Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
سؤال العافية للأحياء والأموات
من السلام الذي كان يعلمهم إياه (السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) ثم يدعو ويقول: (نسأل الله لنا ولكم العافية) .
وقوله: (لنا ولكم) يقول العلماء: ينبغي للداعي أن يقدم نفسه ثم يعطف الآخرين، كما قال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [محمد:١٩] .
(ونسأل الله لنا ولكم العافية) العافية -كما يقال في عرف الناس- الصحة، وضدها السقم، والعافية من كل سوء: السلامة منه، والمعافاة كذلك، وفي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها حينما ذكر رسول الله ﷺ ليلة القدر، واختلف الناس فيها: (التمسوها في العشر الأواخر) قالت: (ماذا أقول إن أنا صادفتها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) السؤال هو: اعف عني، وما قبله مقدمة ووسيلة، أي: أنت يا ربِّ تحب العفو، أنت يا رب عفو، بصفتك عفو وبكونك تحب العفو اعف عني، فتقديم: (إنك عفو) و (تحب العفو) توسل بصفات الله وأفعاله لما تريد أن تطلب، وهو معنى قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] يعني: تخير لمسألتك من الأسماء الحسنى ما يناسبها، فإذا كنت تطلب العفو سل الله باسمه العفو، وإذا كنت تطلب الرزق؛ فاسأل الله باسمه الرزاق، أو تطلب المغفرة أو غفران الذنوب، فاسأل الله باسمه الغفار.
وهكذا.
فهنا نجد أحب سائل إلى رسول الله وهي عائشة، وهي تسأل عن أعظم شيء محبوب للمسلم، ويأتيها الجواب من أحب خلق الله إليها، أنه: طلب العفو.
إذاً: طلب العفو أحب ما يكون وأفضل ما يكون في هذا المقام، ويقول بعض العلماء: تأملت هذا على الإيجاز، فوجدت من عافاه الله في الدنيا في بدنه، كان سالماً من مصائب الدنيا، وكان مرتاحاً من العذاب ومن الحساب ومن المناقشة يوم القيامة، وهذا هو الفوز العظيم.
إذاً: السعادة كل السعادة تأتي تحت عنوان العفو والعافية، فقال: (نسأل الله لنا ولكم العافية) والعافية أي: مما ينال بعض أهل القبور العافية مما ينال بعض أهل الموقف العافية مما ينال بعض الناس على الصراط، عند الميزان، عند الحوض.
إلخ.
стр. 1262
التوجه إلى القبور عند المرور عليها وذكر الدعاء
وعن ابن عباس قال (مر رسول الله ﵌ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن الأثر) رواه الترمذي وقال: حسن.
ذكر في الحديث السابق أنه كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، يعني: إذا أتوا إليها قصداً، فتلك زيارة مقصودة، وهي ليست من شد الرحال؛ لأن البقيع في طرف المدينة، بل أبعد منه قباء، والإتيان إلى قباء ليس شداً للرحال؛ لأنه لا يحتاج إلى طعام ولا إلى ماء وشراب للطريق، فهو في أطراف البلد.
فإذا خرج الإنسان وقصد المقابر بذاتها فقد تقدم الكلام، وقد كانوا كثيراً ما يقصدونها يوم الجمعة ويوم العيد، فيسلمون على الموتى ويدعون لهم، والموتى يستأنسون بهم.
فإذا لم يكن قاصداً، ولكنه مر فرأى في طريقه مر على مقبرة، فهل يمر بها وهو صامت؟ فالمؤلف بين لنا الحالة الأولى وهي: أن يعمد إلى المقابر زائراً فماذا يقول؟ يقول كما تقدم (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) فإذا مر مروراً عادياً؛ لكنه فوجئ ووجد نفسه يمر على المقبرة، فماذا يفعل؟ قال: (مر رسول الله ﵌ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه ... ) لأن الإقبال بالوجه من أدب المحادثة والمخاطبة، فلا تسلم وأنت تمشي، بل يجب أن تحترم من تسلم عليهم، فتتوجه إليهم حيث يوجهك، سواء للقبلة أو للشمال أو للجنوب؛ لأنك تستقبل من تسلم عليه.
قال: (فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم) في الحديث السابق قال: (دار قوم مؤمنين) وهنا قال: (يا أهل القبور) ؛ لأنه مر على قبور، فنحن عندما نمر على القبور، سواء من الطرف أو من الوسط نقول: (السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر) .
السلف: هو الذي يتقدم، وسلف الأمة: الأجيال المتقدمة، (ونحن بالأثر) الأثر: الطريق الذي سلكه أهل القبور، وأولئك كل من على وجه الأرض سيسلكون على أثرهم، ولن يتخلف أحد يتخلف أبداً، ولا هناك أحد له طريق غير هذا الطريق.
أنتم سلفنا، أي: تقدمتمونا، ونحن على أثركم نمشي، وسنلحق بكم إن شاء الله.
والعاقل حينما يأتي إلى المقابر، ويتذكر هذه الدعوات فإنه يتصور مآل الإنسان، كما في الحديث السابق: (ألا فزوروها، فإنها تذكر بالآخرة، وتزهد في الدنيا)
стр. 1263
باب النهي عن سب الأموات
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) رواه البخاري.
وروى الترمذي عن المغيرة ﵁ نحوه، لكن قال: (فتؤذوا الأحياء) .
стр. 1264
الحكمة في النهي عن سب الأموات
هل من حق الميت بعد دفنه، وبعد أن فارق الدنيا وتركها، أن تلحقوه بدعوة خير وثناء عليه، أم أن تنبشوا دفاتر أعماله، وتفتشوا عن سيئاته؟! أليس يكفي أنه ترك الدنيا بما فيها وذهب؟! قوله: (لا تسبوا الأموات) أنت في حياتك مع الشخص وهو حي، لا يحق لك أن تذكر مساوئه في غيبته، قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] ، ثم مثل سبحانه غيبة الحي من الحي بقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢] ؛ فالذي يذكر مساوئه كأنه أكل لحمه ميتاً؛ ووجه الشبه: أن الغائب لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الغيبة، والميت لا يستطيع أن يدفع عن نفسه من يأكله.
ومعنى أن الميت قد أفضى إلى ما قدم، يعني: ليس بزائد على ما كان منه من عمل، وليس بناقص عنه شيئاً، وقد صار بين يدي الله.
وكما يقول الشوكاني: لقد أفضى إلى ربه، وجثا بين يدي مولاه، أفتحاسبه أنت وتناقشه؟ ليس لك حق في ذلك؛ فإنه أفضى إلى ما قدم، وسيلقى جزاء عمله بين يدي ربه، وقد يجد ربه غفوراً رحيماً يغفر له ما تسيء به إليه، ويرحمه فيما تعاتبه فيه، فيكون ربه قد رحمه، وأدركه بلطفه، وأنت هنا تتمسك بمثالبه، فأنت إذاً كالقابض على الريح.
وقد قال بعض العلماء: ذكر مساوئ الأموات كغيبة الأحياء، ولكن الصحيح أنها أشد؛ لأن الحي ربما تصله غيبته فيدفع عن نفسه؛ ولكن الميت لا يستطيع ذلك.
قد يقول بعض الناس: لو كان هذا الميت مجاهراً بالمعاصي، فاسداً فاسقاً، فلا مانع من ذكر مساوئه، ونقول: مهما تصورت من سوء فعاله، فهي معه وقد لقي ربه بها، وربه أولى به منك، فلا حاجة إلى أن تتعرض له.
ولا يدخل في ذلك الجرح والتعديل، كقولهم فلان المدلس، وفلان صفته كذا، لأن هذه فيها فائدة للمسلمين، بأن يحذروا رواياته؛ لأنه يبنى عليها أحكام، وكذلك وصفه بوصف لا يعرف إلا به، كقولهم: فلان الأعرج، أو الأعمش، أو الأعشى، والنهي وارد على السب الذي لا يقصد من ورائه عرض صحيح.
ثم الرواية الأخرى: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) فالميت قد ذهب، ثم يأتي من يقول لابنه: والدك كانت صفته كذا، فهو يقول: لكن يا أخي! لماذا تسيء إليَّ في أبي، وقد انتقل إلى رحمة الله، وأفضى إلى ما قدم.
стр. 1265
التحذير من الكلام في أعراض العلماء
وهنا أُوجّه التحذير كل التحذير ممن يتناولون سلف الأمة في أي مجال كان: بذكر المثالب، وبذكر النواقص، مثل: فلان ركن في الكذب، فلان مبتدع، فلان فلان؛ فإن فلاناً قد أفضى إلى ما قدم، والطعن -كما يقولون- في مذهبه ومعتقده وطريقته، وهذا كله أشر ما يكون على الإنسان، والعلماء يقولون: لحوم العلماء مسمومة، يعني: من تناول العلماء بالسب والتنقيص لشيء عندهم، فإنما ذلك سم يتناوله.
والرسول ﷺ يقول: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) فلا ينبغي طعن في ميت قط، وإذا كان من أهل العلم والفضل فله منهجه، فإذا كان قوله مخالفاً لإجماع المسلمين فتقول: هذه الطريقة فاسدة، هذه الطريقة باطلة، ولا تتناول صاحبها بالسب واللعن والتنقيص، كما إذا وجدت كتاباً لإنسان، ووجدت المكتوب فيه مغايراً لإجماع المسلمين، فليكن نقدك منصباً على المكتوب وليس على الكاتب؛ لأن المنصب على الكاتب لا قيمة له، وإنما التحذير من هذا المكتوب، وإذا نقضت المكتوب فإن ذلك يكفي.
أرجو الله أن يطهر ألسنتنا من أعراض الناس أحياءً وأمواتاً، من سلف الأمة وخلفها، وأن يطهر قلوبنا من الغل والحقد والحسد، والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.
стр. 1266
كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [١]
لقد فرض الله الزكاة، وأظهر الحكمة من ذلك لأجل أن يدفعها العباد طلباً لطاعة الله، وعن طيب نفس، ولذلك كان النبي ﷺ يعرض على القبائل الإسلام مبتدئاً بالشهادتين، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم بقية التشريعات.
стр. 1267
فضل الزكاة في الإسلام
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول المصنف ﵀: [عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن -فذكر الحديث- وفيه: إن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم) متفق عليه واللفظ للبخاري] .
стр. 1268
الزكاة تطهير للمزكي والآخذ
إن مبحث الزكاة ونظامه بكل جوانبه لهو من أهم مباحث الأموال في الإسلام، والمتأمل لنصوص الشرع في هذا العمل يجد الشمول والترتيب في أدق ما يكون، والزكاة ركن من أركان الإسلام، وكما قال الصديق رضي الله تعالى عنه: (الصلاة حق الله، وعبادة البدن، والزكاة حق المال، وعبادة الأموال) وقد بيّن النبي ﷺ الأموال الزكوية، وبيّن صلوات الله وسلامه عليه الأنصبة فيها وما يخرج منها وإلى من تؤدى.
والبحث في الزكاة يكون في: مشروعيتها، وحكمتها، وأنواع الأموال التي تزكى، والمقادير التي تخرج منها، والجهات التي تعطاها، وحكم من امتنع عنها.
والله فرض الزكاة، وأشار القرآن الكريم إلى نوع من الحكمة الجامعة في فرضيتها، فقال سبحانه مخاطباً لرسوله ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] فجعل المولى سبحانه إخراج الزكاة مصلحة للطرفين: للدافع وللآخذ، وفيها الحكمة المزدوجة: تطهير وتزكية.
أما (تطهرهم) فيقول العلماء: تطهر الفقراء من أمراض النفس الداخلية كالحقد والحسد؛ لأن المسكين إذا وجد المال في يد الغني يستكثر به عليه، ولا يصيب منه شيئاً، فإنه يشتد غيظه عليه، وحسده له على ما بين يديه، فإذا أعطي من هذا المال حصته التي أشار إليها قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] ذهب عنه ذاك الحقد وذاك الحسد.
وكذلك الغني عندما يخرج من ماله زكاته ينبغي أن يعلم بأن الزكاة لا تنقص المال ولكن تزكيه، والزكاة بمعنى: النماء والزيادة.
(ما نقص مال من صدقة) ، بل الصدقة تنمي المال وتزكيه: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] أي: تتضاعف أموالهم وتتزايد بسبب الصدقة.
وقد بيّن المولى سبحانه إلى أي حد تتضاعف الصدقات، وأجرها إلى سبعمائة ضعف وزيادة، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١] ومعلوم: أن (٧×١٠٠ =٧٠٠) ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] .
وبين ﷺ موجب تلك المضاعفة عندما قال صلوات الله وسلامه عليه: (سبق درهم مائة ألف درهم.
قالوا: يا رسول الله! وكيف يكون هذا؟ فقال ﷺ : رجل عنده درهمان فتصدق بأحدهما، ورجل عنده مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف وتصدق بها) ، وهذا في ميزان الحساب والعقل أن صاحب الدرهمين تصدق بنصف ما يملك، وصاحب المال الكثير تصدق بطرف مما يملك، ثم الذي تصدق بمائة ألف بقي في يده الشيء الكثير، والذي تصدق بدرهم لم يبق معه إلا درهم، وهذا فرق بعيد.
стр. 1269
ميزة الإسلام بالزكاة على نظام الضرائب
وبينت السنة النبوية المطهرة الفرق بين التعامل في المال مع الله ، والتعامل في المال مع الناس، وهذا نقوله للأمم التي تعيش حسب قوانين الضريبة التي يفرضها الإنسان على الإنسان؛ ليروا مدى صدق المسلم في تعامله مع الله في المال، وذلك عندما بعث النبي ﷺ عامل الصدقة إلى ضواحي المدينة، فمر بصاحب إبل فوجد عليه فيها بنت مخاض لأنها خمس وعشرون بدنة، فقال صاحبها: بنت مخاض! لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب، كيف أقدمها لله؟ ولكن هذه ناقة كوماء -عليها اللحم والشحم مثل الكوم- خذها في سبيل الله.
فقال العامل: لا أستطيع؛ لأنها لم تجب عليك، والذي وجب عليك هو بنت المخاض، فأصر الرجل، فقال: إن كنت لا محالة فاعلاً فدونك رسول الله ﷺ بالمدينة، اذهب بها إليه، فإن قبلها أخذتُها، فجاء مع العامل وعرض عليه ما كان بينه وبين صاحب الإبل، فقال ﷺ : (أطيبة بها نفسك؟ قال: بلى يا رسول الله؛ لأن ابنة مخاض لا تجزئ شيئاً، لا هي ظهر يركب في الجهاد في سبيل الله، ولا عندها ضرع يحلب للفقراء والمساكين، أما الناقة فتنفع.
فقال للعامل: خذها، وقال لصاحبها: بارك الله لك في إبلك) ، فعاش الرجل إلى زمن معاوية رضي الله تعالى عنه، فكان يخرج العشرات من الإبل في زكاة ماله.
فهذه صورة من صور تعامل العبد مع ربه؛ لأنه يعلم بأن الله هو الذي سيجزيه على ما قدم؛ ولهذا يقولون في نظام الضرائب: إن بعض التجار الكبار يصطنع دفترين: دفتراً يقيد فيه مبيعاته ويقدمه لمفتش الضرائب فيرى فيه أنه خاسر؛ ليخفض عليه الضريبة، ودفتراً خاصاً به يبين حقيقة الربح فيما بينه وبين نفسه.
أما المسلم فليس عليه مفتش ضرائب، عليه معاملته مع الله؛ لأنه عندما يخرج شيئاً من ماله يخرجه إيماناً وتصديقاً بوعد الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥] فالذي يتصدق صدقة تطوع، والذي يخرج زكاة ماله فهو متعامل مع الله.
стр. 1270
الصدقة برهان الإيمان
وهناك قواعد عديدة في نظام المعاوضة؛ لأن الإنسان لا يخرج درهماً من جيبه إلا من عوض يأخذ به سلعة، أو يستأجر به عاملاً، يشتري منفعة أو طاقة، والمتصدق يخرج من ماله ولا ينتظر شيئاً، وليس ذلك ضياعاً للصدقة؛ لأنها بدون عوض، بل عوضها عظيم ومضمون، وهو ما للمتصدق عند الله من أجر؛ ولهذا تجد المؤمن الموقن بالوعد -أي: وعد الله- يتصدق ويزكي بطيب نفس؛ لأنه موقن بأنه سيجد عوض ذلك يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وعلى هذا كانت الصدقة برهاناً على صدق الإيمان كما جاء في الحديث: (الطهور شطر الإيمان، وسبحان الله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء) والبرهان: الدليل، وهو في أصل اللغة: الدائرة البيضاء التي تكون حول قرص الشمس بعد المطر -وليس قوس قزح المعروف- تظهر بينة، والبرهان: الدليل والحجة الذي يقيمه الإنسان على دعواه التي يناكر فيها.
فالصدقة برهان على صدق المتصدق؛ لأنه يوقن بأن عوضها عند الله؛ ولهذا كان المؤمنون يتصدقون بطيب أموالهم، أما المنافقون فكانوا يعمدون إلى ما لا يقبلونه ولا يرتضونه إلا أن يغمضوا فيه.
إذاً: الزكاة عنصر حيوي في الإسلام، وتنظيمها وبيان مصرفها لله سبحانه، كما جاء عن رسول الله ﷺ : (أن شاباً جلداً قوياً وقف على رسول الله وسأله الصدقة، فقال: يا ابن أخي! إن الله لم يدع قسم المال لأحد، لا لنبي مرسل ولا لملك مقرب، وتولى قسمتها بنفسه ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة:٦٠] إلى آخره، فإن كنت من أهلها أعطيتك.
فذهب الرجل، ثم جاء آخر وقال: ليس عندي شيء.
قال: ماذا عندك؟ قال: أنا وعجوز في البيت، عندنا حلس نفترش نصفه ونلتحف بنصفه، وقعب نشرب ونأكل فيه.
قال: علي بهما.
فباعهما ﷺ بدرهمين، وقال: اذهب فاشتر بأحدهما طعاماً لأهلك، واشتر بالآخر فأساً وحبلاً وائتني بهما، ثم وضع عوداً في الفأس وقال: انطلق فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوماً.
فذهب واحتطب وباع، ثم وقف على رسول الله ﷺ في ثياب نظيفة، وحرك ثوبه فإذا الدراهم في جيبه تتحدث، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: لأن يأخذ أحدكم حبلاً وفأساً فيحتطب فيبيع، فيستغني؛ خير من أن يذهب يتكفف الناس أعطوه أو منعوه، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأجزل من الصبر) .
وهكذا -أيها الإخوة- المال في الإسلام له حيز كبير، سواء كان في الزكاة أو في صدقة التطوع، أو في الغنائم، أو في الأنفال، أو في الميراث أو غير ذلك، وهنا يعقد المؤلف ﵀ كتاب الزكاة، أي: أحكامها وما جاء فيها من حكمها، وأموالها، ومن أنصبتها، والجهات التي تصرف فيها.
стр. 1271
حكم الزكاة ومشروعيتها
أما حكم الزكاة: فهو معروف من الدين بالضرورة لأنه ثابت بالكتاب وبالسنة وبالإجماع، ولا يعذر أحد بجهله أن الزكاة ركن في الإسلام.
وأما مباحثها فسيأتي المؤلف ﵀ على جميع هذه الجوانب بما يورده في هذا الباب من الأحاديث، وهي نحو العشرين حديثاً، وسنجد ما أورده ﵀.
بدأ المؤلف رحمه الله تعالى كتاب الزكاة بحديث معاذ، وحديث معاذ من أجمع الأحاديث -في الجملة- في مشروعية الزكاة وتوابعها، أما الأنصبة فلها نصوص أخرى.
وقد فرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة، وفيها أيضاً فرض الصوم، والخلاف في أيهما كان الأسبق: هل الزكاة فرضت قبل الصوم، أو الصوم قبل الزكاة؟ المهم أنهما فرضا في السنة الثانية من الهجرة؛ لأن بعد هجرة النبي ﷺ بدأ تشريع أركان الإسلام، ففي مدة وجوده في مكة لم يشرع ركن إلا الصلاة عندما فرضت ليلة الإسراء والمعراج، وكانت مدة مكة كلها إنما هي في إرساء العقيدة في توحيد الله سبحانه وحده، وفي الإيمان بيوم القيامة أي: بالبعث، فلما جاء إلى المدينة فرضت أركان الإسلام الأخرى من زكاة وصيام وحج، وغيرها من التشريعات وأحكام البيوع والجنايات وما يتعلق بذلك كله.
وكان مبعث معاذ إلى اليمن سنة ثمان في فتح مكة، وقيل: سنة تسع بعد تبوك، وقيل: سنة عشر بعد الحج، والذي يترجح -والله تعالى أعلم- أنه بعد سنة ثمان؛ لأن معاذاً رضي الله تعالى عنه قد خصه الله بفضيلة وتخصص علمي كما قال ﷺ : (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) ، وكما خص أبا عبيدة بأنه أمين هذه الأمة، وكذلك بعض من خصهم رسول الله كقوله: (أفرضكم زيد) ، فـ زيد أعلمهم بالفرائض، ومعاذ أعلمهم بالحلال والحرام، وابن عباس أعلمهم بتأويل القرآن الكريم وهكذا.
والذي جاء في ترجمة معاذ رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ عام فتح مكة خلفه في مكة يعلمهم أركان الإسلام، وأمور الدين، إذاً: القول أنه بعثه سنة ثمان في فتح مكة يعارضه تخلفه في مكة لتعليمهم، أما بعد ذلك فممكن.
ومعاذ رضي الله تعالى عنه -في نظري- يعتبر بعثة تعليمية متنقلة؛ لأن النبي ﷺ أقره في مكة بعد فتحها يعلمهم، وأرسله كذلك إلى اليمن وحضرموت، وكما أرسل أبا موسى الأشعري مع ستة نفر إلى اليمن، وكان مردهم ومرجعهم في كل الأحكام معاذ، وكان كل له بلد يفتي فيه ويعلم، ويجمع الزكاة ويوزعها، ومعاذاً يطوف عليهم جميعاً.
وفي خلافة عمر أرسل عامل الشام لـ عمر رسولاً: إن أهل الشام يحتاجون إلى من يعلمهم الدين، فبعث إليهم معاذاً، ومكث هناك حتى توفي بالشام رضي الله تعالى عنه.
стр. 1272
جوانب الحكمة في الدعوة والتعامل من حديث معاذ
وها هو رسول الله ﷺ يبعثه، وجاء في سبب بعثه مع الجانب العلمي قضية عجيبة! وهي أن معاذاً كان شاباً كريماً جداً، وقد لحقته الديون بسبب كرمه، وكان يستدين من اليهود حتى تراكم الدين عليه، وأصبحت أملاكه لا تفي بديونه، فجاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: مر معاذاً فليوفنا بديوننا.
فصار معاذ يتخفى منهم، فأرسل إليه ﷺ ، فقال: يا رسول الله! مالي في ديوني.
فقال لهم: خذوا ماله في ديونكم من النخيل أو البساتين أو غير ذلك.
قالوا: لا تفي بشيء.
قال: ضعوا عنه.
قالوا: لا نضع شيئاً، حتى قال الراوي: لو أن أحداً كان يضع لأحد لوضع دائنوا معاذ عنه من أجل النبي ﷺ ، قال: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك.
стр. 1273
إجازة النبي ﷺ لمعاذ بأخذ الهدية
ثم قال ﷺ لـ معاذ: أبعثك إلى اليمن لعلك تصيب شيئاً.
أي: بصفته عاملاً يصيب شيئاً يرد عليه بدل أمواله التي خرجت من يده.
والعجيب هنا: أن النبي ﷺ أباح له أخذ الهدية، مع أن النبي ﷺ يقول: (هدايا العمال غلول) ؛ لأنه لا يهدي للعامل إلا مخافةً منه أو طمعاً فيه، وكذلك العمال يهدون إليهم ليخففوا عنهم فيما يجب عليهم من عمال الزكاة، ولما فتح الله على المسلمين خيبر طلبوا من رسول الله أن يبقيهم فيها، قالوا: نحن أعلم بأمور النخيل، دعها في أيدينا نخدمك فيها.
قال: ندعكم إلى ما شاء الله.
وكان الاتفاق أن يعملوا فيها بالنصف: نصف الثمرة لليهود، والنصف الآخر للمسلمين، والعادة في مثل ذلك بالنسبة للزكاة أنه يخرج العامل ليخرص إذا بدأ نضج الثمرة وأمنت العاهة، أي: احمرت واصفرت الثمرة، فيأتي العامل فيطوف في النخيل فيقدر: هذه فيها وسق، وهذه فيها وسقين، وهذه فيها ثلاثة، وهذه فيها نصف.
حتى يحصي ما في البستان من مظنة الثمرة التي تأتي من مجموع هذا النخل، فإذا وجد -مثلاً- أن مجموع ما في هذا البستان ألف وسق، فقد كان يوصيهم ﷺ أن يسقطوا الثلث أو الربع، لما يرد من ضيف، ولما تأكل الطير، ولما تسقط الريح، وهذا كله لا يكلف صاحب المال بأن يخرج زكاته وهو قد أتلف بعضه.
فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة ليخرص على أهل خيبر، ليلتزموا في النهاية بعد تجفيف التمر بما وجب عليهم، ويقدمونه لرسول الله ﷺ ، فلما جاءهم ماذا فعلوا؟ جمع اليهود من حلي نسائهم مجموعة، وقدموها لـ عبد الله وقالوا: خفف عنا -يعني: إن كان عندنا خمسة آلاف اجعلها ثلاثة آلاف- فقال لهم كلمته المشهورة: (يا إخوة الخنازير! والله لقد جئتكم من عند أحب خلق الله إلي، ولأنتم أبغض الناس عندي، ووالله ما حبي لرسول الله ولا بغضي لكم بحاملي على أن أجحف عليكم، وهذا المال رشوة وسحت، وهو محرم) .
فقالوا: يا عبد الله! بهذا قامت السماوات والأرض.
أي: بالأمانة ورفض الرشوة، وأقسم ألا يحيف عليهم بسبب البغض، ولا أن يحابي رسول الله بسبب المحبة، وقال: إني خارص وأنتم بالخيام، إما أن تلتزموا ما وجب عليكم، وإما أن ترفعوا أيديكم وأنا ملتزم لكم بما هو لكم من هذا الخرص، فقبلوا وخرص والتزموا.
الذي يهمنا: أن هدايا العمال رشوة وسحت، والرسول أباح لـ معاذ أن يقبل الهدية، وخص معاذاً لأنه ﷺ علم من معاذ أن نفسه ودينه وأمانته فوق مستوى المحاباة والرشوة والسحت، فإذا ما جاءته هدية لم يقبلها في مقابل حق يتنازل عنه أو في مقابل محاباة في دين الله، فأباحها له وكان بينه وبين أبي بكر وعمر مقالات في هذا الموضوع.
стр. 1274
مخاطبة كل قوم حسب ثقافتهم العلمية
وهنا التوجيه النبوي الكريم، الذي يمكن في العرف الحاضر أن نسميه (التوجيه الدبلوماسي) بمعنى سياسة الناس ومخاطبتهم بما في نفوسهم، وتنوع الأساليب مع أناس دون أناس، فقال له: (يا معاذ! إنك ستأتي قوماً أهل كتاب) أهل الكتاب ليسوا هم وأهل البادية الأمية سواء.
فالبادية الأمية لا تعرف شيئاً من أحكام السماء، وليس عندهم سوابق علم، أما أهل الكتاب فعندهم من العلم ما جاءهم في كتابهم، وعندهم من التوحيد.
ومن أخبار البعث الشيء الكثير الذي أنزله الله في كتبه المتقدمة من التوراة والإنجيل، وكان في اليمن يهود ونصارى.
إذاً: خذ أهبتك في مقابلة هؤلاء الناس لتتعامل معهم على مستوى علمي، والذي يتعامل مع أشخاص أهل علم يجب أن يكون على مستوى علمي أكثر ممن يتعامل مع بادية أمية لا تعرف شيئاً، فيقودها حيث شاء، أما أهل الكتاب فلن ينقادوا في كل شيء؛ لأن لديهم أصول يتمسكون بها، بصرف النظر عن كونها حرفت أو بدلت.
стр. 1275
التدرج في الدعوة إلى الله تعالى
(إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه -وفي رواية البخاري ﵀ وغيره: أن يعبدوا الله وحده لا شريك له- عبادة الله وحده، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بأن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بأن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتعطى إلى فقرائهم) .
إلى هنا يقف طالب العلم والداعية إلى الله ليرى الأسلوب في الدعوة إلى الله مع قوم أهل كتاب، وذوي عقل وفكر، فتكون الدعوة معهم بالتدرج، فأول شيء يدعوهم إليه هو ما لا نزاع فيه؛ وهو عبادة الله وحده.
فالوثنيون قد يعارضون في ذلك أشد من أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب عندهم مبدأ في التوحيد، والشرك طارئ عليهم، فيدخل في التدرج بعبادة الله وحده، ثم ينتقل إلى العبادة البدنية التي ليس فيها درهم ولا دينار، وهي: الصلوات الخمس في اليوم والليلة، فإن هم استجابوا لذلك فمعناه أنهم على طريق السمع والطاعة، فينتقل بهم إلى عنصر المادة: (أعلمهم بأن الله قد افترض عليهم صدقة -وسمى الزكاة المفروضة صدقة- تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) .
وهنا أيضاً من حسن التنبيه، ومن إعجاز التشريع، أنه افترض عليهم صدقة لا يدفعونها لغيرهم من المسلمين، وإنما تخرج منهم وتوزع فيهم، فتؤخذ من أغنيائهم وترد عليهم، أي: تؤخذ باليمين وتعطى بالشمال ولكن مع اختلاف الجهة، فتؤخذ من أغنيائهم الذين أفاض الله عليهم من ماله، والمال مال الله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] وترد على فقرائهم، وأيتامهم، ومساكينهم، من آبائهم، وإخوانهم، وجيرانهم، فهي لن تخرج من أيديهم.
فعندما يعلم أغنياء اليمن أن الزكاة التي فرضها الإسلام ليست ضريبة تجبى منهم إلى غيرهم، بل تؤخذ منهم وترد عليهم؛ حينئذ يسهل أمر دفع المال؛ لأن المال صنو النفس، والنفس شحيحة عليه، وحريصة على تحصيله، وشحيحة في إنفاقه.
وهكذا كان بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن، فقالوا: إنه كان جابياً للزكاة والجزية، وكان أميراً، ومعلماً ومفتياً وقاضياً، فكان يؤدي كل هذه المهام، وليس مجرد جامع للزكاة.
стр. 1276
النبي ﷺ يغرس الوازع الديني في قلب معاذ
والحديث قد قطعه البخاري فيما لا يقل عن خمسة أو ستة أبواب.
فالرسول ﷺ لما قال له: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) أي: في الجملة، وقال له: (وإياك وكرائم أموالهم!) أي: إذا أعطوا الزكاة فلا تعمد إلى أكرمها وتأخذها؛ لأن صاحبها متعلق بها، وهذا ظلم، كما أنك لا تأخذ العجفاء ولا المريضة؛ لأن هذا ظلم للمساكين، وإنما يكون الوسط: (وإياك -تحذير- وكرائم أموالهم!) أي: احذر أن تعمد إلى أكرمها فتأخذه.
وقد مرت غنم الصدقة على عمر رضي الله تعالى عنه فوجد فيها شاة حافلة -ضرعها كبير- فقال: (ما أظن أن أهل هذه دفعوها عن طيب نفس!) تأسفاً لأخذها، ولا يستطيع أن يردها؛ لأنها جاءت من بعيد.
وهنا تنبيه من النبي ﷺ على ما يجب على العمال من الرفق بالناس، وعدم الإضرار بصاحب المال ولا بمستحقيه؛ ولهذا يقول العلماء: الزكاة فرضت على الرفق بالطرفين: رفقاً بالأغنياء بأن أخذ منهم (٢.
٥%) ، ولم يقاسم المالك في ماله على الثلث أو الثلثين، فأربعون شاة من الغنم يأخذ منها شاة إلى مائة وعشرين، فهذه ليس فيها غرامة عليه، ولا فيها ثقل عليه، بل فيها رفق به، وكذلك إرفاق بالمساكين أن ينتفعوا بما يأتيهم من أموال الأغنياء.
وهنا ينبه ﷺ جميع عمال الزكاة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أن يكونوا رحماء، وألا يجحفوا بصاحب المال فيأخذوا كرائم الأموال، وألا يجحفوا بالمساكين فيأخذوا لهم العجاف والمرضى.
وعمر يقول لعامله: (اعتد عليهم بالسخلة يأتي بها الراعي بين ذراعيه -يعني: يحملها على صدره- ولا تأخذها منهم) أي: عند عد الرءوس عدها، ولكن في الأخذ في زكاة الغنم لا تأخذها؛ لأنه ليس منها فائدة، وإنما يأخذ الوسط.
(وإياك وكرائم أموالهم) .
بدلاً من إرسال المفتشين على مدراء الضرائب، وبدلاً من المحاسبة والنظر في الدفاتر، يقيم ﷺ الوازع الذي ينتزع قلب كل إنسان إذا خالف: (واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) نعم ذهب يدعو إلى الله، لكنه سيأخذ الزكاة، والزكاة مال، وحذره من كرائم الأموال، فإذا أخذ كريمة مال إنسان يكون قد ظلمه، والمظلوم لن يبيت غافلاً، وسيدعو على الظالم، فيجب أن تتقي دعوة المظلوم؛ لأنه ليس بينها وبين الله حجاب، والرسول ﷺ يقول: (إن الله يقول: إني لأنصر المظلوم ولو كان كافراً) يقول العلماء: لأن هذا الكافر عندما أحس بالظلم لم يجد من ينصفه، ولا بينة عنده، أو أنه مضطهد لا يستطيع أن يأخذ حقه، ولن يجد من ينصره وينصفه ممن ظلمه إلا الله، فتوجه إلى الله، فهو في تلك اللحظة مؤمن بالله، وإن لم يقر له بالتوحيد، لكنه مقر بوجود الله وبقدرته على نصرته، وهنا لا يخيبه الله.
ويقولون في خبر موسى مع قارون: لما أدرك قارون الخسف أخذ ينادي: يا موسى! يا موسى! وموسى لم يلتفت إليه، ثم بعد أن انتهى عاتب الله موسى: يا موسى! يناديك قارون عدة مرات فلم تلتفت إليه، لو ناداني مرة واحدة لأجبته.
إذاً (اتق) أي: احذر، واجعل لك وقاية بينك وبين دعوة المظلوم، ألا وهي عدم ظلمه، (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) ، فلا تحجبها السماوات السبع، ولا الملأ الأعلى، وتصعد إلى الله سبحانه، فيتلقاها وينصف المظلوم ولو كان كافراً.
ويقول الإمام ابن تيمية ﵀: إن الملك ليدوم مع العدل ولو لكافر، ولا يدوم مع الظلم ولو لمسلم.
(والظلم ظلمات يوم القيامة) .
وهكذا نجد في بعث معاذ رضي الله تعالى عنه إلى اليمن، فإن هذه التعليمات أسس قويمة فيما يكون عليه العمال، وفيما ينبغي أن يلاحظوه في حق الرعية.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1277
كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [٢]
من رحمة الله بعباده أنه ما أجمل شيئاً في كتابه إلا وبيَّنه في سنة نبيه محمد ﷺ ، فالزكاة أمر واجب وركن من أركان الإسلام فصلت وبينت فرائضها وأنصبتها في سنة نبينا محمد ﷺ ، ومن ذلك زكاة الإبل والغنم كما في كتاب أبي بكر الصديق ﵁.
стр. 1278
حديث أبي بكر في زكاة الأنعام التي فرضها رسول الله ﷺ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أنس: أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب له: (هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله: في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ست وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ شاةٌ، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاةً شاةٌ واحدةٌ فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق.
وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين) رواه البخاري] .
стр. 1279
الأموال الزكوية المتفق على أصولها
بعدما قدم المؤلف حديث معاذ رضي الله تعالى عنه في بيان وجوب الزكاة: (ثم أعلمهم بأن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم) وانتهى الكلام في ثبوت وجوب الزكاة ومعرفة ذلك من الدين الإسلامي بالضرورة، فهو ركن من أركان الإسلام ثابت بالكتاب والسنة والإجماع؛ جاءنا بحديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه في تفصيل وبيان الزكاة في بهيمة الأنعام، وذكر في هذا الكتاب أنصبة الإبل والغنم.
وفي الجملة يوجد من أموال الزكاة ما هو متفق على أصول فيها، كبهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، ومن الزروع: التمر والزبيب والحبوب، وكل قوت مكيل مدخر ألحق بالتمر والزبيب، وكذلك النقدان: الذهب والفضة، ويلحق بالنقدين عروض التجارة؛ لأنها تابعة لها، وتدار بالذهب والفضة وتقوّم بهما.
стр. 1280
زكاة الأموال الزكوية الظاهرة للإمام والباطنة يقسمها المالك
الأموال الزكوية قسمت إلى قسمين: قسم ظاهر يتولى الإمام أمره، وهي: بهيمة الأنعام، والتمور والزبيب.
وقسم خفي وهو: الذهب والفضة وعروض التجارة، وهذا الخفي وكِل وأسند أمره إلى صاحبه، فهو يتعامل بينه وبين الله في إخراج الزكاة.
فهنا نأخذ خطاب أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ومعلوم أن الكتابة لم تكن معهودة، ولكن جاءت في بعض التعليمات العامة، منها ما أملاه الرسول ﷺ كما نبه أبو بكر رضي الله تعالى عنه في بيان أنصبة الزكاة التي فرضها الله ورسوله، ومنها الكتب التي كتبت فيما يتعلق بالجنايات، كالدية، وأرش الجروح، كما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه، أنه سئل: (هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء من العلم لم يخص به أحد غيركم؟ فقال: لا والله، إلا فهم أوتيه أحد في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة -وكانت صحيفة يضعها علي رضي الله تعالى عنه معه في قراب سيفه- قالوا: وما في الصحيفة؟ قال: العقل -أي: عقل الجراح- والديات، وفكاك الأسير) وبعضها كخطاب ابن حزم في أنصبة الزكاة يكتب بها إلى العمال يسيرون عليها.
ولعل هذا العمل -وهو الكتابة في أمور جزئية- هو مبدأ تدوين وتنظيم النظم الحكومية، فمنها ما يتعلق بالجنايات، ومنها ما يتعلق بالأموال، وهذا من أهمها، ويتفق العلماء على أن تلك الكتب لا زالت يعمل بها في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكان جميع العمال يأخذون بما فيها ويطبقونها كل في مكانه.
стр. 1281
بيان حديث أبي بكر لمجمل القرآن: (وآتوا الزكاة)
فهذا خطاب أبي بكر رضي الله تعالى عنه يقول فيه: (وعن أنس: أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب له: هذه فريضة الصدقة) .
هذه الكتابة كتبها أبو بكر من عنده أو مما سمعه من رسول الله ﷺ ؟ لا يمكن لـ أبي بكر أن ينظم هذا التنظيم من عنده؛ لأنه يتعلق بأموال الناس، وأموال الناس محترمة، لا يمكن لإنسان أن يتسلط عليها ويأخذ منها، وهي عبادة تتعلق بركن مالي، والعبادة لا يمكن لأحد أن يتحكم فيها.
إذاً: أبو بكر رضي الله تعالى عنه لما كتب لـ أنس كتب له ما حفظ عن رسول الله ﷺ ، ولذا صرح بذلك فقال: (التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين) .
وهنا يقف العلماء في مسألة أصولية وهي: أن الرسول ﷺ له حق في الفرضية، ولكن هل ذلك له في بيان ما أجمل من كتاب الله أم له أن يستقل به؟ فمما له صلة بكتاب الله أن الله فرض الزكاة إجمالاً فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، وقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٤١] ما هي الزكاة التي آتوها؟ ما هي أنواع الأموال الزكوية؟ ما مقادير أنصبائها، ما مقدار ما يؤخذ منها؟ ولهذا يقول الأصوليون: السنة قاضية على الكتاب، بمعنى: أنها مبينة لما أجمل فيه، ويتعين على كل مسلم أن يأخذ بما جاء به رسول الله ﷺ ابتداءً أو بياناً، وقد بين المولى وجوب ذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] وعصمه الله من الخطأ فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] كما قال السيوطي ﵀: الوحي وحيان: وحي أمرنا بكتابته، وتعبدنا بتلاوته الحرف بعشر حسنات، ووحي لم نؤمر بكتابته، ولم نتعبد بتلاوته، وهو السنة.
ولما جاء شخص إلى بعض السلف وقال: ما حاجتنا في السنة والله يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ؟ قال: نعم، ما جاء به النبي ﷺ فهو مما جاء في كتاب الله.
وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: السنة كاملة كقطرة من بحر كتاب الله؛ لأن الله قال لنا في حق رسوله ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] فهذا متعلق بالسنة بجميع ما فيها.
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يقول: عندنا كتاب الله، ما وجدنا في كتاب الله أخذنا به، وما لم نجد لا حاجة لنا فيه! ألا وإنني أوتيت الكتاب ومثلَه معه) والذي أوتيه ﷺ مع الكتاب هو السنة.
وهنا لما قال هذا الرجل هذا الكلام لبعض السلف، قال: يا ابن أخي! تعال، لا غنى لك عن السنة، هل وجدت في كتاب الله عند قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] أن الصبح ركعتان والظهر أربع والمغرب ثلاث؟ قال له: لا.
قال: من أين أخذتها؟ قال: من سنة رسول الله.
قال: إذاً: نحن ملزمون بالسنة.
وكذلك أرأيت أنصباء الزكاة هل وجدت في الذهب (٢.
٥%) مذكوراً في القرآن؟ هل وجدت في القرآن أن الغنم في كل أربعين شاةً شاةٌ؟ وهل وجدت في القرآن عن الإبل في كل خمس إبل شاة؟ وهل وجدت في الحبوب والثمار في كل خمسة أوسق صدقة؟ الجواب: لا.
إذاًَ: من أين وجدت ذلك؟ الجواب: من السنة.
وعلى هذا جاءت السنة بتفصيل ما أجمل في كتاب الله، وجاءت السنة بتشريع مستقل لكنه تابع لما جاء في كتاب الله، ولذلك لما جاء تحريم النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] .
الأية، وجاء في القرآن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] جاء ﷺ وقال: (لا يجمع بين المرأة وخالتها، ولا بين المرأة عمتها) فحرمة الجمع بين المرأة وخالتها ما جاءت في كتاب الله، وإنما جاء الكتاب بتحريم الجمع بين الأختين.
ووقع النزاع عند الأصوليين، وهل هذا يشمل ملك اليمين أم لا لعموم: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣] وعموم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] ؟ الأختان من الحرائر لا شك داخلتان في هذا الحكم، والإماء لهن آية أخرى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣] .
ولما سئل عثمان رضي الله تعالى عنه: أيجمع بين الأختين بملك اليمين؟ قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، أحلتهما: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣] فهذا عام، وحرمتهما آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء:٢٣] .
ولكن ينظر الأصوليون في أن الآية التي أحلتهما فيها استثناءات، فعمومها قد خرج منه أفراد: فلو امتلك أمه أو ابنته أو أخته لم يجز له التمتع بها، ولذا يقولون في الفقه: من امتلك من تحرم عليه نكاحها عتقت حالاً، فمن اشترى أخته مثلاً، فبمجرد تمام عقد الشراء تصير حرة وتعتق عليه، حتى لا يكون له عليها ملك يمين، وكذلك إذا اشترى أمه، أو اشترى أباه فإنه يعتق حالاً ولا يجري عليه ملك اليمين.
ثم قالوا: الفروج يقدر فيها الاحتياط، والاحتياط المنع حتى لا يقع في محظور.
إذاً: السنة من حيث هي قاضية على الكتاب، بمعنى: إذا وجد إجمال في كتاب الله أو إطلاق أو عموم، ووجد مبين في السنة للمجمل، أو مخصص من السنة للعام في كتاب الله، أو مقيد لمطلق في كتاب الله؛ عمل بذلك.
وهنا يقول أبو بكر رضي الله تعالى عنه: (هذه فريضة الزكاة التي افترضها رسول الله ﷺ .
قوله: (والتي أمر الله بها رسوله) .
أي: في عموم قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] أو أنه أمره أمراً غير ما في القرآن، وقد يكون هناك وحي سوى القرآن.
стр. 1282
النفث في الروع نوع من الوحي
في علم أصول التفسير أن الله قد يوحي إلى رسوله بوحي غير القرآن، كما جاء عنه ﷺ أنه قال: (نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها) فهذا النفث في الروع وحي من الله، وهذا القدر قد يشارك فيه بعض عباد الله الصالحين.
قضية الوفد الذين مروا على قوم من المشركين واستضافوهم، قالوا: اذهبوا عنا، فقد جئتم من عند هذا الصابئ، ليس لكم عندنا شيء.
فتنحوا عنهم جانباً ونزلوا، فسلط الله عقرباً على سيد الحي فلدغته، فقالوا: اذهبوا إلى هؤلاء لعل فيهم راقياً، فجاءوا وقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقال رجل: نعم، أنا أرقي، ولكني لا أرقيه لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، لقد طرقناكم مروءة القِرى -الضيافة- فامتنعتم، فجعلوا له جعلاً من الغنم، فقرأ عليه فاتحة الكتاب، فقام كأنه نشط من عقال، وجاء يسوق الغنم، فلما جاءهم بها قالوا: ما هذا؟! قال: رقيت الرجل بالفاتحة.
قالوا: كيف تأخذ على قراءة القرآن هذا الأجر؟ ثم قالوا: لا نقتسم.
وأبقوه معهم حتى رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (اقتسموه واجعلوا لي معكم سهماً، ثم قال له: وما يدريك أنها رقية؟ -هنا محل الشاهد- قال: شيء نُفث في روعي) أي: أحسست في نفسي ببصيرة وبإلهام من الله، وبحالة إحساس لا شعوري بأن الفاتحة تشفيه، فقرأت فشفاه الله.
ويقولون: إن سورة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] (اتكأ ﷺ في المسجد ذات مرة، ثم تنبه يتبسم، قالوا: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفاً سورة هي أحب إلي من كذا وكذا ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ) فبعض علماء التفسير يقولون: أعطيها نفثاً في روعه، والآخرون يقولون: لم ينزل من القرآن شيء إلا بالوحي المعتاد: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] فقالوا: إن الإغفاءة التي أغفاها ﷺ ثم انتبه منها ليست نومة، إنما هي من برحاء الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي غشي عليه.
إذاً: قوله: (والتي أمر الله بها رسوله) من أي أنواع الوحي؟ الله تعالى أعلم.
стр. 1283
أنصبة الإبل
стр. 1284
في كل خمس من الإبل شاة إلى أربع وعشرين
قوله: (في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم: في كل خمس شاة) .
هذا أول تقدير أنصباء الإبل، الأصل في الإبل أن زكاتها منها، والغنم زكاتها منها، وكل مال زكوي زكاته من جنسه إلا عروض التجارة، فزكاتها من قيمتها وليس من أعيانها، وزكاة الإبل التي تخرج منها ما زاد عن أربعة وعشرين رأساً، أي: خمس وعشرون، فالخمس والعشرون فيها بنت مخاض، وما قبل الخمسة والعشرين تقسم إلى خمسات، ثم في كل خمس شاة، ففي الخمس شاة واحدة، وفي العشر فيها شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، والعشرون فيها أربع خمسات فتكون عليها أربع شياه، فإذا جاءت الخمس الخامسة خرجت الزكاة عن الشياه إلى الإبل فكان فيها بنت مخاض.
ثم من خمس وعشرين فيها بنت مخاض إلى ست وثلاثين، وما بين النصاب والنصاب لا يكون فيه شيء من الزكاة بنسبته، وهذا يسمى وقص، والوقص لا زكاة فيه، فإذا كان عنده -مثلاً- أربع من الإبل فهذا دون النصاب، فإذا كملت خمس من الإبل فهذا نصاب، فعليه فيها شاة واحدة، فإذا صارت ستة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة فعليه فيها شاة.
إذاً: الشاة في الأربع التي فوق الخمس هذه وقص لا شيء فيها، فإذا كملت الخمس الثانية صارت عشر إبل ففيها شاتان، فإذا صارت إحدى عشرة، أو اثنتي عشرة، أو ثلاث عشرة، أو أربع عشرة ففيها الشاتان، لأن ما زاد عن العشر وقص يسقط فيه حقه إلى أربع عشرة، وهكذا ما بين خمس وخمس من الأعداد لا شيء فيها.
стр. 1285
في كل خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض
قوله: (فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى) .
من خمس وعشرين تبدأ فريضة بنت المخاض، وبنت المخاض عندهم هي: التي أمها ماخض بأختها بعدها، أي: حامل وظاهر حملها، وهي ما كان عمرها سنة ودخلت في الثانية.
فمن خمس وعشرين وجبت بنت المخاض إلى ست وعشرين، سبع وعشرين، ثماني وعشرين ثلاثين، كل هذا العدد فيه بنت المخاض، فلا يزاد على ما زاد عن خمس وعشرين إلى ست وثلاثين، يعني: أنها إذا زادت عشر من الإبل، فلا شيء في هذه العشر، فإن زادت واحدة فصارت ستاً وثلاثين وجب النصاب الثاني.
قوله: (فإن لم تكن فابن لبون ذكر) .
أي: إذا لم توجد بنت المخاض الأنثى يكون بدلاً عنها ابن لبون ذكر، وابن اللبون أكبر من بنت المخاض؛ لأن أمه قد وضعت ما كانت ماخضاً به وصار عندها لبن يحلب، وهنا أيهما أغلى في الإبل: الناقة الأنثى بنت المخاض أم ابن اللبون الذكر؟ الأنثى دائماً أغلى، لأن الأنثى تأتي بالإناث والذكور، ولكن الذكر لا يأتي بشيء.
فهنا تيسير على صاحب المال إذا لم يكن عنده بنت مخاض فنقول له: يجزئ عنك ابن لبون ذكر.
стр. 1286
في كل ست وثلاثين إلى خمس وأربعين بنت لبون
قوله: (فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى) .
أي: من ستة وثلاثين إلى خمس وأربعين فيها بنت لبون، فابن اللبون الذي هو أخوها وجب في الخمس والعشرين، وبنت اللبون التي هي أنثى وجبت هنا من ستة وثلاثين إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة وصارت ستة وأربعين انتقلنا أيضاً خطوة أخرى.
стр. 1287
في كل ست وأربعين إلى ستين حقة
قوله: (فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل) .
زادت هنا أربع عشرة عن النصاب الأول ففيها حقة، وسميت حقة لأنها استحقت أن يطرقها الفحل فتنتج.
إذاً: كلما زاد العدد كبر السن الذي يؤخذ في هذا العدد، ولاحظنا بأن من خمس إلى خمس وقص لا شيء فيه، ومن خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين عشرة لا شيء فيها، ومن خمس وثلاثين إلى خمس وأربعين كان الزائد أيضاً عشرة ولا شيء فيها، وهنا من ست وأربعين إلى ستين زادت أربع عشرة رأساً ولا شيء فيها.
стр. 1288
في كل واحدة وستين إلى خمس وسبعين جذعة
قوله: (فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة) .
وهذه أيضاً زادت أربع عشرة، ففيها جذعة، وهي أكبر من الحقة، وهي التي جذعت أسنانها، وهي الأسنان البيض المقدمة، جذعتها لينبت لها سنان بدلها.
стр. 1289
في كل ست وسبعين إلى تسعين بنتا لبون
قوله: (فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون) .
فهو يتدرج، في كل عدد فيه كذا كل عدد فيه كذا إلى أن تصل إلى مائة وعشرين فيتضاعف العدد إلى آخر أنصباء الإبل، ولا حاجة إلى الاسترسال في هذا الموضوع؛ لأن هذا من اختصاص ذوي الإبل، ويكفينا القاعدة الأساسية: فبداية الأنصبة في الإبل خمس، ففي كل خمس شاة إلى خمس وعشرين، فحينئذ يكون فيها الإبل، وبين النصابين يعتبر وقصاً لا شيء فيه، وهكذا تتدرج.
ثم يختلف الفقهاء فيما بعد على ما ترسو الفريضة وعلى ما يكون فيها، والتفصيل والتدقيق في ذلك إنما يرجع إلى ذوي الإبل، والعمال يذهبون إلى أهل الأموال على مياههم، ويحصون عليهم ما عندهم، ويأخذون الفريضة منهم على مقتضى ما في هذا الخطاب من أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
стр. 1290
في كل إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة حقتان
قوله: (فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل) .
من تسعين إلى مائة وعشرين، فإذاً: زادت ثلاثين، ففيها حقتان طروقتا الجمل.
قوله: (فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون) .
النظر في أنصباء بهيمة الأنعام هل هو على سبيل النسبة التصاعدية أو النسبة التنازلية؟ لنقل: الحقة تجب في ستة وأربعين إلى ستين، وهذا مبدؤها وتمشي إلى ستين، ومائة وعشرون فيها حقتان.
مبدأ الحقة في ستة وأربعين، وهنا من الواحد والتسعين إلى المائة والعشرين فيها حقتان، يعني: كأن المسألة تفسحت نوعاً ما، وكلما زادت الإبل كلما خففت النسبة التي تؤخذ منها فليست زكاتها تصاعدية.
قوله: (وفي كل خمسين حقة) .
إذا انتهت إلى مائة وعشرين وقفت الأنصباء والمقادير، ثم ينظر بعد ذلك فيجعل في كل خمسين حقة، وهذا ما يسمى بمتوسط النسبة، فخمسون متوسطة ما بين ستة وأربعين وبين ستين، فيكون في كل خمسين حقة.
(ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها) .
أي: ليس عنده خمس بل عنده أربع فنقول: ليس عليك فيها زكاة.
стр. 1291
الأنصبة المفروضة في سائمة الغنم
стр. 1292
في كل أربعين إلى مائة وعشرين شاة
قوله: (وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ شاةٌ) .
انتهينا من أنصبة الإبل على نزاع فيها -يمكن أن يتعرض له المؤلف أو يتركه- بين الإمام أبي حنيفة ﵀ هل تنتهي الفريضة عند مائة وعشرين أو تمشي إلى أكثر من ذلك، ثم تعود مرة أخرى بنسب ثابتة؟ ثم دخل في نصاب الغنم، ففي كل أربعين شاةً شاةٌ.
إذاً: الإبل بدأت من خمس، والغنم بدأت من أربعين، بنت المخاض مشت في الإبل من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين، والشاة في الأربعين تمشي معها إلى مائة وعشرين، فمائة وعشرون فيها شاة، وأربعون فيها شاة، وكذلك ما بينهما، فهذه ثلاث أربعينات أيضاً فيها شاة، فلينتبه لهذا، فإننا نحتاج أن نرجع إليه فيما بعد.
إذاً: في أول أنصباء الغنم أربعون شاة، بصرف النظر عن الشروط التي ستأتي من كونها سائمة وغيرها، وهذا شرط عام في الإبل والغنم والبقر، وأن المعلوفة لا زكاة فيها؛ لأنه يتكلف لها، ويهمنا الآن في بيان أنصباء الغنم أن أول نصاب للغنم أربعون شاة، والأربعون فيها واحدة، والواحدة تمضي مع الأربعين إلى المائة والعشرين، فإن زادت عن المائة والعشرين شاة واحدة، كأن ولدت تلك الليلة، وجاء العامل ووجد عنده مائة وعشرين شاة، ومعها زيادة عليها تلك السخلة التي ولدت بالأمس، فزادت عن العشرين والمائة واحدة ففيها شاتان.
стр. 1293
إذا زادت على مائة وعشرين إلى مائتين ففيها شاتان
قوله: (فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان) .
أي: إذا زادت الغنم عن العشرين والمائة شاة واحدة كان فيها شاتان، والشاتان تمشي من مائة وعشرين، وثلاثين، إلى مائة وخمسين مائة وستين إلى مائة وتسعين فيكون فيها الشاتان، وإذا كملت مائتين ففيها الشاتان، فإذا زادت الغنم عن المائتين شاة واحدة فتكون قد دخلت في المائة الثالثة، فإذاً فيها ثلاث شياه.
стр. 1294
إذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه
قوله: (فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه) .
أي: حتى تصل إلى الثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاةٍ شاةٌ.
ونحن نجمل الجميع لنرى أن تلك الأنصباء في الأموال ليست عفوية، وإنما وضعت بدقة وحكمة، وإذا عرضت على شخص يعتبر من كبار المحاسبين فهنا تتضح الحكمة والرحمة: فالشاة فرضت أولاً في أربعين، فلما كثرت الأغنام فوق الثلاثمائة وصارت أربعمائة أو خمسمائة فالشاة التي كانت تفرض في أربعين تجزئ عن مائة، إذاً: نسبة الزكاة في الغنم تنزل ولا تتصاعد؛ لأن التي كانت تجزئ في الأربعين أصبحت تجزئ في المائة.
وقد يتساءل الإنسان هنا: لماذا هذا التنازل؟ مع أننا أشرنا في السابق أن نظام الضرائب يتصاعد، فالمائة الأولى متروكة لصاحبها لأنها قليل، المائة الثانية مثلاً عليها (٥%) ، وفي المائة الثالثة (١٠%) ، وهكذا حتى تصل نسبة الضريبة إلى (١٠٠%) من الربح، أي: أنها تتصاعد، فكلما زاد الربح زادت الضريبة، وهنا كلما زادت الغنم نقصت نسبة ما يؤخذ منها، وهذا إرفاق من الشارع بصاحب المال.
هنا قد يقول الإنسان: ما موجب هذا التنازل؟ والجواب: لأن صاحب الأربعين شاة يحاجي عليها ويحافظ بقدر المستطاع، لكن صاحب المائتين والثلاثمائة أصبح في الحي رفيع العماد، وطويل النجاد، وأصبح سيد الحي، وسيد الحي مطروق، وكلما طرقه طارق ذبح له شاة إذاً: صارت عليه تبعات أكثر من صاحب الأربعين، فكلما زاد المال كثرت التبعات عليه، فخفف من جانب الزكاة، وهذا لا يوجد في نظام الضرائب.
стр. 1295
التناسب والتقارب في أنصبة الغنم والإبل
والنقطة التي نريد أن نشير إليها، ويمكن لبعض الإخوة الذين يشتغلون في المحاسبات والهندسة والضرائب أن يكون لهم فيها دقة أكثر وهي: النظر بين أنصباء الأموال، نحن نشير إلى النسبة التقريبية بين الإبل والغنم، ثم إذا جئنا إلى الذهب والفضة نجمل الجميع إن شاء الله؛ لنرى أن تلك الأنصباء في الأموال ليست عفوية، وإنما وضعت بدقة وحكمة، ولما عرضت ذلك على شخص يعتبر من كبار المحاسبين قال: هذا جديد في الإسلام، قال: ما كنت أحس بهذا أبداً، وكنا نظن أنها أمور توقيفية لا دخل للعقل فيها.
قلت: هذا بمنطق الحساب والأرقام كلها متساوية، وليس هناك عفويات، بل وضعت بترتيب وحكمة متعادلة.
إذا جئنا إلى الإبل وإلى الغنم نجد أول نصاب في الإبل؟ خمس، وأول نصاب في الغنم أربعون، ما نسبة الأربعين شاة إلى الخمس من الإبل؟ نأتي إلى تقييم الإبل بالغنم، كم تقوم الإبل بالنسبة إلى الغنم شرعاً؟ نحن عندنا في الحج ما استيسر من الهدي ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] أقل الهدي شاة أو سبع بدنة، أي أن: البدنة تنوب عن سبع شياه، هذا هو التقدير الشرعي.
تأمل هنا: (٥×٧=٣٥) ، أي أن الخمس من الإبل تعادل خمسة وثلاثين من الغنم، فلو أننا جعلناها ستاً من الإبل فستزيد لأن (٦×٧=٤٢) ولو جعلناها أربعة فستنقص لأن (٤×٧=٢٨) ، فأقرب عدد في المعادلة بين الإبل والغنم هو الخمس من الإبل حيث تعادل الخمسة والثلاثين، وهي قريب من الأربعين، ولو غيرنا عدد الإبل إلى ست أو أربع لحصل ظلم على المالك بزيادة شاتين، أو حصل ظلم على المساكين بتنقيص كذا شاة.
إذاً: أنصباء الإبل مع أنصباء الغنم متوازية.
سنأتي إلى نصاب الذهب مع الغنم ومع الإبل عندما نأتي إلى الذهب والفضة إن شاء الله.
قوله: (فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاةً شاةٌ واحدةٌ فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها) .
أي أن أقل من الأربعين ليس فيها شيء.
قوله: (ولا يجمع بين متفرق) .
المبحث الآتي مترتب على ما تقدم مراعاة لحالات الرعاة، فهم عندما يخرجون إلى البر والمرعى في الصحراء، لا يستطيع الراعي فصل غنمه عن غنم الثاني، ولا إبله عن إبل الثاني، وكلها ترعى في مرعى واحد، وهناك قد يرجع كل راع بما يرعاه لصاحبه، وليست هناك خلطة، أو يكون الرعاة اتفقوا على الخلطة وخلطوا المالين معاً، ولا فرق بين فحل هذه الإبل وفحل تلك: ففحل هذه يطرق نياق تلك، والعكس، ولا في الحلب: فهذا الراعي يحلب هذه، وراعي ذاك يحلب هذه، ويخلطون الحليب سوية، ويرجعون إلى مراح واحد على ما يأتي في شروط الخلطة وأحكامها، وهي من أدق أبواب الفقه في باب الزكاة.
والله أعلم.
стр. 1296
كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [٣]
أنزل الله القرآن على نبيه صالحاً لكل زمان ومكان، وجاءت السنة مكملة له، ومبينة وموضحة لمجمله، فكان مما بينته تفاصيل الزكاة ومنها الأنعام، حيث بين النبي ﷺ أنصبة الإبل ومتى تجب الزكاة فيها، وبين أنصبة الغنم ومتى تجب الزكاة فيها، فهذه معايير وقياسات لا تتغير ولا تتبدل مدى الزمان.
كما بين أحكام الخلطة، واختلاف أسنان المخرج من الإبل عن المطلوب، وكذلك زكاة الفضة، وكل ذلك رحمة بالمزكي والمسكين.
стр. 1297
حكم الخلطة في الأنعام الزكوية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول أبو بكر: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصَّدق، وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا ن يشاء ربها) .
فـ الصديق رضي الله تعالى عنه في هذا الخطاب، بعدما بين أنصباء الإبل وما يدخل فيها، وأنصباء الغنم وما يؤخذ فيها، بقي من بهيمة الأنعام البقر، والجاموس في بعض البلاد، أما البقر فجاء فيه النص في غير هذا الخطاب، وهو: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسن أو مسنة، والبقر قليل في بلاد العرب، وكانوا يتهاجون باقتنائها، والذي يكثر هو الإبل والغنم.
والفقهاء قاسوا الجاموس على البقر، وألحقوه به في هذا الباب، ولما بيّن الصديق رضي الله تعالى عنه أنصباء الإبل والغنم جاء بالتنصيص على مسألة يكثر وقوعها بين أصحاب بهيمة الأنعام، وهي: الخلطة، وتعريفها: هو أن يأتي صاحب قطيع من الإبل أو قطيع من الغنم إلى شخص آخر له قطيع من الإبل أو من الغنم فيجمعانهما معاً، فهذه خلطة.
стр. 1298
أقسام الخطلة
والخلطة عند الفقهاء تنقسم إلى قسمين بحسب نوعية التملك: فهناك خلطة أعيان -وهي ما تسمى بشركة الأعيان- وخلطة أوصاف، فخلطة الأعيان: هي الاشتراك بالتملك في أعيان بهيمة الأنعام، مثالها: رجل عنده مائة من الغنم، فتوفي عن ابنين ورثا عنه المائة، فلكل واحد منهما النصف مشاعاً.
أما شركة الأوصاف، فمثالها: رجل هذا عنده خمسون شاة مميزة كل شاة بعينها، فلو اختلطت مع غنم الآخرين استطاع أن يميزها ويخرجها على حدة؛ لأنها معروفة بصفتها.
فالشركة بمقتضى الملك تكون بين جماعة ورثوا رءوساً من الغنم أو اشتروها معاً، أو إنسان نزل إلى السوق بمائة رأس فاشتراها اثنان أو ثلاثة أو أربعة بالشراكة، فصارت المائة من الغنم مملوكة للأربعة المشترين كل بحصته من الثمن، ولو أن كل واحد من الأربعة دفع ربع الثمن فإنهم يكونون شركاء كل واحد بالربع، وكيف يكون شريكاً بالربع؟ كل واحد له في كل شاة ربعها؛ لأنها على المشاع، فإذا ما اقتسموا المائة وكل واحد أخذ خمساً وعشرين شاة أصبحت الخمسة والعشرون في يد كل واحد ملكاً خاصاً، فإذا خلطوها بعد ذلك، صارت شركة أوصاف مشاعة لا شركة أعيان، لأن كل شخص يعرف حقه.
إذاً: خلطة بهيمة الأنعام تنقسم إلى قسمين: خلطة أعيان، كل واحد له نصيب في الجميع مشاعاً، وخلطة أوصاف، فخلطة الأعيان هم شركاء فيها، والزكاة فيها عليهم جميعاً، لكن خلطة الأوصاف هي محل البحث هنا، فعندما يكون أربعة أولاد ورثوا عن أبيهم مائة شاة، وجاء المزكي فوجد المائة الشاة، فقال: لمن هذا؟ فقيل له: لورثة فلان.
فإنه سيأخذ الزكاة من المائة على الجميع، إن كانت أربعين، أو مائة، أو أربعمائة فإنه سيأخذ زكاة الجميع على الجميع، وهذه ليست موضوع بحثنا.
فإذا جئنا إلى خلطة الأوصاف، وجاء اثنان كل واحد منهما له عشرون شاة، والمجموع أربعون، فإنه إذا جاء المزكي ووجد الأربعين، هنا يقول: لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، ولو جاء عامل ووجد زيداً عنده عشرون شاة، ووجد عمراً عنده عشرون شاة، كلها مفترقة، فلا يجمع بينها، فيها أخوان من منطقة واحدة، على بئر ماء واحد، ويرعيان في مرعى واحد، كل واحد يرعى ملكه، وآخر النهار يرجع بها إلى بيته، فكل واحد من الأخوين يملك عشرين منفردة، فإذا جاء العامل ووجد الأربعين ترعى معاً فلا يقول: مجموع الأربعين نأخذ فيها شاة.
لأنها مفترقة فلا تجمعها، فكل واحد من الأخوين عنده عشرون شاة، وصاحب العشرين لا زكاة عليه، فلا يجمع بين مفترق ليكمل النصاب ويأخذ الشاة، بل يتركها على ما هي عليه، ليس فيها زكاة.
стр. 1299
شروط الخلطة
فإذا جاء اتفق الأخوان على الخلطة، وصارت الأربعون مخلوطة، وشروط الخلطة التي تؤثر في الزكاة هي تخفيف المئونة، وذلك باتحاد الراعي: واحد يرعى الأربعين، واتحاد الفحل: كبش واحد للأربعين، واتفاق المحلب: تحلب في محل واحد، وإن كان كل واحد يأخذ حليب غنمه في كيس، واتحاد المراح الذي تبيت فيه يكون مراحاً واحداً، والمسرح الذي تسرح إليه في جهة واحدة.
إذاً: صارت الأربعون في حكم المال الواحد، تذهب مع بعضها وتأتي مع بعضها، ولها راع واحد يرعاها، وكبش واحد يلقحها، وتشرب من ماء واحد على حوض واحد، صارت هذه خلطة، واكتملت فيها الشروط، فإذا جاء العامل ووجد الأربعين على هذه الصفة فإنه لا يفرق بينهما فيقول: خذ عشرينك واذهب، وأنت خذ عشرينك واذهب بل يأخذ منهما الزكاة.
فخلطة بهيمة الأنعام تجعل المال المختلط كمال رجل واحد، فإذاً في هذه الحالة يأخذ شاة من الأربعين ولا يفرق بين مجتمع هذه هي الصورة.
стр. 1300
آراء الأئمة ﵏ في الخلطة
نأتي إلى موقف الأئمة ﵏ في تأثير الخلطة في الزكاة فيما تجب فيه الزكاة أو لا تجب: عند أحمد ﵀ مال الخليطين أو الخلطاء إذا كان مجموعه نصاباً، فإنه يزكى ولو لم يكن لكل واحد من الخلطاء نصاب كامل، فلو وجد أربعون شخصاً، لكل واحد شاة، وخلط الأربعون -على ما تقدم- وجاء العامل فوجد أربعين شاة عند راع واحد على بئر واحد وهي خلطة، فإنه يأخذ شاة من الأربعين، وإن كان لا يوجد في الأربعين الخلطاء نصاب مستقل، بل ينص ابن قدامة في المغني: لو أن الأربعين بين اثنين، واحد له تسعة وثلاثون، والآخر له واحدة، أو أجر صاحب الأربعين أجيراً يرعاها على شاة من الأربعين، وجاء العامل فهم خلطاء؛ لأن الراعي له واحدة أكملت الأربعين، فهم خلطاء، فالعامل يأخذ شاة، ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة.
إذاً: الخلطة تجعل المال المختلط كمال رجل واحد.
وعند أحمد ﵀: حتى لو كان لكل واحد شاة، ولو كان لأحدهما ثلاثون والثاني له عشر، فكذلك.
أما مالك ﵀ فيقول: لا تأثير للخلطة إلا إذا كان لكل واحد نصاب.
إذا كان ثلاثة أشخاص كل واحد يملك أربعين شاة، ولكن كل يرعى غنمه على حدة، وكل أربعين فيها فحلها، ولها راعيها، ومراحها ومسرحها، وبئرها أو حوضها الذي تشرب منه، حتى وإن كانوا يردون بئراً واحدة، لكن لكل صاحب أربعين حوض من الجلد يملؤه ويسقي غنمه، فإنهم يكونون مفترقين، فإذا جاء العامل أخذ من كل واحد شاة؛ لأن كل واحد امتلك أربعين منفردة عن الأخرى.
وأما إذا جاء ووجد الثلاثة قد خلطوا الثلاث الأربعينات مع بعض، وتمت صفة الخلطة: فالراعي واحد، والفحل واحد، والمحلب واحد، والحوض الذي يشربن منه واحد، والمبيت في محل واحد، أي: أنه تمت شروط الخلطة، فإن العامل على جمع الصدقة يأخذ شاة واحدة.
إذاً: في حالة الافتراق على كل واحد شاة، وفي حالة الاجتماع تخرج شاة عن الجميع، لكن لو زادت واحدة ولو من أحد الثلاثة يكون فيها شاتان، فالثلاث الأربعينات اجتمعت وفيها شاة واحدة، لأن خلطة المال جعلته كأنه الشخص الواحد.
وعندما جاء العامل وأخذ شاة فلابد أن تكون من شياه واحد من الثلاثة، فهل يتحمل عنهم زكاة غنمهم؟ لا.
(ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) أي: لا يأتي هؤلاء الثلاثة ويقولون: والله العام القادم سنخلط.
بالأمس كان كل شخص بمفرده، فيجمع بعضهم إلى بعض من أجل أن يأتي العامل ويجد مائة وعشرين شاة فيقولون له: خذ شاة واذهب.
ثم يرجعون إلى الانفراد، هذا لا يجوز، ولا أن يأتي العامل ويقول: لمن الغنم هذه؟ فيقولون: لزيد وعبيد وعمرو ولكنها هي خلطة، فيقول: فرقوها.
من أجل أن يحصل على ثلاث شياه، فهذا لا يجوز، لأنه إذا تمت الخلطة فلا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة.
وما كان من خليطين فأكثر فإنهما يتراجعان أو يتراجعون بحسب ملكهم، فمثلاً: عندنا ثلاثة، وملكهم متساوٍ، فكل واحد له أربعون شاة، فعلى كل واحد ثلث شاة، فإن كان المأخوذ من مال زيد فله عند كل من الخليطين ثلث شاة، فنقدر قيمة الشاة التي أخذها العامل، فإذا قدرت بثلاثين ريالاً، فكل واحد من الخليطين يدفع له عشرة ريالات.
لو قدر أن المائة والعشرين بين اثنين، واحد له أربعون شاة، وآخر له ثمانون، وتمت الخلطة، وجاء العامل، لا نفرقهم حتى يأخذ شاة من صاحب الأربعين وشاة من صاحب الثمانين، وكذلك هم لا يجتمعون عندما يسمعون بمجيء العامل؛ لأنهم اشترطوا في صحة تأثير الخلطة أن تكون الخلطة طيلة العام، أما إذا كانوا منفردين وفي نهاية العام خلطوا، قالوا: لكي يأتي العامل ونحن مجتمعون فلا يجوز، وإذا جاء العامل وهم على خلطتهم، وتمت شروط الخلطة، فلا يفرق بينهم، بل يأخذ شاة واحدة، ويتراجعان فيما بينهما بالسوية، إن كانت أخذت الشاة من صاحب الأربعين فعلى صاحب الثمانين ثلثي الشاة، وإن كان أخذها من صاحب الثمانين فصاحب الثمانين له على صاحب الأربعين ثلث الشاة.
الإمام مالك يقول: إذا كانت الخلطة بين أربعين وثمانين فهذا صحيح، لكن لو وجد واحد له ثلاثون وآخر له عشر شياه، فهذه ليس لها تأثير؛ لأن كلاً منهما لا يملك النصاب، ولم يعتبر مالك تأثير الخلطة إلا إذا كان فيها ملك نصاب من أحد الخلطاء.
طيب! وجدناها خمسين شاة، أربعون منها لواحد وعشر لواحد آخر، قال: هنا الشاة على صاحب الأربعين، وصاحب العشرة ليس عليه منها شيء.
والإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: لا تأثير للخلطة ألبتة، سواء امتلك كل واحد نصاباً كصاحب الأربعين والثمانين أو لم يمتلك أحدهما نصاباً، فكل زكاته على حدة إلا شركة الأعيان، فهذه شركة مشاعة.
следующие страницы →