر نظافةً ووضاءة. إذاً: ليس معناها يؤتى بالثلج ويغسل بعد الماء، ولا يؤتى بالبرد، مع أن بعض العلماء يقولون: البرد أشد تنظيفاً من الصابون، لكن هذا لا يهمنا، الذي يهمنا شرح العلماء لهذا بأنها أمورٌ معنوية، لها أثر عليه كأثر الشيء البارد على القلب الحار. والله تعالى أعلم. (ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) ونقه من الخطايا، ما دام جاء العفو، وجاءت المغفرة، وجاء الغسل، فاغسله بالماء، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس؛ لأن الثوب الأبيض هو الخاص بالنقاء، لو جئت إلى ثوب أسود، وفيه ما فيه وغسلته فلا يحصل عندك العزيمة أو اليقين بأنه صار نقياً، بخلاف الثوب الأبيض الذي تطمئن إليه بالمشاهدة، وقد قيل: إن بياض الثياب هو الحمل للدنس. وكما أشرنا لو أن ذبابة وقعت على العمامة وأنزلت من بولها ثم ذهبت فلن تشاهد الأثر، فإذا كان أكثر من هذا وغسلته، ستشاهد أنها صارت نقية، بخلاف الثوب الأسود أو الأخضر أو غير ذلك.

стр. 1203

إثبات عذاب القبر ونعيمه (وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله) وذلك أن دار الدنيا لو كانت أفخم قصور الملوك فإنها لا تساوي شيئاً من أدنى منازل الجنة، حيث يقول النبي ﷺ : (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) فأبدله داراً خيراً من داره. (وأهلاً خيراً من أهله) الأهل يقولون: يشمل الولد، والزوجة، والأقارب، وذوي الأرحام إلخ. وبعضهم يقول: إذا كانت امرأة يؤنث الضمير في كل ما تقدم فيقول: اغفر لها، ارحمها، اغسلها، وسع لها. إلى آخره إلا هنا، عند الأهل تقول: جيراناً خيراً من جيرانها، لأن الزوج من الأهل، وقد تكون لزوجها. (وأدخله الجنة) ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] . (وقه فتنة القبر وعذاب النار) ، وهذا من أقوى الأدلة على وجود عذاب القبر، ورداً على منكريه، وتقدم لنا في موطأ مالك ﵀ المرأة اليهودية التي قالت لـ عائشة: (وقاه الله عذاب القبر، فلما جاء النبي ذكرت له عائشة ذلك، وقالت: أيعذب الناس في قبورهم؟ قال: نعم يا عائشة!) وهنا أيضاً كنت أسمع من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى عليه يقول: هناك نص في القرآن يدل على ذلك في قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فيعرضون عليها قبل قيام الساعة؛ لأن قوله: (ويوم تقوم الساعة) حالة ثانية. إذاً: فهم يعرضون عليها في القبر.

стр. 1204

كتاب الجنائز [٩] إن حق أخوة الإسلام بين المسلمين قائم في حياتهم، وبعد مماتهم، ومن حقوقهم بعد الموت شهود جنائزهم، والصلاة عليهم والدعاء لهم، وفيما يلي بيان لهذه المسألة، وما يجده القائم بحقوق إخوانه من الأجر في ذلك

стр. 1205

باب الدعاء للميت في صلاة الجنازة (إخلاص الدعاء للميت) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه أبو داود وصححه ابن حبان. هذا حق الميت على من يصلي عليه، أن يخلص له الدعاء ولو كان خصماً له؛ لأنه قد أفضى إلى ما قدم، وأنت وقفت مع المصلين، فيجب أن يكون باطنك مطابقاً لظاهرك، وقفت تصلي مع المصلين فيجب أن تخلص الدعاء له، فتؤجر على إخلاصك الدعاء له، وإذا كان بينك وبينه شيء آخر، فهناك في القيامة تتحاسبون. (من صلى على ميت فليخلص الدعاء له) لأنه تقدم لنا فيمن صلوا عليه من المؤمنين أو من أهل الخير، أو إلخ فشفعوا فيه شفعهم الله، فلا يشفعون إلا إذا أخلصوا الدعاء، والصلاة على الجنازة عبادة، والعبادة يجب فيها الإخلاص، ومن ضمن الإخلاص أن تخلص في الدعاء للميت. فمن الذي تسول له نفسه أن يرى أخاه مسجى أمامه، ويعلم بأنه سيلحقه على هذا الطريق، ووارد ذلك الحوض، ثم هو يصلي عليه غير مخلص، بأي ميزان؟ هذا لا يعقل أبداً إلا إذا كان خارجاً عن تصورات العقل.

стр. 1206

باب الدعاء للميت في صلاة الجنازة (اللهم اغفر لحينا وميتنا) .

стр. 1207

مشروعية الدعاء لعامة المسلمين في صلاة الجنازة وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى على جنازة يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا. الحديث) يلاحظ أن الدعاء الأول مخصص بمطالب معينة، و (له) قد يكون ضميراً لشخص معين يعرفه المصلي، ونحن عشرات المرات ومئات المرات نقول: الصلاة على الرجل الصلاة على المرأة، ولا نعرف من هو الرجل ولا من هي المرأة، فإذا كان معروفاً تسميه وبضميرٍ راجع إليه، وإذا لم يكن معروفاً لديك فهذا هو الدعاء، أي يكفي أن تقول: اللهم اغفر لحينا ومتينا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا إلخ. ومعنى شاهدنا: الحاضر، وغائبنا: الذي مات وهو غائب عنا، وفي بعض الروايات: (حاضرنا وغائبنا ﴿وصغيرنا وكبيرنا) صغيرنا: الطفل الذي يصلى عليه، وكبيرنا: إلى آخر ما يكون من العمر. (وذكرنا وأنثانا) إذا صليت على الجنازة ولا تعرف هل هو رجل أم امرأة فهذا الدعاء يجزئ، وبالجملة ليس هناك توقيت في لفظ معين في الدعاء عند الصلاة على الجنازة، فإن حفظت ما جاء عن النبي ﷺ (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله) إلخ فالحمد لله هذا مأثور عن النبي ﷺ ، وهو أشمل وأبرك. فإذا لم تكن تحفظ هذا، فأي دعاءٍ تدعو به فإنه يصح، إذا كان يتضمن طلب المغفرة والرحمة بإخلاص، كما تقدم قول النبي ﷺ (شفعوا فيه إلا شفعهم الله) فإن كنت تعلم الشخص الميت، وتنويه بالضمير (له لها) فبها ونعمت، وإلا فتأتي بالعموم: (حينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا) ، وبالمجموع: (ذكرنا أو أنثانا) ويكون على سبيل الإجمال فلا مانع. (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) لاحظ هذين اللفظين: (من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) هل هما متغايران أم شيء واحد؟ يقول علماء العقائد: الإسلام والإيمان إن افترقا اتحدا، وإن اتحدا افترقا، فهنا ذكرا معاً، فتكون للمغايرة، يدعو للحي أن يحيا على الإسلام؛ لأن الإسلام عملي ظاهري، وأركان الإسلام كلها ظاهرة، وإذا قام بأركان الإسلام كان مسلماً وأدى واجبه أمام المسلمين. أما (توفه على الإيمان) فهو العقيدة: (من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة) لأن الخلاص من الشرك ليس إسلاماً بل إيماناً، أعني أنه من عمل القلب ويتعلق بالعقيدة، وليس من عمل الجوارح، فالإيمان يقين، والعمل تابع للإيمان، وهو يزيد وينقص بالعمل. إذاً: الرسول ﷺ فرق ودعا للحي أن يحيا على الإسلام، سامعاً مطيعاً مستسلماً لأوامر لله، ودعا للميت أن يميته الله على الإيمان. (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده) رواه مسلم والأربعة. هذا هو الدعاء للمصلي بعد التكبيرة الأخيرة، أي: اللهم لا تحرمنا أجره في صلاتنا ودعائنا له، ولا تفتنا بعده، فهو قد خرج من الدنيا معافى، فلا تفتنا بفتنة تفتننا عن ديننا بعده، هذا هو مجمل الأدعية التي تكون في صلاة الجنازة: في التكبيرة الأولى: الفاتحة. في الثانية: الصلاة على النبي ﷺ . في الثالثة: الدعاء للميت بما تيسر لك. وفي الرابعة: لنفسك. ثم يكون السلام.

стр. 1208

باب الإسراع بالجنائز .

стр. 1209

مشروعية الإسراع بالجنازة وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) متفق عليه. والإسراع هنا يحتمل أمرين: سرعة التجهيز، فإذا كان هناك كفن عادي، فلا حاجة إلى أن نؤخره، إلى أن نحضر كفناً فاخراً، وإذا وجد من المسلمين من يؤدي الصلاة فلا حاجة إلى أن نؤخر إلى كثرة العدد، إلا أن يكون للميت من ذوي أقاربه -كأبنائه، وإخوانه، ووالديه- من يريد أن يقدم وكان غائباً ليراه ويشيعه، فلا مانع ما لم يتضرر الميت بالتأخير، أي: يشرع الانتظار بالجنازة لحين قدوم الغائب من ذويه وذوي رحمه ما لم يكن الوقت صيفاً كما هو الحال في الجزيرة، أو يتوقع حصول ضرر على الجنازة، بأن تكون قد توفيت من أول الليل مثلاً، فإنه ينتظر به إلى الصباح، على ما سيأتي في باب النهي عن الدفن ليلاً، لما قد يقع فيه من تقصير. وهنا مسألة التقسيم الذي يقوله الأصوليون، يقول ﷺ : (أسرعوا بالجنازة) كلمة (أسرعوا) تحتمل كما أسلفنا: سرعة تجهيزه، ويحتمل الإسراع في المشي به عند حمله، ولكن المعنى الثاني أرجح؛ لقوله ﷺ : (تقدمونها إليه) هذه مشتركة، وقوله (شرٌ تضعونه عن رقابكم) والشر الذي نضعه عن الرقاب هو ساعة الحمل حينما نحمله. إذاً: السنة في تشييع الجنائز الإسراع بها، وكما يقولون: إكرام الميت دفنه وستره، كما أنهم يقولون أيضاً: إذا مات نهاراً لا ينبغي أن يبيتوه؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يبيت الميت وسط أهله؛ لأنهم يستوحشونه، أو كان ميتهم أخاهم أو أباهم أو ولدهم فإنهم يستأنسون بحضوره ويؤانسهم، ولكن بعد الموت ترى طفله الصغير يخاف أن يدخل عنده، ترى الشخص الكبير قد يخاف أن يدخل عليه، فما ينبغي أن يبيت الميت إلا لحاجة أو لضرورة. ثم بيَّن ﷺ حال الميت، إما أن يكون صالحاً، فإنه يحب أن يتقدم للصالح، وإما أن يكون عكس ذلك، فلا ينبغي أن نحمل على رقابنا غير الصالح، فلنضعه لنستريح منه. وكونه صالحاً (خير تقدمونها إليه) مثل أن يوجد إنسان يريد أن يتزوج، وفي ليلة زفافه نقول له: هيا نذهب معك فسحة، أو نقول له: تفضل أنت ضيفنا الليلة، فالعريس عنده ما هو أهم من هذا كله، وكذلك الميت الصالح: (فخير تقدمونها إليه) ؛ لأنه أحب ما يكون إليه أن خرج من ضيق الدنيا ونكدها وأثقالها، إلى فسيح الجنة ونعيمها. وجاء عن ابن عباس ﵄ في قصة وفاة المصطفى ﷺ ، أن العباس كان يعرف حالة بني هاشم عند الوفاة، فلما ثقل المرض برسول الله ﷺ اجتمع من بني هاشم العباس وعلي رضي الله تعالى عنهما، ودخل العباس على رسول الله فوجده في الصحوة التي صحاها يوم أن توفي، فإنه صحا بعد صلاة الصبح فقال أبو بكر قال: (أراك اليوم بريئاً يا رسول الله! ائذن لي إلى بيت زيد بن فلان) وذهب إلى العالية، فدخل عليه العباس وعلي فخرجوا، فقال العباس لـ علي: يا علي! ارجع فسله فيمن يكون هذا الأمر بعدك، والله إن لم تؤته لتساقن سوق العبد بالعصا، قال: والله لن أسأله؛ لأنه إن منعنا إياها لن نعطاها أبداً، ثم قال العباس: إني أعرف الموت في وجوه بني هاشم فجلسوا عند رسول الله ﷺ ثم قال لهم: (ائتوني بقسط وكتاب أكتب لكم، ثم تلاحوا، فقال: قوموا عني فإن ما أنا فيه خيرٌ منكم) وهذا محل الشاهد، وفي آخر الأمر كشف لرسول الله ﷺ ، وأصبح ما له حاجة فيهم، ثم أوصاهم: (أوصيكم بكتاب الله وبالصلاة) أوصاهم شفوياً، ولم يكتب لهم شيئاً. الذي يهمنا قوله: (قوموا عني، فإن ما أنا فيه خيرٌ لي منكم) وهكذا الميت إذا كان في اللحظات الأخيرة، وأمسك اللسان عن النطق، فإنه يرى مصيره، فإن رأى خيراً تجد على وجهه البشاشة والطلاقة، وصباحة الوجه، كأنه إنسان نائم يحتلم في فرح شديد جداً، فيظهر على قسمات وجهه، وكذلك الميت عند الاحتضار، حينما يمسك اللسان يكشف عن مستقبله، وعن حقيقة أمره، فيظهر عليه آثار ما يرى بعينه، إن كان خيراً ظهر عليه فرح وسرور وطلاقة وجه، وإن كان عكس ذلك -عياذاً بالله- ترى وجهاً عبوساً واكفهراراً في الوجه إلى آخره على ما في الحديث: (من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه) وهنا الرسول ﷺ يقول: الميت بين أحد أمرين لا ثالث لهما: فإن يكن صالحاً فخير تقدمونه إليه، فلا تؤخروه، وإن كان غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم. وليس معنى الإسراع أن نجري به، فقد جاء عن بعض السلف: أنهم مروا بجنازة على رسول الله ﷺ كأنها شنة، أي وعاء فيه ماء قليل، أو القربة اليابسة الصغيرة فيها قليل من الماء يتراكض له صوت، فكأن الجنازة بإسراعهم شنة فيها قليل من الماء، فقال ﷺ (ارفقوا بالميت) إذاً: ليس بالإسراع الذي يؤذي الميت لو كان حياً على هذه الخشبة، وأمرنا أن ننقله إلى مكانه بسرعة، فكيفية الإسراع: ألا نسرع كالجري، ولا نتباطأ ونتكاسل ونتمهل في المشي، وعلى هذا يكون الإسراع بينَ بين، ليس هو بالتواني البطيء، وليس هو بالهرولة، ولا بشدة الركض، إنما يكون متوسطاً. الشيء الثاني: لو أن الذين يحملون الجنازة أقوياء وأسرعوا، فذلك يشق على المشيعين؛ لأن فيهم الكبير، وفيهم المريض، وفيهم العاجز، وفيهم، فيريد أن يتابع الجنازة في تشييعها. إذاً: (أسرعوا بالجنازة) الإسراع هنا في حدود المعقول، ليس هو بالإسراع المخل بالمروءة، والذي يؤذي الميت، وليس هو بالبطيء المتواني المتكاسل، والله تعالى أعلم. فائدة أخرى: الحديث يعطي إشارة إلى معنى، وهو أنه منذ أن يوضع في القبر سيجد خيراً أو شراً، ويمكن لإنسان أن يضيف هذا الحديث إلى أدلة إثبات نعيم القبر وعذابه؛ لأنه ﷺ يقول (إن تك صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) إذاً: الشر موجود والخير موجود، وهذا الحديث يشير بدلالة الإيماء والتنبيه على وجود نعيم القبر وعذابه.

стр. 1210

باب فضل اتباع الجنازة وعنه ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : من شهد الجنازة حتى يصلى عليها؛ فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن؛ فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين) متفق عليه، ولـ مسلم: (حتى توضع في اللحد) . مراحل تجهيز الجنازة ثلاث: الأولى: تجهيزها في مكانها بالغسل والحنوط والكفن. المرحلة الثانية: الصلاة عليها، وتكون الصلاة إما في بيته في محله، أو ينقل إلى المسجد أو إلى المقبرة؛ فيصلى عليه إما في بيته أو في المسجد أو في المقبرة، والصلاة في المسجد قد تقدم الكلام عليها، والصلاة في المقبرة يشترط لها ألا يكون أمام المصلين قبور، حتى لا يستقبلون القبور بالصلاة، وبعض العلماء قال: لا مانع حتى لو كانت القبور أمامهم.

стр. 1211

المواطن التي نهى النبي عن الصلاة فيها نهى ﷺ عن الصلاة في المزبلة، والمقبرة، والمجزرة، وفوق ظهر الحمام، وفوق ظهر بيت الله الحرام، وقارعة الطريق، ومعاطن الإبل. هذه سبعة مواطن نهى ﷺ عن الصلاة فيها، وليست كلها للنجاسة كما يظن البعض، بل كل واحدة لها علتها، والنهي عنها في المقابر ليس للنجاسة كما يذكر ذلك بعض المؤلفين في فقه المذاهب كالحنابلة، يقولون: لأن التربة تنبش فتختلط بالنجاسة التي هي بقايا الجسم، لكن يقال: لقد حصلت الاستحالة، والاستحالة تُذهِب النجاسة، والتحقيق أن في النهي عن الصلاة في المقبرة حفاظاً على العقيدة. وقال بعض الناس: لا يصلى على الجنازة في المقبرة للنهي عن ذلك عموماً، وقال البعض: تجوز الصلاة على الجنازة في المقبرة، لأن الرسول ﷺ صلى على قبر المرأة، قالوا: ولأن صلاة الجنازة ليس فيها سجود، بخلاف ما إذا صلينا الصلوات المعهودة، فإننا نحتاج أن نركع فيها ونسجد عند جدار القبر، فكأن المصلي يعبد القبر، قالوا: فصلاة الجنائز ولو صليت عند المقابر ليس محظور؛ لأنها ليس فيها سجود، لكن الأولى الحفاظ على عموم النهي، وسلامة العقائد؛ فيكون موضع الصلاة على الجنائز أمام المقبرة بحيث تكون المقبرة خلف المصلين، أو عن يمينهم، أو عن يسارهم، وإذا لم يوجد مكان للصلاة على الجنائز عند المقابر إلا أن تكون المقابر أمامهم، فيرفع جدار صغير بين المصلى والقبور.

стр. 1212

مراتب أجر اتباع الجنازة فالرسول ﷺ جعل الأجر على مرتبتين؛ لأن تجهيزه يقوم به أهله، ثم يبقى تشييعه وحمله ودفنه، فمن حضر الجنازة حتى يصلى عليها، سواءٌ في المسجد أو عند المقبرة، فهذه مرحلة أولى. والمرتبة الثانية: أن ينتظر عند القبر حتى يفرغ من دفنها، وإذا استطاع أن يشارك في الدفن ولو بحفنة تراب فهو أفضل، كما جاء عنه ﷺ أنه حضر جنازة، وانتظر حتى انتهوا من الدفن، وجمع التراب عليه، فأخذ قبضة من التراب ووضعها على القبر، كأنه شارك في الدفن. ومكان القبر قد لا يسع كل المشيعين ليشاركوا، وكثير من الناس يحبون المشاركة، فينبغي الرفق. والمرتبة الثالثة: أن ينتظر المرء إلى الفراغ من الدفن. إذاً: المرحلة الأولى خاصة بأهله، والمرحلتان الباقيتان في تشييعه حتى الصلاة، وفي تشييعه حتى الدفن، فمن حضر المرحلة الثانية، وهي تشييعه إلى أن يصلى عليه، ثم يتركه بعد ذلك؛ سواءً تركه لعجزٍ فيه، أو لاشتغال بأمر أهم، أو نحو ذلك، فله قيراط من الأجر، فإذا واصل حتى دفنت فله قيراطان.

стр. 1213

بيان معنى القيراط الواقع أن القيراط اصطلاح وزن، واصطلاح نسبة، تقول مثلاً: هذا البيت أربعة وعشرون قيراطاً، الزوجة لها الثمن أي لها ثلاثة قراريط، فهي نسبة حسابية. والأربعة والعشرون قيراطاً تأتي في الذهب، وتأتي في الفضة، وفي غيرها؛ لأن الأربعة والعشرين عددٌ يمكن أن تؤخذ منه جميع الكسور الموجودة في فروض الميراث (نصف، ربع، ثلثين، ثلث، ثمن، سدس) ، ولهذا اصطلحوا عليها، وكذلك الذهب، عند كونه خالصاً يكون أربعة وعشرين قيراطاً، وعند كونه مضافاً إليه من النحاس أو معدن آخر يقال: فيه قيراط أو قيراطان من النحاس، فإذا قيل: ذهب عيار أربعة وعشرين، فمعناه أنه: خالص، مع أنه ليس هناك ذهب خالص أبداً؛ لأن الذهب وحده لا يصلح للتصنيع إلا قدر اثنين وعشرين قيراطاً، ولابد أن يكون فيه شيء من النحاس حتى يشده؛ لأنه لين. فإذا قيل: عيار واحد وعشرين، فيبقى فيه ثلاثة قراريط، أي أن: الثمن من معدن آخر، وإذا قيل: عيار عشرين فمعناه أن فيه السدس من معدن آخر. وهكذا. وجاء القيراط في الأجور، ففي الحديث (من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد ولا حراسة، نقص من أجره كل يوم قيراط) فلا ندري ما القيراط هنا، لكن لو جعلناه من مجموع عمله، فمعناه أنه إذا كان في اليوم ألف حسنة فإنه يسقط منها واحد من أربعة وعشرين، والله تعالى أعلم. في هذا الحديث بيَّن لنا ﷺ وزن هذا القيراط، فليس هو بالجرام، لكن قالوا: (وما القيراطان؟ قال: كالجبلين العظيمين) والجبال تختلف: فهل هي جبال الألب أم جبال الحبشة أم جبال الجزيرة، فإنها تختلف، فعين ذلك ﷺ بأنه كجبل أحد، ويمكننا أن نشاهده، وهذا من فضيلة الدراسة في المدينة المنورة: أن ترى الشيء بعينك، ولا تحتاج أن يصفه لك جغرافي أو جيولوجي، بل تذهب وتشاهده بعينك. وكذلك في بئر بضاعة، كان يتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها بكذا وكذا، أبو داود عندما جاء إلى المدينة قال: قد ذرعته سبعة أذرع، أما نحن فلا نحتاج أن تذرعه لنا سبعة ولا ثمانية، فبئر بضاعة قريب منا، يمكن أن نشاهده بأعيننا ونعرف ما هو، وكان موجوداً إلى عهد قريب في مكانه وكان الماء فيه إلى أن وضع عليه البستان. إذاً: هذا من فضائل دراسة السنة النبوية في المدينة، وعلى سبيل المثال أذكر أنا كنا ندرس الحديث على الشيخ عبد الرحمن لفيق غفر الله له، وحصل لي ظرف سفر ورجعت، فسبقوني ببعض الأحاديث؛ فجئت إليه في بيته أتلقاها عنه، وكان بيته يطل على بئر بضاعة، فعندما نقرأ عن بئر بضاعة أنها بئر بجانب المدينة، قال: أغلق الكتاب، وانظر إلى البئر من النافذة. فدراسة الحديث في المدينة المنورة لها ميزتها، ولذا يقول ﷺ (من راح إلى مسجدي لعلمٍ يُعلِّمه أو يتعلمه، كان كمن غزا في سبيل الله) بل زيادة على ذلك حصول البركة التي يلمسها طالب العلم، فيحصِّل الكثير في الزمن القليل، ويكون أثبت عنده مما لو درسه في غيره. ثم كلمة القراريط جاءت في مواطن لا ندري ما معناها، وجاءت هنا مبينة، فهل هذا البيان بجبل أحد هو بيان لجميع القراريط في جميع الأعمال أم خاص بقيراط الجنائز؟ الله تعالى أعلم.

стр. 1214

تشييع الجنازة من حق المسلم على المسلم تشييع الجنازة حق للميت على المسلم، فتؤدي الحق الذي عليك وتأخذ قيراطاً مثل أحد! هذا والله فضل عظيم. جاء في الحديث الصحيح: (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه) أي: بلفظ: السلام عليكم، ومن آداب السلام: أن يسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والماشي على الجالس. فإذا لم يسلم من عليه الابتداء بالسلام، فمن حق الثاني أن يقول له: أعطني حقي! لأن عدم السلام يدل على أن في النفس شيئاً، وقد جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه مر بـ عثمان وهو جالس فسلم عليه، فلم يرد عثمان ﵇، فذهب إلى أبي بكر واشتكى، ولما تأيمت حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنها، كان عمر قد عرضها على عثمان، فقال عثمان: ليس عندي نية الزواج الآن، وكان الأفضل أن يقول: جزاك الله خيراً، دعني أفكر في الموضوع، لكن رد ذلك العرض، فكانت هناك سابقة في النفس قليلة. ثم عرضها على أبي بكر فلم يرد عليه بخير ولا بشر، فجاء واشتكاهما إلى رسول الله، فالرسول ﷺ طيب خاطره وقال (يتزوج حفصة من هو خيرٌ من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خيرٌ من حفصة) فقدر الله أن تزوجت حفصة خيراً من عثمان وهو رسول الله، وتزوج عثمان خيراً من حفصة، وهي بنت رسول الله الثانية. الشاهد أن عمر سلم على عثمان فلم يرد ﵇، فذهب واشتكاه إلى أبي بكر، ولو لم يكن له حق في هذا السلام لما اشتكاه؛ لكنه حق الأخوة. وتمام القصة: أنه ما وصل عمر إلى أبي بكر إلا وعثمان وراءه يقول: السلام عليكم، فقال أبو بكر لـ عثمان: وماذا وراءك يا عثمان؟! أخوك عمر يسلم عليك فلم ترد ﵇، قال: والله ما سمعته ولا شعرت به! فقال أبو بكر: فيم كنت تفكر؟ قال: أمور لو أننا سألنا رسول الله عنها، وذكر غيرها، فقال أبو بكر والله لقد كنت أفكر فيها قبلك. نعود إلى الحديث (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم، إذا استنصحك فانصح له، إذا دعاك فأجبه، إذا عطس فحمد الله فشمته، إذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) فهذه حقوق للمسلم على المسلم من أول ما يلاقيه إلى أن يدفنه، وهي حقوق إسلامية عامة، بخلاف حقوق الجوار، وبر الوالدين، وقضاء الدين الذي عليه، فهذه حقوق خاصة، ليس سببها مجرد أخوة الإسلام. فهذه الحقوق التي لمطلق أخوة الإسلام، منها أن المسلم إذا مات، فله حقٌ على إخوانه المسلمين أن يشيعوه، ومع هذا فللمشيع إذا قام بهذا الحق قيراطان. (قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين) متفق عليه، ولـ مسلم: (حتى توضع في اللحد) فإذا شُقَّ له شقاً، فالحكم كذلك؛ لانتفاء الفارق بين اللحد والشق، لأن المعنى: حتى يوضع في مكانه الأخير. وللبخاري أيضاً من حديث أبي هريرة: (من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها؛ فإنه يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل جبل أحد) . هذا الحديث الثاني بيَّن المجمل في الحديث الأول، حيث أطلق القيراطان عن تحديدها؛ فجاء المؤلف -لفقهه- بالحديث الثاني، وبيَّن لنا الإجمال الموجود في الحديث السابق، بأن الجبلين العظيمين كل منهما كجبل أحد، وهذا مثال على بيان المجمل.

стр. 1215

كتاب الجنائز [١٠] إن من حق المسلم على أخيه المسلم أن يتبع جنازته بعد موته، لما في ذلك من إكرام لهذا الميت عند القيام بحمله والسير به إلى المقابر، ومن ثم دفنه وتسوية التراب عليه. والسير مع الجنازة له آداب وقواعد ينبغي للمسلم الإحاطة بها، ومن هذه الآداب السير أمام الجنازة للراجل والسير خلفها للراكب، كما أن من الآداب اللازمة على أهل الطريق القيام عند مرور الجنازة من أمامهم، وغير ذلك من الآداب التي تحفظ كرامة المسلم الميت كما تحفظها للمسلم في حياته

стр. 1216

المشي مع الجنازة وعن سالم عن أبيه ﵄: (أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وهم يمشون أمام الجنازة) رواه الخمسة وصححه ابن حبان، وأعله النسائي وطائفة بالإرسال. هذه مسألة المشي مع الجنازة؛ فهل الأفضل أن يمشي المشيع أمامها، أو يمشي خلفها، أو على الجانبين، ومن حمل الجنازة فهل الأفضل أن يحملها من الأمام أو من الخلف؟

стр. 1217

مكان سير مشيع الجنازة في حال الركوب أو المشي أما تشييع الجنازة والمشي معها: فالمشيع إما راكب وإما ماشٍ، وكان الناس قديماً كانوا يركبون على الرواحل وعلى الدواب عند طول المسافة أو بُعدها، أو عند العجز عن المشي، فقال العلماء: إن كان سيتبعها راكباً لظروفه فليكن من ورائها؛ لأن مجيء الجنازة خلف الراكب نوع من التقصير في حقها، أما أن يكون من ورائها فلا مانع، فإن كان راكباً فليمش وراءها. وإن كان ماشياً: فإن شاء من أمامها وإن شاء من ورائها، وأمامها أفضل. أما حمله إياها فالبعض يقول: الأفضل أن يعاقِب، بمعنى: يبدأ بالأمام بالجهة اليمنى للجنازة، أو بجهته اليمنى، فيحملها على كتفه الأيمن ثم يمشي قليلاً حاملاً، ثم يأتي إلى الجانب الثاني من الجنازة ويحمل على الكتف الآخر، ثم يتأخر عن الجهة التي كان فيها فيحمل من الخلف على الكتف الذي كان حاملاً عليه، ثم ينتقل إلى الجهة الأخرى من الخلف؛ فيكون شيَّع وحمل من أطراف الجنازة الأربعة.

стр. 1218

عدد من يحملون الجنازة وكيفية ذلك إذا لم يكن هناك عدد كافٍ، وكان من يحملانها اثنين فقط؛ فإن الذي في الأمام يدخل بين العودين ويحمل من بينهما، والذي في الخلف يدخل بين العودين ويحمل كذلك. وإذا حملها أربعة، فلا ينبغي لإنسان أن يدخل بين الشخصين الأماميين ولا بين الشخصين الخلفيين، بل يترك ما بينهما، فمن أراد أن يساعد، فليحمل من جوانب الجنازة دون أن يزاحم الذين يحملون. والأولى أن يراعى أيضاً التعادل في الطول؛ لأنه إذا كان أحدهما طويلاً والثاني قصيراً، كانت الجنازة غير مستريحة، فيراعى في ذلك ما فيه راحة الميت. وقوله في الحديث: (رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشيان أمامها) فهذه السنة والأفضل لمن كان ماشياً، وأما إن كان راكباً فليكن خلفها، والماشي أيضاً إن مشى خلفها فلا بأس، وإن مشى في الجانبين فلا بأس. والذي يريد أن يشارك في الحمل إما أن يقتصر على أحد الجانبين: من الإمام أو الخلف، وإما أن يناوب بين الجهات الأربع؛ لكن يكون ذلك براحة وبهدوء وسكينة، دون مزاحمة أو إيذاء، والله تعالى أعلم. ولا يجوز المشي تحت الجنازة، ولا حملها بالرأس من تحت، ما دام يوجد أشخاص يحملونها من أطرافها.

стр. 1219

حكم اتباع النساء للجنائز واتباعها بنار وعن أم عطية ﵂ قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) متفق عليه.

стр. 1220

نهي النساء عن ابتاع الجنائز حديث أم عطية ﵂ يذكره المؤلف ﵀ بعد ذكر تشييع الرجال للجنازة، فذكر أم عطية أن النبي ﷺ نهى النسوة أن يتبعن الجنائز، تقول: [ولم يعزم علينا] فكأنه نهي للكراهية، ولكن الجمهور يقولون: هو نهي تحريم، ولا ينبغي للنسوة أن يتبعن الجنازة. هذا النهي ليس ممنوعاً في ذاته، ولكنه ممنوع لما هو متوقع من النسوة، خاصة قريباته، حيث لا تملك المرأة نفسها بأن تتكلم بأن تندب بأن يحصل شيء فإنهم إذا دنو من القبر ورأتهم يدلونه في القبر فإنها تصيح وتبكي، إذاً: فمنعها أولى.

стр. 1221

حكم اتباع الجنائز بالنار وقد جاء النهي أيضاً أن تتبع الجنائز بالنار، بأن يفعلوا ذلك تفاخراً، أما لغرض الإضاءة كما إذا كانوا في الصحراء، أو في مكان ليس فيه سرج، حيث -يحتاجون للاستضاءة بنار- فلا مانع أن يشعلوا سعفة من أجل أن يروا كيفية الدفن؛ لكن أن تتبع الجنازة من باب المفاخرة والمكابرة؛ فإن هذا محرم، ومثل هذا حديث أم عطية ﵂ في أن النبي ﷺ نهاهن عن ابتاع الجنائز. أما قولها: (ولم يعزم علينا) يقول بعض العلماء: لو كانت هناك حاجة للنسوة، مثل أن يكون في الجنازة فراش ونحوه، فيوجد من النسوة من تأخذه فترجع به إلى بيت أهله فلا بأس، ولكن الأولى ما عليه الجماهير؛ بأنه لا تتبع المرأة جنازة، ويذكرون أشياء عن فاطمة ﵂ حين سألها ﷺ قال (من أين. قالت: أشيع كذا. قال: وصلت المقابر؟ قالت: لا. قال: لو كنت وصلتيها لكان ... ) إذاً: لا حاجة إلى اتباع النسوة الجنازة، فهن لن يحملن -كما يقول أبو سعيد الخدري - الميت، ولن تدفن في القبر ولن تبني عليه؛ بل تحدث ازدحاماً في الطريق، وهذا ليس داع.

стр. 1222

باب القيام للجنازة .

стр. 1223

شرح حديث: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع) متفق عليه. هذا الحديث موضع بحث، من حيث قوله ﷺ : (قوموا) ؛ فقد جاء عنه ﷺ : (أنه كان إذا مرت جنازة قام، فقام ذات مرة فقيل: يا رسول الله! إنها يهودية! قال: أليست نفساً منفوسة) وهذا القيام كان إعظاماً لأمر الموت والحياة، وإن كان الميت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، فإنه لا فرق بينه وبين المسلم في الخِلقة، أما الإسلام والكفر فعقيدة في القلب، أما هذا الهيكل بكامله فهم فيه سواء، لا فرق بينهم. فكونها نفساً منفوسة خلقها الله، فيها القدرة الإلهية، وفيها آية التكوين، وقد قبضت، وتغيرت حالتها، فالذي يقوم؛ فإنما يقوم إعظاماً وإجلالاً لله الذي خلق هذه النفس المنفوسة ثم سلبها الروح. قال الفقهاء: ثم ترك ﷺ القيام بعد ذلك، فكان ﷺ بعد ذلك يجلس، وعليه: من شاء قام ومن شاء جلس، فإن قام فله حق أن يجلس بعد ذلك لظروفه الخاصة، إما إذا كان يريد أن يشيعها؛ فإذا قام فلا يجلس، بل يتبعها حتى يتم تشييعها، والله تعالى أعلم.

стр. 1224

باب إدخال الميت القبر من قبل رجليه وعن أبي إسحاق: (أن عبد الله بن يزيد أدخل الميت من قبل رجليه القبر، وقال: هذا من السنة) أخرجه أبو داود. يذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في كتاب الجنائز، ليبين كيفية إدخال الرجل الميت في القبر، وكذلك المرأة، وهو أنه يدخل من قبل رجليه، أي: من الجهة التي تكون فيها رجلا الميت، وبصفة عامة يستقبل بالميت القبلة، فيضجع على شقه الأيمن في القبر. والقبلة هنا في المدينة جهة الجنوب -فيما يقابل الشمال- فتكون رجلا الميت إلى الشرق، ورأسه إلى الغرب، وذكر هذا الأثر أنه يدخل من جهة الرجلين، ويعبر عنه الفقهاء بقولهم: يسل من قبل رجليه. وتقدمت الإشارة إلى ذلك بإيجاز، والحامل أن الجهات التي يدخل فيها الميت إلى القبر ثلاث: إما من جهة الرجلين، فيكون الرأس هو الذي يدخل إلى القبر أولاً، وإما من جهة الرأس فتكون الرجلان هما اللتان تدخلان إلى القبر أولاً، وإما عرضاً أي بعرض القبر، بأن يمدد الميت على حافة القبر من الجهة القبلية؛ لأن اللحد يلحد من الجهة القبلية، ويدخل الميت في اللحد مستقبلاً بوجهه القبلة، ويقف الذي يتناول الميت في القبر مستقبلاً بوجهه القبلة، ويتناول الميت من الحاضرين فوق حافة القبر من القبلة، وينزله حتى يضعه في اللحد. هذه صورٌ ثلاث، أما هذه الصورة التي فيها أنه يدخل من قبل الرِجلين، ففيها هذا الأثر وغيره، وجاءت رواية أخرى تدل للصورة الثانية، وهو أنه يدخل من جهة رأسه، وتكون القدمان هما اللتان تدخلان في القبر أولاً. وعند الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه يدخل عرضاً بعرض القبر كما وصفنا؛ ولكن النووي ﵀ نقل في المجموع عن الإمام الشافعي ﵀ إبطال ما ذهب إليه أبو حنيفة، من أنه يؤخذ الميت عرضاً، قال: فإما أن يسل من جهة الرجلين، وهذا النص عندنا، وإما أن يسل من جهة الرأس، وهذا وارد أيضاً عنه ﷺ ؛ فقد رأى أناس شعلة في البقيع، فذهبوا، فوجدوا النبي ﷺ في القبر يمد يديه ويقول: (ناولوني ميتكم، وسله من جهة الرأس) فالحاصل أن في كيفية إدخال الميت في القبر هذه الحالات الثلاث: الحالة الأولى المشهورة: من جهة الرجلين. والحالة الأخرى أضعف منها: من جهة الرأس. والحالة الثالثة: ينزل إلى القبر عرضاً. ولكن يمكن أن يقال: تكون صفة الإدخال بحسب ظروف المكان، فقد يكون المكان ضيقاً، ويكون التراب مركوماً إلى جهة، فيتعذر إنزاله من تلك الجهة، ويتيسر من جهة أخرى. وتلك الحالات التي ذكرنا إنما هي في الأفضلية، والله تعالى أعلم. وقبل أن ننتقل إلى مباحث أخرى، ننبه إلى أن بعض العلماء يذكر بعض الآداب فيما يتعلق بقبر الميت، منها: إذا أُدخل ميت في القبر، فعند الإدخال يؤتى بثوب كالخيمة يغطى به القبر، ويمسك من أطرافه، ليستر الميت عند إنزاله القبر عن عيون الناس. قالوا: لأنه قد تحصل حالة من حالات الموتى التي تطرأ بعد الغسل، أو عند الحمل، أو غير ذلك، أو كان الكفن شحيحاً، فيكون هذا الغطاء ساتراً للميت عن أعين الناس. وبعضهم يقول: يفعل هذا بالمرأة فقط، ولا يفعل بالرجل، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك في الرجل فلا مانع، أما بالنسبة للمرأة فهو أمر معقول المعنى. كما ينص بعض العلماء أنه يستحب أن يكون للمرأة نعشاً، بخلاف الرجل، والنعش هو القفص الذي يجعل على خشبة الجنازة، وقيل: إن أول من فعل ذلك هو علي رضي الله تعالى عنه، وضعه لـ فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، كراهية أن ترى أعضاء جسمها تحت الغطاء على خشبة الجنازة. فعندما يتخذ هذا القفص يكون المرئي جرم القفص، وليس أعضاء المرأة، وإلى الآن صارت متبعة بأن المرأة يجعل لها نعش، أي: هذا القفص المجوف، ويكون حاملاً للغطاء؛ فلا تُرى أعضاء المرأة وهي على الجنازة، بخلاف الرجل. هذا ما يتعلق بإدخال الميت وتغطيته.

стр. 1225

ما يقال إذا وضع الميت في القبر وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: باسم الله، وعلى ملة رسول الله) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان، وأعله الدارقطني بالوقف. يبين لنا ﷺ ماذا يقول الذين يضعون الميت في قبره، أي: الذين يقفون في القبر ليتلقوا الميت، فحينما يتلقونه من الذين على حافة القبر، فإنهم يقولون: (باسم الله، وعلى ملة رسول الله) ، وفي بعض ألفاظ الحديث: (وعلى سنة رسول الله ﷺ وهذا الذي ينبغي على المسلم دائماً في كل أعماله، وهو أن يبدأ بذكر اسم الله، وأن يكون الأمر وفق كتاب الله. والملة هي الدين، والسنة هي الطريقة، وبينهما تلازم فملة الإسلام هي طريقة المسلمين، وطريقة المسلمين هي ملة الإسلام؛ لكن هذا كأنه دعاء للميت، ومعناه: أودعناه مكانه باسم الله، وأودعناه على ملة رسول الله. وكأن ذلك يشعر بالشهادة له أنه من أهل هذه الملة، فتكون نوعاً من الدعاء ونوعاً من الشفاعة. والله تعالى أعلم.

стр. 1226

تحريم إيذاء الميت بكسر عظمه أو ما شابه ذلك وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً) رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم، وزاد ابن ماجة من حديث أم سلمة ﵂ (في الإثم)

стр. 1227

الحكم المترتب على كسر عظم الحي هذا الحديث أصل عظيم في حسن معاملة الميت، كسر عظم الميت ككسره حياً، والكاف جاءت على سبيل التشبيه والتمثيل، وماذا يترتب على كسر عظم الحي؟ كسر عظم الحي إن كان عمداً ومن مفصل ففيه القصاص. وإن كان من غير مفصل؛ ففيه دية ذلك العضو، سواء كان عمداً أو خطأً؛ لأن القصاص إنما يكون في حالة يمكن فيها المماثلة، فإذا كسر يد إنسان من المرفق، قطعت يده من المرفق قصاصاً؛ لأنه يمكن أن يفصل الذراع من العضد عند المفصل في المرفق، دون زيادة ولا نقص. أما إذا كسر الساعد من الوسط ما بين المرفق والكف، فهنا لا يمكن أن تتحقق المماثلة في الاقتصاص، لأن العظام ستنشعب، -أي: تنشرخ وتنصدع- فيعدل فيه عن القصاص إلى الدية، فإن كان عمداً فدية مغلظة، إن كان خطأً فدية الخطأ. ومعلوم عند الفقهاء أن كل عضوين متماثلين، ففي كل واحد منهما نصف الدية، وفيهما معاً الدية كاملة، ففي اليدين معاً دية كاملة، وفي إحدى اليدين نصف الدية، وكذلك في الرجلين، وفي كل أصبع من أصابع اليد نسبته من الدية، اليد فيها خمسة أصابع، ودية اليد نصف الدية خمسون بعيراً، فيكون الأصبع فيه عشرة من الإبل، وهكذا.

стр. 1228

حكم كسر عظم الميت أما في الميت: فتحمل الرواية على أنه في الإثم، أي: لو أن إنساناً كسر عظم ميت، فلا نقول فيه القصاص، سواء كان من مفصل يتأتى فيه القصاص بالمماثلة، أو كان في غيره، لأن الميت لا يتساوى مع الحي. لكن يأثم الجاني بالاعتداء عليه، كما يأثم في الحي؛ لأن من تعدى على أخيه المسلم الحي الحاضر بكسر يده أو أصبعه؛ فهو آثم مع تحمل الدية: الدية حق لصاحبها، والإثم حق لله في الاعتداء على عباد الله. فهل الميت يحس بهذا الكسر ويتألم كما يتألم الحي؟

стр. 1229

وجوب الإحسان في معاملة الميت وعلى افتراض أن الميت يتألم، فإنه تجب معاملته من أول نزع ثيابه للتغسيل إلى تدليته في اللحد، كمعاملة الأحياء، في الإرفاق به، والتلطف، وحسن المعاملة، فلا ينزع الثوب انتزاعاً يشق عليه، ولو استدعى الأمر أن نقص الثوب قصصناه لئلا نشق عليه. وإذا وضعناه للغسل أضجعناه برفق. أما الماء: فإن كان الوقت شتاء أدفأناه، كما لو كان يريد أن يغتسل في الحياة، فيكون الماء مناسباً له، وإذا كان في الصيف أخذنا الماء المعتدل الذي يتناسب معه، كما لو كان يريد أن يغتسل في وقت الصيف وهو حي. ثم الذي يغسله يجب عليه أن يدلكه برفق، ويقلبه برفق، وإذا أراد أن يرجل شعره فيمشطه برفق، وكذلك تقليم ظفره إلى غير ذلك، أي: أنه يعامل كما يعامل الحي سواء بسواء. وكل ما يؤذي الحي فإنه يحرم أن يفعل بالميت، وعلى هذا كل ما يتعلق بكرامة الحي، والمحافظة على حقه، وحسن معاملته، يجب أن يكون كذلك مع الميت، إلى أن يلحد في قبره. إذاً كسر عظم الميت ككسره حياً.

стр. 1230

حكم الانتفاع بأعضاء الميت إذا انتهينا من موضوع الجنائز والتغسيل والتجهيز والدفن، في هذه الآونة الحاضرة، رجعوا إلى هذا الحديث في مباحث عصرية حديثة، وهي: إذا مات الميت، وعلى حسب الوضع الحاضر يمكن الانتفاع ببعض أعضائه بالنسبة لحي موجود، فهل نفعل ذلك؟ أعني أنه إذا مات الميت، واحتجنا إلى أخذ الكلية، أو إلى أخذ القلب، أو إلى أخذ القرنية من العين أو أو إلخ، هل نفعل ذلك، أو أن كسر عظمه ككسره حياً. وهل يرضى حي أن يشق بطنه وتؤخذ الكلية، أو تفقأ عينه وتؤخذ القرنية، أو يشق صدره ويؤخذ القلب؟ الجواب: لا؛ لأن كسر عظمه ميتاً ككسر عظمه حياً، وهكذا جميع الاعتداءات عليه، إذاً: لا يحق لأحد أن يفعل بالميت شيئاً من هذا. هناك مبحث مفيد في مجلة البحوث العلمية، من هيئة كبار العلماء، أو من إدارة الإفتاء، في هذا الموضوع، إذا توقفت حياة إنسان على هذا العضو، وجاء الخبر اليقين من المختصين بأن حياته متوقفة على ذلك، وتحقيق حياته يحتاج إلى مراحل طويلة، لعدم وجود بديل، وعدم إمكان علاج العضو التالي الذي عند الحي. وبعد توافق المأخوذ منه والمعطى في أوجه المطابقة المطلوبة؛ لأنه في حالة عدم التوافق يرفض الجسم المعطى ما كان غريباً بالنسبة له، كما في نقل الدم، فإنه إذا لم تتفق الفصيلة بين الطرفين، فلا يمكن أن يعطى ذلك الدم، وقد يكون فيه وفاة المعطى. إذاً: على فرض وتقدير أن في التبرع بالأعضاء إحياء نفسٍ، وهو أهون وأقرب من تعريض حي للتلف، فيكون في هذه الحالة من باب ارتكاب أخف الضررين، نعم. إن الاعتداء على جسم الميت جريمة، ولكن المحافظة على حياة الحي وتجنيبه التلف من باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢] ، فيكون هذا من باب آخر، مع الاعتراف والإبقاء على القاعدة: (كسر عظم الميت ككسره حياً) . والله تعالى أعلم.
следующие страницы →