← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وجوب رد العارية (على اليد ما أخذت) أخذت ممن؟ ومن أين؟ وهل أخذت سرقة أو أخذت غصباً؟ المراد: أخذت من مالك العارية أو من ينوب عنه. (حتى) وحتى: حرف غاية، (تؤديه) أي: ترده من حيث أخذته، واستدلوا على وجوب ردها بقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] ، والحديث عام في كل ما أخذته يد من غيرها، إذا استأجرت عيناً، أو استأجرت سيارة فعليك أن تؤديها: (على اليد ما أخذت) وهي في ضمانها حتى تؤديه، فإذا استعرت أرضاً مثلاً: فعليك هذه الأرض حتى تؤديها، أو استعرت داراً تسكنها، أو دكاناً تستخدمه، أو دابة تركبها، وكل ذلك مما تصح إعارته فعليك ضمانها، وعليك حفظها. (على اليد ما أخذت) هنا يقولون: في الحديث محذوف مقدر يرجع تقديره إلى حكم العارية. أي: مؤداة أو مضمونة. فإن كانت مؤداة فعلى اليد حفظها، وإن كانت مضمونة فعليها ضمانها. أي: على اليد ضمان ما أخذت، وعلى اليد حفظ ما أخذت، وكلا التقديرين وارد. وعليه يأتي البحث في العارية أمضمونة هي أم مؤداة؟ والفرق بين مضمونة ومؤداة: المضمونة لو تلفت بصرف النظر عن صور الإتلاف فيما تلفت، وقلنا: عليه الضمان ضمن القيمة أو المثلية، والقيمة إن كانت مقومة، والمثل إن كانت مثلية، وأما مؤادة فالموجود منها يرده ويؤديه إلى صاحبها، والتالف لا ضمان فيه. إذاً: العارية من حيث هي مندوب إليها في الحكم، وقد ذم الله مانعيها في عموم قوله سبحانه: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] ، ثم يأتي الكلام عن أنواعها وعن أحكام المعير، والمستعير، والضمان. إذاً: (على اليد ما أخذت حتى ترده) ، هل في هذا الحديث تنصيص على ضمان أو عدم ضمان؟ يقول العلماء: ليس في الحديث تنصيص وإنما فيه تقدير نحتاج إليه: (على اليد ما أخذت حتى ترده) ماذا عليها؟ بعضهم يقول: على اليد حفظها وضمانها، وقيل: على اليد أداؤها، وعلى كلا الوجهين جاءت الأقوال والمذاهب في الضمان وفي الأداء وعدم الضمان، وكل له وجهة، وتحقيق المناط هنا في الأداء أو الضمان ما لم يوجد تعدٍ أو إفراط، فإذا تلفت في إفراط أو تعدٍ فيكون بالإجماع ضامن، وأما إذا تلفت في عين ما استعيرت له فهنا جاء الخلاف: فإذا استعار دابة ليركبها فذهب وحمل عليها الحطب فتلفت، فهو بهذا قد تعدى، وإذا استعارها ليركبها من المدينة إلى قباء فذهب وحملها خشب من البيت إلى قباء، فهو بهذا قد استعملها في غير ما استعارها له. فهو بحمل الخشب عليها قد تعدى، فإن تلفت تحت الخشب فهو ضامن باتفاق، وكذلك إذا تلفت بتفريط، فإذا استعارها ثلاثة أو أربعة أيام ليركبها، ولما وصل إلى البيت لم يعطها ماءً ولا علفاً فتلفت فهذا فيه تفريط. وإذا استعرت سيارة ومشيت بها من غير زيت، ولا ماء، ولا كشفت على كذا ولا على كذا، ومشيت بها في محلات وعرة فبنشرت الكفرات، وعطلت المكينة، فأنت بهذا قد حصل منك تفريط في عدم النظر فيما تحتاج إليه السيارة، وتعدٍ في مشيك بها في طريق غير معبد لا تمشي فيه السيارات، ففي هذه الحالة لا خلاف في ضمانها. ولكن الخلاف في نقطة واحدة والبحث محصوراً عليها وهي: فيما لو استعارها ليركبها فركبها وفي أثناء الطريق قبل أن يصل إلى الغاية التي استعارها من أجلها وسماها لصاحبها تلفت تحته، فهنا يأتي الخلاف، ولكن إن استعارها للفريش فقال له: أعطني دابتك، أو أعطني سيارتك أتوصل عليها للفريش -منطقة- وآتي، فلما وصل تعداها إلى المساجيد -منطقة- والذي سافر على الجمال يعرف المساجيد، أو الطريق الأول قبل طريق الهجرة. استعارها لمكان معين ولكنه تجاوز المكان، فتلفت في حدود المجاوزة، فهو ضامن، ضامن الأجرة؛ لأن صاحبها لم يأذن له في تلك الزيادة، وضامن عينها إن تلفت في تلك الزيادة؛ لأنها تلفت بسبب التعدي. إذاً: أهم مباحث العارية أولاً: الندب إليها وتذكر أم المؤمنين عائشة ﵂ وتقول: إنه كان عندها ثوب قطري -نسبة إلى قطر- ثمنه خمسة دراهم وما كانت امرأة تتزين في المدينة إلا استعارته. الآن يستأجرون من الكويفيرة أو يذهبون إلى المرأة التي تعنى بتهيئة النسوة أو العرائس فعندها أنواع من ثياب العرائس، وبعض الناس لا يقدر أن يشتري بدلة عروسة فيستأجر أو يستعير، وقد كان نساء الأنصار رضي الله تعالى عنهن ربما استعارت المرأة منهن ثوباً لتخرج إلى حاجتها إذا لم يكن عندها ثياب تخرج بها. والذي يهمنا أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تعير ثياباً كانت عندها. إذاً: هذا من استباحة المنفعة بغير عوض؛ لأنه مأذون فيه من صاحب العين، وعليه أن يرد العين بعد استيفاء منفعتها، وهذا من أهم المرافق بين المسلمين وتعاطفهم وتعاونهم.

стр. 2277

الخلاف في معنى الحديث إذاً: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) استدل به من قال: بأن العارية مضمونة، والآخرون ينازعون في الاستدلال بهذا الحديث ويقولون: الحديث محتمل تقديرين: الأول: على اليد حفظ العارية. والثاني: على اليد ضمان العارية. فعلى تقدير الحفظ فهو ليس بضامن، وعلى تقدير الضمان فهو ضامن، ولا نزاع فيما لو تلفت بتعدٍ أو تفريط.

стр. 2278

من فوائد حديث: (على اليد ما أخذت ... ) ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا كان للعارية مئونة رد فهي على المستعير، فإذا استعرت سيارة من المدينة لتصل بها إلى آبار علي فوصلت، فليس من حقك أن ترجع إلى صاحبها وتقول له: سيارتك في آبار علي اذهب فخذها؛ لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديها. إذاً: عودتها من آبار علي إلى صاحبها بالمدينة على المستعير، ولو تلفت هناك أو تعطلت فالمسئول عن إعادتها هو المستعير، ثم ننظر هل هو ضامن للعطل فعليه أن يصلحه أو ليس بضامن، وهكذا إذا استعار شيئاً آخر فإن عليه أن يرده من حيث أخذه وأجرة الرد على المستعير.

стр. 2279

حديث: (أدِ الأمانة إلى من ائتمنك ... ) قال المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه الترمذي وأبو داود وحسنه، وصححه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرازي، وأخرجه جماعة من الحفاظ. وهو شامل للعارية] . الحديث الثاني في هذا الباب أيضاً أعم من العارية، (أد الأمانة إلى من أئتمنك) انظر: (من ائتمنك) : يعني: لا تخلف ظنه فيك، ائتمنك واعتبرك أميناً، فأمَّنك أمانة، والأمانة والأمن مأخوذان من لفظ واحد فكأنه آمن على سلعته عندك، وهي آمنة عندك من الضياع، وأنت أمين عليها، فيجب عليك أن تحفظها. (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) : إذا خان: فهل خيانته إياك عيب أو مدح؟ وهل فيها إثم أو أجر؟ الجواب: فيها إثم، فإذا كنت أنت تستنكر عليه أنه خانك فكيف ترتكب ما تنكره عليه؟! قال ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] ، فعليك أن تؤدي الأمانة إلى صاحبها، والأمانة: لفظ عام شامل سواءً كان في الحقيقة أو المجاز. أبو طلحة لما مرض ولده وكان شغوفاً به وكلما دخل سأل عنه زوجه أم سليم، وفي يوم من الأيام توفي الطفل وأبو طلحة غير موجود، فقالت لأهله: لا يكلمه أحد قبلي، فلما جاء سأل عن الولد فقالت: إنه في غاية الراحة -ما كذبت ولكن ورّت- فهيأت له عشاءه ثم تهيأت له حتى قضى حاجته. وانظر إلى القدرة والتحمل عندها، فولدها مات ولم تنزل عليه دمعة عين، ولم يحصل منها ولولة ولا صياح ولا بكاء، واستقبلت زوجها بهذا الاستقبال، حتى في نفسها، فتجهيز الطعام أمره سهل، ولكن أن تتهيأ وتمكنه من نفسها، فأي نفس تقبل هذا الآن؟ ولكن هذا منها كان وفاءً بحق الزوج، وأين هذا الصنف يا إخوان؟! وأين هذه النوعية من النسوة؟ إنها نسوة الصدر الأول من السلف الصالح، فهذه هي الزوجة التي تعين زوجها على كل خير، وتكون فعلاً سكناً له. لما قضى حاجته قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو كان لجيرانك أمانة عندك فطلبوها أتؤديها إليهم أم تمسكها عندك؟ قال: بل أؤديها. قالت: إذاً: إن الله قد أخذ ولدك، فقم فواره، فغضب وقال: سكتِ عليَّ حتى أكلت، ودنوت مني حتى اقترفت، ثم تقولين: وار ولدك، ثم غدا في الصباح يشكوها إلى رسول الله ﷺ : (فتبسم وقال: أعرستما البارحة؟ قال: نعم، قال: بارك الله لكما في ليلتكما) ، فأنجبت الولد المبارك وكان منه الخير الكثير. إذاً: (أد الأمانة إلى من ائتمنك) أياً كان نوعها على سبيل المجاز أو على سبيل الحقيقة، والمراد هنا: الأمانة الحقيقية العينية، ائتمنك على كتاب، ائتمنك على أوراق، أئتمنك على نقد، على آلة، على أي شيء، فأي عين ائتمنك عليها فأدها إليه.

стр. 2280

حكم خيانة الخائن قال: (ولا تخن من خانك) وفي هذه المسألة يقولون: لو أن الذي خانك وأخذ من مالك ولم يرده ولم تقدر على أخذه منه جهراً فظفرت له بمال سراً أو خفية أو دون علم منه، فهل تأخذ حقك مما ظفرت به من ماله أو تؤديه إليه كاملاً وتطالب بمالك الذي أخذه من قبل؟ للعلماء في هذه المسألة مباحث طويلة، وقد أطال ابن عبد البر في هذه المسألة وكذلك ابن رجب عند حديث: (لا ضرر ولا ضرار) لمناسبة عندهم فيه، وهذه المسألة تسمى عند المالكية في الفقه بالاعتصار: من العصر، أي أنه يعتصر حقه مما ظفر به من مال خصمه، ويقول ابن عبد البر: إنه إن أخذ حقه، أي: مقابل حقه لم تكن خيانة؛ لأن الخيانة هي: أخذ الشيء ظلماً، وهذا حينما أخذ هل اعتدى على صاحب المال وظلمه أو استرد حقه؟ استرد حقه. وابن حزم يقول: يتعين عليه أن يأخذ؛ لأن في الحديث قال رسول الله ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قيل: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: تردعه عن الظلم) فأنت حينما تأخذ حقك من ماله فقد ردعته عن الظلم ورفعت المظلمة التي كانت عنده لغيره، وتغيير المنكر واجب. والجمهور يختلفون، وابن عبد البر يجيب عن هذا الحديث: (ولا تخن من خانك) ، ويستدل بجواز أخذ الحق بأدلة أخرى مع تفصيل إن كان المال الذي ظفرت به هو من عين مالك، فإذا كان قد اغتصب عليك صحوناً فضفرت بعشرة صحون له، وهو أخذ منك خمسة فخذ خمسة ورد له الخمسة، وكذلك إن كان المال الذي أخذه عليك دراهم وظفرت بدراهم له، أو دنانير فإن كان من غير عين ما خانك به فهل تأخذ مقدارها أم لا؟ إذا خانك في لباس، أو في ثياب، وظفرت له بمال فضة أو ذهباً وهذا المال من غير جنس ما أخذ منك فهل تأخذ قيمة ما خانك فيه؟ على هذا الخلاف الذي يذكرونه عند هذا الحديث: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) ويقول ابن عبد البر: لا تخن من خانك. أي: بعد أن أدى إليك ما كان قد خانك فيه، فإذا كان قد خانك في مال ثم أداه إليك ثم ظفرت له بمال بعد ذلك فلا تأخذ من ماله وتقول: لأنه كان قد أخذ مني، وكان قد خانني، فالمعاملة قد ارتفعت ولم يعد الآن خائناً لك؛ لأنك قد استوفيت حقك منه. فقوله: (ولا تخن من خانك) ، أي: بعد وفائه حقك، أما قبل وفاء الحق إذا أخذت حقك من ماله فلست بخائن، واستدلوا على ذلك بحديث هند مع أبي سفيان لما قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ويكفي عيالي أفآخذ من ماله ما يكفيني؟ قال: خذي من ماله ما يكفيكِ ويكفي عيالكِ بالمعروف) ، فهو أمسك عنها وقصر عنها في النفقة وهذا يُعد خيانة، وهي ظفرت بماله تحت يدها فتأخذ من ماله ما يسد حاجتها، فهل هي خائنة؟ قالوا: لا؛ لأن الخيانة تنتفي إذا كانت بالمعادلة، كما جاء في عموم قوله سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] ، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] ، والمجازي على السيئة ليس مسيئاً والمعاقب على قدر ما عوقب به ليس معاقباً وإنما مسترد للحق. إذاً: (أد الأمانة إلى من ائتمنك) ، هذا صفة عامة. و (ولا تخن من خانك) ، أي: بعد وفاء الأمانة، وأما من أخذ حقه من الخائن فهو ليس بخائن. (لا تخن) أنا ما خنت ولكن أخذت حقي.

стр. 2281

حديث: (إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً) قال المؤلف ﵀: [وعن يعلى بن أمية ﵁ قال: (قال لي رسول الله ﷺ : إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً، قلت: يا رسول الله! أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال: بل عارية مؤداة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان. وعن صفوان بن أمية ﵁ أن النبي ﷺ استعار منه دروعاً يوم حنين فقال: (أغصب يا محمد؟! قال: بل عارية مضمونة) رواه أبو داود وأحمد والنسائي وصححه الحاكم: وأخرج له شاهداً ضعيفاً عن ابن عباس ﵄] . قوله: عن يعلى بن أمية ﵁ قال: (قال لي رسول الله ﷺ : إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً قلت: يا رسول الله! أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال: بل عارية مؤداة) . يسوق لنا ابن حجر ﵀ في نهاية باب العارية هذين الحديثين: حديث يعلى وحديث صفوان، فـ يعلى يقول: (قال لي النبي ﷺ إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً) ، مبدئياً في هذا الجزء من الحديث ما يدل على أن للشخص أن يرسل رسولاً عنه في قضاء حاجته، ويكون بمثابة الوكيل في القبض، فإذا سلّم المرسل إليه الرسالة إلى هذا الرسول فكأنه سلمها إلى من أرسله. (إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً) الدرع هو: لباس من زرد الحديد، حلق صغيرة، فراغ الحلقة أقل من الـ (سم) ينظم بعضها في بعض حتى تكون كالثياب على صورة القميص، يلبسها الفارس ليتدرع بها من وقع السهام أو الرماح أو السيف، وتختلف جودةً ورداءةً وطولاً وقصراً إلى غير ذلك، وهي من أهم آلات الحرب. وفي هذا الحديث: الاستعانة في أداة الحرب بالعارية مع قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] ، ما يدل على أن استعداد المسلمين يكون بصنعهم وبملكهم وبالاستعارة من غيرهم، ومثل الإعارة الإجارة، ومثل الإجارة الشراء ولو من غير المسلم، فالرسول ﷺ أرسل إلى يعلى وقال له: (أعط رسلي ثلاثين درعاً) . وهنا يستوضح يعلى: (أعارية مؤداة أم عارية مضمونة؟) ، المؤداة هي: التي تبقى بعد استعمالها على ما كانت عليه فيؤديها للمعير، والمضمونة هي: التي إذا تلفت -وتحت كلمة تلفت ضع خطين- تلفت فيما استعيرت له أو تلفت بتعدٍ أو تقصير يضمنها المستعير، فقال له ﷺ : (بل عارية مؤداة) . وقوله: (مؤادة) ، الفقهاء يتفقون ويقولون: إذا كانت العارية مؤداة فالتالف لا ضمان فيه، بخلاف العارية المضمونة، فما بقي على طبيعته رده بعينه وما تلف فيما استعير له أو بتعدٍ أو بتفريط فهو ضامن، وقوله: (مضمونة) يعني: يعوض عن التالف إن كان مثلياً فبمثله، وهذه الأدرع إذا تلفت فعليه أدرع مثلها من نوعها ومن مقاسها، وإن كان في الوقت الحاضر فهناك أواني معروفة الماركة، أو المساحة، أو المقياس، فعليه مثلها. وهذا الحديث نص في أن العارية مؤداة. ومعنى مؤداة: أن العين الباقية على ما هي عليه أولاً ترد، والتالفة لا ترد، ولا ضمان فيها، وفي حديث صفوان: (بل عارية مضمونة) وهذا من تعارض الأحاديث، وهي مهمة هذا الكتاب، بلوغ المرام لأدلة الأحكام. فالفقهاء مختلفون في العارية هل هي مؤداة أو مضمونة؟ فمن قال: مؤداة استدل بحديث يعلى. ومن قال: العارية مضمونة استدل بحديث صفوان. إذاًَ: إذا وقع الخلاف في الحديث وأخذ كل إمام برواية أو بحديث مغاير للآخر وكلا الحديثين صحيحان فهل يمكن أن يعيب من قال بأحد القولين على من قال بالقول الآخر؟ مثلما يقول الشناقطة: (ما بال بائك تجر وبائي لا تجر) فلا تعب عليَّ وأنا آخذ بحديث صحيح، كما أني لم أعب عليك حينما أخذت بحديث صحيح، فكلانا مستدل بدليل شرعي، ولكن هناك خطوة أرقى وهي: النظر في مختلف الحديث إلى ما هو الراجح وهل المسألة اتفاقية؟ وهل كل من الطرفين متساوٍ مع الآخر؟ وهناك أشياء قال فيها ابن القيم ﵀: لا اعتراض على أحد إذا أخذ بأحد الأقوال فيها لصحة أسانيدها، وهي: ألفاظ الأذان، والصوم في السفر أو الفطر، والتيمم ضربتان أو ضربة واحدة، فالأذان هل يربع ويرجع فيه أم لا؟ وهل الإقامة مثل الأذان أم لا؟ ومن أخذ بتربيع التكبير أو بتثنيته وجعل الإقامة كالأذان أو أفردها فالكل صحيح، ومثل هذا أنواع المناسك في الحج: فمن أخذ بأحدها: أخذ بالإفراد، أو أخذ بالتمتع، أو أخذ بالقران فنسكه صحيح؛ لأن كل نسك فيه نصوص صحيحة، ولا ينبغي الخلاف فيها ولا الاعتراض على من خالف غيره؛ لأنه إن ذهب إلى واحد منها فبدليل صحيح والآخر إن ذهب إلى غيره فبدليل صحيح، فلا خلاف، وهذه المسألة قد أطالوا فيها القول. ونأخذ الكلام على حديث صفوان أولاً: عن موضوعه، ثم نرجع إلى القضية من صلبها لا من خارج عنها إن شاء الله. وصفوان يقول هذا بعد فتح مكة وكان صفوان لا زال على دين قومه، وكان هذا في غزوة حنين في عام الفتح، عند أن بلغ النبي ﷺ أن هوازن قد جمعت له، فبادرها قبل أن تبادره؛ لأنه كان يعلم قوة هوازن، وكان قد خرج معه من المدينة عشرة آلاف مقاتل وتهيأ معه من مكة ألفان فصاروا اثني عشر ألفاً والعشرة الذين جاءوا من المدينة جاءوا بسلاحهم وبكامل عدتهم، وأما الذين جاءوا معه من مكة فالبعض منهم ينقصه شيء؛ لأن البعض خرج لإسلامه، والبعض خرج حمية لقومه، والبعض خرج للنظر وللغنيمة. فاحتاج النبي ﷺ دروعاً لهذا العدد الجديد، وهو يعلم أن صفوان عنده دروع عديدة، فأتاه وسأله، وصفوان ما زال على دين قومه لم يسلم حتى قيل: إنه هرب ثم رجع، فطلب منه مائتي درع، وقيل ثمانين، وقيل: مائة، وقال له: (وتوصلها إلينا إلى حنين) ، أي: أعرنا إياها وعليك حملها تبرعاً من عندك، وهنا سأل كما سأل يعلى: هذه العارية على أي أساس على أنها مضمونة أو على أنها مؤداة؟ فكان جواب رسول الله لـ صفوان: (بل مضمونة) .

стр. 2282

حكم الاستعانة بالكافر وهنا قبل أن نأتي إلى الدروع نأتي إلى ما هو أهم من ذلك، صفوان لا زال على دين قومه مشركاً، والرسول ﷺ يقاتل مشركين، فيأتي النبي ﷺ ويستعين بـ صفوان ويستعير منه أدرعاً وصفوان ما زال مشركاً، فهل في هذه الاستعارة استعانة أو لا؟ الجواب: نعم، فيها استعانة، وهي استعانة بمشرك. إذاً: نقف هنا ونقول بكل وضوح إلى أنه لا مانع للمسلم إن احتاج أن يستعين بغير المسلم على عدو دينه سواءً كان العدو مشركاً أو كتابياً أو غير ذلك، وهذه المسألة كنا قد سمعنا فيها سابقاً كلاماً كثيراً وما أحببنا الخوض فيها ولا الوقوف عليها أو تناولها. واستدل بعض الناس بحديث: (ارجع فإنا لا نستعين بمشرك) وكتبت الصحف في ذلك وتكلم الناس واستدلوا بما ذكرنا بحديث الرجل الذي أدرك رسول الله ﷺ بالروحاء وقال: (خرجت أقاتل معك -حمية لقومه- وأرجو الغنيمة، فقال له: أسلمت؟ قال: لا، قال: ارجع لا نستعين بمشرك) ، ثم رجع إليه وفي المرة الثالثة (قال: نعم، أسلمت، قال: فامض إذاً) فهناك يقول: (لا نستعين بمشرك) وهنا يستعير من مشرك، والناس لهم في هذا نظران: قالوا: إن غزوة بدر كانت في السنة الثانية فقال: (لا نستعين بمشرك) من أجل ترسيخ العقيدة، ووضع خط الفصل بين الإيمان والشرك، وعزل المؤمنين عن المشركين واستقلالهم بذاتهم وتميزهم، وأما في حنين فقد تميز الإسلام بذاته، وأصبحت له خصوصيته ومكانته ودولته فلا يضره بعد ذلك مخالطة المشركين. وبعضهم يقول: ما كان في بدر فهو في السنة الثانية وما كان في حنين فهو في السنة الثامنة والمتأخر ناسخ للمتقدم، ووالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه بحث هذه المسألة في أضواء البيان وذكر فيها أقولاً عديدة، ورجح جواز الاستعانة بغير المسلم ما لم يكن في ذلك حيف أو مضرة على الإسلام أو المسلمين. وفي قصة الهجرة التي هي من أخطر أحداث الإسلام كان الصديق رضي الله تعالى عنه حينما كان مع رسول الله ذاهبين ليلاً من البيت إلى الغار فكان يمشي تارةً خلفه وتارةً أمامه وتارةً عن يمينه وتارةً عن يساره فقال النبي ﷺ : (ما بالك يا أبا بكر؟! قال: يا رسول الله! أتذكر الرصد فأكون أمامك، وأتذكر الطلب فأكون وراءك، قال: أوددت لو كان شيء أن يكون فيك أنت؟ قال: نعم، يا رسول الله! إن أهلك أهلك وحدي أما أنت فمعك الرسالة) ، فهذه مخاطرة في الخروج في الهجرة في كونه يشق مواقع ومنازل القبائل المعادية ويخاطر أمام فداء بمائة ناقة لمن أتى به حياً أو ميتاً، ولكن عناية الله هي التي كانت ترعاه. فهنا حدث الهجرة من أخطر أحداث الإسلام ولهذا لما فكر عمر بنظره الثاقب ونوره الإيماني بوضع التاريخ اعتبر الهجرة هي بداية التاريخ؛ لأن بها انتقل الإسلام من المطاردة إلى المهاجمة، ومع هذه الخطر كان دليل الركب في الهجرة عبد الله بن أريقط. وعبد الله بن أريقط كان على دين قومه ومع كونه على دين قومه كانوا يأتمنونه على أرواحهم ورواحلهم وزادهم وأسرارهم، وتواعدوا معه عند الغار بعد ثلاث؛ لأن عنده المروءة، والرجولة، والصدق، والوفاء، وهذه جعلته يتعالى فوق الماديات، فضحى بنفسه، وما ذهب يقول للمشركين: تعالوا أنا أدلكم عليهما وأعطوني المائة حتى تكون غنيمة لي طول عمري؛ ولكن هذه المائة لا قيمة لها في الغدر، ففي هذه القصة استعانة بمشرك في أخطر وقائع الإسلام. نأتي أيضاً إلى تعامل الرسول في المدينة مع اليهود فقد كان يعاملهم ويبيع ويشري منهم، وفي نهاية الأمر كان درعه مرهوناً عندي يهودي في ثلاثين صاعاً من طعام، فبالنظر إلى قضية صفوان نهدئ ما في ثائرة نفوس بعض الإخوة في قضية (لا نستعين بمشرك) ويمكن الاستدلال أيضاً من نفس الواقعة، فالرسول ﷺ يوم خرج إلى بدر هل خرج لقتال جيش أو لأخذ عير؟ الجواب: خرج لأخذ عير، يعني: أنه في غنىً عن أن يستعين بمشرك، ولا توجد حاجة داعية لهذه الاستعانة، لكن إذا كانت الحاجة داعية فسيتغير الموقف ويتغير الحكم، فلو قلنا: إنه رده في بادئ الأمر ليتميز الإسلام عن غيره بخط واضح عريض فلا بأس بهذا القول، وإن قلنا إنه رده كما يقول بعض العلماء: لعلم رسول الله بما أعلمه الله أنه إذا رده يسلم فيكون رده لا لكونه مشركاً ولكن بغية أن يسلم، ولكن هذا الشيء نحن لا ندخل فيه؛ لأنه خاص بالرسول ﷺ ، والأعمال التشريعية هي للأمة وهو ما عنده علم بأنه سيسلم أو لا يسلم. لكن إذا قلنا: بأن الواقعة التي توجه إليها ﷺ في نظره وفي تقديره وفي حكم القوة والعسكرية كما يقال، تدل على أنه ليس في حاجة إلى عدد كثير؛ لأنه عند خروجه من المدينة قال: (من كان ظهره حاضراً فليركب) واستمهلوه أن يأتوا برواحلهم من العوالي، فقال: ما أنا بمنتظر، فإذا كان ما هو بمنتظر للمسلمين فهل يبقى في حاجة إلى أن يأخذ مشركاً؟! وأما هنا فالموقف مغاير؛ لأن هوازن ذات شوكة، ونحن نعلم ماذا حدث حينما بادروهم بالنبل عند نزولهم الوادي فرجعوا حتى نادى رسول الله العباس وأمره أن ينادي أصحاب الشجرة -أهل بيعة الرضوان- وأهل العقبة فناداهم فرجعوا والتفوا حوله وكان النصر، فلم تغن عنهم كثرتهم في ذلك اليوم. إذاً: هو كان في حاجة إلى عدد أكثر، وفي حاجة إلى عتاد يوازي أو يغطي حاجة العدد الجديد الذي خرج معه من مكة. إذاً: نحن في الوقت الحاضر قد تطرأ على المسلمين أحداث، ويكون عدوهم أكثر منهم عتاداً وعدة ورجالاً، ونجد من غير المسلمين من يمد المسلمين بالإعارة أو بالإجارة أو بالهبة أو بأي صفة كانت، فهل نتوقف عن هذه الإعارة أو الإجارة ونترك العدو يتمكن منا أو نقبل عارية المشرك أو حتى ما وراء الآلة؟ الجواب: أننا نقبل، وقد ذكرت لكم كلمة الملك فيصل ﵀ في هيئة الأمم، عند أن استحكم المعسكر الشيوعي وبدأت المملكة في مبدأ تنويع مصادر السلاح؛ لأن وحدة مصدر السلاح خطر على الأمة؛ لأن الأمة تكون تحت رحمة مصدر سلاح واحد، وأنتم تعلمون أن في حرب العبور بعض الدول سحبت طيرانها من المعركة، فلو كان الاعتماد على جهة واحدة لوقفنا، وروسيا بالذات امتنعت أن تقدم قطع الغيار لطيرانها الموجود في مصر إلا بدفع القيمة نقداً وبالعملة الصعبة، ومصر في ذلك الوقت ليس عندها عملة صعبة ولا سهلة؛ لأنها في حرب، خرجت من ثلاثة حروب، فكيف يكون الحال؟! واعتقد أن هذا ليس بسر؛ لأنهم يقولون: أخبار الحروب بعد خمس عشر سنة لم تعد سراً، فالملك فيصل سجل أعظم موقف في الحروب وفي التاريخ، فلما أخبره السادات بالموقف استشار الملك فيصل مستشاريه الماليين فقالوا: ما عندك مال، فقال: بل عندي، فقالوا: نحن المختصين بالمال نعرف أنه ليس عندك، وأنت تقول: عندي، فمن أين؟ قال: من رصيد الريال في البنك الدولي، فالريال كان ضمانه كاد أن يصل إلى مائتين في المائة ويصير من العملة الصعبة، فأخذ من رصيده شيكاً مفتوحاً ودفع للسادات ما دفعه لروسيا قيمة قطع الغيار واستمرت الحرب. وهنا أخذ الملك فيصل في ذاك الوقت سلاحاً من روسيا شراءً، فقالوا له: أنتم دولة إسلامية وتحاربون الشيوعيين ثم تشترون منهم سلاحاً! فقال: أنتم امتنعتم أن تبيعوا لنا ونحن اشترينا منهم حديداً مصنعاً وليس مبادئاً شيوعية، أي: أن الذي اشتريناه هو حديد مصنع ليس فيه مبادئ شيوعية، والمدفع الروسي والمدفع الأمريكي كلاهما حديد مصنع وليس بينهما فرق. يهمنا أن فعل النبي ﷺ واستعارته الدروع من صفوان وهو على دين قومه مبدأ من مبادئ الحروب مع العدو إذا احتاجت الأمة من غيرها عتاداً عارية أو شراءً أو استئجاراً.

стр. 2283

لماذا استعار النبي ﷺ من صفوان عارية مضمونة ومن يعلى عارية مؤداة ؟ وهنا ننظر في جوبه ﷺ وموقفه من إعارة دروع صفوان وإعارة دروع يعلى له، فهذه دروع وهذه دروع، وهذه إعارة وهذه إعارة، لكن واحداً منهم يقول له: (مؤداة) والثاني يقول له: (مضمونة) . فهل نستطيع أن نتوسع ونقول -ما وجدت من نبه على هذه- إن الذي قال له: (مؤداة) هو مسلم صحابي جليل ومن واجبه أن يساهم في القتال والجهاد بنفسه وماله، فإذا كانت عنده دروع واحتاجها المسلمون فالواجب عليه أن يقدمها؟ وهنا يقول: هي لكم يا رسول الله! لأنه مسلم وهو مطالب بالجهاد، وقد توفرت عنده آلة قتال، وطلب منه الرسول إعارتها، فلا أقل من أن يعيرها ولكن بأخف الأمرين: (مؤداة) ؛ لأنها إذا تلف منها شيء فالرسول هو الذي استعارها، وهو استعار هذه الدروع للقتال، وهذا القتال هو في سبيل الله، فكيف يغرمهم ما أتلفوه في سبيل الله وهو مسلم، بل الواجب عليه أن يقاتل ويساهم. إذاً: هذا واجب، ويشهد الله أن نفسي مستريحة له، لكن صفوان لو قال: لا أعيرك يا محمد! فله الحق؛ لأن هذا ماله، وهو على غير دين الإسلام، وسيقاتل بها النبي ﷺ بني دينه، فلو قال: لن أعطيكم، فما بقي إلا الغصب، وما بقي إلا أن يقال: محمد يغتصب، ومحمد يسلب أموال الناس وغيرها من ألفاظ التشنيع، لكن يقابل موافقته وهو مشرك أن يعير المسلمين أدرعه ليستعينوا بها على قتال أهل دينه فهذا منه كافٍ جداً، وتلفها في الحرب ليس على صفوان منه شيء، سواء انتصروا أم انهزموا. إذاً: من حق صفوان أن تكون عاريته مضمونة. إذاً: على هذا لا خلاف ولا نزاع ولا ينبغي أن ينصب الخلاف في العارية هل هي مضمونة أو مؤداة، فلكل عارية ظروفها. ولذا فإن من الفقهاء من توسط وقال: مضمونة إن اشترط ضمانها، وبعضهم يقول: ليست مضمونة ولو اشترط الضمان، وعبارة ابن قدامة في المغني: والعارية مضمونة وإن شُرط عدم ضمانها. أي: هي بذاتها مضمونة. ثم نرجع إلى صلب الموضوع، ما الذي جعل كلاً من الأول والثاني يتساءل هل هي مضمونة أو مؤداة؟ ألا يوحي هذا التساؤل إلى أن تعاملهم في العارية كان بحسب الشرط؟ الجواب: يوحي إلى أنه كان فيها قبل ذلك أحكام صادرة، وإلا لما سألوا، فلو كانت مؤداة قولاً واحداً والعرف عندهم فيها الأداء فليس هناك حاجة إلى أن يسألوا، وإن كانت مضمونة والعرف عندهم فيها الضمان فليس هناك حاجة إلى أن يسألوا؛ لأن العرف محكم، لكن أظن -والله تعالى أعلم- أنهم فيما بينهم كانت العارية عندهم على الأمرين، أي: بحسب الشرط، فإن اشترط ضمانها فهي مضمونة وإن لم يشترط ضمانها فهي مؤداة. إذاًَ: نستطيع أن نجمل القول في العارية حتى ندخل في الباب الذي بعد هذا وهو باب الغصب؛ لأن مباحثه واسعة، وحتى لا يفوت علينا مثل الذي فات في موضوع العارية نقول: العارية من حيث الضمان وعدم الضمان مندوب إليها، فإذا استعرت شيئاً من حق أخيك المسلم فعليك أن ترفق به وأن ترده، والعارية هي كما ذكر النبي ﷺ : (أنها من حق المال) ، فالإبل يعار فحلها ودلوها ومنيحتها وحلبها على الماء إلى غير ذلك، ومدلول يمنعون الماعون كما فسره ابن عباس القدر والقدوم والميزان إلى آخره. فإذا كان مندوباً إليها فلا ينبغي أن تمنع أخاك شيئاً ينتفع به ولا مضرة عليك بذلك، ولكونها مندوبة يجب ردها في أي وقت طلبها صاحبها؛ لأنها في يد المستعير أمانة، ولكن يقولون: إلا إذا كان عند طلبه إياها يترتب على ردها مضرة للمستعير، ويمثلون على ذلك بلوح خشب فيما لو استعاره ووضعه في السفينة فجاء صاحبه في نصف البحر وقال: أعطني اللوح حقي، فلو أعطاه فسيغرق وينزل إلى قاع البحر، فلا يمكن أن يرد اللوح في هذا الوقت، بل على صاحبه أن يصبر حتى يخرج المستعير إلى البر ويخلع له لوحه ويعطيه إياه، وكذلك لو استعار سيارة من إنسان من المدينة النبوية إلى جدة وفي نصف الطريق قال له: أعطني سيارتي، فقال المستعير: وأنا أين أذهب؛ لأنه مقطوع ما عنده سيارة أخرى. إذاً: عليه أن يردها، حين طلبها المعير ما لم يكن في ردها مضرة على المستعير.

стр. 2284

حكم إعارة العارية وتأجيرها وحكم رد العارية لصاحبها، فالكلام كله ينحصر في جزئية وهي: فيما إذا تلفت العين المعارة، وإذا لم تتلف، فإذا أخذها وانتفع بها ثم جاء بها وقال: جزاك الله خيراً، بارك الله لك في عين مالك، فهنا انتهت المسألة، لكن إذا تلفت في يد المستعير فهنا الخلاف، وإذا كانت في يد المستعير فليس له أن يعيرها، إلا ما جاء عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه قال: له حق في أن يعيرها، والجمهور يقولون: ليس له حق في ذلك؛ لأن المعير ائتمن المستعير بذاته وأما غيره فلم يأذن له أن يعطيه، واتفقوا على أنه لا يؤجرها، فلو قال: أعرني إياها يومين، فقضى حاجته في يوم وأجرها في اليوم الثاني، فلا يحق له ذلك، وإن تلفت في يد المستعير الثاني أو المستأجر فصاحبها بالخيار إن شاء ضمن المستعير الثاني؛ لأنه لم يأذن له، وإن شاء ضمن المستأجر، وإذا ضمن المستأجر الذي كان قد استأجرها على أنها للمستعير ودفع له الأجرة فإنه يرجع على من أجرها عليه؛ لأنه أجر ما لا يملك. فإن تلفت تحت يده نظرنا: هل تلفت في استعمالها فيما استعيرت له أو خارجاً عنه، وقد نبهنا على قول الفقهاء: إن تلفت فيما استعيرت له بغير تعدٍ ولا تفريط فهنا محل البحث: هل يضمن أو لا يضمن، فإن كان استعارها لشيء فتعدى حدود الشيء المستعارة له إليه أو فرط في العين حين استعمالها فتعديه وتفريطه يقتضي الضمان، ولهذا كانت القاعدة في قانون الجنايات أن المسئولية تترتب على التعدي أو التفريط، هذا مناط المسئولية في الجنايات. فكذلك هنا، إذا استعارها إلى مسافة فتجاوزها، أو استعارها إلى نوع من العمل فتعدى إلى عمل آخر أو إلى نفس العمل ولكن تجاوز الحد. مثلاً: استعارها لينقل عليها أسمنت وحمولتها طن فذهب وحمل عليها طنين، فهذه استعيرت له ولكنه ليس في حدود طاقتها، فهو بهذا قد تجاوز وتعدى. وكذلك إذا تلف من العارية جزء يؤثر على المنفعة بباقيها فالحكم كما هو في تلف عين العارية فما استعملت له أو فيما استعيرت له بتعدٍ أو بتفريط فيكون الضمان في الجزء المفقود. والله تعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2285

كتاب البيوع - باب الغصب [١] لقد عظم الشرع الوعيد لمن اغتصب أرض غيره، حتى ولو كان الجزء المغتصب شبراً أو جزاءً من شبر، وللغصب مسائل وأحكام يذكرها العلماء في كتب الفقه.

стр. 2286

شرح حديث: (من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً ... ) [وعن سعيد بن زيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين) متفق عليه] .

стр. 2287

شمول الحديث لكل أرض صغرت أو كبرت قوله: (من اغتصب شبراً) وفي بعض الروايات: (شيئاً) ؛ لأن التقدير بالشبر في الأرض شيء ليس له أهمية، كما لو كان شبراً في ذرع قماش، أو شبراً في بيت مبني، عندها تكون قيمته كبيرة، فعندما تكون أرضاً في الخلاء ويكون الفارق شبر أو شبرين أو متر أو مترين فالمسألة هينة، ولكن أقل التقديرات عندهم الأصبع والشبر، فإذا كان الوعيد الشديد في الشبر فالذراع والباع من باب أولى، ولكون الشبر ليس له مفهوم، وقد جاءت الرواية الأخرى بـ: (من اغتصب شيئاً) ، ولو قدر إصبع؛ لأنه الغرض النهي عن الغصب بصرف النظر عن القليل والكثير الأرض فلاة متسعة، لكن كونك تغتصب من حق أخيك فهذه هي الجناية. وهذا وعيد شديد ينبغي على جميع أهل البساتين والأراضي وأصحاب المخططات، الذين يتعاطون العقارات أن يحفظوا هذا الحديث؛ ليتحروا الحق فلا يتجاوزه، ومما يروى في ذلك: أن امرأة كانت جارة لـ سعد بن أبي وقاص، فجاءت واشكته إلى الأمير وادعت أنه اغتصب شيئاً من أرضها. فقال: معاذ الله! أنا أغتصب من أرضها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغتصب من الأرض شبراً طوقه من سبع أرضين) ، فزجرت عن ذلك، ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها، واجعل ميتتها في أرضها. ففي آخر عمرها -عياذاً بالله- كف بصرها، ولما كانت تمشي في أرضها سقطت في بئر من آبارها وماتت فيها، ثم بعد ذلك جاءت السيول وكشفت عن الظفير الذي بينها وبين سعد، فإذا بالظفير بعيد عن أرض سعد، وإنما هي التي دخلت في أرض سعد، والظفير مدفون في أرضها هي.

стр. 2288

ما يقع عليه الغصب في هذا الحديث زجر ووعيد شديد لمن تجاوز حده، واستدل به الجمهور على إمكانية غصب العقار الثابت، خلافاً للإمام أبي حنيفة ﵀ فهو يقول: الغصب يكون في المنقولات فقط: بهيمة الأنعام، الأثاث، المطعومات، الملبوسات، الشيء الذي ينتقل من مكانه ويحوله الغاصب من مكان إلى مكان، أما العقار الثابت في محله فليس فيه غصب. والجمهور يقولون: قوله: (شبراً من الأرض) يدل على أنه يريد الأرض وهي عقار وعقار ثابت (طوقه من سبع أرضين) . إذاً: كل ممتلك يستولي عليه الغير بالقوة؛ فهذا يصدق عليه الغصب، وله أحكام في ضمانه، وعلى الغاصب ما يقع نتيجة لذلك من الشحناء والبغضاء والتقاطع بين المسلمين، والرسول ﷺ يقول: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) ، فكيف يتولى هو الظلم بنفسه؟!

стр. 2289

معنى التطويق في الحديث واختلاف العلماء في كيفيته في هذا الحديث جانب من الجوانب حير العلماء، وذلك في قوله ﷺ : (طوقه) والتطويق من الطوق، وهل الطوق هو الآلة التي تجعل في العنق كسلك أو سلسلة أو شيء من هذا مادي، أو أنه الطوق من الطاقة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَّوقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] ؟ وهذا على قراءة عن علي رضي الله تعالى عنه في أمر الصوم. أي: يفعلونه مع كلفة ومشقة إلى أقصى غاية الطاقة عندهم، والطاقة: القوة. تقول: الطاقة الحرارية التي تدفع الآلة أو الجهاز أو الأشياء. المشكلة عند (سبع أراضين) ، فبعضهم يقول: هذا على الحقيقة: أن هذا الشبر يكلف بحمله تراباً إلى المحشر، ثم يكون في عنقه كالطوق، وفي بعض الروايات الأخرى: (خسف به إلى منتهى سبع أراضين) وحينما يخسف به إلى أسفل يكون ما حوله من الأرض كالطوق في عنقه؛ لأنه مطوق لعنقه.

стр. 2290

بحث في عدد طبقات الأرض وهذا البحث من مباحث الجيولوجيا -كما يقولون- أو طبقات الأرض أو نوعيتها، وهل الأرضون سبع أو واحدة؟ والمشكلة قائمة من السابق، ويذكر بعض العلماء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه سئل عن سبع أرضين، فقال: (لو حدثتكم بها لكفرتم) . أي: لا تستطيعون تصديق ذلك فتنكروه فتكفرون، ولكن الأثر ضعيف. إن الله ذكر السماوات سبعاً بالعدد، فذكرها بلفظ مفرد وذكر السماء بلفظ الجمع، أما الأرض فلم تأت مجموعة في كتاب الله قط، وسمعت من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: إن الله جمع السماوات؛ لأن هذا الجمع سائغ، أما الأرض فجمعها شاذ، وكما يقول ابن مالك في الألفية: وأرضون شذ والسنون. عندما تجمع الأرض وتقول: أرضون، هذا جمع شاذ، وكذلك، والسنون جمع شاذ، تقول: سنوات، سنين، أما سنون في حالة الرفع فهذا شاذ، والقرآن يتجنب الشاذ. وقد شهدت مناظرة في هذا المسجد من شخص يدير معهداً في علوم ما مع والدنا الشيخ الأمين، وذلك حينما تعرض الشيخ لهذه القضية في الجمع والإفراد؛ فتجرأ وقال: يا شيخ! الناس ذهبت إلى الفضاء وإلى كذا وكذا في مراكب، ونحن الآن في جمع شاذ وجمع غير شاذ! فتضجر الشيخ قليلاً من هذا الكلام، واستأذنت الشيخ أن أتفاهم معه، وأذن للعشاء، وبعد العشاء كان هناك حديث طويل لا حاجة إلى إيراده في هذا الجمع الآن، لكن يهمنا أنهم كانوا ولا زالوا حتى الآن -وللأسف كل الأسف! - في هذه المسألة وفي هذا الحديث كتبهم من أغرب كتب التفسير، وعندما أقف على تفسير جديد محدث صاحبه له شهرته، وله قدرته في البلاغة واللغة، تزل قدمه في هذا الموضوع علماء الهيئة يقولون: إن السماء قبة زرقاء هوائية، وهو يعبر في تفسيره عن الكرة الهوائية، ويفسر السماوات السبع بالكواكب السيارة، وهو ما ذكره صاحبنا في قضيته مع الشيخ من حوالي عشرين سنة؛ لأنهم يتخيلون أن ليس هناك جرم سماء، وإنما الذي نراه من الزرقة من بعد المسافة، وأنها طبقات هوائية، وهذا المؤسف إذا كنا نسمعه من أشخاص درسوا الماديات على غير المسلمين، ثم تكلموا بها، فيمكن للعاقل أن يعذرهم، فهذا حدهم، ولكن عالم من علماء المسلمين، ويكتب التفسير من كذا جزء، ويقول عن السماء: الكرة الهوائية القائمة على الأثير، وكونها سبع إنما هي الكواكب السيارة السبعة! والله ذكر: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] ، فجاء العلماء وقالوا: الأرض مثلهن في ماذا؟ في ارتفاعها؟ لا. في مساحتها؟ لا. الأرض بالنسبة إلى السماء كنقطة حبر في قطعة ورقة مساحتها كيلو في كيلو، والسماء على الأرض كالقبة كما جاء في حديث ابن عباس، السماء الأولى على الأرض كالقبة، والثانية فوقها كالعقبة، وهكذا سبع سماوات، وسمك السماء في ذاتها مسيرة خمسمائة عام، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] ، أي: بقوة، وهذا لا يقال في الهواء، وفي حديث الإسراء حينما عرج جبريل بالنبي ﷺ إلى السماء الدنيا فطرق الباب، فقيل: من؟ قال: جبريل. أمعك أحد؟ قال: معي محمد. أو أرسل إليه؟ قال: بلى. فيفتح الباب، هل هذا في هواء؟! نأتي إلى الأرض التي نحن نعيش فيها، فهناك من يقول: سبع أرضين كل واحدة منفصلة عن الثانية إلى سبع، وبين كل أرض وأرض فضاء، وذكروا أشياء وأخباراً، حتى أن البعض عزاها لمن سمع من الإسرائيليات، ومنهم من يقول: كل أرض فيها آدم كآدمكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وكعبة ككعبتكم، و. و. إلى شيء كثير جداً. والتحقيق عندهم: أن عدد الأرضين سبع متلاصقة وليست منفصلة، وتجدون البحث في هذا عند قوله: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠] ، فمن يقول: ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ ، الرتق: المرتبط، والفك الفتح، والسماء كانت رتقاً مع الأرض ففصلت السماء على حدة والأرض على حدة، وبعضهم يقول: السماء كانت رتقاً ففتقها سبعاً، والأرض كانت رتقاً ففتقها سبعاً. والآخرون يقولون: إن فتق السماء بإنزال المطر، وفتق الأرض بتشققها للنبات، كانت الأرض رتقاً صماً، فالله فتقها لإنبات النبات: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس:٢٧-٢٨] ، إلى آخر الآيات الكريمة. وبعض المحققين يقول: في هذا الحديث إشعار بأن الأرض على تقدير أنها سبع أرضين متلاصقة. وبعضهم يقول: كقشر البصل كل واحدة فوق الثانية، وبعضهم يقول: إن الأرضين السبع هي القارات اليابسة مع الماء، ونسبة اليابس مع الماء مع الأرض الربع، وثلاثة الأرباع ماء، المحيطات وهو بحر واحد، وإن كانوا يسمونها البحر الأحمر، البحر الأبيض، المحيط الأطلسي، المحيط الأطلنطي، المحيط الهادئ، ولكن عند التحقيق فكلها بحر واحد: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان:٢٧] ، البحر واحد في الأرض، لكن تتغير الأسماء بموقعه. والآن ماذا يقول السادة المشايخ بعد مجيء مراكب الفضاء، وبعد الدوران حول الأرض عدة مرات؟ هل هناك أرضين تحت الدورة هذه؟ وتعاقب الليل والنهار مع الشمس بحركة الأرض أو بحركة الشمس ليس لنا علاقة بهذه المعركة؛ فما تعامد مع الشمس فهو نهار، وما تعاقب دونها فهو ليل، فهل الأرضون السبع لها سماوات سبع ولها سبع شموس؟ أقول: إن هذه النقطة بالذات شغلت العلماء، وأوجدت تلك الأقوال والأفكار، ونحن نقول: يقول الله سبحانه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف:٥١] ، وجاء الحديث: (ولم تدرك عقولنا كنهها) . إذاً: ما لم يشهدنا كيف خلق الأرض، نقول: آمنا بالله، وبما جاء عن الله على مراد رسول الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله، أما كونها سبع أرضين بعضها منطبق على بعض؛ فالذين درسوا قليلاً من الجغرافيا يعلمون أن جوف الأرض منصهر، وأن البراكين التي تظهر ما هي إلا من انصهار المعادن والأجرام التي في باطن الأرض وتتموج، وإذا وجدت ضعفاً في قشرة الأرض الخارجية خرج البركان حمماً يسيل مثل الماء. إذاً: باطن الأرض الله أعلم به، ويكفي -كما يقولون- في أحاديث الوعيد أن تمرر كما جاءت، ولا يفصل فيها، وهذا اللفظ بذاته يكفي لزجر وإرعاب من تسول له نفسه بالاغتصاب. والله تعالى أعلم.

стр. 2291

أحكام ومواعظ من بيت النبوة قال المصنف ﵀: [وعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا. ودفع القصعة الصحيحة للرسول، وحبس المكسور) رواه البخاري والترمذي، وسمى الضاربة عائشة ﵂، وزاد: (فقال النبي ﷺ : طعام بطعام، وإناء بإناء) ] .

стр. 2292

حسن عشرة النبي ﷺ لنسائه وهنا زيادة بيان من واقع حياة النبي ﷺ في بيته، وهذا واجب؛ لأن الله جعل رسوله أباً وزوجاً ويمشي في الأسواق، ويبيع ويشتري ويرهن، وكل ما هو من حاجات البشر كان يصنعه؛ ليكون أسوة للناس، ولاسيما في بيت النبوة الطاهر حينما تقع الحوادث، وتجري الأمور على سنن البشر كيف لرسول الله ﷺ أن يعالجها؟ لقد شاهدنا من عظماء الرجال إذا كانت عنده ثلاث نسوة أو أربع يحتاج إلى إدارة معونة على سياسة تلك الأخرى، وهذا ﷺ له تسع نسوة، مع الفارق في النوعية؛ لأن زوجات رسول الله أمهات المؤمنين لسن كبقية الناس، فهن يتميزن بحسن السمع والطاعة، وخالص الحب والوفاء لرسول الله ﷺ . وقبل ذلك أريد التنبيه على موضوع قد التبس على بعض الإخوة من قبل، ولعلاقته بالعقائد وآيات الصفات، وأحب أن يصحح أولئك الإخوة مفاهيمهم: حينما ذكرنا موضوع السماء، وأنها سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، وإثبات أن السماء جرم من النصوص كقوله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] ، وقلنا: (بأيد) يعني: بقوة، ولكون اللفظ (أيد) يحتمل جمع يد ويحتمل القوة، فبعض الناس يظن أن ذلك جمع يد، وأنه من الصفات لا، فالله يقول: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص:١٧] وهل كان ﵇ عنده مجموعة من الأيدي أو يدان فقط؟ اثنان فقط. إذاً: الأيد: أي: القوة. القاعدة: أن كل ما جاء في كتاب الله فيما يتعلق بصفات المولى على ما يريد، إنما يأتي مضافاً إليه، كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ، فهذا يكون بالإضافة إلى الله ، فهو من باب الصفات، ومجرى آيات الصفات على ما عليه سلف الأمة، آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وليس هذا موضوع تحقيق ما يتعلق بالعقيدة، ولكنه تصحيح لمفاهيم بعض الإخوة الذي ظن بالاشتراك باللفظ بين جمع يد وبين القوة، فهي هنا: ((بنيناها بأيد)) بقوة، وهو المناسب أيضاً لبناء السماء، هذا الجرم العظيم، مسيرة خمسمائة عام سمكها، وسقف المسجد ربما كان سمكه خمسين سنتيمتر، أقل من المتر، وهذه مسيرة خمسمائة عام! أين موقع العقل في مثل هذا؟!

стр. 2293

اهتمام السلف بالسيرة النبوية إن دراسة حياة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في شخصه، في بيته، في مجلسه، في طعامه وشرابه ولباسه واجب على كل مسلم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ، وكيف تتأسى بمن تجهل حياته وأحواله؟ إذاً: يتعين على كل مسلم أن يعلم كل الجوانب عن رسول الله ﷺ . وقديماً قلت: إن شخصية رسول الله في ذاته من شعره إلى أظفاره، وحياته وسلوكه معجزة في ذاته، ولو لم تجرِ على يده المعجزات من تكثير الطعام، ونبع الماء من بين الأصابع، ومجيء الشجر إليه، ومناجاة البعير له. إلخ، إذا لم تأت ولا آية من هذه الآيات لكانت شخصية رسول الله معجزة في ذاتها؛ لأنه بشر، نعرف أبويه ومتى ولد ونسبه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] ، قال ابن عباس: أي تعرفون مولده ونشأته وحياته. ليس بغريب عليكم، وكان يذكر ابن فرحون -في كتاب له مخطوط إلى الآن في المسجد النبوي- في القرن السابع الهجري، قال: كان العلماء في المسجد النبوي إذا دخل شهر رمضان ترك كل إنسان الدروس، صاحب التفسير ترك تفسيره، صاحب الحديث ترك حديثه، صاحب الفقه تركه، صاحب اللغة الأدب، كل معلم في المسجد يترك المادة التي كان عليها ويدرس الجميع الشمائل النبوية. يعني: الصفات الخلقية والخُلقية؛ حتى يتعلموا ويعرفوا من هو رسول الله ﷺ .

стр. 2294

غيرة عائشة ﵂ وعلاج النبي ﷺ لذلك ذكرنا بعض الصور التي وقعت في بيته ﷺ ومن نسائه معه، وكيف عالج ذلك، مع أنهن تحزبن عليه، ووقفن ضده، وليس ذلك -والله- حطاً من قدرهن ولا تنقصاً من ذواتهن، بل هو إعلاء لمكانتهن؛ لأنهن فعلن ذلك محبة فيه وحرصاً عليه، وبدوافع الغيرة، ونعلم جميعاً أن المرأة لا تغار على زوجها إلا من دافع الحب؛ فهو من صفات المدح لهن، وليس من صفات الذم، وقد بين لنا تلك الحياة وصورها ليتعلم الرجل ماذا فعل رسول الله، ويتعلمن النسوة كيف فعلن زوجات رسول الله، وهكذا تؤخذ الحياة العملية تطبيقاً من بيته ﷺ . أما الدافع الأساسي -كما أشرنا- وهو الغيرة، فإن مبدأ ذلك -أو الغيرة المبسطة، لا المؤامرة- جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها افتقدت رسول الله ﷺ في ذات ليلة، تقول: والحجرات ليست فيها المصابيح -ظلام- إذا أطفأوا السراج وناموا لم يروا شيئاً، وكانت السرج بالزيت وفتيلة. انظروا إلى القناديل التي كانت معلقة في المسجد، كان يوضع فيها الزيت وفتيل، وطرف الفتيل على حافة السراج ثم يشعل بالزيت. تقول: فقمت أتحسس الحجرة فما وجدته، فتقدمت فوقع كفي على بطن قدمه وهو ساجد يقول: (سبوح، قدوس، رب الملائكة والروح) ، فقلت: والله إني لفي شأن وإنك لفي شأن. لما وقع كفها على بطن قدمه قالت: لعله كان قد ذهب إلى بعض نسائه واغتسل هناك وجاء يصلي هنا، فلما قام من سجوده وقفت بجانبه، وأدخلت يدها في شعره -وكانت له جمة إلى منكبيه- لتتحسس أثر الغسل، كل ذلك والرسول ساكت، فلما انتهى التفت إليها وقال: (أخذتك غيرتك يا عائشة؟ -أعلمها ما هو الدافع- قالت -ويا لصدق ما قالت! وهو يبين المقدار الحقيقي للتأثر بالغيرة وإن كانت شديدة-: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟) . وبعض الروايات: أنه جاء من الخارج فوضع ثيابه، ثم اضطجع، ثم سرعان ما قام. تقول: وتظاهرت بالنوم. فلما خرج أرسلت بريرة وراءه فأتتها وقالت لها: ذهب إلى أهل البقيع، تقول: فشددت عليّ ثيابي، وخفت أن يرجع من أهل البقيع إلى بعض زوجاته، ووقفت من بعيد، فلما رأته فرغ من السلام عليهم، وبدأ يتحرك عائداً جاءت راجعة، فشعر بها، فأسرع، تقول: فأسرع فأسرعت، إلى أن جئت البيت واضطجعت في فراشي، فلما دخل وضع يده على صدري، وقال: ما هذا يا عائشة؟! أأنت التي كنت أمامي؟ قالت: بلى يا رسول الله؟ قال: أظننت أن يحيف الله بك ورسوله؟ لا يا عائشة. فهذه -كما أشرنا- أمور جبلية لا يمكن للمرأة أن تتخلى عنها، وكذلك الرجل، لكن فرق بين من يتحكم في دوافع النفس وانفعالاتها ويبين من يضعف أمام ذلك. نأتي إلى موضوع القصعة والطعام وما ذكره البخاري، وأعتقد أنه لو جاء في غير صحيح البخاري لكنا وقفنا موقف التساؤل؛ لأنهن أمهات المؤمنين، ويقول الله عنهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] من كل دنس وشائبة، وسوء خلق، مما ينتقص من النساء، ولابد أن يكن كذلك؛ لأنهن فراش رسول الله، وكان الرجل يتحرى صديقه بالهدية عند بعض زوجاته، وكانوا يتحرون ليلة عائشة ويهدون إلى رسول الله فيها هداياهم.

стр. 2295

موقف زوجات النبي ﷺ في قضية التحريم ذكر البخاري ﵀ بأن زوجات رسول الله كن قسمين: عائشة وحفصة وسودة، وأم سلمة ومن معها، وكن بهذا التآمر يحتلن على رسول الله ﷺ في أمور ربما كان يحبها، من ذلك: أنه كان ﷺ من عادته إذا صلى العصر طاف على نسائه، وكانت حجر زوجاته ﷺ ورضي الله عنهن مطيفات بالمسجد، ابتداءً من حجرة عائشة وحجرة حفصة التي كانت مقابلة لها. والشباك الذي في واجهة جدار المسجد القبلي كان محله باب، وكان يقال له: (باب آل عمر) ؛ لأن حفصة كانت تسكن في مقابل حجرة عائشة، وكن إذا صعدن في الطابق الثاني يتناولن الهدايا من الشباك، فكان يبدأ من بيت آل عمر في الجنوب، ويطوف بالشرق، ثم يأتي إلى الشمال. هكذا كانت حجرات زوجات رسول الله ﷺ ، وكان يطوف عليهن بعد العصر، فإذا مر بـ زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها استوقفته، وأتته بعسل، ومزجته بالماء وصنعت له شراباً، وكان يحب الحلوى والبارد، فيشرب العسل، فغرن من هذا، لماذا يخصها بالوقوف، ولماذا يشرب عندها العسل واستكثرن ذلك عليه، فبدأت مؤامرة حفصة وعائشة، كيف نمنعه من هذا الوقوف؟ وكيف نمنعه من هذا العسل الذي اختصت به زينب؟ فقلن فيما ببينهما: ليقل له من يأتيه قبل الأخرى أجد -كان ربما دنا وقبَّل- ريح مغافير، وهو نبات حلو الطعم كريه الرائحة، فيقول: لا. أنا ما شربت هذا، أنا شربت عسلاً عند زينب، يمكن أن النحل رعى في ذاك النبات، فجاءت الرائحة في العسل، وكأنهن لا يعلمن شيئاً رضوان الله تعالى عليهن. فلما جاء للأولى قالت له ذلك، ولما جاء للثانية قالت له ذلك، فحرمه على نفسه، ثم أصبح يمر على زينب كعابر سبيل كما يمر على غيرها، وفيما بعد عندما نجحت المؤامرة قلن فيما بينهن: والله لقد حرمناه من شيء كان يحبه.

стр. 2296

موقف أمهات المؤمنين من زواج النبي بأسماء بنت النعمان نأتي إلى ما هو أخطر وهو زواجه من أسماء بنت النعمان -من كندة- وكان النعمان -وهو سيد قومه- وفد ضمن الوفود التي وفدت على رسول الله ﷺ في عام تسع من الهجرة عام الوفود، حتى إن ابن كثير يقول: إن الذئاب قد أرسلت وفداً لها إلى رسول الله. ويذكر في الخبر: بأنه ﷺ كان جالساً مع أصحابه، فجاء ذئب يخطر من بعيد حتى دنا من القوم، فأقعى وحرك ذنبه ورأسه، فقال رسول الله ﷺ : (هذا وافد الذئاب إليكم، ماذا تنزلون له من أغنامكم ويكون بينكم مسالمة، قالوا: والله ما نعطيه ولا شيء. فقال: اذهب وهه! هه! يعني: اختلس ما استطعت) . فعام الوفود كانت كل القبائل ترسل فيه وفودها، وهي: إما قبيلة لم تسلم فتعلن إسلامها كثقيف، التي جاءت في العام التاسع، ونزلوا في المسجد النبوي. إلخ، وإما أن تبعث وفوداً تجدد العهد على الإسلام والتزامهم بذلك، فجاء وفد كندة وفيهم النعمان، وكانت ابنته -وصاحب الإصابة يذكر في قول أنها أخته- وكانت من أجمل نساء العرب وأشبهن، فزوجها رسول الله، ثم أرسل بها إليه، تقول حفصة وعائشة: فلما رأيناها قلنا فيما بيننا: لقد وضع يده في العرب، وسيصرفنه عنا، والله لن يراها رسول الله إلا وانصرف إليها، فقامت عائشة وخضبتها، وقامت حفصة ومشطتها وهيآها لرسول الله -انظر المقدمات! - ثم قلن لها: إذا أردت أن تكوني ذات حظوة عند رسول الله ويكرمكِ ويحبكِ إذا أقبل عليك فقولي له: أعوذ بالله منك -يا سبحان الله! - والمسكينة ظنت أن هذا يقربها عند رسول الله، فامتثلته بغية الوصول إلى رضا رسول الله، فأخذ بكمه على وجهه وقال: (لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك) فلما رجعت كانت تقول: سموها الشقية؛ لأنها حرمت ذاك الفضل العظيم. هل الرسول ﷺ في هذه الحالة سألها من أمرك بذلك، من علمك هذا؟ هل عتب على حفصة وعائشة فيما فعلنه؟ لا؛ لأنه أدرك أن الدافع لهذا هو الغيرة، والغيرة ناشئة عن الحب والحرص على رسول الله. نأتي إلى موضوع قصعة الطعام، وتحري الناس الهدية وبالطعام ليلة عائشة مرضاة لرسول الله ﷺ ، فكان عند بعض زوجاته، فصنعت إحدى أمهات المؤمنين طعاماً، وقلنا وكان من أحسنهن في الطعام صفية وحفصة، وهي رضي الله تعالى عنها تقول: ما رأيت صناعاً للطعام كـ حفصة، ثم جاءت قصعة حفصة قبل قصعة عائشة، تقول: فصنعت له طعاماً، وصنعت حفصة طعاماً، فجاءت قصعة حفصة قبل قصعتي. وهناك روايات متعددة، والتحقيق: أن القصة بذاتها تعددت مع حفصة، مع صفية، مع سودة. أربع مرات. فلما انكسرت القصعة أمسكها الرسول، وجمعها نصفين، وفي بعض الروايات (قال: كلوا، غارت أمكم) ، وفي بعضها: (وضع الطعام على النطع -السفرة الممدودة-) ، وقيل: كان من الحيس -يعني: ليس مرقاً يتدفق- ثم جاءت قصعة عائشة التي كانت متأخرة، فدفعها بما فيها من الطعام للرسول الذي جاء بالقصعة الأولى، وفي بعض الروايات: قالت عائشة لما جاءت وبيدها فهر وضربت القصعة فكسرتها فانتبهت، وأدركت ما فعلت، قالت: ما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: (قصعة بقصعة وطعام بطعام) . ونقول: إن النبي ﷺ تدارك الموقف بالحكمة والتأني، وهل أحد من الحاضرين أو الغائبين وقف على نص من رسول الله ﷺ في تلك المواقف أنه عنف على إحدى زوجاته أو سبها؟ لا والله؛ لأنه أدرك الدوافع، وأن القضية قضية صافية، والقلوب طاهرة، ويكفي أن عائشة قالت في الحال: ما كفارة ذلك يا رسول الله؟ لو أنها من النساء الأخريات ما عليها انكسرت أو لا، وتصر على موقفها، ما هذه فقد تذكرت وتراجعت واعترفت وطلبت الكفارة.

стр. 2297

موقف النبي ﷺ من طلب أزواجه زيادة النفقة عليهن أحب أن أنبه على قضية أكبر من هذه: أعتقد أن كل إنسان، ويمكن لأول مرة يسمع أن زوجات رسول الله كن قد خاصمن رسول الله بسبب مطالبتهن بالنفقة، وشددن الطلب، فتركهن غضباناً، وخرج إلى المشربة وظاهر منهن شهراً، حتى بلغ الخبر إلى عمر محرفاً بأن زوجات رسول الله طلقن، وكان عمر له جار في العالية يتفقان على المناوبة في رعي البستان وفي النزول إلى المسجد النبوي، ينزل أحدهما إلى المسجد النبوي مع رسول الله حتى المساء، ويحفظ ما يسمع، ويرجع إلى صاحبه يمليه عليه، بينما صاحبه هناك يراعي مصلحة النخيل، ومن الغد من كان في النخيل ينزل إلى المسجد النبوي، وهكذا دواليك. فجاءه -أي: جاء عمر صاحبُه- وبعد المغرب ينادي عليه بشدة: يا عمر يا عمر! قال: ما شأنك، أجاء الروم؟ لأنهم كانوا يتوقعون مجيء الروم، قال: لا، الأمر أشد. قال: وما هو؟ قال: طلق رسول الله زوجاته. ومن إحدى زوجاته حفصة بنت عمر، فأخذ رداءه وذهب؛ فوجد الدنيا واجمة، ثم جاء من الغد ودخل المسجد، فوجد الناس واجمين، فسأل: أطلق رسول الله زوجاته؟ فلم يرد عليه أحد، ثم دخل على حفصة، قال: أطلقكن رسول الله؟ فظلت تبكي وما ردت عليه، قال: أين رسول الله؟ فأشارت إلى المشربة، وكان على الحجرة حارس منعه من الدخول على رسول الله، قال: استأذن لي على رسول الله. فرجع وقال: استأذنت فلم يتكلم. فاشتد الأمر على عمر، فانتظر برهة ثم قال: اذهب فاستأذن لي على رسول الله. ثم بعد فترة قال: قد أذن لك يا عمر فاصعد، فوجد رسول الله ﷺ واجماً، فقال: أطلقت زوجاتك يا رسول الله؟ قال: لا. فكبر عمر -الله أكبر (ثلاث مرات) - يقول عمر: فعزمت في نفسي أن أقول شيئاً يضحك رسول الله، وهذا الواجب على الصديق الوفي حينما يجد صديقه في أزمة، يجب أن يفتح له باب الحديث، ويطرق القلب ليعرف الموضوع، يجب أن تكون له فعالية، كما لو جاء إلى المريض لا يكون كلٌ منهما ينظر في الآخر، يجب أن يكلمه عن العافية، عن الثواب، عن الأجر عند الله، عن الأمور التي تفسح فسحة الأمل في الحياة. لما قال: ما طلقت. قال: خيراً، وسكت، ثم قال: يا رسول الله! لو رأيت فلانة -يعني زوجته- وهي ناشبة في وتقول: أعطني، أعطني. وما عندي ما أعطيها، فتبسم ﷺ وقال: هن حولي يطلبنني النفقة فيما ليس عندي. إذاً: فتح الباب، وانحلت العقدة، فنزل إلى ابنته يطعنها: أغرك من بنت أبي بكر أن تقول على رسول الله؟! والله لولا أنا لطلقك، أتطلبين من رسول الله من النفقة ما لا يملك؟! لا تسألي رسول الله شيئاً، ما أردت من المسألة والحاجة فاسأليني أنا، ولا تكلفي رسول الله شيئاً. وهذا موقف الصهر العاقل، ولو يدفع من عنده ويتحمل من نفقات ابنته في بيت زوجها لتظل الحياة الزوجية كريمة؛ لأنه إذا لم يفعل هذا، وضاق الأمر بزوجها ستعود إلى بيت أبيها، وستكلفه أكثر من هذا، فيكون هناك غض النظر في البذل والجود، وهناك تصلح الأمور وتستقيم الحياة الزوجية. فهذه ناحية، الناحية الثانية هي التي ساقها البخاري: تضايقن، وكلمن سودة أن تكلم رسول الله في أن يكلم الناس بأن يوزعوا الهدايا حيثما كانت، وحصلت المناقشة والعرض، وثلاث مرات وهن يلححن عليه، حتى قال: (لا تؤذيني في عائشة) ، ولما رأوا هذه الواسطة ما نفعت ذهبوا إلى فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها، فكلمته، قال: (ألا تحبين ما أحب يا ابنتي؟ قالت: بلى. قال: لا تؤذيني في عائشة) ، ثم جاءت زينب بنت جحش وفعلت ما فعلت، ولقيت ما لقيت، وانتهى الأمر بأنهن ما وصلن إلى شيء.

стр. 2298

نصرة الله لنبيه ولو على أزواجه زوجات رسول الله تقسمن فيما بينهن على رسول الله وحن حزبين، ثم جاء حزب ثالث -إن صح هذا التعبير مع التجوز- ينضم إلى رسول الله مناصرة له، اقرءوا إن شئتم قوله سبحانه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾ [التحريم:٤] انظروا إلى الأسلوب البلاغي! ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم:٤] ، لو كان في غير القرآن يمكن أن يقال: فإن الله مولاه، لكن يؤتى بضمير الشأن لتقوية الخطاب والبيان، وهو من تعلمون رب العزة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤] . نحن قلنا تجوزاً: الحزب الثالث، أو الحزب الثاني مقابل أمهات المؤمنين هو الله وجبريل وصالح المؤمنين وعموم الملائكة ظهيراً. انظر إلى هذا التعداد: الله، وجبريل، وصالح المؤمنين، والملائكة، أمام تسع نسوة، وهل لدى النسوة من الفاعلية ما يحتاج إلى تجنيد كل هذا؟ وكان يستشهد ببيت واحد من شعرائهم، يقول: ما استعظم الإله كيدهن إلا لأنهن هن ولا يستغرب بعض الأشخاص أن يسمع أن زوجات رسول الله تحزبن عليه؛ لأن هذا من طبيعة النسوة، ومن دافع المحبة والغيرة، والله عاتبهن وحذرهن، وقبل كل شيء فتح لهن باب التوبة ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٤] وهذه القضية بين حفصة وعائشة فيما أمر ما، فقد صغت وصفت وانتهت قلوبكما ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ. ﴾ [التحريم:٤] .

стр. 2299

صبر أمهات المؤمنين وتعففهن إن تلك الحياة التي مرت ببيت النبوة مع ما فيها من أحداث لها جانب آخر يحكي ما كن عليه أمهات المؤمنين من الصبر والتعفف والزهد في الدنيا، كما قالت أم المؤمنين: كان يمضي على بيت رسول الله الهلال والهلال والهلال -شهران بين ثلاثة أهلة- لا يوقد في بيت محمد ﷺ ناراً: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا﴾ [الواقعة:٧١-٧٣] ، تنضج طعامك، تصنع الشاي، وتصنع وتصنع على النار، أما هنا فلا يوجد، فما كان طعامكم يا أماه؟ قالت: الأسودان: التمر والماء. ويأتي رسول الله ﷺ ضيف فيرسل إلى أمهات المؤمنين واحدة تلو الأخرى: من كان عندها طعام فليأت بعشاء الضيف، فكل واحدة تعتذر: ليس عندي شيء، تسعة بيوت ليس عندهن عشاء للضيف! فيتوجه ﷺ إلى أصحابه: من يستضيف هذا هذه الليلة وله الجنة؟ أحضروا المقاييس، أحضروا الموازين، أنت تعلم بأن الثمن يعادل المثمن، هذا قيمته ألف ريال، ولو قلت: ألفي ريال فذلك يكون زائداً عن السلعة، ولو قلت: مائتي ريال تكون ناقصة عن السلعة، فعادة يكون الثمن معادلاً للمثمن، فأي ليلة هذه التي ثمنها الجنة؟! الآن أبسط واحد منها الآن بمقدوره أن يعشي عشرة أشخاص، لكن في ذلك الوقت تسعة بيوت لرسول الله ليس فيها عشاء الضيف، كيف كانت تلك الحياة؟ والشيء إذا قل أو انعدم لا يثامنه شيء. إذاً: (فله الجنة) ؛ لقلة الطعام وندرته، وجاء في القصة: أن الذي ذهب به إلى بيته قال لزوجه: هل عندك من طعام لضيف رسول الله؟ قالت: لا والله إلا عشاء العيال. قال لها: علليهم حتى يناموا دون عشاء، ثم قدمي الطعام لي وللضيف، ثم اعمدي إلى السراج لتصلحيه فأطفئيه، وأنا سأحرك يدي في القصعة تلتقي مع يد الضيف، أوهمه أني آكل معه، وما أنا بآكل، ولكن أوفر له الطعام. انظروا إلى هذه الحيلة: أولاده ينامون جوعاً بلا عشاء، وكذلك الزوجة والزوج والطعام بين أيدهما، ولو كان بعيداً لقلنا: صابر، لكنه أمامه، ولا يرفع منه شيئاً إلى فيه. إذاً: الطعام كان متوفراً. هذا أحسنهم حالاً الذي رضي أن يأخذ الضيف ليضيفه تلك الليلة، وإذا به ليس عنده إلا عشاء عياله، فيحتال هو وأم العيال على توفير عشاء الضيف. والله لا أريد أن أقول: إن له الجنة؛ لأنها لو كانت قليلة في هذا أو كثيرة فالرسول قال له: (وله الجنة) . فلما غدا بضيف رسول الله في الصباح استقبلهما ﷺ متبسماً وقال: (لقد ضحك ربنا من صنيعكما البارحة) ، العملية تضحك فعلاً أن يحتالا لإشباع الضيف على جوع: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] ، وليسوا كل الناس: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] . فقال: يا رسول الله! أويضحك ربنا؟ قال: بلى. وهنا أحاديث الصفات، وكذلك الصحابي مر بها وقال: لا عدمنا خيراً من رب يضحك. هذا تعليقه على صفة الضحك لله، أكثر من هذا لا يوجد، وهكذا كن في بيوت رسول الله تمضي عليهن الليالي وليس عندهن عشاء ضيف! إذاً: كانت تلك البيوت مساكن لهن، ومعاهد لما يجرى فيها من آيات الله والحكمة، وكن يعلمن الناس سواء مباشرة أو عن طريق النسوة، أو بواسطة الزوجات للأزواج، كما قالت أم المؤمنين عائشة للنسوة: مروا أزواجكن أن يستنجوا بالماء، فإني أستحيي منهم. وهكذا -أيها الإخوة- علينا أن نجدد دراسة حالات المصطفى ﷺ ، وسبق أن كتبت مقدمة بحث في السيرة النبوية وأنها تنقسم إلى قسمين -في نظري-: سيرة ذاتية، وسيرة تبليغية، والسيرة الذاتية: هي ما كان يتعلق بشخصية رسول الله ﷺ في ذاته وبيته وفيما يخصه، والسيرة الرسالية: ما كان فيها تبليغ الرسالة للأمة. والحمد لله رب العالمين.

стр. 2300

كتاب البيوع - باب الغصب [٢] لقد حرم الإسلام الغصب وحذر منه، ورتب عليه الوعيد الشديد، وضمن لمن غصبت أرضه حقوقه، وجعل بين الغاصب والمغصوب حقه سبلاً وطرقاً للصلح، فحكم على من غرس بقلع غرسه، وعلى من زرع بأخذ نفقته.

стр. 2301

حكم من زرع في أرض بدون إذن مالكها قال المصنف ﵀: [وعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته) رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، ويقال: إن البخاري ضعفه] . بالتأمل فيما ساقه المؤلف ﵀ في باب الغصب، وما تقدم في اغتصاب شبر أو شيء من الأرض، والتحذير والوعيد الشديد من الظلم والاغتصاب، وجاء بحديث القصعة، وبيان أن الغصب معه قيمة المتلفات، ولهذا يقول ابن رشد: البحث في الغصب من عدة جهات، منها: من جهة أن المغصوب إذا وجد بعينه رد إلى صاحبه بتمامه بلا خلاف، أما الطوارئ فبخلاف ذلك، والطوارئ: هي المتغيرات التي تحدث في المغصوب، بأن غصب غزلاً فنسجه، أو شاة فذبحها. إلى غير ذلك مما يطرأ على المغصوب من زيادة أو نقص. ثم جاء المؤلف ﵀ بهذين الحديثين، ويمكن أن يقال: إن أحد الحديثين يغني عن الآخر، كحديث: (من غرس النخل حكم بالأرض لصاحبها، ولصاحب النخل أن يرفع نخله) ، ثم جاءت القضية العامة: (ليس لعرق ظالم حق) ، لكنه جاء بالحديث الذي قبله فيما يتعلق بالزرع، فكان أحد الحديثين يتعلق بالزرع، والآخر بالغرس. وفرق بين الزرع والغرس: أن الزرع -كما يقولون- زراعة موسمية مؤقتة، وأقصى ما يكون مدته في الأرض ستة أشهر على حسب نوعية المزروع، وإن كان البعض قد يتجدد على جدات -وخاصة في الحجاز- إلى خمس سنوات، وهو نوع من البرسيم، وفي غير المدينة يسمى البرسيم الحجازي. فالزرع مهما كان له أمد، فهو بخلاف الغرس فإنه يعمر طويلاً، فالحديث الأول: (من زرع في أرض قوم) ، ولم يقل: غرس، وللمغايرة بين الحديثين اختلف العلماء، ونحن نأخذ مدلول الحديثين كلاً على حدة، ثم نرجع بالنظر بين الحديثين، وخلاصة ما ذكره العلماء في هذه القضية المزدوجة.

стр. 2302

حكم استخدام العين في غير ما أجرت له (من زرع في أرض قوم) ، والقوم للجماعة، فمن زرع في أرض غيره، وهو لا يملكها أو هي مملوكة للآخرين، فما حكم هذا الزرع الذي زرعه في ملك غيره؟ هذه هي القضية الأولى، وقد حكم فيها ﷺ بقوله: (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء) فلو استأذنهم: أعيروني الأرض أزرع فيها. لا مانع، وإذا استأجر منفعة الأرض عين الأرض، كما يقول الفقهاء: عقد الإجارة عين على منفعة مضمونة، تستأجر الدار وتشتري الدار، فإذا اشتريتها ملكت عينها، ولك الانتفاع بها بما شئت من امتثالك بما تملك، لكن استأجرتها، فأنت اشتريت المنفعة التي يمكن أن تؤخذ من الدار. وما المنفعة؟ كل بحسبه، إن كان هناك نص على عين المنفعة التي تستوفى فهي المعقود عليها، استأجرتها مدرسة، أو مستودعات، أو للسكنى، فعلى ما عقدت عليه، ولا يحق لك أن تستفيد من الدار بمنفعة أكثر مما استأجرتها من أجله استأجرتها لتسكن أنت فيها وعيالك، فلا يحق لك أن تجعلها مستودعات؛ لأن المستودعات تضر بالبنيان أكثر من السكنى؛ لأن فيها البضائع والمطعومات، وربما جاءت الفئران، ويكون الأخذ والرص الذي يهز الجدران، فلا يجوز ذلك. وكذلك لا يجوز لك أن تجعلها مدرسة؛ لأن المدرسة تضم الأطفال، أو غير العابئين بالمسئوليات والقيم، فتكون مضرتها على البنيان أكثر من السكنى، أما إذا استأجرتها لمدرسة، ثم هونت من المدرسة وسكنت، فالسكنى أقل إرهاقاً على البنيان من المدرسة؛ فلا مانع، كما لو استأجرت سيارة لنقل الأحجار، ثم ما وجدت أحجاراً فنقلت أخشاباً أو برسيماً، وإذا ما وجدت برسيماً ركبت أنت، فكلما كان استيفاء المنفعة مقابل المعقود عليه كان أوفى بالعقد، وإن نقصت فلا مانع، أما إن زادت عن المعقود عليها فلا يحق لك ذلك.

стр. 2303

ما يلزم به صاحب الأرض إن أذن بالزرع إن زرع الأرض بإذن أصحابها، فهذا يكون منهم بمثابة التنازل عن حقهم بالاستفادة من الأرض، وإن سمحوا له بالاستفادة منها فلا يحق لهم بعد ذلك أن يعارضوا أو يطالبوا برفع الزرع؛ لأنه وضع بالعدالة وليس بالظلم، ووضع البذر وحرث وسقى ونبت بإذنهم ورضاهم، فلا يحق لهم بعد أن وصل الزرع إلى مرحلة ما قبل الحصاد أن يطالبوا برفعه، كمن أعار سفينة لإنسان أو أجّره إياها، وجاء في عرض البحر وقال: رجعت عن الإعارة، أعطني سفينتي، الإعارة عندك مؤقتة، ولصاحبها أن يطلبها حيث شاء، ولكن هل وسط البحر موضع تسليم؟ وأين أذهب بمن فيها؟! لا يحق له ذلك؛ لأنه أعارها وهو يعلم بأنه سيعبر بها النهر. وكذلك الأرض إذا زرع فيها بإذن أهلها، ونبت الزرع، وقارب الحصاد لا يحق له أن يرجع في هذا الإذن؛ لأن فيه مضرة على الزارع وتغرير به، ويجب عليه أن ينتظر حتى يستحصد الزرع ويأخذ زرعه، ويقول له: خذ أرضك. أما إذا كان زرع بغير إذنهم فتلك المنفعة التي يريد أن يأخذها من الأرض فالزرع ملك لأصحابها، ولم يأذنوا لك فيها: (ولا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه) ، وهم ما طابت أنفسهم بها، فجاءوا يطالبونه. ولو أنه اغتصب الأرض -على رأي الجمهور بأن الغصب يدخل في العقار غير المتحرك، أي: في المملوك الثابت كالأرض والبنيان، خلافاً للأحناف؛ فإنهم لا يرون الغصب في الثوابت وإنما في المتحركات المتحولات- فإذا اغتصب الأرض واحتواها، فعلم بذلك أصحابها، فجاءوا والأرض على ما هي عليه، لم تدخلها الزيادة والنقصان. كأن يأخذ من ترابها إلى جهات أخرى؛ فتصبح الأرض مجرد حفر أو منخفضة عن جاراتها، وتصبح في هذه الحالة غير صالحة للزراعة حتى تسوى، ويرد لها ما أخذ منها، فيكون هناك نقصان، فإذا أدرك صاحب الأرض أرضه تحت يد الغاصب كما هي ردت إليه بعينها بالإجماع، وليس لهم على الغاصب شيء، وليس للغاصب عندهم شيء، بقي الحق العام -كما يقال- فكونه يتعمد الاعتداء على مال الغير، هذه فوضى، فولي الأمر له أن يعزره على تعديه. أما إذا جاء صاحب الأرض ووجد الزرع، فماذا يكون الحكم؟ هذا يقول: أرضي، والآخر يقول: زرعي. ماذا نفعل معهما؟ الحديث صريح: (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته) . نسأل الزراع: الزرع هذا كم عمره؟ ومتى يحصد؟ بعد ثلاثة أشهر. إذاً: الزرع لم يأت بالحب في الوقت الحاضر، وجاء صاحب الأرض يطالب بأرضه، فيقال لصاحب الزرع: ليس لك من زرعك شيء؛ لأنك وضعت البذرة، وسقيت الماء فقط، والنبات الذي نبت نموه من الأرض، والأرض ملك لغيرك، فيكون الزرع ملك لغيرك، وما أنفقته حتى صار الزرع إلى هذا الحد فهو حقك، وضعت بذراً فيها بعشرة، وحرثتها بخمسة، وسقيتها ماءً بخمسة، نفقتك على الزرع وصلت إلى هذا الحد فلك هذه النفقة، هذا ظاهر هذا الحديث والله أعلم.

стр. 2304

صورة الصلح بين المتنازعين على الأرض في هذه المسألة الواردة في هذا الحديث وسع الفقهاء ﵏ التفصيل فيها، وقالوا: إذا لم يكن له من الزرع شيء فله النفقة، والزرع يرجع لصاحب الأرض فهل يلزم الزارع بأخذ النفقة فقط ويترك الزرع، وهل يلزم أصحاب الأرض بأن يدفعوا النفقة ويأخذوا الزرع؟ لو قالوا: لا نريد الزرع، ليأخذ زرعه، لن ندفع شيئاً ماذا يقال لهم؟ في هذه الحالة يخير أصحاب الأرض: في أن تحسب عليه الأرض بالإيجار إلى أن تستحصد، ويكون كالمستأجر من غيره، وبهذا نكون قد جمعنا بين المصلحتين: (لا ضرر ولا ضرار) ؛ صاحب الزرع يأخذ زرعه، وصاحب الأرض يأخذ أجرة مثلها، فنكون ضمنا لصاحب الأرض حقه وفائدته من أرضه، وحفظنا على الغاصب زرعه، وقد دفع أجرة الأرض. وابن حزم يشنع على الفقهاء في هذه القضية، ويقول: على هذا فكل من يريد أن يغصب أرضاً ما عليه إلا أن يذهب ويزرع فيها وسوف يدفع الأجرة ويأخذ الزرع، فهذا يمكن المعتدين من زيادة الاعتداء. ولكن الفقهاء يقولون: يجب مراعاة المصلحة، فقولنا له: خذ زرعك وهو إلى الآن لم يستحصده، ماذا سيفعل به؟ سيعدمه، ويتلفه، وإتلاف المال لا يجوز، فإذا أمكن الاستفادة من هذا المال في المستقبل نحافظ عليه، وأنت يا صاحب الأرض لما فاتت عليك مصلحة أرضك، نضمنها لك بالأجرة.

стр. 2305

قضاء رسول الله في الغارس بدون إذن [وعن عروة بن الزبير ﵄ قال: (قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض، غرس أحدهما فيها نخلاً والأرض للآخر، فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخلة أن يخرج نخله، وقال: ليس لعرق ظالم حق) ] . قبل الكلام على هذا الحديث ننظر ما يقوله العلماء في شأن اختلاف الناس في أحكام الأراضي، وخاصة الإمام ابن تيمية ﵀: إن عمل أهل المدينة هو القدوة، وكما يذكر عن مالك أنه قال: إن العالم كله في الأراضي والمساقاة والمزارعة تبع لأهل المدينة؛ لأنهم كانوا يعملون فيما بينهم فيتفقون تارة ويختلفون أخرى، فإذا ما وقع خلاف بينهم كان مرده إلى رسول الله. إذاً: كان رسول الله ﷺ هو الذي يشرف على الخلافات التي تقع في الأراضي، وليس هذا في قطر من أقطار الدنيا، وكل العالم يتتبع ويسأل: ماذا فعل رسول الله في مثل ذلك؟ ماذا قضى في ذلك؟ وما ينقل عن أهل المدينة في مثل هذه القضايا فهو نقل لأصل عمل به رسول الله ﷺ . لو أن هذان الرجلان في الشام أو مصر أو اليمن ووقع النزاع بينهم، فإنهم سيختصمون للعلماء الذين سوف يبحثون عما فعل وقضى به رسول الله في هذه المسألة، وسيرجعون إلى عمل أهل المدينة في هذه المسألة. رجلان اختصما كل منهما خاصم الآخر، صاحب الأرض يخاصم في أرضه، وصاحب النخل يخاصم في نخله إلى رسول الله ﷺ . شخص غرس نخلاً في أرض قوم، فجاء أصحاب الأرض يخاصمون في أرضهم ويطلبونها فقضى رسول الله بأن الأرض لصاحبها.

стр. 2306

تولية الرسول للقضاة من أصحابه النص هنا: (فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها) . إذاً: الرسول تولى القضاء بين الأفراد، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] . ثم قد يولي قضاة في ما بعد عنه، كما وقع لـ معاذ رضي الله تعالى عنه حين بعثه إلى اليمن، وكذلك أبو موسى الأشعري ﵁، فكان معاذ قاضياً وأميراً وجابياً للزكاة والجزية، وكان هناك عمال أيضاً للزكوات في أقاليم اليمن، وكان معاذ هو المشرف عليهم، ويتنقل ما بين حضرموت إلى صنعاء، وأبو موسى في مكانه، ولذا سأله: (بم تقض يا معاذ؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ -لأن كتاب الله نصوص محدودة- قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي) . وهنا العلماء يزيدون بعد قول معاذ بم يقض القاضي؟ بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد هل يجتهد رأيه؟ لا؛ لأنه غير معاذ وقد تقدمه من أهل الحل والعقد، من هم أهل العلم وأدرى بالحكم، فينظر في أقضية أصحاب رسول الله، هل في هذه القضية نص عن صحابي، أو عن خليفة راشد؟ فـ معاذ يقف عند حد الكتاب والسنة، ثم يعطي لنفسه حق الاجتهاد، وغير معاذ ممن يأتي بعده أمامه جبال راسيات، فعليه أن يبحث في حكم النازلة في الكتاب، ثم السنة، ثم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فإذا وجد عنهم أقضية في قضيته أخذ بها، وإذا لم يجد اجتهد رأيه؛ لأنه لم يبق هناك من يرجع إليه. قضى صلوات الله وسلامه عليه لصاحب الأرض بأرضه. (وأمر صاحب النخل) ، والأمر والقضاء سيان؛ والقضاء ملزم أكثر من الأمر، (وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله) هذا الحد الأدنى في القضاء، ولكن لكل قضية ملابساتها وجوانبها، فلو أن صاحب الأرض قال: لا تتعب نفسك، ولا تقطع النخل وتخسره وتفسده، وبمقدار ما أنفقت عليه أعطيك نفقته واترك لي النخل، ولهذا قال: (أمر) ولم يقل: (قضى) ؛ لأن القضاء ملزم، والأمر قد يأتيه بعض عوارض فتصرفه.

стр. 2307

كيفية الصلح بين المتنازعين لو اتفق صاحب الأرض مع صاحب النخل أن يتركه له، وأحياناً يمكن الاستفادة من رفع النخلة من مكان إلى مكان آخر، والاستفادة منه كغرسه، وأحياناً لا، وجاءت الروايات في هذا الحديث: (وإني لرأيتها تضرب بالفئوس وإنها لنخل عم -يعني طويلة-) يعني: لا يوجد رافعة لتنقلها في أرض أخرى، ولا يمكن رفعها إلا بتكسيرها، فحينئذ تكسر، وهنا في أول الحديث: أن الرجل غرس في أرض قوم؛ فلو أنه حينما جاء يغرس بحث فلم يجد لها معالم، وهي أرض بيضاء صالحة للزراعة، ولا يوجد فيها آثار تملك، وظنها أرض بيضاء لا ملك لأحد عليها فغرس. هل معنى الظلم والتعدي موجود أم أنه الخطأ؟ حتى ولا الخطأ؛ لأنه رأى أرضاً بيضاء ليس فيها معالم تملك، والفقهاء ينصون في باب إحياء الموات: أن من أحيا أرضاً ميتة ملكها، وإذا استمر في إحيائها عشر سنوات، ثم مات وجاء أولاده فلم يستطيعوا الاستمرار في الإحياء فتركوها حتى اندثرت معالم الإحياء، وعادت مواتاً كما كانت قبل أبيهم، فهل يجوز لأحد أن يعيد إحياءها لنفسه لأنها صارت مواتاً أو لا يجوز ذلك؟ النزاع في هذه المسألة موجود، وعند الحنابلة لا يجوز ذلك؛ لأنه سبق عليها ملك لغيره. هنا: إذا علم أن الأرض لقوم وغرس فيها بغير إذنهم -كما جاء في الزرع- وجاء بالوديان معتمداً وحفر الفِقَر وغرس النخل وسقى وكبر النخل وأثمر، ثم جاء صاحب الأرض - مسافراً، مسكين، مريض. - ولم يعلم، بخلاف ما إذا علم من أول وهلة، ورآه يحفر، ولم يسأله، وتركه حتى جاء بالودي وغرسه وسقاه، وترك الأمر حتى صارت نخلاً عُماً، وأصبحت تؤبر وتثمر، وجاء يقول: أعطني أرضي ولماذا سكت حتى غرم هذا كله، وانتظرت حتى أصلحها ثم قلت له: أعطني أرضي؟! ولهذا يقول الفقهاء: هل يمكن الانتفاع من هذا النخل وهذه حاله أم لا؟ جاء الحديث بأنه ما كان يمكن في ذلك الوقت؛ لأنه صار نخلاً طوالاً، ولا يمكن رفعه وحمله وسحبه إلى أرض أخرى لكي يغرس فيها، واللفظ الآخر: (رأيتها تضرب بالفئوس) معناها: تحطم؛ لماذا؟ أليس هذا من إتلاف المال؟ نعم، ولكن قبل إتلافها الأمر صدر والحكم مضى، ولكن الحق لا يتعدى صاحب الأرض وصاحب النخل؛ فإن اتفقا فقال صاحب الأرض: اشترِ الأرض، وتبقى لك الأرض مع النخل. فلا مانع، وإذا قال صاحب النخل: اشترِ مني النخل، واتفقا لا مانع، لكن هو ليس بمشتريه، وقد صدر فيه أمر بأن ينزع، لكن إن كان من باب الإصلاح واتفقا على ذلك فلا مانع. لكن يأتينا هنا الأمر برفع النخل، وهناك في الزرع: (له النفقة) ، وهنا لم يقدر له نفقة، بل النخل يقطع ويرفع بعينه، إذا كان النخل المثمر هذا يقطع ويتلف فهل نبحث له عن نفقة؟ لا؛ لأنه أنفق في شيء لا يملكه، والأصل فيه التعدي.

стр. 2308

مناسبة تشبيه المغتصب بعرق الظالم ثم قال: (ليس لعرق) هنا بعض العلماء يقول: يجب أن يختلف الحكم في اغتصاب الأرض بزرع، أو اغتصابها بغرس؛ لأن الزرع جعل فيه ﷺ نفقة الزرع للغاصب، والنخل لم يجعل له فيه شيء، وأشاروا بأن الزرع مؤقت والغرس مستديم، وبعضهم يقول: إن قلنا: (ليس لعرقِ ظالم) . إذاً: الظلم نسب لصاحب العرق، وإذا قلنا بالتنوين: (ليس لعرقٍ ظالم) أسندنا الظلم للعرق، وإسناد الظلم للعرق مجاز، فالأولى إسناده لصاحب العرق. وإذا اجتث نخله؛ لأنه عرق ظالم، كانت الأرض صالحة لأنه يأتي بالحراث ويحرث ويبذر القمح، أو لتخطيط أشجار موالح، كانت وكانت. يقول الفقهاء: إذا اجتث النخل عليه أن يجتث أصول الصنو في الأرض، ثم عليه أن يسوي الحفر التي نشأت عن قلع النخيل من أصله، ويسلم الأرض غير ناقصة المنفعة؛ لأنه إذا قطع النخلة من وجه الأرض كان الباقي تحت الأرض أكثر من الذي قطع من أعلى، ويعيق الزراعة والغرس، ويحتاج إلى مئونة وكلفة، لذا على صاحب العرق الظالم أن يرفع عرقه برفع جذور النخلة، ومن المعلوم أن جذور النخلة تمتد إلى عمق الأرض. لا نقول له: اتبعها في باطن الأرض وأخرجها لا. يقول علماء النبات: إن سطح الأرض هو الخط المنصف بين جذور الشجرة في باطن الأرض وبين جذعها وأغصانها، أي: أن النخلة لها جذور في باطن الأرض، لو اجتمعت لكانت مثل طول النخلة إلى رأسها، وكذلك جميع الأشجار، وأصحاب المزارع يعرفون ذلك، شجر الأثل إذا كان قريباً من البئر تمتد عروقه إلى قاع البئر، وربما أفسده، وهذه -كما يقولون- عملية توازن؛ لأن الشجرة ذات جرم كبير، وهذه السارية الموجودة عندنا الآن على سطح الأرض، هل جيء بعمود ووسد على سطح الأرض أم أن تحته قواعد عميقة يمكن أن تمسك هذه السارية، وتمسك ما يأتي فوقها؟ فكذلك عروق الشجرة، هي في باطن الأرض تعادل أعلى الشجرة حتى يمكن أن تصلبها، وإذا جاءت رياح عاتية ما الذي يمسك الشجرة ألا تذهب مع الرياح؟ إنها تلك العروق التي في بطن الأرض المتعادلة مع ظاهر الأرض من تلك الشجرة. فلا نقول لصاحب النخل: تتبع كل عرق حتى ينتهي، لكن نقول: مجموع الصنو، وهو منتهى الشجرة ومجموع عروقها، ينتزعه، ثم بعد ذلك يسوي الأرض.

стр. 2309

كيفية نظر القاضي للخصومات هنا -يا إخوان- مسألة: قوله ﷺ : (ليس لعرقِ ظالم حق) عممه الفقهاء في كل ظلم، فلو أنه جاء إلى أرض إنسان، وله أرض بجوارها في مخطط واحد، وجاء هذا ليبني، فتجاوز عن حده إلى أرض الجار بمتر، وبنى، فإن البنيان الذي قام على أرض الجار بزحف المتر عرق ظالم، ويحمل عليه وإن لم يكن هناك عروق، وإن كان مبانٍ فهناك قواعد، حتى وإن كان بنياناً عادياً؛ فكل عمل وقع في ملك الغير له دوام وثبوت أطلقوا عليه عرق ظالم. ولكن هل هذا الحديث يمكن أن يطبق في كل صغيرة وكبيرة؟ قال لي والدنا الشيخ الأمين حينما كلفت بالقضاء وجئت أستشيره ماذا أفعل؟ قال: أوصيك بتقوى الله والتأني والتريث في فهم القضية، فلكل قضية ملابساتها، ولا يوجد قضية مثل الثانية، ثم تبين لي فيما بعد أن القضايا تدخل المحكمة كما يدخل الأشخاص، لا يوجد اثنان متفقان، حتى التوأم فيهم بعض المخالفات في الشكل، فكذلك القضايا، كل قضية تدخل المحكمة ففيها بعض المغايرة عن أختها ولو كانت من نوعها، هذه قضية سرقة، وهذه قضية سرقة، خمس قضايا سرقة لا يمكن أن تكون القضايا الخمس متفقة في كل الملابسات. ومن واقع العمل: نجد أن هناك بعض الأمور قد يتمسك فيها بعض الأشخاص بهذا الحديث وهي من التوافه، كما وقع من إنسان اشترى قطعة أرض من مخطط، ثم تقدم إلى الأمانة، وعملت الذرعة والتطبيق وأعطي الرخصة وحفر وبنى إلى أربعة أدوار، ثم بعد خمس سنوات من بداية البناية جاء الجار، وقال: إن صاحب العمارة تجاوز علي بخمسة عشر سنتيمتراً، وأنا أطلب هدم العمارة وإرجاعه عن حقي وتسليم أرضي كاملة. بعد خمس سنوات وهو ساكت! ولما رأيته قلت له: هذا البيت من يسكن فيه؟ قال: أنا، قلت: ألم تره عندما حفر القواعد ورفع الأعمدة، حتى بنيت أربعة أدوار ثم تأتي وتقول: هذا حقي؟! هو يريد أن يشهر بهذا النص سلاحاً قوياً، ولكن هل يتحقق موضوع الغصب والظلم في هذه القضية؟ ثم قال المدعى عليه: والله أنا لا أعرف ذرعة، ولا أعرف أن هذه من حق غيري، أنا عندي صك فيه ذرعة محددة، وتقدمت لطلب رخصة، والأمانة جاءت بمهندس، والمهندس ذرع المخطط، ووضع للمقاول علامات، وأنا ليس لي دخل في هذا ولا أعرف هذا. فلو طبقنا فعلاً هذا النص هل تحقق الظلم من صاحب العمارة، أم أن هذا من باب الخطأ، أو ما يسمى بالتجاوز الذي يمكن أن يعفى عنه أو يغتفر؟ هنا خمسة عشر سنتيمتراً في قطعة ضلعها ثلاثون متراً، ماذا يكون هذا؟ مسألة: رأيته يحفر ما سألت، رفع الأعمدة ما سألت، سقف الدور الأول ما سألت، لماذا سألت الآن، من الذي أدراك بأنه اغتصب من أرضك؟ قال: قال لي الناس، قال الناس ليس بصحيح، أتت الهيئة وذرعوا أرض العمارة، فما وجدوا أي تجاوز. قال: كان هناك سور وتعداه. تعال احفر جنب جدارك ونرى السور، فأتوا حفروا فما وجدوا شيئاً، ما ثبت الظلم هنا. فقال: لا. (ليس لعرق ظالم حق) ، أين تحقيق الظلم الذي وقع من هذا الشخص؟! أخيراً: طلبناً تقدير هذا الذي يدعيه، وإن كان غير ثابت عندنا، لكن من باب مصالحة، وقلنا: هذا حقك أربعمائة ريال. قال: لا أريد. ورفعت للتمييز وصُدق الحكم، وأتينا قلنا له: خذ حقك. قال: لا أريده. فحولناه إلى بيت المال، وبعد أربعة أو خمسة أشهر جاء وقال: أعطني حقي. قلت له: حقك عند بيت المال، اذهب وارفع دعوى عليه وخذ حقك منه. إذاً: تطبيق النصوص لابد أن يراعى فيه المبادئ الأساسية. فقوله: (غرس في أرض قوم) يعني: عمداً؛ لأنه يعلم أنها أرض قوم، فإذا لم يكن هناك العمد، ولم يكن هناك تعريف الغصب بالقوة والقهر، فتطبيق النص ليس متأتياً.

стр. 2310

احتياط القاضي في القضايا المالية والتعويضات إن مما هو جار على ألسنة الكثيرين: ما يقع من النزاع بين الزوجين، وتطلب الزوجة المخالعة، وقد عرضت عليّ قضية كان الوكيل فيها من طلبة العلم الأخيار، والموكل عنها أيضاً من أسرة أبو طالب علم من الأخيار، فعرض الخلع، فقال وكيل الزوجة: نعطيه ما دفع، وهذه عند الناس جارية. متى كان الزواج؟ قالوا: منذ اثنتي عشرة سنة. لابد أن يوجد هناك رأي خاص، وهل ما دفعه من اثني عشرة سنة هو بعينه اليوم في القيمة الشرائية، ثم جلست في لجنة وفيها من قادة وأخيار أهل المدينة، أربعة أشخاص، وجاء في هذه القضية، فقال رجل منهم: والدي تزوج أمي بريال، فجاءت المناسبة: لو أرادت أن تخالع بعد أن صرت أنت رجلاً كبيراً تدفع ريال؟! فقلت له: إن القيمة الشرائية تختلف من اثني عشرة سنة إلى اليوم. قال: ألم يقل رسول الله ﷺ : (أتردين عليه حديقته) ؟ هذا المعنى الملتحق في أذهان طلبة العلم، نعم قال ذلك، ولكن هل الحديقة في عينها كالنقد بالريال؟ لا، من عشرين سنة كان الريال الفضة مستعمل، ثم جاءت الريالات الورق، وكان الريال الورق محبب ومقدم عند الناس على الفضة، وكان من أراد الحج والسفر جاء بمائة ريال فضة ومعها ريالين للصراف ليأخذ ورقة بمائة ريال، حتى تكون خفيفة في الحمل، الآن الريال الفضة صار سلعة وهدايا عند الزواج، فتغيرت الأوضاع. فقلت: يا فلان! أنت تعلم أن القيمة الشرائية للمال تختلف بحسب الزمن، ولكن الحديقة هي بعينها، إن ارتفعت الأسعار ارتفعت معها، وإن نزلت الأسعار نزلت معها، فهي بعينها لم تنقص ولم تزدد، فإذا كان الصداق حديقة نعم تردين الحديقة عليه، لكن إذا كانت نقداً، والنقد في ذلك الوقت يختلف عما هو عليه الآن إذاً: القيمة الشرائية للصداق الذي دفعه الرجل من اثني عشرة سنة تعادل القيمة الشرائية لنفس المبلغ الآن بنصف القيمة، فيكون خاسراً لو أنه أخذ ما دفع. إذاً: هذه النصوص بعمومها يجب أن تؤخذ بالموازنة، وبملابساتها، ويراعى حديث: (لا ضرر ولا ضرار) .

стр. 2311

مبحث فيما يطرأ على العين المغصوبة لقد فرع الفقهاء ﵏ على مسألة النخل -ولا يزال في كل ما يمكن أن يقال فيه: إنه غصب وطرأت عليه الطوارئ- مسألة ما يطرأ على المغصوب كما يقول ابن رشد في بداية المجتهد: البحث في أصل الغصب وعين المغصوبة، والبحث في الطوارئ التي تطرأ على المغصوب. مثلاً: إنسان اغتصب سيارة، ثم مكثت عنده شهراً، ثم رأى إطاراتها قديمة، فذهب وغير لها الإطارات الأربعة، وجاء صاحبها يطلبها، هذه السيارة حصل فيها زيادة. إذاً: هناك طوارئ، ولنقل: لم يغير الإطارات ولكن أحد الإطارات تلف وتركه مركوناً بجانب الباب، فجاء صاحبها يطلبها. فهل بقيت على ما كانت عليه وقت الغصب أو نقصت؟ نقصت. إذاً: ينظر في هذه العين مع نقصها. وهناك من يقول: إذا حصلت هناك زيادة بفعل الغاصب دون مادة يضيفها؛ فلا شيء له في فعله، ويردها كما هي، وإذا حصل هناك نقص فهو ضامن لهذا النقص في تلك العين التي اغتصبها؛ لأنه مكلف بأن يردها كما هي. وتقدير هذا النقص يكون بحسب قيمتها يوم أن اغتصبها أو يوم أن يردها؟ نجد هناك الخلاف: من يراعي أصل السلعة يوم اغتصابها؛ قال: يرد قيمة الناقص يوم اغتصبها، والنقص؟ كأن يكون اغتصبها قبل ستة أشهر، والنقص حصل بالأمس، فيقدر هذا النقص من يوم اغتصبها. والآخرون يقولون: يقدر حين يردها؛ لأنها تحت يده إلى أن تؤخذ منه. وهذا الخلاف موجود حتى في بعض المذاهب فيما بينهم، كما هو منصوص عند بعض المالكية، والباب -كما يقال- فروعه متعددة، وما وجدت تفريعات أكثر منها في المغني لـ ابن قدامة، وكشاف القناع للحنابلة أيضاً. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2312

كتاب البيوع - باب الغصب [٣] جمع النبي ﷺ في خطبته التي خطبها يوم الحج الأكبر أبرز معالم الإسلام وأصوله التي اشتملت عليه؛ إذ بها تقوم حياة الأمم وتستقيم، وكان من ضمن تلك الأصول: تذكيره للناس بحرمة أكل أموالهم بينهم بالباطل، وأكدّ عظمة تلك الحرمة بجعلها كحرمة البلد الحرام في الشهر واليوم الحرام.

стр. 2313

شرح حديث: (إن أموالكم عليكم حرام ... ) قال المصنف ﵀: [وعن أبي بكرة ﵁: أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر بمنى: (إن أموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه] .

стр. 2314

مجمل خطبة الوداع في الحج هذا جزء من حديث طويل، ومن خطبة بليغة جامعة خطبها النبي ﷺ في حجة الوداع، وقد اشتملت في مجموعها على مهام تعاليم الإسلام؛ فتناول ﷺ الحث على التمسك بالكتاب والسنة، وحذر من الفرقة: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ، ثم تناول المرأة بحقوقها، وأنها عوان بأيديكم، واستوصوا بها خيراً. ولم يقل: أوصيكم بها خيراً، بل قال: استوصوا؛ لأنه لو قال: (أوصيكم) تكون وصية واحدة من مصدر واحد، وهو كاف؛ لأنها وصية رسول الله، ولكن قال: (استوصوا) ؛ لتستمر الوصية على مدى الأجيال، كل يوصي الآخر بالمرأة، والعوان: الخدم، (استحللتموهن بكلمة الله) ، ليس بالصداق، ولا بالمغالاة في المهور، ولا بالأثاث ومتاع الدنيا، ولكن بكلمة الله: زوجتك قبلت. ثم تناول ﷺ أركان الإسلام، ثم جاء إلى هذه الجملة، وهي من جوامع الكلم، وجعل لها مقدمة، وهذا من بلاغة الأسلوب النبوي حتى يسترعي الانتباه، ويوحي بخطر ما سيأتي بعده، حيث قال ﷺ : (أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم الحج الأكبر؟ قلنا: بلى. وقال: أي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس شهر الله المحرم -أي: الأشهر الحرم-؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بالبلد الحرام؟ قلنا: بلى) كل هذه المقدمات تثير تعظيم حرمات الله، اليوم الحرام، الحج الأكبر، الشهر الحرام: ذو الحجة، في البلد الحرام: مكة المكرمة، ثم قال: (ألا -وهي أداة تنبيه تسترعي انتباه الغافل، وقد أثار فيهم الشعور من قبل بالحرمات الثلاث- إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) . لو تأملنا هذا التحريم بالربط مع هذه المحرمات الثلاث لو جدناه كما يقوله الرياضيون: تحريم أس ثلاثة. يعني: تكرار التحريم ثلاث مرات، والمتأمل في ذلك يجد أن أمن الدنيا وأمانها في سائر العالم لا في بلد دون بلد، ولا قطر دون قطر، ولا مع دين دون دين، جميع أنحاء العالم لا يمكن أن تستقر فيها حياة، ولا يستتب فيها أمن إلا إذا أمنت هذه الأمور الثلاثة؛ لأن البلد الذي لا يأمن فيه الناس على دمائهم قلق مضطرب، ونحن نشاهد ونسمع في بعض البلاد التي تزعزعها السياسة، وتثيرها الأحداث كيف يعيشون، لا يأمن الإنسان على نفسه في بيته ولا الطريق ولا الأسواق، ولا يدري متى يصاب، وهكذا الأعراض تنتهك بدون مبالاة، والأموال تنتهب علانية وتغتصب قسراً، ولا يستطيع أحد أن يرد تلك المظالم، بل أصبحت أموال الدول تغتصب الدولة تغتصب في ممتلكاتها وإنتاجها وذخائرها وموردها الخام، وقد تغتصب عياناً، أو من وراء الستار.

стр. 2315

حقوق الإنسان من منظور إسلامي الأصوليون يقولون: إن جميع الأديان، وجميع نظم العالم اتفقت على ضرورة حفظ الضروريات الخمس التي لا قوام لمجتمع بدونها: الأديان، والأبدان، والأنساب، والأعراض، والأموال، وبعضهم يجعلها ستاً بإضافة العقول، والبعض يعد الأنساب والأعراض اثنين، وبعضهم يجعلها واحدة تلك الأمور الست مشتملة ضمناً في مسميات خطبة الوداع، دماؤكم هي حفظ الأبدان، أعراضكم، ويدخل تحتها الأنساب؛ لأن الأنساب لا تتدنس ولا تختلط إلا بعد انتهاك الأعراض، فإذا صينت الأعراض صينت الأجساد، وبقي العقل والدين؛ فالخطاب مع أهل الدين؛ لأنهم في الحج، ومن احترم ذلك احترم الدين، وكذلك العقل؛ لأنه يخاطب العقلاء. وعلى هذا: فتلك الجملة في هذه الخطبة تعتبر أماناً وضماناً للمجتمعات بأسرها، وإذا أردنا أن نوسع في مدلول هذه المسميات: (دماءكم) سواء كان باعتداء أو خطأ، أو في النفس أو الأعضاء، كل ذلك محرم، وقد حمى الله الدماء، وجعل في الاعتداء عليها القصاص ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:١٧٨] ، ثم جعل الجروح قصاص، ثم سد باب الاعتداء، ووضع الحواجز دون سفك الدماء؛ لعدم الاستهزاء والسخرية، والسباب، والدخول في المناقشات الحادة حتى لا تصل إلى سفك الدماء، وتأملوا ذلك في سورة الحجرات. والأموال حرمها الله : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه) ، وطيب النفس إما بعوض وإما بهبة، أما بغير ذلك فليس هناك طيب نفس، وما جاء في الصداق: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] ، وإذا لم يطبن؟ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠] ثم يبين: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١] ؛ فهو حق ثبت بالإفضاء، فإن طابت نفس المرأة بصداقها ولو قناطير مقنطرة فـ: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] ، وإن لم تطب نفسها ولو بدرهم فلا يجوز أخذه، وهذا تنبيه للذين يؤذون النساء ويسيئون عشرتهن لتفتدي منه بالمال، فهذا أخذ ماله بغير رضاها، والتعدي على حقوقها واضطرارها للافتداء منه. وكذلك لو ذهبنا إلى الأسواق ونظرنا فيما يتعلق بالغش والتدليس، وبتطفيف الكيل والوزن، وبكل أمور المبيعات والوصول إلى أموال الناس بغير حق، فهي داخلة في هذا ضمناً، ثم لما حرم الله المال ما حرمه إلا بحق، وجعل في سرقته القطع، وفي اغتصابه التعزير، وفرق بين الاختلاس والاغتصاب والسرقة، بفوارق مذكورة في كتب الفقه. فالسرقة: أخذ المال بالخفية من حرزه. والاختلاس: أن يخون المؤتمن على ما اؤتمن عليه. والغصب: أخذ المال قهراً بدون حق. فهذه كلها طرق حرمها الله ليسلم المال لصاحبه. ثم في التحايل عليه، وطرق الغش فيه، والرشوة قال الله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:١٨٨] ، أو العموم في أول السياق: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] ، وقوله: (بالباطل) راجعة إلى أموالكم بينكم، إلى مال الشخص في ذاته بأن ينفق ماله في باطل محرم: مخدرات، مضرات، سرف وتلف، وأموال أخيه إليه، و (أموالكم) تعم الطرفين: الشخص في ذاته في إنفاقه فيما حرم الله، والآخر في أخذه بدون رضاه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨] ، بخلاف الذي لا يعلم بأن ذلك خطأ، أو جاء سهواً، فلما نبه عليه رد المال إلى أهله.
следующие страницы →