← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

غمس الذباب في الإناء إن وقع فيه الفأرة مخالطة للناس، وقد بيّن ﷺ كيف نتعامل معها، كما بين لنا كيف نتعامل مع الذباب، (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) ، ولا أظن أحداً في الدنيا لم يسقط الذباب في كأس في يده؛ لأنه مخالط للناس، وسبحان الله جربها في حياتك، خذ طعاماً وشراباً واذهب إلى الربع الخالي -يمكن خالي حتى من الجن- وضع الطعام واجلس خمس دقائق، تجد الذباب عندك، من أين جاء؟ أمسافر معك أم خرج من الأرض أم نزل من السماء؟! لا ندري! قل أن تضع الطعام في مكان إلا وجدت الذباب، ويقولون -والله أعلم-: إلا منى أيام التشريق فقط، وبعد أيام التشريق لا تستطيع أن تجلس فيها من كثرة الذباب، والبعوض، والحيوانات الأخرى. إذاً: علمنا ﷺ إذا سقط الذباب في الإناء ماذا نفعل؛ لأن هذا أمر وارد وبكثرة: (فليغمسه ثم لينزعه) ، وبعد هذا تشرب، ومن الخطأ عند بعض الناس إذا وقع الذباب في الكأس رماه حالاً، وأفرغ ما فيه، وهذا غلط؛ لأن الحديث فيه قوله ﷺ : (فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء، وفي الأخر شفاء) ، وهذا قامت عليه أبحاث في أوروبا عجيبة جداً، كيف يكون في حشرة صغيرة: أحد الجناحين داء، والثاني دواء؟! وما الذي ميّز بين هذا وذاك؟ وكتبت كتابات طويلة ما نحب أن نضيع الوقت في إيرادها، لكن يتفقون طبياً: أنهم وجدوا مبيد البكتريا في الأنبوب في مؤخرها، وهو أقوى من أي مبيد على وجه الأرض، أي: واحد على مائة ألف، وقالوا: أنها إذا غمست في الماء؛ ضغط الماء على الأنبوب فينفجر عما فيه فيطهر السائل. فالذي رأى الذباب سقطت بالكأس فإنه يراه يدلي بالجناح الذي فيه الداء، ويرفع الجناح الثاني الذي فيه الدواء، فحينما تغمسها بكاملها تكون قد جمعت الجناحين، وكان الجناح الذي فيه الدواء يقابل الجناح الذي فيه الداء، ويطهُر السائل من دائه، أما إذا صببته فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، وقد فعل، وأصبح السائل ملوثاً؛ لأن الجناح الثاني مرفوع فوق، فإذا أرقت هذا الماء فإن جدران الكأس تحمل من داء جناحه ما يكفي للتلويث، ولو غسّلته بالصابون وبالتراب فلا ينقي كما لو غمست الجناح الثاني، وهذه حكمة الله ، وهو الأعلم بمداها وكيف أوجدها. كنت مع طبيب مَعامِل تحليل، وذهبنا العمرة معاً، ونزلنا في رابغ أيام ما كان الذباب فيها منتشراً بكثرة، فجلسنا في القهوة، وتغدينا، وأتينا بالشاي، فانتظرت قليلاً فإذا بذبابتين بقدر النحل يتضاربان، فسقطتا في الكأس أمامي. فقلت هذه فرصة، ولاحظت نظرات الدكتور، وتغافلت عن الذباب، فقال: عطية! عطية! إلحق! إلحق! فغمزتهما إلى الداخل، ورميتهما، وأخذت أشرب، أنا أريد أن أثير الدكتور؛ لأني أعرف أن هذا عند الدكاترة شيئاً كبيراً، قال: هاه! ما هذا؟! ما هذا؟! قلت له: قال رسول الله ﷺ قال: هذه أيضاً فيها قال رسول الله ﷺ ؟! وكان كثيراً ما تأتي مناسبات وأقول له: سنة رسول الله ﷺ ، فقال مستغرباً: أهذه أيضاً من سنة رسول الله ﷺ ؟ قلت له: نعم، قال: ماذا قال؟ قلت له: كذا وكذا، قال: عجباً! إن هذا الحديث صحيح، قلت: ما أدراك بالصحيح والضعيف، وأنت في الطب وما إليه؟ ما أدراك بهذا؟ قال: كنت في ألمانيا أدرس، فانقطعت علينا المصاريف بسبب الحرب العالمية الأخيرة، وذهبت للعمل في مطعم أنا وثلاثة زملاء، فكنا ندرس الطب في الصباح، وفي الليل نغسل الأواني؛ حتى نعيش ونواصل دراستنا، وهذه والله الرجولة الصحيحة. يقول: وفي وقت من الأوقات إذا بلوحة في الكلية في الفانوس الخاص بالإعلانات، فيها إعلان: اكتشاف بكتريوج -أي: مبيد البكتريا- من الذباب، وتعجبت وتتبعنا هذا. أقول: إن الرسول ﷺ يعلمنا كيف نتعامل مع ما يخالطنا في بيوتنا وحياتنا، أما الذباب فعلمنا كيف نتعامل معه، ويقول الأطباء القدامى: أعظم كحل للعين هو الذباب، إذا جمعته في (ماصورة) صلب، وأحرقته على النار، ثم سحقته واكتحلت به، لكن لا تذهبوا وتفعلوا ذلك وتقولوا: فلان قال لنا.

стр. 1962

شرب الفأرة من السائل هذه الفأرة كيف نتعامل معها خاصة في السائل، لو رأيناها تأكل من الدقيق، أو من الحب، وذهبت فلا شيء في هذا، وإذا شربت من السمن وذهبت فلا شيء في هذا، إنما يهمنا إذا ماتت؛ لأنها بموتها تتنجس، وتنجس ما حولها، فبيّن ﷺ ذلك بقوله: (ألقوها وما حولها) ، الحولية هذه كم مسافتها وكم قدرها؟ قد يختلف بعض الناس من مسافة سانتيمتر أو نصف سانتيمتر أو عشرة سنتيمتر، وبعضهم يبالغ ويقول عرض الكف، وهذا أظنه كثيراً. وبعضهم يقول: يرجع الأمر في الحولية إلى نوع جمود السمن، فقد يكون جامداً جداً، وأصبعك لا تدخل فيه، فهذا لا تتعدى النجاسة سانتيمتراً واحداً، وقد يكون جامداً جموداً لم يتم، ولو حرّكته بقوة ربما تحرّك، فهذا يحتاج إلى توسيع ما حولها نوعاً ما. وفي الحديث الأول: حديث ميمونة: (ألقوها وما حولها وكلوه) ، فهذا حكم وقوع الفأرة في السمن الجامد. وهل الموضوع يقتصر على السمن؟ وإذا وقعت في العسل؟ وإذا وقعت في الدبس؟ إذا وقعت في شيءٍ آخر، يعادل ذلك كالمربى وسقطت فيه وماتت؛ يكون الحكم واحداً، إن كان العسل جامداً -وأحياناً العسل يجمد- فكما هنا، وإن كان سائلاً مائعاً فالحكم كذلك، وعلى هذا يكون الأصل في هذا الحكم هو: السمن.

стр. 1963

شرح حديث: (إذا وقعت الفأرة في السمن) قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه) ، رواه أحمد وأبو داود، وقد حكم عليه البخاري وأبو حاتم بالوهم] . الحديث الأول ليس فيه إشكال، لا في السند ولا في المعنى، والحديث الثاني جاء به المؤلف ﵀ لما فيه من الخلاف، والإشكال. والتفصيل: إذا وقعت الفأرة في سمن جامد فإنه يُلقى وما حولها، ويؤكل الباقي، ولكن هنا تفصيل لواقع الحال، فإن وقعت في جامد فالحكم قد تقدم، وإن وقعت في مائع فإنه يقول هنا: (فلا تقربوه) ، فلا تقربوه بماذا؟ أبأكل أم بادِّهان أم باستصباح أم بانتفاع؟! تقدم في النهي عن بيع الميتة أنهم أرادوا استثناء شحومها، فقال: (لا، هو حرام) ، وهل الضمير عائد إلى البيع أو الانتفاع؟ تقدمت الإشارة إلى الجمع، فقوله ﷺ (فلا تقربوه) ، الجمهور على أن: (فلا تقربوه) ، أي: بالأكل إجماعاً؛ لأنه تنجس بموتها فيه وهو مائع، ولا نجد حداً محدوداً لوصول النجاسة إلى جزءٍ منه، بل لكونه سائلاً فإنها تسري في الجميع. فقوله: (فلا تقربوه) ، الجمهور قالوا: لا تقربوه بالأكل، وبعض أهل الحديث، وأهل الظاهر قالوا: لا تقربوه أبداً، لا بالأكل ولا بالبيع ولا بالانتفاع، (مطلق أريقوه) . والجمهور يقولون: هذا مال، وقبل أن يتنجس كانت له قيمة، ونهينا عن إضاعة المال، وهناك منفعة يمكن تحصيلها من هذا الدهن، وهذا السمن، فيمكن أن نجعله طلاءً للسفن، أو نستفيد منه بالاستصباح، أو نحو ذلك، فلا مانع، وذكر الجمهور حديث: (وإن كان مائعاً فاستصبحوا به) ، إذاً: أباح الانتفاع به، وحملوا على هذا كل متنجس بغيره لا بذاته، فقالوا: يجوز الانتفاع به دون البيع، والبعض زاد: النجس الأصلي (بذاته) ، وقال: شحوم الميتة لا نبيعها، وإذا انصب التحريم على البيع انصرف عن بقية الانتفاع كالاستصباح، ودهن السفن وغير ذلك. الذي يهمنا في فقه الحديث الرواية التي ساقها الطحاوي: (استصبحوا به) ، والذي عليه الجمهور: أنه مال يجوز الانتفاع به، ويبقى النهي والتحريم خاصاً بالأكل؛ لأنه تنجّس، والإنسان لا يأكل النجس. إذاً: المؤلف ﵀ جمع الحديثين معاً؛ ليبين حكم ما إذا وقعت الفأرة في جامد أو مائع، ثم هل الأمر يقتصر على الفأرة والسمن أو يقاس على الفأرة كل ما شاكلها، وعلى السمن كل ما شاكله؟ هناك حيوانات تقارب الفأرة مثل ابن آوى وابن عرس واليربوع أو الجربوع، هذه كلها حيوانات يعرفها أهل البر، منها ما يأكلونه ومنه ما لا يأكلونه، فهذه كلها من فصيلة الجرذان -الفئران-، فهل يقتصر الحكم على الفأرة أو يعم الجميع؟ قالوا: يعم كل ذي نفس سائلة، لو أن قطة صغيرة سقطت في السمن، وبعض الفئران الكبيرة التي في البساتين أكبر من القطة الصغيرة! فنقول: حكمها حكم الفأرة تماماً، وكذلك أنواع الجرذان مثل: اليربوع أو الجربوع، وبنت عرس، وابن آوى، كلها حيوانات صغيرة تعيش في البيوت وتعيش في البساتين، فإذا سقطت في مائع فهذا حكمها. وتلك الحيوانات بما فيها الفأرة والهرة الصغيرة إذا وقعت في ماء مستبحر - (بركة كبيرة) أو كما يقول الفقهاء: فوق القلتين، على اختلاف في تقدير القلتين- وماتت فيه واحدة من تلك الحيوانات، وكان الماء فوق القلتين، يأتي الحديث: (إذا كان الماء قلتين لا يحمل الخبث) ، أي: لا يتنجس، وقيل: لا يحمل، يعني: يضعف وينجس، والجمهور على أنه (لا يحمل الخبث) يعني: الخبث لا يؤثر فيه، بل يتلاشى. إذاً: القضية أعم من مجرد فأرة وسمن.

стр. 1964

شرح حديث: (سئل عن ثمن السنور والكلب) قال ﵀: [وعن أبي الزبير قال: (سألت جابراً ﵁ عن ثمن السنور والكلب فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك) . رواه مسلم والنسائي، وزاد (إلا كلب صيد) ] . انتقل المؤلف ﵀ من ذكر حكم النجس والمتنجس -من المطعومات- إلى هذين الصنفين، فـ جابر رضي الله تعالى عنه يروي لنا أن النبي ﷺ زجر، والزجر: النهي بشدة. قوله: (عن ثمن الكلب والسنور) السنور: هو الهرة أو البسة، أو القطة، ويطلق على الذكر والأنثى، والكلب والسنور مخالطان للبيوت.

стр. 1965

طهارة السنور سُئل ﷺ عن الهرة فقال: (إنها ليست بنجس) ، أي: في حياتها؛ لأن الموت ينجس كل حي طاهر، وكل ميت نجس، إلا الإنسان، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] . كانت بنت أبي كبش تصب الماء لزوجها وهو يتوضأ، فجاءت هرة، فأصغى إليها الإناء حتى شربت، فنظرت تتعجب! قال: أتعجبين! -يا ابنة عمي- من ذلك؟! سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنها ليست بنجس -يعني: ليست نجسة في حياتها- إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) . وقالوا: إذا رأيتها تشرب من إناء فإن شربها لا ينجسه، وهناك قول شاذ عن بعض التابعين أنه ألحقها بالكلب، يسبّع سؤرها بالغسل ويترّب، ولكن هذا شاذ مردود. فكونها من الطوافين ومن الطوافات فقد تشرب من هذا الإناء، وتلعق من هذا، وتذهب وتدخل، وتمشي على الفراش، فهي ليست بنجس. قوله: (من الطوافين) : مَنْ الذي يطوف علينا؟! هل هناك من يطوف علينا في الليل؟! أليس للبيوت عماراً؟! أليس يطوفون بالبيوت، فمنهم من يظهر ونراه، ومنهم من يختفي، وخاصة في المدينة؟ وقد بيّن ﷺ : أن مؤمني الجن ليهاجرون إليها كما تهاجرون أنتم. والحكايات والوقائع الفعلية أكثر من أن تحصى. إذاً: هناك طوافون: من ملائكة، أو جن، أو مما يكون، وهي من ضمن أولئك الطوافين، وبتطوافها عرفنا أنها طاهرة، ويقول العلماء: إذا رأيتها تشرب، أو تلعق إناء فسؤرها طاهر، إلا إذا رأيت على فمها أثر نجاسة، فيمكن أن تكون لتوها أكلت فأراً، -لأن العداوة بين الفأر والقطة عجيبة جداً! - فإذا رأيت على فمها أثر النجاسة، فهذا شيء طارئ، ولكن سبحان الله! القطة عندها خصلتان، تعتبر في القمة في النظافة، حتى أكثر من بعض الناس! فإذا أكلت فريسة، حالاً بلسانها تنظف فمها، ولا يبقى على فمها أثر النجاسة أبداً، وبعض الناس تبقى الدسومة على فمه ولا يغسلها! وإذا أرادت أن تقضي حاجتها حفرت ودفنت، فهي مكافحة الأوبئة. لقد شاهدت هرة تذهب إلى الكرسي في الحمام وتقضي حاجتها، وبعضها تقضي حاجتها على الفراش. إذاً: الهرة من حيث هي في ذاتها ليست نجسة والحمار اختلفوا في ذلك؛ قالوا: الرسول ﷺ كان يركبه عرياً -أي بدون رحل- ومعلوم أن الحمار يعرق، ولو كان نجساً لتنجس بعرقه، ولكن الحياة أصل الطهارة كما قال مالك رحمه الله تعالى؛ ولذا الحمار يشرب من السطل، ويشرب من القدر، وسؤره ليس نجساً.

стр. 1966

الكلاب وبعض أحكامها موضوع الكلاب جاءت فيه أمور عجيبة. منها: أن الرسول ﷺ أمر بقتل الكلاب، ومنها: نهى عن قتل الكلاب، كانت في مرة من المرات كثيرة ومؤذية، والمرة الأخرى نهى عن قتلها؛ لأنها أمة من الأمم، اتركها تأكل من الخشاش. ومن الغريب! أنها في مرة من المرات كثرت جداً في الرياض، فقاموا وجمعوها في مركبات، وأخذوها على الدهناء، وتركوها هناك، والكثير منها مات من الجوع، فبعض المشايخ قال: ما لكم حق في قتلها، اتركوها في البلد، ولو عندكم شيء أعطوها إياه، فقالوا: تتكاثر إذاً! قال: اعزلوا الذكور عن الإناث. نهى عن قتل الكلاب، وأمر بقتل الكلاب! أي: الكلاب حينما تؤذي، لا مانع من ذلك، أما إذا لم تكن تؤذي فلا حاجة إلى قتلها. ثم صنف النبي ﷺ الكلاب إلى صنفين: كلب يجوز اقتناؤه، وكلب لا يجوز اقتناؤه، كما سيأتي وأشار هنا: (إلا كلب صيد) ، وأيضاً كلب الحراسة، والماشية، فكلب الماشية، وكلب الحراسة، وكلب الصيد ينتفع به؛ فأبيح اقتناؤه، وسلم صاحبه من الزجر، وقد جاء: (من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية، أو ضارياً، نقص من عمله كل يوم قيراطان) ، ثم استثني هذه الثلاث، إذاً: من اقتنى كلباً للّعب، أو كلباً للمضاربة بين الكلاب، والمسابقة بينها والمصارعة إلى غير ذلك فهذا منهي عنه وينقص بسببه كل يوم قيراطان. وتقدير القيراطين مشكل، والأصل: أن القيراط جزءٌ من واحد صحيح متعدد الأجزاء، فما هو العرف عند الناس؟ الفرضيون يعتبرون المسألة: أربعة وعشرين قيراطاً، والصاغة يعتبرون الذهب الخالص أربعة وعشرين قيراطاً، فما مقدار القراريط التي جاءت: (من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط فإن تبعها فله قيراطان) ، بعضهم يقول: القيراط كجبل أحد، وبعضهم ككذا. ولكن هنا في موضوع الكلب ممكن للإنسان أن يجتهد ويقول: نقص من أجره كل يوم قيراط، لو قلنا كمثل جبل أحد هل كل إنسان عنده في كل يوم مثل جبل أحد حسنات؟ ليس بشرط. فإذا لم يكن عنده قدر القيراط! فأقول -والله تعالى أعلم-: النقص الذي يطرأ على مقتني الكلب الممنوع اقتناؤه: يقسَّم عمله في يومه إلى أربعة وعشرين جزءاً، فمن الناس من يكون الجزء الواحد في قراريطه يعادل أربعة وعشرين قيراطاً من قراريط؛ لأنه إنسان مجتهد في العبادة، ويفعل الخير بكثرة، فقيراطه من أربعة وعشرين ليس كقيراط إنسان نائم طول الليل، وفي النهار تجده في الملاهي. إذاً: نقص القيراط هو: نقص جزء من أربعة وعشرين جزءاً من عمله اليومي، وقال بعض العلماء: قيراط من عمل النهار، وقيراط من عمل الليل، حتى تكون هناك مساواة، لأن بعض الناس قد يكتسب في الليل من الأجر أكثر مما يكتسب في النهار، والبعض بالعكس، فالذي يكون نهاره صيام وليله قيام، ليس كالشخص الذي لا يصوم ولا يقوم. إذاً: جاء أولاً الأمر بقتلها، وجاء ثانياً النهي عن قتلها، ثم أيضاً جاء الزجر عن اقتنائها، وجعل في اقتنائها نقص القراريط، واستثنى منها ما ينتفع به: من صيد، ومن حراثة، ومن ماشية. جاء الآن الكلام في بيعه، فإذا جمع إنسان عدة كلاب، وعلمها الصيد، أو توالدت عنده، وعلمها الحراسة، وعلمها حراسة الماشية، ونعرف أن كثيراً من الرعاة يكون معه كلبان أو ثلاثة رعاة، فلو شذت شاة يلحقها الكلب ويردها، هذا كلب ماشية، وشاهدنا بأعيننا الكلب يلحق البقرة الشاردة ويمسك حبلها ويردها. إذاً: هذا فيه فائدة، وكذلك كلب الحراسة في الليل، فصاحب المزرعة، أو البيت لا يحرس طوال الليل، وإنما يكفيه وجود الكلب، وكذلك كلب الصيد، يغنم من ورائه من الصيد ما يصطاده عن طريقه. إذاً: وجود المنفعة في هذا النوع أباح اقتناءه.

стр. 1967

حكم بيع الكلب وأكل لحمه جئنا إلى البيع، فالبعض يقول: زجر عن ثمن الكلب مطلقاً، سواءً كان مأذوناً في اقتنائه -للصيد، والحراسة، والماشية- أو كان غير مأذون، والإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: إذا كان من النوع المستفاد منه جاز بيعه وأخذ ثمنه؛ لأنك تبيع المنفعة التي يحصلها المشتري من ورائه، ونجد مالكاً ﵀ يقول: يجوز شراؤه ولا يجوز بيعه. كيف وإذا أردت أن أشتريه فلا أشتريه إلا من بائع، والبائع لن يبيعه إلا على مشتر؟! قال: يجوز للمشتري أن يدفع الثمن لينتفع، ولا يجوز للبائع أن يقبض الثمن! فأين يذهب به؟ لن يكون هناك بيع بل هبة، قال: ومن أتلفه فعليه القيمة، فمن أباح بيعه أوجب قيمته على متلفه. أما موضوع السنور فإن الشوكاني يحكي عن ابن عبد البر أنه قال: لم يثبت في ثمن السنور حديث، وتكلموا في رواية مسلم، التي جاء فيها، وقالوا: إن فيها راوٍ متكلّم فيه، ويتفق الجمهور على أن النهي عن بيع السنور للكراهية والنزاهة، أما النهي عن ثمن الكلب فهذا للتحريم إلا ما استثني، وهي الأصناف الثلاثة، وهذا الذي يقتضيه المقام، ويتعادل مع الوصف المناسب؛ لأن فيه منفعة، فإذا اشتراه الإنسان فلمنفعته. وهناك من يمنع بيع الكلب مطلقاً، وهناك أثر: (إذا أتاكم من يطلب ثمن الكلب فضعوا في كفه التراب) ، والتراب ليس ثمناً، وقد جاء في حق المداحين (فاحثوا في وجوههم التراب) ، وهذا تصوير وتقبيح، فكأنه يقول: ليس لك إلا التراب ثمنا على كلبك، وهل التراب ثمن؟ ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت:٤١] ، وهل بيت العنكبوت يستر شيئاً أو يقي من شيء؟ لا. والعلماء على ما تقدم من تفصيل فيما يتعلق بثمن الكلب والسنور، والله تعالى أعلم. فإن قيل: أيجوز أكل لحم الكلب أم لا؟ الجواب: الشوكاني له أبيات جميلة في ذم التعصب المذهبي، يحسن مراجعتها، وقد اشتهر عند الناس: أن مالكاً ﵀ يقول بحلية أكل لحم الكلب، وهذا غير صحيح، الصحيح عند مالك أن الكلب طاهر، وأن التتريب والتسبيع في الغسل لا للنجاسة ولكن لأمر طبي، والآن ظهر مغزى الأمر الطبي في الكلب، خشية داء الكلَب الموجود في الكلب حينما يصاب، ويتفق الأطباء على أن داء الكلب لا يزيله إلا التراب، والتراب ليس لذاته؛ بل لأن فيه مادة تسمى (فيلورين) أخت (الكلورين) ، والكلورين مادة تطهر الماء الذي في الغدران، فحينما تذهب بعثة وليس عندها ماء، وتجد غدير ماء له زمن، وتخشى من مضرته لطول مكثه، تأخذ الماء وتضع فيه مادة الكلورين، وكنا قديماً نشم هذه الريحة في المياه في البيوت، كانوا يضعونها في خزانات المياه تطهيراً للماء. فمن فصيلتها (فيلورين) ، وهذه المادة هي التي تقضي على جرثومة الكلَب، وهي بكثرة في التراب، وأكثر ما تكون في أرض عرفات، تربة أرض عرفات غنية بالفلورين أكثر من جميع الأراضي. ومالك له في هذا بحث طويل، والمتأمل والمتحرر من التعصب يرى: أن مذهب مالك صحيح. فلما قالوا بطهارة الكلب، قالوا: إذاً: هو يجوز أكله، وألزموهم بمقتضى قوله، ولكن الأصوليين يقولون: لازم القول ليس بقول. أتلزمني بما لم أقله؟ فإذا كان هذا لازماً، لكن أنا لا أقول به. إذاً: مالك -صحيح- يقول بطهارة الكلب ولا يقول بجواز أكله.

стр. 1968

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [٤] حرص الإسلام كل الحرص على حرية الإنسان، وحارب الاسترقاق، وحث على تحرير وعتق الرقاب، وأوجبه في مواطن كثيرة، ومنع طرق الاسترقاق إلا طريقاً واحداً، وهو طريق الجهاد، بينما فتح أبواب العتق، وعددها، ونوعها، وجعل لها أحكاماً، ومن أسباب العتق التي شرعها الإسلام المكاتبة.

стр. 1969

حديث: (إني كاتبت أهلي على تسع أواق ... ) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فقال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن عائشة ﵂ قالت: جاءتني بريرة، فقالت: (إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس فقالت: إني قد عرضتُ ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي ﷺ ، فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة ﵂، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله تعالى؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق) متفق عليه، واللفظ للبخاري، وعند مسلم قال: (اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء) ] . هذا الحديث يعتبر من أمهات الأحاديث: صيغة، وأحكاماً، وتشريعاً، وكما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان في بريرة ثلاث سنن، وبريرة كانت مزوجة برجل اسمه مغيث وكان يحبها، وكان مملوكاً، وهي مملوكة فعتقت بعد أن اشترتها عائشة، فخيرها النبي ﷺ ، وقد كانت مملوكة تحت مملوك: متعادلان، والآن أصبحت حرة، وهو مملوك، فهنا اختل التوازن واختل التعادل، والكفء يجب أن يكون مكافئاً لزميله، والعبد لا يكافئ الحرة، لكن نظراً للعقد المتقدم، قال لها: (أنت لك خيار، إن شئت بقيت على عقدك مع المملوك، وإن شئت فسخت نكاحك بالحرية) فاختارت نفسها، فكان مغيث يتبعها في الطرقات ويبكي، يدريها أن ترد نفسها إليه، فبلغ ذلك الخبر رسول الله ﷺ فقال لها: (يا بريرة! انظري لحال مغيث -فعلمتنا الأدب- فقالت: يا رسول الله! أشافع أنت أم آمر؟) انظر الأدب: تشفع لـ مغيث عندي، وتكون شفيعاً، والشفيع قد تقبل شفاعته وقد ترد، أو آمر لي بالعودة إليه، والأمر يقتضي الوجوب، (أشافع أنت أم آمر؟ -ماذا قال لها؟ - قال: لا، أنا شافع) ، فقالت: (لا حاجة لي فيه) وقولها هذا يساوي: أرد شفاعتك، لكن بأدب.

стр. 1970

أهمية حديث بريرة هذا الحديث النبوي الشريف، من الأحاديث العظيمة، وقد اشتمل على العديد من الأحكام، وخاصة: الشروط في البيع، وما يتعلق بالمكاتبة، وبيع المكاتب، وحكم الولاء، والاشتراط فيما لا يوافق كتاب الله إلى آخره، وقد ذكر ابن حجر ﵀ -مؤلف كتاب فتح الباري-: أن بعض العلماء عني بهذا الحديث وذكر ما يستنبط منه، فذكر عن ابن خزيمة أنه ذكر فيه مائة مسألة، وابن خزيمة: ذكر عن غيره أنه قال: اشتمل على أربعمائة مسألة فقهية، وهل بعضها يتداخل مع بعض أو لا يتداخل؟! الذي يهمنا شدة عناية العلماء بهذا الحديث. والواقع أنه جدير بذلك، ونمضي مع هذا السياق كلمة كلمة، فهنا يقول المؤلف ﵀: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (جاءتني بريرة) مجيء بريرة من بيت أهلها إلى بيت عائشة فيه كلام؛ فـ بريرة أمة وجارية وكانت تخرج لخدمة عائشة قبل مكاتبتها لأهلها، فهي تعرف عائشة من قبل، وهي التي قالت -حينما خاض الناس في حديث الإفك وسأل النبي ﷺ علياً فقال: سل الجارية تخبرك- قالت: والله! إنها لجارية، ولا أعيب عليها إلا أنها تعجن العجين وتنام عليه، حتى تأكله الدواجن، يعني صغيرة لا تدري عن شيء، فلما كاتبت أهلها قامت تسعى.

стр. 1971

حكم المكاتبة ومعناها قال الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] ويقول العلماء: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ خيراً هنا عام: خيراً في السلوك، وخيراً من نظير قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:١٨٠] ، يعني: إن علمتم أنهم يستطيعون أن يدفعوا المكاتبة. وأصل المكاتبة: أن يريد السيد مالاً، ويريد أن يبيع العبد، أو المملوك، والمملوك لا يريد أن يخرج من رق إلى رق، ويريد أن يشتري نفسه، أي: يعوض سيده عما يقبضه من ثمن من سيد آخر، وينتقل من سيد إلى سيد، فيكاتبه ويتفق معه على مقدار معين، ويشترط في الكتابة أن يكون الثمن منجماً، وأصل النجم لغة: الكوكب في السماء، وهي النجوم المنتشرة في السماء، والعرب تسمي الأجل نجماً، حتى حمل بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] قالوا: نزول القرآن منجماً، يعني: على فترات، وكانت العرب إذا استدانت كتبت الوفاء عند ظهور النجم الفلاني، وهم يعرفون مسيرة النجوم ومواقعها، وهذا من بعض علومهم العامة. ويستحب أن يسامح سيد العبد المكاتب في القسط الأخير أو بعضه، فـ بريرة كاتبت أهلها على ما ذكرت لنا تسع أواق، كل سنة أوقية، يعني منجمة على تسعة أنجم، والمكاتب من حقه أن يسعى ويطلب، ويحق له الطلب والسؤال، وله من الزكاة حصة قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠] ، فيأخذ من الزكاة جزءاً ليكمل به ما نقص عليه من الدين في مكاتبته. وهنا جاءت بريرة إلى عائشة فقالت: أعينيني في النجم الذي سيأتي، وليس في التسعة الأنجم، وبعضهم يقول: إن بريرة جاءت عند العقد، ولم تكن قد دفعت لا قسطاً ولا نجماً، وبعضهم يقول: لقد دفعت أربعة أنجم، وبقي عليها خمسة أنجم، فجاءت تستعين عائشة رضي الله تعالى عنها، وكل ذلك يؤخذ من حديث بريرة في شأن المكاتبة.

стр. 1972

لا يشترط استئذان الزوج في المكاتبة بريرة لها زوج، والمكاتبة إذا أوفت ما عليها من دين الكتابة تحررت، وإذا تحررت خُيرت في نكاحها، فهل يُستأذن زوجها صاحب العصمة في مكاتبتها -لأن المكتابة ستخرجها من عصمته- أو لا يُستأذن؟ بريرة ما ذكرت أنها استأذنت من مغيث، إذاً: المكاتبة حق لها، وبه تستكمل حريتها، والشرع يحث على تحرير الرقاب، فلم يدع الأمر لرأي الزوج، فإن وجدت المكاتبة بنفسها فلا تستشير زوجها، ولا يؤخذ رأيه.

стр. 1973

المكاتبة في عصمة الزوج ما بقي عليها درهم وكذلك مجرد الكتابة لا يُخرجها من ذمة وعصمة الزوج، ولكن تبقى على عصمة زوجها حتى توفي جميع المكاتبة، والمكاتب: عبد ما بقي عليه درهم، وللسيد أن يعجز مكاتبه، فمثلاً تكاتبا على تسعة أقساط، فدفع ثمانية أقساط، فليس له الحق أن يقول: أنا تراجعت، أنا لا أريد مكاتبة، ويرجع المكاتب في رقه من جديد، وقد أخذ الثمانية الأقساط، ويقول: العبد وما ملكت يمينه لسيده! وقد كنت قبل المكاتبة تسعى وتعمل وتعطيه للسيد! وقد جاء النهي عن كسب الأمة وهو عام، حتى في الخدمة مخافة إذا فرض عليها شيء يومي: من غزل من غسل من من، ولم تجد المقرر عليها يومياً، فربما لجأت إلى طريق غير سليم، وبعضهم يقول: إذا كان عندها صنعة، أو استطاعت أن تعمل، وقد فرض عليها السيد مقداراً معيناً في كل يوم، واستطاعت أن تأتي به يومياً أو أكثر فالأكثر لها، والذي شارطها عليه له، فهذه كاتبت ولم يؤخذ رأي الزوج في ذلك، وعقد المكاتبة لم يخرجها من عصمة الزوج، فجاءت في طريقها لتكمل عملية المكاتبة.

стр. 1974

جواز المسألة للمكاتب جاءت إلى عائشة -لأنها تعرفها من قبل- فطلبت منها المساعدة، وهكذا كل مكاتب له الحق بأن يسأل ويسعى، ويأخذ من الصدقات والزكاة، فـ عائشة قالت: إن كان أهلك كاتبوك على تسع أواق في تسع سنوات، فأنا مستعدة أن أعدها، يقف العلماء عند كلمة (أعدها) قالوا: لأن عُرف الحجاز حين بعثة النبي ﷺ كان عد الدراهم، وبعد مجيئه كان الوزن، والآخرون يقولون: بل العكس؛ لأنه جاء في الحديث: (المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة) ، ووحدوا المكيال والميزان حتى إذا اختلفوا في الوزن رجعوا إلى عرف مكة، وإذا اختلفوا في الكيل رجعوا إلى عرف المدينة؛ لأن أهل المدينة أهل تمور وحبوب، تحتاج إلى الكيل، وأهل مكة أهل تجارات فالوزن إليهم أقرب، فهنا قالت: أعدها، وفي بعض الروايات: أصبها لهم صباً، يعني: إذا كانوا كاتبوك مكاتبة منجمة على تسع سنوات فأنا الآن أعطيك، وفرق كبير عند البائع أن يبيع شيئاً مقسطاً إلى تسع سنوات وأن يأخذ الثمن حالاً، فالمال لا نقص فيه، بل إن البائع بالتقسيط، لو وجد المبلغ كاملاً (حالاً) ولو بناقص كان أربح له، فهي تقول لهم: المنجم بعيد، وأنا أعطيكم إياها الآن كاملة، ويكون الولاء لي.

стр. 1975

الولاء الولاء مبحث مستقل، وأوسع ما يكون في الفرائض، وهو كما يقولون: وصف اعتباري سببه نعمة العتق، والولاء بين المعتق والمعتق لحمة كلحمة النسب، ينسب إليه ولا يُباع ولا يوهب ولا يورث، إنما ينتقل بالعصوبة، فلو أن إنساناً أعتق عبداً صار له الولاء، ثم مات عن زوجة وولد، فالزوجة ليس لها شيء في هذا الولاء؛ لأنها إذا دخلت الزوجة دخلت بالميراث، ولكن ينتقل الولاء للولد؛ لأن الولد حل محل أبيه، فالولاء لا يوهب ولا يباع ولا يورث، مع أن الميراث كسب إجباري على الوارث، والولاء كما يقولون: الدرجة الثالثة في مراتب الميراث؛ لأنه يُقدم أولاً: صاحب الفرض، وثانياً: العاصب، وثالثاً: الولاء؛ (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى ذكر) أي: عاصب، فإذا مات الميت، وعنده من يرث بالفرض، وأخذوا فروضهم، فالباقي للعاصب، فإذا لم يوجد عاصب ووجد صاحب الولاء، فأصحاب الفروض أخذوا نصيبهم بفروضهم، ولما لم يوجد عاصب بالنسب جاء العاصب بالولاء، ولهذه القوة قالت عائشة: (ويكون ولاؤك لي) ، وهو وصف اعتباري يلزم المعتَق طيلة حياته، وحتى موالي مواليه، يكونون موالي للمعتِق الأول، فقالت: أذهب وأخبرهم، فذهبت بريرة لتخبرهم أن عائشة مستعدة أن تدفع لكم كل الباقي، وأن يكون الولاء لها، قالوا: لا، وحقيقة المكاتب لو استمر في المكاتبة، وأوفى الكتابة لسيده؛ صار حراً، وولاؤه للمكاتب؛ لأنه هو الذي تسبب في عتقه، فهم كاتبوها ليكون الولاء لهم، وهنا قالت عائشة: (أدفع لهم، لا أن تدفع لـ بريرة، فلو دفعت لـ بريرة لكانت مساعدة لـ بريرة على المكاتبة، ولا دخل لها في الولاء، ولكن تدفع لأسيادها الذين كاتبوها، إذاً: دخول عائشة سينسخ المكاتبة، ويُغير العقد إلى بيع، كما جاء في الرواية (اشتريها وأعتقيها) ؛ لأنه لا يتم لها عتقها إلا بعد أن تمتلكها، فلو دفعت لـ بريرة لم تمتلكها بهذا الدفع، أما إذا دفعت لأسيادها فقد اشترتها منهم، وإذا اشترتها وأعتقتها فالولاء لمن أعتق، فأبوا، وقالوا: لا، إن كانت تريد أن تدفع محسنة فالمحسن لوجه الله، أي: تحسن إليك، ويكون الولاء لنا، فلما أبوا رجعت ثانية إلى عائشة تخبرها، وصاحب الحاجة ملحاح فهي تريد أن تنجز أمرها، في مجيئها الأول لم يكن رسول الله ﷺ موجوداً، ولما ذهبت وسألت أهلها ورجعت كان الرسول ﷺ جالساً، وفي بعض الروايات: (فسارتها في أذنها،) بريرة لا تحب أن تُسمع الرسول ﷺ ، والرسول ﷺ لما نظر إلى هذه الحركة والوشوشة قال: (ما شأن هذه المرأة؟) وعائشة رضي الله تعالى عنها -كما في بعض الروايات- لما أخبرتها برفضهم، وقولهم: فلتحسن، قالت: لا، ورفعت صوتها؛ لتسمع رسول الله ﷺ ، فلما سمع رسول الله ﷺ قال: (ما شأن هذه المرأة؟) وسواءً الرسول ﷺ سأل ابتداءً، أو نتيجة لرفع عائشة صوتها. وهنا أيضاً: وقفة رب البيت، يرى امرأة تدخل بيته وتُسار زوجه! فمن حقه أن يسأل: ما شأنها؟ ولاسيما في هذه الآونة، فحينما تدخل امرأة أجنبية أو غريبة وتُسار الزوجة أمام زوجها أو علم بعد ذلك، فله أن يسأل: ماذا تكون هذه المرأة؟ هل هي صالحة أم طالحة؟ فمن حق رب البيت أن يسأل عن مجيء تلك المرأة، وعن غرضها، حفاظاً على بيته، فقال: (ما بال هذه المرأة؟) فأجابته عائشة: جاءتني وطلبت مني كذا، وأرسلتها ورجعت. إذاً: الرسول ﷺ لم يكن يعرف الخبر، ثم أخبرت عائشة رسول الله ﷺ ، وهنا يتصرف الرسول ﷺ : لا عليك: (اشتريها) لم يقل: أعينيها في المكاتبة، ولكن قال: (اشتريها) وفي بعض الروايات: (خذيها) ، تأخذها بماذا؟ تأخذها بالشراء: (اشتريها وأعتقيها) .

стр. 1976

الشروط الباطلة غير معتبرة ولو كانت مائة شرط بالشراء يصح أن تعتق؛ لأن العتق فرع عن الملك، وهنا وقفة خطيرة في قوله: (اشترطي لهم الولاء) ، كيف تشترط لهم الولاء عندما تشتريها وحقيقة الأمر أنه: ليس لهم ولاء؟! هل نعبر عن هذا بمغايرة الواقع؟! في غير بيت النبوة نقول: هل هذا خداع للبائع؟ لأنه تساهل معك، وباعك على أن الولاء لهم، والولاء جزء من الثمن، فحينئذ تقول: نعم لك الولاء، ثم ترجع وتقول: ليس لك ولاء! فضيعت عليه الولاء! قالوا: هذا بعيد عن فعل رسول الله ﷺ ، ولكن كيف يقول هذا الكلام؟! قالوا: لأنه سبق أن أعتقت رقاب عديدة، وأخبرهم سابقاً: بأن الولاء لمن أعتق، فكيف -مع علمهم المسبق- يريدون من عائشة أن تشتريها، وتعتقها، ولهم الولاء، على خلاف ما علموه من رسول الله ﷺ من قبل؟ إذاً: بما أنهم اشترطوا شرطاً باطلاً، ويعلمون بطلانه، فهو تجاوز منهم للحد، والشرط الباطل لا اعتبار له، ولو كان مشروطاً في مجلس العقد، فاشترتها وأعتقتها، وهنا يجري التشريع العام، ولا تأثير لما أحدثوه من شرط باطل. إذاً: القضية بين أربعة أشخاص: سيد بريرة وبريرة وعائشة ورسول الله ﷺ ، أي: طرفا البيع والشراء، والسلعة، والرسول ﷺ الذي سمع الخبر، وهذا لا يكفي لإعلان الموضوع، وتأكيده؛ ولذا لما تم شراؤها وعتقها، وثبت الولاء لـ عائشة -بمقتضى هذا الشراء- العتق صعد النبي ﷺ المنبر. وهنا تأتي رسالة منبر رسول الله ﷺ ، وكنت حاولت أن أجمع رسالة في القضايا الخطيرة التي عولجت على أعواد منبر رسول الله ﷺ ، وهي عظيمة وعديدة وكثيرة، هذا المنبر الذي أدى رسالة أعظم من أي منصة في أكبر جامعة، صعد النبي المنبر، وكان ﷺ إذا أراد أن يُبلغ أمراً، أو يشرح أمراً، أو يعلم الناس شيئاً، قال: احضروا المنبر؛ فيعلم الناس بعضهم بعضاً، فيحضرون حول المنبر، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وهذا من شروط الخطبة وآدابها، ثم هل قال: -لماذا يا أهل بريرة! فعلتم؟! لا، - ولكن قال: (ما بال أقوام) ، هم قوم فقط، وهم أهل بريرة، ولكن عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينبغي التشهير؛ لأن تسمية أشخاص بأعيانهم في صلب التشريع ليس مهماً، فأصحاب الكهف: ثلاثة ورابعهم، خمسة وسادسهم، سبعة وثامنهم، من هم؟ وما أسماؤهم؟! وما الذي يفيدنا من معرفة أسمائهم؟! بل الذي يفيدنا صلب القضية، وماذا كان منهم وعليهم، وهذا موسى يخاطب فتاه كما قال الله تعالى حاكياً عن موسى: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف:٦٢] ، وهو الذي سافر معه، وحمل الغداء؛ ولذا يقول ابن تيمية ﵀: الشخصيات، والعينيات التي لا تعلق لها بالتشريع، لم تسم؛ لأن أسماءها لا تزيد في التشريع شيئاً ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه:١٧-١٨] من أي شجرة؟ لا نتدخل، وما طولها وما عرضها؟ لا نتدخل، عصا يتوكأ عليها. وهكذا (ما بال أقوام) الغرض بيان الحكم، وشرح القضية للناس، أما ما يتعلق بنوعية الأقوام والأشخاص والأفراد فهذا لا يغير في الموضوع شيئاً (ما بال أقوام) ، وأقوام جمع قوم، والقوم في اللغة يطلق على الرجال، ولا يدخل فيه النساء، كما قال الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء وكما في قوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١] ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات:١١] ، فلفظ قوم يختص بالرجال، (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله) يعني: ليست في كتاب الله بنصها وفرعها وكل موضوعها! يعني: ما بال أقوام يشترطون ولاءهم في عتق بريرة، وليس هذا النص في كتاب الله؟! كتاب الله لم يأت من أجل بريرة، ولا من أجل سعدة! إنما هو تشريع عام، ولكن كما يقول ابن حجر: يشترطون شروطاً ليست على نهج كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، بل ويزيد البعض: وإجماع المسلمين، أبيعك هذا العبد بشرط ألا تعتقه أبداً، دعه عندك حتى يموت! لماذا؟ هذا يتنافى مع مقتضى العقد؛ لأنني بشرائي العبد امتلكته كامل الملك، وكمال الملك يعطيني الحق بأن أتصرف فيه تصرفاً كاملاً، ومن التصرف الكامل: أن أبيع، أن أهب، أن أعتق إلخ، لكن أبيعك عبداً بشرط أن تعتقه، هل عتق العبد في كتاب الله أم لا؟ في كتاب الله؛ لأن الشرع حث على تحرير العبيد. إذاً: القرآن جاء بعتق العبيد، لا بمنع العتق، فإذا اشترط عليك: أن تعتقه، كان شرطاً في كتاب الله، وإن اشترط ألا تعتقه كان شرطاً ليس في كتاب الله، وهكذا، يعني: ما بال أقوام يخترعون من عند أنفسهم شروطاً لم يأت بها دين الإسلام، كل شرط ليس في دين الله -ضعها محل كتاب الله، يتبين لك المعنى- كما جاء في الحديث الآخر: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود، كل شرط ليس في كتاب الله، أي: على مقتضى تشريع الله في كتابه، ولا على تشريع الله في سنة رسوله ﷺ ، ولا على تشريع الله في إجماع علماء الأمة؛ فهو باطل، وإن كان مائة شرط. ويقولون: ذكر المائة هنا للمبالغة، فإذا كانت مائة شرط وهي مغايرة لكتاب الله فهي باطلة، أما لو كان شرطاً وشرطين فهل يقبل؟ لا، لا يقبل الباطل، كثيراً كان أو قليلاً، وقال: (قضاء الله أحق) أي: حكمه، وقضى ربك كذا، (قضاء الله أحق) أحق أفعل تفضيل من الحق ضد الباطل. وقوله: (وشرط الله أوثق) ، شرط الله: ما أباحه الله وأجازه، فهو أوثق من الشروط الأخرى؛ لأن الشرط الصحيح ملزم وموثق ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام:١٥٢] ، فالمؤمنون على شروطهم.

стр. 1977

الولاء لمن أعتق وقوله: (وإنما الولاء لمن أعتق) ، كل ما تقدم مقدمة، ثم قال: (وإنما الولاء لمن أعتق) ، وهذه جملة مبنية على يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، وهو اشتراطهم الولاء لهم، وإن لم يكونوا هم الذين أعتقوا، أي: اشتراطكم ذلك باطل، والصحيح أن الولاء لمن أعتق، سواء كان رجلاً أو كانت امرأة، أو كان عبداً مملوكاً، فلو كان عبداً مملوكاً وسمح سيده له بالاتجار، وامتلك العبيد، وأعتق، صار ولاء عبيده -الذين أعتقهم- له، فإن ماتوا، ولم يتركوا عاصباً، ورثهم بالولاء، مع أنه إذا مات أبوه، أو مات أخوه لا يرثه؛ لأنه مملوك، لكنه ورثهم بالولاء. وقوله: وعند مسلم قال: (اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء) . (اشتريها) مثل كلمة: خذيها، ويبين أن هذا عقد جديد، وأن عقد المكاتبة قد أُلغي، وأن بريرة جاءت تطلب المساعدة، لكن تغير الموقف وانقلب إلى بيع وشراء: (اشتريها وأعتقيها) ، فبناءً على شرائك إياها، ماذا كانت النتيجة؟ ماذا كانت نهاية بريرة؟ عُتقت، وألغي شرط البائعين، وأصبحت معتوقة لـ عائشة رضي الله تعالى عنها. تتمة لقضيتها، ألم نقل: إن ابن خزيمة ذكر عن فلان أنه أخذ أربعمائة مسألة فقهية من قصتها، فقصتها مهمة وليست عادية، فبعدما أُعتقت، وملكت نفسها، تتمة للحكم أخبرها ﷺ أنها ملكت نفسها، وهي بالخيار بين بقائها زوجة بالعقد الأول، وبين اختيارها لنفسها، وينفسخ عقد الزواج بينهما برغبتهما. إذاً: قبل أن يبين لها، قال لها: (لا تعجلي) حفاظاً على العقد السابق، وعلى عقد الزوجية والحياة الزوجية، فاختارت نفسها. وهذا التخيير -في باب الطلاق، وكتب الفقه- موجود بين الزوجين الأحرار، ويسمى التخيير والتمليك، فإذا جاء الزوج وبينه وبين الزوجة وئام وعشرة طيبة، ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] ، ثم بدأ من الزوجة بعض النفرة، وهو لا يحب أن يطلقها ابتداءً من عنده، فيقول: نحن كالأخوين، وحياتنا مبنية على الكرامة، وحفظ المعروف، وأنا لا أتحكم لكوني أملك الطلاق -لأن الطلاق لمن أخذ بالساق- ولكن أُخيرك على ما أردتي، خيرتُك بيني وبينك، هذا التخيير يعطيها الحق بأن تقول: اخترتك، أو أن تقول: اخترت نفسي، فإن قالت: اخترتك، فيتفق العلماء على أن هذا التخيير الذي صدر منه لا يحتسب من الطلقات الثلاث؛ لأنه عرض عرضاً ولم يتم، وإن قالت: اخترت نفسي، فسخ النكاح، وهذا الفرق بين التخيير والتمليك، أقل ما ينفسخ به النكاح واحدة، أما التمليك، فيقول: ملكتك نفسك بطلقة بطلقتين بثلاث وبقدر ما ملكها تتصرف، فإن قال: ملكتك طلقة، فقالت: طلقت نفسي ثلاثاً، فبعض العلماء يقول: لم يحصل شيء؛ لأنه أعطاها واحدة وطلقت الثلاث، هو أعطاك واحدة، فلم تمتلكي الثلاث، ولم تستخدمي الواحدة التي أعطاك إياها، وبعضهم يقول: هو أعطاها واحدة، وهي طلقت ثلاثاً، والثلاث مشتملة على الواحدة ضمناً، فتكون الواحدة قد وقعت. وهكذا التخيير والتمليك حكم موجود بين الزوجين الأحرار حينما يكون هناك حسن العشرة، ويقولون: إن الزبير بن العوام كان مع زوجته في عشرة وفي مؤانسة طيبة، فاستحت أن تطلب منه الطلاق، وهو لم تطب نفسه أن يطلقها، وسكتت إلى قبل الوضع، وفي يوم جمعة، قالت: يا فلان! لم أطلب منك شيئاً إلا وأعطيتني، أريد أن تقر عيني بطلب واحد، قال: ما هو؟ قالت: تملكني نفسي إلى أن ترجع من الصلاة، فأحس أني طليقة، وأني حرة، وأني أملك أمر نفسي، قال: مرحباً، ملكتك أمرك إلى بعد الصلاة، فذهب وجاء فوجدها متغطية، فقال: ما بك؟! قالت: ملكتني نفسي، واخترت نفسي، وقد وضعت وخرجت من عدتك -امتلكت نفسها فاختارت نفسها فعليها العدة، ووضعت حملها، فخرجت من العدة- قال: خدعتيني. إذاً: التخيير والتمليك حكم موجود في باب الطلاق، فهنا أخبرها بأن أمرها في يدها، ماذا كان الأمر؟ اخترت نفسي، فعلم زوجها بهذا التخيير، وامتنعت عليه، قالوا: وكان يحبها أشد ما يُحب الرجل زوجه، فكان إذا رآها في الشارع، تبعها ويبكي ويستعطفها؛ لترجع إليه، وهي لا تلتفت إليه، ولا ترد عليه جواباً؛ وعلم بذلك الناس، وعلم الرسول ﷺ -وهو بالمؤمنين رءوف رحيم- فأشفق على زوجها، واسمه: مغيث، وفي يوم أصبحت عند عائشة؛ لأن عائشة مولاتها، وأصبحت واحدة في بيت رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : (يا بريرة! انظري زوجك، انظري في أمره، فإن أمره صار شديداً، فقالت -كما ذكرنا سابقاً-: يا رسول الله! أشافع أنت أم آمر؟) أقول: إن هذه الكلمة لا تفي بها قواميس الأدب، ومهما تطاول أديب بأن يُبين مدى أدبها مع رسول الله ﷺ فلن يبلغ هذه الكلمة. أشافع -والشفاعة ليست لازمة- أم آمر؟ والأمر لازم، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] ، فقبل أن تجيب تأكدت من أمر رسول الله ﷺ أهو شفاعة وشفقة بـ مغيث أو هو أمر وإلزام لها؟ فلما قال لها: (شافع) ، والنبي ﷺ زوج عائشة، وهي عتيقة زوجه، وأدبياً واجتماعياً له الحق أن يأمرها، ولن ترد عائشة أمره فيها، ولكنه يعطيها الحق المشروع لها.

стр. 1978

حرية الكلمة في الإسلام لنعلم مدى حرية القول والكلمة في الإسلام -ولكن في محلها- فهذه امرأة مملوكة معتوقة لزوجه ﷺ يعرض عليها أمراً رفيقاً، فتستفسر فيجيبها بالرفق أيضاً، ولا يفرض سلطته عليها، مع أنه له الحق في ذلك ولو لم تكن معتوقة لزوجه؛ قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] سبحان الله! إذاً: من حقه أن يأمرها وينهاها، فالمرأة التي جاءت تعرض نفسها وتهب نفسها للنبي ﷺ ، ولم تكن له حاجة فيها، فقال رجل: زوجنيها يا رسول الله! فزوجه، بأي حق زوجه امرأة أجنبية؟! لأنه أولى بها من أبيها وأخيها، وكل عصبتها، فبولائه عليها امتلك حق التزويج، وهنا لم يفرض هذا الحق على هذه الجارية، وإنما قال: (أنا شافع) ، ما أعظمها من كلمات! وما أشرفه من موقف! فإذا بالجارية التي عُتقت بالأمس تجابه رسول الله ﷺ بصراحة الحق الناصع: (لا حاجة لي فيه) . فكأنها تقول: نعم، شفاعة طيبة وحسنة، ولكن أنا لا أستطيع أن أنفذ هذه الشفاعة، أي إنسان مهما عظمت منزلته، في أي دولة هل يمكن أن يرفض شفاعة رئيس الدولة في أمر أكبر من هذا، والله لا يقدر، لو قال: يا فلان أطلب منك كذا، فسيقول: سمعاً وطاعة على الرأس والعين، ولو رغماً عنه؛ لأنه لا يستطيع أن يجابه رئيسه الأعلى، رئيس الدولة بطلب يطلبه، ويرفض ذلك! وهذه جارية تجابه رسول الله ﷺ بقولها: (لا حاجة لي فيه) . علموا الناس الحرية الحقيقة في الإسلام، احترام الكلمة، واحترام الشخصية، وإعطاء الحقوق لأهلها، فهذه جارية وأعطاها حقها إلى هذا الحد، ولم يعنفها، فإذا لم يكن لك فيه حاجة فأنت وشأنك، وأنا أديت الذي عليّ، وشفعت فيه، وبعد هذا فالأمر إليك. من يستطيع أن يصور المعنى، ويبين هذا للعالم؟! وأصبحت بريرة حرة، ومغيث ذهب في سبيله.

стр. 1979

سنة ثالثة وردت بسبب بريرة وجاءت في بريرة سنة ثالثة: حينما دخل ﷺ وطلب الغداء، فأتوه بخل وزيت وملح، فقال: (ألم أرى البرمة على النار؟) ومن حق الرجل أن يستطلع ما في بيته، لماذا خصصتم أنفسكم بهذا!؟ ولا يجوز للمرأة أن تختص نفسها بطعام دون زوجها أو عيالها، لماذا احتفظتم بالبرمة لكم وناولتموني الخل والملح؟! اعتذروا، وقالوا: لا، يا رسول الله! إن البرمة لا تحل لك! لماذا؟ ما هو السبب؟ لأنها صدقة، (لحم تصدق به على بريرة، فقال: هو عليها صدقة، ولنا منها هدية) انظروا التحوير، التحوير المعنوي غيرّ الحكم، إننا بالأمس نقول: التحوير المادي، وهنا تحوير معنوي: (هو عليها صدقة، ولنا منها هدية) ، ما رأيك -يا بريرة - أتهدينا أو لا؟! فهل ستقول: لا؟! حكم عليها بأنه هدية، فستفرح بذلك بريرة لتهدي الرسول الله ﷺ طعاماً. هنا قضية صغيرة كنت قد سمعتها من الشيخ الأمين، والشيء بالشيء يذكر، كان هو وبعض القضاة في سفر، ونزلوا على قوم، وقام الناس وذبحوا لهم، والوقت وقت الظهر، وكانوا جائعين، فالشيخ الأمين انتظر الطعام والشراب وما حضر، وكانت هناك جارية ومعها عصيدة، وضعت عليها السمن، وبجوارها اللبن، وتأكل، فقال لها: يا جارية! أليس عيب عليك أن تأكلي والضيوف ينظرون جائعين؟! قالت: ما بك يا شيخ؟! أما علمت أن الناس قد ذبحوا لك ذبيحة؟! فتركت الذبيحة، وتتطلع إلى ما في يد الجارية! قال: نعم، هذا حاضر ناجز، وذاك غائب، قالت: أتحب أن تأكل منه؟ قال: نعم، قال: فقامت -فرحانة تجري- وحمّت العصيدة، وزادت السمن، وأتت باللبن من أجل أني قلت لها: أريد أن آكل من طعامك، وفرحت جداً وأتت به، يقول: فأكلت حتى شبعت، فقالت: تريد شاي (أتاي) ، قلت لها: نعم، فذهبت وفعلت الأتاي، وشربت ونمت مبسوطاً، صاحبه يقول له: يا شيخ! أنت لم تسمع ما قالت لك الجارية؟! الناس ذبحوا لنا الذبيحة، وتركت الذبيحة! قال: انتظر إلى أن تأتي الذبيحة! وبعد العصر جاءت الذبيحة، فالشيخ أخذ يأكل من الذبيحة بهدوء. يهمنا بأنه ﷺ قال: (وهو لنا هدية من بريرة) ، ثقة برضاها وفرحها بأنها ستهدي إلى رسول الله ﷺ ، وإن كان هناك فرقاً بين القصتين، ولكن ذكرناها إيضاحاً للمعنى، وبالله تعالى التوفيق. أقول: الواجب على طالب العلم المتفرغ -ولا يوجد شبه المتفرغ- أن يأخذ مثل هذا الحديث الذي يعتبر كنزاً وموسوعة ومجالاً فسيحاً جداً لإعمال الملكة الفقهية، وإعمال الذهن، في استخراج الأحكام، كما سمعنا عن ابن خزيمة أن هناك من استنبط منه أربعمائة مسألة، وكما سمعنا عن الشافعي في قوله ﷺ : (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) ، جملتان صغيرتان يستخرج منهما أربعين مسألة فقهية. إذاً: طالب العلم لا يمر على الحديث مرور الكرام، فيقرأه كقراءة الصحف أو المجلات أو المواضيع العادية، ولكن يقف عند كل لفظة، وعند كل كلمة، وعند كل جملة، وعند كل تركيب؛ ليرى فيها أصول التشريع، وبالله تعالى التوفيق. وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1980

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [٥] هناك بيوع حرمتها الشريعة الحكيمة لمفاسدها الكثيرة، ومن ذلك تحريم بيع أمهات الأولاد وبيع فضل الماء وبيع ماء الفحل وبيع حبل الحبلة، وقد بين أهل العلم أحكام هذه البيوع، وحكمة الشريعة من تحريمها.

стр. 1981

شرح حديث نهي عمر عن بيع أمهات الأولاد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أما بعد. قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ قال: (نهى عمر عن بيع أمهات الأولاد فقال: لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، يستمتع بها ما بدا له، فإذا مات فهي حرة) رواه مالك والبيهقي، وقال: رفعه بعض الرواة فوهم] . يذكر المؤلف ﵀ عن عبد الله بن عمر، أن عمر رضي الله تعالى عنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، أمهات الأولاد الأصل أنهن إماء وجواري مملوكات، وللسيد أن يستمتع بمملوكاته بملك اليمين، والاستمتاع بملك اليمين جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣] ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٥-٦] . وعبر عن الإماء بـ ((ما ملكت أيمانهم)) ؛ لأن الغلبة في مواطن القوة تسند إلى اليد اليمنى؛ لأنها الأقوى ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة:٤٥] وقال بعضهم: إذا ما راية رفعت لمجد تلقاه عراضة باليمين ولما كان الجهاد بذلاً للقوة، وبذلاً الطاقة؛ عبر عن الأسارى الذين يؤخذون في الجهاد بملك اليمين التي هي شعار القوة، وتقدمت الإشارة إلى أن الإسلام لم يبح استرقاق البشر إلا في ميدان القتال، وفي غير ميدان القتال لا رق، وموجبه أن الكفار عارضوا مسيرة الإسلام، وأرادوا أن يوقفوها، وأن يستبدلوا بالإسلام غيره، فلما قدر عليهم بالأسر استرقوا وسلبوا الحرية.

стр. 1982

سرُّ جواز الاستمتاع بملك اليمين من غير حد بعدد وهنا يقول عمر: لا تباع ولا توهب، ولكن يستمتع منها ما شاء، فإذا مات عتقت. ومن هنا نعلم السر في أن الله سبحانه أباح للحر أن يستمتع من الحرائر بعقد النكاح بأربع، ولكن الاستمتاع بملك اليمين بلا عدد ولا حد، فلو امتلك أربعين أمة، أو مائة أمة فله أن يستمتع بجميعهن. وهذا موضع تكلم المستشرقون من خلاله على الإسلام، وقالوا: إنه أعطى الرجل المجال لإشباع غريزته ورغباته فيمن شاء من النساء، وغاب عنهم قول عمر: فإذا مات عتقت، وهو أن السيد إذا ما استولد الأمة، أو مجرد أن حملت منه، ولو سقط الجنين وتبينت فيه خلقة الإنسان، فإنها تصبح في عرف الشرع أم ولد، يعني: أم ولد للسيد، فإذا مات عتقت من رأس ماله، لا من الثلث، فإذا لم يترك إلا أم ولد فقط فإنها تعتق، وليس هذا كالذي تقدم: أن رجلاً أعتق عبداً له عن دبر، فباعه رسول الله ﷺ ؛ لأن الرجل كان مديناً، فاسترجع العتق وباعه، وسدد الدين، أما أم الولد فلا تباع في الدين؛ لأنها بمجرد موت سيدها اكتسبت الحرية، فنقطة الصفر التي فاضت فيها روح سيدها هي نقطة الصفر التي تحررت فيها؛ ولهذا لا ترث؛ لأنها لم تكتسب الحرية في حياته، ولكن بعد أن انتهت حياته بدأت حريتها، فلم يلتقيا. وعلى هذا فمن حكمة الشرع أن أباح للرجل الحر أن يستمتع من الإماء بقدر ما شاء؛ لأن استمتاعه من الإماء بمثابة الطعم له في السنارة؛ لأنه بمجرد أن تحمل منه الأمة تصير أم ولد، وبذلك تكون قد اقتربت من التحرر، والشرع يحث على تحرير الرقيق. والمرأة التي تملك العبيد لا يحق لها أن تمكن نفسها من واحد منهم؛ لماذا؟ لأن ولدها سواءً كان من حر، أو من عبد، أو من ملك يمين؛ يكون حراً، إذاً: تمكينها العبد لا يأتي بجديد، بخلاف الأمة فإنها بذلك تكتسب الحرية، وولدها يصير حراً، ونسلها كذلك يكونون أحراراً، فاستمتاع السيد بالأمة لمصلحتها هي، وليس لمصلحته هو؛ لأنها تخرج من ملكه إجبارياً دون اختياره.

стр. 1983

النهي عن بيع أمهات الأولاد الذي حصل في قصة عمر أنه كان جالساً فسمع صياحاً، فقال: يا يرفأ! -غلام له- انظر ما هذا الصياح! فذهب فوجد امرأة بيعت دون ولدها، باعها سيدها ولم يبع ولدها؛ لأن ولدها حر، إذ أنه من رجل حر، ولو حملت من غير سيدها فإن الولد يكون مملوكاً، أما إذا حملت منه فولده يصير حراً، وأمه تتحرر بموت السيد، فقال: إن أم ولد تباع، والصياح بين ولدها وبينها! فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ادع لي من كان هنا من قريش. فجمعهم وقال: هل ترون الإسلام جاء بقطعية الرحم أم أنه جاء بوصلها؟! قالوا: جاء بوصلها، قال: أرأيتم لو أن أحدكم من أم ولد وبيعت أمه وفُرّق بينهما أيقبل ذلك؟! قالوا: لا، قال: إذاً: لا تباع أم ولد بعد اليوم، ونهى عن بيع أمهات الأولاد. وإذا نظرنا إلى أمهات الأولاد فإننا نجد أن النهي عن بيعهن؛ لأنهن اقتربن من الحرية، فمتى مات سيدها تحررت وصارت حرة، لكن هناك شيء آخر: إذا اشترى الإنسان الأمة ومعها أولادها -من غيره- أو أنه زوجها لعبد، أو لحر، وأنجبت، فأولادها في الرق يتبعونها في ذلك، فأراد أن يبيعها، فقد جاء النهي عنه ﷺ أن يفرق بين المرأة وولدها -أي: الأمة وولدها- أو بين الأخ وأخيه، قال: إما أن يباعا معاً -الأمة والولد- وإما أن يبقيا معاً؛ تجنباً لقطيعة الرحم، وقاس العلماء زيادة على ذلك: كل ذي رحم لا يجوز أن يفرق بينهما. وقال الآخرون: النص موجود في الأمة وولدها، والأخ مع أخيه فقط. وهل هذا النهي عام يتناول جميع مراحل العمر أم أنه خاص بما دون البلوغ؟ قال البعض: إذا ما بلغ الولد وأصبح مستقلاً، فلو بيعت أمه وحدها فلا مانع؛ أما دون البلوغ فلا يجوز؛ لأنه ما زال صبياً، وهو في حاجة إلى أمه، وعطفها عليه.

стр. 1984

من هي أم الولد ؟ عمر رضي الله تعالى عنه أول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وسواء كان لها ولد حاضر، أو مات ولدها، المهم أنها جاءت بولد من السيد، فثبت أنها أم ولد بهذا الولد، فإذا عاش الولد سنة، أو سنتين فمات، فإن ذلك لا يخرجها عن كونها أم ولد، وتصير حرة بموت سيدها، وهل تباع؟ لا؛ لماذا؟ لأنها أمسكت بأول خيط للحرية؛ فلا تباع، ولا توهب، ولا ترهن، فكل عقد يئول إلى نقل ملكيتها، لا يجوز، فلا تورث، ولا توهب، ولا تباع، ولا ترهن؛ لأن كل ذلك ينقل الملكية، والسبب في ذلك ما هو؟ أنها في طريق الحرية. هذا ما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه. وبعضهم -كما قال المؤلف- يرفعه إلى النبي ﷺ أنه كان جالساً فسمع، فسأل، فمنعه، فإذا كان الأمر مرفوعاً إلى النبي ﷺ فهو أصل في التشريع، وإذا كان موقوفاً على عمر، فـ عمر حينما قال ذلك قاله على ملأ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ووافقوه، وإن كان قد حدث أن علياً رضي الله تعالى عنه كان موافقاً على هذا، وبعد عمر رأى علي أن تباع، فقيل له: كنت مع عمر موافقاً! قال: والآن بدا لي ألا أوافق. قالوا: رأيك مع غيرك أحب إلينا من رأيك وحدك. فقال علي وأنا لا أحب المخالفة، امضوا على ما كنتم عليه. إذاً: المخالفة للجمهور ليست جيدة، وكما قال ابن مسعود للذي اشتكى عثمان بأنه أتم في منى، وقد قصرنا مع رسول الله ﷺ ، وقصرنا مع أبي بكر، وقصرنا مع عمر، انظر ما فعل الرجل! قال: يا ابن أخي! الخلاف شر، فإن صليت في رحالك فاقصر، وإن صليت معه فوافقه. ومحل الشاهد عندنا قوله: (الخلاف كله شر) ، وهنا علي رضي الله تعالى عنه يقول: لا أحب الخلاف، امضوا على ما كنتم عليه، ولو كان على غير رأيه الذي استجد له.

стр. 1985

شرح حديث: (كنا نبيع سرارينا) قال ﵀: [وعن جابر ﵁ قال: (كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد، والنبي ﷺ حي، لا يرى بذلك بأساً) رواه النسائي وابن ماجة والدارقطني، وصححه ابن حبان] . المؤلف يأتي بالحديث هذا -حديث جابر - (كنا نبيع سرارينا -جمع سرية-: أمهات الأولاد) يعني: الذي نهى عمر عن بيعهن كنا نبيعهن زمن رسول الله ﷺ ، (ولا يرى بذلك بأساً) فكيف عمر رأى به بأساً؟! إذاً: المسألة متعارضة! قالوا: ليس عندنا من اليقين الذي يجعلنا نجزم بأن النبي ﷺ كان يعلم ببيعهم سراريهم، ولم يثبت أن رجلاً جاء وقال: يا رسول الله! بعت سريتي -أم ولد-، وكونه موجوداً وفي عهده؛ مظنة لعلمه به، والمظنة غير اليقين، وكما قالوا: (كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهينا عنه) . مع أن النهي قد جاء في صحيح مسلم والترمذي وغيره، وأنها الموءودة الصغرى: (أو تفعلون؟! ما من نفس منفوسة إلا وهي آتية، شاء أحدكم أم أبى) ، (ولو أن أحدكم ألقى الماء على حجر، وأراد الله أن يأتي بالولد لجاء) والرجل الذي جاء واستفسر الرسول ﷺ : (إن لي جارية، وأريد منها ما يريد الرجل من المرأة، وأخشى أن تحمل، أفأعزل؟ قال: اعزل أو لا تعزل ما قدر لها سيأتيها، وبعد سنة جاءه وقال: يا رسول الله! الجارية حملت، قال: الله أكبر! أنا عبد الله ورسوله ﷺ لو أن أحدكم ألقى الماء على حجر وأراد الله منه الولد لجاء) ، والآن الطب يثبت هذا، فلو أراق الرجل الماء على حجر، وتجمرت به امرأة لنفذ الماء إلى الداخل وحملت، وهو شبيه بالتلقيح الصناعي، -الذي ملئوا به الدنيا صياحاً- فيؤخذ الماء من الرجل، ويوضع في رحم المرأة، وتتلقح بدون علاج، وبدون جماع، قالوا: كنا نعزل والوحي ينزل، فمن قال لكم: إن رسول الله ﷺ اطلع على هذا: فهذه أمور فرضية، وقد جاء النهي عن ذلك، وهنا كذلك، يقول: والرسول حي. فالذين وافقوا عمر رضي الله تعالى عنه يقولون: ليس عندنا دليل قاطع بأن الرسول ﷺ علم، وأقر، وسكت، وإنما لوجوده بين أظهرهم فمظنة ذلك أن يعلم بمثل هذه الصور. وبعضهم يقول: الحديث الأول مرفوع، فيكون ناسخاً لهذا؛ لأن المنع مقدم، والمنع إنما يكون بعد الإباحة؛ لأن الإباحة على الأصل والبراءة الأصلية، فجاء المنع فنسخ البراءة الأصلية، فيكون المنع هو المقدم.

стр. 1986

شرح حديث: (نهى عن بيع فضل الماء) قال رحمه الله تعالى: [وعن جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء) رواه مسلم] . من المنهي عن بيعه: بيع أم الولد، وكذلك التفريق بين ذوي الرحم، وجاء في الحديث: (من فرق بين الأم وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) ، ولا يدخل في هذا ما إذا كان يملك أمة، وزوجها وأنجبت، فأصبح يملكها ويملك ما أنجبته، فإذا باع باع الجميع، وإذا أبقى أبقى الجميع.

стр. 1987

المراد بفضل الماء وبعد ذلك جاء بالنهي عن بيع فضل الماء، والفضل هو: الزائد عن الحاجة سواء كان الماء للشرب واستعمال الآدمي، أو كان للزرع وسقي الحيوان؛ لأن هذه هي أنواع استعمال الماء، فهناك ماء لاستهلاك الشخص، وماء للزرع، وماء لسقي الحيوان، فهنا نهى عن بيع فضل الماء، و (ال) هنا للجنس، وقد حملها كثير من العلماء على جنس الماء، وفضل الماء: ما زاد عن حاجة صاحبه، فإذا حفر بئراً، وجاء الماء، فله أن يستعملها استعماله الشخصي، وما زاد عن حاجته فهو فضل، وإذا سقى زرعه، فما زاد عن حاجة زرعه فهو فضل، وإذا كانت عنده ماشية، فسقى الماشية، وبقي فضل من الماء عن ماشيته، فكل ذلك داخل في فضل الماء.

стр. 1988

حكم بيع فضل الماء اختلف العلماء: هل النهي هنا للتحريم أو للكراهة والتنزيه؟ ونفرق بين الماء وموقع الماء، فسواء كان الماء في بئر أو في عين، أو في غدير، أو حفرة امتلأت ماءً وزادت عن حاجة صاحبها، كذلك إذا كان في الخلاء، ومعه ماء فائض عن حاجته، ووجد من يضطر إليه، فهذه مسألة أخرى: ويتعين عليه أن يبذل الفائض من مائه للمضطر إليه، ولو منعه الماء حتى مات فإن كان تعمد المنع لإماتته؛ اقتص منه، وإن لم يكن تعمد فعليه ديته؛ لأنه تسبب في وفاته بشيء هو في غنى عنه. ويقول بعض العلماء: إن النهي عن بيع فضل الماء قد نسخ، وبعضهم يقول: هذا للكراهية والتنزيه؛ للإرفاق بين المسلمين، ويجوز بيعه، هذا كله إذا كان الماء في موطنه: في بئره، في عينه، في مجرى السيل، في حفرته في الخلاء، أما إذا حازه لنفسه: في وايت، في قربة، في إبريق، فلا يحق لأحد أن يزاحمه عليه. ولا يدخل في فضل الماء ما إذا كان الشخص لديه ماء في خزان البيت، ويكفيه لعدة أيام أو أسابيع، فهذا ليس فائضاً عن حاجته، فإن كان فائضاً الآن فهو في حاجته غداً.

стр. 1989

بيع الماء في زمن النبوة بعضهم يقول: كان بيع الماء موجوداً في عهد رسول الله ﷺ ، وكما في قصة بئر رومان -بئر عثمان - كان رومان -وهو رجل يهودي- يبيع الماء على أهل المدينة، فيأتون ويستسقون منه القربة بكذا أو الإناء بكذا، فضيق على المسلمين، فقال ﷺ : (من يشتري بئر رومان، يوسع به على المسلمين، وله الجنة) فذهب عثمان رضي الله تعالى عنه إلى رومان وساومه على البئر، فامتنع؛ لأنها مورد كسبه، فقال: لا أبيعها أبداً. فأعطاه وساومه إلى أقصى حد، قال: هلاّ بعتني نصفه، وساومه على النصف بقريب من ثمن الجميع، فرضي وفرح رومان، وباعه نصف البئر، فلما امتلك عثمان نصف البئر، اتفقا على تناصف البئر، على أن يكون يوم لـ عثمان، ويوم لـ رومان، ولما اتفقا على ذلك، أعلن عثمان لأهل المدينة: اليوم الفلاني لـ عثمان، واليوم الفلاني لـ رومان ففي يوم عثمان من أراد الماء مجاناً فليأخذه، فكان الناس يأخذون الماء في يوم عثمان، وكان رومان ينتظر في يومه فلا يأتي إليه أحد؛ لأنهم اكتفوا بماء الأمس -ماء عثمان - فأتى رومان وقال لـ عثمان: اشتر الباقي. قال: لست في حاجة إليه، وهذه بصيرة المسلم! (اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله) . فكان رومان يبيع الماء في عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يجوز ما دام في حوزته، وفي بئره، أو في ملكه، أو في عينه التي تجري في أرضه، أما الأماكن والمواطن العامة، فلا يجوز بيعه فيها، كالسيل الذي يجري تأتي وتبيعه! أنت لا تملكه، فكيف تبيعه. فأجاب المانعون وقالوا: هذا ليس بدليل، رومان يهودي، واليهود كانت لهم سلطة في المدينة، وقد جاء الرسول ﷺ ولهم نفوذ في المدينة، إلى أن كتبت الصحيفة بينهم، فما كان للرسول ﷺ أن يعارض أعمالهم وتصرفاتهم. ولكن هذه الحجة ليست قائمة؛ لأن الصحيفة جعلت رسول الله ﷺ مرجعاً لكل ما اختلفوا فيه، فأصبح الرسول ﷺ هو الحاكم في المدينة على كل الطبقات: اليهود، والمسلمين، والمشركين، والمنافقين، الكل تحت إمرة رسول الله ﷺ وحكمه.

стр. 1990

حديث: (الناس شركاء في ثلاثة) وعلاقته بهذا الباب هذا الموضوع فتح على الناس أبواباً أخرى، فقالوا: لا يجوز أن يبيع الحطب الزائد، ولا الكلأ الموجود في أرضه، فلا يمنع غيره من أن يرعاه، إذا كان زائداً عن حاجته، واستدلوا بحديث: (الناس شركاء في ثلاث) ، وقامت فتنة الاقتصاد على هذا الحديث ممن جهله. والتحقيق: أن الناس شركاء -صحيح- في الماء، والنار، والكلأ، والنار يتبعها الحطب، لكن شركاء في ما هو عام، الآن في الوقت الحاضر، في الشعاب، والوديان، لكل واحد منا أن يقول: الناس شركاء، من شاء فليذهب فليحتطب، وما احتطبه فهو له، ولا يمنع أحد أحداً؛ لأنهم شركاء فيه، ومن سبق إلى شيء أخذه، ولكن بعد أن يحتطب ويحوزه هل تأتي وتقول: أحضر نصف الذي عندك، أنا شريكك؟! أنا قائم من الليل، أجمع الحطب، وأكسر، وأحزم، وأحمل، وأمشي، وأنت قاعد في بيتك، فتأتي وتقول: أنا شريك معك! لا يمكن هذا أبداً. والشاب الذي جاء يطلب رسول الله ﷺ الصدقة، فوجده جلداً قوياً، فقال: يا هذا! الصدقة لا تحل لك، قال: ما عندي شيء، أنا وعجوز في البيت لا نمتلك إلا حلساً نفترش نصفه، ونلتحف بالنصف الثاني، وقعباً نأكل ونشرب فيه، قال: عليَّ بهما. فباعهما ﷺ بدرهمين -في المسجد- وقال: خذ هذا الدرهم واشتر طعاماً واجعله عند أمك، وهذا الدرهم اشتربه فأساً وحبلاً وائت، ثم جعل عوداً في الفأس وقال: اذهب فاحتطب، ولا أرينك خمسة عشر يوماً، احتطب وبع، هذا الذي يحتطب ويأتي ويبيع، يبيع ما يملكه أو ما لا يملكه؟ هل لأحد أن يقول: أنا لي نصف ما احتطبتَ؟ لا، أنت وهو شركاء في الحطب ما دام في موقعه، لكن إذا حازه وجمعه وحزمه، فليس لك فيه حق، وهؤلاء الذين كانوا ينادون بالإشتراكية، هل أحد منهم يسمح لإنسان أن يدخل بيته ويأخذ كأساً من الماء؟! فقد كانوا يبيعون الماء والنار، فمصلحة المياه، تضع العداد باللتر، والكهرباء -وهي نار- العداد يعد عليه بالفولت، والفحم كانوا يبيعونه، ولم يشركوا الناس ولا في واحد من ذلك؛ لماذا؟ لأنه في حيازتهم. إذاً: قوله: (شركاء) إنما هو في ما كان في موطنه وموقعه، أما بعد أن حازه، وأصبح في يده وملكه، فليس لأحد فيه شراكة. فهنا النهي عن بيع فضل الماء، وأدخلوا معه: (الناس شركاء في ثلاثة) ولكن هذا ليس بصحيح، فإنما يراد بذلك الإرفاق، مع اتفاق الجميع: بأن من باع البئر فإن البيع صحيح، والماء تبع للبئر، فـ رومان لما باع نصف البئر كان له نصف الماء تبعاً، إذاً: بيع مكان الماء، ومجرى الماء، ومحتوى الماء، جائز. إذاً: جرم الماء السائل الشفاف هو الذي لا يباع، وإذا زاد عن حاجتك فأعطه لغيرك، ولكن هذا من باب الإرفاق، وليس من باب الوجوب، فلو كان الماء جارياً في الوادي، ويمر على بلدك، أو على مزرعتك، فخذ حاجتك، ولا تبع الباقي، ولكن أرسله إلى من وراءك، وهكذا لو وجدت غديراً في الأرض: حفرة بها ماء، وليست ملكاً لك، فلا تملك أن تبيعها، ولو كانت في ملكك فلا تمنع أحداً يحتاج أن يأخذ الماء ما دام زائداً عن حاجتك. ولـ ابن القيم ﵀ زيادة بحث في هذا الموضوع، والله تعالى أعلم.

стр. 1991

شرح حديث: (النهي عن بيع ضراب الجمل وعسب الفحل) قال رحمه الله تعالى: [وزاد في رواية: (وعن بيع ضراب الجمل) . وعن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل) رواه البخاري] .

стр. 1992

علة النهي عن بيع ضراب الجمل ضراب الجمل: هو ماؤه الملقِح، نهى ﷺ عن بيع هذا الماء -مني الجمل- ولماذا؟ قالوا: يرد عليه عدة محظورات، فهل تملك أن تستخرج ماء الفحل منه؟ لا، وإذا بعت فكم الكمية؟! ومن يقدرها؟ وإذا تجاوزنا الكمية، فهل تضمن بأن هذا الضراب من هذه المرة سيلقح وينتج أو أنه يمكن أن ينتج ويمكن ألا ينتج؟! إذاً: شروط استيفاء البيع بالملك: القدرة على التسليم، معرفة السلعة، كل ذلك مجهول في ضراب الفحل.

стр. 1993

جواز المكارمة في ضراب الفحل دون المشارطة وجاء أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : (إنا نكارم -أو نكرِم أو نُكرَم- على ضراب الفحل. قال: لا بأس) إنسان عنده فحل، فيأتيه صاحب الناقة فيطلق فحله عليها، ثم يكارمه بكيس شعير، بشيء من العلف للجمل دون مشارطة بيع، فلا بأس بذلك، وهذا عام في جميع الحيوانات ذات الذكور والإناث، فعسب الفحل هو ضراب الفحل، نهى ﷺ عن بيعه مشارطة، أو مساومة، أو مكاسرة، لكن أن يكارم عليه فلا مانع من باب المجاملة، ومقابلة المعروف بالمعروف.

стр. 1994

حكم استئجار الفحل للضراب مالك ﵀ يرى جواز استئجار الفحل ليوم أو يومين أو ثلاثة، ليكون في إبله للضراب، يستأجر الجمل، لا أن يشتري الضراب، وأيضاً نقول: المدة التي استأجره فيها، هل ندري كم سيكون منه ضراب؟ وما هو الذي سينتج وما الذي لا ينتج؟ قالوا: يتساهل في ذلك؛ لأن الأجرة وقعت على وجود الجمل عند صاحب النوق مدة معينة، أما كونه يحصل على ضراب كثير أو قليل، فهذا متروك، وغير منظور فيه، ومسامح فيه، وكما يقولون: الآن خمسة أشخاص دخلوا الحمام، والحمام يستعمل فيه الماء الحار، والمكث في الحمام له أجرة، واستهلاك الماء له أجرة، والأجرة متساوية، على كل واحد خمسة ريالات، فهل كلهم يدخلون في دقيقة واحدة، ويخرجون في دقيقة واحدة، أم يتفاوتون؟! فهناك شخص يمكث أكثر من الثاني، فاستفاد من الحمام أكثر من غيره فتساهلنا، وهل الخمسة يتفقون في مقدار الماء الذي يستنفدونه في الحمام؟! لا، مع أن كل واحد دفع خمسة ريالات، وبعضهم قد يستهلك عشرين لتراً، وبعضهم ثلاثة لترات. والآن إذا ذهبت إلى مكتب الطيران، فستجد التذكرة من المدينة إلى جدة بمائة ريال، ثم راقب الناس في المطار، تجد واحداً وزنه خمسين كيلو جرام، والآخر وزنه مائة وخمسين، وكل منهما له نفس التذكرة، هل الخطوط تحاسب على الوزن وعلى الثقل؟ لا، ومثل هذه الفوارق متسامح فيها. فـ مالك أباح استئجار الفحل، فيبقى عند المستأجر وقتاً معيناً ومدة معلومة، والله تعالى أعلم.

стр. 1995

شرح حديث: (نهي عن بيع حبل الحبلة) قال ﵀: [وعنه (أي: ابن عمر) (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حَبَل الحبلة، وكان بيعاً يبتاعه أهل الجاهلية، وكان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها) متفق عليه، واللفظ للبخاري] . مما نهي عن بيعه ما فيه غرر؛ لأنه غير معروف، وغير مضمون، مثل ما جاء في هذا الحديث، وهو مثال عام لكل ما فيه غرر، أبيعك ما في جيبي! أبيعك ما في الصندوق! وما الذي في الصندوق؟! لا أدري، إذاً: هذا غرر، أبيعك هذا الثوب على طيه ولا تفكه؟! وهل أنا أدري ما بداخله؟! أبيعك ما يأتيني به فلان! وهل أنا أدري ما الذي سيأتيك به؟! فكل ما فيه غرر داخل في هذا الحديث: (نهى ﷺ عن بيع حبل الحبلة) حَبَلها: الذي في جوفها، وهل النهي عن بيع الطبقة الأولى وهي: الحمل الموجود أم أن النهي عن بيع الطبقة الثالثة، وهي: أن تنتج الناقة أنثى، فيكبر هذا النتاج، ثم ينتج، فيكون جيلاً ثالثاً أو أن النهي ليس منصباً على عين الحمل، وحمل الحمل، بل جعل الحمل موعداً لوفاء الدين؟! (نهى عن بيع حبل الحبلة) ، قالوا: يحمل على أمرين: أن ينتظر وضع الحمل ثم يكبر هذا الحمل إلى أن يبلغ وينتج، فحينئذ حل الدين، هذا واحد: أن يجعل حبل الحبلة موعداً لوفاء الدين، وإذا وقفنا عند هذه: فلو اشتريت عبداً وقال: حلول ثمنه عند حبل الحبلى التي عندك، أو حبل الحبلى التي عندي والتي تعرفها، ما المانع في هذا؟ قالوا: لا ندري متى يأتي حبلها هذا الموجود، والمعروف عند الناس: تسعة أشهر، أو سنة، طيب هذه التي جاءت، متى تكبر؟ ومتى تحمل؟ ومتى تنتج؟ لا تجد شيئاً مضموناً يمنع النزاع، فنهي أن يجعل هذا الوصف موعداً لوفاء الدين، وهذا أحد المعاني التي فُسر بها الحديث، مع أنه بعيد. والمعنى الثاني -القريب-: أن يقول قائل لآخر: بعني الناقة. فيقول: لا؛ هذه عزيزة عندي. طيب: بعني الذي في بطنها -نتاجها-، وبعض الناس يحرص على النوعية خاصة في الخيل، فيحجز الحمل الموجود في هذه الفرس، ويشتريه -تكون معروفة بأصالتها، فيحرص الناس على سلالتها، فيتسابقون في شراء نتاجها- وكذلك الإبل، ففي زمن عمر باع رجل ناقة بثمانين جملاً -أنا ما كنت أظن أن يصل السعر إلى هذا الحد- فالنوعية والسلالة تجعل الناس يرغبون في نتاجها، فصاحب هذه الناقة الأصيلة لن يبيعها، ولكن سيبيع نتاجها، فيأتي إنسان ويشتري حبلها، وهو لم يأت بعد، فنهي عن ذلك، لماذا؟ لا ندري هل ستأتي بناقة أو جمل؟ وهل ستأتي بكبيرة أو صغيرة؟ وكما يقولون: سمحة الخلقة أو لا! بيضاء أو حمراء! وهناك صفات يرغب فيها المشتري قد تختلف، وهل ستأتي بمولود حي، أو أنها تموت ولا تنتج؟! أما بيع حبل الحبلة: فالمراد أن تنتظر الحبلى حتى تضع، ثم ينتظر المولود حتى يكبر وينتج، ونتاجه هو المبيع، فالجهالة تكون في هذا أكثر وأكثر، فإذا منع في الحمل الموجود بالفعل؛ فيمنع في نتاجه فيما بعد من باب أولى، والسبب في ذلك وجود الغرر، وكل بيع فيه غرر في السلعة، أو في الثمن؛ فهو منهي عنه، فمثلاً: لو قال قائل: اشتريت منك الناقة بما في يدي! بما أحمل من النقد، بما في هذا الصندوق! بما في هذه الخرقة! ولا تعرف هل هو نحاس، أو ذهب، أو فضة، أو حصاة؟! ولا تعرف كم عدده، ولا مقداره، ولا وزنه! فهذا غرر. إذاً: النهي عن بيع حبل الحبلة يحمل على أحد الأمرين: أن يجعل موعداً لسداد الديون، وهذا ضعيف، أو أن يقع البيع على نفس الحمل حينما يأتي، أو على نتاج الحمل بعد أن يوضع، وهذا فيه غرر كبير؛ ولهذا نهي عنه، والله أعلم.

стр. 1996

شرح حديث: (النهي عن بيع الولاء وهبته) قال رحمه الله تعالى: [وعنه (أي: ابن عمر) ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته) متفق عليه] . تقدم لنا أن الولاء نعمة بموجب الحرية، أو وصف اعتباري يلحق المعتق، ويتبع المعتِق، وهي صلة بين المعتِق وعتيقه، صفة معنوية يربط المعتَق بمن أعتقه، ونبه فيها ﷺ بقوله: (الولاء لحمة كلحمة النسب) ، ولحمة النسب لا تباع، ولا توهب، فهل تبيع أخاك أو تبيع ولدك؟ لا، النسب لا يباع، فكذلك الولاء حل محل النسب، فلا يباع، ولا يورث، ولا يوهب، فكيف لا يورث، وصاحب الولاء قد مات، وترك ورثة؟! قالوا: نعم، لا ينتقل بالفرض، ولكن ينتقل بالعصبة، للأولى الذي يحل محل المعتِق، وأشرنا في قصة بريرة بأنه لو مات إنسان وله ولاء على عبد، وخلّف ورثة: ولد، وبنت، وزوجة، وأم، فالولاء خاص بالولد، وليس للبنت، ولا للزوجة، ولا للأم نصيب ميراث فيه؛ ولهذا لا يبيعه، ولا يهبه -أي: الولاء- إنما يبقى ارتباط وثيق بين المعتِق والمعتَق، والله تعالى أعلم.

стр. 1997

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [٦] حرمت الشريعة كل ما يدعو إلى العداوة والبغضاء، ومن ذلك بيع الغرر، وله صور كثيرة مثل: بيع الحصاة، وبيعتين في بيعة، وسلف وبيع، وشرطين في بيع، وربح ما لم يضمن، وغير ذلك.

стр. 1998

شرح حديث: (نهى عن بيع الحصاة) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فقال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) رواه مسلم] . يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) . الحصاة قطعة من الحجر معروفة عند الجميع، وهي: نوع متميز من الأحجام الحجرية الملساء، وكان يستعمل في العدد، وربما في عصر من العصور كان يستعمل نقداً، وكان بيع الحصاة في زمن الجاهلية أمراً جارياً، وعرفاً جارياً، ولكن كيف كانت الصورة؟ يقول بعضهم: -وهو أقرب للمعنى- هو: أن يأتي المشتري فيجد أمامه عدة سلع متنوعة، مختلفة الأجناس، والأنواع، فمثلاً: علبة كبريت، علبة حلاوة، خيط، مقص. إلخ، أو ملابس: فنايل، سراويل، قمصان، غتر، وتكون مرصوصة بجوار بعضها، فيقول البائع للمشتري: خذ حصاة، وارم بها، فما وقعت عليه فهو لك بكذا، وهذه الصورة واضحة، وهي داخلة في عموم الغرر؛ لأن الغرر أن تغر الإنسان، ويدخل على أمر مجهول، لا يدري نتيجته، ولا يؤمن فيه الغبن، فهنا: على أي شيء ستقع الحصاة؟ فقد يكون المشتري صاحب حذق وخبرة في الرماية، فيحدد ما يريد، والبائع لا يدري على أي شيء ستقع الحصاة! فقد تقع على منديل يد يساوي ريالاً، وقد تقع على فنيلة تساوي عشرة ريال، وقد تقع على قميص يساوي ثلاثين ريالاً. إذاً: الغرر من جانب البائع أكثر منه من جانب المشتري، وقد يكون المشتري شخصاً لا يحسن الرمي بالحصاة، فإذا كان كذلك فسيأخذ حصاة ويرمي، ولكنه لا يدري أين تقع؟! فإذا كانت الصفقة على خمسة ريالات، وسقطت الحصاة على ما يساوي ريالاً، كان في ذلك غرر على المشتري، وإذا كانت الصفقة بخمسة ريالات، وسقطت الحصاة على سلعة بعشرة، أو بعشرين ريال، كان الغبن على البائع. إذاً: هذه الصورة من البيع نهى عنها رسول الله ﷺ ؛ لما فيها من الغرر، وهي أحسن ما فُسر به بيع الحصاة. وهناك من يقول: بيع الحصاة هو: أن تأخذ حصاة في يدك، أو يأخذها البائع، فتساوم -مثلاً- على قميص معين -معروف لك وله- بعشرة ريال، قال: طيب، أتركني أفكر، فمتى أسقطت الحصاة من يدي؛ مضى البيع، طيب، وإذا ما أسقطتها إلى متى ننتظر؟ هكذا يقول بعض شراح الحديث: إن بيع الحصاة هو: أن تربط انعقاد البيع على سقوط الحصاة، أو أن تربط عقد البيع على السلعة التي تقع عليها الحصاة، وفي خارج هذه البلاد يوجد هذا البيع بكثرة لاسيما في الأعياد والمناسبات، خاصة عند الشباب والأطفال، يؤتى بدائرة فيها سهم، وعلى حافة المقعد التي هي عليه، ترص السلع: علبة حلوى، منديل، علبة بسكوت، أشياء متعددة متجاورة، ولها سهم مثل عقارب الساعة، يدار بطريقة معينة، وحيث ما وقف السهم فالسلعة التي أمامه لمن أدار السهم، علماً بأنه لا أحد يدري على أي شيء سيقع السهم -لا اللاعب ولا صاحب اللعبة- وربما وقف على سلعة تساوي هللة، وربما وقف على سلعة تساوي ريالاً، وأنت وصاحب اللعبة، لا تدرون أين سيقع! فهو داخل في هذه العملية، وداخل في هذا النهي، لماذا؟ لأن فيه جهالة، وفيه غرراً، ومقامرة، فلا يجوز هذا اللعب، ولا يجوز هذا البيع، هذا ما يقال في بيع الحصاة.

стр. 1999

بيع الغرر: صوره وحكمه أما بيع الغرر، فتقدم التنبيه عليه في حديث أنه ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة، مثلاً تكون الناقة حاملاً، فيقول: أبيعك الذي في بطنها، هذا نوع. أو تكون حاملاً، فيقول: أسلفني ألف ريال أسددك بعدما تنتج الناقة ما في بطنها، ويكبر هذا النتاج، وينتج، يعني: في البطن الثالث، وقد نهى ﷺ عن ذلك، سواء وقع البيع على الحمل الموجود، أو الذي سيوجد فيما بعد، أو جعل ذلك موعداً لسداد الديون المؤجلة؛ لأن فيه غرراً، فإنه لا يُدرى ما الذي في بطنها؟! أذكر هو أم أنثى؟! مكتمل أم خلوج؟ . إلخ فكل ذلك مجهول، إذاً: هناك غرر. وأشرنا بأن كل بيع فيه غرر مندرج تحت هذا الحديث، وجاء التصريح هنا بالنهي عن بيع الغرر: (وعن بيع الغرر) . ومن أمثلة بيوع الغرر: أن تأتي إلى الدكان، فتجد فيه علباً مغلقة، سواء كانت للملابس الجاهزة، أو للأحذية، أو لأدوات منزلية، أو كذا، فتقول: ماذا في هذه العلبة؟ قال: فيها حذاء، طيب أريد أن أفك، قال: لا، لا تفك! هو على ما هو عليه! أنا اشتريته مقفولاً وأبيعه مقفولاً، طيب أريد أن أعرف اللون، والمقاس، قال: لا، فأنت ما تدري ماذا تجد، هل هو خاص بالرجال، أو بالنساء، أو هو كبير، أو صغير، نوع جيد، أو نوع رديء؟ فهذا غرر في المبيع، فلابد أن تفك، وأن تنظر، وأن تتأمل؛ فإن طاب لك أخذت، وإن لم يطب لك تركته في محله. وكذلك ما يوجد في بعض الجهات، تأتي بنوع من اللباس، مطبق ومشبك بدبابيس، ومغلف في كيس من النيلون، أو نحوه، فإذا أردت أن تفك، يقول: لا تفك، إذا فكيته وطبقناه، وإذا أتى زبون آخر فلن يأخذه؛ لأنه مفكوك، لكن ما ندري فربما يكون فيه شق! أو عيب، فكيف نفعل؟ لكن يقولون: يغتفر في مثل هذا؛ لما علم من تكرار المبيعات في مثل هذه الصورة على السلامة. فمثلاً: الفنايل تكون في كيس نايلون أو في بعض الأشياء، أو بعض المعلبات، وجرت العادة عند الناس أن تقرأ الرقم فيبين المقاس، ويبين نوعية القماش، فتأخذه على النعت الموجود فيه، وهنا: يصح البيع؛ لما عرف من نظائره السابقة، فإذا حدث وظهر فيه عيب -لم يتعود الناس أن يروه- فله حق رد المبيع بالعيب، أو يأخذ أرش العيب، فهذا العيب كم أنقصها من قيمتها؟ مثلاً: (٢%) ، (٥ %) فأنت بالخيار ترد وتأخذ القيمة، أو تسترجع من البائع أرش النقص (٢%) أو (٥ %) ، وهكذا كل ما فيه غرر. ومن صور بيع الغرر: بيع ما لا تقدر على تسليمه، ويمثل الفقهاء لهذا: ببيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والعبد الآبق، والفرس الشارد، وكل هذا من بيع الغرر، فإذا قال لك: أبيعك الطير (وهو في الهواء) ، طيب: ومن يحضر لي الطير؟! قال لك: أبيعك السمك في هذا الماء، طيب ومن يضمن لي السمك؟! ولكن: الفقهاء لهم مخارج، فإذا كان الطير في الهواء كما يفعل بعض الشباب الذي يضيع دراسته في هذا، هواية الحمام! حمام جلابي، حمام هزازي، حمام كذا. إلخ، تعال انظر إليه في الجو، وهو يتقلب بحركات جميلة، يرغبه فيه، قال المشتري: طيب اشتريت، أعطني المبيع، قال البائع: لا، ليس الآن، لما يرجع في الليل، ويبيت فسأذهب وأمسكه. أو قال: أبيعك هذا السمك، الذي في هذا الحوض، لكن الحوض كبير! مائة في مائة متر! من يعين ويحدده بالذات ويحضره، هذا سمك في ماء، طيب أنا أملكه، الحوض حقي وأنا مربيه، فإذا كان باستطاعته بآلة، أو بأخرى، أن يصطاد هذا السمك، الذي وقع عليه البيع، ولا يختلط بغيره، فهذا مقدور على تسليمه. وكذلك الطير في الهواء إذا كان قادراً على تسليمه ويستمهل إلى مجيء الليل، والمبيت؛ فلا مانع، وتكون رؤيته في الهواء من باب رؤية حركاته التي يرغب فيها، وهو قادر على التسليم فيما بعد، فقالوا: مثل هذا لا بأس. أما إذا جاءت يمامة، أو جاء طاووس، ووقع على الشجرة، فقال شخص: أبيعك هذا! -هو ليس عنده، وليس في بستانه- فيقال له: وإذا بعته فمن يسلمه؟! إذاً: هذا غرر؛ لأنه غير مقدور على تسليمه. كذلك إذا كان لك عبد، فأبق عليك: هرب، فقال: أبيعك العبد الهارب، قلت: أين هو؟ قال البائع: والله ما أدري أين محله! لكن إذا علم مكانه، والمشتري يرى أنه قادر على الذهاب إليه، والقبض عليه، وأخذه، يقول الحنابلة يجوز هذا ما دام المشتري قادراً على أخذه، طيب، كان يظن القدرة فعجز، ماذا يفعل؟! يرجع على البائع! ولو اغتصب شخص سلعة: طيراً، عبداً. إلخ، والمالك لا يستطيع أن يخلص السلعة من يد الغاصب، فلا يجوز له أن يبيعه؛ لأن المشتري يريد السلعة، والسلعة في يد غاصبها، والبائع لا يستطيع أن يخلصها منه، إلا إذا جاء إنسان وقال: أنا قادر على تخليص المغصوب من يد غاصبه، بعنيه، فقال البائع: والله ما دام أنك قادر، نعم أبيعك، وباعه على من يقدر على تخليصه من يد غاصبه، حينئذ يصح البيع، طيب، وإذا عجز المشتري عن تخليص السلعة من يد الغاصب! يذهب يشتكي، فإن استطاع بشكواه لولي الأمر الحصول على السلعة، فالبيع ماض على ما كان عليه، وإن عجز، وولي الأمر لم يستطع أن يلزمه بإحضاره؛ حينئذ يرجع المشتري على البائع، وكل ما أوجب، أو أدى إلى عدم القدرة على التسليم فهو غرر، فلا يجوز البيع. من الدواهي الموجودة الآن، وأطبق عليه الجميع، واستحلوا بذلك الحرام، ما تجده في معارض السيارات التي سببت ملء السجون بالمدينين ببيع التقسيط، فيأتي عند البيع ويقول: (بعتك سكراً في ماء) ، (ملحاً في ماء) ، (كومة حديد) ، وهو يعلم بأن فيها بعض العيوب، ولكن يخفيها، ويأتي بتلك العبارات، والمشتري يقول: قبلت، قبلت، قبلت، ويظن أن هذه عبارات وهمية، لكن الحقيقة قد يكون فيها عيب؛ ولذا قال مالك: من باع على البراءة الأصلية لا يصح بيعه، لو قال: أبيعك على أنها بريئة من كل عيب، فإن كان يعلم فيها عيباً، وكتمه فهو آثم، فإن اطلع عليه المشتري، فله ردها عليه؛ لأنه دلس عليه وغره بكتمان العيب. إذاً: هذه المبيعات يعلم أن فيها عيوباً ما، وأهل السيارات يعرفون العيوب الخفية والدقيقة: من تسرب الزيت. إلخ، والمسكين الذي يشتري لا يعرف هذه الأشياء، وما يدري عنها، تقول له: اذهب وانظر، فيذهب إلى مهندس واحد، وقد يخفى عليه شيء، ويعلم أشياء، فكل من دس وأخفى عيباً، -وسواء كان يعلم وجوده أو لا يعلم- فتبين المشتري ذاك العيب، فإن له أن يرد السلعة؛ لأنه قد غره، وغشه، ودلس عليه، فالبيع باطل، وتحت هذا صور عديدة. وكذلك قد يقع الغش والتدليس في أعمال المقاولات والبناء، فمثلاً: يتفق صاحب العمل مع أحد المقاولين على مواصفات معينة، ويحدد له النسب والمعايير المطلوب تنفيذها، والسير عليها، وهنا قد يستغل المقاول جهل صاحب العمل بكيفية تطبيق تلك المواصفات؛ فيغش ولا ينفذ المتفق عليه، ومن هنا قد يلجأ أرباب الأعمال إلى الاستعانة بمشرف فني يعرف أعمال البناء ليشرف على المقاول في تطبيق الاتفاقية، والمشكل إذا اتفق المشرف مع المقاول على صاحب العمل! فهذه مصيبة أخرى!

стр. 2000

قاعدة عامة في المعاملات هنا قاعدة أساسية وعامة تدخل في جميع المعاملات: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] ، (المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) ، وكذلك: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) ، وهكذا كل ما تقرأه عن أنواع الغرر يرجع إلى التحايل على أخذ أموال الناس وأكلها بالباطل، والتحايل على أخذ الزيادة في الثمن، ويغره، في وصف السلعة، أو بأي حالة من الحالات، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →