Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [٣]
أنزل الله القرآن على نبيه صالحاً لكل زمان ومكان، وجاءت السنة مكملة له، ومبينة وموضحة لمجمله، فكان مما بينته تفاصيل الزكاة ومنها الأنعام، حيث بين النبي ﷺ أنصبة الإبل ومتى تجب الزكاة فيها، وبين أنصبة الغنم ومتى تجب الزكاة فيها، فهذه معايير وقياسات لا تتغير ولا تتبدل مدى الزمان.
كما بين أحكام الخلطة، واختلاف أسنان المخرج من الإبل عن المطلوب، وكذلك زكاة الفضة، وكل ذلك رحمة بالمزكي والمسكين.
стр. 1297
حكم الخلطة في الأنعام الزكوية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول أبو بكر: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصَّدق، وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا ن يشاء ربها) .
فـ الصديق رضي الله تعالى عنه في هذا الخطاب، بعدما بين أنصباء الإبل وما يدخل فيها، وأنصباء الغنم وما يؤخذ فيها، بقي من بهيمة الأنعام البقر، والجاموس في بعض البلاد، أما البقر فجاء فيه النص في غير هذا الخطاب، وهو: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسن أو مسنة، والبقر قليل في بلاد العرب، وكانوا يتهاجون باقتنائها، والذي يكثر هو الإبل والغنم.
والفقهاء قاسوا الجاموس على البقر، وألحقوه به في هذا الباب، ولما بيّن الصديق رضي الله تعالى عنه أنصباء الإبل والغنم جاء بالتنصيص على مسألة يكثر وقوعها بين أصحاب بهيمة الأنعام، وهي: الخلطة، وتعريفها: هو أن يأتي صاحب قطيع من الإبل أو قطيع من الغنم إلى شخص آخر له قطيع من الإبل أو من الغنم فيجمعانهما معاً، فهذه خلطة.
стр. 1298
أقسام الخطلة
والخلطة عند الفقهاء تنقسم إلى قسمين بحسب نوعية التملك: فهناك خلطة أعيان -وهي ما تسمى بشركة الأعيان- وخلطة أوصاف، فخلطة الأعيان: هي الاشتراك بالتملك في أعيان بهيمة الأنعام، مثالها: رجل عنده مائة من الغنم، فتوفي عن ابنين ورثا عنه المائة، فلكل واحد منهما النصف مشاعاً.
أما شركة الأوصاف، فمثالها: رجل هذا عنده خمسون شاة مميزة كل شاة بعينها، فلو اختلطت مع غنم الآخرين استطاع أن يميزها ويخرجها على حدة؛ لأنها معروفة بصفتها.
فالشركة بمقتضى الملك تكون بين جماعة ورثوا رءوساً من الغنم أو اشتروها معاً، أو إنسان نزل إلى السوق بمائة رأس فاشتراها اثنان أو ثلاثة أو أربعة بالشراكة، فصارت المائة من الغنم مملوكة للأربعة المشترين كل بحصته من الثمن، ولو أن كل واحد من الأربعة دفع ربع الثمن فإنهم يكونون شركاء كل واحد بالربع، وكيف يكون شريكاً بالربع؟ كل واحد له في كل شاة ربعها؛ لأنها على المشاع، فإذا ما اقتسموا المائة وكل واحد أخذ خمساً وعشرين شاة أصبحت الخمسة والعشرون في يد كل واحد ملكاً خاصاً، فإذا خلطوها بعد ذلك، صارت شركة أوصاف مشاعة لا شركة أعيان، لأن كل شخص يعرف حقه.
إذاً: خلطة بهيمة الأنعام تنقسم إلى قسمين: خلطة أعيان، كل واحد له نصيب في الجميع مشاعاً، وخلطة أوصاف، فخلطة الأعيان هم شركاء فيها، والزكاة فيها عليهم جميعاً، لكن خلطة الأوصاف هي محل البحث هنا، فعندما يكون أربعة أولاد ورثوا عن أبيهم مائة شاة، وجاء المزكي فوجد المائة الشاة، فقال: لمن هذا؟ فقيل له: لورثة فلان.
فإنه سيأخذ الزكاة من المائة على الجميع، إن كانت أربعين، أو مائة، أو أربعمائة فإنه سيأخذ زكاة الجميع على الجميع، وهذه ليست موضوع بحثنا.
فإذا جئنا إلى خلطة الأوصاف، وجاء اثنان كل واحد منهما له عشرون شاة، والمجموع أربعون، فإنه إذا جاء المزكي ووجد الأربعين، هنا يقول: لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، ولو جاء عامل ووجد زيداً عنده عشرون شاة، ووجد عمراً عنده عشرون شاة، كلها مفترقة، فلا يجمع بينها، فيها أخوان من منطقة واحدة، على بئر ماء واحد، ويرعيان في مرعى واحد، كل واحد يرعى ملكه، وآخر النهار يرجع بها إلى بيته، فكل واحد من الأخوين يملك عشرين منفردة، فإذا جاء العامل ووجد الأربعين ترعى معاً فلا يقول: مجموع الأربعين نأخذ فيها شاة.
لأنها مفترقة فلا تجمعها، فكل واحد من الأخوين عنده عشرون شاة، وصاحب العشرين لا زكاة عليه، فلا يجمع بين مفترق ليكمل النصاب ويأخذ الشاة، بل يتركها على ما هي عليه، ليس فيها زكاة.
стр. 1299
شروط الخلطة
فإذا جاء اتفق الأخوان على الخلطة، وصارت الأربعون مخلوطة، وشروط الخلطة التي تؤثر في الزكاة هي تخفيف المئونة، وذلك باتحاد الراعي: واحد يرعى الأربعين، واتحاد الفحل: كبش واحد للأربعين، واتفاق المحلب: تحلب في محل واحد، وإن كان كل واحد يأخذ حليب غنمه في كيس، واتحاد المراح الذي تبيت فيه يكون مراحاً واحداً، والمسرح الذي تسرح إليه في جهة واحدة.
إذاً: صارت الأربعون في حكم المال الواحد، تذهب مع بعضها وتأتي مع بعضها، ولها راع واحد يرعاها، وكبش واحد يلقحها، وتشرب من ماء واحد على حوض واحد، صارت هذه خلطة، واكتملت فيها الشروط، فإذا جاء العامل ووجد الأربعين على هذه الصفة فإنه لا يفرق بينهما فيقول: خذ عشرينك واذهب، وأنت خذ عشرينك واذهب بل يأخذ منهما الزكاة.
فخلطة بهيمة الأنعام تجعل المال المختلط كمال رجل واحد، فإذاً في هذه الحالة يأخذ شاة من الأربعين ولا يفرق بين مجتمع هذه هي الصورة.
стр. 1300
آراء الأئمة ﵏ في الخلطة
نأتي إلى موقف الأئمة ﵏ في تأثير الخلطة في الزكاة فيما تجب فيه الزكاة أو لا تجب: عند أحمد ﵀ مال الخليطين أو الخلطاء إذا كان مجموعه نصاباً، فإنه يزكى ولو لم يكن لكل واحد من الخلطاء نصاب كامل، فلو وجد أربعون شخصاً، لكل واحد شاة، وخلط الأربعون -على ما تقدم- وجاء العامل فوجد أربعين شاة عند راع واحد على بئر واحد وهي خلطة، فإنه يأخذ شاة من الأربعين، وإن كان لا يوجد في الأربعين الخلطاء نصاب مستقل، بل ينص ابن قدامة في المغني: لو أن الأربعين بين اثنين، واحد له تسعة وثلاثون، والآخر له واحدة، أو أجر صاحب الأربعين أجيراً يرعاها على شاة من الأربعين، وجاء العامل فهم خلطاء؛ لأن الراعي له واحدة أكملت الأربعين، فهم خلطاء، فالعامل يأخذ شاة، ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة.
إذاً: الخلطة تجعل المال المختلط كمال رجل واحد.
وعند أحمد ﵀: حتى لو كان لكل واحد شاة، ولو كان لأحدهما ثلاثون والثاني له عشر، فكذلك.
أما مالك ﵀ فيقول: لا تأثير للخلطة إلا إذا كان لكل واحد نصاب.
إذا كان ثلاثة أشخاص كل واحد يملك أربعين شاة، ولكن كل يرعى غنمه على حدة، وكل أربعين فيها فحلها، ولها راعيها، ومراحها ومسرحها، وبئرها أو حوضها الذي تشرب منه، حتى وإن كانوا يردون بئراً واحدة، لكن لكل صاحب أربعين حوض من الجلد يملؤه ويسقي غنمه، فإنهم يكونون مفترقين، فإذا جاء العامل أخذ من كل واحد شاة؛ لأن كل واحد امتلك أربعين منفردة عن الأخرى.
وأما إذا جاء ووجد الثلاثة قد خلطوا الثلاث الأربعينات مع بعض، وتمت صفة الخلطة: فالراعي واحد، والفحل واحد، والمحلب واحد، والحوض الذي يشربن منه واحد، والمبيت في محل واحد، أي: أنه تمت شروط الخلطة، فإن العامل على جمع الصدقة يأخذ شاة واحدة.
إذاً: في حالة الافتراق على كل واحد شاة، وفي حالة الاجتماع تخرج شاة عن الجميع، لكن لو زادت واحدة ولو من أحد الثلاثة يكون فيها شاتان، فالثلاث الأربعينات اجتمعت وفيها شاة واحدة، لأن خلطة المال جعلته كأنه الشخص الواحد.
وعندما جاء العامل وأخذ شاة فلابد أن تكون من شياه واحد من الثلاثة، فهل يتحمل عنهم زكاة غنمهم؟ لا.
(ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) أي: لا يأتي هؤلاء الثلاثة ويقولون: والله العام القادم سنخلط.
بالأمس كان كل شخص بمفرده، فيجمع بعضهم إلى بعض من أجل أن يأتي العامل ويجد مائة وعشرين شاة فيقولون له: خذ شاة واذهب.
ثم يرجعون إلى الانفراد، هذا لا يجوز، ولا أن يأتي العامل ويقول: لمن الغنم هذه؟ فيقولون: لزيد وعبيد وعمرو ولكنها هي خلطة، فيقول: فرقوها.
من أجل أن يحصل على ثلاث شياه، فهذا لا يجوز، لأنه إذا تمت الخلطة فلا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة.
وما كان من خليطين فأكثر فإنهما يتراجعان أو يتراجعون بحسب ملكهم، فمثلاً: عندنا ثلاثة، وملكهم متساوٍ، فكل واحد له أربعون شاة، فعلى كل واحد ثلث شاة، فإن كان المأخوذ من مال زيد فله عند كل من الخليطين ثلث شاة، فنقدر قيمة الشاة التي أخذها العامل، فإذا قدرت بثلاثين ريالاً، فكل واحد من الخليطين يدفع له عشرة ريالات.
لو قدر أن المائة والعشرين بين اثنين، واحد له أربعون شاة، وآخر له ثمانون، وتمت الخلطة، وجاء العامل، لا نفرقهم حتى يأخذ شاة من صاحب الأربعين وشاة من صاحب الثمانين، وكذلك هم لا يجتمعون عندما يسمعون بمجيء العامل؛ لأنهم اشترطوا في صحة تأثير الخلطة أن تكون الخلطة طيلة العام، أما إذا كانوا منفردين وفي نهاية العام خلطوا، قالوا: لكي يأتي العامل ونحن مجتمعون فلا يجوز، وإذا جاء العامل وهم على خلطتهم، وتمت شروط الخلطة، فلا يفرق بينهم، بل يأخذ شاة واحدة، ويتراجعان فيما بينهما بالسوية، إن كانت أخذت الشاة من صاحب الأربعين فعلى صاحب الثمانين ثلثي الشاة، وإن كان أخذها من صاحب الثمانين فصاحب الثمانين له على صاحب الأربعين ثلث الشاة.
الإمام مالك يقول: إذا كانت الخلطة بين أربعين وثمانين فهذا صحيح، لكن لو وجد واحد له ثلاثون وآخر له عشر شياه، فهذه ليس لها تأثير؛ لأن كلاً منهما لا يملك النصاب، ولم يعتبر مالك تأثير الخلطة إلا إذا كان فيها ملك نصاب من أحد الخلطاء.
طيب! وجدناها خمسين شاة، أربعون منها لواحد وعشر لواحد آخر، قال: هنا الشاة على صاحب الأربعين، وصاحب العشرة ليس عليه منها شيء.
والإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: لا تأثير للخلطة ألبتة، سواء امتلك كل واحد نصاباً كصاحب الأربعين والثمانين أو لم يمتلك أحدهما نصاباً، فكل زكاته على حدة إلا شركة الأعيان، فهذه شركة مشاعة.
стр. 1301
تأخير الخلطة في غير بهيمة الأنعام
وهناك من يقول: الخلطة تؤثر في الزكاة في غير بهيمة الأنعام، كعروض تجارة بين شخصين، أحدهما لديه سكر والآخر لديه شاي، فجمعا الشاي والسكر، وأتيا بصبي لهما يبيع في المتجر، فالمتجر واحد، والميزان واحد، والصبي واحد، والخلطة موجودة، ومرافق العمل كلها متحدة؛ فهناك من يقول: هذه الخلطة بهذه الصفة تؤثر، فلو كان مجموع الصنفين قيمته نصاب زكيت على حسبها، وإن كانت قيمة الصنفين لم تصل إلى النصاب فلا شيء فيها، ولو كانت قيمة أحد الصنفين نصاباً والأخرى لم تبلغ النصاب فإنه يشارك في الزكاة؛ لأن عروض التجارة ليس فيها وقص، وإنما إذا بلغ النصاب أخذت الزكاة في النصاب، وما زاد على النصاب فبحسبه.
نحن عندنا في الغنم من الأربعين إلى المائة والعشرين تسمى وقصاً، وتلك الزيادة لا أثر لها، إنما هي شاة واحدة من بلوغ الأربعين، بخلاف الذهب والفضة، فإنه إذا امتلك عشرين مثقالاً تم النصاب، وفيه ربع العشر، فإذا امتلك خمسة وعشرين مثقالاً نقول له: زك الجميع، فلابد أن يزكي الخمسة والعشرين بنسبة زكاة العشرين اثنين ونصف في المائة، فإذا امتلك ثلاثين ديناراً أيضاً زكي الثلاثين بنسبة اثنين ونصف في المائة، إذاً: لا وقص، وحيثما كان لا وقص فالجميع سواء.
وهذا المبحث في كتب الفقه له تفريعات، وله مسائل فرعية عديدة جداً؛ لأن بهيمة الأنعام يشترط فيها الحول، والخلطة يشترط فيها أن تكون حولاً كاملاً، وهي عندهم كالمال المتجدد، فلو ملك ثلاثين في نصف الحول، وعشرة في النصف الثاني، فهل عليه زكاة أو حتى تتم العشرة الحول كاملاً، وكذلك في الخلطة.
فلو أن الخليطين اختلطا في أول الحول، وجاء ثالث وخلط في نصف الحول، فانتهى حول الاثنين وحول الثالث لم يأت بعد، ماذا يكون الحال؟ وهذه تفريعات في الواقع لا يتأتى تناولها بصفة عامة على هذه الحال، وإنما يهمنا بيان الهيكل الأساسي في الخلطة.
ومرة أخرى بالإجمال: الخلطة إما شركة أعيان وإما شركة أوصاف، فشركة الأعيان مشاعة على ما هي عليه، وشركة الأوصاف يكون ملك كل واحد متميزاً بعينه، لكن اختلطا عاماً كاملاً وصحت الخلطة، فيعامل هذا المال المختلط معاملة مال الرجل الواحد، ولو أن كل شخص من الخلطاء امتلك جزءاً من النصاب، وبمجموعهم كمل النصاب أخذت الزكاة، أما لو فرقا وكل امتلك حقه فلا زكاة على واحد منهم.
إذاً: الخلطة قد تنفع الخلطاء وقد لا تنفعهم، بحسب اكتمال النصاب أو زيادته أو النقص منه.
هذا ما يتعلق بخلطة بهيمة الأنعام، أما تأثير الخلطة في غيرها فهذا موضع خلاف فيما يتعلق بعروض التجارة إذا اتحدا أيضاً في الدكان أو المكان، واتحد البائع والميزان أو المكيال أو الذراع أو غير ذلك، ثم يرجع الخلطاء كل على صاحبه بنسبة ملكه في الخلطة.
стр. 1302
شروط الشاة المأخوذة في الزكاة
ثم بدأ يبين ماذا يأخذ العامل، قال: (ولا تؤخذ في الصدقة الهرمة) ، الهرمة بمعنى: العجوزة؛ لأنها غالباً تكون عجفاء ليس فيها شيء، وهي على وشك الموت.
(ولا ذات عوار) من عور العينين، (أو معيبة) لأن العيب عوار في السلعة، فأي شاة بها عيب فإنها لا تؤخذ في الصدقة؛ لأنه نقص على المساكين، والعوار بمعنى العيب فهو يتفاوت، وبعضهم يقول: العوراء هي الفاقدة إحدى عينيها.
وهذه عند الأصوليين فيها نزاع، فعندما يقال في الأضحية: يجب أن تكون الأضحية سليمة من العور فمن الأصوليين من يقول: هذه معيبة لا تصلح أضحية، وكذلك لا تؤخذ في الزكاة، ومنهم من يقول: العوراء هي التي لا تسرح مع الغنم، ولكن تبقى في البيت، وإذا انفردت في البيت عني بها، وجيء لها بعلف يكفيها وزيادة؛ لأنها أصبحت محل عناية من مالكيها، فلربما تكون أسمن من ذات العينين التي تسرح مع بقية الغنم، ولكن الجمهور على أن العور عيب فلا تؤخذ صاحبة العوار في زكاة الغنم.
ويقاس على ذات العور وعلى الهرمة أي عيب في الشاة ينقص من قيمتها، سواء كان في هيكلها أو في لحمها، فإذا كانت مريضة فلا ينبغي أن يأخذها، وإذا كانت مكسورة لا يأخذها، وعلى هذا فكل شاة معيبة في الغنم لا تصح.
وكيف يأخذ؟ قد تقدم لنا ذلك في حديث معاذ: (وإياك وكرائم أموالهم) ، فالعامل لا يجوز له أن يصطفي كرائم الغنم ويأخذها، ولا أن يقبل من صاحب الغنم أهونها، إنما يقولون: تقسم الغنم ثلاثة أقسام: خيار، وعوار، ووسط، فيأخذ من الوسط، والعامل مؤتمن فلا يجوز له أن يظلم صاحب الغنم بأخذ خيارها، ولا يجوز أن يغش المساكين فيأخذ الضعيف فيها، إنما يأخذ الوسط.
قوله: (ولا تيس إلا أن يشاء المصدق) .
التيس في الغنم هو الذي يعلوها ويطرقها؛ لأن الغنم في حاجة إليه، فيأتي المصدق ويأخذ التيس ويترك الغنم بلا تيس وهذه مضرة، ولا يجوز إخراج التيس في الصدقة إلا أن يشاء المصدِّق، أي: صاحب الغنم؛ لأنه قد يكون معه غيره، أو المصدق هو العامل الذي يأخذ الصدقة؛ لأن التيس -أحياناً- لا يساوي الشاة، والعنز خير منه لأنها تنتج، إلا إذا جاء العامل وجمع غنماً كثيراً وسيسوقها ويحتاج إلى تيوس فيها، فيأخذه منه من أجل مصلحة ما بيده من الماعز.
стр. 1303
لا زكاة في الخيل والبراذين ونحوها
الأموال الزكوية قلنا: إن المتفق عليها من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، ومن المختلف فيه: الخيل وما تبعها، فيرجح الجمهور على أن الخيل لا زكاة فيها، وعند الإمام أبي حنيفة ﵀ أن الخيل إذا أفردت للنماء والزيادة ففيها الزكاة، أما إذا كانت لغير ذلك، ولا يتأتى نماؤها، وكما يقول الأحناف: لو كانت كلها ذكوراً، فالذكور وحدها لا تنتج، ولو كانت كلها إناث فالإناث وحدها لا تنتج، فعنصر النماء مفقود فلا زكاة فيها.
ولو كان عنده خيل ذكور وإناث يؤجرها أو يستعملها في جر العربات أو في الحرث فهذه ليست للنماء فلا زكاة فيها.
وعلى رأي الإمام أبي حنيفة ﵀ أن في الخيل زكاة، فما نصابها وما يؤخذ منها؟ لم يأت في أي كتاب من كتب الصدقة بيان أنصباء الخيل ولا بيان ما يؤخذ فيها، ومن هنا أخذ الجمهور أن الخيل خارجة عن حدود الزكاة، واستدلوا أيضاً بحديث: (ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقة) فقوله: (فرسه) وإن كان مفرداً، لكنه نكرة مضاف فيشمل الجنس، فأخذ الجمهور بأن الفرس أو الخيل لا زكاة فيه.
أبو حنيفة ﵀ يقول: الزكاة مبناها على النماء، فإذا كانت ثلاثين فصارت خمسين، فهي نامية، فتشترك مع الإبل والغنم في عموم النماء، ففيها زكاة.
كم نصابها؟ قال: في كل فرس دينار.
نحن لا نعهد زكاة مال من غير جنسه إلا عروض التجارة وأوائل الإبل، في الخمس منها شاة، فأخذ غير جنسها في حد معين، ثم من خمس وعشرين انتقلت إلى جنسها، وكذلك عروض التجارة؛ لأن العروض هي عبارة عن دكان فيه سكر وشاي وصابون ونعناع أو حتى خضار، فماذا سنعطي المسكين من هذا؟ فيقدر الجميع، وتعطى الزكاة من مجموع القيمة؛ لأنها مصلحة للطرفين.
فإذا قلتم: الخيل فيها زكاة فبينوا نصابها منها، وما يؤخذ منها فيها.
وقال قوم: ليس فيها زكاة، واستدلوا بأن عمر رضي الله تعالى عنه أتاه قوم من أهل الشام، وقالوا: إنا أصبنا خيلاً نريد أن تأخذ زكاتها طهرة لها.
فقال: لم يأخذها صاحباي من قبلي -يعني رسول الله ﷺ وأبا بكر رضي الله تعالى عنه- فكيف آخذها؟ فاستشار من عنده، فقالوا: خذ منهم ما دام عن طيب نفس، فسأل علياً رضي الله تعالى عنه، فقال علي: لا بأس إلا أن تصبح فيما بعد ضريبة لازمة عليهم، أي: هم الآن جاءوا طواعية ودفعوا، فإذا ذهب هذا الجيل الذي يدفع طواعية، فسيأتي بعدهم أناس معهم خيل، فيقول من كان بعدك: عمر أخذ على الخيل فيأخذ عليهم، وتكون ضريبة لازمة بغير إلزام.
فـ علي قال: لا بأس إذا أخذت ما لم تصبح ضريبة لازمة عليهم.
فقال عمر: نأخذها منهم ونردها على عبيدهم، بمعنى انه أخذ زكاة الخيل وفرض لكل فرس ديناراً، وأعطى عبيدهم من بيت مال المسلمين، فالعبيد ليس لهم شيء؛ لأن بيت مال المسلمين للأحرار، ورزق بيت المال للأحرار، والعبيد تبع للأحرار، فـ عمر فرض لعبيد هؤلاء الناس من بيت المال كأنه عوض عما يأخذ منهم في الخيل.
والجمهور استدلوا بحديث صحيح، وهو قوله ﷺ : (ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها في قاع قرقر، ثم يؤتى بها وافية فتطؤه بخفافها، وتعضه بأنيابها حتى يقضى بين الخلائق، فيرى مصيره إما إلى جنة، وإما إلى نار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، وما من صاحب ذهب أو فضة لم يؤد زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وكوي بها جبينه وجنبه وظهره إلى أن يقضى بين الخلائق -فذكر ﷺ هنا الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة- فقالوا: يا رسول الله! والخيل ما شأن صاحبها؟ قال: الخيل ثلاثة: هي لرجل أجر، وعلى رجل وزر، ولرجل ستر؛ أما التي هي له أجر: فخيل ارتبطها صاحبها في سبيل الله، وأما التي هي وزر فخيل اقتناها صاحبها بطراً ورياءً) .
وقيل: سمي الخيل خيلاً لأن بها خيلاء، فانظر إلى الفرس عندما تشبع فإنها تمشي على أطراف حوافرها وتتبختر، وأجود الحيوانات في الرقص والرياضيات واللعب الخيل، وهي أشدها طرباً، فصاحبها كذلك.
(والتي هي له ستر رجل اقتناها تغنياً) يعني: للنماء فيبيع ويستغني بنسلها وبيعها عن الناس.
فما ذكر فيها صدقة.
قال: (ولا ينسى حق الله فيها! قالوا: وما حق الله فيها؟ قال: ألا يمنع فحلها عن إناث غيره، ألا يمنع منقطعاً أن يركبه إلى مكانه) ، ولم يبين فيها ﷺ نصاباً ولا ما يؤخذ منها، فقال الجمهور: هذا دليل على أن الخيل لا زكاة فيها.
(قالوا: والحمر يا رسول الله! قال: لم ينزل علي فيها شيء، إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] ) إذاً: رد ذلك إلى صاحبها، إن فعل فيها خيراً فله، وإن كان عكس ذلك فالعكس.
إذاً: الصديق رضي الله تعالى عنه ذكر أنصباء الإبل، وذكر أنصباء الغنم، وجاءت أنصباء البقر في غير هذا الكتاب، ولم يأت للخيل ولا للبرذون ولا للحمار ذكر في أنصاب الزكاة، وعلى هذا فجمهور العلماء على أن الزكاة في بهيمة الأنعام مقصورة على تلك الأصناف الثلاثة، وأن الأصناف الثلاثة الأخرى لا زكاة فيها: الخيل والبراذين والحمار.
стр. 1304
زكاة النقدين
ثم انتقل الكتاب إلى صنف آخر من أصناف الأموال الزكوية، وهي الرقة، أي: الفضة قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف:١٩] فالورق بمعنى الفضة والذهب.
قوله: (وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها) .
هذا جزء من مبحث زكاة الذهب والفضة اقتصر فيه على الفضة، وهي كجملة معترضة بين أحكام الإبل؛ لأنه بقي من أحكام زكاة الإبل ما لو لم توجد العين المطلوبة في عدد الإبل عند صاحبها، فإنه يتقاص هو والعامل على ما سيأتي إن شاء الله.
وهنا يقول: في كل مائتي درهم ربع العشر، فإذا كانت مائة وتسعين، فلا زكاة فيها، لأنها تنقص عن النصاب عشرة، وإذا كانت تنقص واحداً أو اثنين فـ مالك يقول: هذا شيء قليل فلا يؤثر، وفيها زكاة.
والجمهور يقولون: الحد مائتان، فإن لغة الأرقام ليس فيها تقريب، ومفهوم المخالفة أن ما دون المائتين ولو بواحد لا زكاة فيه.
وبالمناسبة هنا: فالفضة توزن بالدرهم وتصك عملة بالدرهم، فالدرهم في الفضة وحدة وزن ووحدة عد، فتقول: يملك مائة درهم.
يعني: نقوداً، أو يملك مائة درهم.
يعني: سبيكة تزن مائتي درهم.
والذهب وحدة وزنه المثقال، والمثقال أيضاً وحدة وزن ووحدة عد؛ فالدينار: اسم للنقد، والمثقال: اسم للوزن، والدينار والمثقال شيء واحد.
والمائتا درهم قد تكون دراهم على حدة، وقد تكون دراهم تجمع في القطعة الواحدة، فمثلاً: الريال السعودي: كان ثلاثة دراهم وثلاثة أرباع، الريال الفرنسي كان بريالين سعودي، وقد توجد القطعة النقدية من الريال والروبية غير هذا على حسب اصطلاحات البلاد كم في هذه القطعة من درهم شرعي، فإذا اجتمع عندهم من الريالات ما يعادل المائتي درهم من الفضة، وهو بالريال السعودي ستة وخمسون ريالاً فيكون قد وجد عنده نصاب، فتجب عليه فيه زكاتها، أي: زكاة الفضة في هذا النصاب، فإذا حال عليه الحول أخرج ربع العشر، أي: (٢.
٥%) .
стр. 1305
التقايض بين المالك والمصدق إذا لم يوجد السن المطلوب إخراجه
قال: (ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطي المصدق عشرين درهماً أو شاتين) .
بين هنا أوضاع الإبل وظروف المالك فيما إذا لم تتح الفرصة لوجود ما يجب عليه من الزكاة، فإذا كان عنده من عدد الإبل ما تجب فيه الحقة، ولم توجد عنده هذه الحقة وكانت عنده جذعة، والجذعة: أكبر منها بسنة، فهي أكثر قيمة، وتؤخذ في العدد الأكثر.
فإذا وجدت عند من وجبت عليه الحقة جذعةٌ فإنها تؤخذ منه، ويعوض عن الزائد في الحقة شاتين أو عشرين درهماً يدفعها إليه المصدق، أي: العامل الذي جاء ليأخذ الصدقة.
وكذلك العكس: إذا وجبت عليه في إبله جذعة، ولم توجد هذه الجذعة -والجذعة: هي التي جذعت سنَّيها الأماميين- ووجدت عنده حقة، الحقة أقل قيمة من الجذعة، فيدفعها صاحب الإبل، ويدفع معها جبراً للنقصان عن الجذعة شاتين أو عشرين درهماً.
وهكذا في جميع ما يؤخذ في زكاة الإبل كما بوب البخاري ﵀: من وجبت عليه بنت مخاض ووجدت عنده بنت لبون فإنه يدفع بنت اللبون، ويأخذ فرقاً عن بنت اللبون وبنت المخاض شاتين أو عشرين درهماً من العامل، أو بالعكس: بأن وجدت عنده من الإبل ما فيها بنت لبون، لكنه لا يوجد في إبله بنت لبون، وفيها بنت مخاض، فإنه يدفع بنت المخاض، ويدفع معها جبراناً للنقص عن بنت اللبون شاتين أو عشرين درهماً.
هكذا يقول الجمهور بناء على منطوق هذا الحديث في هذا الكتاب.
وبعض العلماء من غير الأئمة الأربعة يقول: ليس هناك تقييد بالشاتين والدراهم، ولكن ينظر بحسب كل وقت كم فرق ما بين بنت المخاض وبنت اللبون؟ فيقدر ويدفع في الفرق بدلاً من الشاتين وبدلاً من العشرين درهماً؛ لأن قيمة الشياه وتقدير الدراهم تختلف باختلاف الزمان والمكان.
والله تعالى أعلم.
стр. 1306
كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [٤]
زكاة البقر ثابتة في السنة بالنصوص الصحيحة، وهي من الأنعام التي تخرج منها الزكاة، ومن سماحة الشارع أنه أمر العامل ألا يأخذ الزكاة إلا في الأنعام على مياهها، واختلف العلماء في زكاة الخيل، وقد ذكر الشيخ خلافهم وبين أدلتهم.
стр. 1307
حديث معاذ بن جبل في زكاة البقر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن معاذ بن جبل ﵁: (أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً) رواه الخمسة، واللفظ لـ أحمد، وحسنه الترمذي وأشار إلى اختلاف في وصله، وصححه ابن حبان والحاكم] .
انتقل المؤلف رحمه الله تعالى بعد بيان أنصباء الإبل والغنم والفضة إلى زكاة البقر، وهذا الحديث الذي ناقش المؤلف سنده في وصله وفي انقطاعه ذكره البخاري رحمه الله تعالى تعليقاً بصيغة الجزم، وذكر البخاري إياه يغني عن مناقشة السند.
إذاً: الحديث في زكاة البقر ثابت؛ لأن بعض المتأخرين إنما يطعن في زكاة البقر، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي لا مطعن فيه: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، وجيء بها أوفر ما تكون وأسمن، فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، كلما مر عليه أخراها أعيد عليه أولاها حتى يقضى بين الناس، فيرى مصيره إما إلى جنة وإما إلى نار) وهذا الحديث يرويه البخاري في صحيحه.
إذاً زكاة البقر ثبتت بالنصوص، سواء هذا النص الذي معنا عن معاذ رضي الله تعالى عنه، أو النصوص الأخرى التي ساقها البخاري ﵀.
أما في نصابها وما يؤخذ منها فلم يقع في ذلك اختلاف إلا ما روي عن بعض الأحناف، حيث جعلوها كالإبل في كل خمس شاة، ولكن الجمهور على هذا الحديث وأن من امتلك البقر ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة.
والتبيع: الذي يتبع أمه، والتبيعة كذلك في سنه، أي: ذكراً كان أو أنثى في هذه السنة، فهو يجزئ في الثلاثين رأساً من البقر.
وفي كل أربعين مسنة، وإلى هذا ينتهي نصاب البقر.
بين الأربعين والخمسين من البقر عشرة رءوس، فهل فيها زكاة؟ والجواب: أن هذا وقص، كما بين الخمس والخمس من الإبل، فالخمس من الإبل فيها شاة واحدة، وهي للخمس الأولى، فإذا كملت عشر من الإبل ففيها شاتان، إلى اثني عشر وأربعة عشر من الإبل وليس فيها إلا الشاتان.
إذاً: ما بين النصاب والنصاب في الإبل والغنم والبقر وقص لا حصة للزكاة فيه.
стр. 1308
مقدار الجزية التي تؤخذ من أهل الكتاب
قال: (ومن كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً) .
مما أوصى به النبي ﷺ ، وكلف معاذاً أن يحصله: (على كل حالم دينار -في السنة- أو عدل ذلك معافرياً) ، والمعافري: ثياب تنسب إلى بلدة معافر، وهي معروفة في اليمن، كانت مشهورة ببعض الثياب في الجودة.
والحالم: هو الذي بلغ سن الحلم، سواء احتلم أو لم يحتلم، كما جاء عنه ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار) فالحائض: الفتاة التي بلغت سن الحيض سواء أتاها الحيض أو تأخر عنها، أي: من بلغ سن التكليف، إذاً: ما دون ذلك من الأطفال والصبيان لا شيء عليه، وكذلك النساء.
فقوله: (على كل حالم) أي: محتلم بلغ سن التكليف في الإسلام ولم يكن أسلم، فعليه في الجزية سنوياً دينار أو عدل ذلك الدينار ثياب من هذا النوع المعروف المشهور بالمعافري.
وهنا نفهم من هذا الحديث أن معاذاً رضي الله تعالى عنه لما أتى إلى اليمن -وهم أهل كتاب- أن البعض استجاب له فأسلم وصلى وصام وزكى، والبعض بقي على ما كان عليه في اليهودية، ومن بقي على دينه فإن الإسلام يقره على ذلك مع دفع الجزية سنوياً، قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] .
قالوا: ((عن يد)) : إن كل إنسان لزمته الجزية يذهب بها بشخصه ولو كان أمير قومه، ويدفعها للعامل يداً بيد، لا أن يبعث بها خادمه أو جاره أو ولده فلابد أن يرى تلك الصورة، لعله فيما بعد يشمئز منها، أو يتثاقل منها ويرى أن الإسلام عزة له فيرجع إلى الإسلام.
فـ معاذ رضي الله تعالى عنه كان أميراً وقاضياً، وكان مزكياً وجابياً للجزية، وفي هذا الحديث مجال للعلماء في أخذ العروض في الزكاة، ولفظ هذا الحديث قد اختلف فيه، لما قيل لـ معاذ: (خذ من كل حالم ديناراً -أي: جزية- أو عدل ذلك ثياباً) عروض، فتوسع بعض العلماء وقال: يمكن أن يؤخذ في الجزية أي قيمة للدينار، فالحد الرسمي دينار، فإذا رأى الجابي المصلحة في غير الدراهم تخفيفاً على أهل الجزية، أو مصلحة للمسلمين الذين ستوزع عليهم تلك الأموال، فلا مانع.
стр. 1309
أخذ العروض في الزكاة بدلاً عن الواجب
وجاء عن معاذ رضي الله تعالى عنه: (ائتوني من الثياب اللبيس والخميص -أو الخميس- فإنه أرفق بكم، وأنفع لأصحاب محمد ﷺ .
فبعض العلماء يحمل هذا على الصدقة، وبعضهم يحمله على الجزية، فمن حمله على الصدقة قال: يجوز أخذ العروض عن الصدقة بدل المال؛ لأن هذه معاوضة بلباس بدل ما وجب في الصدقة.
ويجيب الذين يمنعون أخذ العروض في الصدقة بأن الأصل أن يقبض الزكاة، فإذا قبض الزكاة من الإبل أو من البقر أو من الغنم، ورأى أن سوقها من اليمن إلى المدينة كلفة ومشقة، وخاف عليها أخطار الطريق من عطش وتكسر وموت، ورأى أن يستبدل بدلاً منها ثياباً، فلا مانع من ذلك؛ لأنه يكون قد استلم الواجب الشرعي من الإبل أو من البقر أو من الغنم، وبصفته مفوض، وهو أمين موكل إليه أن يعمل لمصلحة الفقراء والمساكين؛ فله أن يستبدلها بعدما حصلها من أصحابها على الوجه المشروع.
فعلى رواية: (في الصدقة) يكون قد أخذ الصدقة من أعيانها وأجناسها، ثم استبدلها بعد ذلك من جديد بعد أن دخلت في عهدته.
أما رواية: (في الجزية) فلا علاقة لها بالزكاة، ولا دخل لها في موضوع أخذ العروض أو القيمة فيما وجب من الزكاة.
والله تعالى أعلم.
стр. 1310
المستشرقون وطعنهم في فريضة الجزية
هناك نقطة بسيطة نحب أن نلفت النظر إليها، وهي: أن بعض المستشرقين والمستغربين، والمستشرقون هم الذين يتناولون الإسلام والعلوم الشرقية، فهم غربيون مسيحيون، لكن يدرسون العلوم الشرقية وخاصة علوم الإسلام، والمستغربون في نظري: هم أهل الشرق الذين يتطلعون إلى علوم الغرب، ويتأثرون بها.
هؤلاء يثيرون الفتن والشبه، خاصة عند الشباب الذين لم يتمكنوا من دراسة الفقه الإسلامي، ومعرفة ما وراء التشريع من الحكم، فيقولون: علام تأخذون الجزية من الناس؟ لماذا تقيدونهم في حريتهم؟ ألم يقل : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] وأنتم تريدون إما أن تكرهوهم على الإسلام وإما أن تأخذوا منهم الجزية؟ فيقال لهؤلاء: رويدكم! إن أخذ الجزية من هؤلاء، وإبقاءهم على قيد الحياة، واحترام دمائهم وأموالهم وأعراضهم لهي منحة من الإسلام إليهم؛ لأن الأصل: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ... ) ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] فإذا ما تسامح المسلمون لبعض أهل الأديان، وتركوهم وشأنهم في دينهم بحريتهم، وأخذوا عوضاً عن ذلك ديناراً على الشخص فذلك رفق بهم.
وانظر في المعادلة: بين دينار على الحالم، وبين اثنين ونصف في المائة على المسلم في ماله، هذا الذي يدفع الدينار لو كان يملك الملايين فلا يؤخذ منه إلا الدينار، وبهذا الدينار يكون محفوظ الكرامة في دمه وماله وعرضه، وتحت حماية الأمة الإسلامية؛ لأن الأمة الإسلامية لها السيطرة والسلطان، وأهل الذمة في حمايتها فلو اعتدى عليهم من خارج الأمة لكان المسئول عن حمايتهم هم جماعة المسلمين، فيقاتلون دونهم، ويقدمون أنفسهم من أجل حمايتهم.
بينما المسلم لا ينظر إلى شخصه، وإنما ينظر إلى ما يملك، فكلما كثر ماله كثر ما يؤخذ منه، فإذا كان إنساناً ذمياً عنده مليون ريال، ومسلم عنده نصف مليون ريال، نأتي إلى الذمي فلا نأخذ منه إلا ديناراً، ونأتي إلى المسلم فنأخذ منه ربع العشر، فكم يكون مقدار ما نأخذ من المسلم وهو مسلم؟ وكم يكون مقدار ما نأخذ من الذمي وهو على دينه ذمي؟ والذي يكون كاسباً في هذه الحالة هو الذمي لا المسلم.
إذاً: لا غضاضة على الذمي أن يعيش تحت الحكم الإسلامي وأن يدفع الجزية، وهي أقل بكثير جداً عما يؤخذ من المسلم، في الوقت الذي تقوم الأمة الإسلامية على حمايته وحماية ممتلكاته.
ومن العجب -أيضاً يا إخوان- أن الإسلام يرحم الضعفاء من هذا الصنف، كما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه مر به رجل عجوز يتكفف الناس، قال له: ما الذي حملك على السؤال؟ قال: أسأل لأجمع الجزية.
فقال عمر: ما أنصفناك إن أكلناك شاباً -يعني: لما كنت شباباً كنت تدفع الجزية ونأخذها- وضيعناك هرماً، ثم فرض له من بيت مال المسلمين ما يكفيه، ورفع عنه الجزية، فهل يجد هذا في دينه أو في ملته؟ هل يجد هذا العطف وهذا الحنان وهذه المساعدة عند قومه؟ والله لا يجدها.
إذاً: كل من تكلم في هذا الموضوع أو أصغى إليه فإنه ما فقه حقيقة الفقه في الإسلام.
стр. 1311
المكان الذي تؤخذ فيه زكاة الأنعام
[وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم) رواه أحمد.
ولـ أبي داود أيضاً: (لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم) ] .
يبين المؤلف ﵀ بعدما انتهى من أنصباء زكاة بهيمة الأنعام -الإبل والبقر والغنم- كيف نأخذها؟ وكيف يؤدونها؟ فقال: (تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم في دورهم) ، فمثلاً: العاصمة هي المدينة، وهناك منطقة حايل، والرياض، وجيزان، وهناك مناطق في أطراف الجزيرة، فهل يجب على أصحاب الأموال في أي مكان أن يسوقوا زكاة أموالهم إلى المدينة ويسلموها للمسئول عنها، أم أن ولي الأمر في المدينة يبعث إلى تلك الأقطار النائية والأماكن البعيدة من يستلم منهم ويأتي بها إلى المدينة؟ أعتقد أنه لو كلف المسلمون في أماكنهم أن يأتوا بزكاة أموالهم إلى المدينة لكانت مشقة عظيمة، فمن كان عنده خمس من الإبل فيحتاج أن يأتي بشاة من جيزان إلى المدينة! وهذه مشقة كبيرة، ولكن تؤخذ زكاتهم على مياههم، يأخذها العامل.
ولهذا كان ﷺ يبعث العمال إلى أماكن تواجد بهيمة الأنعام، فيقف عند المياه؛ لأن أصحاب بهيمة الأنعام سيوردونها الماء، ليس لازماً أن يتتبعهم في خيامهم ومبيتهم، فمثلاً إذا جاء إلى منطقة، ولنقدر -مثلاً- منطقة العوالي، أو منطقة قباء، أو غيرها، وهناك الآبار أو الغدران أو العيون التي هي موارد الإبل والبقر والغنم للسقي، فيأتي إلى ماء بني فلان، وهناك ينتظر: فإذا جاء الراعي بإبل فيعدها، ثم يأخذ الواجب فيها.
وعامل الزكاة لا يأتي منفرداً، بل معه من يساعده، وهم الذين يسوقون الأنعام التي تجمع، ومعه الكتاب الذين يحصون ويعدون، ومعه من يخدمه.
فإذا أخذ من هذا بنت مخاض، وأخذ من ذاك بنت لبون، أصبح عنده مراح من الإبل باسم الصدقة، ويتولى سوقها ورعايتها من معه من الأعوان.
إذاً: أخذ زكاة الأموال تكون من أصحابها على مياهها، ولم يكلفهم الذهاب والمجيء بها إلى المدينة؛ رفقاً بأصحاب الأموال.
وهنا يذكر العلماء حق هذا العامل، وواجب أصحاب الأموال في التعامل معه، فنجد التعليم الإسلامي يتناول العامل وصاحب المال، وكل منهما يوقفه عند الواجب الذي عليه، فتقدم لنا في قضية معاذ: (وإياك وكرائم أموالهم!) فيوصي العامل بأن يكون عادلاً رفيقاً، ولا يظلم أصحاب الأموال بأن يأخذ كرائم أموالهم، ولا يأخذ التيس إلا أن يرضى صاحبه، وكان فيه مصلحة، ولا يأخذه رغماً عن صاحب الغنم؛ لأنه قد لا يكون في الغنم إلا هذا التيس فيعطلها.
إذاً: الشارع الحكيم أوصى العامل بالإرفاق بأصحاب الأموال، ومن جانب آخر أوصى أصحاب الأموال كما جاء في بعض الروايات: (إنه قد يأتيكم من تكرهونهم) وهم العمال الذين يأخذون الأموال، فالناس لا يريدونهم أن يأتوا ولكن يأتونهم غصباً عنهم، إلا المؤمن فهو يدفع ذلك طواعية لوجه الله، فقال: (يأتيكم من تكرهونهم فأرضوهم) أي: لا يذهبون عنكم إلا وهم راضون، ومتى ترضونهم؟ إذا كنتم معهم أمناء في العدد، فلا تخفون شيئاً من الغنم وراء الحجر أو وراء الشجر، ولا تدعون الخلطة بغير الخلطة، ولا تدعون الفرقة بغير فرقة خشية الصدقة -كما تقدم- فأوصى أصحاب الأموال أن يحسنوا معاملة العمال وأن يكسبوا رضاهم.
جاء بعض الأشخاص إلى الرسول ﷺ وقالوا: (يا رسول الله! يأتينا عمال فيظلموننا، قال: أرضوهم، وما تحمل فإثمه عليه، لكم أجركم وعليهم وزرهم) وهنا يقال: إذا علمت أن العامل ظالم، فالأمر بين حالتين: إما أن يقع اجتهاد من العامل في أداء الأمانة، فهو مصدق ومقدم.
وإما أن يكون معتدياً اعتداء صريحاً، كأن جاء إلى كرائم الأموال وأخذها، أو جاء وعدها فوجدها خمساً وعشرين، فقال: هذه ثلاثون، هذه خمسة وثلاثون.
فزاد على صاحب المال فيما يتعلق بما يجب عليه، وهذا قل أن يكون.
وتقدمت لنا قصة الرجل الذي وجد العامل عنده خمساً وعشرين من الإبل، وقال له: زكاة مالك بنت مخاض.
فقال الرجل: بنت مخاض لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب، ولكن هذه ناقة كوماء فخذها.
فأراد صاحب المال أن يدفع أكثر مما عليه، فقال العامل: لا أستطيع أن آخذها؛ لأنها لم تجب، وأنا ممنوع من الظلم ومن التعدي، فإن كنت لا محالة فاعلاً فدونك رسول الله ﷺ بالمدينة، فخذ بها إليه.
فيأتي الرجل ويعرض على الرسول ﷺ فيسأله: (أتعطيها عن طيب نفس؟ قال: بلى يا رسول الله.
فقال للعامل: خذها، وقال له: بارك الله لك في إبلك) فعاش إلى زمن معاوية رضي الله تعالى عنه، وكان يخرج العشرات من الإبل في زكاة إبله.
فهنا: العامل يمتنع أن يأخذ أكثر مما وجب عليه، وهذا هو المظنون في الأمناء الذين يبعثهم رسول الله ﷺ ، وكما وقع أيضاً لـ ابن رواحة مع أهل خيبر لما ذهب ليخرص عليهم نخيلهم، فجمعوا له من حلي النساء رشوة، فسبهم وقال: إن هذا سحت، والله لقد جئت من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض الناس عندي، وما حب رسول الله ولا بغضكم بحاملي على أن أحيف عليكم، إني قاسم، فإن شئتم فخذوا، وإن شئتم فدعوا.
يعني: إن شئتم أخذتم النخيل وسلمتم ما وجب عليكم فيما أقسمه، وإن شئتم رفعتم أيديكم وأنا أعطيكم ما قسمت، قالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.
الذي يهمنا أن الصدقة في بهيمة الأنعام تؤخذ على مياهها، أي: موردها من الماء، وفي مواطنها، ولا يكلفون المجيء بها إلى المدينة أو إلى عاصمة الدولة التي تقوم بجمع الزكاة؛ لأن في هذا مشقة عليهم.
стр. 1312
زكاة الخيل والرد على من أوجبها
[وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) رواه البخاري، ولـ مسلم: (ليس للعبد صدقة إلا صدقة الفطر) ] .
انتقل المؤلف ﵀ إلى نوع وقع الخلاف فيه، وهو: العبد والفرس، وهنا الحديث يقول: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) .
فرس: نكرة أضيف إلى الضمير، وبعض العلماء يقول: إذا أضيفت النكرة إلى معرفة فهي عامة، وتدل على الجمع، كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٣٤] فـ (نعمة) نكرة أضيفت إلى المعرفة (الله) ، فلو كانت مفردة ما احتاجت إلى إحصاء، ولكن دلت على العموم والشمول لما أضيفت إلى المعرفة.
فقالوا: (فرسه) يعم جنس الفرس وليس رأساً واحداً، إذاً: ليس على المسلم في جنس الخيل صدقة، ولا في جنس العبيد صدقة.
وهنا موضع خلاف يورده العلماء، والحديث أورده البخاري، وفي بعض الروايات: (ولا في غلامه) ويجمعون على أن فرس الخدمة وعبد الخدمة لا زكاة فيهما، إلا زكاة الفطر في العبد؛ لأن زكاة الفطر على الكبير والصغير والحر والعبد، وكل من تلزمك نفقته، ونحن الآن في الكلام على زكاة المال.
فبعض العلماء يقول: لا زكاة في الخيل مطلقاً حتى لو كانت للتجارة كما يقوله ابن حزم، والجمهور يقولون: إذا كانت الخيل للنسل والنماء فلا زكاة فيها، وإن كانت لعروض التجارة كإنسان يتاجر في الخيل، فيبيع ويشتري فيها؛ فالزكاة في قيمتها مثل عروض التجارة، وكذلك الرقيق، لو كان يتاجر في الرقيق فعليه زكاة تجارتها، أي: تقدر فيمتها ويدفع زكاتها من قيمتها، أما أن تتخذ للقنية أو للتناسل فلا زكاة فيها.
والإمام أبو حنيفة ﵀ اعتبر الخيل من الدواب التي تزكى، وجاء في بعض الآثار -ويتفق العلماء على ضعفها- أن على الفرس ديناراً أو عشرة دراهم.
ويقول الجمهور: كتاب أبي بكر رضي الله تعالى عنه والكتب الأخرى التي جاءت في أنصباء الزكاة لا يوجد منها كتاب واحد ذكر الخيل.
ويذكرون أيضاً في هذا الباب أنه لما ذكر النبي ﷺ : (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها ... ) إلخ -كما تقدم- فلم يذكر الخيل، فسألوا النبي ﷺ : (والخيل يا رسول الله؟ فقال: الخيل ثلاث: خيل لصاحبها ستر، وخيل لصاحبها وزر، وخيل لصاحبها أجر ... ) فقالوا: هذا رد على من سأل عن سبب عدم ذكر الخيل مع الإبل والبقر والغنم.
وجاء في موضوعها في زمن عمر رضي الله تعالى عنه أن قوماً أصابوا خيلاً، فجاءوا إليه وقالوا: أصبنا خيلاً وعبيداً، نريد أن تأخذ زكاتها طهرةً.
فقال: (كيف آخذ منها زكاة وصاحباي قبل لم يأخذوها؟) يعني: رسول الله ﷺ وأبا بكر.
ثم شاور من عنده حتى سأل علياً فقال: (خذ منهم مادام أنهم أتوا بها طواعية) وقال: (لا مانع ما لم تصبح عليهم ضريبة أو جزية تكون لازمة عليهم من بعدك) أي: أن يأتي من بعده: عمر أخذ منهم، فيلزمهم بدفعها، والمبدأ كان اختياراً.
إذاً: عمر امتنع أولاً ولم يكن يمتنع إلا على ما هو ممنوع زكاته، ثم شاور أصحابه وشاور علياً، وأفاد علي بهذا الجواب، إذاً: فلا زكاة في الخيل، اللهم إلا إذا أصبحت عروض تجارة للبيع والربح والنماء فلا مانع.
وعند الإمام أبي حنيفة ﵀: أنه لا زكاة في الخيل إلا إذا كانت للتناسل والتكاثر، أما إذا امتلك مجموعة من الخيل كلها ذكور، أو مجموعة من الخيل كلها إناث؛ فلا زكاة فيها عنده؛ لأن الذكور وحدها لا تنمو ولا تزيد، والإناث وحدها لا تنمو ولا تزيد، أما إذا كانت ذكوراً وإناثاً وتنتج وتنمو وتزيد، فقال: الزكاة تبع للنماء، فتزكي.
والله أعلم.
стр. 1313
كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [٥]
تجب الزكاة في النقدين الذهب والفضة إذا بلغا النصاب وحال عليهما الحول، ومن منع الزكاة فقد سمح الشارع لولي أمر المسلمين أن يأخذها منه قهراً وزيادة تأديباً على الامتناع، وإن كانوا كثيرين وذوو منعة قاتلهم الإمام.
стр. 1314
شرح حديث بهز بن حكيم في عقوبة مانع الزكاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : (في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون، لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء) رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الحاكم، وعلق الشافعي القول به على ثبوته] .
стр. 1315
اشتراط السوم لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام
جاء المصنف ﵀ بحديث بهز بن حكيم بن حزام، بأن النبي ﷺ قال: (في كل سائمة الإبل في كل أربعين بنت لبون) ، وقد تقدم لنا أن بنت اللبون تكون من ست وثلاثين إلى خمس وأربعين، أي: أن الأربعين المذكورة هنا داخلة في نصاب بنت اللبون، وعلى هذا يكون الحديث فيه فائدة جديدة، وهي: اشتراط وصف السوم في الإبل.
وهذا الشرط عام في جميع بهيمة الأنعام، فإذا كان يمتلك أربعين من الغنم وهو نصاب، ولكنه يتكلف العلف إليها بأن يزرع لها البرسيم، أو يشتري لها الشعير أو يزرعه، فهذه تسمى معلوفة، والسائمة هي التي يسرح بها الراعي تسوم في أرض الله، تأكل من النباتات والعشب الذي ينبته الله في الأرض عن طريق الأمطار، ولا يتكلف لها علفاً.
وهنا يبحث الفقهاء فيما لو كانت بهيمة الأنعام سائمة نصف الحول؛ بأن جاءت الأمطار ونبت العشب، ورعت بهيمة الأنعام من هذا العشب ستة أشهر، ثم انقضى العشب في الخلاء، واضطر إلى أن يشتري لها العلف، فعلفها ستة أشهر، فيقول بعض الفقهاء: عليه نصف الزكاة؛ لأنها استوفت شرط الزكاة وهو حولان الحول، ونصف الشرط الآخر وهو السوم، فإذا كانت أربعين شاة فعليه نصف شاة، وإذا كانت مائة وواحدة وعشرين شاة فيها شاتان فعليه شاة واحدة.
وهكذا يجزأ الواجب على بهيمة الأنعام بالنسبة إلى السوم والعلف، فإن كانت سائمة طيلة العام فعليه الزكاة كاملة، وإن كانت معلوفة طيلة العام فلا زكاة عليه، وإن كانت سائمة تارة ومعلوفة تارة فبحسب ذلك يؤخذ منه الزكاة.
стр. 1316
عقوبة مانعي الزكاة والفرق بين الجحد والمنع
ثم في الحديث بيان عقوبة من منع الزكاة، فذكر في هذا الحديث: (من أعطاها مؤتجراً) أي: طائعاً مختاراً، طالباً الأجر من الله لأداء فريضة الزكاة عليه؛ لأن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي حق المال؛ فإذا أدى ذلك ممتثلاً أمر الله، وطالباً الأجر من الله فبها ونعمت.
قوله: (ومن منعها) : هناك فرق بين (من منعها) و (من جحدها) فالجحود لما ثبت أنه من الدين بالضرورة كفر عياذاً بالله! الامتناع من العطاء أو الامتثال معصية.
ونذكر ما فعله الصديق رضي الله تعالى عنه مع مانعي الزكاة، فبعد انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى كان موقف الناس من الزكاة على عدة أقسام: منهم من كان من قال: انتهى أمر الزكاة فلا زكاة، وجحد استمرار وجوبها، ومنهم لا زال مقراً بالزكاة ولكن قال: أنا أخرجها بنفسي، ولا أدفعها لـ أبي بكر، هذه أموالنا ونحن مسئولون عنها، فنحن نقسم زكاتها.
وكان الأكثر قد جحدوا الزكاة، وصاحب ذلك ردة بعض القبائل.
فقام الصديق رضي الله تعالى عنه وأعلنها قائلاً: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) .
وهذا في حق (من جحدها) ، وقال: (والله لو منعوني عَقالاً -أو عِقالاً أو عَناقاً- كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه) .
إذاً: قام بالأمر، وعمر رضي الله تعالى عنه استوضح في الأمر، وقال: (أتقاتل قوماً يشهدون أن لا إله إلا الله! -هذا في غير المرتدين- فقال: يا عمر! أجبار في الجاهلية وخوّار في الإسلام؟! ألم يقل: (إلا بحقها) أي: من قال لا إله إلا الله بحقها، ومن حق لا إله إلا الله إيتاء الزكاة، فيقول عمر: (فرأيت أن الحق مع أبي بكر، فشرح الله صدري لما قال أبو بكر) .
فسموا قتال أبي بكر لمانعي الزكاة مع غيرهم: قتال الردة أو حرب أهل الردة، وليس من منع الزكاة مرتداً كمن قالوا: نحن نخرجها بأنفسنا، ولكنه افتيات على ولي الأمر؛ لأن الله سبحانه أوجب على ولي الأمر أن يقوم فيها؛ لقوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] وهذا فعل أمر موجه للنبي ﷺ ، والخليفة من بعده يقوم مقامه، وهكذا كل من ولي أمر المسلمين فإنه يقوم مقامه ﷺ فيما يجب على الإمام: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٤١] ، فالزكاة قرينة الصلاة في وجوبها، ومهمة أخذها وتوزيعها على من يتولى أمر المسلمين.
وتقدم لنا بأن صدقات المسلمين تؤخذ على مياههم، يأخذها نواب ولي الأمر، فيذهبون إليهم ويحصون ما عندهم، ويأخذون ما وجب عليهم.
ومعنى (عناقاً) : هو ولد الشاة الصغير، ومعنى (عَقالاً) بالفتح: نصيب الزكاة في السنة، ومعنى (عِقالاً) بالكسر: الحبل الذي يكون في عنق البعير يعقل به حتى لا ينهض قائماً، فلكأنه يقول: لو أعطوني الإبل التي كانوا يعطونها لرسول الله ﷺ ونقصوا عقال واحدة منها لقاتلتهم عليه، فإذا كان سيقاتلهم على الحبل الذي يعقل به البعير هل يتركهم فيما وجب من بنت مخاض ولبون وحقة وجذعة ومسنة؟ ثم يقول ﷺ : (من أعطاها مؤتجراً) طالباً الأجر (فبها ونعمت، ومن منعها) -أي: غير جاحد (فإنا) بالتأكيد (آخذوها) أي: بالقوة (وشطر ماله) والشطر: النصف، فلماذا يأخذ شطر ماله؟ قالوا: هذا من باب العقوبة بالمال، والحديث فيه تتمة: (وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) .
هذا التدليل مهم جداً؛ لأنه ﷺ يقول: من منعها أخذناها بالقوة، والقوة تحتاج إلى قتال، والقتال يحتاج إلى رجال، والمقاتلة لابد فيها من ضحايا، فنضحي ببعض المسلمين من أجل دفع الزكاة! فما حظه ﷺ منها حتى يقاتل عليها؟ يقول: أنا كلفت بأخذها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] ، ووجب علي القيام بهذا الواجب، مع أني لا حظ لي فيها، أي: فيقوم فيها لمصلحتكم أنتم، فقيامه ﷺ في الزكاة فمصلحة لمصلحة الأغنياء والفقراء، فمصلحة الأغنياء: إبراء ذمتهم، ومصلحة الفقراء: إيصال حقهم إليهم.
стр. 1317
فرض الزكاة حفظ لكرامة المساكين
ومن هنا -أيها الإخوة- نعلم أن فرض الزكاة للفقراء ليس معناه إذلالهم ولا إراقة مياه وجوههم، بل يأخذونها مع حفظ كرامتهم، وقد قال سبحانه: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] ، ثم بين أيضاً فقال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، وكل ذلك حفاظاً على كرامة الإنسان؛ لأن الفقر والغناء ابتلاء من الله، لو شاء لحوَّل المال من الغني إلى الفقير: وما يدري الفقير متى غناه ما يدري الغني متى يعيل وما تدري وإن ضمرت صقباً لمن يكون ذاك الفصيل فلو ولدت الناقة وأنت قمت على الفصيل الصغير ونظفته وهذبته وفعلت كل شيء، فإنك لا تدري هو لك أو تذهب وتدعه لغيرك.
إذاً: الابتلاء بالمال في الغنى وفي الفقر امتحان من الله للعبد؛ أيشكر الغني على غناه؟! ويصبر الفقير على فقره؟! فمن هنا كان هذا الحق مع كرامة المسكين، فإنه لم يقل له: اذهب وخذ حقك من الأغنياء؛ لأنهما ربما يعطونه وربما يماطلونه أو يعقدون الوجه في وجهه، ولذا كلف الرسول الكريم -وهي لا تحل له- بأن يقوم عليها ويأخذها، ومن امتنع قاتله وأخذها عنوة، وأخذ شطر ماله.
стр. 1318
العقوبة المالية
وهنا يبحث العلماء في هذا الحديث: فهو من حيث السند متكلم فيه، ومن حيث المعنى هل في الإسلام عقوبات مالية؟ قالوا: نعم، وهذا دليلها.
ثم قالوا: في الغاصب أيضاً إذا كان قد أنشأ فيما غصب زرعاً أو بناءً هدم عليه؛ عقوبة له على غصبه.
إذاً: العقوبة المالية موجودة، ولكن بعض المتأخرين -وخاصة شارح هذا الكتاب- يقول: إننا إذا وسعنا الأمر لولاة الأمر في العقوبات المالية فلربما تطلعت نفوس الضعفاء منهم إلى أموال الرعية، فتذرعوا بأوهى الأسباب ليأخذوا الأموال قهراً، وليأخذوها بغير حق، وبادعاء أنها عقوبة مالية، ولذا نقول: لا ينبغي أن يتعدى ولي أمر في عقوبة مالية إلا ما ورد به الشرع.
وهنا قال: (أخذناها وشطر ماله) ، الشطر: النصف (عزمة من عزمات ربنا) أي: ليس فيها هوادة ولا تساهل.
стр. 1319
تعطل حق آل البيت من الخمس هل يبيح لهم الصدقة
وليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء) أي: حتى آل البيت ليس لهم من هذه الصدقات شيء.
ولكن في الوقت الحاضر يوجد أناس من آل البيت، وكان لهم في السابق سهم في الخمس، وكانوا يأخذون ما يكفيهم من خمس الغنائم من سهم الله ورسوله وذوي القربى، وكانوا يستغنون بذلك، فالآن لا خمس ولا سدس، فقد تعطل حقهم في المال.
فإذا وجد من آل البيت من يستحق الصدقة لو لم يكن من آل البيت؛ أنتركه يجوع لأنه من آل البيت، أم أننا نعطيه بصفة الفاقة والحاجة ويكون قد أخذ لا لأنه من آل البيت، بل لأنه فرد مسلم مستحق محتاج؟ والذي حرمها على آل البيت ما قاله ﷺ : (إن هذه الصدقة أوساخ الناس) ولا يليق بآل بيت رسول الله الذين يريد الله أن يطهرهم تطهيراً أن يتناولوا أوساخ الناس، ولكن ما دام الحق الأساسي قد تعطل عليهم، وأصبحوا بصفة الفقر أو الحاجة كغيرهم، فإذاً يعطون من الزكاة.
وقد وقع الخلاف في عامل الزكاة إذا كان من آل البيت: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠] ؛ أيأخذ أجره من الزكاة؟ فبعض العلماء يقول: لا يكون العامل من آل البيت حتى لا يأخذ أجره من الزكاة التي هي أوساخ الناس.
وبعضهم يقول: هو يأخذ بعمله لا بكونه من آل البيت.
والآخرون قالوا: إذا احتيج إليه فإنه يعمل ويأخذ أجره من بيت مال المسلمين الذي يمون بالفيء والغنائم.
والذي يهمنا هنا قوله ﷺ : (لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) ، وهذا كان معمولاً به في السابق كما في قصة بريرة مولاة عائشة رضي الله تعالى عنهما، حيث اشترتها وأعتقتها، فتصدق بلحم على بريرة؛ لأنها ليست من آل البيت، بل هي مولاة لهم، (مولى القوم من أنفسهم) .
فجاء ﷺ وطلب الغداء، فقدم إليه الخبز والملح والخل، فتساءل عن سبب تقديم (الخبز والملح والخل وهو يرى البرمة تغط على النار؟ قالوا: إن ما فيها لا يصلح لك؛ لأنه لحم تصدق به على بريرة، فقال ﷺ : (هو عليها صدقة، ولنا منها هدية.
وأكل منه) .
وجاء عنه ﷺ (أنه كان يمشي ومعه الحسن فوجد تمرة في الأرض فالتقطها إلى فيه، فحالاً أدخل ﷺ إصبعه في فيِّ الصبي وأخرجها وقال: كخ! كخ! ثم قال: لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لتركته يأكلها) ، فإلى هذا الحد كان يتحرز ﷺ من أكل الصدقة؛ لأنها من أوساخ الناس، فهي لا تحل لمحمد ولا لآله، وأبناء فاطمة من آل محمد ﷺ .
وهناك من يتكلم على هذه اللفظة (وشطر) فيقول: إن العقوبة بالمال لا تأتي، وإن الرواية (وشُطِرَ ماله) ، بمعنى: قسم ماله قسمين: قسم خيار المال، وقسم رديء المال، ويأتي المصدق ويتخير من خيار المال، يعني: هو كان يمتنع من تقديم الزكاة من وسط المال، فجاء عقوبة له أن تؤخذ من خيار ماله رغماً عنه، ولكن الجمهور على اللفظ الأول: (آخذوها وشطْر ماله) أي: ونصف ماله معها عقوبة له على منعه للزكاة.
стр. 1320
زكاة الذهب والفضة
قال المؤلف ﵀: [وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) رواه أبو داود، وهو حسن، وقد اختلف في رفعه] .
انتهى المؤلف ﵀ من جميع ما يتعلق ببهيمة الأنعام، وجاء إلى النقدين: الذهب والفضة، فذكر هذا الأثر عن علي رضي الله تعالى عنه.
ثم النقاش في هذا الأثر برمته أهو موقوف على علي من كلامه، أم هو مرفوع إلى النبي ﷺ وعلي ينقله عن رسول الله؟ على كلا الحالتين علماء الحديث يقولون: سواء كان موقوفاً على علي أو كان مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، فإن فله حكم الرفع، فهو مرفوع بالفعل أو له حكم الرفع.
قالوا: لأن فيه الكلام على تشريع في ركن أساسي، وبيان أنصباء الأموال وما يجب فيها، وليس هذا محل اجتهاد، فلا يتأتى لـ علي ولا لغيره أن يتكلم في هذا المجال من عنده، والحق في ذلك أنه بيان لمجمل في كتاب الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] ، فمن الذي يبين لهم الزكاة حتى لا تكون كنزاً، ويسلمون من أن تكوى بها جباههم وظهورهم؟ لا يكون ذلك إلا لرسول الله ﷺ .
إذاً: لا حاجة إلى البحث في سند الحديث مادام أنه صح عن علي رضي الله تعالى عنه، فهو إن كان موقوفاً عليه فله حكم الرفع، وإن كان قد رفعه إلى الرسول ﷺ فهو المطلوب.
стр. 1321
اشتراط النصاب في زكاة النقدين
قوله: (إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول) أي: مضى عليها حول كامل، والحول: هو السنة؛ لأنه يحول ويعود.
قوله: (ففيها خمسة دراهم) فخمسة دراهم تخرج من (٢٠٠درهم) ، (٢٠٠÷٥=٤٠) ، أي ففي كل (٤٠ درهم) درهم درهماً واحداً، فيكون المخرج (١.
٤) فننسبه مئوياً وعشر الأربعين هو (١.
١٠×٤٠=٤) ، وربع الأربعة هو (١.
٤×٤=١) ، فهو ربع العشر وهو (٢.
٥%) ، فهذه النسبة ثابتة في الذهب والفضة.
والذي يهمنا هنا: اشتراط بلوغ النصاب في الفضة مائتي درهم، واشتراط حولان الحول، وعليه فلا زكاة في الفضة إلا بامتلاك نصاب كامل، ويبقى هذا النصاب مخزوناً بلا حاجة تدعو إليه سنة كاملة.
إذاً: ما دام أن لديه مائتي درهم، ومرت عليه سنة وما احتاج منها إلى شيء، فهو غني، ولو كان فقيراً لأخذ منها، لكن هذه الدراهم نائمة مستريحة ما حرك فيها ساكناً، فهو في غنى عنها، سواء كانت من صناعة أو تجارة أو زراعة، فمن كان عنده رأس مال نائم لم يحركه لحاجة ولا ضرورة، فهذا غني، وهذا من الإرفاق بالغني فلا تؤخذ زكاة ماله إلا إذا ثبت غناه، وما الذي يثبت غناه؟ وجود النصاب سنة كاملة ما امتدت يده إليه.
ومن ناحية أخرى: عنده مائتان، أخذنا منه خمسة وهي: (٢.
٥%) ، فهي نسبة ضئيلة جداً لا تؤثر عليه؛ فهذا إرفاق به مرة أخرى.
ومن هنا نجد الزكاة مبنية على الإرفاق بالغني، كما هي مشروعة للإرفاق بالفقير، ومن الإرفاق بالغني اشتراط حولان الحول؛ لأنها علامة على غناه، ومن الإرفاق به أن يكون الجزء المأخوذ ضئيلاً جداً لا يؤثر عليه، وما يؤخذ من الغني كثير أو قليل فهو إرفاق بالفقير كما قيل: بث الجميل ولا تمنعك خلته فكل ما سد فقراً فهو محمود وكما قال ﷺ : (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) أي: رجل شاة محرقة لا تحتقره المرأة في أن تهديه لجارتها، لتذهب فتشويه أو تسلقه حتى تحصل منه شيئاً، وقد سمعنا في بعض القصص أنه مر على المدينة سنين جوع، كانوا يتبعون جلود الحيوانات فينفضونها ويدقونها، ويصنعون منها طعاماً.
فإذاً: لا تحتقر شيئاً، وفي الحديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) .
امرأة مسكينة تأتي إلى بيت رسول الله فتجد أم المؤمنين عائشة وبيدها قطف عنب فتسألها، فتعطيها حبة مما في يدها، فتأخذها المرأة وتنظر فيها تستقلها، فقالت لها عائشة: يا أمة الله! انظري كم فيها من ذرة، والله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] تستكثرها.
والمرأة التي شقت التمرة شقين، وأعطت كل شق لطفلة من بناتها، ثم أخذت النواة تمصها، اجتزأت بهذا.
إذاً: كل ما يؤخذ من الغني للفقير قليلاً كان أو كثيراً فهو كل ما سد فقراً، فهو محمود.
إذاً: يبين لنا علي رضي الله تعالى عنه بأنه لا تجب على الإنسان في الفضة زكاة حتى يمتلك مائتي درهم، ولا زكاة عليه في المائتي درهم حتى يحول عليها الحول.
قوله: (وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك) .
جاء علي رضي الله تعالى عنه هنا ببيان نصاب الذهب فقال: (لا شيء عليك في الذهب حتى تمتلك عشرين مثقالاً) ومسمى المثقال والدينار واحد، فالدينار: اسم للوحدة النقدية، والمثقال: اسم للوحدة الوزنية، وكما تقدم بأن نسبة الدرهم إلى الدينار هي: كل عشرة دراهم تزن سبعة مثاقيل، أي: أن المثقال درهم وثلاثة أسباع.
قوله: (ولا زكاة عليك حتى يحول عليها الحول) أي: كشأن الفضة، فإذا امتلكت عشرين مثقالاً وحال عليها الحول فعليك فيها نصف مثقال، النصف في العشرين كم يعادل في المائة؟ واحد في الأربعين، والمائة فيها أربعون وأربعون أخرى، ونصف الأربعين، فتكون هي ٢.
٥%.
стр. 1322
اشتراط الحول في زكاة النقدين
قوله: (وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) .
هذه قضية عامة يذكرها علي رضي الله تعالى عنه، وهذا بالإجماع في بهيمة الأنعام، وفي النقدين (الذهب والفضة) ، وفي عروض التجارة.
أما المال الذي يأتي عن طريق إنبات الأرض فليس فيه حول، قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] فيزكى عنه عند حصوله، فإذا استوى التمر وجذ وجفف وكان قد خرص قبل أن يجذ، فيؤدي الزكاة يوم أن جف التمر، وكذلك الحبوب نصابها -على ما سيأتي- خمسة أوسق، عندما يصفي الحب، تخرج زكاته.
إذاً: (ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) هذا عام، ولكن يراد به مخصوص، وهو بهيمة الأنعام، والذهب والفضة وعروض التجارة، وما عداها ففيه التفصيل، أما الزروع والحبوب فيوم حصاده، وأما اللقطة أو الكنز أو ما وجد دفيناً -الركاز أو المعدن- أو غير ذلك فله تفصيل آخر يأتي في محله إن شاء الله.
стр. 1323
زكاة المال المستفاد أثناء الحول
قال المؤلف: [وللترمذي عن ابن عمر ﵄: (من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول) والراجح وقفه] .
هذا الأثر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: (من استفاد مالاً) هذه المسألة يبحث فيها الفقهاء المال المتجدد أثناء الحول، فمثلاً: عندك مال قدره مائتا درهم، وليكن هذا المال من التجارة، فيزيد ويزيد إلى أن يأتي نهاية الحول وقد صارت المائتان ألفاً، فعند تقدير العروض في نهاية الحول تزكي ما وجد عندك، ولا تقتصر على زكاة أول ما ابتدأت به.
فإذا كنت بدأت الكسب بالتجارة أو الموظف يوفر من راتبه كل شهر شيئاً، إلى أن بلغ التوفير نصاباً، فيبدأ حساب الحول، فإذا وصل إلى نهاية الحول من يوم ما تم عنده النصاب، وفي أثناء ذلك كان يضم توفيراً مع توفير لشهر مع شهر، إلى النصاب، فكل ذلك يتبع الأصل الأول، وفي نهاية الحول ينظر ماذا اجتمع عنده حتى الراتب الأخير الذي هو قبل الحول مباشرة، ويزكي الجميع.
فكذلك التاجر: ينظر ماذا ربح، وماذا وجد عنده من أول ما بلغت تجارته النصاب إلى أن يحول الحول، وفي نهاية الحول ينظر كم وجد عنده؟ خمسة أنصبة أو ستة أو أكثر أو أقل، فيزكي تجارته بما فيها ما دخل عليه قبل الحول بيوم واحد، ولا نقول: له حول جديد؛ لأن أصله واحد وهو التجارة، وكذلك الموظف أصل ماله وهو الوظيفة.
لكن هذا التاجر وذاك الموظف إذا استفاد مالاً آخر أثناء الحول، سوء في منتصف الحول أو قبل تمام الحول بشهرين أو ثلاثة بأن جاءه ميراث مثلاً، فهل المال الذي جاءه من الميراث تابع للتجارة أم مستقل؟ مستقل.
فعلى هذا يقول ابن عمر: يجعل له حولاً جديداً، فحول التجارة وحده ويزكيها في نهاية الحول، وحول الميراث يمضي في طريقه حتى إذا حال عليه الحول عنده زكاه، وبهذا القول يقول الشافعي ﵀: أعني أن من استفاد مالاً أثناء الحول اعتبر له حولاً جديداً.
أما الجمهور فيقولون: المال واحد، سواء جاء بالتجارة، أو جاء بالميراث، أو جاء بالهبة، أو جاء بغيره فكله دخل في ملكه وصندوقه، ينظر في نهاية الحول ويزكي الجميع.
стр. 1324
البقر العوامل لا زكاة فيها
قال المؤلف: [وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: (ليس في البقر العوامل صدقة) رواه أبو داود والدارقطني، والراجح وقفه أيضاً] .
تقدم الكلام على أنصباء البقر وأنه في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وهذا مطلق في عموم البقر، فجاء المؤلف بأثر علي رضي الله تعالى عنه ليقيد ذاك العموم وهو قوله: (ليس في البقر العوامل صدقة) ، أي: في كل أربعين تبيع إذا لم تكن عوامل.
والبقر العوامل جاء الأثر أنها التي تثير الأرض، أي: تستخدم في الحرث للزراعة، وقد تستخدم في جر العربات أو في السواني -أي: في نضح الماء- إلى غير ذلك، وذلك أن عمل البقر فيما يتعلق بالزراعة سيترتب عليه ثمرة، وهي إما ثمرة الشجر كنخل وعنب وزيتون، وإما حب ذرة وشعير وغيره على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
وإذا كان ما تعمله البقر ستؤخذ زكاته يوم حصاده فلا يتأتى أن تؤخذ زكاة الحبوب أو الثمار الناشئ عن عمل البقر، ثم تؤخذ الزكاة من البقر الذي نشأ عن عمله تلك الثمار أو الزروع، وهو ما يسمى يعبر عنه بعض المعاصرين بقولهم: (لا ثنية في الزكاة) يعني: لا تؤخذ الزكاة من مال مرتين.
وكونه يقول: (موقوف على علي) .
تقدم التنبيه على مثل ذلك الموقوف أنه تشريع، والتشريع لا يكون بالاجتهاد ولا بالرأي، فله حكم الرفع، وعليه يكون علياً رضي الله تعالى عنه قد سمع ذلك من الرسول ﷺ ، وذكر ما سمعه دون أن يسند إلى النبي ﷺ ، وتقدم هذا في عدة أحاديث في باب الزكاة.
ونذكر الإخوة بأن علياً رضي الله تعالى عنه كانت عنده صحيفة، فلما سئل: (هل خصكم رسول الله ﷺ آل البيت بشيء من العلم دون الناس؟ -هل أعطاكم علماً لم يعطه لأحد غيركم؟ قال: لا؛ إلا فهم أوتيه رجل في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة.
قالوا: وما فيها؟ قال: أنصباء الزكاة، والعقل، وفكاك الأسير) .
إذاً: علي رضي الله تعالى عنه كانت عنده صحيفة كما كتب أبو بكر رضي الله تعالى عنه لـ أنس الكتاب الذي بيَّن فيه أنصباء الزكاة، وما كانت كتابة أبي بكر عن رأيه هو، ولكنه عن سماع سمعه من رسول الله ﷺ ؛ لأن إيجاب الزكاة فريضة، وإسقاطها يكون إسقاطاً للحق.
فكون علي رضي الله تعالى عنه يقول: (ليس في البقر العوامل زكاة) فيه إسقاط حق الفقراء في هذه الأبقار، وعلي لا يملك أن يسقط حقاً أوجبه الله في قوله سبحانه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩] إذاً: علي لن يقول مثل ذلك إلا إذا كان عن سماع من رسول الله ﷺ .
وهذا الحديث وإن كان في البقر فإنه يرد قول المالكية بأن في الإبل العوامل زكاة، ووجهة نظر مالك ﵀ أن الإبل من حيث هي مال ينمو بالتناسل، فإذا ملك منه النصاب فعليه الزكاة، وما كان منها من العمل فـ مالك يقول: هذا العمل من هذه الإبل زيادة منفعة لصاحبها، فالتي لا تعمل ولا يستفيد منها إلا زيادة النماء والنسل فيها زكاة، فمن باب أولى إذا كان فيها النماء والنسل ومع ذلك تعمل، فعملها زيادة فائدة، ففيها الزكاة.
ولكن الجمهور -كما أشرنا- لم يأخذوا من الإبل ولا من البقر العوامل زكاة؛ لأن عملها سيترتب عليه فائدة فتؤخذ الزكاة من تلك الفائدة، فلا نعود عليها بأن نأخذ زكاتها مرة أخرى، اللهم إلا أن تكون عروض تجارة، كأن يتاجر في الإبل ويشغلها، ويتاجر في البقر ويُعملها، فخرجت عن زكاة بهيمة الأنعام بأنصبائها: ثلاثين وأربعين وغيرها، وخرجت عما يخرج فيها من تبيع ومسنة، وعن بنت مخاض وبنت لبون، ودخلت في عروض التجارة، فتقدر قيمتها، ويخرج من مجموع القيمة قدر (٢.
٥%) ، وليس فيها وقص كما في أصل بهيمة الأنعام، بل تعامل معاملة عروض التجارة.
стр. 1325
كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [٦]
لقد أرشد النبي ﷺ إلى الرفق باليتيم والإحسان إليه حتى في ماله، بأن يتاجر له فيه حتى لا تأكل ماله الزكاة، وللعلماء خلاف في مسألة إخراج الزكاة من ماله قبل البلوغ.
كما جاء الخلاف في صحة إخراج الزكاة قبل حلول الحول فيها، وهو ما فعله النبي ﷺ مع عمه العباس.
стр. 1326
وجوب الزكاة في مال اليتيم وما يتعلق بذلك
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (من ولي يتيماً له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) ] .
هذه القضية وقع الخلاف فيها بين الإمام أبي حنيفة ﵀ وبين الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.
فإذا كان المال لإنسان كبير بالغ رشيد مكلف فإن من أركان الإسلام أن يؤدي زكاة ماله، أما إذا كان المال ليتيم، أي: لصبي قاصر عن سن الحُلُم، واليتيم: هو من توفي أبوه قبل بلوغه، واليتيم في الحيوانات: من توفيت أمه، واليتيم في الطيور: من توفي أبوه وأمه.
وإذا كان الطفل يتيماً فلا بد أن يقام عليه ولي يرعى شئونه، ويدبر حاله من تعليمه، والحرص على ماله إن كان له مال، وتنميته ومراعاته حتى لا يضيع.
فيتيم ورث عن أبيه مالاً، هذا المال فيه زكاة، والمال الزكوي على قسمين: مال خفي: وهو ما يتعلق بالنقد من الذهب والفضة، والأوراق النقدية في الوقت الحاضر.
ومال ظاهر: وهو بهيمة الأنعام والزروع.
فالمال الخفي يقول الجمهور: فيه زكاة.
والإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: لا زكاة عليه حال يتمه، ولكنه إذا بلغ ورشد واستلم ماله من الوصي زكاه.
стр. 1327
استحباب الاتجار بمال اليتيم
وقوله في الحديث: (من ولي يتيماً) أي: صار ولياً عليه، سواء كان أمه أو عمه أو أخاه الأكبر أو شخصاً أجنبياً يقيمه الحاكم؛ فالذي يلي مال اليتيم، وكان لهذا اليتيم مال فلا يجعله في الصندوق، بل يتجر فيه؛ لينمو ويربح، حتى إذا حال عليه الحول وأخرج الزكاة لم ينقص رأس المال الأساسي، وهكذا يحول الحول الثاني ويخرج الزكاة، فيكون نماء المال وربحه ضماناً لرأس المال.
ويقول ﷺ : (فليتجر به) أي: برأس مال اليتيم؛ لأنه باتجاره فيه ينمو، فإذا ما أخرجنا الزكاة منه حافظ على مستواه، فلا ينقص، بل يزيد، أما إذا لم نتجر فيه وتركناه في الصندوق، وحال عليه الحول، وأخذنا منه (٢.
٥%) ، والسنة الثانية أخذنا منه (٢.
٥%) وهكذا إلى السنة العاشرة؛ فعشر سنوات في اثنين ونصف في المائة ماذا يبقى؟ كأنا تركنا مال اليتيم للزكاة تأكله.
إذاً: قوله ﷺ : (فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) دليل للجمهور على أن مال اليتيم يزكى، لأنه لو لم يزك لم تأكله الصدقة.
стр. 1328
الدليل على عدم وجوب الاتجار بمال اليتيم
جاء عن علي رضي الله تعالى عنه أن آل أبي أوفى كانوا أيتاماً، ولهم عنده مال وديعة، وبعد أن بلغوا سن الرشد دفع إليهم مالهم، فحسبوه فوجدوه ناقصاً، قالوا: المال ناقص يا علي.
قال: هل حسبتم زكاته؟ قالوا: لا.
قال: احسبوها.
فحسبوا زكاة تلك السنوات فوجدوه تاماً بزكاته، فقال: أترون أن يكون عندي مال ولا أخرج زكاته؟ وهنا أصبحنا في إشكال، فهذا علي لم يتجر بالمال، وتركه حتى أكلت الزكاة منه واستنقصه أصحابه؟ وهنا قال: (فليتجر له) فهل يجب على الولي أن يتجر في مال اليتيم أم أن هذا من باب النصح والرشد؟ نقول: الولي ما تولى لليتيم إلا للعمل على صلاحية حاله، واتفق الأصوليون على معنى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] فقالوا: كل من أتلف على يتيم مالاً، سواء أكله بفيه أو أحرقه بنار أو أغرقه في ماء، أو سلط عليه بهيمة، فهو داخل في عموم الوعيد: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] .
بقي لنا هذا: هو لم يأكله، ولكن ترك تنميته، فالأصوليون أيضاً يقولون: الترك فعل، كما يذكر والدنا الشيخ الأمين في مراقي السعود: (والترك فعل في صحيح المذهب) ، وكما قال الصحابة: (لئن قعدنا والنبي يعمل -أي: في بناء هذا المسجد النبوي الشريف- لذاك منا العمل المضلل) ، فهم بالقعود ما عملوا شيئاً لكن قعدوا عن العمل، فترك العمل والقعود بدون عمل فعل، كما قال صاحب مراقي السعود: فالترك فعل، بمعنى: لو أن إنساناً على شاطئ نهر، وجاء كفيف ولا يعلم بحافة النهر، وهو يراه متجهاً إلى الماء، فإنه سيغرق، فلو تركه فلم ينبهه حتى سقط في الماء فغرق، هل هو عمل شيئاً في غرقه؟ ما عمل، ولكنه مسئول؛ لأنه ترك إرشاده، وهكذا من ترك شيئاً قادراً على أن يفعله وترتب على تركه مفسدة، فهو مسئول عنها.
وهنا علي رضي الله تعالى عنه ترك العمل في مال الأيتام عنده، فيقال في العمل في مال اليتيم: إن كان العامل من أرباب الخبرة، ولديه المتسع، ويمكن أن يعمل في مال اليتيم وينميه، فعليه أن يعمل، أو يضعه في يد أمين يعمل، أما إذا كان لا يضمن الربح، أو يخشى إن وضعه في يد آخر أن ينكره أو يهمله، فبقاؤه في محله أولى.
стр. 1329
دليل أبي حنيفة على عدم وجوب الزكاة في مال اليتيم والجواب عليه
والإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: الزكاة عبادة وتحتاج إلى النية، والصغير غير المكلف لا نية له، فكيف يؤدي عبادة بدون نية.
قال: فالزكاة كالصلاة، ولا تجب عليه الصلاة إلا إذا عقل وأدرك وصحت منه النية، وكذلك الصوم.
قال الجمهور: إنما ذلك في العبادة البدنية، أما العبادة المالية فلا تتوقف على النية، ووليه هو المكلف، فهو يقوم بذلك نيابة عنه، أرأيت لو أن هذا اليتيم لحقه دين، وجاء الولي واستولى على هذا المال بولايته ووصايته على هذا الصغير، أترونه يسد الدين عنه أم لا؟ وعلى هذا لو أن اليتيم لحقه حق في المال، وطولب به الولي، فإن الولي يدفع هذا الحق من مال الصبي وفاءً بدينه، ولا يتوقف على كونه صغيراً لا نية له، فقالوا: الزكاة حق في المال، وله تعلق بالذمة -أي: بذمة المالك- ليبرئ ذمته بقصد إخراجه طاعة لله.
وكذلك الحديث الماضي: (أخذناها وشطر ماله) هل كان له نية في هذه أم أخذت بالقوة؟ أخذت بالقوة، قالوا: فتجزئ عنه ولو لم ينو إخراجها، لكن ثوابها على أنها أداء ركن في الإسلام ليس له؛ لأنه لم يدفعها طواعية.
стр. 1330
تفصيل مذهب أبي حنيفة في زكاة مال اليتيم
إلى هنا الأئمة الثلاثة يقولون: في مال اليتيم زكاة أياً كان نوعها، والولي يقوم مقامه في إخراجها والنية عنه، والإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: الزكاة عبادة، والعبادة لا تتأتى إلا من البالغ المكلف، فيترك المال بزكاته حتى يبلغ ويرشد الصبي، فيدفع إليه ماله ويقال له: الزكاة في مالك من سنة كذا، ويتولى هو إخراج زكاة ماله بنفسه.
هذا عند الإمام أبي حنيفة، وخالفه بعض أصحابه في ذلك.
إلا أن الإمام أبا حنيفة ﵀ يستثني من عموم المال ما تخرجه الأرض، فيقول: إذا كان الصبي يمتلك مزرعة، والمزرعة جاءت بما تجب فيه الزكاة، فإن على الولي أن يخرج زكاة ما تخرجه الأرض من ملك اليتيم، ولا ينتظر به إلى أن يبلغ قال: لأن الله علق زكاة ما تخرجه الأرض بعينه، قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] فأمر المولى بإخراج زكاة ما تخرج الأرض يوم الحصاد، واليتيم لا دخل له في ذلك.
وسيأتي ما هي الأنواع التي تزكى مما تخرجه الأرض أو لا يزكى.
ومال اليتيم: إما نقد وإما بهيمة الأنعام وإما زروع، أما النقد وبهيمة الأنعام فالإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: لا يزكى مال اليتيم في النقدين وبهيمة الأنعام، وتترك حتى يبلغ ويستلم ماله، ثم هو الذي يتولى إخراج زكاته، أما الزكوي مما تخرجه الأرض فإن وليه يخرجه يوم حصاده، هذا ما يتعلق بمال اليتيم، والقاصر كالمجنون والمعتوه ونحو ذلك.
والله تعالى أعلم.
стр. 1331
ترجيح القول بوجوب الزكاة في مال اليتيم
وهذه القضية من القضايا التي تعم بها البلوى، لأنه لا تخلو قرية من يتيم، ولا يخلو يتيم في الغالب من مال، فإذا كانت المسألة على هذه الحال، فربما نجد فيما تقدم لنا من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه ما يشهد للأئمة الثلاثة، وهو: أن معاذاً لما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن قال له: (فأعلمهم بأن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم) .
ونحن نسأل في كلمة (أغنيائهم) : اليتيم إذا كان عنده ألف رأس من الإبل أو من الغنم، وإذا كان عنده ألف دينار أو ألفا درهم من الفضة، فهو غني أم فقير؟ الجواب: هو غني، فيدخل في عموم الأغنياء، فتؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الأغنياء الكبار.
وإذا جئنا في تقسيم الزكاة: (تعطى إلى فقرائهم) ، هل نعطيها لليتيم الفقير أم نقول: هذا اليتيم ليس مكلفاً، ولا يصح أن يقبض الزكاة؟ الجواب: أنه أحق من غيره، فإذا كان مع اليتم يأخذ من الزكاة، إذاً: مع اليتم يعطي الزكاة، فهذا في عموم (أغنيائهم) وهذا في عموم (فقرائهم) .
стр. 1332
الصلاة على مخرجي الزكاة والدعاء لهم
قال المؤلف: [وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم) متفق عليه] .
هذه القضية، وهي الصلاة على غير الأنبياء، جاء في النص القرآني الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] .
وهنا أنه ﷺ كان عندما يأتيه قوم بزكاتهم، سواء كانوا من أهل المدينة أو من خارجها يصلي عليهم؛ لأننا عرفنا القاعدة: أن بهيمة الأنعام تؤخذ زكاتها على مياههم هناك، فإذا كانت زكاة مال أو زكاة حبوب وجاءوا بها إلى رسول الله، ودفعها إلى المسئول لتوزيعها أخذها منهم وصلى عليهم، اللهم صل على آل فلان، أو اللهم صل على فلان، أو يقول: صلى الله عليك.
وكونه ﷺ يصلي على من أتى بزكاته إليه هو امتثال منه لأمر الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] فهذا أمر من الله لرسوله ﷺ أن يصلي عليهم عندما يأخذ منهم الزكاة.
وهنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .
стр. 1333
معنى الصلاة
الصلاة في اللغة: الدعاء، كما قال القائل: وقابلها الريح في دنها فصلى على دنها وارتسم أي: دعا على دنها، وكما جاء في حديث الوليمة: (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها، ويمنعها من يأتيها، ومن لم يأتها فقد عصى أبا القاسم، ومن كان صائماً فليصل) ، فبعض العلماء قال: (فليصل) أي: يرجع ويسجد، وبعض العلماء قال: (فليصل) أي: فليدع؛ لأن أصل الصلاة الدعاء، وانتقل اسمها إلى الصلوات الخمس ونوافلها؛ لأن الدعاء موجود فيها من أول لفظ: الله أكبر ثم دعاء الاستفتاح، إلى أن يسلم.
قالوا: والصلاة من الله على رسوله أو من الله على عباده كما في الحديث: (من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً) فقالوا: الصلاة من الله رحمة، فإذا قال ﷺ : اللهم صل على آل فلان؛ فمعناه: اللهم ارحم آل فلان.
والصلاة من العباد دعاء، فإذا قلت: اللهم صل على محمد، فكأنك تدعو الله بأن يعلي شأن محمد ﷺ ، فتدعو له ولآله بالرفعة والثواب الجزيل.
стр. 1334
حكم الصلاة على غير الأنبياء
فهنا: هل تجوز الصلاة من الإنسان للإنسان فتقول: اللهم صل على آل فلان؟ فكوننا نقول: اللهم صل على محمد، قد أمرنا بذلك ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ [الأحزاب:٥٦] فهذا أمر من الله أن نصلي على محمد ﷺ ، فهل نفعل ذلك للخلق فيتساوى أفراد الأمة مع رسولها؟ بعض العلماء قال: لا نصلي عليهم، ولكن ندعو لهم بالخير! بغير صيغة الصلاة، وإنما نقول: اللهم أكرمهم، وبارك لهم فيما رزقتهم، ونمِّ أموالهم، واحفظها، ونحو ذلك.
ومن هنا لما انتقل ﷺ إلى جوار مولاه قال بعض الناس: أنا لا أعطي الزكاة لـ ابن أبي قحافة.
قال: كنت أعطيها لرسول الله لأنه كان يصلي علينا، وليست صلاة ابن أبي قحافة علينا كصلاة رسول الله، فأنا أؤديها بنفسي.
ولكن كما نعلم أنه لم يقبل منهم ذلك.
ومن الطريف أنه يذكر في ترجمة سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، أن النبي ﷺ أتاه إلى بيته، فسلم النبي ﷺ ، فرد سعد: وعليكم السلام.
بصوت خفيف لم يسمعه رسول الله، فأعاد: السلام عليكم.
فرد: وعليكم السلام.
وأعاد مرة ثالثة: السلام عليكم.
فرد: وعليكم السلام.
فانصرف النبي ﷺ ؛ لأنه سلم ولم يسمع جواباً ولم يؤذن له، فقيل لـ سعد:ألم تأذن لرسول الله ﷺ أول ما سلم؟ قال: أريد أن يكرر، فلما انصرف ﷺ لحقه سعد، فقال: والله يا رسول الله! لقد سمعت سلامك من أول مرة، ورددت بصوت خفي لا تسمعه لتكرر (السلام عليكم) ويتكرر لنا سلاماً منك علينا، فرجع معه النبي ﷺ وأكرمه.
يهمنا أن هذا الصحابي، الذي كان سيد قومه، حضر بيعة العقبة وكان نقيباً فيها، فيسلم عليه الرسول ولا يقول له: تفضل.
ويريد أن يكرر السلام، ألا تأذن لرسول الله؟ قال: دعه يسلم علينا أيضاً.
إذاً: كان أولئك القوم يريدون دفع الزكاة لرسول الله لأنه يصلي عليهم، وصلاة الرسول دعاء، ودعاؤه مستجاب، ولهذا قالوا: لا نعطي أبا بكر؛ لأن دعاءه ليس كدعاء رسول الله.
إذاً: ما دام أنه جاء النص فلا محل للاجتهاد، ولكن هل هذا عام في كل من يأخذ الصدقة من أهلها؟ البعض يقول: نعم؛ تأسياً برسول الله ﷺ ، والبعض يقول: هذا خاص برسول الله.
لماذا خصصتموه؟ قالوا: لقد كتب أبو بكر أنصباء الزكاة وبينها للعمال، وبعث رسول الله عمالاً يجمعون الزكاة، وبعث أبو بكر عمالاً يجمعون الزكاة، ولم يرد عن مبعوث واحد وعامل في الزكاة أنه أوصي بأنه: إذا أخذت من أحد فصل عليه.
فما داموا عمال الزكاة لم يعملوا بها في عهده ﷺ ، ولا في عهد الخلفاء من بعده، فقد كانت خاصة برسول الله ﷺ .
стр. 1335
حكم تقديم الزكاة قبل حلول الحول
قال المؤلف: [وعن علي: (أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك) رواه الترمذي والحاكم] .
هذه المسألة: أن العباس رضي الله تعالى عنه قدم إلى رسول الله ﷺ زكاة العام الحالي ومعها زكاة العام الذي لم يأت، فيكون قد قدم زكاة عام قبل حلول وقتها.
وقد تقدم معنا كلام علي رضي الله تعالى عنه: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) ، فالعام الأول حال عليه الحول فنأخذها، لكن العام الثاني لم يدخل بعد، ولا حال الحول على المال، فكيف نأخذ زكاة سنتين؟ وهل يجوز تقديم الزكاة قبل كمال حولها، مع أن الحول شرط في وجوبها؟ فالبعض يمنع مطلقاً، ويقول: تمام وجوب الزكاة بتمام الحول، فتقديم الزكاة قبل الحول كتقديم الصلاة قبل وقتها، والصلاة قبل وقتها لا تصادف محلاً، فكذلك الزكاة قبل حولها لا تصادف محلاً.
والآخرون قالوا: هذا اجتهاد وقياس، ولا اجتهاد ولا قياس مع النص، فإن هذا فعل رسول الله ﷺ ، ولكن اختلفوا: هل العباس رضي الله تعالى عنه هو الذي تقدم وجاء لرسول الله بزكاة عامين في وقت واحد، أو أن النبي ﷺ هو الذي طلب من العباس أن يقدم زكاة سنة لم تأت بعد، بأن يدفع زكاة سنتين في سنة حاضرة؟ الجمهور على أن النبي ﷺ هو الذي طلب من العباس، وجاءت الرواية: (قد احتجنا فطلبنا -أو فاستسلفنا- من العباس زكاة عامين) .
وهنا يقول بعض العلماء: المتوسط في القول أنه إن وجدت حاجة عند الإمام للمال، وزكاة العام لا تكفي، فله أن يستسلف من أرباب الأموال زكاة سنة متأخرة؛ ليسد بها الحاجة الحاضرة، أما في غير وجود حاجة فليس هناك داع لتقديم زكاة لم يأت شرطها بعد.
وعلى هذا فخبر العباس رضي الله تعالى عنه بأنه قدم زكاة سنة متأخرة، لا شك فيه، ولكن البحث في: هل العباس تقدم به لرسول الله، أو أن رسول الله هو الذي استسلف وطلب من العباس، لحاجة حاضرة احتاج فيه زيادة مال؟ هذا هو الأولى والأصح.
بقينا هنا في مسألة يمكن أن يكون للاجتهاد فيها مجال، وهي مسألة واقعة بين الناس: وهي أنه إذا كان هناك شخص عنده زكاة النقدين، واعتبر الحول في رمضان، وكل سنة من رمضان يخرج زكاة ماله، فجاء في شعبان أو في رجب ووجد بعض إخوانه في مسيس الحاجة إلى المال، وهو لا يريد أن يعطي من رأس المال شيئاً، وهو عنده الزكاة، ويعلم بأنه عند مجيء الحول سيخرج عشرة آلاف ريال أو مائة ألف ريال، فقال: هؤلاء الإخوان أو الجيران أو الأرحام في أمس الحاجة إلى الريال، فهل ندعهم يموتون جوعاً حتى يأتي رمضان، أم أنه يقدم من زكاة ماله الذي يجب في رمضان للحاجة الموجودة التي أدركها في هؤلاء الناس؟ الجواب: يقدم من ماله ويعطيهم.
المهم أنه ﷺ أخذ زكاة سنة مقدمة لحاجة، فماذا يمنعنا أن نقدم جزءاً من زكاة مالنا عن وقته من أجل حاجة حاصلة؟ وهؤلاء في تلك الحالة الاضطرارية لا شك أنهم أشد ما يكونون محتاجين لذلك، وهذا مال ينتظر أوانه، فبدلاً من أن تنتظر أوانه فقد جاءت حاجته، وأنت ما أعددته إلا للفقراء والمساكين تسد به حاجتهم، وهذه حاجة حاضرة، فإذاً: لا بأس في مثل ذلك.
ويقولون عن مالك: إنه كان يجيز تقديم زكاة المال عن حولها إلى نصف شهر.
وعندهم في زكاة الفطر أنها تخرج يوم العيد ما بين صلاة الفجر إلى صلاة العيد، وهناك من يقول: تقدم اليوم واليومين والثلاثة.
والشافعي يقول: إذا انتصف رمضان فلك أن تخرج زكاة الفطر، فأجاز تقديمها على أكثر من أوانها.
على كل المسألة اجتهادية، وأرى -والله تعالى أعلم- أنه يجوز له تقديمها عن موعد حولها لسد الحاجة الموجودة.
والله تعالى أعلم.
следующие страницы →