Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
مبحث فيما يطرأ على العين المغصوبة
لقد فرع الفقهاء ﵏ على مسألة النخل -ولا يزال في كل ما يمكن أن يقال فيه: إنه غصب وطرأت عليه الطوارئ- مسألة ما يطرأ على المغصوب كما يقول ابن رشد في بداية المجتهد: البحث في أصل الغصب وعين المغصوبة، والبحث في الطوارئ التي تطرأ على المغصوب.
مثلاً: إنسان اغتصب سيارة، ثم مكثت عنده شهراً، ثم رأى إطاراتها قديمة، فذهب وغير لها الإطارات الأربعة، وجاء صاحبها يطلبها، هذه السيارة حصل فيها زيادة.
إذاً: هناك طوارئ، ولنقل: لم يغير الإطارات ولكن أحد الإطارات تلف وتركه مركوناً بجانب الباب، فجاء صاحبها يطلبها.
فهل بقيت على ما كانت عليه وقت الغصب أو نقصت؟ نقصت.
إذاً: ينظر في هذه العين مع نقصها.
وهناك من يقول: إذا حصلت هناك زيادة بفعل الغاصب دون مادة يضيفها؛ فلا شيء له في فعله، ويردها كما هي، وإذا حصل هناك نقص فهو ضامن لهذا النقص في تلك العين التي اغتصبها؛ لأنه مكلف بأن يردها كما هي.
وتقدير هذا النقص يكون بحسب قيمتها يوم أن اغتصبها أو يوم أن يردها؟ نجد هناك الخلاف: من يراعي أصل السلعة يوم اغتصابها؛ قال: يرد قيمة الناقص يوم اغتصبها، والنقص؟ كأن يكون اغتصبها قبل ستة أشهر، والنقص حصل بالأمس، فيقدر هذا النقص من يوم اغتصبها.
والآخرون يقولون: يقدر حين يردها؛ لأنها تحت يده إلى أن تؤخذ منه.
وهذا الخلاف موجود حتى في بعض المذاهب فيما بينهم، كما هو منصوص عند بعض المالكية، والباب -كما يقال- فروعه متعددة، وما وجدت تفريعات أكثر منها في المغني لـ ابن قدامة، وكشاف القناع للحنابلة أيضاً.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2312
كتاب البيوع - باب الغصب [٣]
جمع النبي ﷺ في خطبته التي خطبها يوم الحج الأكبر أبرز معالم الإسلام وأصوله التي اشتملت عليه؛ إذ بها تقوم حياة الأمم وتستقيم، وكان من ضمن تلك الأصول: تذكيره للناس بحرمة أكل أموالهم بينهم بالباطل، وأكدّ عظمة تلك الحرمة بجعلها كحرمة البلد الحرام في الشهر واليوم الحرام.
стр. 2313
شرح حديث: (إن أموالكم عليكم حرام ... )
قال المصنف ﵀: [وعن أبي بكرة ﵁: أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر بمنى: (إن أموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه] .
стр. 2314
مجمل خطبة الوداع في الحج
هذا جزء من حديث طويل، ومن خطبة بليغة جامعة خطبها النبي ﷺ في حجة الوداع، وقد اشتملت في مجموعها على مهام تعاليم الإسلام؛ فتناول ﷺ الحث على التمسك بالكتاب والسنة، وحذر من الفرقة: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ، ثم تناول المرأة بحقوقها، وأنها عوان بأيديكم، واستوصوا بها خيراً.
ولم يقل: أوصيكم بها خيراً، بل قال: استوصوا؛ لأنه لو قال: (أوصيكم) تكون وصية واحدة من مصدر واحد، وهو كاف؛ لأنها وصية رسول الله، ولكن قال: (استوصوا) ؛ لتستمر الوصية على مدى الأجيال، كل يوصي الآخر بالمرأة، والعوان: الخدم، (استحللتموهن بكلمة الله) ، ليس بالصداق، ولا بالمغالاة في المهور، ولا بالأثاث ومتاع الدنيا، ولكن بكلمة الله: زوجتك قبلت.
ثم تناول ﷺ أركان الإسلام، ثم جاء إلى هذه الجملة، وهي من جوامع الكلم، وجعل لها مقدمة، وهذا من بلاغة الأسلوب النبوي حتى يسترعي الانتباه، ويوحي بخطر ما سيأتي بعده، حيث قال ﷺ : (أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم الحج الأكبر؟ قلنا: بلى.
وقال: أي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس شهر الله المحرم -أي: الأشهر الحرم-؟ قلنا: بلى.
قال: أي بلد هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بالبلد الحرام؟ قلنا: بلى) كل هذه المقدمات تثير تعظيم حرمات الله، اليوم الحرام، الحج الأكبر، الشهر الحرام: ذو الحجة، في البلد الحرام: مكة المكرمة، ثم قال: (ألا -وهي أداة تنبيه تسترعي انتباه الغافل، وقد أثار فيهم الشعور من قبل بالحرمات الثلاث- إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) .
لو تأملنا هذا التحريم بالربط مع هذه المحرمات الثلاث لو جدناه كما يقوله الرياضيون: تحريم أس ثلاثة.
يعني: تكرار التحريم ثلاث مرات، والمتأمل في ذلك يجد أن أمن الدنيا وأمانها في سائر العالم لا في بلد دون بلد، ولا قطر دون قطر، ولا مع دين دون دين، جميع أنحاء العالم لا يمكن أن تستقر فيها حياة، ولا يستتب فيها أمن إلا إذا أمنت هذه الأمور الثلاثة؛ لأن البلد الذي لا يأمن فيه الناس على دمائهم قلق مضطرب، ونحن نشاهد ونسمع في بعض البلاد التي تزعزعها السياسة، وتثيرها الأحداث كيف يعيشون، لا يأمن الإنسان على نفسه في بيته ولا الطريق ولا الأسواق، ولا يدري متى يصاب، وهكذا الأعراض تنتهك بدون مبالاة، والأموال تنتهب علانية وتغتصب قسراً، ولا يستطيع أحد أن يرد تلك المظالم، بل أصبحت أموال الدول تغتصب الدولة تغتصب في ممتلكاتها وإنتاجها وذخائرها وموردها الخام، وقد تغتصب عياناً، أو من وراء الستار.
стр. 2315
حقوق الإنسان من منظور إسلامي
الأصوليون يقولون: إن جميع الأديان، وجميع نظم العالم اتفقت على ضرورة حفظ الضروريات الخمس التي لا قوام لمجتمع بدونها: الأديان، والأبدان، والأنساب، والأعراض، والأموال، وبعضهم يجعلها ستاً بإضافة العقول، والبعض يعد الأنساب والأعراض اثنين، وبعضهم يجعلها واحدة تلك الأمور الست مشتملة ضمناً في مسميات خطبة الوداع، دماؤكم هي حفظ الأبدان، أعراضكم، ويدخل تحتها الأنساب؛ لأن الأنساب لا تتدنس ولا تختلط إلا بعد انتهاك الأعراض، فإذا صينت الأعراض صينت الأجساد، وبقي العقل والدين؛ فالخطاب مع أهل الدين؛ لأنهم في الحج، ومن احترم ذلك احترم الدين، وكذلك العقل؛ لأنه يخاطب العقلاء.
وعلى هذا: فتلك الجملة في هذه الخطبة تعتبر أماناً وضماناً للمجتمعات بأسرها، وإذا أردنا أن نوسع في مدلول هذه المسميات: (دماءكم) سواء كان باعتداء أو خطأ، أو في النفس أو الأعضاء، كل ذلك محرم، وقد حمى الله الدماء، وجعل في الاعتداء عليها القصاص ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:١٧٨] ، ثم جعل الجروح قصاص، ثم سد باب الاعتداء، ووضع الحواجز دون سفك الدماء؛ لعدم الاستهزاء والسخرية، والسباب، والدخول في المناقشات الحادة حتى لا تصل إلى سفك الدماء، وتأملوا ذلك في سورة الحجرات.
والأموال حرمها الله : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه) ، وطيب النفس إما بعوض وإما بهبة، أما بغير ذلك فليس هناك طيب نفس، وما جاء في الصداق: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] ، وإذا لم يطبن؟ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠] ثم يبين: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١] ؛ فهو حق ثبت بالإفضاء، فإن طابت نفس المرأة بصداقها ولو قناطير مقنطرة فـ: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] ، وإن لم تطب نفسها ولو بدرهم فلا يجوز أخذه، وهذا تنبيه للذين يؤذون النساء ويسيئون عشرتهن لتفتدي منه بالمال، فهذا أخذ ماله بغير رضاها، والتعدي على حقوقها واضطرارها للافتداء منه.
وكذلك لو ذهبنا إلى الأسواق ونظرنا فيما يتعلق بالغش والتدليس، وبتطفيف الكيل والوزن، وبكل أمور المبيعات والوصول إلى أموال الناس بغير حق، فهي داخلة في هذا ضمناً، ثم لما حرم الله المال ما حرمه إلا بحق، وجعل في سرقته القطع، وفي اغتصابه التعزير، وفرق بين الاختلاس والاغتصاب والسرقة، بفوارق مذكورة في كتب الفقه.
فالسرقة: أخذ المال بالخفية من حرزه.
والاختلاس: أن يخون المؤتمن على ما اؤتمن عليه.
والغصب: أخذ المال قهراً بدون حق.
فهذه كلها طرق حرمها الله ليسلم المال لصاحبه.
ثم في التحايل عليه، وطرق الغش فيه، والرشوة قال الله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:١٨٨] ، أو العموم في أول السياق: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] ، وقوله: (بالباطل) راجعة إلى أموالكم بينكم، إلى مال الشخص في ذاته بأن ينفق ماله في باطل محرم: مخدرات، مضرات، سرف وتلف، وأموال أخيه إليه، و (أموالكم) تعم الطرفين: الشخص في ذاته في إنفاقه فيما حرم الله، والآخر في أخذه بدون رضاه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨] ، بخلاف الذي لا يعلم بأن ذلك خطأ، أو جاء سهواً، فلما نبه عليه رد المال إلى أهله.
стр. 2316
حفظ الإسلام للأنساب
نجد أن جميع الحقوق في الإسلام قد صينت، وأما الأنساب فقد حرم الله الزنا؛ لأن به اختلاط النسل، وجعل فيه الحد الجلد أو الرجم، وجعل له حمى كما جعل للمال حمى تحريم الاختلاس والغش والتدليس، وفي الزنا حرم الخلوة بالأجنبية، وسفر المرأة بغير محرم معها، والنظرة تلو النظرة، وحرم كل ما لا يجوز للإنسان فعله ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ [النور:٣٠] ، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ﴾ [النور:٣١] ، فكل ذلك حرمه حماية للأنساب، وسداً لباب الشيطان.
بل قد سد الشرع كل منافذ القلب، فالعين والأذن والأنف كلها منافذ توصل إلى القلب، فالعين بالنظر: (لك الأولى وعليك الثانية) ، والأذن: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ﴾ [الأحزاب:٣٢] ، وبالأنف: (لا تخرج المرأة من بيتها متعطرة) ، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه مرت به امرأة فشم ريح العطر منها، فقال: يا هذه! ارجعي فاغتسلي غسل الجنابة فإنك زانية.
وأين الزنا؟ الحديث الآخر يبين ذلك؛ لأن الزنا نسبي، (فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، والأنف.
والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ، وكذلك السمع: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ، كن يلبسن الخلاخل في الرجل، فإذا ضربت الأرض برجلها تصادم الخلخالان -من الفضة مجوفان- وأحدثا صوتاً يسترعي الانتباه، وهكذا كل ما يلفت النظر إلى المرأة: لباسها، زينتها، لا تبدي زينتها فتسترعي الأنظار إليها.
إذاً: حفظ الأنساب، وجعل في التعدي بالزنا الحد، وجعل له حمى حتى لا يصل الاثنان إلى ما حرم الله.
وكذلك الأعراض: وهو السباب، والقذف بالمحرمات.
كل ذلك صيانة للمجتمع، فإذا ما سلّم المجتمع الإنساني ولا أقول الإسلامي بل الإنساني لأن لهذا لكل الإنسانية حفظ له دينه.
стр. 2317
حفظ الإسلام للدين والمال والأسرة
ويقول علماء الاجتماع: الدين ضرورة اجتماعية، يمكن أن تجد مدينة بلا ملعب ولا ملهى ولا مسبح، ولكن لا تجد مدينة بدون معبد -على عبادتهم صالحة أو طالحة- لأن الداخل لابد من إعماره وإلا كان خواءً، فيملأ الداخل بعبادة.
كيف تكون؟ هذا أمر مختلف فيه، وكما قيل سابقاً: الشرق الأوسط فيه خلاء لابد من شغله -أي: خلاء سياسي- وكذلك الداخل في الإنسان خواء ما لم يشغله بتعبد، وأهل الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام وهي حجارة وهم من ينحتونها، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا﴾ [الزمر:٣] .
إذاً: أمر بحفظ الأديان والأبدان وعدم الاعتداء عليها، وهذه مشاكل العالم كله، وقد عجزت هيئة الأمم، ومجلس الأمن، والجامعة العربية، وهيئة الإسعاف والإغاثة وكل تلك الدوائر والمؤسسات عن كف وحقن الدماء في تلك البلاد التي تسفك فيها الدماء ونحن نسمع ذلك ليل نهار، سواء كان بين مسلمين وغير مسلمين، أو شحناء وعصبية قبلية كما يوجد الآن في بعض دول أفريقيا، فلو حفظت الدماء، وأمن الناس، واستقرت الحياة، ليسعدوا بالأمنين ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٤] .
وكذلك الأموال؛ لأن الإنسان يسعى لكسب المال، وهذه غريزة، وهذا دفع للشيوعية كما كانت؛ لأنه لولا المال وحق تملكه والميراث من بعده ما سعى إنسان لجمع أكثر من قسط يومه؛ ولكن يجمعه لمستقبله ولذريته ولما شاء الله، وهكذا الأنساب، لو ضاعت ضاعت المجتمعات، وكما كان يوجد في (نظام الكبتس) ، وهو معسكرات أو مستوطنات يجتمع فيها الأخلاط من رجال ونساء، ليس عليهم كسب للعيش، يطعمون ويسخرون في عمل الدولة، وعليه أن يعمل حيث ما وجه الرجل أو المرأة، ويضمن له طعامه وشرابه، والرجال مع النساء سواء، وما جاء من الذرية يعيش في تلك الحياة، وينشأ على ذلك الحال، ولا يعلم من أبوه ولا من أمه! وهكذا ضاعت المجتمعات.
إن النظام غير الأسري نظام منهار؛ لأن كل فرد بذاته، ولو أخذنا منهم جيشاً وواجهوا العدو فكل إنسان يراعي حياة نفسه، أما المجتمع الأسري الذي يعيش على الأسرة، والترابط وذوي الأرحام؛ فإننا إذا أخذنا جيشاً من هذا المجتمع وقف أمام العدو.
إن هذا النظام الأسري لا ينظر إلى شخصه ونفسه، بل ينظر إلى أمه وخالته وعمته وأبيه وعمه، ويكون سداً منيعاً أمام من وراءه من ذوي رحمه وقرابته، فالمجتمع الأسري مترابط كالبنيان يحمي بعضه بعضاً، والمجتمع غير الأسري لا حياة له لعلكم سمعتم سابقاً في أول قيام إسرائيل، من المجيء بالفرق الأجنبية المستأجرة من هذا النوع، ليس لها أسر، وكانوا يربطون في المصفحات بالسلاسل؛ لأنهم إذا واجهوا العدو شردوا، فليس عندهم من يدافعون عنه، والقضية ليست قضيتهم إنما هي قضية غيرهم، فلا يبيع حياته بأجرة يأخذها.
هكذا نجد الفرق بين المجتمع الذي يحافظ على أنسابه، ويقوم على كيان الأسرة، وبين المجتمع الذي لا نظام للأسرة فيه ويكونون كقطعان الغنم، أو كالسمك في الماء، لا يلوي فرد على فرد، ولا أحد على أحد.
إذاً: تحريم الأنساب هو قاعدة البناء للمجتمع الإنساني الصحيح، وهكذا الأعراض؛ لأن من حفظ عرضه وحفظ كيانه، ووجد نفسه طاهراً نقياً حافظ على ذلك الطهر.
ومناسبة هذا الحديث الذي من أجلها جاء به المؤلف قوله: (ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) ، ومناسبته لباب الغصب إنما هو لذكره تحريم المال والعرض؛ لأن العرض يغتصب، والمرأة إذا اغتصبت لا حد عليها؛ لأنها مكرهة، وهكذا الرجل إن صح ذلك كما يقول ابن تيمية ﵀.
وهكذا -أيها الإخوة- نجد النبي ﷺ في هذه الخطبة يجمع أطراف الإسلام وتعاليمه كلها في تلك الخطبة، وأنا أسميها: (مجمل الإسلام) ، فلو أن إنساناً تأمل كل ما جاء فيها لعلم قدرها، وهي ولم تجمع حتى اليوم، ولو أن طلاب علم -ليس بطالب علم- تعاونوا على جمع جملها وفقراتها من كتب السنة والتاريخ لخرجوا لنا بدستور ومنهج قويم من السنة النبوية، يعتبر الإجمال لكل تفصيلات التشريع منذ ثلاث وعشرين سنة، فكل باب من أبواب الإسلام تطرق له النبي ﷺ في تلك الخطبة العقائد، والعشرة في البيوت، والضرب في الأسواق، حفظ الكيان الإنساني في نسبه وعرضه.
إلى غير ذلك.
وإذا كان مدلول هذا الحديث ومناسبته لباب الغصب فإننا بهذه المناسبة نرجع قليلاً إلى تلك الخطبة ومثارها، حيث قال ﷺ في تلك الحجة مطلقاً: (خذوا عني) ، وجاء مقيداً: (خذوا عني مناسككم) فالأول أعم؛ (خذوا عني) كل شيء مما يقوله، ويفعله، ويقرره، خذوا عنه في شأن الحج مناسككم، خذوا عنه في شأن المرأة، والمال، والبيع والشراء، والمعاهدات، والمجتمعات، خذوا عنه كل شيء رأيتموه سواء كان سماعاً أو رؤية أو تقريراً.
ثم الجملة التي جاءت مع هذه المقدمات: (خذوا عني لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) ، وفعلاً فإنه ما حج بعدها، ولا أدرك الحج، ولا عُمِّر طويلاً، وانتقل إلى الرفيق الأعلى.
стр. 2318
إرهاصات وفاته ﵊
إن انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى كانت له إرهاصات، وكان فيها تنبيهات كما جاءت إرهاصات عام مولده ﷺ ، فكان لمولده إرهاصات أشارت إلى مجيئه، ولوفاته إرهاصات أشارت إلى قرب أجله وانتقاله.
نعلم جميعاً أن هناك من يجعل من إرهاصات المولد هلاك جيش أبرهة بطير أبابيل، كما قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥] ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ﴾ [قريش:١-٢] ، أي: فعل ذلك من أجل قريش، وقالوا: إرهاصاً بمولد رسول الله ﷺ ، وكذلك انصداع إيوان كسرى وسقوط شرفاته، وجفاف بحيرة ساوة.
ومن العجب -أيها الإخوة- حينما جئنا إلى المدائن، وإلى الإيوان رأيناه مبنىاً في ارتفاع فوق الثلاثين متراً تقريباً، وعرضه ثلاثون متراً، وعمقه أربعون متراً، وسقفه عقود كالقبة، ليس بخشب ولا مسلح! فقلت: أين الصدع؟ فإذا به فوق الجدار في الوسط بين الأرض والسقف جدار الإيوان عرضه من أسفله أربعة أمتار، وينتهي في أعلاه على بعد النظر في العين حوالي نصف المتر، والصدع آخذ شكل -كما يقال-: (سنبوسك) من أعلى ينتهي بصفر، ومن أسفل ينتهي بصفر، ومن الوسط انفراج حوالي ما بين المترين أو الثلاثة في نظر العين، فقالوا: هذا هو الانصداع من ذاك التاريخ إلى اليوم.
فسألت: أين القبلة؟ فكان معنا الملحق الثقافي، وبحضور الشيخ ابن صالح ﵀، قال: ما شأنك في هذا؟ قلت: لي حاجة.
قالوا: هنا.
إلى جهة الصدع، قلت: الله أكبر! قال: ماذا؟ قلت: على اتجاه الكعبة مباشرة، لكأن أشعة جاءت من مكة إلى الأيوان فصدعته، ما صدع من الشرق ولا من الغرب، والصدع إلى مسامتة مكة تماماً، ما صدع من يمين ولا يسار، ولكنه مقابل لها، وهذا يؤيد صدق الخبر.
ومن العلامات التي وجدت عند مولده ﷺ : أن الشياطين حبست عن السماء.
وكذلك عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى، كانت هناك إرهاصات أو علامات، صريحة الدلالة على النقل، ولكن ربما كان في دلالتها بعض الكنايات، أوائل ذلك: قبل حجة الوداع في سفره ﷺ إلى غزوة تبوك، وذهب يقضي حاجته ويتوضأ، فتأخر على القوم، فقالوا: أمره عنده، ونحن أمرنا بالصلاة في وقتها، ونخشى إن انتظرنا أكثر ربما يخرج الوقت، وقدموا رجلاً يصلي بهم وهو ابن عوف، فجاء رسول الله ﷺ ، وكان معه المغيرة بن شعبة، فهم المغيرة أن ينبه الإمام ليتأخر ويتقدم رسول الله؛ لأنه من حقه، فهو الإمام الراتب، فأشار إليه رسول أن دعه، وصف في الصف خلف إمامهم، وكان قد سبق بركعة، فصلى مع الجماعة ركعة، ثم أتم صلاته بعد سلام الإمام، فلما نظر الناس ما وقع لرسول الله حدث عندهم شيء، فقال: (لا عليكم، ما قبض الله روح نبي إلا بعد أن صلى وراء رجل من أمته) .
إذاً: الدلالة هنا دلالة عظمى، يدركها حتى الصغار.
إذاً: جاء النبي إلى أمة أعرابية حفاة عراة جهلة، يأكل قويهم ضعيفهم، فساسهم سياسة الإبل الصعاب حتى سخرهم الله وقادهم إليه، وانتقلوا من البداوة إلى الحضارة، ومن التبعية إلى الإمامة، وأصبح الواحد منهم صالحاً لأن يكون إماماً وقدوة يقتدى به.
تربية ناجحة، وتخريج ناجح، وأصبحت الأمة الإسلامية بجميع أفرادها صالحين للإمامة وللقدوة، ولهذا سادوا العالم، ونشروا الإسلام، وانطلقوا بالدعوة شرقاً وغرباً حتى امتلأ العالم كله بتلاميذ رسول الله، وممن اقتدى يعلمون الناس الخير، فهذا إرهاص بأنه تمت مهمته، ونجح في رسالته، وأخرج هذه الأجيال.
من ذلك أيضاً: ما كان في حجة الوداع: لما نزل عليه قوله سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:١-٣] ، عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى شيوخ قريش يستكثرون مجيء ابن عباس في مجلسهم أراد أن يبين لهم فضله وهو غلام، فسألهم ذات يوم: ما تقولون في: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ؟ قالوا: هذه بشرى من الله لرسوله بالنصرة والفتح ودخول الإنسان في الإسلام بلا قتال، وابن عباس لم يتكلم، فالتفت إليه عمر وقال: ما تقول أنت يا ابن عباس؟ قال: والله لقد نعت إلينا رسول الله وهو بين أظهرنا.
قالوا: وكيف ذلك؟ قال: إن الله أرسله بالرسالة لكي يبلغها، وقد بلغها للناس، وأصبح الناس يدخلون في الدين الذي جاء به أفواجاً بغير قتال.
إذاً: مهمته قد انتهت وقد فرغ منها، ولم يبق له إلا أن يتهيأ ويتزود لملاقاة ربه ليلقى.
فقال عمر: وأنا أرى ذلك.
كذلك قال: أحضروا المنبر.
فصعد فخطب الناس بعد صلاة الظهر، ولم ينزل حتى أذن العصر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطب الناس حتى أذن المغرب، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطب الناس حتى أذن العشاء، فقال قائل: (والله ما ترك لنا شيئاً ولا طائراً يطير بجناحيه في الهواء إلا وذكر لنا منه خبراً، حفظ من حفظ ونسي من نسي) .
وعن العرباض بن سارية، قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: زدنا يا رسول الله لكأنها موعظة مودع) ، نعم موعظة مودع، أدركوا ذلك، وقال وهو على المنبر: (عبد خيره الله فيما بينه والدنيا، فاختار ما عند الله) ، فبكى أبو بكر في أصل المنبر، قال: قلنا: ما بال هذا الشيخ! ما الذي يبكيك؟ وما شأنه في ذلك؟ أبو بكر رضي الله تعالى عنه عرف من العبد الذي خُير، وقد جاء صريحاً في مرض وفاته صلوات الله وسلامه عليه، لما ألحوا عليه أن يكتب لهم، قالوا: (دعوني فما عند الله خير لي منكم) .
بعد هذه العلامات والإرهاصات جاء مرضه ﷺ وقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) هنا جاء الاستخلاف.
ثم لما قال: (ائتوني بقلم وقرطاس أكتب لكم.
فقال علي رضي الله تعالى عنه: قلت في نفسي: خفت أن أذهب فيفوتني، قلت: قل يا رسول الله فإني حاضر -يعني: أحفظ ما تقول عن الكتابة، مخافة أن أذهب فيفوتني ما تريد أن تقول- فقال: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم!) ، إلى نحو ذلك، ما خرج من الدنيا صلوات الله وسلامه عليه بغتة، ولكن أعطى تعليمات وإشارات ليتهيأ الناس لذلك الحدث العظيم، كما جاء: (من أصيب في مصيبة فليتذكر مصيبته في) ، وعن أنس قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة فاستنارت وأنار منها كل شيء، وقبض رسول الله ﷺ فأظلمت المدينة وأظلم منها كل شيء) .
ويقول ابن مسعود: (والله لقد أنكرنا قلوبنا ولما نقبر رسول الله بعد) .
كانوا في حياته في إشعاع، أنوار، هداية، وبعد وفاته تغيرت القلوب.
ثم في وصيته ما ترك الناس همجاً، ما ترك الدنيا بعد هذه التوجيهات إلا وقد رسم لهم منهج السعادة والحياة الكريمة، وإبقاءً على دعوة الإسلام وامتدادها إلى ما شاء الله: (تركت فيكم -أي: بعدي- ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي) .
وهكذا أصبحت الأمة الإسلامية تسير على محورين متقابلين، كل منهما يبين الآخر، ويفصل مجمله: كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ فالسعيد من رزقه الله فهم كتاب الله، وفهم سنة رسول الله، وإقام حياته على مقتضاهما، ولقد جرب العالم منذ ذاك التاريخ حينما يقام كتاب الله، ويعمل بسنة رسول الله حين كانت الأمة الإسلامية هي أسعد الأمم في العالم، حينما كانت دول الغرب -كما قيل- قناصين في البحر، أو صيادين للأسماك، أو بادية في صحرائهم وغير ذلك، كان العرب سادة وقادة، وأخذ الغرب عن المسلمين -دون أن يعلموا- ذخائر العلم وردوها عليهم.
وهكذا نحن في هذا العصر وبعد قرن ونصف يجد العالم كله أن التجربة الإسلامية هي الحقة، الدولة التي قامت على كتاب الله وعلى سنة رسول الله على ما في أهلها من قصور، لكنها أمثل العالم أمناً واستقراراً وطمأنينة وإخاءً، فعلى هذا كان ﷺ في خطبة حجة الوداع حينما قال هذا الحديث النبوي الشريف: (ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) ، وإني لأتمنى وأرجو من الإخوة طلبة العلم أن يتعاون الخمسة أو العشرة على النظر في كتب السنة والمسانيد ليجمعوا كل ما قيل في تلك الخطبة، ثم ينسقوها لنا، ويقدموها لنا منهجاً وبرنامجاً.
وبالله تعالى التوفيق.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2319
كتاب البيوع - باب الشفعة [١]
من القواعد العظيمة في الشريعة أنه لا ضرر ولا ضرار، فرفع الشرع الضرر عن المسلم وحرم عليه الضرار، ولذلك جاءت أحكام كثيرة في الشرع تدل على هذه القاعدة، ومنها: الشفعة، فالشفعة شرعت لرفع الضرر عن الشريك أو الجار ممن قد يأتي ويحصل منه الضرر والأذى.
стр. 2320
شرح حديث: (قضى رسول الله بالشفعة في كل ما لم يقسم ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، أما بعد: قال المصنف ﵀: [عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) متفق عليه واللفظ للبخاري، وفي رواية لـ مسلم: (الشفعة في كل شِرك: في أرض، أو ربع، أو حائط، لا يصلح -وفي لفظ: لا يحل- أن يبيع حتى يعرض على شريكه) ، وفي رواية الطحاوي: (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء) ورجاله ثقات] .
стр. 2321
مناسبة ذكر باب الشفعة بعد باب الغصب
مناسبة ذكر باب الشفعة بعد باب الغصب؛ لأن بينهما شبهاً وهو انتزاع ملك الغير بغير إذنه؛ لأن الغاصب يستولي على ملك الغير قهراً وبغير إذنه، وكذلك الشفعة، فالشفيع ينتزع حصة المشفوع عليه قهراً.
أي: بالقوة أو بدون رضاه؛ فبينهما شبه ما.
стр. 2322
تعريف الشفعة وصورتها وسبب مشروعيتها
والشفعة لغة: من الشفع ضد الوتر، فالوتر واحد، والشفع اثنان فأكثر مما يقبل القسمة على اثنين بدون باقٍ، كالأربعة والستة والثمانية والعشرة إلخ، فهذه أعداد شفع، والواحد والثلاثة والخمسة والسبعة أعداد وتر؛ لأنها لا تقبل القسمة على اثنين بدون باق.
والشفعة قيل: أخذت من معنى الشفع بمعنى: الزيادة، وبمعنى: الضم، وبمعنى: النصرة.
والشفعة عند الفقهاء ﵏ هي: أن يأخذ الشريك حصة شريكه ممن اشتراها عن طريق الحاكم.
وقال بعض العلماء: إن الشفعة غايرت القاعدة العامة في احترام أموال الناس؛ لأن بها انتزع حق المالك بغير رضاه، والقاعدة هي قول النبي ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) فقالوا: غايرت القاعدة العامة، ولكن استندت إلى قاعدة أخرى وهي: (لا ضرر ولا ضرار) ؛ ولهذا يقولون: شرعت الشفعة لرفع الضرر عن الشريك.
وصورتها على سبيل الإجمال: أن يكون العقار -ربع أو دار، أي: أرض أو بيت أو بستان- مملوكاً لاثنين هما شريكان فيه، وتلك الشركة على الإشاعة، كل له النصف أو الربع أو ثلاثة أرباع، أو الثلث أو الثلثان، بدون قسمة ولا تمييز، أو له ثلاثون أو ستون في المائة من عين العقار، فيبيع أحد الشريكين حصته إلى شخص ثالث، فيأتي الشريك الذي لم يبع ويخشى مضرة الذي اشترى بأن يسيء معه الشراكة أو يكون رجل سوء؛ فيشفع عليه وينتزع منه الحصة التي اشتراها من شريكه ويضمها إلى حصته هو، فيكون قد شفع حصة شريكه إلى حصته بضمها إليه.
هذا هو هيكل الشفعة، وذكر بعض العلماء: أن الشفعة في الجملة كانت موجودة في الجاهلية وإن لم تكن على النظام المشروع والموجود في الإسلام، وذكروا: أن الرجل كان إذا أراد أن يبيع بيته -وليس فيه شركة لأحد- فإذا علم رجل بذلك، وأتاه وقال: أنا أحب أن أشتري البيت، قدمه على غيره، فاعتبروا ذلك من الشفعة.
ومن القواعد العامة في الإسلام: احترام الأموال، ومن القواعد العامة: رفع الضرر، فالشفعة يجتمع فيها الأمران؛ يجتمع فيها احترام المال والتعدي عليه، ويجتمع فيها وجود المضرة.
أما أخذ المال؛ فلأن الشفيع يأخذ حصة المشتري بدون رضاه، والمال محترم وهذا فيه مضرة على المشتري أن ينتزع ماله بغير رضاه، وفيها أيضاً رفع الضرر عن الشريك الذي لم يبع؛ لأن المشتري أجنبي عنه، وقد يعلم من سلوك المشتري الذي سيدخل شريكاً معه ما يتضرر به.
إذاً: هناك مضرة على الذي اشترى بانتزاعه منه، وهناك مضرة على الذي لم يبع بدخول شخص ثالث عليه، فاجتمعت المضرتان.
والقاعدة عند الأصوليين: (إذا وجدت مضرتان؛ فيرتكب أخفهما ضرراً) .
فقالوا: إن المضرة التي تكون على المشتري بأخذ الحصة منه وردها إلى الشريك أخف من المضرة التي ستكون على الشريك من المشتري الجديد سيئ الخلق أو سيئ الشراكة أو العشرة.
إذاً: يرتكب أخف الضررين؛ فيلغى شراء المشتري الجديد وترجع الحصة إلى صاحب الشراكة القديمة، والمشتري سيأخذ ما دفع، وليس عليه مضرة مالية، فإذا اشترى بألف فسيرد إليه الألف الذي دفع، وانتهت المشكلة، بخلاف ما لو ألغينا الشفعة، فسيأتي شخص آخر -وبحكم التملك- ربما طالب بالقسمة في المشاع، وربما زاحم صاحب الشراكة الأول فتكون المضرة مستمرة.
ويقولون: ما خالف في الشفعة من السلف إلا عالم واحد يقال له: الأصم، فإنه قال: هذا اشترى وتملك، فكيف ننزع منه ملكه بغير رضاه؟ وأجاب الجمهور: بأن هذا من باب ارتكاب أخف الضررين.
والعالم كله على سبيل الإجمال يقرر الشفعة في القضاء المدني ما عدا بلداً واحداً عربياً ألغى الحكم بالشفعة في عهد قريب حوالي في الخمسينات بينما القضاء الفرنسي إلى اليوم يعمل بالشفعة، والقوانين الأوربية كلها تقر العمل بالشفعة.
إذاً: كما يقول العلماء: الشفعة ثابتة بالكتاب، وبالسنة وبالإجماع.
أما الكتاب فبالعمومات، وأما السنة فبنصوص تفصيلية كما ذكر المؤلف ﵀ هنا.
وأما الإجماع: فالعمل بها ماض من زمن النبي ﷺ على مر العصور الإسلامية، وهلم جرا.
إذاً: الشفعة مشروعة بلا نزاع، ولا عبرة بالأصم في مخالفته، ولا عبرة بإلغاء بعض الدول العربية المتأخرة للشفعة، فقد كانت موجودة عندها قبل الإلغاء، وهو حجة عليها.
стр. 2323
أركان الشفعة وفي أي شيء تكون
وهذه النصوص التي جاءت وسمعناها في الشفعة كما يقول ابن رشد رحمه الله تعالى: تبحث من عدة جوانب: أولاً: أركان الشفعة، وأركانها: شافع، ومشفوع عليه، ومشفوع فيه.
أما الشافع: فهو الشريك الأول، وأما المشفوع عليه فهو المشتري، وأما المشفوع فيه، فهو موضع البحث عند العلماء.
ثانياً: في أي شيء تكون؟ عندنا الحديث الأول وفيه: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا جرت القسمة، وصرفت الطرق، وضربت الحدود؛ فلا شفعة) يؤخذ من هذا الحديث: أن الذي تقع فيه الشفعة هو الملك المشاع مثل عقار يمكن أن يقسم وتميز الحصص الشائعة، كما يقال: قسمة إفراز، فإذا كان هناك اثنان يمتلكان بيتاً أو أرضاً، واحد منهما له الثلث والآخر له الثلثان فهو مشاع، فلكل واحد منهما حصته في كل شبر منها، كل شبر من الأرض لأحدهما فيه الثلث والآخر له الثلثان؛ لأن هذا حق مشاع داخل في جميع جزئيات الأرض المشتركة، وهذا خلاف ما يقال عند المتأخرين والمتقدمين: ما كانت الشراكة فيه على التعيين، بمعنى: هذه الأرض ألف متر، له خمسون متراً ولشريكه الباقي، فهنا هذه شركة على التعيين بالأمتار وليست مشاعة بنسبة مئوية، وهذا النوع من الشراكة، الجمهور على أنه لا شفعة فيه، وعند بعض المالكية أنها تساوي الشراكة المشاعة بدون تعيين وتحديد مقدار.
فإذا كان الحديث: (الشفعة فيما لم يقسم) .
إذاً: يكون قابل القسمة فإذا كان العقار من حيث الصغر أو من حيث موضوع عمله لا يقبل قسمة فلا شفعة فيه، فلو أن هناك مصنعاً لتجميع سيارات، أو منجرة فيها آلات يساعد بعضها بعضاً؛ فمنها المنشار الذي يشق الخشب والذي يمسحه ومنها ما يثقبه، وكلها يكمل بعضها بعضاً، فلا يمكن قسمتها، فلا يمكن قسمة المنشار، ولا يمكن قسمة الآلة التي تنعم الخشب، فإذا قسمت وأخذ واحد منشاراً، وأخذ الثاني قطعة من خشب فالمنشار بدون تلك القطعة لا يعمل شيئاً، أو كان العقار صغيراً، كدكان مساحته متر في متر ونصف، وقد شاهدنا سابقاً بعض الدكاكين لا يزيد عن متر في مترين، متر واجهة ومترين عمق، فكيف يقسم؟ وإذا قسم لا يستفاد من قسمته، فهذا لا شفعة فيه.
وقالوا: ما أبطلت الشفعة المنفعة المقصودة منه فلا شفعة فيه، ومثلوا بالحمام، والحمام هو: مبنى كبير فيه مرافق لجلوس الناس وراحتهم بعد الاستحمام، وفيه مغطس فيه ماء حار، وفيه موضع للتدليك، فلو قسمنا هذا الحمام لبطل كونه حماماً؛ لأن كل شقص منه لا يؤدي وظيفته كحمام بكامله.
إذاً: لا تصح فيه شفعة.
وكذلك الرحى على ما كانت قديماً، كانت تدار بالماء وتدار بالهواء، وهي تقبل القسمة؛ لأنها حجر فوق وحجر تحت، ولكن أحد الحجرين لا يعمل بدون الآخر، كما يقول المثل العامي: (يد واحدة لا تصفق) ، أي: لابد من ضم اليد الثانية إليها، وكذلك الرحى، وهكذا البيت الصغير، إذا لم يقبل القسمة وإذا قسم عطلت منافعه، فلا يصلح لسكنى أحد.
إذاً: قوله: (ما لم يقسم) يفيد أنه لا شفعة إلا فيما يقبل القسمة؛ لأن نفي القسمة لا يكون عن شيء من شأنه أن يقبل القسمة، وهذه قاعدة عند علماء المنطق يسمونها: (العدم والملكة) ، وهو أنه لا يحق لك أن تنفي صفة عن شيء إلا إذا كان قابلاً للاتصاف بها، فلا تقول: هذا الكرسي لا يطير؛ لأنه ليس من شأنه الطيران، ولا تقول: هذه السارية لا تسمع؛ لأنه ليس من شأنها أن تسمع، فتنفي عنها شيئاً ليس من شأنها، اللهم إلا إذا كان في العصور الحديثة حيث صارت السماعات تجعل في الجدران!! فهنا: (مالم يقسم) نفي القسمة يدل على أن المتحدث عنه قابل للقسمة.
ومن هنا خص الجمهور الشفعة في الشراكة؛ لأنه إذا ضربت الحدود، بمعنى: قسمت فلا شفعة، فإذا كان هناك ألف متر من الأررض وأردنا أن نقسمها مناصفة فهل يتعين أن كل قسم يكون خمسمائة متر أو يمكن أن يتفاوت في القسمة بحسب المواقع، فإذا كانت هناك واجهة عشرون متراً، وواجهة من الجهة الثانية عشرة أمتار، وقسمناه عرضاً، فسيكون النصف على الواجهة الأولى عشرون متراً، والنصف على الواجهة الثانية عشرة أمتار، فهل يستويان معاً وتتحد فيهما الرغبة؟ الجواب: لا، بل لابد أن ننقص من القسم الذي على الواجهة الواسعة لنعوض صاحب الواجهة الصغيرة.
إذاً: بحسب القسمة، وقعت القسمة بالمناصفة في الحقوق، لا في عين المساحة إذا قسمت ووضعت الحدود؛ لأن المشاع ليس فيه حدود، (فإذا وضعت الحدود) أي: جعل هذا حد قسمي وهذا حد قسمك، (وصرفت الطرق) كأن يكون الطريق كله في الشارع الواسع؛ لأنه مشترك مشاع، ولما قسمنا اضطررنا أن نوجد طريقاً آخر للقسم الثاني فجعلنا طريقه من الشارع الآخر سواءً شرقاً أو غرباً، فحينئذ إذا وقعت القسمة وضربت الحدود وصرفت الطرق، فقد انتفت الشراكة، وأصبح كل واحد من الشريكين جاراً للآخر، فقالوا: لا شفعة للجار بمقتضى هذا الحديث، وهو كما ذكر المؤلف رواه الشيخان البخاري ومسلم، وليس فيه أي مطعن.
إذاً: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل مالم يقسم) يعني: في كل شراكة في أي عقار قابل للقسمة ولم يقسم، فإذا ما جرت القسمة، وضربت الحدود، وصرفت الطرق انتفى معنى الشراكة وأصبحا بدل الشريكين جارين.
стр. 2324
شرح حديث: (الشفعة في كل شرك ... )
قال المصنف ﵀: [وفي رواية مسلم: (الشفعة في كل شرك: في أرض، أو ربع، أو حائط) ] .
(الشفعة في كل شِرك) والشرك بأن يكون -كما تقدم- شركاً مشاعاً، ليس شركاً محدداً بالأمتار، فهذا نص في أن الشفعة تكون في كل شرك، والمجاور ليس شريكاً إنما هو مجاز.
قوله: (الشفعة في كل شرك: في أرض، أو ربع، أو حائط) .
(في أرض -أرض بيضاء- أو في ربع) والربع: قيل: الأرض البيضاء التي لا غرس فيها، وقيل: هي التي فيها الغروس، يعني: نقول: في بستان أو في أرض بيضاء أو في بيت.
стр. 2325
حكم البيع إذا لم يعرض البائع على شريكه
قوله: (لا يصلح -وفي لفظ: لا يحل- أن يبيع حتى يعرض على شريكه) .
أي: لا يصلح لأحد الشريكين أن يبيع حصته في الشراكة حتى يعرضها على شريكه، فيقول له: أتأخذ نصيبي أو أبيعه؟ فإن قال: آخذ، فالحمد لله، وهو أولى من الغير، وإن قال: لا آخذ، فله أن يبيعه من غيره؛ لأنه سيأتي في شروط الأخذ بالشفعة: أن الشفيع يأخذ بعين الثمن الذي أخذه به الأجنبي، وأن يكون الثمن حالاً، وإنما الخلاف فيما إذا كان باع نصيبه مؤجلاً، فهل يأخذه الشفيع أيضاً بثمن مؤجل وكما أجل للأجنبي يؤجل لشريكه؟ قالوا: نعم، إذا كان مليئاً أو أتى بكفيل غارم.
إذاً: في بادئ الأمر إذا أراد الشريك أو أحد الشركاء -فقد يكون العقار شركة بين اثنين أو أكثر- أن يبيع، فلا يحق له إلا إذا عرض على الشركاء، فإن أجازوا فالحمد لله، وإن أبوا وقالوا: نحن نشتري فيأخذون، وكيف يأخذون إذا كانوا مجموعة؟ لو كان الشريك واحداً فسيأخذ حصة الشريك الآخر لنفسه لكن إذا كانوا ثلاثة وكل واحد قال: أنا أشتري، وكل الثلاثة قالوا: نأخذ بالشفعة، فهل نعطي واحداً من الشركاء الجزء المبيع ونترك البقية؟ أو نقول: أيها الشركاء! أنتم كلكم لكم حق الشفعة.
بأي صفة تكون الشفعة لهم كلهم؟ فإذا كان الثلاثة: واحد له السدس، والثاني له الثلث، والثالث له الربع، فهل نعطيهم من حصة الشريك الذي باع بقدر شراكتهم الشائعة فيه، فالشريك بالربع في الأرض العامة يأخذ ربع المبيع بالشفعة، والشريك بالثلث في الأرض العامة يأخذ الثلث من المبيع بالشفعة؟ قيل: إنهم يأخذون بقدر أنصبائهم في التملك في العين المشتركة، وقيل: يأخذون بعدد الرءوس.
أي: نقسم حصة الشريك الذي باع عليهم بعدد رءوسهم، وأعتقد أن الأول أضبط وأوفق تمشياً مع قواعد البيع والشراء.
فهنا لا يصح للشريك أن يبيع حصته حتى يؤذن شريكه.
стр. 2326
هل للشريك أن يشفع بعد البيع إذا عرض عليه قبله
وهنا إذا قال الشريك: أنا لا أشتري، فقال له: أنا سأبيع، فقال له: بع.
فقال له: ولكن هل ستشفع بعدما أبيع أم ستترك الشفعة؟ فسكت ولم يقل شيئاً، أو قال: لا أشفع، فباع الشريك حصته على ثالث، وبعد أن باع جاء الشريك وقال: سأشفع، فهل يحق له طلب الشفعة، أو أن طلبه سقط بإسقاطه إياه قبل العقد؟ المسألة خلافية، ولكن المنصوص عليه عند الحنابلة والراجح عند الجمهور: أنه إذا عرض عليه فقال: لا أشفع وسكت حتى باع، فإن أصل الشفعة لا يأتي بها إلا عقد البيع للشقص، وهل هناك شفعة قبل أن يبيع؟ الجواب: لا شفعة قبل البيع، وهو عندما قال: أسقطت حقي في الشفعة، فحقه لم يأت بعد؛ لأن الشريك لم يوقع البيع فلا محل للشفعة، فهو أسقط مالم يملك، فلما جاء عقد البيع جاء العقد معه بحق الشفعة، فقيل له: لماذا قلت: أنا لا أشفع وغررت بشريكك؟ قال: لا، هو يريد أن يتفق المشتري عليّ، وإذا باع له فسيبيع له بألف، وإذا علم بأني سأشفع فسيتفق معه على ألفين؛ لأن الشفيع لا يأخذ إلا بما وقع عليه البيع للأجنبي، فإذا قال الشريك: أنا سأشفع إذا بعت فقد يذهب شريكه الآخر ويبيع ما يساوي ألفاً بألفين، ويزيد الألف هذا إما تعجيزاً للشفيع ليترك الشفعة، وإما زيادة في الظاهر ثم يتقاسمان الألف الزائدة بينهما على حساب الشفيع، فإذا قال الشريك: أنا لن أشفع، اذهب وبعه، فهو ينفي الاتفاق على المضرة والغرر به، وكذلك إذا قال: أنا تركت ولم يقل: أشفع، حتى لا يدخلوا عليه الزيادة في الثمن لعلمهم أنه سيشفع.
إذاً: لا يبيع حتى يؤذن صاحبه فيشتري أو يترك، فإن اشترى فالحمد لله، وإن ترك حتى باع الشريك، فله الحق أن يأتي ويقول: مادام أن البيع قد وقع فأنا أشفع، وهذا أيضاً نص على أن الشفعة في الشراكة وليس فيه الجوار.
قوله: وفي رواية الطحاوي: (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء) .
هناك لا شفعة إلا فيما يقسم، وإذا وقعت القسمة انتفت، الشفعة في ربع أو دار.
أي: في عقار ثابت، وهنا قال: (في كل شيء) إذا وجدت شراكة في أي شيء سواءً كانت في سيارة، أو في سفينة أو -كما يقول البعض- في سيف، أو في فرس، أو في حيوان أو متاع منقول، فكلمة: (في كل شيء) جمعت كل شيء، ولم يقل بهذا الجمهور، ولكن يروى هذا عن مالك وعن أحمد ولكن مذهب الحنابلة على خلاف ذلك، فهذا الحديث أو هذا الأثر يشعر بجواز الشفعة في كل شراكة، وإذا سألك أحد: كيف أشفع في سيارة فشريكي الأول الذي كان معي ابن حلال لا يدقق معي ولا يحاسبني -وسيأتي هذا- فإما أن يأخذ السيارة ويقول: أحاسبك، أو يأتي كل يوم إليّ ويقول: حاسبني حساب السيارة اليوم، فأنا أشفع وآخذ حقي؟ فبعضهم يقول: إذا تضرر الشريك من شركة الآخر تباع ويفض النزاع بين الطرفين؛ ولتعذر الاستفادة من الشراكة أو الشفعة في المنقول كالثياب، فكيف يشفع في الثوب؟ وإذا باع عباءته أو باع مشلحه، فقال: شريكه أنا أشفع فيه، فإن لي النصف فيه، فقد اشتريناه شركة، أو ورثناه سوية من أبينا، وهذا يصح التملك فيه، يقولون: إن الأثر الذي عند الطحاوي لا يمكن أن يناهض ما جاء في الصحيحين، فقد جاء بصريح النطق: (لا شفعة إلا في ربع أو دار) (قضى بالشفعة في كل مالم يقسم) والسيارة والثوب ونحو ذلك، هذه لا تقسم ولا يمكن الانتفاع بحصة منها.
إذاً: ما يمكن إلا أن نبيع؛ ولهذا حتى الروايات التي جاءت عن بعض الأئمة أصحابهم لم يعملوا بها.
стр. 2327
شرح حديث: (جار الدار أحق بالدار)
قال المصنف ﵀: [وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (جار الدار أحق بالدار) روه النسائي، وصحح ابن حبان، وله علة] .
قوله: (جار الدار أحق بالدار) هذا نص صريح في أن الجار أحق بدار الجار.
ونحن في خصوص الشفعة، والحديث لم يتعرض لمعنى الشفعة.
إذاً: أحق بها بماذا؟ هل هو حق بالإجارة أو بالارتفاق أو بالانتفاع أو أحق بالشفعة؟ كل هذه احتمالات، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، ولكن هناك من يقول بهذا الحديث في إثبات الشفعة في الجوار، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، ويتفق الأحناف مع الجمهور في أن الشفعة أولاً للشريك في الأشياء الشائعة مالم تقسم.
ثم يقول أبو يوسف: إذا لم يوجد شريك شائع يطالب بالشفعة فللجار المطالبة.
стр. 2328
مراتب الشفعة عند الأحناف
ولذا يقولون: الشفعة على ثلاث مراتب: الشفعة في الشراكة الشائعة للشريك، والشفعة في الجوار إذا وجدت شراكة في مرافق العقارين، والشفعة في الجوار بلا مشاركة في المرافق.
والمشاركة في المرافق قالوا: في الطريق؛ بأن يكون البيتان يقعان على طريق أو شارع واحد بشرط أن يكون غير نافذ أي: أن هذا الطريق مشترك بين الجار هذا والجار هذا؛ لأن الجار إذا باع على شخص آخر فسيأتي من يزاحمه في هذا الطريق وقد يكون شرساً أو سيئاً، فيؤذي الجار في الطريق، فقالوا: يوجد هنا معنى الشراكة، ويحتمل معنى المضرة؛ فيعطى الجار الحق في الشفعة إذا لم يوجد الشريك الشائع صاحب الحصة؛ فإن وجد -كما يقول أبو يوسف - حجب الشفعة عن غيره، فإذا لم يوجد شريك أو وجد ولم يطالب بالشفعة فللجار الذي له الشراكة في مرافق الجوار حق الشفعة.
وكذلك الأرض، هذا له أرض بحدودها وجاره له أرض بحدودها، إذا كان بينهما اشتراك في الماء الذي يسقي الأرضين، ولكن ينص أبو يوسف أيضاً بأن يكون على نهر صغير لا تجري فيه سفن، وأن يكون النهر محدوداً يسقي مزارع معينة وليس عاماً يمشي إلى ما شاء الله، وعلى هذا: مراتب الشفعة عند الأحناف: أولاً: تكون للشريك شراكة شائعة كالجمهور.
ثانياً: للجار الذي له شراكة في مرافق العقار.
ثالثاً: للجار الذي لا شراكة له في هذا العقار ولا شراكة له في مرافقه.
وحجتهم هذا الحديث: (جار الدار أحق بالدار) ، ولكن كما قالوا: هذا الحديث له علة، وقد تكلم عليه العلماء، فسنده لا يقاوم ما تقدم.
قال المؤلف ﵀: [وعن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الجار أحق بصقبه) أخرجه البخاري والحاكم وفيه قصة] .
وهي: أن أبا رافع قال للمسور بن مخرمة: ألا تأمر هذا -يعني: سعد بن أبي وقاص - أن يشتري مني داري -وهي قرب سعد - فقال سعد: والله ما أزيدك على أربعة آلاف، فقال أبو رافع: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الجار أحق بصقبه) ما بعتك بأربعة آلاف.
الواقع أن هذا الحديث له عدة جوانب، وفيه عدة شبه، والوقت لا يكفي لعرض أو لبيان نقاط المغايرة لأحكام الشفعة؛ لأنه كان له بيوت داخل الدار وليس بينهما شراكة مشاعة، وإنما هي جوار، وفي هذا الحديث قصة وهي تحتاج إلى زيادة إيضاح، ولعلنا نرجئه إن شاء الله إلى درس قادم، وبالله تعالى التوفيق.
ونحب أن ننبه الإخوة إلى أن مباحث الشفعة في جزئياتها متسعة جداً، وقد كُتبت فيها رسائل تصل إلى الثمانمائة صفحة، والتفصيل في كل جزئياتها إنما هو عند المذاهب، وقد تناولوا الشفعة في الإجارة؛ كأن يكون هناك شركاء وواحد أجر حصته، وكذلك الشفعة بالنسبة للغائب والصغير والمجنون والمولى عليه والمتراخي في طلبها، وأيسر ما يؤخذ في هذا: (المغني) لـ ابن قدامة، و (المجموع) للنووي، وقد تناولها ابن قدامة في (المقنع) ولكن بشيء من التعقيد.
وننصح الإخوة بأن يراجعوا موضوع الشفعة إذا أرادوا التوسع في الجزئيات والتصور لبعض مواضيعها فيما يتعلق بنوع الثمن وكيف ينتقل الشقص، وكل هذا سيأتي إن شاء الله لكن على سبيل الإجمال، وأما التوضيح الوافي فهو كما أشرت إما في الرسائل المتخصصة، وإما في (المغني) لـ ابن قدامة وهو أقل تفريعاً من النووي في (المجموع) ، فيرجع إلى تلك المراجع الأصيلة.
وبالله تعالى التوفيق.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2329
كتاب البيوع - باب الشفعة [٢]
جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الحقوق وأداء الواجبات، ومن هذه الحقوق والواجبات حقوق الجار، فقد أمر الشرع بالإحسان إلى الجار وحرم إيذاءه، ولذا أذن له بالشفعة من جاره الآخر لما قد يحصل عليه من الضرر ممن سيحل محله.
стр. 2330
شرح حديث: (الجار أحق بصقبه)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الجار أحق بصقبه) أخرجه البخاري والحاكم وفيه قصة] والقصة هي: أن أبا رافع قال للمسور بن مخرمة: ألا تأمر هذا -يعني: سعد بن أبي وقاص - أن يشتري مني داري -وهي قرب سعد - فقال سعد: والله! ما أزيدك على أربعة آلاف، وقال أبو رافع: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الجار أحق بصقبه) ما بعتك بأربعة آلاف.
هذا الحديث بقصته في صحيح البخاري، وفي القصة أن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص، فأتى أبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، وأتى المسور بن مخرمة، فقال أبو رافع للمسور: ألا تكلم هذا -يعني: سعد بن أبي وقاص - أن يشتري بيتي اللذين هما في داره، فقال سعد: والله! لا أشتريهما أبداً، فقال المسور مساعدة لـ أبي رافع: والله! لتشترينهما، فقال: والله! لا أعطيك فيهما إلا أربع مائة -وفي لفظ: أربعة آلاف- وأربعمائة على أنها مثاقيل؛ لأن المثقال يصرف بعشرة دراهم، وأربعمائة في عشرة تكون أربعة آلاف منجمة أو مقطعة - والله لا أشتريهما إلا بأربعمائة منجمة -أي: مقسطة- فقال أبو رافع: وكيف أبيعك إياها وقد منعتها من خمسمائة دينار؟ -يعني: خمسة آلاف درهماً، بمعنى: أن سعداً نقص من قيمتها إما ألف درهم فضة ومائة دينار ذهباً -كيف أبيعك إياها بأربعة آلاف وقد منعتها من خمسة آلاف؟ والله! لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الجار أحق بصقبه) ما بعتك إياها، فباعها عليه بالأربعمائة دينار.
هذا الحديث بنصه في صحيح البخاري على هذا العرض، وهنا دار سعد كما تقول آثار المدينة كانت بالبلاط، والبلاط ما بين المسجد النبوي ومسجد المصلى -مسجد الغمامة-، وكان سعد حريصاً على تلك الدار مع أنه كان له قصر؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث عن الروضة: (ما بين بيتي والمصلى روضة من رياض الجنة) فحمل البعض كلمة: (المصلى) على صلاة العيد، وحملها الجمهور على أن المراد بالمصلى: المكان الذي كان يقوم فيه ﷺ للصلاة جماعة وهو على ميسرة المنبر، وهذا هو الصحيح؛ لأن الرواية الأخرى في الروضة: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة) .
إذاً: الروضة مرتبطة بالمنبر وليست مرتبطة بمسجد المصلى الذي هو موضع مصلى العيد الذي هو الآن معروف بمسجد الغمامة.
стр. 2331
وضعية الدور في السابق
فـ سعد كانت له دار، ولـ أبي رافع فيه بيتان، ومعنى بيتين: حجرتين، والدور في السابق كانت عدة حجرات شبه الدائرة وبينها فراغ يسمى الصحن أو الحوش في العرف الحاضر، يطوف عليها البنيان ولها باب واحد يدخل منه، وقد تكون الدار فيها عدة بيوت لعدة أشخاص، وكل يسكن في بيته على حدة، ويبحث الفقهاء ذلك في باب الحرز في القطع؛ لأن تلك البيوت هي في دار واحدة، فإذا أخرج شيئاً من تلك الدور إلى الصحن، فهل يكون قد أخرجه من حرزه؟ أو لا يتم الإخراج من الحرز حتى يخرجه إلى الصحن ومن الصحن إلى الخارج؟ وهذا كان عرفاً موجوداً في السابق كما كان العرف في المدينة وفي مكة تجزئة التملك ما بين الطابق الأرضي والطابق العلوي، فقد كان يتملك الإنسان دكاناً أو دكانين تحت بيت شخص آخر، فالبيت لشخص والدكان أو الدكانين لشخص أو لأشخاص آخرين، أي: تجزئة المبنى.
فهنا أبو رافع يقول للمسور: ساعدني على سعد، أي: كلِّمه أن يشتري مني البيتين اللذين هما لي في داره من داخل، فقال سعد: والله! لا أشتريهما أبداً، فتدخل المسور -وهو الواسطة- وقال: والله! لتشترينهما، فلما تدخل المسور وأقسم عليه، قال: إذاً: لا أعطيك بهما إلا أربعمائة مثقال.
ولو أتينا إلى المثاقيل وإلى الأسعار فإن الباحث الاجتماعي يستطيع أن يعرف القيمة الشرائية للعقار في ذلك الوقت، ويقارن بينها وبين الأثمان والعقار في الوقت الحاضر، ومن هنا تؤخذ الأحكام بمتابعة الأحوال الاجتماعية والعامة، كما جاء في قصة الرجل الذي أعطي ديناراً ليشتري شاة.
إذاً: القيمة الشرائية للشاة هي دينار، فما هي القيمة الشرائية اليوم بالنسبة للدينار؟
стр. 2332
الخلاف في أحقية الجار بالشفعة
وإذا جئنا إلى موضوعنا فالمؤلف وغيره كما فعل البخاري ساق هذا الحديث في باب الشفعة، ما علاقة بيتين في دار بموضوع الشفعة؟ ليس هناك شركة مشاعة، إنما بيوت محددة مميزة، وكل بيت له باب، وهو مستقل بذاته، فلا علاقة للشفعة هنا؛ لأن الشفعة لا تكون إلا في شقص مشاع باعه أحد الشركاء على شخص آخر، وهنا لم يحصل بيع، وإنما صاحب البيتين يعرض على صاحب الدار أن يشتريهما منه.
إذاً: موضوع الحديث موضوع البيع والشراء ولا علاقة له بالشفعة أبداً، ولهذا ينبه ابن حجر في فتح الباري ويقول: الحديث موضوعه البيع، ولكن الذين يقولون بالشفعة للجوار يستدلون به؛ لأنه عرض عليه أن يشتريهما، ولئن كان جاره أولى بأن يشتري منه فكذلك جاره أولى بأن يشفع عليه؛ فتكون دلالة الحديث على الشفعة من باب القياس واللزوم وليس من باب النص؛ لأنه قال هنا: (اشتر بيتي اللذين هما في دارك.
فقال: والله! لا أشتريهما) .
إذاً: لو أنه توقف عند هذا وقال: والله! لا أشتريهما، ولم يشترهما فيكون كأنه ما حصل شيء؛ لأن الغير كان ممكن أن يشتريهما؛ لأنه قال: منعتهما من خمسمائة.
إذاً: قد سيم عليهما، وقد جاءه زبون، ولكنه نظر إلى الحديث: وقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الجار أحق بصقبه) وتقدم الكلام على كلمة: (صقب) بالصاد أو بالسين، وأما معناها فمنهم من يقول: الإحسان إلى الجار، ومنهم من يقول: المساعدة، وذكروا أموراً عديدة، حتى أن البخاري ﵀ أتى بعد هذا الحديث في الصحيح بباب: أي الجارين أحق، وهو في باب الشفعة وما الذي نقله إلى أي الجارين أحق؟! ثم ساق حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: (قلت: يا رسول الله! يكون لي الجاران، فإلى أيهم أهدي؟ ... ) الحديث.
لأنه ﷺ وصى بالجار، فقال: (وما زال جبريل يوصيني بالجار ... ) الحديث.
والجار له حالات: جار من خلف البيت وله طريق من شارع آخر، ولكنه مجاور في البنيان من الظهر، وجار عن اليمين وبابه من شارع آخر، أو بابه من شارعك أنت، وجار عن اليسار، وجار مقابل، وبينكما الطريق، فأي هؤلاء الجيران هو الأقرب؟ وكذلك يأتي هذا البحث في دعاء الوليمة: إذا أتاك الجار ودعاك إلى وليمة، وجاء الجار الآخر فأيهما تقدم؟ أي: من أحق هؤلاء في وصف الجوار؟ الآن وصف الجوار يكون من أربع جهات: جار من الخلف وبابه من طريق آخر، وجار عن اليمين وبابه من طريق آخر أو من طريقك، وجار عن اليسار وبابه من طريقك أو من شارع آخر، وجار مقابل لك، فقال لها ﷺ : (إلى أقربهما منك باباً) ومن هو الذي بابه أقرب؟ الجار الملاصق للجدار من الخلف بابه من طريق آخر، وأما الجار الذي مقابل له وبينهما الشارع فهو أقرب؛ لأنه ما بينهما إلا الشارع، ولكن لماذا قدم الأقرب؟ قدمه لأن قرب الباب يعطي معنى المجاورة أكثر، فهو يعطيه من خيره، وهو أسرع لو استنجد به، فإذا استنجد الجار بجيرانه فأسرع من يأتيه هو الذي يقابله؛ لأنه أقرب، فإذا كان الذي على يمينه أو الذي على يساره بابه في طريق واحد معه وهو أقرب فيقدم، أما إذا كان بابه المسافة إليه عشرون متراً، وهذا بابه المسافة إليه خمسة أمتار فهذا أقرب، وهكذا جعل ﷺ التقديم بالنسبة لقرب الباب.
وهذا يأتي بحثه مستوفى كما يقول ابن حجر في باب الآداب في حقوق الجوار، وقد جاء عن عائشة ﵂ في ذلك أخبار عديدة.
وهنا يقولون: سعد كان له بيتان متقابلان بينهما شارع مسافته اثنا عشر ذراعاً، وكان في بعض الدارين بيتان لـ أبي رافع، فعرض عليه أبو رافع أن يشتري البيتين فكان هذا الأمر.
إذاً: عرض أبي رافع على سعد أن يشتري منه البيتين من باب الأولوية في الشراء وليس من باب الشفعة في شيء، ولكنهم قالوا: إذا كان أبو رافع قدم سعداً في الشراء فكذلك يقدم في الشفعة، وهنا أبو رافع استدل بالأولوية لـ سعد في الشراء بقول النبي ﷺ : (الجار أحق بصقبه) .
إذاً: هناك اشتراك بين بيع داري أبي رافع على سعد وبين أحقية الجار بصقب جاره، وإلى هنا يكون المؤلف قد أورد مع ما سيأتي بحث مسألة الشفعة في الجار، إلا أن الآتي أسانيده ضعيفة.
وقد قدمنا أن الجمهور على أن الشفعة لا تكون إلا في شركة مشاعة فيما يمكن قسمه، وأول الجمهور كلمة الجار في الشفعة بأنه الشريك، وهذا كما يقال: من التأويل البعيد لقرينة، واستدلوا بقول القائل: أجارتنا بيني فما أنت بجارة فسمى زوجته وهي شريكته في الحياة جارة، والبعض ينازع في استعمال اللغة كلمة (جارة) في معنى الزوجة، أو كلمة (الجار) بمعنى الشريك لبعد الدلالة في كلمة (جار) على الشريك، وقالوا: مما يؤيد البعد اللغوي القرينة، وهي ما جاء في الحديث الآخر: (فإذا وقعت القسمة، وضربت الحدود صرفت الطرق فلا شفعة) إذاً: وجود القسمة والحدود والطرق يؤكد بأن هذه الشفعة تكون في المقسوم قبل أن يقسم، فإذا ما قسم ووضعت الحدود وصرفت الطرق فقد أصبح الشريك جاراً وليس بمشارك.
ونهاية البحث في هذا كما يذكر ابن القيم ﵀ وينسبه اختياراً لـ ابن تيمية ﵀، وهو قول الجمهور أن الأصل في الشفعة أن تكون في الشركة المشاعة في العقار الذي لم يقسم وهو قابل للقسمة، فإذا كان غير قابل للقسمة فلا شفعة، ومثلوا بالحمام وبالرحى وبالدكان الصغير وبالبئر، وقالوا: لأن هذه إذا قسمت لا يؤدى بقسميها ما كان يؤدى بمجموعهما، فالحمام إذا قسم لا يكون حمامين، وكل قسم لا يصلح أن يستعمل حماماً، فيمكن أن يستعمل للسكن، أو يستعمل مستودعاً، لكن أن يستعمل حماماً على ما كان من قبل فلا يصلح، وكذلك البئر، والرحى، وكذلك الدور الصغيرة، والدكاكين الصغيرة التي لو قسمت لم يصلح أحد القسمين على حدة فلا تصح الشفعة.
فإذا أراد الشريك أن يتخلص من الشراكة ماذا يفعل؟ قالوا: يجبر الشركاء بالبيع معه أو بشراء قسمه، فإما أن يشتروا قسمه، وإما أن يبيع الجميع وكل يأخذ حقه من الثمن، هذا رأي الجمهور.
المرتبة الثانية: الشركة في الجوار فإذا كان هناك تبعية للشراكة بأن كان هناك طريق مشترك أو مسقى ماء مشترك، فهذه بقية شراكة يمكن أن يتأذى منها الشريك الأول من الجار أو الشريك الذي سيأتي عليه فجعل له حق الشفعة.
المرتبة الثالثة: الجوار الملاصق بلا مشاركة، وهذه الترتيبات الثلاثة عند علماء العراق ما عدا أبا يوسف، فإنه يقول: إذا وجد الشريك المشاع فإن يحجب الشفعة عن كل أحد شفع أم لم يشفع.
ولكن المتأخرون يقولون: الأحناف لا يذكرون رأي أبي يوسف في هذه المسألة، ويقتصرون على رأي أبي حنيفة ﵀ على التقسيم المتقدم: الشفعة في المرتبة الأولى للمشارك، فإذا لم يوجد فالشفعة في المرتبة الثانية للجار الذي له مشاركة في المرافق، فإذا لم يوجد فمطلق الجار المشارك، وهذا خلاصة ما جاء في النزاع في ثبوت الشفعة للجار أو عدم ثبوتها.
стр. 2333
شرح حديث: (الجار أحق بشفعة جاره ... )
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إن كان طريقهما واحداً) رواه أحمد والأربعة ورجاله ثقات] .
يأتي المؤلف بهذا الحديث بعد حديث أبي رافع، وهذا الحديث بلفظ: (الجار أحق بشفعة جاره) فهذا نص صريح في ثبوت الشفعة بين الجارين، والذين يمنعون الشفعة في الجوار بمعنى الملاصق أو المجاور، قالوا: الجار أحق بشفعة جاره.
بمعنى: الجار المشارك، واستدلوا بقول القائل: (أجارتنا بيني فما أنت بجارة) ، فهو طلق الزوجة وسماها جارة وقالوا: إن اللغة تطلق على كل ما كان قسيماً لشيء أنه جار، فلو جئت إلى دائرة وأخذت أقطارها من المركز الذي في الوسط إلى المحيط، فكل قسم من هذا مجاور للقسم الثاني وهكذا، فهي كلها في جزء واحد مشتركة في الدائرة ولكن كل ما بين قطبين يعتبر مجاوراً للقطب الثاني أو للقسم الثاني مع أنها مشاركة له في عين الدائرة، فقالوا: كذلك كل ما كان شريكاً في شيء فهو مجاور له، وعلى كل هذا كما يقال: من التأويل والنص هنا صريح، ولذا فإن من اختيارات ابن تيمية ﵀: أن هذا الحديث مخصص لعموم الجار؛ لأنه قيده: (الجار أحق بشفعة جاره إذا كان طريقهما واحداً) أي: مشتركاً، فهذا يخصص الشفعة التي جاءت في: (الجار أحق بصقبه) ففي هذا الحديث عموم الجار، فقال: لكن عموم الجار قد خصص هنا؛ لأن وجود بعض شراكة في مرافق العقار تدل نوعاً ما على المشاركة، والشفعة وضعت لرفع المضرة، وقد يتضرر الجار من جار جديد، ولكن كما قدمنا أنهم يحددون الجار هنا في الطريق غير النافذ، أما إذا كان طريقاً عاماً فليس أحد أولى من أحد؛ لأن الطريق العام يمر به الجار وغير الجار، أما إذا كان الطريق غير نافذ وعليه بيتين من اليمين وبيتين من اليسار وبيت في الرأس في الآخر؛ فإن المرور من هذا الطريق محدود محصور ولا ممدوحة لأحد من هؤلاء الجيران عن أن يمر من هذا المكان، فقد يكون الشافع بالجوار في هذا المحل يؤذي بعض جيرانه الآخرين، فقالوا: ترفع المضرة عنه بالشفعة، والآخرون قالوا: مضرة الجار مع جاره أقل نسبياً من مضرة الشريك مع الشريك في الرقبة وفي عين العقار، والله أعلم.
стр. 2334
شرح حديث: (الشفعة كحل العقال)
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (الشفعة كحل العقال) رواه ابن ماجة والبزار وزاد: (ولا شفعة لغائب) وإسناده ضعيف] .
إسناده ضعيف لا يقاوم إسناد غيره.
وقوله: (الشفعة كحل العقال) يعني: إذا أبقيت العقال على البعير أمسكته، وإذا حللت العقال انفلت عليك، فكذلك الشفعة إن أنت طالبت بها عقلتها ولك الحق في مطالبتك بها، وإذا تركتها أو أفلت عقالها انطلقت عنك، وقد قدمنا بأن البعض يقول: يعفى في ذلك الوقت الضروري، فإذا علم وقت القائلة وشدة الحر فليس بملزم أن يكلف نفسه ويذهب إلى المشتري ويقول: شفعت عليك، وإذا بلغه الخبر وهو يتناول الطعام فليس عليه أن يترك طعامه ويذهب يطلب الشفعة بل يتم أكل طعامه، بل قال الحنابلة: ويستريح بعد الطعام إلى أن يهضم ثم يذهب ويطلب الشفعة، هذا الذي عليه الجمهور في المبادرة وإن كان الصنعاني أو غيره يقول: الأصل ثبوت الشفعة، وأما التعجل بها أو الفورية فليس هناك دليل، ولكن الآخرون يقولون: إن لم يكن في المسألة دليل شرعي ففيها دليل عقلي، وهو: إذا كنت شريكاً والمشتري قد اشترى وشريكك قد ذهب وأنت تريد أن تشفع؛ فإن لم يكن هناك توقيت للشفعة فإنك تستطيع أن تلحق ضرراً بالمشتري؛ لأنه حينما يشتري هو لا يعلم أتشفع أو لا تشفع؟ إذا أراد أن يعمر أو أن يغرس أو أراد أن ينمي ما اشتراه توقف؛ لأنه لا يدري أيثبت له ما اشتراه أم ينتزع منه بالشفعة؟ فتكون فيه مضرة أكثر، فقالوا: ليس تحديد الزمن بأولى من زمن، فتكون على الفور.
وبعضهم يقول: إن كان غائباً فيعطى مهلة ثلاثة أيام إن كان سفره قريباً، أما إذا كان بعيداً فليس بملزم أن يقطع سفره ويأتي ويعلن الشفعة، ويقول مالك ﵀: إذا كان مسافراً سفراً بعيداً، فإنه حينما يعلم في غيبته بالبيع يشهد أنه شافع، فإذا رجع إلى بلده تقدم بطلب الشفعة وقدم الإثبات على أنه قد طالب بالشفعة منذ علم، وحينئذ يكون له الحق ولو طال الزمن، فإذا طال الزمن والمشتري قد بنى وغرس فماذا يكون حكم البناء والغرس الجديد؟ قالوا: يأخذ الشافع الأرض بقيمتها التي اشتراها المشتري ويقدر ما عليها من البناء والغرس الذي أقامه المشتري؛ لأنه حقه فلا يظلم فيه؛ فإن استعد ودفع ثمن الأرض وما لحقها من بناء وغراس فله الحق، ونكون بهذا قد حفظنا على المشتري حقه، ورددنا عليه قيمة الأرض ورددنا عليه ما أنفق في غرس وبناء فلم يقع عليه ظلم.
وبقي هنا أبحاث في باب الشفعة لأنها كما أشرت سابقاً واسعة، منها: إذا كان الشركاء متعددين، أو كان المشترون من الشريك الواحد متعددين، فمثلاً: الدار لخمسة أولاد ورثوها من أبيهم، فكل واحد له الخمس، فجاء واحد من الخمسة وباع سهمه، فكيف يكون حظ الشفعة للأربعة؟ لو قام واحد من الأربعة ليشفع على مشتري الخمس فالطريق واضح، فله أن يأخذ بالثمن الذي بيع به ويضمه إلى خمسه الأول ويصير له خمسان، والثلاثة الإخوة الآخرون لكل واحد منهم الخمس.
لكن لو قام الأربعة يطلبون الشفعة في الخمس الذي باعه أخوهم، فلمن نعطيه منهم؟ قالوا: نعطيه للأربعة؛ لأنهم كلهم متساوون في الحق، فإذا أعطيناهم الشفعة، ورددنا الخمس إليهم وهم أربعة فكم لكل واحد منهم في هذا الخمس؟ قالوا: نقسم الخمس الذي بيع على الموجودين بحصصهم، وأصبح الملك الآن لأربعة؛ لأنهم أربعة أشخاص لكل واحد منهم ربع الخمس الذي بيع.
وإذا كان العكس: اثنان مشتركان بالنصف وباع أحد الشريكين نصيبه على أربعة أشخاص، فجاء الشفيع صاحب القسم الثاني وشفع، أيشفع على واحد من الأربعة أم على الجميع؟ الجواب: على الجميع، فلو شفع على واحد فقط فيقال له: لا، إن فيه مضرة، والمبيع جزء واحد، فاشفع في هذا المبيع كله بصرف النظر عن المشترين، فإذا قال: لا، أنا آخذ حصة واحد فقط، فيقال له: لا، إما أن تأخذ كامل الشقص الذي بيع بصرف النظر عمن اشتراه، واحد أو اثنان أو أربعة وإما أن تتركه كله، فحينئذ إن أراد بأن يشتري الشقص كاملاً من الأربعة يلزم أن تكون الشفعة عليهم جميعاً.
стр. 2335
حكم المطالبة بالشفعة، وهل تورث ؟
وهنا السؤال: هل القيام والمطالبة بالشفعة واجب أم جائز؟ المطالبة بالشفعة جائزة؛ فإن شاء قام وطالب بها وإن شاء تركها، بل بعض العلماء يقول: الأحسن أن يتركها، لكن إن علم الشريك القديم من المشتري ما يضره في دينه بأن كان يجاهر بالمعصية وسيأتي إلى حصته في الدار ويسكن ويجاهر بما حرم الله، فهل يتركه يأتي ويدخل عليه بهذا الشر أم يتعين عليه أن يشفع ويدفع عن نفسه المضرة في دينه؟! وإذا كانت المطالبة بالشفعة على الجواز، فهل هذا الحق بالمطالبة يورث، وهل الورثة يستحقونه أو لا يورث ما دام مجرد جواز؟ وقالوا: إذا كان الشريك الأول وهو الذي يستحق المطالبة بالشفعة مات بعد أن باع شريكه حصته، فهل لأولاد الشريك الأول أن يقوموا مقام أبيهم ويطالبون بالشفعة؛ لأنهم حلوا محله في الملك أو ليس لهم ذلك؟ وبعض من يقول: إنها جائزة قالوا: هذا حق لا يملك بالميراث، وهؤلاء متملكون جدد ليس لهم الأسبقية، وآخرون يقولون: لهم الشفعة، والقول الوسط: إن كان أبوهم أو مورثهم حينما علم بالبيع في حياته سكت عن الشفعة فيكون قد أسقطها؛ لأنه هو الأصيل، فلا حق للورثة بالمطالبة بها؛ لأن صاحب الحق الأصلي قد ترك، أما إذا كان قد علم في حال حياته فطالب بالشفعة وفي أثناء المطالبة والمفاهمة توفي، فحينئذ يكون صاحب الحق الأصلي قد طالب به؛ فورثته أحق بها تبعاً لمورثهم، فيرثون مطالبة المورث بالشفعة.
стр. 2336
الشفعة في مدة الخيار
ويقولون: من شروط الشفعة: أن ينتقل الجزء المبتاع للشافع بنفس ثمن المبايعة، وأن يستقر البيع ويستقر الملك للمشتري، فإذا باع الشريك حصته على إنسان واشترط المشتري الخيار.
فهل للشريك القديم أن يقوم ويطالب بالشفعة قبل مضي الشهر أو ليس له ذلك؟ هنا يقولون: إن كان اشتراط الخيار للمشتري والبائع قد أسقط حقه في الخيار، فهل يكون البائع قد أمضى البيع أم لا؟ من جانبه أمضاه؛ فحينئذ يكون للشريك الحق في القيام بالمطالبة بالشفعة؛ لأنه يشفع على الشريك والشريك قد أمضى البيع وأصبح في حقه لازماً، أما إذا كان البائع هو الذي اشترط الخيار والمشتري أمضى البيع فإنه لا يحق للشريك أن يطالب بالشفعة؛ لأن الشفعة مبناها على إتمام البيع، وإتمام البيع متوقف على المالك وليس على المشتري وهنا البيع لم يتم.
стр. 2337
الإقالة في الشفعة
وهنا مسألة أخرى: الشريك باع والمشتري استلم، والشريك القديم لم يطالب، ثم إن المشتري وجد في نفسه أنه غبن، ووجد عيباً أو جد شيئاً ندم بسببه على الشراء، فرجع إلى البائع وقال: أقلني بيعتي، وطلب الإقالة، فقام الشريك الأول حينما تمت الإقالة ورجع الشقص لصاحبه كما كان، هل يحق له أن يشفع عقد الإقالة الجديد أو لا يحق؟ سنأتي ونقول: هل الإقالة فسخ أو بيع؟ الجمهور على أن الإقالة فسخ للعقد الأول، والمالكية يقولون: هي عقد من جديد؛ ولذا يجوز له أن يقيله بزائد على الثمن أو بأنقص؛ لأنه بيع.
والجمهور يقولون: لا.
إذا أقاله لا يأخذ منه درهماً ولا ينقصه من حقه شيئاً، فإذا اشتراها بألف وقال له البائع: أنا أقيلك وأرد لك تسعمائة فأنقص من حقك مائة فلا.
وبموجب ماذا ينقص؟ قالوا: لأنه عقد بيع ومساومة، فإذا جاء البائع وطلب الإقالة، وقال: أنا ندمت أني بعتك، أنت اشتريت مني بألف، أنا أعطيك ألف ومائة ورده عليّ، فهنا الزيادة والنقص في عقد الإقالة يجعلها بيعاً.
فإذا حكمنا بأن الإقالة فسخ للعقد الماضي، إذاً: لم ينتقل الملك انتقالاً جديداً فلا شفعة.
وإذا حكمنا على الإقالة بأنها بيع ووقعت في صورة البيع بزيادة أو بنقص، مساومة من جديد قلنا: فيه الشفعة، والله تعالى أعلم.
وأوصي الإخوان أن يراجعوا هذا الباب في تلك المراجع التي ذكرناها سابقاً، وهناك رسالة ماجستير لرجل مغربي عمل مقارنة في الشفعة بين المذاهب الأربعة وفي القوانين، فلو اطلع إنسان عليها فهي مفيدة؛ لأنه تعمق في البحث تعمقاً كبيراً.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2338
كتاب البيوع - باب القراض
لا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وهو عقد من عقود الشركة في الجاهلية وأقره الإسلام، ويعرف أيضاً باسم المضاربة، ويقوم هذا العقد على أن يأتي أحد الطرفين بالمال ويقوم الطرف الآخر بالعمل، وهو نوع من الإجارة، إلا أنه عفي فيها عن الجهالة في الأجر، ويحق لصاحب المال أن يشترط على العامل تجنب التعامل في أمور معينة أو مع أشخاص بعينهم، ولكنه يمنع من هذا الشرط إن كان فيه تحجير على العامل في عمله، وأما أرباح المال فعلى ما يتفق عليه الطرفان.
ومن الأحكام المجمع عليها في القراض: أن الجهالة مغتفرة فيه، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد أو يفرط.
стр. 2339
شرح حديث: (ثلاث فيهن البركة ... )
[عن صهيب ﵁: أن النبي ﷺ قال: (ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع) رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف] .
إن الله جعل البركة مائة جزء، تسعة وتسعين منها في البيع والشراء، وواحد في بقية الأسباب الأخرى كلها: صناعة زراعة هكذا يقولون.
وأعتقد أن هذه النسبة أمر نسبي وليس قطعياً، وكم من صانع يبارك الله له في صناعته، وكم من زارع يبارك الله له في زراعته، وكان بعض الصحابة يثمر بستانه في السنة مرتين ببركة دعوة رسول الله ﷺ ، فهنا الحديث: (البركة في ثلاثة) ، وفي غيرها أم فيها فقط؟ كل شيء أراد الله أن يبارك فيه حصلت فيه البركة، هذا صاحب الدينار والشاة قال له ﷺ : (بارك الله لك في بيعك وشرائك) ، فكان لو التمس تراباً بارك الله له فيه وربح، وكان الناس يأتونه بأموالهم ليضارب بها؛ التماساً لدعوة رسول الله ﷺ له بالبركة.
البركة: الزيادة والنماء، وحفظ الشيء والخير فيه، فهنا جعلها في ثلاث، وليس هذا من باب القصر الحقيقي، ولكنه قصر نسبي؛ لأن من أساليب البلاغة في القصر تعريف الطرفين، تقول: الشاعر زيد، مع أن أسلوب القصر: إنما الشاعر زيد؛ لأن (إنما) أداة حصر، و (ما وإلاّ) كذلك، ما الشاعر إلا زيد، ولذا نقول في كلمة الشهادة: (لا إله) نفي، (إلا الله) ، وقالوا أيضاً: تقديم ما حقه التأخير: (إياك نعبد) ، وأصل الترتيب العربي في غير القرآن: نعبدك، فكان الأولى أن كاف الخطاب تتأخر عن الفعل: (نعبدك ونستعينك ونستهديك ونستغفرك) ، كما في الحديث، لكن لما قدم المفعول وكانت الكاف المتصلة انفصلت عن الفعل جيء لها (بإي) لتقوم عليها (إياك) ، فتقديم ما حقه التأخير من أساليب الحصر، وتعريف الطرفين -أي: المبتدأ والخبر- من أدوات الحصر، فهنا (ال) أداة التعريف، (بركة) معرفة، ثم ذكر الثلاث وهي معارف كلها.
إلا أن هذا الحصر نسبي -كما يقولون- وليس قطعياً، أو حقيقياً.
يعني: إن كانت البركة في أمور فتلك الثلاث منها، أو أن الله خص هذه الثلاث ببركة زائدة عن عموم البركة في بقية الأشياء، فيكون لها فضل اختصاص.
стр. 2340
بركة البيع إلى أجل وصورته
[ (ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل) ] .
أول هذه الثلاث: (البيع إلى أجل) أما البيع إلى أجل الواقع الآن فهو بيع آخر.
أما البيع إلى أجل الذي هو محل البركة: هو أن لا تزيد مقابل الأجل في سعر السلعة، إذا كانت بعشرة وبعتها بعشرة والثمن مؤجل إلى شهر شهرين أما هذا هو البيع إلى أجل، أما إذا كانت بعشرة وتبيعها إلى شهرين أو ثلاثة أشهر بخمسة عشر فما بعت لأجل، لأنك قبضت ثمن الأجل؛ لأن الغرض في البيع إلى أجل التخفيف والتيسير، واللطف والرفق بالمعسر، وهذا كله من باب التراحم بين المسلمين.
وتذكرون قصة الرجل من بني إسرائيل الذي كان يوصي عماله أن ييسروا على الناس ويقول لهم: يسروا على كل معسر لعل الله أن ييسر علينا، فلما لقي ربه قال له: ما عندك من عمل؟ لا لك عمل كبير، ولكنك كنت تيسر على المعسر، ونحن أحق بأن نيسر عليك، والجزاء من جنس العمل.
وعلى هذا فإن البيع إلى أجل منطلق من: الرفق الرحمة التيسير عدم التضييق على المدين الذي ليس عنده قيمة السلعة، وخاصةً إذا كانت من السلع الضرورية: طعام لباس أو ما يحتاجه المسلم في بيته، أما الكماليات فأمرها آخر كبعض الناس يسعى إلى تلفزيون ملون ودش، وفيديو، وما حاجة هذا كله؟! وفر لقمة العيش لأهلك أولاً، وهذه كماليات، أو ربما هي زائدة عن الحاجة، أو ممنوعة محرمة.
فإذا وجدت حاجة لذلك، وتدعوه الضرورة لأن يشتري السلعة وهو مسكين ليس بيده شيء، ماذا تعمل معه؟ تعسر الأمر عليه في ثمن لقمة الخبز وهو يريدها لأهله؟! تقول: أنا أبيع أربعة بريال، ما دام الثمن مؤجلاً فأبيعك اثنين بريال، إذاً: حملته عسراً فوق عسره، عسر زيادة الثمن، وعسر الذلة التي حملته إياها وأشعرته بها، ولو كنت أنت في مكانه كيف تريد أن يعاملك الناس؟! ألم يكن من مبادئ الإسلام أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، ولكن ما أصعب هذا!! وأحياناً تحدث مشاكل بسبب اختلاف تعامل الناس، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة.
هذا غير المعاملات الفاسدة في السوق، وكانوا يعطيه القرض ويوفي بحق الله وبعهده، كما ذكر ابن كثير: عن رجل تاجر جاء إلى بلد فنقصت عليه ألف دينار، فكان يذهب إلى التجار ويقول: أقرضوني أنا تاجر في بلدي، فيطالبوه بكفيل غارم، رجل غريب لا أحد يعلمه، من أين يأتي بكفيل حتى لو كان كفيلاً حاضراً، حتى جاء إلى رجل فقال: ائتني بكفيل، قال: كفيلك رب العالمين.
قال: رب العالمين؟ قال: نعم.
قال: قبلت، وأعطاه الألف دينار، ثقة بعهد الله، ومتى الموعد؟ قال: مثل هذا اليوم، في السنة القادمة.
ولما جاء الموعد حضَّر الرجل الألف وطلب سفينة ليذهب إليه فلم يجد، ومضت أيام طويلة وهو قلق، بينما صاحبه هناك ينتظر السفينة فلا يأتي أحد، وهذا ينتظر سفينة يركب أو يدفع المال أمانة ليسدد صاحبه، ولما طالت المدة رجع الرجل إلى بيته وأخذ خشبة وحفر داخلها، ووضع الدنانير في حفرتها، وأطبق عليها، وجاء بها إلى البحر، وقال: اللهم أنت كفيلي وهذه وديعتي أوصلها لصاحبها وفك عني ديني، ثم رماها في البحر، ورجع إلى بيته وأخذ يجمع ألفاً ثانية إن تيسرت له سفينة ذهب بها، وكان صاحبه هناك كل يوم يذهب إلى البحر ينتظر السفينة فلم يجد شيئاً، وفي يوم من الأيام رأى خشبة تتلاطمها الأمواج وتقذف بها، حتى جاءت بها على الساحل أمامه، فقال: بدلاً من أن أرجع بلا شيء آخذ هذه الخشبة لعلنا نتدفأ بها، فحملها إلى البيت، ومع ثقل الماء حينما وصل البيت ألقى بها قالت له زوجه: ألقيت صاحبك؟ قال: لم أجده، وجئت بهذه الخشبة، فلما ألقاها في الأرض مع ثقلها بالماء فإذا بها تنكسر وتخرج الدنانير، ومعها الكتاب: اللهم! إن هذه أمانتي وأنت وكيلي فأوصلها إلى من قبل كفالتك.
وبعد سنة جاء الرجل بألف أخرى، وأتى إلى التاجر، فحينما لقيه قال: قد وفىّ الله عنك دينك، قال: أوصلتك الرسالة؟ قال: بلى، وصلتني في الخشبة ومعها الخطاب.
إذاً كان هذا النوع في السابق: إذا استدان كان وفياً، وإذا عاهد كان أوفى، وإذا اقترض على نية السداد سدد، وكما تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في الحديث: (ما اقترض إنسان على نية الوفاء إلا كان الله في عونه) وكانت دائماً تقترض، لغير حاجة وتقول: بركة لهذا الحديث، وأنا أريد أن يكون الله في عوني ما دمت مقترضة.
نقول: لعل هناك عوامل تمنع من القرض إلى أجل منها: تغير معاملات الناس، وصاحب الدين لا يصل إلى حقه، بل حتى إذا وصل إلى المحكمة تناكرا، ونفى حتى السند الذي وقعه بيده، ويقول: ليس بتوقيعي ولا أعرفه ولا ولا.
إلخ.
أما إنساناً وثقت فيه وبعته وزدت في الثمن من أجل الأجل وأتاك بالكفيل.
إذاً: حقك مضمون، فلماذا تزيد في الثمن من أجل الأجل؟! وهنا النزاع الطويل المتقدم في البيع والربا والصرف، ومنهم من حملها على.
حالاً بكذا ومؤجلاً بكذا إلى غير ذلك.
إذاً: البيع الأجل الذي أنيطت به البركة هو البيع إلى أجل بدون زيادة في السعر مقابل الأجل.
стр. 2341
بركة المقارضة وانتفاع الناس بعضهم ببعضهم
[ (ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة) ] .
ساق المؤلف ﵀ هذا الحديث ليستدل به على جواز المقارضة، وأنها مشروعة وفيها البركة، وكونها فيها البركة تستلزم أنها حلال ومشروعة، ولا يوجد نص صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ في صحة شركة المضاربة، كما قال ابن حزم ﵀ ونقل ذلك عنه.
وإذا فتشنا في كتب الحديث لا نجد نصاً على عين شركة المضاربة، ولكن هناك ما يعتبر أصلاً، لا حاجة إلى النص وهو: أن الإسلام جاء إلى الأمة وهناك عقود متعددة إجارة بيع أنكحة موالاة رق؛ فنظر الإسلام في تلك العقود فأقر صحيحها وألغى فاسدها، وأصلح ما كان فيها من فاسد، فنهى عن الجمع بين الأختين لأنه فاسد، ونهى عن نكاح زوجة الأب، وقال الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢] ، يعني: زيادة عن الزنا، بينما قال في الزنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢] ، ولكن هذا فيه: (ومقتاً) ؛ لأن فيه اعتداء على حق الوالد، فألغه.
جاء الإسلام أيضاً فوجد من هو متزوج بعشر نسوة فصحح الزواج في الجملة وألغى الزائد عن الأربعة، كما في الحديث: (اختر منهن أربعاً وطلق سائرهن) ، وهذا كان في قضية غيلان حين أسلم وتحته عشر نسوة، وأما بقية عقود الأنكحة التي جاء الإسلام وهي موجودة فلم يبحث فيها، من الذي عقد لك كيف تزوجت ما نوع الصداق.
إلخ.
وهكذا كانت الشركة موجودة، وكانت أكثر أنواع المشاركة عند العرب هي المضاربة، ونعلم أن تجارة أبي سفيان كانت مضاربة، كما جاء في الأخبار: (ما من بيت في مكة إلا وله فيها سهم) ، فكانوا يجمعون المال ويعطونه لـ أبي سفيان ليتجر به بين الشام واليمن.
إذاً: هذه شركة مضاربة، فلما جاء الإسلام ووجد شركة المضاربة قائمة والناس يتعاملون بها لم ينههم عنها وأقرهم عليها، وهذا توثيق وتشريع بالتقرير على وجودها واستمراريتها، ومع هذا الحال لا نحتاج إلى نصوص؛ لأنها مستمرة في طريقها، وقد أقرها الإسلام على ما هي عليه.
стр. 2342
بركة خلط البر بالشعير قوتاً لا للبيع
[ (ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة, وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع) رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف] .
هذا قيد لابد منه: للبيت لا للبيع.
يقول بعض المشايخ: كان إنسان يأتيه كل يوم برطل حليب وهو يقول له: لا تغش الحليب بالماء، قال: والله يا شيخ! أنت كثرت وأنا كنت أخلط لكن الآن تبت، وفي يوم من الأيام كان خادم هذا الشيخ غير موجود، ومن عادته أنه يخفف الحليب بالماء لأجل الدسم الذي فيه، فلما أخذ الحليب قال له: ناولني الماء أضعه على الحليب، قال: يا شيخ! كل يوم تقول لي: لا تخلط الحليب بالماء وأنت الآن تخلطه بنفسك!! قال: أنا أخلطه لأشرب، قال: هذا حقك وأنا هذا حقي، فمثلما تخلط أنت حليبك بالماء أنا أخلط حليبي أيضاً، قال: أنت عندما تبيعه هكذا فهذا غش، قال: لا.
أبداً كله سوى.
فالقيد هنا للبيت خلط البر بالشعير لا للبيع، ولو كان هنا دكتور من علم الغذاء لشرح لنا غاية الحكمة من البر من حيث هو أصناف قد يصل إلى عشرين صنف، وهو يتفاوت قوة وضعفاً ويسميه العوام عرق، فإن عجينة القمح لو عجنت إلى أقصى وتشبعت بالماء تستطيع أن تصنع منها خيوطاً، هذا الذي يعمل (الكنافة) قال: سبحان الله! (يخلق من العجينة دبارة) ، فهذه لا تصلح تلك الخيوط لا من دقيق الشعير ولا الذرة، لكن تصلح من البر، وطبيعة دقيق البر اليبوسة والقوة.
اترك قطعة من عجين البر على شكل عمود فإذا يبست كل اليبوسة تعجز أن تكسرها، وبعضهم كان يصنع كراسي وسرائر للنوم بعجين البر، يشبعه بالماء ثم يلفه حتى التجبيس حتى يصير قوياً.
إذاً إذا أكل الإنسان من عجين البر وحده كان فيه قوة وحرارة على المعدة، ولا يصلح لكبار السن، ولا لضعيف المعدة، ولابد لهذه القوة في دقيق البر من تخفيفها، والعوام في بعض البلاد يخففونها بالذرة الشامي؛ لأن الذرة الشامي ليس لها عرق يتفتت مثل الرمل، ولو جعلت منه فطيراً لا يمكن أن تجعله مثل الرقاق، ولا يصلح منه الرقاق أبداً؛ لأنه ليس له عرق قوي، فيدخلون الذرة الشامية مع البر الجيد مناصفة، ورب الأسرة لما يخلطها يجعلها أثلاثاً، الثلثين ذرة والثلث براً، البر ليمسك الذرة، ويكون هناك عرق حتى يخبز ويحتفظ به إلى مدة ما.
стр. 2343
فوائد خلط الشعير بالبر
خلط الشعير بالبر لأمور: أولاً: تيسيراً على صاحب العيال؛ لأن قيمة الشعير أرخص من قيمة البر.
ثانياً: تسهيلاً على أصحاب المعدة الضعيفة.
ثالثاً: مساعدة للشيَّاب والعجائز؛ فإن لهم قدرة على خبز الشعير وليس لهم قدرة على خبز البر.
فهنا يبين النبي ﷺ أن خلط البر بالشعير فيه بركة.
أولاً: زيادة في المئونة، ثانياً: قلة في الثمن والسعر في الشعير، ثالثاً: معالجة للذين من طبيعتهم الإمساك؛ فمن أكل خبز الشعير لا يحصل عنده إمساك قط، ومن داوم على خبز البر يحصل عنده الإمساك اليومين والثلاثة.
إذاً: من لطف الله ومن الحكمة النبوية والإعجاز أن يجعل البركة في خلط الشعير مع البر للبيت للأكل لا للبيع؛ لأن في خلطه للبيع تدليس، فصاع البر بعشرة، فإذا كان فيه عشرة في المائة من الشعير فقد زاد تسعة، وصار بإحدى عشر.
وعلى هذا يسوق المؤلف ﵀ هذا الحديث في خصوص القراض؛ لأنه في باب القراض قال النبي ﷺ كما يروي عن ربه: (أنا ثالث الشركاء؛ فإن صدقا وبينا كنت بينهما، وإن خان أحدهما الآخر خرجت من بينهما) ؛ وهذا عام في الشراكة، أبدان أعيان وجوه، لكن المؤلف لدقته ساق هذا الحديث وإن كان إسناده ضعيفاً، لكنه مناسب لهذا الباب، وهو من باب الحث على الإرفاق بالناس في البيع إلى أجل، وفي تيسير المعيشة في خلط البر بالشعير.
والله تعالى أعلم.
стр. 2344
ما يجوز أن يشترطه رب المال على العامل
قال المصنف ﵀: [وعن حكيم بن حزام ﵁: (أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة: أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به بطن مسيل؛ فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه الدارقطني، ورجاله ثقات] .
стр. 2345
عدم جعل المال فيما فيه الضرر والخسارة
هذه صور من صور معاملات الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ فقد كان يشترط على العامل الذي أعطاه المال ليعمل فيه مضاربة هذه الشروط، فيقول: هذا المال الذي أعطيتك عشرة آلاف فلا تجعله في ذي كبد رطبة، ويعنى بها: هنا: الإبل، البقر، الغنم، الخيل، بهيمة الأنعام بشكل عام، فقد يكون من عشاق الطيور، فذو كبد رطب لا تجعل مالي تجارة فيه، حتى وإن كانت التجارة في ذي الكبد الرطب رابحة؛ لأن خطرها شديد؛ لأن كل ذي كبد رطب يحتاج إلى رعاية وعناية خاصة حفاظاً على حياته؛ فإذا سافرت إلى جهة ما وجئت بألف رأس من الغنم، بحسب الواقع هذه الألف كم سوف تصل؟ هل ستصل الألف هي الألف، أو تتوالد وتزيد، أم أنه يحتمل أن تنقص بموت بعضها؟ احتمال النقص فيها قوي، ولكن لو جئت بألف كيس فول سوداني: هل من المحتمل أن ينقص منها شيء؟ بطبيعة حالها: لا.
ضعها ونم فوقها على السفينة، إلى أن يقولوا لك هذه جدة، لكن ألف رأس غنم لا تقدر أن تنام عنها بل تقدم لها الماء والعلف، وتنظر التي سقطت تحت أختها، والتي ركبت عليها الثانية، والتي نطحتها.
تحتاج إلى رعاية، وإذا قصرت في هذه الرعاية عرضتها للتلف.
إذاً: يجوز له أن يشترط عليه أن لا يجعل رأس ماله في ذي كبد رطب مخافةً على رأس المال.
وهنا مسألة: لو أن العامل لم يبالِ بهذا الشرط، وقال: إن ذوات الكبد الرطب تربح خمسة أضعاف قيمتها، وأنا لا أريد أن أفوت علي هذه الفرصة، وأتى بها؛ فإن سلمت فلا كلام لأحد عليه، وفي المثل: ما كل مرة تسلم الجرة، لكن إن حصل فيها عطب ومات منها ما يلحق الخسارة، من الذي يتحمل الخسارة؟ الأصل في المضاربة أن الوضيعة من رأس المال، والعامل لا يتحمل أي شيء إلا إذا تعدى أو فرط، وهو هنا ما التزم بشرط صاحب المال وتعدى وفرط، فيكون الضمان على حسابه هو.
هذا الشرط لصاحب رأس المال مصلحةً فيه، وكذا إن اشترط شرطاً آخر، وقال: هذا مالي تعمل فيه بشرط أن لا تتعامل مع التاجر الفلاني، أو المؤسسة الفلانية، أو الشركة الفلانية، فتجاوز وتعامل، فهو ضامن، ولماذا يمنعه من شخص بعينه أو مؤسسة بعينها، بعضهم يقول: ليس له حق في ذلك؛ لأن فيه حجر له في التحرك في البيع والشراء، فعندما يحظر عليه أشخاصاً، إذاً الباقي قليل، والباقي قد لا يكون فيهم من الربح مثل هذه النواحي التي منعه منها، وإن كان هو ملتزماً بشرط صاحب رأس المال لماذا؟ لأن صاحب رأس المال يعلم من هذا الشخص الذي منعه التعامل معه أنه رجل لا يتحرى الحلال، ويتعامل بالربا أو بالمحرمات، أو يتعاطى الممنوعات، أو يعمل في الظاهر في مباحات سكر وشاهي وحليب وقشطة ولكن في الخفاء يعمل في الممنوعات، والكل يصب في صندوق واحد، فإذا كان صاحب رأس المال يعلم عن إنسان هذه الحالة فمن حقه أن يمنع شريكه من التعامل معه؛ لأن في هذا إعانة له على الباطل، وكذلك المؤسسات.
فإذا اشترط صاحب رأس المال على العامل شروطاً لا تضر بالتجارة فلا بأس؛ بخلاف ما إذا قال له: الصنف الفلاني لا تعمل فيه، وليس فيه مضرة، كأن يعمل في القماش وقال له: صنف الحرير لا تعمل فيه، فيقول: أنا آخذ الحرير وأبيعه على الحريم، وعلى الرجل ليلبسه أهله، وليس حراماً على الرجل أن يقتني الحرير ما لم يستعمله، يقتنيه ليهديه أو ليقدمه إلى زوجه إلى بناته إلى ذوي رحمه لا مانع في ذلك، كما جاء عن عمر ﵁: أنه رأى حلة تباع، فأتى بها إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! ابتع هذه الجبة لتلبسها وتستقبل بها الوفود.
أي: زي رسمي كما يقولون.
وهذا أمر مشروع.
(ماذا على أحدكم لو اتخذ لجمعته سوى ثوبي مهنته) ، لا مانع أن يكون للإنسان لباس للمجتمعات وللهيئات ويكون ذا هيئة، كما قال البخاري في الأدب المفرد: (حسن السمت من الإيمان) ، فيتحلى بحلة جميلة عند الأجانب، وهذا فيه إظهار عظمة الإسلام، ولهذا أبيح بعض المحرم في أرض المعركة.
واتفق العلماء على جواز لبس الحرير بمقدار أربعة أصابع على حافة الجبة، وتحلية السيف بالذهب، مع أن الذهب محرم على الرجال؛ لأن في رؤية العدو لهذه الحلية إشعار بأن خصمه غني، متوافرة عنده الإمكانيات؛ فيعظم في عين الخصم.
وسمعت من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: أن جماعة من قبيلته كان فيهم تجار وفيهم أهل مدافع وقتال، وكانوا يسيرون بقافلة للتجارة، فرأوا من بعيد قطاع طريق قد يعترضونهم، فأوقفوا الإبل، وكانوا على حالة أهل السفر، والشخص في السفر يلبس ما يلاقي به وعثاء السفر وتراب الصحراء، فأناخوا إبلهم وأخرجوا حللاً للقاء الوجهاء حينما يأتون المدن وينزلون الأسواق، فخلعوا ملابس السفر ولبسوا أفخر لباسهم، وحملوا سلاحهم ونظموا أنفسهم ومشوا، فلما دنوا منهم ورأوا عليهم الأبهة والطمأنينة وعدم المبالاة ابتعدوا عن طريقهم، فلما اجتازوهم أناخوا الإبل وأخرجوا من تجاراتهم أشياء ووضعوها على الطريق كأنها هدية لهم.
يهمنا في هذا: أن العدو حينما رأى المظهر والهيئة عظم في عينه مكان خصمه.
وفي غزوة تبوك جاء أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ بكيس فيه قثاء، فقال: من أين هذا؟ قال: جئت به معي من المدينة، والقثاء دون بقية الفواكه تتحمل مدة طويلة بعد قطفها، فأكل منها ﷺ ؛ فإذا بغلام لـ أبي طلحة يمشي وعليه ثياب مهلهلة، وهم سيلقون العدو غداً، فقال: أليس لهذا الغلام ثوباً سوى ذلك؟ قال: بلى يا رسول الله! ثوب اشتريته له عند السفر وهو في العيبة، قال: ألبسه إياه، فدعاه وألبسه الثوب فإذا به إنسان آخر، ثم قال له: أليس هذا خير من ذاك، فسمعها الغلام، فقال: هو في سبيل الله يا رسول الله! قال: هو في سبيل الله، فاستشهد في تبوك.
نقف هنا ونقول: هذا غلام، سواء لبس اللبس الحسن أو القبيح فمعروف أنه غلام، ومن عادة بعض الغلمان أنه ربما اكتفى بالإزار فقط دون الرداء، أو كما يقولون الآن: باللباس دون فنيلة، وحال السفر هذا حق، لكن ما دمنا سنقبل على العدو غداً فإذا رأى العدو حالنا نمشي مطأطئي الرءوس منحني الظهور، والغلمان كأنهم لا شيء، أو مساكين ليس لديهم ما يلبسو.
إذاً: هؤلاء القوم هم هزلاء هلكى فيظهر النبي ﷺ المسلمين وحتى غلمانهم في الهيئة الحسنة التي تعظم في عين الخصم والعدو.
جاء عمر رضي الله تعالى عنه بحلة وجدها تباع عند المسجد، فقال: يا رسول الله! اشتر هذه والبسها لتستقبل فيها الوفود، فنظر فيها رسول الله ﷺ وقال: (إنما يلبس هذا من لا خلاق له يا عمر) .
هنا عمر اقترح أن يلبس رسول الله حلةً جميلة، ولكن التطبيق العملي وتحقيق المناط لا يصلح في هذه الحالة التي جاء بها عمر، فلو أن عمر جاء بجبة أخرى ذات قماش يلبسه ذو خلاق لكان قبلها رسول الله، وبعد فترة جاء قماش للنبي ﷺ من ذلك الذي يلبسه من لا خلاق له، فأهدى رسول الله ﷺ منها إلى عمر، فجاء عمر إلى الرسول -وهذه قضية منطقية- كيف يلبسها من لا خلاق له والرسول يرسل مثلها إلى عمر؟ نتيجة المقدمة المنطقية اجعلها معلقة، لكن عمر فهم هذا؛ فجاء: يا رسول الله! فقال: بالأمس تقول لي: إن هذا يلبسه من لا خلاق له، واليوم تهدي إلي منها، فقال: (يا عمر ما أهديتها لك لتلبسها أنت) فأرسلها عمر إلى أخ له في مكة قبل أن يسلم.
وهكذا العامل في مال الغير لو أنه عمل في الحرير بناءً على جوازه، وأن الرجل لن يستعمله لنفسه فلا مانع في ذلك، فإذا شرط عليه رب المال أن لا يعمل في هذا النوع فقد يكون قد حجر عليه في تعاطي الربح في أنواع البيع والشراء.
إذاً: اشتراط رب المال على العامل بعض الشروط إن كانت لحفظ المال فهي جائزة كما هو الحال هنا.
стр. 2346
عدم وضع المال في مكان يحتمل فيه المضرة
(لا تجعله في ذي كبد رطب ولا تنزل به بطن المسيل) .
نهى الرسول ﷺ المسافر بالليل أن ينزل في بطن الوادي؛ لأن هذا فيه خطر عليه؛ لأن السيول من طبيعتها أن تأتي من محلات بعيدة وتمشي في بطن الوادي إلى أن تصل إلى محلات ما جاءها قطرة مطر واحدة، ولا غابت عنها الشمس، ولا سمعوا فيها رعداً، ولا رأوا فيها سحاباً، ويكون آتٍ عن بعد ربما مائة كيلو، ويكون هؤلاء نيام فيجرفهم، ولهذا نهى ﷺ أن يعرس المسافر في بطن الوادي أو على قارعة الطريق المطروقة نهاراً؛ لأن الهوام في الليل تخرج وتتتبع الطريق المطروقة نهاراً، لعل إنساناً سقط منه شيء، أو ألقى بشيء وهو يمشي من فضلات الطعام، أو أي شيء يصلح لتلك الهوام تأكلها، فهي تطلب هذا في الطريق الذي يسلكه الناس نهاراً؛ لأنه مظنة أن يسقطوا أو يلقوا شيئاً ربما أكلته هوام الأرض، فينهى إذا لم يكن ذي كبد رطب وكان يابساً، جئت من ينبع مثلاً أو رابغ بفحم أو بأقط أو بشيء من اليابسات، فهذه لا تعرس بها على قارعة الطريق مخافة عليك أنت، وعلى من معك من الغلمان، بل ابتعد عن الطريق الذي يسلكه الناس نهاراً، وإن فعلت فأنت ضامن.
стр. 2347
نفقة عامل المضاربة
مسألة: وهنا في عمل العامل: هل لعامل المضاربة نفقة من مال المضاربة أم أن ونفقته على حسابه هو أم يأخذها من رأس مال الشركة؟ يتفقون على أن نفقته من رأس مال الشركة، ولكن بأي ميزان؟ هل بميزان الترف والسعة، ويضيع رأس المال في مصاريفه ينزل في أفخر (الفنادق) ، ويأكل أفضل الأطعمة، ويتوسع على حساب غيره؟ لا.
وكذا هل يجتزئ بالتمر والماء؟ لا.
إنما يأخذ النفقة بالمعروف، كما لو كان في سفره هذا لحسابه هو كيف سيعمل؛ سيجتزئ في الصباح بالعيش والفول، وفي الظهر بإدام وكذا ويكون مقتصداً في نفقته، وهكذا إما أن يقدر له رب المال مقداراً معيناً يومياً لنفقته، وإما أن يتركه لأمانته، فلا يسرف ويجحف برأس المال، ولا يبخل فيؤثر على نفسه؛ لأنه يجب أن يكون نشيطاً ويأخذ حقه.
وهل يتبع نفقته الكسوة؟ فيكتسي من رأس المال ما دام في سفره؟ البعض يقول: الكسوة خارجة من النفقة، والبعض يقول: الكسوة جزء من النفقة، والبعض يفصل ويقول: إذا كانت سفرته هذه من الطول والزمن بحيث تبلى ثيابه قبل الشركة، فيستعيض عنها بجديد مثلها على حساب الشركة، أما إن كانت السفرة قصيرة ومثلها لا يكون لها أن تبلي الثياب التي يلبسها؛ فليس له كسوة.
إذاً: النظر بالمعروف.
وحينما تكون البضاعة التي يعمل فيها العامل تحتاج إلى عمال؛ لأنها بالات وأكياس كبيرة والعامل لا يقوى على حملها، أو تحتاج إلى التحميل في السيارة من مكان مشتراها وتنزيل من السيارة في مستودعاتها فأجرة الحمال من عمل العامل أو من رأس المال؟ قالوا: من رأس المال، وكذا إن كانت تحتاج التجارة إلى مستودع تحفظ فيه إلى أن يصرفها؛ فأجرة المستودع هذا من المال وإن كان لرأس المال مستودعاً فيستعمله، وإن لم يكن له استأجر بالمعروف من رأس المال.
وإذا كان عند التصريف والبيع السلعة نافقة والزبائن كثر واحتاج إلى من يعمل معه لسرعة إنجاز تصريفها، فيستأجر عمالاً معه، وأجرة العامل عليه هو من حصته أو على مصلحة التجارة، ويكون من رأس المال؟ وإذا جاء العامل ورأى الربح والعمل وقال: أنت جعلت لي الربح مناصفة، ونحن الحمد لله وجدنا خيراً كثيراً، أريد أن تجعل لي شيئاً مقطوعاً خارجاً عن النصف، يعني: يومياً خمسة أو عشرة ريال أو شهرياً ألف ريال مثلاً، قال: وحصتك من الربح النصف، قال: معها.
أيجوز له ذلك أو لا يجوز؟ أجمعوا على أنه لا يجوز للعمال أن يشترطوا نقداً معيناً، فإذا اشترط العامل لنفسه نقداً معيناً دون حصته من الربح، قال: أنا ما أدري الربح كم يكون: كثير قليل.
ولكن أريد منك مبلغاً يومياً أو شهرياً كذا، فحينئذٍ لا يكون عقد شراكة بل يكون عقد إجارة، ويكون الربح كله لصاحب المال، وللعامل ما اشترطه من المبلغ المقطوع، ولا عليه ربحت أو خسرت.
هذه أهم أطراف نواحي شركة المضاربة، وما يجوز فيها من الشروط وما لا يجوز، وهنا حكيم بين لنا العلة في ذلك، وله الحق في ذلك.
стр. 2348
حكم ركوب البحر للتجارة في الحاضر والماضي
[ولا تحمله في بحر] .
هنا نظر للمجتهد، ويجب على العلماء اتخاذ الاجتهاد والاستنباط والنظر، هل هذا الشرط يمكن أن يعمل به في الوقت الحاضر أم لا؟ لا تتسرع وتقول: نعم أو لا، يجب على طالب العلم الآن وعلى العلماء والهيئات العلمية التي تعقد الندوات أو المؤتمرات إذا نظرت في مثل هذا أن تكون ذا بصيرة هل استخدام البحر في ذاك الوقت هو عين استخدام البحر في هذا الوقت؟ هناك نصوص سابقة لمن كان ينهى عن ركوب البحر للحج لأنه مجازفة وخطورة، ونحن نقول: إن ركوب البحر ترجع طبيعته إلى الآلة التي تركب، فإنسان يأتي من السودان إلى جدة يعبر البحر عرضاً، بواسطة لنش، أو لنش شراعي، هل هو كمثل من يأتي في باخرة تمخر العباب؟ لا، يمكن هذا اللنش الصغير يأتيه سمك القرش ويأخذه من النصف، لكن من في باخرة كبيرة ينام ويلعب، وحتى لو أراد السباحة فهناك حوض سباحة في الباخرة.
مدينة تتحرك، فهل خطورة البحر في ذاك التاريخ مع السفن الشراعية موجودة الآن مع البواخر الآلية التي تمشي بطاقة البخار أو الاحتراق الداخلي بالديزل أو غيرها، وهذا الجرم الكبير كالأعلام، أعتقد أن الخطورة ليست واحدة، والوضع يختلف، فإذا قال: لا تضع مالي في بحر، نقول: إن كنت تخاف عليه من السفينة الشراعية التي يقف عنها الهواء وتغرق، أم من القرصنة في البحار فهذا أمر انتهى.
وهذه كانت مهمة البريطانيين، بريطانيا قبل أن تصبح دولة متحضرة كانوا قراصنة في البحار يقطعون الطريق على السفن، فإذا كان الطريق فيه القراصنة يأخذون البواخر قهراً ويسلبون ما فيها.
فله حق، وإذا كانت هناك تأمينات بحرية؛ لأن الحاصل الآن: أنه لا تبحر سفينة من ميناء ببضاعة إلا وهي مؤمن عليها، وكيف يؤمن عليها؟ يقولون: أول عقود التأمين في العالم التأمين البحري، يأتي التاجر ويشتري السلعة من لندن، وتريد الجهة المصدرة تصدير البضاعة إلى جدة؛ لأن الشرط في عقد البيع: إما تسليم محلي أو تسليم إلى ميناء المشتري، فتتعهد الجهة البائعة بإيصال السلعة إلى ميناء المشتري، فإذا كان التوصيل على حساب المشتري فشركة التأمين البحري مهمتها أن تأخذ عقد الشراء وتذهب إلى المصنع الذي باع وتتابع تعبئة السلع في الصناديق، وهل هذه التعبئة سليمة أو ليست سليمة، فإن كانت البضاعة من زجاج لابد لها من تغليف ومحافظة.
فتقف وتشرف على تعبئتها تعبئةً سليمة، فإذا انتهت من التعبئة وتريد أن تشحنها في الباخرة المبحرة إلى جدة، تنظر أي البواخر التي اختارها المصنع، وهل هي جديدة قوية تعبر المحيطات أم هي مخلخلة ليست قوية معرضة للانفصال أو الانكسار أو الانشطار، فإن كانت صالحة سمحت شركة التأمين بتعبئة البضاعة المعبأة من المصنع فيها، ثم تنظر متى ستبحر؟ وتذهب شركة التأمين إلى مصلحة الأرصاد وتسأل عن هذا اليوم؛ فإن قالوا: والله عندنا أخبار عن عاصفة قادمة من الجهة الفلانية وسرعتها كذا كما هو في النشرة الإخبارية، وليس كما يظن بعض الناس أن النشرة الجوية تكهنات، لا، بل هي مبنية حقائق ونظريات علمية واقعية.
فمثلاً: المرصد الذي في جدة والذي في الهند ودونهما مراصد ما بين دلهي إلى جدة، فالمرصد الذي يلي الهند مباشرة يتلقى من المرصد الهندي أنه مرت بي عاصفة ورياح هوجاء سرعتها في الدقيقة كذا، وإذا استمرت في اتجاهها سوف تصلكم بعد كذا، فتصلهم على حسب التقدير، فيتصل هذا المركز بالذي بعده وهكذا إلى جدة مرت بنا عاصفة كذا سرعتها كذا، وإذا استمرت على هذا النحو سوف تصلكم وقت كذا، وهكذا يتناقلون الأخبار لا سلكياً، وعندما تنتهي إلى ما قبل جدة مركز جدة يعلن عنها.
إذاً: النشرة الجوية ليست تكهناً، وإنما هي عبارة تناقل للمعلومات من المراكز بعضها إلى بعض، فيكون ذلك تحذير للذين يعملون في البحر حركة البحر هائج حالة البحر هادئ والموج فيه كذا، على أي أساس هو في مكتبه من أجل الإخباريات من المراكز التي مرت بها العاصفة وهي في طريقها إليه.
فتأتي شركات التأمين إلى مصلحة الأرصاد وتسأل ماذا عندكم في طريق الإبحار من هنا إلى السعودية، فيعطونهم الأخبار، فإن وجدوا عواصف في هذا اليوم أو في ما بعده لمدة وصولها إلى جدة أوقفوا الرحلة، وإن وجدوا هدوءاً وأماناً أجازوا الرحلة، فتأتي الرحلة بسلامة الله وتأخذ شركة التأمين أجرتها، وكما يقول من كتب في عقود التأمين: أسلم وأول عقود التأمين هو التأمين البحري، كذلك تأمينها من القراصنة؟ هل هي سفينة محصنة قوية أو ضعيفة يمكن للقراصنة أن يأخذوها.
إذاً: كل هذا فيما يتعلق بركوب البحر.
فإذا قال رجل الآن لا تضع مالي في البحر، قال: البحر اليوم ليس مثل أمس مهلكة، البحر الآن أصبح مأموناً أكثر من البر؛ لأن قراصنة البحر تعجز عن السفينة الكبيرة، وقطاع الطريق في البر لا يعجزون عن القافلة بالإبل.
إذاً: لو قال: لا تضع مالي في البحر، وقالها بناءً على ما سبق نقول: النظر يختلف، ونقول: واجب العلماء أن ينظروا في الواقع الماضي والواقع الحاضر.
[ (أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه الدارقطني ورجاله ثقات] .
إن فعلت شيئاً من ذلك فقد أصبحت ضامناً بفعلك هذا، فإن وقعت هناك خسارة دفعتها، وإن لم تقع خسارة فأنت برضاك ضامن.
стр. 2349
اقتسام الشركاء مال المضاربة
قال المصنف ﵀: [وقال مالك في الموطأ: عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن جده: (إنه عمل في مالٍ لـ عثمان على أن الربح بينهما) ، وهو موقوف صحيح] .
هذا الأثر موقوف صحيح على عثمان، وهو خبر واضح، وأوضح من هذا ما يذكره العلماء عن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم.
أنهما كانا في الشام وكان أبو موسى الأشعري عامل هناك، وكانا في الثغر، فرغبا العودة إلى المدينة، فمرا بـ أبي موسى؛ ففي رواية أنه قال لهما: عندي مال أريد أن أبعثه إلى أمير المؤمنين عمر -أي: لبيت المال- أعطيكم إياه تشترون به تجارة وتبيعونها بالمدينة فتربحون وتسلموا رأس المال لـ عمر: ففعلا، فربحا وجاءا إلى عمر ودفعا إليه المال بالقدر الذي أخذوه من أبي موسى، فقال لهما: ما خبر هذا المال؟ فأخبراه بالخبر، فقال: ما الذي حمل أبو موسى على ذلك، وهل كل الجند أعطاهم مثل ما أعطاكما؟ قالا: لا.
قال: إذاً: قال في نفسه أنكما ابنا أمير المؤمنين وصانعكما، ردا المال بربحه، فسكت عبد الله وكان حيياً، وقال عبيد الله: ليس لك ذلك يا أمير المؤمنين، قال: ولم؟ قال: أرأيت لو هلك المال كنت ضمنتنا إياه أم لا؟ قال: بلى، قال: ما دمت كنت تضمننا إياه فالغرم بالغنم.
أي: ما دمنا سوف نضمنه لك عند التلف فلنا حق الربح كاملاً.
فقال أحد جلساء عمر رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين! اجعله بينك وبينهما قراضاً، يعني: مضاربة، ففعل وأخذ نصف الربح ورد عليهم نصف الربح.
فهذا إقرار من أمير المؤمنين عمر على المضاربة في المال، والمال مع من؟ مع أفراد لبيت مال المسلمين -يعني: مع الدولة- فلو أن بيت مال المسلمين أو جانب وزارة المالية أقرضت مؤسسة أو جماعة مبلغاً من المال يعملون فيه ولهم جزء من الربح فلا مانع في ذلك.
وكما أشرنا: إن مباحث شركة المضاربة فيها نواحٍ وجزئيات عديدة، ولعل هذا القدر يكفينا فيما أوردناه وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ .
وأقول: إن فقه المعاملات يحتاج -في نظري- كل عشر سنوات إلى ندوة علمية، لينظر في تطوراته وحاجة الناس إلى ما استجد من أنواع التعامل، فمعاملات كثيرة عديدة موجودة في الأسواق لا تأخذ طريقها السليم ولا ينبه عليها أحد، وبالله التوفيق.
стр. 2350
كتاب البيوع - باب المساقاة والإجارة [١]
من عقود المعاملات في الإسلام: عقد المساقاة والمزارعة، وهو عقد شبيه بعقد القراض من جهة اشتراك طرفي العقد في عمل واحد: أحدهما بماله، والآخر بجهده.
والعمدة في ذلك: حديث مساقاة الرسول ﷺ لأهل خيبر، حيث عاملهم على سقايتها على أن الثمرة بينهما مناصفة، وكان يخرصها عليهم عبد الله بن رواحة ﵁، على أن يلتزموا هم بكل ما من شأنه إصلاح النخل من سقي وتأبير وقطع للجريد وإصلاح للقنوات وغير ذلك.
следующие страницы →