Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
تحريم إيذاء الميت بكسر عظمه أو ما شابه ذلك
وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً) رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم، وزاد ابن ماجة من حديث أم سلمة ﵂ (في الإثم)
стр. 1227
الحكم المترتب على كسر عظم الحي
هذا الحديث أصل عظيم في حسن معاملة الميت، كسر عظم الميت ككسره حياً، والكاف جاءت على سبيل التشبيه والتمثيل، وماذا يترتب على كسر عظم الحي؟ كسر عظم الحي إن كان عمداً ومن مفصل ففيه القصاص.
وإن كان من غير مفصل؛ ففيه دية ذلك العضو، سواء كان عمداً أو خطأً؛ لأن القصاص إنما يكون في حالة يمكن فيها المماثلة، فإذا كسر يد إنسان من المرفق، قطعت يده من المرفق قصاصاً؛ لأنه يمكن أن يفصل الذراع من العضد عند المفصل في المرفق، دون زيادة ولا نقص.
أما إذا كسر الساعد من الوسط ما بين المرفق والكف، فهنا لا يمكن أن تتحقق المماثلة في الاقتصاص، لأن العظام ستنشعب، -أي: تنشرخ وتنصدع- فيعدل فيه عن القصاص إلى الدية، فإن كان عمداً فدية مغلظة، إن كان خطأً فدية الخطأ.
ومعلوم عند الفقهاء أن كل عضوين متماثلين، ففي كل واحد منهما نصف الدية، وفيهما معاً الدية كاملة، ففي اليدين معاً دية كاملة، وفي إحدى اليدين نصف الدية، وكذلك في الرجلين، وفي كل أصبع من أصابع اليد نسبته من الدية، اليد فيها خمسة أصابع، ودية اليد نصف الدية خمسون بعيراً، فيكون الأصبع فيه عشرة من الإبل، وهكذا.
стр. 1228
حكم كسر عظم الميت
أما في الميت: فتحمل الرواية على أنه في الإثم، أي: لو أن إنساناً كسر عظم ميت، فلا نقول فيه القصاص، سواء كان من مفصل يتأتى فيه القصاص بالمماثلة، أو كان في غيره، لأن الميت لا يتساوى مع الحي.
لكن يأثم الجاني بالاعتداء عليه، كما يأثم في الحي؛ لأن من تعدى على أخيه المسلم الحي الحاضر بكسر يده أو أصبعه؛ فهو آثم مع تحمل الدية: الدية حق لصاحبها، والإثم حق لله في الاعتداء على عباد الله.
فهل الميت يحس بهذا الكسر ويتألم كما يتألم الحي؟
стр. 1229
وجوب الإحسان في معاملة الميت
وعلى افتراض أن الميت يتألم، فإنه تجب معاملته من أول نزع ثيابه للتغسيل إلى تدليته في اللحد، كمعاملة الأحياء، في الإرفاق به، والتلطف، وحسن المعاملة، فلا ينزع الثوب انتزاعاً يشق عليه، ولو استدعى الأمر أن نقص الثوب قصصناه لئلا نشق عليه.
وإذا وضعناه للغسل أضجعناه برفق.
أما الماء: فإن كان الوقت شتاء أدفأناه، كما لو كان يريد أن يغتسل في الحياة، فيكون الماء مناسباً له، وإذا كان في الصيف أخذنا الماء المعتدل الذي يتناسب معه، كما لو كان يريد أن يغتسل في وقت الصيف وهو حي.
ثم الذي يغسله يجب عليه أن يدلكه برفق، ويقلبه برفق، وإذا أراد أن يرجل شعره فيمشطه برفق، وكذلك تقليم ظفره إلى غير ذلك، أي: أنه يعامل كما يعامل الحي سواء بسواء.
وكل ما يؤذي الحي فإنه يحرم أن يفعل بالميت، وعلى هذا كل ما يتعلق بكرامة الحي، والمحافظة على حقه، وحسن معاملته، يجب أن يكون كذلك مع الميت، إلى أن يلحد في قبره.
إذاً كسر عظم الميت ككسره حياً.
стр. 1230
حكم الانتفاع بأعضاء الميت
إذا انتهينا من موضوع الجنائز والتغسيل والتجهيز والدفن، في هذه الآونة الحاضرة، رجعوا إلى هذا الحديث في مباحث عصرية حديثة، وهي: إذا مات الميت، وعلى حسب الوضع الحاضر يمكن الانتفاع ببعض أعضائه بالنسبة لحي موجود، فهل نفعل ذلك؟ أعني أنه إذا مات الميت، واحتجنا إلى أخذ الكلية، أو إلى أخذ القلب، أو إلى أخذ القرنية من العين أو أو إلخ، هل نفعل ذلك، أو أن كسر عظمه ككسره حياً.
وهل يرضى حي أن يشق بطنه وتؤخذ الكلية، أو تفقأ عينه وتؤخذ القرنية، أو يشق صدره ويؤخذ القلب؟ الجواب: لا؛ لأن كسر عظمه ميتاً ككسر عظمه حياً، وهكذا جميع الاعتداءات عليه، إذاً: لا يحق لأحد أن يفعل بالميت شيئاً من هذا.
هناك مبحث مفيد في مجلة البحوث العلمية، من هيئة كبار العلماء، أو من إدارة الإفتاء، في هذا الموضوع، إذا توقفت حياة إنسان على هذا العضو، وجاء الخبر اليقين من المختصين بأن حياته متوقفة على ذلك، وتحقيق حياته يحتاج إلى مراحل طويلة، لعدم وجود بديل، وعدم إمكان علاج العضو التالي الذي عند الحي.
وبعد توافق المأخوذ منه والمعطى في أوجه المطابقة المطلوبة؛ لأنه في حالة عدم التوافق يرفض الجسم المعطى ما كان غريباً بالنسبة له، كما في نقل الدم، فإنه إذا لم تتفق الفصيلة بين الطرفين، فلا يمكن أن يعطى ذلك الدم، وقد يكون فيه وفاة المعطى.
إذاً: على فرض وتقدير أن في التبرع بالأعضاء إحياء نفسٍ، وهو أهون وأقرب من تعريض حي للتلف، فيكون في هذه الحالة من باب ارتكاب أخف الضررين، نعم.
إن الاعتداء على جسم الميت جريمة، ولكن المحافظة على حياة الحي وتجنيبه التلف من باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢] ، فيكون هذا من باب آخر، مع الاعتراف والإبقاء على القاعدة: (كسر عظم الميت ككسره حياً) .
والله تعالى أعلم.
стр. 1231
باب كيفية اللحد والدفن وما يتبعه
وعن سعد بن أبي وقاص قال: (ألحدوا لي لحداً وأنصبوا عليَّ اللبن نصباً كما صنع برسول الله ﷺ رواه مسلم.
стр. 1232
الفرق بين اللحد والشق والتفضيل بينهما
هذا سعد رضي الله تعالى عنه، يوصي لما عرف دنو الأجل، فأوصى أهله عند دفنه، قال: ألحدوا لي لحداً.
إذاً كان هناك الشق، وكان هناك اللحد، ولو كان هناك شيء واحد فقط لما احتاج إلى توصية، ويكون سبيله سبيل الآخرين، لكن وجد الأمران، وتقدم لنا في صفة دفنه ﷺ ، أنهم اختلفوا في اللحد والشق وكان في المدينة رجلان: أحدهما يشق، والآخر يلحد، فقالوا: أبعثوا إليهما، فأيهما جاء أولاً، عملنا عمله، فجاء الذي يلحد، وهو أبو طلحة رضي الله تعالى عنه، فلحدوا لرسول الله ﷺ .
وهنا سعد يقول: ألحدوا لي لحداً، ثم يبين لهم فيقول: كما فعل لرسول الله ﷺ ، وهو الذي اختاره الله لرسوله ﷺ ، مع تساوي الأمرين من حيث إنه كان يمكن أن يأتي هذا ويمكن أن يأتي ذاك، وهما متساويان، فلما اختار الله لنبيه أحد المتساويين من وجه؛ كان ذلك أرجح وأفضل من الآخر.
ثم قال سعد: وانصبوا عليّ اللبن.
وذلك لسد الفراغ بعد إدخاله اللحد، وإذا وجدت فُرج ما بين اللبنة واللبنة، وضعت فيها الحصيات الصغيرة، وقيل يجعل فيها شيء من كسر اللبنات، وقيل يجعل فيها من الطين ما يمنع التراب أن ينهال عليه.
فإذا وضع في اللحد نصبت عليه اللَّبِن، كما قال سعد: واللبن: مفرده لبنة، وهو الطوب الذي لم يحرق كالفخار، وكانوا يكرهون وجود الطوب المحروق في القبر، فهذا سعد رضي الله تعالى عنه، يوصي أن يجعل له ما جعل مثله لرسول الله ﷺ .
стр. 1233
كيفية الدفن
وبهذه المناسبة كان بعض الإخوة يسأل عن حديث (اللحد لنا والشق لغيرنا) هذا الحديث أورده صاحب المهذب، ولكن ذكر النووي في المجموع أنه ضعيف.
ومعنى: (اللحد لنا والشق لغيرنا) ، أن أهل الكتاب يدفنون في الشق، والمسلمين يدفنون في اللحد، ولكن لضعف هذا الأثر؛ فالكل جائز.
فإذا وضع في الشق، فإنه يضجع على شقه الأيمن في طرف الشق، ووجهه إلى القبلة، فقبل إنزال الميت يؤتى باللبن، ويجعل عقوداً بقدر ما يرتفع عن جثة الميت (قرابة نصف المتر) ، ويكون مجافياً للجثة، فقبل أن ينزل ويسل في القبر، يكون الذي يتولى الدفن قد بنى نصف القبر، أي بنى نصف العقد، بحيث إنه حينما يسل في القبر لا يتحرك البناء، فيتساقط على وجهه أو على جسمه من التراب ومن الطين، ومما يتناثر في حالة رص اللبن، فإذا جهز النصف الذي من جهة الرأس، وسل من جهة الرجلين، ووضع الميت في قبره؛ يكون البناء قد عقد إلى النصف، ويكمل بعد بذلك البناء إلى أن يغطي آخر القدمين.
ثم بعد ذلك إن بقيت فجوات وضع من بعض كسير اللبن في تلك الفجوات، أو تملأ بالطين، بحيث لا يسقط شيءٌ على الميت بقدر المستطاع، ثم يهال التراب عليه.
وهنا لا ينبغي أن يزاد في القبر أكثر من التراب الذي أخرج منه؛ فلا نترك شيئاً من تراب الحفرية يضيع في المقبرة، ولا نزيد على التراب الذي أخرجناه من الحفرة.
стр. 1234
حكم تسنيم القبر، وجعل قبور للأقربين متقاربة
وهل يسوى ويسطح أو يسنم؟ ورد الأمران، فجاء أنه يسنم قدر شبرٍ.
ولا بأس أن يرش عليه الماء لتثبيته حتى لا ينهال، ولا بأس أن توضع شبه العلامة -كحجر عند الرأس- ليعرف، مستطيلاً كان أو مربعاً أو مستديراً، أسود أو أحمر، حتى إذا جاء أهل الميت ورأوا تلك العلامة عرفوه، وذلك كما فعل النبي ﷺ بـ عثمان بن مظعون، وقال (لأدفن إليه من مات من أهلنا) أي: ليكون معروفاً.
ولا مانع من أن يكون للعائلة أو للجماعة، مكان يجمعون فيه موتاهم متقاربين، وتكون قبورهم متقاربة، حتى إذا جاء زائر من الأقارب يزورهم استطاع أن يشمل الجميع بزيارة واحدة، والله تعالى أعلم.
وللبيهقي عن جابر ﵁ نحوه وزاد: (ورفع قبره عن الأرض قدر شبر) وصححه ابن حبان.
يعني: رفع القبر عن الأرض قدر شبر حتى يكون مميزاً، لا أن يسوى بالأرض فيضيع، أو يكون موضع امتهان بالدهس والجلوس عليه، بل يرفع قدر شبر، وهذا هو الواقع حسب العادة، فإن التراب الذي يخرج من القبر، لا يزيد ارتفاعه فوق القبر أكثر من شبرٍ أو قريباً من ذلك.
ولكن كما يقولون: يحرم أن يسنم فيرفع كثيراً، ويحرم أن يبنى عليه، ويحرم أن يجصص بالجص أو بالأسمنت أو بالطوب الأحمر، أو غير ذلك، أو ينقش أو توجد عليه كتابة، ويقولون: هذا من باب الزخرفة، وهذا من دأب غير المسلمين من أهل الكتاب.
ولا مانع أن تجعل عليه البطحاء، أي: أن يؤتى بالحصباء، وهي الحجارة الصغيرة حمراء أو سوداء، وتجعل على القبر صيانة له، كما هو الحال في البقيع في عدد من قبور زوجات رسول الله أمهات المؤمنين، وبنات رسول الله وعمات رسول الله؛ هذه القبور يوجد عندها أحجار صغيرة عند الرِجل وعند الرأس، والمسطح عليه من الحصباء من الرمل الأحمر الخشن على مسطح القبور المجموعة، فهي قبور منفصلة، ولكنها متراصة متجاورة، والله تعالى أعلم.
стр. 1235
النهي عن البناء على القبور أو تجصيصها والقعود عليها
ولـ مسلم عنه ﵁: (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) والجص نوع من الحجر، قريب من الجبس، في بعض المناطق أحجار جيرية إذا أحرقت بالنار ثم دقت، ثم عجن هذا المندق، كان مثل الجبس أو مثل الإسمنت مع الرمل، هذا هو الجص.
فلا تجصص القبور، أي: لا يبنى عليها بنيان، سواء كان كالقبة، أو كان كالغرفة، وسواء كان البناء في ذات القبر، أو كان جرماً عالياً مجسماً بارتفاع قدر متر أو مترين، هذا كله منهي عنه.
стр. 1236
النهي عن القعود على القبور
قوله: (وأن يقعد عليها) جاء النهي عن القعود على القبر، وعن الاتكاء على القبر، وعن المشي على القبر، وكل ذلك يؤذي الميت في قبره، بل جاء عنه ﷺ : (أنه رأى رجلاً لابساً نعلين سبتيتين فقال: يا صاحب السبتيتين قد آذيت) فخلعهما ومشى حافياً.
وفي الحديث الآخر: (إن الميت ليسمع حفيف نعالكم) .
فبعضهم قال: الأولى: إذا دخل المقبرة أن يخلع نعليه، لئلا يطأ على فتات بعض الموتى عند المشي، أو احتراماً للموتى، وذلك أنا نعلم أنه إذا كان مجموعة من الرجال جلوس، وجاء شخصٌ صغير السن، أراد أن يمر ويجتازهم، وكان لابساً نعلين، فإنه يخلعهما ويحملهما في يديه حياءً من الحضور الكبار، واحتراماً لهم، وكما لو مر على جماعة من كبار الناس وهو راكب، فإنه ينزل ويقود مطيته حتى يتجاوزهم، وهذه عادات وآداب أخلاقية ريفية موجودة حتى الآن، فبعضهم يقول: خلع النعلين احتراماً وتوقيراً وتكريماً.
أما النهي عن القعود فباتفاق أن القعود صريح في معنى الجلوس، بقرينة النهي عن الاتكاء عليه، فكانوا في حالة دفن الميت فجلس إنسان واتكأ على القبر، فنهوه عن ذلك فقالوا: لا تؤذِ الميت باتكائك عليه، وهذه القرينة -قرينة النهي عن الاتكاء- تنفي وتمنع تفسير من فسر النهي عن الجلوس على القبر بالجلوس لقضاء الحاجة.
فالنهي عن الجلوس على القبر هو القعود للاستراحة، وقد جاء الحديث: (لئن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه وتخلص إلى جلده، خيرٌ له من أن يجلس على قبر) إذاً: النهي عن القعود إنما هو للجلوس والاستراحة، وليس المقصود قضاء الحاجة، وصرفه إليها بعيدٌ جداً؛ لأن هنا نهياً عن الجلوس، ونهياً عن الاتكاء، ونهياً عن المشي، ولكن إذا كان هناك مكانٌ للدفن، ولا طريق إليه إلا أن نتعدى على تلك القبور فماذا نفعل؟ فلابد أن نمشي على تلك القبور لنصل إلى موضع الدفن، قالوا: فحينئذ تكون ضرورة، فيجوز.
فعلى هذا لا ينبغي للإنسان إذا أتى إلى البقيع وشيع جنازة، وانتظر دفنها، أن يطأ قبراً، ولا يتكئ عليه، ولا يجلس عليه.
تقدم لنا الحديث أنه لا يجلس حتى توضع، أي: توضع عن أكتافهم على حافة القبر، ثم توضع في القبر ويبدءون في الدفن، وبعد ذلك يجلسون، حتى يفرغ الذين يتولون الدفن من عملية الدفن، ثم يتلقى أهل الميت العزاء.
أكرر فأقول: تلك الفترة وتلك الجلسة، لا يكون جلوسه على قبر، ولا اتكاؤه إلى قبر؛ فهذا هو محل النهي.
стр. 1237
كتاب الجنائز [١١]
ن الحرص على اتباع جنائز المسلمين وحضور دفنهم لهو مما رتب عليه الشارع أعظم الأجر والمثوبة، فمن حضر دفن أحد المسلمين فيشرع في حقه أمور منها: أن يهيل التراب على الميت ولو بثلاث حثيات، ثم يدعو للميت بعد دفنه ويستغفر له، كما يشرع في حق المسلمين عامة موالاة زيارة مقابر المسلمين للدعاء لهم وأخذ العبرة والاتعاظ من حالهم الذي هم فيه
стр. 1238
الحثو على القبر ثلاث حثيات
وعن عامر بن ربيعة ﵁ (أن النبي ﷺ صلى على عثمان بن مظعون، وأتى القبر فحثا عليه ثلاث حثيات، وهو قائم) رواه الدارقطني.
هذا ما أشرنا إليه سابقاً من المشاركة في الدفن، من أن النبي ﷺ ، صلى على عثمان بن مظعون، وأتى القبر ثم حثا عليه ثلاث حثيات، والحثية: الغرفة بالكف، ولكن هنا بيديه؛ فالرسول ﷺ شارك في الدفن بأن أخذ ثلاث حثيات من تراب القبر ووضعها عليه، كأنه شارك فيمن يهيل التراب عليه بالمسحاة ونحوها.
ولكن هنا لفتة في التثليث، يقولون: لما فعل ذلك رسول الله ﷺ قرأ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] ؛ فيقول النووي: في كل حثوة يحثوها يقول كلمة من الثلاث: الأولى: منها خلقناكم.
الثانية: وفيها نعيدكم.
الثالثة: ومنها نخرجكم تارة أخرى.
وهكذا الإنسان إن استطاع أن يشارك في إهالة التراب، أو كان العدد قليلاً فيتراوحون فيما بينهم ويساعد في ذلك، وإذا كان العدد كثيراً، وأراد أن يشارك، فقد جاء أن في كل ذرة منها حسنة، فكم في الحثية هذه من ذرة رمل أو غير ذلك، فله أجر في هذه المشاركة، والله أعلم.
стр. 1239
باب الاستغفار للميت بعد دفنه
وعن عثمان ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل) رواه أبو داود وصححه الحاكم.
في هذا الحديث يبين لنا المؤلف ﵀ حقَّ الميت علينا من الاستغفار، وأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك؛ لأن كلمة (كان) تدل على التكرار والكثرة، لم يقل: (وقف) بل قال: (كان) .
فإذا فرغ الناس من دفن الميت، وأهالوا عليه التراب، ولم يبق إلا أن ينصرفوا؛ وقف وقال للحاضرين: (استغفروا لأخيكم) .
وهذا من أدلة انتفاع الميت بعمل الحي؛ لأن استغفارهم هو طلب المغفرة من الله للميت، وليس للميت في ذلك عمل، ثم يقول ﷺ ، مع طلب المغفرة له (سلوا الله له التثبت) ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] وهذه في الآخرة.
فهنا: (واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل) وهذا من أقوى أدلة وجود عذاب القبر ونعيمه، وسؤاله، وقد جاء تفصيل هذه المسألة في حديث، وأنه إذا انصرف الناس عن ميتهم أتاه ملكان، وذكر من صورتهما الشيء الكثير، يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير، فيجلسانه فيسألانه: من ربك؟ ما دينك؟ من هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فالمؤمن يلهمه الله الجواب، فلا يفزع منهم، ويجيب على ما كان عليه، فإذا قالوا: من ربك؟ يقول: ربي الله رب السماوات والأرض، ما دينك؟ يقول: ديني الإسلام، ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هذا محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ ، فيقولان: نم نومة العروس، ويرى منزله من الجنة ومن رياضها، ونعيمها، ويفسح له في قبره، ثم يفتح له بابٌ أو نافذة على النار، ويقال له: كان هذا مصيرك، لو لم تكن مؤمناً.
أما غير المؤمن -نسأل الله السلامة والعافية- فإذا سئل من ربك؟ يقول: هاه هاه لا أدري! فيقول الملكان: لا دريت ولا تليت.
ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! يقولان: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب ويعذب، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وهذا الحديث يستدل به بعض العلماء على ما ينبغي أن يقال ويذكَّر به الميت، وبعضهم يذكر صيغاً لذلك كما ذكرها النووي في المجموع وذكرها ابن قدامة في المغني، وذكرها غيرهما، منها: يا عبد الله، فإنه يسمع: يا فلان بن فلان فإنه يجلس، أو إلى الثالثة يجلس، فيقول له: تذكر ما فارقتنا عليه من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وعلى دين الإسلام، وملة محمد ﷺ .
إلخ، ويذكرون ألفاظاً يذكرون بها الميت، وجواب الملكين، حينما يسألانه؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بأن موضوع السؤال: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ فهذه الثلاثة الأصول التي يسأل عنها الإنسان أول ما يسأل في قبره.
والله تعالى أعلم.
стр. 1240
التلقين بعد الدفن
وعن ضمرة بن حبيب ﵁ أحد التابعين قال: [كانوا يستحبون إذا سوي على الميت قبره وانصرف الناس عنه، أن يقال عند قبره: يا فلان! قل لا إله إلا الله ثلاث مرات، يا فلان! قل ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد] رواه سعيد بن منصور موقوفاً.
بعض العلماء يجعل هذا الحديث من باب تلقين الميت بهذه الأصول الثلاثة، وبعضهم يجعله من باب التذكير فقط والتلقين، وربما زاد عليه بعض الألفاظ، وأعتقد أن هذه المسألة بطولها قد تعرضنا لها، وجئنا فيها بأقوال الإمام ابن تيمية ﵀، وذكر الأثر الوارد عن أبي أمامة، وما كان يفعله السلف من تلقين الميت بعد موته عند القبر كما في حديث: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) مما يغني عن إعادته هنا، والجمهور على تلقين الميت هذه الألفاظ، وقد يضاف إليها غيرها، والله تعالى أعلم.
وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة مرفوعاً مطولاً.
стр. 1241
باب حكم زيارة القبور
وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال (قال رسول الله ﷺ : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم، زاد الترمذي: (فإنها تذكر الآخرة) هذه المسألة طويلة الذيل كما يقال، وهي قديمة تتجدد، ويكثر النزاع فيها من آونة لأخرى، ألا وهي زيارة النسوة للقبور، فهل يجوز ذلك أم لا؟ ونجد في هذه المسألة فريقين، يقول: لا تزور، وفريقاً يقول: بل تزور، فهي دائرة بين الجواز والمنع.
وإذا زارت هل تكون الزيارة مكروهة أم محرمة؟ فمنهم من يقول بالكراهية، ومنهم من يقول بالتحريم، وأصل هذه المسألة كما سمعنا الإشارة إليها: (كنت نهيتكم) كانت زيارة القبور ممنوعة على الرجال والنساء سواء، وما كان لأحد حق أن يزور قبراً.
قال المجيزون: كان ذلك في أول الأمر، إبعاداً عن الإمعان في تعظيم الموتى؛ لأن تعظيم الموتى كان هو الخطوة الأولى للمسيرة الطويلة في عبادة الأصنام، في مثل قضية يغوث ويعوق ونسر، وكانوا رجالاً صالحين.
كما هو معلوم في قصة هؤلاء الرجال في زمن نوح ﵇.
стр. 1242
أدلة القائلين بالمنع من زيارة النساء للقبور
نهى الرسول ﷺ المسلمين عن زيارة القبور سداً للذريعة، من أن يقعوا في تعظيم الأموات، فيطول الزمن، فيئول الأمر إلى عبادتهم.
فلما استقرت العقيدة عند المسلمين، وكان في زيارة القبور مصلحة، جاء الإذن، ولكن لمن كان ذلك الإذن؟ هنا وقع الخلاف فقوله: (ألا فزوروها) الخطاب هنا لواو الجماعة الذكور، فهل يدخل النسوة تبعاً للذكور في: (زوروها) ، ويكون الإذن عاماً للطرفين، أم أن الإذن هنا خاصٌ بواو الجماعة وبقي النسوة على المنع الأول؟ فقومٌ قالوا: إن الإذن هنا لواو الجماعة، ونون النسوة لم تأت، واستدلوا لقولهم هذا بحديث آخر، وهو: (لعن الله زوّارات القبور) وهذا الحديث جاء بلفظين، لفظ صيغة المبالغة: زوارات، ولفظ اسم الفاعل: زائرات.
فزائرات تدل على وجود الزيارة، ولا تدل على الكثرة؛ لكن (زوارات) تدل على كثرة التردد للزيارة، فالمانعون قالوا: الإذن جاء للرجال دون النساء، والوعيد جاء للنسوة في الزيارة.
стр. 1243
أدلة القائلين بجواز زيارة النساء للقبور
وقال المجيزون: أما واو الجماعة، فإن القاعدة في اللغة العربية تقول: إنه إذا وجدت مائة امرأة ورجلٌ واحد فإنه يخاطب المائة والواحد بواو الجماعة للمذكر، ويدخلن النسوة معه تبعاً، وأيضاً قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) فإن الواو هنا واو الجماعة، فيدخلن النسوة قطعاً في إقامة الصلاة.
ومثل ذلك مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] فقوله: (آمنوا) دخلت مع واو الجماعة نون النسوة في الصيام، قالوا: فلا دليل للمانعين في ذلك.
ثم إن حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) جاء فيه التعليل للإذن بالزيارة في قوله: (فإنها -أي: الزيارة للموتى- تذكر الآخرة، وتزهد في الدنيا، أو تذكر بالموت) إذاً: الإذن بالزيارة معللٌ بعلة، وهي أن يتذكر الزائر الموت، ويزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، وليست تلك العلة خاصة بالرجال، بل إن النسوة أيضاً في حاجة إليها، والحكم إذا كان معللاً بعلة، فإنه يدور معها وجوداً وعدماً، والعلة موجودة في النساء، بل إن المرأة أحوج إلى هذا التذكير.
أما قوله ﷺ : (لعن الله زوارات القبور) فنقول: نعم، الحديث جاء بصيغة المبالغة؛ لأن المرأة تكثر الزيارة، فيكون هناك بعض المحظورات؛ لأنها قد لا تتحفظ في الذهاب، ولا تؤدي واجب بيتها، وقد تهمل البيت بكثرة الخروج، وقد تتكلم بكلام لا يرضي الله.
وجاء في الحديث السابق: (ألا فزوروها، ولا تقولوا هجراً) يعني: إذا زرت المقابر فلا تقل: يا حبيبي، يا سندي، ونحو ذلك.
فيكون النهي لزوارات القبور لعدم صبرهن عند المجيء إلى القبر، وتكلمهن بأشياء لا ترضي الله .
وجاء أيضاً في حديث آخر: (مر النبي ﷺ بالمقبرة، فوجد امرأةً تبكي عند قبرٍ، فقال: يا أمة الله! اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، فتركها وذهب، فأتيت فقيل لها: إنه رسول الله، فاعتراها ما يشبه الموت، ثم أسرعت ولحقت به، تقول: فما وجدت على بابه بوابين، وقلت: يا رسول الله! أتوب إلى الله وأصبر، قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) قال المجيزون: كانت هذه المرأة في المقبرة عند القبر تبكي، فلم يبدأ بنهيها، ولم يقل: أنت ملعونةٌ في زيارتكِ، ولم يقل لها: أنت منهية عن الزيارة، ولكن أرشدها إلى ما هو الأفضل: (اتقي الله واصبري) فقد أقرها على زيارتها ومجيئها إلى القبر.
قال المانعون: وما يدرينا، لعلها ذهبت مع المشيعين وجلست هناك؟ وقد أجاب المجيزون عن ذلك بحديث: (نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) وجاء حديث عن عائشة ﵂ وفيه: (.
ثم انطلقتُ على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: مالكِ يا عائش حشيا رابية؟ قالت: قلت: لا شيء، قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي.
فأخبرته.
قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم.
فلهدني في صدري لهدة أوجعتني.
ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ قال: نعم.
فإن جبريل أتاني حين رأيتِ فناداني، فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدتِ، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم.
قالت: قلت: إذا زرت القبور فكيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) فهنا أم المؤمنين تسأل: ماذا أقول إن أنا زرت؟ فلم يقل لها: لعن الله زوارات القبور ولم يقل لها: أنتِ منهية عن زيارة القبور، بل أقرها على سؤالها، وعلمها ماذا تقول إن هي زارت القبور، ولهذا يذكر النووي -وإن كان مذهب الشافعي الكراهة- أن مذهب الجمهور الجواز بشرط الأمن من محظورٍ شرعي: مثل أن تتكلم بكلمات لا ينبغي أن تتكلم بها، كأن تقول: يا سندي يا حبيبي أو أنها تخرج من غير تحفظ بتزين أو بغيره، أو تعطل مصالح بيتها من زوجها وأولادها إلى غير ذلك، وكذلك حالة الإكثار.
وعلى هذا استدل المانعون بما ذكرنا، واستدل المجيزون بما ذكرنا، وكلٌ رد على الآخر في رأيه، والأخير ما ذكره النووي: بأن الأكثر على جواز ذلك مع أمن المخالفة الشرعية، في قولها، وفي صورة خروجها.
стр. 1244
باب النهي عن النوح (النهي عن النياحة)
وعن أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: (أخذ علينا رسول الله ﷺ ألا ننوح) متفق عليه.
هذا الخبر جزء من حديث طويل، تقول أم عطية رضي الله تعالى عنها في أوله (لما قدم النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، جمع النسوة في بيت، ثم أرسل إليهن عمر رضي الله تعالى عنه؛ فأتاهن عمر فقال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكن، لقد بايعكن رسول الله) أي: فلا داعي لمجيئكن إليه.
فالبيعة تكون من الرجال بالمصافحة، أما النسوة فتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما صافح رسول الله امرأة قط) حتى في البيعة لما بايع النسوة في مكة، وقصة هند مشهورة، فقد كان عمر يتكلم عن رسول الله للنسوة، ولم يصافح الرسول ﷺ النسوة في بيعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] إلى آخره.
فهنا قال لهن عمر: (أنا رسول رسول الله إليكن، يقول لكن رسول الله: قد بايعتكن) أي: اقعدن في محلكن، ولا حاجة إلى أن تحضرن إلى رسول الله لتبايعنه، فأنا نيابة عنه أبلغكن بيعة رسول الله إياكن على الإسلام.
وأخذ العهد عليهن، بأن لا ينحن، وذكر أشياء من صدق الحديث، وعدم السرقة، وألا يأتين ببهتان يفترينه.
إلى آخره ما يقال في بيعة النساء.
فهنا أم عطية تقول: وأن لا ننوح، أي: على ميت، وكذلك: أن لا نتبع جنازة، وأشياء عديدة ذكرها عمر رضي الله تعالى عنه.
المهم عندنا قول أم عطية رضي الله تعالى عنها، أن النبي ﷺ أخذ عليهن العهد، أخذه بواسطة عمر رضي الله تعالى عنه حينما أرسله إليهن بالبيعة، وبأوامر بينها ﷺ ، ومنها: أن لا ينحن على ميت.
стр. 1245
باب النهي عن النوح (لعن النائحة والمستمعة)
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال (لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة) أخرجه أبو داود.
النائحة: هي التي تنوح، أي: تبكي وتندب الميت، وجاء عنه ﷺ النهي عن النياحة على الميت، وعن شق الجيب، وعن لطم الخد، وعن أشياء كثيرة كان العرب يصنعونها في الجاهلية، ولا زال بعض الجهلة يفعلون ذلك، حتى كانت تذهب المرأة وتأتي بالطين وتجعله على رأسها، وذلك زيادة في الاستساءة، والفزع بموت من مات من عزيز عليها.
وكل ذلك من عدم الرضا بالقضاء والقدر، وعدم التسليم لقضاء الله ، وفرق بعيد جداً بين هذا العمل، وبين فعل أم سليم زوجة أبي طلحة رضي الله تعالى عنهما؛ حيث: (كان لـ أبي طلحة ولد صغير، وكان عزيزاً عليه جداً؛ فمرض، فكان كلما أراد الخروج ينظر إليه، وإذا جاء فأول ما يسأل عنه، فتوفي في غيبة أبي طلحة، فجاء أبو طلحة فسأل عن الولد، قالت: إنه اليوم أسكن ما كان، وتركته مسجى، ثم قدمت له العشاء، ثم تهيأت له تهيؤ الزوجة لزوجها؛ حتى جامعها.
ثم بعد ذلك قالت له: يا أبا طلحة! أرأيت لو أن أحداً أودع أحداً وديعة، ثم جاء في وقت وطلبها منه، أكان يقدمها إليه أم يمتنع من رد الوديعة؟ قال: لا، بل إنه يرد الوديعة لصاحبها، قالت: فإن الله قد استودعك الغلام، وقد أخذ وديعته، فقم فواره؛ فغضب غضباً شديداً، وقال: تركتني حتى فعلت ما فعلت، ثم أخبرتني بهذا.
ثم لما أصبح غدا على رسول الله ﷺ ، واشتكى إليه ما فعلت المرأة، فقال: بارك الله لكما في ليلتكما) فكانت ليلة مباركة، وحملت فكان حملاً مباركاً.
فهذه امرأة ولدها الصغير تعتريه الوفاة، ثم تتحمل وتستطيع أن تخفي آثار ذلك، لا تظهر علاماته على قسمات وجهها، ولا فلتات لسانها، بل تعد الطعام للزوج، ويتعشى، ثم تتهيأ في نفسها، وذلك لقوة الإيمان والقدرة على التحمل، والتسليم لقضاء الله.
ثم إذا بها تتلطف في إخبار الزوج بقضية مسلّمة: (وديعة طلبها صاحبها) ، ثم نقارن بينها وبين أولئك النسوة اللاتي ينحن، ويلطمن الخد، ويشققن الجيب؛ فالفرق كبير جداً، فالرسول ﷺ نهى عن النعي، وعن النياحة، وضرب الخد، وشق الجيب، بل قال: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) والحديث الذي ذكره المؤلف يشمل النائحة والمستمعة، أي: والمستمع أيضاً، ولكن خصص المستمعة بالذكر، لأنها تأتي معها؛ لأنه كان من عادتهن أن يجتمعن في جانب، وينصبن مناحة -كما يقولون- وبعض النسوة تتكلم بعض الكلمات، ومجموعة من النسوة يرددن كلامها، فيكون عملاً مستقلاً خاصاً بالنساء، لا يشارك فيه الرجال، فإذا جاءت النساء مع النائحة ليفعلن ذلك الفعل، فالنائحة والمستمعة في هذا سواء.
وكذلك يقال: لو أن رجلاً يتسمع لذلك؛ فهو تابع في هذا، ما لم ينه عنه، أو يخرج من عهدة الإنكار لهذا المنكر.
стр. 1246
عذاب الميت في قبره بما يناح عليه
وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه) متفق عليه.
هذا الحديث كثير من علماء الحديث يجعله موضع إشكال، لأن الميت ما ناح، والذي ناح إنما هو غيره من الأحياء، فلماذا يعذب الميت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، وقال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ؟ قال بعضهم: إن الميت يعرف طبيعة أهله وذويه، فإذا كان من طبيعة أهله النياحة على الميت، وقد حضرته الوفاة، فإن كان راضياً بما يفعل أهله من النياحة ولم ينههنَّ، فيكون كأنه أمرهنَّ.
أي: أن الساكت عن المنكر مشارك، كما قيل: السامع للذم شريك لقائله، ومطعم المأكول شريك للآكل، فقالوا: إما أن يوصي بأن يناح عليه كما فعل طرفه إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يابنة معبد فأوصى زوجته أن تندبه بعد موته، وهذا أمر جاهلي.
فإذا كان الميت يعرف من طبيعة أهله النياحة، فعليه -براءة لذمته وخروجاً من العهدة- أن يمنعهن وينهاهن، ويوصي بعدم النياحة، فإن فعل ذلك زال عنه الحرج والإثم ولو خالفن وصيته، وهن يتحملن إثمهن، ولا يصيبه من فعلهن شيء، أما إذا سكت وهو يعلم أنه سيقع هذا المنكر؛ فإنه يكون مشاركاً، ويعذب بذلك.
وجاء في ترجمة عبد الله بن رواحة ﵁، أنه مرض وأغمي عليه، وجاء النبي ﷺ يعوده وقال: (اللهم إن كنت أبقيته من العمر فعافه.
، ثم أفاق فقال: يا رسول الله! لقد عوتبت فيما تقوله أمي، كانت تقول: واسنداه! قال: فكلما قالت شيئاً أتى ملك يقول: أأنت كذلك؟ أأنت كذلك) إذاً: إن علم الإنسان من أهله تلك الحالة فعليه أن يوصي بمنعها، فإن فعلن بعد الوصية وبعد النهي، فلا شيء عليه، وإن عرف وسكت، فكأنه راض ومقر على ما يعلم، فيلحقه من ذلك شيء، والله تعالى أعلم.
стр. 1247
الحزن والبكاء على الميت ليس من النياحة
وعن أنس ﵁ قال: (شهدت بنتاً لرسول الله ﷺ تدفن، ورسول الله ﷺ جالس عند القبر، فرأيت عينيه تدمعان) رواه البخاري.
من فقه المؤلف ﵀ في ترتيب الأحاديث، أنه ذكر حديث: أن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة، ثم أعقبه بحديث أن النبي ﷺ كان على حافة قبر ابنته فدمعت عيناه.
فكيف يلعن النائحة وعينه تدمع؟ فكأن المؤلف يقول: دمعة العين وبكاء الإنسان على الميت ليس من اليناحة، فإن النياحة قول باللسان.
وبعض النسوة قد تأتي مجاملة، لا هي حزينة ولا أصيبت بشيء، ولكن زوجة الميت صديقة لها أو قريبة لها فتأتي لتنوح مع تلك المرأة مجاملة، أو لأجل أن تقضيها تلك النياحة عند فقد قريب لها.
هذه عادات، ولكن الإنسان من حيث هو بشر يتأثر بالعاطفة، فهذا سيد الخلق ﷺ ، وابنته تدفن، وهو على حافة القبر، فتدمع عينه، وكذلك عن موت ولده إبراهيم ﵇، لما بكى ودمعت عينه، قيل له: (أتبكي؟ قال: نعم.
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون) هل هذا نعي؟ لا.
ولكن تعبير عن الوجدان النفسي، وعن الشعور الإنساني؛ فلا مانع في ذلك.
وقد جاء عن ابن عباس ﵄ مثل هذا الموقف، قالوا: أتبكي؟ قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] بمعنى: أن الضحك ليس باختيارك، فإنك إذا رأيت شيئاً يضحك وأردت أن تكتم الضحك فإنك لا تستطيع، وكذلك البكاء، لو وجدت منظراً مؤلماً حساساً، فتدمع العين، ويحزن القلب، فإذا أردت أن تدفع هذا عنك لم تستطع؛ لأنها غريزة متمكنة في الإنسان.
إذاً: ما كان بالجبلة وبالغريزة من الحزن في القلب، ومن الدمعة في العين؛ فهذا لا يلام الإنسان عليه؛ لأنه فوق طاقته، المهم فيما يتكلم به وكان يمكن أن يمسك عنه ويتكلم بغيره.
إذاً: المؤلف ﵀ جاء بهذا الحديث عقب الحديث الذي قبله، ليبين أن التوجع والألم والبكاء ليس من النعي في شيء والله تعالى أعلم.
стр. 1248
باب كراهية الدفن ليلاً
وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا) أخرجه ابن ماجة وأصله في مسلم، لكن قال: (زجر أن يقبر الرجل في الليل حتى يصلى عليه) هذا الحديث يمكن أن نضيفه إلى ما تقدم في بيان أوقات الصلاة والأوقات المنهي عنها.
стр. 1249
الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ودفن الموتى
ونعلم أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها سبعة، منها ثلاثة منهي عن الصلاة فيها، وأن نقبر فيهن موتانا: ١- عند طلوع الشمس بازغة حتى ترتفع.
٢- وعند قيام قائم الظهيرة حتى تتحول.
٣- وعند أن تضيف الشمس للمغيب حتى تغرب.
هذه الأوقات الثلاثة نهى ﷺ عن الصلاة فيها مع بقية الأوقات السبعة، ونهى عن دفن الموتى فيها.
стр. 1250
الحكمة من النهي عن دفن الميت ليلاً
وهنا نُهي عن دفن الميت ليلاً حتى يصلى عليه.
يقول العلماء في هذا الحديث: النهي معلل؛ وذلك أن دفن الميت ليلاً كان من الصعوبة بمكان، فلم يكن هناك وسائل إضاءة تمكن الذين يدفنون الميت من أداء الواجب على الوجه المطلوب، وقد تقدم: (أن قوماً مروا على المقبرة فوجدوا ناراً، فيمموها، فوجدوا رسول الله ﷺ في القبر يقول: ناولوني ميتكم.
الحديث) وكانوا يشعلون السعف، فكانت وسائل الإضاءة كما هي اليوم في الأرياف والبوادي نار الحطب، فربما يكون الدفن ليلاً مدعاة إلى التقصير في حق الميت.
إذاً: لا ينبغي التعجل بالدفن ليلاً، وإذا كان ممكناً بدون أن يلحق الميت شيء؛ فإنه يؤجل إلى الصباح ليتمكن الناس من تجهيزه كاملاً، ومن دفنه على ما ينبغي.
ويجوز أيضاً تأخير دفنه لانتظار حضور من يعز عليه من أقاربه أو من الصالحين الذين يحضرون ليصلوا عليه، ويدعوا له ويشيعوه ويحضروا دفنه.
هذا وقد دفن الصديق رضي الله تعالى عنه ليلاً، ودفن عمر رضي الله تعالى عنه ليلاً.
إذاً: إن تمت إجراءات التجهيز كاملة، ولم يبق إلا مجرد ظرف الزمن من ليل أو نهار، فليس هناك مانع من الدفن، ولكن قوله: (إلا أن تضطروا) : الاضطرار يكون إما لخوف، وهذا يكون في الأحوال السياسية الاضطرارية، حيث يكون الميت له أعداء، فيريد أهله أن يواروه قبل أن يشعر به خصمه أو عدوه، أو أن يكون الوقت حاراً، ويكون الميت قد توفي -مثلاً- في الظهيرة وتأخر تجهيزه، ولا يمكن أن ينتظر به إلى النهار لحرارة الجو، وعدم احتمال الجثة الانتظار.
فإن لم يكن هناك اضطرار، ولم يفرغوا من تجهيز الميت تجهيزاً يليق به، فلا يدفن ليلاً وينتظر به إلى النهار، وكذلك إذا كانت هناك عوامل أخرى للتأخير، ولكن في حدود عدم مضرة الميت.
ومن دواعي الانتظار كما أشرنا إلى ذلك، حضور أقاربه، أبنائه، وأصدقائه الصالحين وغيرهم من معارفه الذين: يحضرون فيكاثرون الصلاة عليه، ويدعون له، ويشيعونه ويدفنونه.
، والله تعالى أعلم.
стр. 1251
كتاب الجنائز [١٢]
إن القيام بحوائج المسلمين والسعي في مصالحهم مما أكد الإسلام على وجوبه وحث عليه، وما من أهل بيت من المسلمين إلا ويصابون في واحد منهم بمصيبة الموت، فيكون لهم بذلك شغل عما سواه، لذلك فقد شُرع في حقهم القيام على مصالحهم في تلك الأثناء من إصلاح الطعام لهم وغير ذلك من الأمور التي تعينهم على الصبر على مصابهم، ويأتي في هذا الباب عدم الإثقال عليهم بالزيارة وطول الإقامة مما يسبب لهم الحرج في ذلك.
كما أن الشارع الحكيم دعا إلى الموالاة في زيارة المقابر والدعاء لموتى المسلمين بالأدعية المأثورة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1252
صنع الطعام لأهل الميت
стр. 1253
مواساة أهل الميت ومعاونتهم
وعن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: (لما جاء نعي جعفر حين قتل قال رسول الله ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم) فتح راء جعفر لأنه ممنوع من الصفر يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة.
стр. 1254
من سيرة جعفر ﵁
وهذا الحديث يعيدنا إلى السيرة النبوية، الحديث يقول: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنهم قد أتاهم ما يشغلهم) وذلك حينما جاء نعي جعفر، نعي أي: الإعلام بموته، وذلك أن جعفر، وهو: جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ ، وكان أحد الأمراء الثلاثة في غزوة مؤتة.
لقد نعي الكثير إلى رسول الله، واستشهد العديد بين يدي رسول الله ﷺ ، سواء في أحد أو في بدر أو في غيرها، ولم نسمع مثل هذا القول (اصنعوا لآل فلان طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم) ، وجاء هذا في جعفر خصوصاً، ولم أجد جواباً على هذا الخصوص، ولكن على كل مسلم أن يرجع إلى حياة جعفر، ومن هو جعفر؟ وما هي أعماله؟ لعل في سيرته ما يكون شبه الجواب، أو ما يسكن النفس إلى هذا الأمر.
من هو جعفر؟ أولاً: قوله: (اصنعوا لآل جعفر) الآل والأهل بمعنى، وهم عشيرة الإنسان، لكن يقال: الآل للشخص ذي المنزلة الرفيعة في الدنيا، ويقال: الأهل لكل إنسان من أي طبقات المجتمع.
إذاً: الآل تطلق في أعالي طبقات المجتمع، ولا تكون للطبقات النازلة، وهنا جعفر هو ابن أبي طالب، وأخو علي رضي الله تعالى عنهما، وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، لقد هاجر الهجرتين، وأسلم سابع سبعة، ونذكر من سيرته من ما رواه علي رضي الله تعالى عنه يقول: (كنت أنا ورسول الله نصلي -أي خفية-، فطلع علينا أبو طالب، ويتبعه جعفر؛ فرآنا نصلي، فإذا أبو طالب يقول لـ جعفر: انزل فصلِّ بجناح ابن عمك -أي بجانبه- فلما أتم رسول الله ﷺ صلاته، التفت إلى جعفر وقال: (وصلك الله بجناحين في الجنة بما وصلت ابن عمك) ، وقال لعمه: انزل صلِّ معنا، فأجابه بالجواب الذي مات عليه) فكان جعفر رضي الله تعالى عنه من أول حياته -كما كان علي رضي الله تعالى عنه- مع رسول الله، وهناك يقول أبو طالب: والله! إني لأعلم يا بن أخي أنك على الحق، ولكني كذا وكذا.
فمن بادئ الأمر اشتد الأمر على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه، وكان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في منعة عمه من أن يصيبه الناس، فلما توفي عمه، وكذلك خديجة، واشتد الأمر على أصحابه وعليه صلوات ربي وسلامه عليه، فقال: (إن في الحبشة ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد، يمكن أن تكونوا بجواره؛ حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً) فهاجر جعفر إلى الحبشة، وكان لـ جعفر رضي الله تعالى عنه موقف مشهود في بلاط الملك، حينما نزلوا بأرض الحبشة، ووقعت وقعة بدر، وأصيب من المشركين ما أصيب، قالوا: نأخذ ثأرنا ممن هم في الحبشة، وأرسلوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن ربيعة بهدايا للنجاشي، وأخذوا معهم هدايا لبطارقته أي بطارقة الملك في بلاطه، وأعطوا كل بطريق هديته، وقالوا: نحن جئنا الملك نطلبه أولئك الفتية الذين خرجوا من دين قومهم، ولم يدخلوا في دين ملككم، فإذا كلمناه فصدقونا، ومروه بأن يردهم على أهلهم.
قالوا: نفعل.
فلما دخل عمرو بن العاص ورفيقه، وقال: ما جاء بك يا عمرو؟! وكان صديقه من قبل، قال: جئتك بالهدايا، ثم قال: إن فتية سفهاء خرجوا من دين آبائهم، وقد أرسلني قومهم إليك لتردهم إليهم؛ لأنهم خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دينك.
فقال البطريق: نعم أيها الملك رُدَّهم، فإن قومهم أعلم بأمرهم؛ فغضب الملك، وقال: لا.
والله لا أردهم؛ حتى أستحضرهم وأسألهم ما الذي هم عليه، فدعاهم.
يقولون: ما اشتد علينا أمرٌ كذلك اليوم؛ لأنا سمعنا بمجيء عمرو بن العاص وهو من الدهاة، فحضروا عند الملك، فسألهم ما هذا الدين الجديد الذي دخلتموه وتركتم دين آبائكم، ولم تدخلوا في غيره من اليهودية ولا النصرانية.
كان جعفر رضي الله تعالى عنه لما اجتمعوا عند طلب الملك، قد قال لأصحابه: أنا خطيبكم اليوم عند الملك، فقام جعفر وقال: [أيها الملك! إنا كنا في جاهلية جهلاء، يأكل قوينا ضعيفنا، لا نحل حلالاً ولا نحرم حراماً، ونفعل كذا، ونأتي كذا، ونشرب كذا -وأخذ يذكر مساوئ الجاهلية كلها- حتى أكرمنا الله وبعث فينا رجلاً منا نعرف نشأته، ومولده، وصدقه وأمانته، فأمرنا أن نعبد الله وحده -أي بدل الأصنام- وأمرنا بالصدق، وبصلة الأرحام، وبكذا، وكذا، وكذا] ، فلما سمع الملك ذلك أعجب بهذا، ثم قال: أنتم السيوح، أي: سيحوا في الأرض لا يسبكم أحد إلا عوقب.
ثم قال: أيها القوم! لا حاجة لي في هداياكم، أو أنه انصرف إلى عمرو وقال: يا عمرو! ويحك هذا أمر صفته كذا وكذا، فخرج عمرو وصاحبه من عند الملك بخفي حنين -كما قيل- فـ عمرو قال: والله لأستأصلن شأفتهم، فرجع من الغد إلى الملك، وقال: أيها الملك! أتدري أنهم يقولون في عيسى أنه عبدٌ، عيسى معبود الملك، أو ثالث ثلاثة، أو ابن الله، فدعاهم مرة أخرى فاجتمعوا وقالوا: لماذا دعانا مرة أخرى؟ ماذا تقولون له إن سألكم عن عيسى؟ قال: والله ما نقول إلا ما قاله الله، وليكن ما يكون بعد ذلك، فجاءوا، وسأل أيضاً وتكلم جعفر رضي الله تعالى عنه.
فقال الملك: هل عندكم شيء مما جاء به هذا النبي؟ قال: نعم، وقرأ عليه ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] إلخ.
ثم قال: ما تقول في عيسى؟ ما يقول نبيكم في عيسى؟ قال: كما قال الله: عبد الله، ورسوله، وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول العذراء وروح منه.
فألقى النجاشي إلى الأرض ورفع عوداً صغيراً بين أنامله -وكان البطارقة موجودين ناشرين صحفهم أي: الأناجيل - قال: والله ما زاد عيسى ولا نقص على ما قال صاحبكم، ولا مثل هذا العود.
فخار البطارقة، فقال: سواء عليكم تخورون أو لا تخورون، هذا هو الحق.
ثم قال لجلسائه: ردوا عليهم هداياهم، والله ما أخذ الله عليَّ الرشوة حين رد عليَّ الملك، ولا أطاع الناس فيَّ، فلن آخذ الرشوة في هؤلاء، ولن أطيع الناس فيهم.
وقوله: ما أخذ الله الرشوة عليَّ في رد ملكي، يقولون في تاريخه: كان أبوه ملكاً على الحبشة، وكان له أخ، وأبو النجاشي ليس له ولد إلا هذا، وأخوه له عشرة أولاد، فقال أهل الحبشة: إن هذا الملك ليس له إلا ولدٌ واحد، فإذا مات وتولى ولده ومات ولده انفلّ أمر الحبشة وضاعت، فلنقتل هذا الملك، وننصب أخاه؛ حتى إذا كان ملكا توارث الملك من أبنائه عشرة أبناء ينتظم أمر الحبشة، ويظل مدة طويلة، ففعلوا، ونصبوا أخاه.
ثم إن النجاشي هذا كان فطناً ذكيا، استسلم للأمر، ولكنه تداخل مع عمه في سياسة الملك، حتى غلب على أمر عمه بالسياسة، فلا يصدر شيئاً ولا يفعل شيئاً إلا بالرجوع إلى هذا النجاشي، فنظر أهل الحبشة وقالوا: والله لقد تحكم أو سيطر على الملك، نخشى فيما بعد أن الملك ينصبه علينا ملكاً، وقد علم أنا قتلنا أباه فينتقم منا، فنأتي إلى الملك.
فأتوه وقالوا: إما أن تقتله حتى لا ينتقم منا فيما بعد، وإما إن تخرجه عنا.
فقال: ويحكم! قتلتم أباه بالأمس، وأقتله اليوم، لا، أنا أبعده عنكم، فأخرجوه إلى السوق، وجاء تاجر وباعوه -كما تقول القصة- بستمائة درهم.
ثم خرج عم النجاشي -الذي هو الملك الحالي- في يوم مطير شديد وفيه عواصف، ففي خروجه نزلت صاعقة وأحرقته، ثم نصب أحد أبنائه، وتولى الملك، فليس فيهم من يصلح لإدارة الملك، فرجعوا واجتمعوا وقالوا: والله لن ينتظم أمر الحبشة إلا على ذاك الذي بعتموه، فأدركوه.
وكان التاجر الذي اشتراه قد ألقاه في سفينة من أجل أن يرحله، فأسرعوا وأدركوا التاجر بسفينته، وفيه هذا الغلام، ثم رجعوا به فنصبوه ملكاً عليهم، وجاء التاجر الذي كان اشتراه، وقال: أعطوني حقي؟ قالوا: ليس لك شيء، قال: والله لتعطوني حقي، أو لأرفع أمري إلى الملك، فأتى إلى الملك، وقال: أيها الملك! تاجر اشترى غلاماً، والذين باعوه استلموا الثمن، ثم إذا بهم أخذوا الغلام من المشتري، ولم يدفعوا إليه القيمة.
قال: والله! إما أن يدفعوا لك القيمة، ويسلموا العبد يداً بيد للمشتري يذهب به، فهناك قالوا: ندفع القيمة.
وهذا معنى قوله: ما أخذ الله عليَّ الرشوة حين رد علي ملكي؛ لأن ملكه لما قتل أبوه كان هو أحق بالملك، ولا أطاع الناس فيَّ فآخذ الرشوة فيكم، أو أطيع الناس فيكم، اذهبوا فأنتم السيوح.
وهكذا كانت قضية جعفر في بلاط النجاشي؛ أعلن عن الإسلام، وصرح للملك بما قال الله في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبقي المسلمون هناك إلى فتح خيبر.
ووفد جعفر رضي الله تعالى عنه على النبي ﷺ بخيبر، واستقبله ﷺ ، وقبله بين عينيه، وقال (والله! لا أدري بأيهما أشد فرحاً بمقدمك أم بفتح خيبر؟) وذكروا مناقب كثيرة بأنه ﷺ قال فيه: (أنت أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً) ، وكانوا يقولون: ما ركب النعل، ولا احتذى النعال، من يشبه رسول الله بعد جعفر.
كان أكرم بني هاشم، وكان أشجعهم، ثم كان موقفه الذي استشهد فيه، وجاء فيه النعي، وجاء فيه هذا الخبر، ألا وهو إمرته ثالث ثلاثة في غزوة مؤتة.
стр. 1255
استشهاد جعفر ﵁
(بلغ النبي ﷺ أن ملوك الغساسنة على حدود الشام يجمعون لرسول الله ﷺ ، فندب الناس، فاجتمع له ثلاثة آلاف مقاتل، فأمَّر عليهم ثلاثة زيد بن حارثة حب رسول الله، وجعفر ابن عمه، وعبد الله بن رواحة، وقال: إن أصيب زيد فالأمير جعفر، وإن أصيب جعفر فالأمير ابن رواحة، وإن أصيب ابن رواحة؛ فليختر المسلمون رجلاً منهم) وخرجوا في يوم الجمعة، ومضوا إلى الشام، فلما وصلوا إلى معان هناك جاءهم خبر من العيون التي أرسلوها بأن ملوك الغساسنة جمعوا مائة ألف ليردوهم، واستنجدوا بالروم بمائة ألف أيضاً، فاجتمع مائتا ألفٍ من الروم ومن العرب المتنصرة ومن تبعهم.
هناك توقف الأمراء الثلاثة؛ لفرق ما بين العددين: ثلاثة آلاف مقابل مائتي ألف، وإذا نظرنا إلى العدد الشرعي في أول الأمر، وإلى ما جاءت الرخصة بعده، نجد النسبة بعيدةً جداً؛ لأن الشرع أو النص القرآني الكريم يقول: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] يعني: الواحد بكم؟ بعشرة، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً﴾ [الأنفال:٦٥] وبعد ذلك: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦] .
﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦] أو مائة يغلبوا مائتين.
لو جئنا في هذا الموقف لوجدنا النسبة بين ثلاثة آلاف ومائتي ألف تزيد على واحد إلى ستين رجلاً، مع وفرة العدد والعدة عند العدو، ومع طول المسافة وثقل المشقة، ومع قرب ديار العدو؛ هناك تشاور الأمراء الثلاثة، ولهذا في نظري أن مؤتة تشبه بدراً، وقد سميها بدر الشام؛ لأن فيها من المواقف ما يشابه بدراً من جوانب شتى.
تشاور الأمراء فيما بينهم، فبعضهم قال: نبقى في معان، ونخبر رسول الله بالموقف والعدد، إما أن يمدنا بمدد من عنده، وإما أن يأمرنا بما يراه.
فقام عبد الله بن رواحة وتكلم بما يشجع القوم: والله! ما قاتلنا في بدر بعدد ولا بعدة، وإنما قاتلنا بهذا الدين الذي نقاتل عنه، وذكر أشياء عن الشهادة ورغب فيها، فسمع ذلك زيد وهو الأمير الأول، فوافق على أن يقابلوا العدو.
ومشوا إلى مؤتة، والتقى الفريقان: ثلاثة آلاف أمام مائتي ألف، واستمر القتال ستة أيام، وهم يصابرون مائتي ألف مقاتل على تلك الحالة، وفي اليوم السابع بعد الجهد وبعد المشقة استشهد زيد.
ثم أخذ الراية جعفر، فحينما أخذ الراية قطعت يمينه فأخذها بيساره، فلما قطعت يساره ضمها بعضديه، فقطع العضدان وسقط اللواء، فقتل جعفر، وقد كان على فرسه، فنزل عنها وترجل وعقرها، وقيل: أول من عقر في الإسلام هو جعفر؛ لأن الخيل تكاثفت عليه لم يعد لفرسه مجال أن يجول في أرض المعركة، فنزل يقاتل مترجلاً، وقد وجد في جسده قرابة سبعين طعنة، ما بين ضربة سيف، وطعنة رمح ورمية سهم، وقيل: جاء رجلٌ وشقه نصفين، وسقط اللواء في الأرض، فأخذه عبد الله بن رواحة فأصيب، فأخذها خالد.
وجاء النبي ﷺ في يومها، وصعد المنبر، وخطب الناس وقال (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة وسكت، فاستاء الأنصار وقالوا: لعله وقع من ابن رواحة ما يؤذيهم، فأعاد الكلام أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، ثم أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله يفتح الله على يديه، وكان الذي أخذها خالد بن الوليد) .
وهنا يرى بعض المؤرخين أن خالداً انحاز بالمسلمين وانسحب، والبعض الآخر يقول كما يرجح ابن كثير: لقد انتصر المسلمون على الكفار؛ لأن خالداً لما أخذ الراية جاء في الليل، وأرسل سرية من الجيش إلى خارج المعسكر، وأمرهم إذا طلعت الشمس، وبدأ الالتحام أن يقدموا وينزلوا إلى المعركة مباشرة، وجعل الميمنة ميسرة، والمقدمة مؤخرة، وغير في تشكيل الجيش، فلما بدأت المعركة رأى الروم ما لم يروه من قبل، وجاء هؤلاء، فظن الروم أن المسلمين قد أتاهم مدد، وقد كانوا قبل ذلك عاجزين عنهم وهم قلة، فكيف بهم إذا جاءهم المدد؛ فبدءوا يتلفتون، ونصر الله المسلمين عليهم.
هنا لما أصيب جعفر، وذكر ﷺ أنه لما قطعت يداه، وعضداه، قال (لقد أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة، يرتع في الجنة حيث يشاء) .
وذكروا أخباراً عديدة: منها ما يذكر ابن عساكر من أنه ﷺ كان جالساً فرفع رأسه وقال: وعليكم السلام، وقال: هذا جبريل ومعهم جعفر ذهبوا يبشرون أهل بيشة بالأمطار.
وبيشة بلدة في اليمن إلى غير ذلك من الأخبار عن جعفر، ولذا لقب بـ جعفر الطيار؛ لأن له جناحين يطير بهما حيث شاء.
فإذا كان الأمر كذلك وهذا هو جعفر الذي عقر فرسه في أرض المعركة، وترجل وقاتل، واحتمل فوق السبعين طعنة، ثم شق نصفين، وهو لم يتأخر ولم يتردد، وأخبر ﷺ أنه رأى الأمراء الثلاثة على أسرة من ذهب في الجنة.
يقول: ورأى في سرير عبد الله بن رواحة وفي سرير زيد إزوراراً في صدورهما إلا جعفر ليس في سريره إزورار، فسئل عن ذلك قال: لما تقدموا باللواء كان عندهم غضاضة من الموت إلا جعفر، أقبل عليه بكل شجاعة وجرأة، وعلى هذا لما عاد المسلمون من مؤتة خرج ﷺ يتلقاهم، كان أبناء جعفر مع من خرجوا مع المسلمين، فوجدهم رسول الله فأخذهم إليه، وتذكر زوجة جعفر في أخبار أخرى بأن الرسول أتاها في البيت، وكانت تجهز طعاماً، فأستوصاها بأبناء جعفر خيراً.
فقالت: هل سمعت عن جعفر شيئاً يا رسول الله؟! فأخبرها أنه قد أصيب.
стр. 1256
صنع الطعام لأهل الميت هو المطلوب لا العكس
فهنا يقول ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم) وأقول أيضاً: نفس السؤال: لقد أصيب واستشهد بين يدي رسول الله ﷺ العديد من الشهداء، والكثير من القتلى، وما أوصى بهم كما أوصى بـ جعفر وآل جعفر.
والله تعالى أعلم.
والحديث سيق هنا لما يتعلق بصنع أهل الميت طعاماً للمعزين، فيقال: لا، وإنما الذي ينبغي العكس، فعلى ذويهم وجيرانهم ومن يعرفهم أن يصنع طعاماً في بيته ويقدمه لأهل الميت؛ لأن أهل الميت أتاهم ما يشغلهم.
стр. 1257
السلام على أهل القبور عند زيارتها والدعاء لهم
وعن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) رواه مسلم.
قوله: (كان ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر) هذا الحديث يخبرنا أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم؛ لأن زيارة المقابر والسلام على الموتى عبادة وقربة، والعبادات توقيفية، ومن هنا كان يعلمهم ﷺ ما يقولون.
стр. 1258
سماع الموتى السلام والدعاء
قوله للموتى: (السلام عليكم أهل الديار) لو مررت على الجدار فلا تقول: السلام عليك يا جدار؟ لأن الجدار لا يسمع، فحينما تقول لمن أمامك: السلام عليك.
لا تقولها إلا إذا كنت تعلم أنه أهل للسلام وأنه يسمع منك السلام، ومن هنا يستدل العلماء على أن من سلَّم على ميت؛ فإن كان يعرفه باسمه ذكره، وقد جاء الحديث: (من مر بقبر أخيه المسلم وهو يعرفه باسمه وسلم عليه، رد الله عليه روحه فرد ﵇ فإذا كان بصفة عامة لا يعرف الأسماء سلم عليهم بصفة الإسلام.
إذاً الموتى يسمعون، ومن أراد كثرة الأخبار في هذا الباب فليرجع إلى كتاب الروح لـ ابن القيم فإنه يجد فيه متعاً وأخباراً وأشياء كثيرة جداً.
وذكر العلماء أن الموتى لا تخفى عليهم حالة من يمر بهم، وأنهم يتزاورون، أو إذا مر عليهم مار فسلم عليهم فدعا لهم وزعت لهم الجوائز ومنحت عليهم المنح، فيقال: من أين هذا؟ فيقال: فلان مر فسلم، فلان مر فدعا.
إلى غير ذلك، فقالوا: هذا من أقوى الأدلة على أن الموتى يسمعون السلام والدعاء ممن يُسلم عليهم ويدعو لهم، وإلا كان السلام سيذهب ضياعاً، فهذا يقتضي بدلالة الالتزام أن الميت يسمع السلام.
قوله: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين) أهل الديار كلمة (الديار والدار) تطلق على الأرض مسكونةً كانت أو غير مسكونة، تقول: ديار ثمود، ديار بني تميم، وقد تكون خالية منها، فتطلق على العامر والدامر.
قوله: (السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين) الجمع بين الصفتين يعلم الله تعالى ما الحكمة منه، ولكن غالباً ما يكون ذلك لتفاوت درجات أهل المقابر، فليسوا كلهم على درجةٍ واحدة، فمثلاً لو قال: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين) يمكن أن يقال: هذا لا يصل من هم أقل منهم درجة، فأتى الحديث بسلام يشمل الجميع من المسلمين والمؤمنين.
قوله: (وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون) .
(إنا) ضمير المتكلم ومعه غيره؛ لأن معه من يسمع ﷺ وهو يعلمهم، أو للمتكلم ومعه غيره إذا خرجوا إلى المقابر فهذا جمع خرج للمقابر من الرجال، (وإنا) يعني معشر الحاضرين المتكلمين.
стр. 1259
بحث في المشيئة من الحديث
(إن شاء الله بكم لاحقون) التعليق على المشيئة هنا هل هو لأمرٍ ممكن، أو غير ممكن ليمكن؟ تقول: إذا جاء زيدٌ إن شاء الله أعطيه كذا.
(أعطيه) ممكن أن تعطيه ويمكن أن لا تعطيه؛ لأنك قلت: إن شاء الله أعطيه، فيكون العطاء محتملاً للوقوع وعدم الوقوع.
وهنا: اللحوق بهم مقطوع به إذاً: لماذا ذكر المشيئة هنا؟ فبعضهم يقول: لأحد أمرين: للتعليق على سبيل عدم الجزم، وإما لعدم تعليق شيء، وإنما تقال تبركاً على حد قوله سبحانه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] .
والآخرون قالوا: لا، ليس للإنسان في اللحاق بهم فعل، ولا يملك شيئاً، والمشيئة هنا متعلقة باللحاق بهم في تلك الديار التي مر عليها وسلم على أهلها، يعني: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون في هذه المقبرة -أي: بالبقيع بالمدينة-.
ويكون ذلك من باب التمني، أو من باب الترجي، أو الطلب، أو الطمع بأن يلحق بأهل هذه المقبرة فيها، وهذا من الترغيب في الوفاة بالمدينة، وأن يدفن بالبقيع، نسأل الله أن يكرمنا وكل راغب بذلك.
стр. 1260
فضل الموت في المدينة والدفن فيها
وقد جاء في الموطأ حديثٌ غريب، وهو من أقوى أدلة تفضيل سُكنى المدينة والموت فيها على مكة -والناس يغفلون عن ذلك- جاء عنه ﷺ (أنه كان جالساً في البقيع وهم يحفرون قبراً لميت، فجاء رجل ونظر في القبر وقال: بئس مضجع الرجل! فقال ﷺ : بئس ما قلت يا هذا! قال: يا رسول الله! إنما عنيت الجهاد في سبيل الله! -يعني: أريد أن يقتل في سبيل الله، فتلك هي نعم الميتة- قال: لا، ما من بلدٍ أحب إليَّ أن يكون قبري فيها منها) (منها) أي: المدينة.
فيكون قوله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) تحقيقاً لهذه المحبة وهذه الرغبة، وقد تحققت، فقد جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنه قُبض ﷺ في حجرتها، وجاء الصديق رضي الله تعالى عنه: ما قبض الله روح نبي إلا في المكان الذي يدفن فيه؛ فدفنوه في حجرة عائشة.
ولما ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها موت الصالحين من الأمم، ذكرت أنه كان إذا مات الرجل الصالح فيهم بنوا على قبره واتخذوه مسجداً؛ قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره مع الموتى؛ لكن لم يبرز قبره مع عامة الناس حراسة للعقيدة وحمايةً للتوحيد، وقد قبر في حجرة عائشة.
ومن هنا يتكلم العلماء عن فضل البقيع بالذات -بقيع الغرقد-؛ لأنه جاء النص بالاستغفار لهم وزيارتهم خاصة، فقد جاء عن أبي بن كعب قال: إنا لنجدها -أي البقيع- في التوراة تسمى كفتة؛ لأنها تؤخذ فتكفت بما فيها في الجنة.
وجاء في الحديث (إن أول من تنشق عنهم الأرض يوم القيامة القبور الثلاثة المشرفة، ثم يليهم أهل البقيع، ثم يليهم أهل المعلاة في مكة، ثم عامة الناس) ثم جاء الحديث (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فمن مات بها كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) قالوا: قوله: (أو) ليس للتخيير ولكن للتنويع، أي: شهيداً لمن حضرته، شفيعاً لمن كان من بعدي.
ونسأل الله أن يكرمنا بكرامة عباده الصالحين، وأن يختار لي ولمن يرغب البقيع إن شاء الله.
стр. 1261
سؤال العافية للأحياء والأموات
من السلام الذي كان يعلمهم إياه (السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) ثم يدعو ويقول: (نسأل الله لنا ولكم العافية) .
وقوله: (لنا ولكم) يقول العلماء: ينبغي للداعي أن يقدم نفسه ثم يعطف الآخرين، كما قال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [محمد:١٩] .
(ونسأل الله لنا ولكم العافية) العافية -كما يقال في عرف الناس- الصحة، وضدها السقم، والعافية من كل سوء: السلامة منه، والمعافاة كذلك، وفي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها حينما ذكر رسول الله ﷺ ليلة القدر، واختلف الناس فيها: (التمسوها في العشر الأواخر) قالت: (ماذا أقول إن أنا صادفتها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) السؤال هو: اعف عني، وما قبله مقدمة ووسيلة، أي: أنت يا ربِّ تحب العفو، أنت يا رب عفو، بصفتك عفو وبكونك تحب العفو اعف عني، فتقديم: (إنك عفو) و (تحب العفو) توسل بصفات الله وأفعاله لما تريد أن تطلب، وهو معنى قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] يعني: تخير لمسألتك من الأسماء الحسنى ما يناسبها، فإذا كنت تطلب العفو سل الله باسمه العفو، وإذا كنت تطلب الرزق؛ فاسأل الله باسمه الرزاق، أو تطلب المغفرة أو غفران الذنوب، فاسأل الله باسمه الغفار.
وهكذا.
فهنا نجد أحب سائل إلى رسول الله وهي عائشة، وهي تسأل عن أعظم شيء محبوب للمسلم، ويأتيها الجواب من أحب خلق الله إليها، أنه: طلب العفو.
إذاً: طلب العفو أحب ما يكون وأفضل ما يكون في هذا المقام، ويقول بعض العلماء: تأملت هذا على الإيجاز، فوجدت من عافاه الله في الدنيا في بدنه، كان سالماً من مصائب الدنيا، وكان مرتاحاً من العذاب ومن الحساب ومن المناقشة يوم القيامة، وهذا هو الفوز العظيم.
إذاً: السعادة كل السعادة تأتي تحت عنوان العفو والعافية، فقال: (نسأل الله لنا ولكم العافية) والعافية أي: مما ينال بعض أهل القبور العافية مما ينال بعض أهل الموقف العافية مما ينال بعض الناس على الصراط، عند الميزان، عند الحوض.
إلخ.
стр. 1262
التوجه إلى القبور عند المرور عليها وذكر الدعاء
وعن ابن عباس قال (مر رسول الله ﵌ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن الأثر) رواه الترمذي وقال: حسن.
ذكر في الحديث السابق أنه كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، يعني: إذا أتوا إليها قصداً، فتلك زيارة مقصودة، وهي ليست من شد الرحال؛ لأن البقيع في طرف المدينة، بل أبعد منه قباء، والإتيان إلى قباء ليس شداً للرحال؛ لأنه لا يحتاج إلى طعام ولا إلى ماء وشراب للطريق، فهو في أطراف البلد.
فإذا خرج الإنسان وقصد المقابر بذاتها فقد تقدم الكلام، وقد كانوا كثيراً ما يقصدونها يوم الجمعة ويوم العيد، فيسلمون على الموتى ويدعون لهم، والموتى يستأنسون بهم.
فإذا لم يكن قاصداً، ولكنه مر فرأى في طريقه مر على مقبرة، فهل يمر بها وهو صامت؟ فالمؤلف بين لنا الحالة الأولى وهي: أن يعمد إلى المقابر زائراً فماذا يقول؟ يقول كما تقدم (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) فإذا مر مروراً عادياً؛ لكنه فوجئ ووجد نفسه يمر على المقبرة، فماذا يفعل؟ قال: (مر رسول الله ﵌ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه ... ) لأن الإقبال بالوجه من أدب المحادثة والمخاطبة، فلا تسلم وأنت تمشي، بل يجب أن تحترم من تسلم عليهم، فتتوجه إليهم حيث يوجهك، سواء للقبلة أو للشمال أو للجنوب؛ لأنك تستقبل من تسلم عليه.
قال: (فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم) في الحديث السابق قال: (دار قوم مؤمنين) وهنا قال: (يا أهل القبور) ؛ لأنه مر على قبور، فنحن عندما نمر على القبور، سواء من الطرف أو من الوسط نقول: (السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر) .
السلف: هو الذي يتقدم، وسلف الأمة: الأجيال المتقدمة، (ونحن بالأثر) الأثر: الطريق الذي سلكه أهل القبور، وأولئك كل من على وجه الأرض سيسلكون على أثرهم، ولن يتخلف أحد يتخلف أبداً، ولا هناك أحد له طريق غير هذا الطريق.
أنتم سلفنا، أي: تقدمتمونا، ونحن على أثركم نمشي، وسنلحق بكم إن شاء الله.
والعاقل حينما يأتي إلى المقابر، ويتذكر هذه الدعوات فإنه يتصور مآل الإنسان، كما في الحديث السابق: (ألا فزوروها، فإنها تذكر بالآخرة، وتزهد في الدنيا)
стр. 1263
باب النهي عن سب الأموات
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) رواه البخاري.
وروى الترمذي عن المغيرة ﵁ نحوه، لكن قال: (فتؤذوا الأحياء) .
стр. 1264
الحكمة في النهي عن سب الأموات
هل من حق الميت بعد دفنه، وبعد أن فارق الدنيا وتركها، أن تلحقوه بدعوة خير وثناء عليه، أم أن تنبشوا دفاتر أعماله، وتفتشوا عن سيئاته؟! أليس يكفي أنه ترك الدنيا بما فيها وذهب؟! قوله: (لا تسبوا الأموات) أنت في حياتك مع الشخص وهو حي، لا يحق لك أن تذكر مساوئه في غيبته، قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] ، ثم مثل سبحانه غيبة الحي من الحي بقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢] ؛ فالذي يذكر مساوئه كأنه أكل لحمه ميتاً؛ ووجه الشبه: أن الغائب لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الغيبة، والميت لا يستطيع أن يدفع عن نفسه من يأكله.
ومعنى أن الميت قد أفضى إلى ما قدم، يعني: ليس بزائد على ما كان منه من عمل، وليس بناقص عنه شيئاً، وقد صار بين يدي الله.
وكما يقول الشوكاني: لقد أفضى إلى ربه، وجثا بين يدي مولاه، أفتحاسبه أنت وتناقشه؟ ليس لك حق في ذلك؛ فإنه أفضى إلى ما قدم، وسيلقى جزاء عمله بين يدي ربه، وقد يجد ربه غفوراً رحيماً يغفر له ما تسيء به إليه، ويرحمه فيما تعاتبه فيه، فيكون ربه قد رحمه، وأدركه بلطفه، وأنت هنا تتمسك بمثالبه، فأنت إذاً كالقابض على الريح.
وقد قال بعض العلماء: ذكر مساوئ الأموات كغيبة الأحياء، ولكن الصحيح أنها أشد؛ لأن الحي ربما تصله غيبته فيدفع عن نفسه؛ ولكن الميت لا يستطيع ذلك.
قد يقول بعض الناس: لو كان هذا الميت مجاهراً بالمعاصي، فاسداً فاسقاً، فلا مانع من ذكر مساوئه، ونقول: مهما تصورت من سوء فعاله، فهي معه وقد لقي ربه بها، وربه أولى به منك، فلا حاجة إلى أن تتعرض له.
ولا يدخل في ذلك الجرح والتعديل، كقولهم فلان المدلس، وفلان صفته كذا، لأن هذه فيها فائدة للمسلمين، بأن يحذروا رواياته؛ لأنه يبنى عليها أحكام، وكذلك وصفه بوصف لا يعرف إلا به، كقولهم: فلان الأعرج، أو الأعمش، أو الأعشى، والنهي وارد على السب الذي لا يقصد من ورائه عرض صحيح.
ثم الرواية الأخرى: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) فالميت قد ذهب، ثم يأتي من يقول لابنه: والدك كانت صفته كذا، فهو يقول: لكن يا أخي! لماذا تسيء إليَّ في أبي، وقد انتقل إلى رحمة الله، وأفضى إلى ما قدم.
стр. 1265
التحذير من الكلام في أعراض العلماء
وهنا أُوجّه التحذير كل التحذير ممن يتناولون سلف الأمة في أي مجال كان: بذكر المثالب، وبذكر النواقص، مثل: فلان ركن في الكذب، فلان مبتدع، فلان فلان؛ فإن فلاناً قد أفضى إلى ما قدم، والطعن -كما يقولون- في مذهبه ومعتقده وطريقته، وهذا كله أشر ما يكون على الإنسان، والعلماء يقولون: لحوم العلماء مسمومة، يعني: من تناول العلماء بالسب والتنقيص لشيء عندهم، فإنما ذلك سم يتناوله.
والرسول ﷺ يقول: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) فلا ينبغي طعن في ميت قط، وإذا كان من أهل العلم والفضل فله منهجه، فإذا كان قوله مخالفاً لإجماع المسلمين فتقول: هذه الطريقة فاسدة، هذه الطريقة باطلة، ولا تتناول صاحبها بالسب واللعن والتنقيص، كما إذا وجدت كتاباً لإنسان، ووجدت المكتوب فيه مغايراً لإجماع المسلمين، فليكن نقدك منصباً على المكتوب وليس على الكاتب؛ لأن المنصب على الكاتب لا قيمة له، وإنما التحذير من هذا المكتوب، وإذا نقضت المكتوب فإن ذلك يكفي.
أرجو الله أن يطهر ألسنتنا من أعراض الناس أحياءً وأمواتاً، من سلف الأمة وخلفها، وأن يطهر قلوبنا من الغل والحقد والحسد، والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.
следующие страницы →