← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

عدم وضع المال في مكان يحتمل فيه المضرة (لا تجعله في ذي كبد رطب ولا تنزل به بطن المسيل) . نهى الرسول ﷺ المسافر بالليل أن ينزل في بطن الوادي؛ لأن هذا فيه خطر عليه؛ لأن السيول من طبيعتها أن تأتي من محلات بعيدة وتمشي في بطن الوادي إلى أن تصل إلى محلات ما جاءها قطرة مطر واحدة، ولا غابت عنها الشمس، ولا سمعوا فيها رعداً، ولا رأوا فيها سحاباً، ويكون آتٍ عن بعد ربما مائة كيلو، ويكون هؤلاء نيام فيجرفهم، ولهذا نهى ﷺ أن يعرس المسافر في بطن الوادي أو على قارعة الطريق المطروقة نهاراً؛ لأن الهوام في الليل تخرج وتتتبع الطريق المطروقة نهاراً، لعل إنساناً سقط منه شيء، أو ألقى بشيء وهو يمشي من فضلات الطعام، أو أي شيء يصلح لتلك الهوام تأكلها، فهي تطلب هذا في الطريق الذي يسلكه الناس نهاراً؛ لأنه مظنة أن يسقطوا أو يلقوا شيئاً ربما أكلته هوام الأرض، فينهى إذا لم يكن ذي كبد رطب وكان يابساً، جئت من ينبع مثلاً أو رابغ بفحم أو بأقط أو بشيء من اليابسات، فهذه لا تعرس بها على قارعة الطريق مخافة عليك أنت، وعلى من معك من الغلمان، بل ابتعد عن الطريق الذي يسلكه الناس نهاراً، وإن فعلت فأنت ضامن.

стр. 2347

نفقة عامل المضاربة مسألة: وهنا في عمل العامل: هل لعامل المضاربة نفقة من مال المضاربة أم أن ونفقته على حسابه هو أم يأخذها من رأس مال الشركة؟ يتفقون على أن نفقته من رأس مال الشركة، ولكن بأي ميزان؟ هل بميزان الترف والسعة، ويضيع رأس المال في مصاريفه ينزل في أفخر (الفنادق) ، ويأكل أفضل الأطعمة، ويتوسع على حساب غيره؟ لا. وكذا هل يجتزئ بالتمر والماء؟ لا. إنما يأخذ النفقة بالمعروف، كما لو كان في سفره هذا لحسابه هو كيف سيعمل؛ سيجتزئ في الصباح بالعيش والفول، وفي الظهر بإدام وكذا ويكون مقتصداً في نفقته، وهكذا إما أن يقدر له رب المال مقداراً معيناً يومياً لنفقته، وإما أن يتركه لأمانته، فلا يسرف ويجحف برأس المال، ولا يبخل فيؤثر على نفسه؛ لأنه يجب أن يكون نشيطاً ويأخذ حقه. وهل يتبع نفقته الكسوة؟ فيكتسي من رأس المال ما دام في سفره؟ البعض يقول: الكسوة خارجة من النفقة، والبعض يقول: الكسوة جزء من النفقة، والبعض يفصل ويقول: إذا كانت سفرته هذه من الطول والزمن بحيث تبلى ثيابه قبل الشركة، فيستعيض عنها بجديد مثلها على حساب الشركة، أما إن كانت السفرة قصيرة ومثلها لا يكون لها أن تبلي الثياب التي يلبسها؛ فليس له كسوة. إذاً: النظر بالمعروف. وحينما تكون البضاعة التي يعمل فيها العامل تحتاج إلى عمال؛ لأنها بالات وأكياس كبيرة والعامل لا يقوى على حملها، أو تحتاج إلى التحميل في السيارة من مكان مشتراها وتنزيل من السيارة في مستودعاتها فأجرة الحمال من عمل العامل أو من رأس المال؟ قالوا: من رأس المال، وكذا إن كانت تحتاج التجارة إلى مستودع تحفظ فيه إلى أن يصرفها؛ فأجرة المستودع هذا من المال وإن كان لرأس المال مستودعاً فيستعمله، وإن لم يكن له استأجر بالمعروف من رأس المال. وإذا كان عند التصريف والبيع السلعة نافقة والزبائن كثر واحتاج إلى من يعمل معه لسرعة إنجاز تصريفها، فيستأجر عمالاً معه، وأجرة العامل عليه هو من حصته أو على مصلحة التجارة، ويكون من رأس المال؟ وإذا جاء العامل ورأى الربح والعمل وقال: أنت جعلت لي الربح مناصفة، ونحن الحمد لله وجدنا خيراً كثيراً، أريد أن تجعل لي شيئاً مقطوعاً خارجاً عن النصف، يعني: يومياً خمسة أو عشرة ريال أو شهرياً ألف ريال مثلاً، قال: وحصتك من الربح النصف، قال: معها. أيجوز له ذلك أو لا يجوز؟ أجمعوا على أنه لا يجوز للعمال أن يشترطوا نقداً معيناً، فإذا اشترط العامل لنفسه نقداً معيناً دون حصته من الربح، قال: أنا ما أدري الربح كم يكون: كثير قليل. ولكن أريد منك مبلغاً يومياً أو شهرياً كذا، فحينئذٍ لا يكون عقد شراكة بل يكون عقد إجارة، ويكون الربح كله لصاحب المال، وللعامل ما اشترطه من المبلغ المقطوع، ولا عليه ربحت أو خسرت. هذه أهم أطراف نواحي شركة المضاربة، وما يجوز فيها من الشروط وما لا يجوز، وهنا حكيم بين لنا العلة في ذلك، وله الحق في ذلك.

стр. 2348

حكم ركوب البحر للتجارة في الحاضر والماضي [ولا تحمله في بحر] . هنا نظر للمجتهد، ويجب على العلماء اتخاذ الاجتهاد والاستنباط والنظر، هل هذا الشرط يمكن أن يعمل به في الوقت الحاضر أم لا؟ لا تتسرع وتقول: نعم أو لا، يجب على طالب العلم الآن وعلى العلماء والهيئات العلمية التي تعقد الندوات أو المؤتمرات إذا نظرت في مثل هذا أن تكون ذا بصيرة هل استخدام البحر في ذاك الوقت هو عين استخدام البحر في هذا الوقت؟ هناك نصوص سابقة لمن كان ينهى عن ركوب البحر للحج لأنه مجازفة وخطورة، ونحن نقول: إن ركوب البحر ترجع طبيعته إلى الآلة التي تركب، فإنسان يأتي من السودان إلى جدة يعبر البحر عرضاً، بواسطة لنش، أو لنش شراعي، هل هو كمثل من يأتي في باخرة تمخر العباب؟ لا، يمكن هذا اللنش الصغير يأتيه سمك القرش ويأخذه من النصف، لكن من في باخرة كبيرة ينام ويلعب، وحتى لو أراد السباحة فهناك حوض سباحة في الباخرة. مدينة تتحرك، فهل خطورة البحر في ذاك التاريخ مع السفن الشراعية موجودة الآن مع البواخر الآلية التي تمشي بطاقة البخار أو الاحتراق الداخلي بالديزل أو غيرها، وهذا الجرم الكبير كالأعلام، أعتقد أن الخطورة ليست واحدة، والوضع يختلف، فإذا قال: لا تضع مالي في بحر، نقول: إن كنت تخاف عليه من السفينة الشراعية التي يقف عنها الهواء وتغرق، أم من القرصنة في البحار فهذا أمر انتهى. وهذه كانت مهمة البريطانيين، بريطانيا قبل أن تصبح دولة متحضرة كانوا قراصنة في البحار يقطعون الطريق على السفن، فإذا كان الطريق فيه القراصنة يأخذون البواخر قهراً ويسلبون ما فيها. فله حق، وإذا كانت هناك تأمينات بحرية؛ لأن الحاصل الآن: أنه لا تبحر سفينة من ميناء ببضاعة إلا وهي مؤمن عليها، وكيف يؤمن عليها؟ يقولون: أول عقود التأمين في العالم التأمين البحري، يأتي التاجر ويشتري السلعة من لندن، وتريد الجهة المصدرة تصدير البضاعة إلى جدة؛ لأن الشرط في عقد البيع: إما تسليم محلي أو تسليم إلى ميناء المشتري، فتتعهد الجهة البائعة بإيصال السلعة إلى ميناء المشتري، فإذا كان التوصيل على حساب المشتري فشركة التأمين البحري مهمتها أن تأخذ عقد الشراء وتذهب إلى المصنع الذي باع وتتابع تعبئة السلع في الصناديق، وهل هذه التعبئة سليمة أو ليست سليمة، فإن كانت البضاعة من زجاج لابد لها من تغليف ومحافظة. فتقف وتشرف على تعبئتها تعبئةً سليمة، فإذا انتهت من التعبئة وتريد أن تشحنها في الباخرة المبحرة إلى جدة، تنظر أي البواخر التي اختارها المصنع، وهل هي جديدة قوية تعبر المحيطات أم هي مخلخلة ليست قوية معرضة للانفصال أو الانكسار أو الانشطار، فإن كانت صالحة سمحت شركة التأمين بتعبئة البضاعة المعبأة من المصنع فيها، ثم تنظر متى ستبحر؟ وتذهب شركة التأمين إلى مصلحة الأرصاد وتسأل عن هذا اليوم؛ فإن قالوا: والله عندنا أخبار عن عاصفة قادمة من الجهة الفلانية وسرعتها كذا كما هو في النشرة الإخبارية، وليس كما يظن بعض الناس أن النشرة الجوية تكهنات، لا، بل هي مبنية حقائق ونظريات علمية واقعية. فمثلاً: المرصد الذي في جدة والذي في الهند ودونهما مراصد ما بين دلهي إلى جدة، فالمرصد الذي يلي الهند مباشرة يتلقى من المرصد الهندي أنه مرت بي عاصفة ورياح هوجاء سرعتها في الدقيقة كذا، وإذا استمرت في اتجاهها سوف تصلكم بعد كذا، فتصلهم على حسب التقدير، فيتصل هذا المركز بالذي بعده وهكذا إلى جدة مرت بنا عاصفة كذا سرعتها كذا، وإذا استمرت على هذا النحو سوف تصلكم وقت كذا، وهكذا يتناقلون الأخبار لا سلكياً، وعندما تنتهي إلى ما قبل جدة مركز جدة يعلن عنها. إذاً: النشرة الجوية ليست تكهناً، وإنما هي عبارة تناقل للمعلومات من المراكز بعضها إلى بعض، فيكون ذلك تحذير للذين يعملون في البحر حركة البحر هائج حالة البحر هادئ والموج فيه كذا، على أي أساس هو في مكتبه من أجل الإخباريات من المراكز التي مرت بها العاصفة وهي في طريقها إليه. فتأتي شركات التأمين إلى مصلحة الأرصاد وتسأل ماذا عندكم في طريق الإبحار من هنا إلى السعودية، فيعطونهم الأخبار، فإن وجدوا عواصف في هذا اليوم أو في ما بعده لمدة وصولها إلى جدة أوقفوا الرحلة، وإن وجدوا هدوءاً وأماناً أجازوا الرحلة، فتأتي الرحلة بسلامة الله وتأخذ شركة التأمين أجرتها، وكما يقول من كتب في عقود التأمين: أسلم وأول عقود التأمين هو التأمين البحري، كذلك تأمينها من القراصنة؟ هل هي سفينة محصنة قوية أو ضعيفة يمكن للقراصنة أن يأخذوها. إذاً: كل هذا فيما يتعلق بركوب البحر. فإذا قال رجل الآن لا تضع مالي في البحر، قال: البحر اليوم ليس مثل أمس مهلكة، البحر الآن أصبح مأموناً أكثر من البر؛ لأن قراصنة البحر تعجز عن السفينة الكبيرة، وقطاع الطريق في البر لا يعجزون عن القافلة بالإبل. إذاً: لو قال: لا تضع مالي في البحر، وقالها بناءً على ما سبق نقول: النظر يختلف، ونقول: واجب العلماء أن ينظروا في الواقع الماضي والواقع الحاضر. [ (أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه الدارقطني ورجاله ثقات] . إن فعلت شيئاً من ذلك فقد أصبحت ضامناً بفعلك هذا، فإن وقعت هناك خسارة دفعتها، وإن لم تقع خسارة فأنت برضاك ضامن.

стр. 2349

اقتسام الشركاء مال المضاربة قال المصنف ﵀: [وقال مالك في الموطأ: عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن جده: (إنه عمل في مالٍ لـ عثمان على أن الربح بينهما) ، وهو موقوف صحيح] . هذا الأثر موقوف صحيح على عثمان، وهو خبر واضح، وأوضح من هذا ما يذكره العلماء عن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم. أنهما كانا في الشام وكان أبو موسى الأشعري عامل هناك، وكانا في الثغر، فرغبا العودة إلى المدينة، فمرا بـ أبي موسى؛ ففي رواية أنه قال لهما: عندي مال أريد أن أبعثه إلى أمير المؤمنين عمر -أي: لبيت المال- أعطيكم إياه تشترون به تجارة وتبيعونها بالمدينة فتربحون وتسلموا رأس المال لـ عمر: ففعلا، فربحا وجاءا إلى عمر ودفعا إليه المال بالقدر الذي أخذوه من أبي موسى، فقال لهما: ما خبر هذا المال؟ فأخبراه بالخبر، فقال: ما الذي حمل أبو موسى على ذلك، وهل كل الجند أعطاهم مثل ما أعطاكما؟ قالا: لا. قال: إذاً: قال في نفسه أنكما ابنا أمير المؤمنين وصانعكما، ردا المال بربحه، فسكت عبد الله وكان حيياً، وقال عبيد الله: ليس لك ذلك يا أمير المؤمنين، قال: ولم؟ قال: أرأيت لو هلك المال كنت ضمنتنا إياه أم لا؟ قال: بلى، قال: ما دمت كنت تضمننا إياه فالغرم بالغنم. أي: ما دمنا سوف نضمنه لك عند التلف فلنا حق الربح كاملاً. فقال أحد جلساء عمر رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين! اجعله بينك وبينهما قراضاً، يعني: مضاربة، ففعل وأخذ نصف الربح ورد عليهم نصف الربح. فهذا إقرار من أمير المؤمنين عمر على المضاربة في المال، والمال مع من؟ مع أفراد لبيت مال المسلمين -يعني: مع الدولة- فلو أن بيت مال المسلمين أو جانب وزارة المالية أقرضت مؤسسة أو جماعة مبلغاً من المال يعملون فيه ولهم جزء من الربح فلا مانع في ذلك. وكما أشرنا: إن مباحث شركة المضاربة فيها نواحٍ وجزئيات عديدة، ولعل هذا القدر يكفينا فيما أوردناه وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ . وأقول: إن فقه المعاملات يحتاج -في نظري- كل عشر سنوات إلى ندوة علمية، لينظر في تطوراته وحاجة الناس إلى ما استجد من أنواع التعامل، فمعاملات كثيرة عديدة موجودة في الأسواق لا تأخذ طريقها السليم ولا ينبه عليها أحد، وبالله التوفيق.

стр. 2350

كتاب البيوع - باب المساقاة والإجارة [١] من عقود المعاملات في الإسلام: عقد المساقاة والمزارعة، وهو عقد شبيه بعقد القراض من جهة اشتراك طرفي العقد في عمل واحد: أحدهما بماله، والآخر بجهده. والعمدة في ذلك: حديث مساقاة الرسول ﷺ لأهل خيبر، حيث عاملهم على سقايتها على أن الثمرة بينهما مناصفة، وكان يخرصها عليهم عبد الله بن رواحة ﵁، على أن يلتزموا هم بكل ما من شأنه إصلاح النخل من سقي وتأبير وقطع للجريد وإصلاح للقنوات وغير ذلك.

стр. 2351

أحكام المساقاة [عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) ، متفق عليه. وفي رواية لهما: (فسألوه أن يقرهم بها على أن يكفوه عملها ولهم نصف التمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر ﵁ . ولـ مسلم: (أن رسول الله ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم، ولهم شطر ثمرها) . وعن حنظلة بن قيس ﵁ قال: (سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به) ، رواه مسلم. وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض] . بعد كتاب القراض يأتي المؤلف ﵀ بكتاب المساقاة؛ لما بين القراض والمساقاة من مشاكلة، وصورتهما تكاد أن تكون واحدة؛ لأن العامل في القراض يأخذ رأس المال من صاحبه، ويعمل فيه على جزء من الربح، وفي المساقاة يأخذ العامل من صاحب الغرس غرسه ويعمل فيه على جزء من الثمرة، فكلاهما مشاركة في عمل، أحدهما برأس مال، والآخر بجهده، والربح أو النتيجة بينهما.

стр. 2352

مشروعية المساقاة والمزارعة وما تصح فيه المساقاة كما ذكر المؤلف عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: مأخوذة من السقي. قالوا: لأن أرض الحجاز ماؤها قليل، والسقي ضروري في زرعها، بخلاف أهل الأمصار الأخرى، فقد تكون عندهم الأنهار والعيون، والمياه لديهم متوافرة، فلا تحتاج إلى كلفة في السقي. أما في الحجاز فإن المياه قليلة، وتحتاج الزراعة فيها إلى جهد في سقيها، والسقي أهم كلفة الزراعة في الحجاز، فقد يعجز صاحب النخل أو الشجر أن يقوم عليها بمئونتها حتى تأتي الثمرة، ويكون هناك شخص آخر لديه خبرة واستعداد، فيقوم في هذا النخل أو غيره بالسقي وما يلزمه لإنتاج الثمرة على جزء مما يأتي به الأصل. إذاً: هناك مناسبة قوية بين القراض والمساقاة، فالقراض ربما صاحب المال لا يحسن استثماره، ويكون هناك شخص يحسن الاستثمار وليس عنده رأس ماله، فيتعاونان معاً ويتبادلان المنفعة، وكذلك صاحب الزرع أو الغرس قد لا يكون قادراً على مواصلة العمل فيه، ويوجد شخص آخر لديه خبرة، ويستطيع أن يقوم بالعمل فيه، فيتبادلان المنفعة. والأصل في هذه المعاملة ما ذكره عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن الرسول ﷺ عامل أهل خيبر) ، أو هم طلبوا منه أن يقرهم عليها، والثمرة بينهما مناصفة. وفقهاء الأمصار جميعاً يقرون هذا النوع من المعاملة على اختلاف في نوع الشجر، فهناك من يقول: لا تكون المساقاة إلا في النخل. وهذا قول ابن حزم، وهناك من يقول: المساقاة في كل شجر له ثمر، كما قال مالك ﵀، كما في الكرْم والرمان والتين والفرسك -الخوخ- والمشمش، والحنابلة يقولون: يصح في كل غرس ثابت الأصل له ثمر. ويختلفون في الشجر الذي لا ثمر له، إلا إذا كان له وسيلة انتفاع من غير الثمر كالورق، فمثلاً شجرة الحناء والتوت، فورق الحناء يستعمل خضاباً، وورق التوت يستعمل غذاء لدود القز، وهكذا إذا كانت هناك فائدة يمكن أن يستفيد منها العامل من جراء سقيه لهذا النوع من الشجر فلا بأس، أما ما لا ثمرة له بالكلية فلا تصح المساقاة فيه؛ لأن المساقاة عمل على جزء من الثمرة التي تحصل، فإذا كان الشجر لا ثمرة له؛ فحينئذ ليست هناك مساقاة.

стр. 2353

فتح خيبر ومعاملة الرسول لأهلها يذكر العلماء في موضوع مساقاة خيبر: هل فتحت خيبر عنوة أم صلحاً؟ وهل كانت ملكاً لرسول الله ﷺ لأنه افتتحها عنوة واكتسبها، أو كانت صلحاً بينه وبين أهلها؟ يطيل ابن عبد البر ﵀ الكلام في هذه المسألة في الاستذكار؛ لأن خيبر كانت حصوناً متعددة، فبعض الحصون فتحت عنوة وبالقوة، وبعض الحصون نزل أهلها عنها حقناً لدمائهم. إذاً: منها ما فتح عنوة، ومنها ما فتح صلحاً، ومما فتح عنوة حصن الكتيبة، كان يقال عنه: فيه أربعون ألف عذق -أي: أربعون ألف نخلة- ولأنه فتح عنوة؛ فالرسول ﷺ امتلكه، حتى قالوا: أهله أصبحوا عبيداً لرسول الله، والأرض أصبحت ملكاً لرسول الله، ولهذا كان ﷺ يبعث الخارص يخرص عليهم ليأخذ نصف الثمرة على ما صالحهم عليه أو ما أقرهم فيه. وكان فتح خيبر عام سبعة من الهجرة بعد العودة من صلح الحديبية بليال -قيل: عشرون ليلة- ولهذا قسم رسول ﷺ خيبر -عند من يقول: قسمها- على أهل الحديبية؛ لأن الله قد أعطاهم إياها في الطريق في العودة من الحديبية ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح:٢٠] ، فقالوا: المغانم التي وعدهم الله إياها هي فتح خيبر، وعلى كلٍ فكلُ من حضر الغزوة من الصبيان أو النساء أو العبيد أو ممن ذهب في رفقة الجيش يسترزق فقد قسم له رسول الله. حاصر النبي ﷺ خيبر ليال، ثم فتحها الله عليه، فلما فتح الله عليه خيبر هنا بدت مدينة فيها أشجار، يكفي أن حصناً منها يتبعه أربعون ألف عذق، فإذاً يحتاج إلى عمل، وأصحاب رسول الله ﷺ ليسوا متفرغين للفلاحة، وإنما سيوفهم بأيديهم، ففطن اليهود لذلك وقالوا: يا محمد! أبقنا فيها نعملها لك، فأنتم لستم أهل خبرة بالأرض وبطبيعتها وطريقة استثمارها، ولو كانت لكم بها خبرة فليس عندكم الوقت الكافي لزراعتها، أما المهاجرون جاءوا فليسوا أهل زراعة ولا نخيل، ولكن أهل تجارة وقتال، فأجابهم النبي ﷺ : (نقركم فيها -هذا اللفظ متفق عليه- على ما شئنا - وفي رواية: على ما شاء الله-) ، ومشيئة رسول الله لا شك أنها من مشيئة الله، فأقرهم عليها، ومكثوا فيها بقية وجود النبي ﷺ من سنة سبع وطيلة خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفترة من خلافة عمر، حتى أجلاهم عمر عنها سنة سبعة عشر، وكان سبب إجلائهم عنها ما كان قد صدر من النبي ﷺ في أخريات حياته صلوات الله وسلامه عليه: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) ، وهذه كلمة إن قلت سياسية أو تشريعية فمدلولها واسع جداً، نأتي إليها إن شاء الله بعد الكلام على المساقاة والمزارعة.

стр. 2354

حكم الأرض البياض في المساقاة لما أقر النبي ﷺ أهل خيبر على أرضهم يقومون في غرسها وزرعها، أقرهم على أصولها وبياضها. الأصول: الأشجار المغروسة، والبياض: الأرض التي بين الأصول ليس فيها غرس. وإعطاء الأصول على جزء من الثمر هو المساقاة؛ لأن العمل الرئيسي هو سقي هذه الأصول، وإعطاء الأرض البيضاء التي لا غراس فيها على جزء مما يخرج منها يسمى المزارعة؛ لأن الذي يأخذ الأرض البيضاء يزرع من جديد. ومالك له مباحث في البياض مع الأصول؛ فإذا كانت الأرض فيها نخيل وأشجار يساقى عليها، ويوجد بين هذه الأشجار أرض بيضاء، لمن ثمرة هذه الأرض إذا ساقى صاحب الأصول عليها؟ يقول مالك ﵀: إذا كان البياض الثلث فأقل فهو تابع للأصول، وللعامل أن يزرعها لنفسه، وإذا كان البياض أكثر من الثلث، بأن كان الغرس الثلث والبياض الثلثين فهو لصاحب الأرض. وهل يزارع المزارع عليها مع الأصول فتكون مساقاة في الأصول ومزارعة في الأرض البيضاء، أم لا يكون ذلك؟ قال: على حسب الشرط، ما يتفق عليه صاحب الأرض والداخل؛ أي: الذي سوف يعمل في المساقاة أو المزارعة يسمونه الداخل. وإذا أعطاه الأرض البيضاء يعمل فيها مع الأصول، كلفة العمل في الأرض البيضاء كالبذر والحرث وما تحتاجه على صاحب الأرض أو على العامل؟ الجمهور على أنها على العامل. والأئمة الثلاثة ﵏ يجيزون المساقاة في كل شيء، وبعضهم يقتصر على النخل فقط؛ قالوا: لأنه الذي جاء فيه الرخصة؛ لأن المساقاة خرجت عن القاعدة العامة؛ لأن فيها غرر على العامل، ولا يدري ماذا سيحصل من تعبه طوال السنة، لكن تسومح فيها لأنها رخصة، والرخصة لا تتعدى محلها، والإمام أبو حنيفة ﵀ منع المساقاة بالكلية، قال: لأنها نسخت بالمزابنة -المدافعة- كل يدفع عن نفسه الغرر. والجمهور يقولون: هذا فعل رسول الله ﷺ ، واليهود قبلت بالعمل فيها بجزء مما يخرج منها. وخالفه أبو يوسف ومحمد، أما أبو حنيفة وزفر فيقولان: لا تصح المساقاة؛ لأن فيها الغرر. إذاً: نستطيع أن نقول بجواز المساقاة عند المذاهب الأربعة.

стр. 2355

مشروعية الخرص ووقته كان رسول ﷺ يرسل عبد الله بن رواحة ليخرص التمر على يهود خيبر، وهل الخرص كان للمشاركة: نصف لليهود ونصف للمسلمين، أم أن الخرص كان للزكاة؟ مالك يعارض في قسمة الثمرة على الشجر في المعاوضات، ويجيزها في الزكاة، وكذلك أبو حنيفة لا يرى الخرص في الشجر، ويقول: إن هذا مبني على التخمين وعدم اليقين، فلا حاجة إلى قسم الثمرة على الشجر، بل ينتظر بها إلى الجذاذ وتقسم بالكيل، حتى لا يكون هناك غرر. والجمهور يردون على من يمنع الخرص قائلين: إن الخرص وإن كان تقديراً فإنكم تقرون التقدير في غير الخرص، مثل قيم المتلفات، فإذا أتلف إنسان شيئاً لآخر وليس من المثليات: سيارة، أو بعيراً، ماذا سيلزم على المتلف فيما أتلف؟ يلزمه القيمة، وهل هناك مقياس يحددها؟ لا، فالمثليات في المكيل والموزون يمكن أن يكون مقارباً للحقيقة، صاع تمر أو صاع بر، الصاع يحكم بين الاثنين، أما لو كان بعيراً فلو جئت بمائة بعير لا تجد اثنين يتساويان في كل شيء، ولهذا تجد المائة بعير تختلف قيمها لاختلاف هيكلها، لونها، بدانتها، نحافتها. إذاً: يرجع إلى التقدير، والتقدير من الخرص والاجتهاد، وإذا كنتم تقرونها في بدل المتلفات فلم لا تقرونها في قسمة الشركات؟! ومن منع الخرص بين الشركاء قال: إن ابن رواحة ﵁ إنما كان يذهب ويخرص على اليهود للزكاة -وهي حق للمساكين- وليس للقسمة بين رسول الله وبين اليهود، ولكن إذا جئنا إلى أخبار ابن رواحة نجد أنه كان يخرص للقسمة، كما ذكر مالك ﵀ في الموطأ: أن ابن رواحة لما أتى اليهود ليخرص عليهم جمعوا له من حلي نسائهم، وقالوا له: هذا لك أنت هدية، وخفف عنا في الخرص. يعني: إن كان المجموع ألف وسق سيلزمنا خمسمائة، فاجعله ثمانمائة ويلزمنا أربعمائة فقط، فهنا قال ابن رواحة كلمته المشهورة: والله يا إخوة الخنازير لأنتم أبغض خلق الله إلي، وقد جئتكم من أحب خلق الله عندي، وما ذلك -يعني: بغضي لكم وحبي لرسول الله- بحاملي أن أحيف بكم: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة:٨] لا ترتكبوا الجرم وتميلوا وتظلموا لا، بل اعدلوا: ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ﴾ [المائدة:٨] ، أي: العدل ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] ، فقالوا: يا ابن رواحة! بهذا قامت السماوات والأرض. (بهذا) يعني: بالعدل وعدم قبول الرشوة. وفي بعض الروايات قال لهم: وإن هذا سحت لا نأكله، ثم قال لهم وأنصفهم بكلمة الواثق من نفسه: إني خارص؛ فإن شئتم فخذوا، وإن شئتم فارفعوا أيديكم. بمعنى: إني خارص؛ فإن قدرتُ قدراً معيناً إما أن تلتزموا بنصفه تؤدونه لرسول الله، وإما أن ترفعوا أيديكم وأنا أضمن لكم نصفه أسلمه إليكم. هل في هذا حيف؟ لا، كأن تقول: يا فلان! أنا أقسم وأنت تختار، أو اقسم أنت وأنا أختار. إذاً ما هناك حيف. فلو أنه كان يخرص للزكاة ما الذي كان يحمله على هذا أو يحملهم هم على ذاك؟ إذاً: فإنما كان يخرص من باب القسمة، وبيان حق الطرفين، ولم ينتظروا جفاف التمر وأن يأتي موعد الجذاذ ليكيلوه؟ قالوا: الخرص سواء في الزكاة أو المساقاة فإنما هو عقد إرفاق بالعامل، وفي الزكاة حفظ لحق المساكين، لذ لا يكون الخرص إلا بعد بدو صلاح الثمرة، ولو تركت حتى الجذاذ ربما العامل أو صاحب النخل يسرف في الأكل أو الهدايا، وربما يبيع رطباً، ثم في النهاية نجد أن الذي وصل إلى حد الجذاذ ربع الثمرة، أين صار حق المساكين؟ فإذا خرص عليه بأن هذا البستان فيه مائة نخلة، والنخل يتفاوت كيلها ما بين كذا وكذا وسقاً أو صاعاً، والمجموع كذا، وأنه يلزمه العشر أو نصف العشر، ويتركه بينه وبينه، إن شاء أكله، وإن شاء جامل به، إن شاء باعه رطباً، يهمنا: أن يقدم لنا العشر أو نصف العشر بحسب تقدير الخارص. والرسول ﷺ راعى مصلحة الزارع، قال: (اتركوا الربع أو الثلث؛ لما يسقطه الريح، ولما تسقطه الطيور، وبما يرده الضيف ويكارم به، وبما يأكل به العامل) فالرسول سامح أصحاب البساتين في هذه النواحي الإنسانية أو في غير الطاقة، إذا كان الريح يسقط كل يوم مثلاً عشرة؛ ولأن الطيور تأتي وتنقي وتختار أحسن ثمرة وتأخذ حظها منها وتتركها، ولأن الضيف كذلك يأتي ينظر ونحن نقول له: والله هذا حق المساكين! لا، ولكن نكارم ونعطيه، لا نقلل المروءة في الناس، وهكذا أولاده، يتطلعون إلى الثمر ونحن نمنعهم حتى يأتي وقت الجذاذ من أجل الزكاة؟ لا، بل تخرص عليه، ويعرف ما يجب في زكاتها، ثم يلتزم بذلك ويؤديه في النهاية. إذاً: كان خرص عبد الله بن رواحة ﵁ على أهل خيبر للقسمة وليس للزكاة، فما دام الأمر كذلك، والرسول ترك النخل لأهل خيبر يعملونه، ثم يرسل من يخرصه عليهم ويستوفي حقه، وثلاث سنوات في حياة رسول الله ﷺ ، وسنتان في خلافة أبي بكر، ومدة من خلافة عمر رضي الله تعالى عنهم. بعد هذا هل نقول: إن المساقاة منسوخة؟! إن النسخ لا يكون إلا في عهد رسول الله؛ لأن النسخ تشريع جديد، وليس بعد رسول الله وحي ولا تشريع، وليس لأحد بعده أن ينسخ ما شرع رسول الله ﷺ . إذاً: المساقاة ثابتة، وهي على ما اتفق عليه صاحب المال والعامل.

стр. 2356

حقوق العامل وواجباته في عقد المساقاة [عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) ، متفق عليه. وفي رواية لهما: (فسألوه أن يقرهم بها على أن يكفوه عملها، ولهم نصف التمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : نقركم بها على ذلك ما شئنا. فقروا بها حتى أجلاهم عمر ﵁ . ولـ مسلم: (أن رسول الله ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم، ولهم شطر ثمرها) ] . عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر عليها على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، الزرع للأرض البيضاء بين الأصول، وقد تكون هناك أراض زراعية ليس فيها من الغرس أي شيء، فيزرعونها على حدة، ويسقون النخل على حدة، ويزرعون البياض بين النخل تبعاً للنخل، وكل ذلك عاملهم عليه رسول الله ﷺ بجزء مما يخرج من الثمرة في الأصول، ومن الحبوب في الأرض البيضاء.

стр. 2357

الأصول التي تصح فيها المساقاة أي الأصول تصح فيها المساقاة؟ قيل: لا تصح إلا في النخل خاصة. وقيل: في كل شجر له ثمر. وكذلك الأرض البيضاء يزرعونها تبعاً للنخل والأشجار، أو على حدة، وإن كانت البيضاء بين الأصول الثلث فأقل فهي تابعة للأصول، وإن كانت أكثر والغرس ثلث فأقل فالأرض فهي تابع مستقل بذاتها. وأي الزروع التي تصح فيها المزارعة؟ قيل: الحبوب: البر والشعير وما يتبعه. وقيل: كل ما يزرع حتى الخضروات، حتى نص مالك على القثاء وما شاكلها فإنها تدفع للعامل يعمل فيها بالمزارعة، ولكن في غير خيبر إذا دفع صاحب الأرض الأرضَ لمن يعمل فيها زرعاً، قال: لا تكون مزارعة على جزء مما يخرج منها إلا إذا كان صاحب الأرض قد حرث وبذر، وبدأ الزرع ينبت، وعجز صاحبه أن يوالي العمل فيه للنهاية، فله أن يزارع عليه أحد العمل، أما أن يأتيه والأرض بيضاء ويقول له: اعمل فيها على ما يخرج منها، فـ مالك يمنع من هذا، وغيره يجزيه، والذي يمنع يقول: لأنه مجهول، ولا يدري ما الذي سيحصل عليه. فيقال لهم: المساقاة على مجهول ولا يعلم ما الذي سيحصل عليه.

стр. 2358

ما يجب على العامل فعله في عقد المساقاة ويتفقون على أن العامل ملزم بكل عمل من شأنه مصلحة الثمرة، فمثلاً: إذا كان النخيل عليه جدار، فانثلم الجدار في مكان ما، فعلى العامل إصلاحه لا أن يبني جداراً جديداً لم يكن موجوداً على الأرض؛ لأن هذا ملك لصاحب الشجر، وليس لصاحب الشجر مصلحة دائمة بدوام هذا البناء الذي سيبنيه؛ لأنه إن ساقاه سنة أو سنتين فبناء السور يظل عشرات السنين، فيكون صاحب الأرض استفاد من العامل ما ليس له فيه حق. وكذلك على العامل أن ينقي العين -القناة- كما كانت العين في أحد والخيف -خيف السيد، خيف فلان- كانت من جبل أحد إلى الغابة، هذه كلها خيوف ماء يسيل على وجه الأرض يقتسم أهل البساتين الماء بالوجبة على نظام عندهم في ذلك، فإذا احتاج مجرى هذا الخيف إلى ترميم أو إصلاح، أو انصدع الجدار من الجانب، أو نبت من الحشيش ما يسد الماء ويرده، فعلى العامل تنظيف ذلك، وليس عليه إجراء عين جديدة، وليس عليه حفر بئر من جديد، ولكن عليه إصلاح البئر القائمة. لا مانع في ذلك كله. وعلى العامل أن يحضر آلات السقي، إن كان بالسواني فبالسواني، وإن كان بالمكائن -كما هو الآن- فالبمكائن، وإذا كان في البستان عمال أو عبيد أو رقيق ملكاً لصاحبه، وأراد العامل أن يأخذ الرقيق مع الأصول، قالوا: إن كانت النخيل كبيرة وتحتاج إلى مساعدة أخذ، وإن كانت صغيرة لا تحتاج إلا لشخصه هو فليس له أن يأخذ. الذي يهمنا: أن ما فيه مصلحة الثمرة فهي على العامل، فإذا كانت المساقاة سنوات فعليه في أول السنة تأبير النخل، وقطع الجريد، وإصلاح الأحواض للنخلة للماء وللشرب. وغير ذلك، وكذلك الأشجار المثمرة: عليه تقليم شجر العنب؛ لأنه يحتاج إلى تقليم ما يبس منه كل سنة، وكذلك أشجار الفاكهة الأخرى إذا احتاجت إلى تقليم الزوائد فيها لينشط الجذع في تغذية الثمرة الجديدة. ثم إذا جاء وقت الجذاذ فعلى العامل أن يجذ الثمرة، وينزلها البيدر حتى تجف، ثم بعد ذلك يقتسمونها. [وفي رواية لهما: فسألوه أن يقرهم بها على أن يكفوه عملها ولهم نصف التمر] . الرواية تدور بين كون النبي ﷺ هو الذي أقرهم ابتداءً، وبين أنهم هم الذين طلبوا منه أن يقرهم، وسواء كان ذلك ابتداء من الرسول ﷺ ، أو استجابة لطلبهم، فالنتيجة واحدة، وهي: أنهم عاملوه على جزء من الثمرة.

стр. 2359

مدة عقد المساقاة [فقال لهم رسول الله ﷺ : نقركم بها على ذلك ما شئنا] . ما هي هذه المشيئة؟ هل اليهود علموا متى تنتهي تلك المشيئة، أم أنه أجل مجهول؟ مجهول؛ لأن اليهود لا يعلمون متى تكون مشيئته بإخراجهم، وهنا قالوا: هل يتعين في المساقاة تعيين مدة العمل، أو تصح بغير تعيين؟ فمن قال: تصح بغير تعيين أخذ دليله من هذه اللفظة: (ما شئنا) إذ ليس فيها تحديد زمن معين، ولهذا مكثوا فيها إلى جزء من خلافة عمر، فمن الممكن أنهم كانوا يتوقعون كل سنة إجلاءهم، فكان العمل على غير مدة معينة. وهناك من يقول: لابد من تعيين المدة. والواقع أننا لا نستطيع أن نتحكم على ما جاءنا من الروايات، ولا توجد رواية -فيما أعلم- أن الرسول حدد لهم المدة: سنة أو سنتين أو أكثر أو أقل.

стр. 2360

ما يترتب على فسخ عقد المساقاة يتفق العلماء على أن صاحب الزرع إذا أعطى العامل غرسه ليعمل فيه فعمل، ثم بدت الثمرة، ولما يحن وقت الخرص، وأبر النخل فقط، ثم جاء صاحب النخل وقال: فسخت عقد العمل بيني وبينك. فمن حقه ذلك، وكذلك من حق العامل أن يأتي في وقت معين ويقول: فسخت العقد بيني وبينك. في هذه الحالة إذا جاء الفسخ من جانب صاحب المال ماذا يكون للعامل فيما مضى من عمله في هذه السنة؟ بدأ العامل العمل من بعد الجذاذ للثمرة التي مضت، أي: من بداية سنة جديدة، فسقى النخل، وقطع الجريد، وأبر النخل ونظف القناة، وأصلح السور. إلخ، كل هذا عمله على أنه سوف يستمر إلى آخر السنة، فجاء صاحب النخل وقطع عليه المشوار، فإذا جاء الفسخ من جانب صاحب النخيل فعليه أن يدفع أجرة العامل فيما عمل من أول السنة من بعد الجذاذ الأخير إلى يوم أن ألغى عقده؛ لأنه يعمل على وجه شرعي، وصاحب المال هو الذي ألغى العقد، إذاً: يتحمل مسئولية ذلك. أما إذا جاء الإلغاء من جانب العامل فهو الذي أبطل حقه، ولا حق له في المطالبة بما عمل، لا حق التأبير ولا قطع الجريد ولا تنظيف النهر ولا تصليح الدولاب ولا ترميم السور كل ما عمله أسقط حقه فيه بتركه العمل اختياراً. حدد المدة في المساقاة فيلتزم الطرفان بها، وإذا أراد أحد الطرفين أن يقطع المدة فيلتزم بالمسئولية، أو كانت المساقاة بغير أجل مسمى فكل على طريقه، فإن جاء صاحب المال وألغى العقد أو أوقف عمل العامل فيتحمل له بما يستحقه كأجير، وإذا ألغى العامل العقد فيتحمل هو مسئولية الإلغاء، ولا يكون له عند صاحب المال شيء؛ لأنه دخل معه على أن له في مقابل العمل جزءاً من الثمرة، والثمرة لم تأت بعد، إذاً: ليس له حق في المطالبة بشيء. والله أعلم.

стр. 2361

ما يلزم العامل من النفقة في عقد المساقاة [ولـ مسلم: أن رسول الله ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ولهم شطر ثمرها] . هذه الرواية الأخيرة فيها زيادة: (على أن يعتملوها) ، أي: ما تحتاجه من نفقات وكرى لعمل زائد الأرض البيضاء تحتاج إلى حراثة تحرث العين تحتاج إلى آلة تنظف الدولاب الذي يعمل عليه تعطل ويحتاج إلى تصليح على من تكون نفقة ما يحتاجه الغرس لمواصلة العمل؟ أهي على العامل أم على صاحب المال؟ فالرواية التي لـ مسلم: (أن يعتملوها من أموالهم) ، فإذا تعطل الدولاب يصلحونه، وإذا انطمست العين يحفرونها، وإذا سقط الجدار يقومونه وإذا احتاجت الأرض البيضاء إلى بذر يشترونه، إلى سماد يسمدونها، وإن احتاجت إلى عدة أشخاص يؤبرونها، وهو وحده لا يستطيع أن يؤبر النخل، ولو بقي على عمله هو فقط ربما فات بعض النخل وقت التأبير وفسد؛ لأن الكافور أول ما ينشق يجب أن يؤبر، إذاً لابد من أيدٍ عاملة تتابع ذلك حتى لا يتفتح الكافور وتظل خمسة إلى عشرة أيام ولم يوضع فيها شيء، كالمرأة إذا جاءتها البويضة ولم تجد البويضة ما يلقحها فسدت وخرجت مع الدورة الشهرية، وهكذا طلع النخلة إذا لم يجد التأبير في إبانه فسد ومضى في طريقه (شيص) . إذاً: يعملونها من أموالهم، وأهم الأموال في عملها: البذر في الأرض البيضاء، وكل ما من شأنه إصلاح النخل، يمكن أن يقطع جريد ألف نخلة لسنة قادمة؛ لأن النخلة تزيد كل سنة دوراً من الجريد، وتنمو وهكذا، وفي علم النبات الشجرة الكبيرة والدوحة العظيمة علماء النبات يعرفون عمرها بالدوائر والحلقات التي في عين الجذع، لو قطعت الشجرة وجدت في بطنها دوائر، دائرة خلف دائرة خلف دائرة، ويقولون: كل دائرة لها زمن معين من العمر، وكلما مضى عليها زمن زادت دائرة جديدة، وهكذا يقيسون عمرها بتلك الدوائر، كذلك النخلة يقيسون عمرها بطوابق الجريد التي تظهر فيها. والناس يختلفون في قطع الجريد للنخيل، فبعضهم يقول: ما زاد على حملها. وبعضهم يقول: لا تقطع من النخل جريدة إلا إذا يبست، وما دامت خضراء فهي عامل من عوامل الجذب للماء من تخوم الأرض إلى أعلاها؛ لأن الجذع الذي على وجه الأرض خشب ولا تستطيع أن تكسره بالفأس، وفي رأس النخلة تجد الجمار تأكله بأسنانك، وتجد الماء، وتجد العسل في الرطبة، من أين جاء هذا؟ إنما جاء من الماء الذي في الأرض، وما الذي رفعه وضخه إلى أعلى؟ ذلك الجريد، وكذلك أوراق الشجر الخضراء التي تقوم بعملية التمثيل الضوئي (الكلوروفيل) -كما يسمونه- تجذب الماء إلى أعلى مثل (الموتور) الذي يدفع الماء إلى أعلى العمارة، ولهذا أرباب النخيل لا يقطعون الجريد الأخضر. إلا أن بعض النخلات -كما يقولون:- يعتريها الجنون أو سن المراهقة، فيخففون من رأسها بأخذ الجريد دور أو دورين لكي تخف قليلاً وتهدأ، ولهم أحوال كثيرة في هذا، ويكتبون عن النخلة الشيء الذي يعجز الإنسان عن تصوره، يقولون: إنها تفرح وتحزن وتخاف وتطرب، وكل ذلك يثبتونه للنخلة، وبعض النخلات إذا طال الزمن وما أثمرت يأتون بالحطب حولها أو القش ويقولون: إذا لم تثمر نحرقها، ويشعلون النار في القش، هم لا يؤذون النخلة بشيء، ويقولون: في السنة القادمة تخاف وتثمر! هذه حالات الله أعلم بشأنها. فعلى كل أرباب الخبرة كتبوا في النخيل والزراعة كتباً وأشياء عديدة، وأثبتوا النظريات التي قالوها. والله أعلم.

стр. 2362

كتاب البيوع - باب المساقاة والإجارة [٢] جعل الله الناس بعضهم لبعض سخرياً، ينتفع بعضهم من بعض، فشرع الله المؤاجرة على الأعمال، وجعل لها شروطاً على اختلاف أنواعها، ومن أنواع الإجارة إجارة الأراضي، وقد جاء الإسلام فنهى عما فيها من الغرر الذي كان قائماً، وأجاز ما فيها من منفعة حفظاً لحقوق الطرفين، وصيانة للود بين المسلمين.

стр. 2363

أحكام الإجارة [وعن حنظلة بن قيس ﵁ قال: (سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به) رواه مسلم. وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض] .

стр. 2364

تعريف الإجارة انتقل المؤلف ﵀ من بحث المساقاة والمزارعة إلى المؤاجرة، وهو القسم الثاني من عنوان المصنف في هذا الباب، والمؤاجرة تأخذ حيزاً كبيراً في كتب الفقه والموسوعات. يعرفون الإجارة بأنها: بيع المنفعة، بخلاف البيع فهو: بيع العين، فأنت تشتري الدار وتصبح ملكاً لك، تبيعها أو تهبها أو تؤاجرها أو تغلقها أو تهدمها أو تبنيها أنت حر، أما في عقد استئجار عين الدار فأنت لا تملك العين ولكن المنفعة، وما هي المنفعة التي تأتي من الدار؟ المنفعة التي ترجى من الدار هو السكنى، ولذا يقولون: من استأجر عيناً لا يجوز له استعمالها في غير ما وضعت له وإلا كان متعدياً مفرطاً، فلو استأجر داراً للسكنى، ثم حوّلها مدرسة، فلصاحب الدار الحق في أن يلغي العقد؛ لأن مضرة المدرسة بالأطفال أكثر من مضرة الساكن رجل هو زوجته وولدان أو ثلاثة مضرتهم على البيت ليست كمائة طالب، هذا يكسر النوافذ أو يخرب أو يستهلك ماءً أو. إلخ، وهكذا. فإذا استأجرها للسكنى لا يحق له أن يستعملها مستودعات للتجارة؛ لأن المستودعات يضع فيها بضائع ومنها المطعومات، فتنشأ فيها الفئران وتتربع وتسمن وتحفر في الأرض وتخرب، أما إذا استأجرها لسكناه فله الحق في أن يؤاجرها لمثله في استيفاء مثل المنفعة التي استأجر عليها.

стр. 2365

أدلة مشروعية الإجارة الإجارة أمر ضروري يقتضيه الشرع والعقل: أما الشرع؛ فقد جاءت النصوص بذلك في قضية نبي الله موسى ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥] ، ثم قال له: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] ، والسنة ليس فيها إلا حجة واحدة ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧] ، وقبل موسى وتم العقد فقال: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص:٢٨] ، وكذلك الظئر تستأجر لترضع الطفل، وأم موسى استرجعت ولدها وصارت ترضعه وتأخذ أجرتها، وهكذا يقول ﷺ : (عملت في مكة على قراريط) ، وعمل لـ خديجة رضي الله تعالى عنها في مالها. إنسان عنده أرض واسعة ولا يستطيع أن يزرعها، ماذا يفعل؟ يؤاجرها. عنده مزرعة ولا يستطيع أن يقوم عليها؛ يساقي على شجرها، أو يؤاجرها كلها وثمرها بينه وبين المستأجر.

стр. 2366

أقسام الأجير عند الفقهاء قسم الفقهاء الأجير الذي يعمل للغير إلى قسمين: أجير عام لكل الناس، وأجير خاص لهذا الشخص فقط؛ فالأجير العام: هو الذي يعمل لك ولغيرك على عين العمل دون دخل للزمن فيه، مثل الخيّاط تستأجره على خياطة الثوب، والصائغ تستأجره على صياغة الحلي، والنجار تستأجره على عمل الأبواب أو الدواليب، ويعمل لغيرك بجانبك. والأجير الخاص: هو الذي تستأجره وتملك مدة الإجارة، استأجرته يوماً أو شهراً أو سنة على حسب الاتفاق، فمدته الزمانية ملك لك، إن نومته نام، وإن شغلته اشتغل، تستغل وقته في العقد الذي آجرته عليه. ثم يفصل الفقهاء أحكام كل نوع من الأجراء، فالأجير العام ضامن، وأول من ضَمَّن الأجراء هو علي رضي الله تعالى عنه، فإذا أعطيته قماشاً ليخيط لك ثياباً فالأصل أن القماش عنده أمانة؛ لأنه أجير يعمل فيه لحسابك، فإن تلف هذا القماش أو ضاع أو انحرق، أو. إلخ، فعلى حساب من؟! وكانت تضيع السلع على الناس، فـ علي ضمَّنهم ليحافظوا على سلع الناس، ويؤدون الحقوق كما استلموها. والأجير الخاص ليس بضامن لشيء إلا إذا تعدى؛ لأنه يعمل وأجرتك عليه لجهده اليومي -زمنه- فإن تعدى أو فرط فهو ضامن بتعديه أو تفريطه، لكن إذا تلف على يده شيء بدون قصد فلا ضمان عليه. مثلاً: وضع الشاي في الكأس وهو حار فانكسر الكأس، هو لا يعلم بأن الحرارة تسبب التمدد، والتمدد الداخلي يسبق التمدد الخارجي، فلا يتجاوبان معاً، فتمدد الداخل يكسر الخارج، وهذه نظرية في الزجاج: إذا كان الزجاج سميكاً -اثنين أو ثلاثة مليمترات- وكان بارداً، وصببت الحار فيه، فإن الحار يسبب تمدداً في الزجاج، فالقسم الداخلي يتمدد بسرعة، لكن الحرارة لم تنفذ إلى القسم الخارجي، فهو بطيء التمدد، ومن هنا يكسر من الداخل ليتيح فرصة التمدد، ومن هنا نجد أن ثلاجة الشاي إذا صببت فيها الحار قل أن تنكسر، لماذا؟ لأن التمدد الذي يحدث في الداخل حالاً يحدث في الخارج؛ لرقة سمك الزجاجة، فهي رقيقة كالورقة، فإذا بدأ التمدد في الداخل تجاوب معه الخارج، فليس هناك مضايقة وليس هناك انكسار. المهم عندنا: أن الأجير الخاص إذا لم يتعمد إتلاف الشيء فلا ضمان عليه، وهنا وردت في إيجار الأرض فقط، ولكن سيأتي بعد ذلك ما يوحي بعموم الأجير: (ثلاثة أنا خصمهم ... ) .

стр. 2367

شرط الأجير والعين المؤجرة في رأيي أن كل نساء كان في هذا الحديث، وكل اختلاف كان في هذا الباب قد انقضى أثره، وذهب تأثيره، وانعقد الإجماع على ما عليه الناس اليوم في الإجارة في الجملة، والمنع إنما يأتي لما فيه غرر على الأجير أو المستأجر، وما سلم من الغرر في عقد الإجارة فهو ماضٍ، وسيأتي التنبيه على من الذي يصح له أن يؤاجر نفسه، وفي أي شيء يكون عقد الإجارة. ويشترطون في الأجير: أن يكون عاقلاً بالغاً، يملك أمر نفسه، بخلاف العبد المملوك لسيده والصبي، فالعبد لا يملك أن يؤاجر نفسه إلا بإذن السيد، والصغير ليس كامل الأهلية على أن يؤاجر نفسه. ويشترطون لصحة العين المؤجرة: أن لا تكون المنفعة محرمة، فإذا كانت المنفعة المستوفاة محرمة لا يصح هذا العقد، كمن أجر داره لتكون محلاً لشرب الخمر، أو محلاً لممنوع أو محرم شرعاً، فلا يجوز ذلك، أو تستأجره على أن يعصر الخمر، هذا العمل محرم، ولا يجوز له أن يعمله، ولو كان يعمله في بيته هو؛ لأن أصل العمل محرم، فكيف يباح له أن يستأجر من يعمله؟!

стр. 2368

أحكام إجارة الأراضي وعن حنظلة بن قيس ﵁ قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة فقال: لا بأس به] . ورافع بن خديج فيما يخبر عن نفسه: كنا أكثر أهل المدينة حقلاً -أو زرعاً أو نخلاً- فكانت لهم الأراضي الواسعة والبساتين المتعددة، وكانوا يؤاجرون ويستأجرون، فهو أدرى من غيره بهذه الأحكام؛ لأنه يخالط ويباشر ويعامل في ما يتعلق بالموضوع وهو الإجارة؛ ولهذا وجه السؤال إليه، وما وجه لـ أبي هريرة؛ لأن أبا هريرة ما كان عنده من الأراضي والنخيل في بادئ الأمر ما يجعله يكون لصيقاً بأحكامها، بخلاف ما كان فيما بعد من إمارته على البحرين، وكان له بستان مكانه الآن على طريق الهجرة ما بين قباء ومسجد أبيار علي من جهة الجبل.

стр. 2369

شرط تعيين الأجرة والمنفعة المطلوبة قال: سألت رافع عن إجارة الأرض بالذهب والفضة -يعني: بالنقد-. قال: لا بأس. وهنا يتحقق الشرط عند الفقهاء، وهو شرط لصحة عقد الإجارة، وهو معرفة المنفعة المطلوبة، وقيمة الأجرة المطلوبة في هذه المنفعة فتكون الأجرة معروفة محددة بدينار أو بعشرة دراهم، أو بعشرين درهماً؛ فإذا كانت الأجرة معلومة والمنفعة المطلوب استيفاؤها معلومة، فلا بأس بذلك. وهنا أيضاً يقال لمن منعوا المساقاة: الذي يدفع الذهب والفضة في أرض بيضاء، هل يعلم كم سيحصل له من زراعة الأرض؟ لا يعلم، فكيف صححتم عقد الإجارة والمستأجر يدفع المال ولا يعلم ماذا سيحصل عليه؟ كما أن المساقاة عقد غرس قائم، وبحكم العادة ومرور السنين نجد النخل كل سنة ينمو. إذاً: عقد المساقاة أضمن من عقد الإجارة؛ لأن المساقاة في أقل الأحوال الأصول موجودة، والثمار فرع عنها، بخلاف الأرض فهي أرض بيضاء؛ ستحرث ويوضع فيها الحب ويدفن ويسقى الماء ثم على بركة الله، فصاحب النخل أضمن لأجرته من صاحب الأرض البيضاء. فأجاز رافع إجارة الأرض بالذهب والفضة، يعني النقد. فلو جاء بسبيكة ذهب أو فضة لا ندري كم وزنها، ولا قيمتها لم يصح العقد؛ لأنه ربما يطرأ على العقد ما يوجب فسخه، وتصبح الأرض غير مستحقة أو يمنع منها، فيأتي المؤجر ويمنع المستأجر من العمل ويفسخ العقد، مع أن الإجارة عقد لازم، فماذا يكون الحل، نرجع للسبيكة فلا ندري كم وزنها، إذاً لابد من معرفة أجرة الأرض. ومثله لو قال: استأجرها بحفنة من الدراهم، أو بكيس من الدنانير، وهو لا يعلم كم فيه، لم تصح الإجارة.

стр. 2370

النهي عن الإجارة على شيء من الزرع في أماكن معينة [سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع] . رافع يقول: لا بأس بالذهب والفضة؛ لأنه شيء معلوم، وكلا الطرفين يمكنه أن يرجع إليه، وإنما كانت الإجارة أو المؤاجرة المنهي عنها على عهد رسول الله على ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، وهي الحياض وما يليها من الزرع الذي يكون على طرف الحوض بجوار الحد الترابي، هذا متوافرة فيه كمية الغذاء والسماد للنبات، فإذا وجد كفايته من الماء يكون الزرع في تلك الجوانب والأطراف أقوى وأكثر ثمرة مما هو في داخل الأحواض؛ لأن الذي في داخل الأحواض يتزاحم بعضه مع بعض، والذي على أطراف الجداول يمر عليه الماء مدة أطول مما هو في آخر الحوض، وأقبال الجداول أيضاً ما كان مما يلي الربيع -على ما سيأتي- يأخذ من الماء أكثر مما هو في آخر الحوض. فكانوا يكرون الأرض على شيء من الزرع في أماكن معينة، وبقية الأحواض تكون للعامل، المستأجر يأخذ الأرض وأجرتها، ما سيحصله من داخل الحوض أو مما سيحدده له المؤجر، فإذا كان الأمر كذلك يقول رافع: ربما صح هذا وهلك ذاك، وربما هلك هذا وصح ذاك، فبعض النباتات لا تحتاج إلى كثرة في الماء، وكثرة الماء قد تفسدها، ويكون داخل الحوض أحسن من خارجه أو طرفه، المهم قد يصيب الزرع بعض الآفات. فعقد الإجارة من أوسع أبواب الفقه، من حيث كيفية المؤاجرة، والعاقدان: المؤجر والمستأجر، والعين المعقود عليها، والإجارة في الفقه: عقد على منفعة العين، أو يقولون: بيع المنفعة أو منفعة الرقبة، فبيع المنفعة لا يتناول الأصل أو العين، وتقدم بيان ذلك: بأن يوجد من يشتري الدار، وآخر يستأجرها، فالذي اشتراها اشترى عينها: بناءها وأرضها وتخومها وهواءها، يتصرف فيها تصرف الملاك، والذي استأجر المنفعة ليس له في عين البناء ولا لبنة، وليس له في العين المؤجرة شيء قط، إنما يستوفي منفعته في الغرض الذي استأجر من أجله. استأجر سيارة للحمل والنقل، وبحسب أيضاً موضوعيتها، هناك سيارة لحمل الثقيل، وسيارة لحمل الآدمي؛ فكل يستعمل أو يستوفى في منفعته التي جعل لها.

стр. 2371

مشروعية مؤاجرة الإنسان نفسه عارض بعض الناس في جواز إيجار الإنسان نفسه، مع أن الكتاب والسنة جاءت بتقرير جواز تأجير الإنسان نفسه، كما جاء في قصة نبي الله موسى ﵇ مع والد زوجته: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] ، وكما قال ﷺ : (رحم الله موسى؛ آجر نفسه على عفة فرجه وإطعام فمه) ، فهذه إجارة ثابتة في كتاب الله ، وقال النبي ﷺ : (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها على قراريط لأهل مكة -أو: قراريط بمكة-) . والناس يختلفون في كلمة (قراريط) وهي جمع قيراط، والعرف السائد في مجتمعات الناس: أن القيراط جزء من مجموع، وبعضهم يجعل هذا المجموع هو الأربعة والعشرين؛ لأنه العدد الذي يمكن أن يؤخذ منه جميع الأسهم في الفرائض الواردة في كتاب الله: ثمن وسدس وثلث ونصف وثلثين، كل هذه الكسور الاعتيادية يمكن إخراجها من الأربعة والعشرين بدون كسر، فاتفقوا على هذا حتى في الذهب وما يخلط معه من المعادن الأخرى، وهو -كما يقولون- الشبه، وهو نوع من الصِفر يشبه الذهب، يقول: هذا عيار أربعة وعشرين، عيار واحد وعشرين، فإذا كان عيار أربعة وعشرين يكون ذهباً خالصاً ليس فيه خلط، وذهب أربعة وعشرين لا يصلح للصياغة؛ لأن الذهب في أصله لين، ولابد أن يضاف إليه معدن آخر يعطيه نوع صلابة؛ ولهذا لصياغته يضاف إليه قيراطان من النحاس الصلب، فتجد من يقول: عيار واحد وعشرين، يعني: الذهب الخالص في هذا الجرم من الحلي واحد وعشرين قيراط، وباقي الأربعة والعشرين -ثلاثة قراريط- من النحاس، أو عيار اثنين وعشرين، وهي أعلى نسبة في الصياغة. فهنا بعض العلماء يقول: معنى (على قراريط) يعني: على نسبة معينة من الدنانير أو الدراهم. والبعض يقول: لا هذا ولا ذاك، القراريط اسم مكان في مكة. ويجاب عن هذا بأن أهل مكة لا يعرفون بقعة فيها تسمى (قراريط) ، وقائل هذا يقول: إن العرب لم تكن تعرف النسبة بالقيراط. وأعتقد أن هذا القول فيه نظر. فقد جاء الحديث عنه ﷺ : (أن الله سبحانه قال: من يعمل لي من أول النهار إلى الظهر وله قيراط. فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من الظهر إلى العصر وله قيراط. فعملت النصارى، ثم قال لهذه الأمة: تعملون من بعد العصر إلى غروب الشمس ولكم قيراطان. فغضبت اليهود والنصارى، قالوا: كيف يكون عملنا أكثر وأجرنا أقل؟! قال: وهل أنقصتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا. قال: هذا فضلي أوتيه من أشاء) ، ولهذا قال العلماء: إن كل ما يحصل عليه العبد من الأجر على عمل الطاعات هو فضل من الله ليس بكسبه بذاته. وهذه حقيقة تحتاج إلى رجوع إلى الوراء والتأمل فيها قليلاً، أنت صمت. بم صمت وذاك مريض لا قدرة له على الصيام؟ وأنت صليت. بم صليت وغيرك منصرف عن الصلاة أو كسلان عنها؟ أنت حججت. بم حججت وغيرك يملك الملايين ولم يحج؟ إذاً: صومك بطاقة الصحة فضل من الله، والله الذي أعطاك الطاقة في بدنك لكي تستطيع أن تصوم، والله الذي منحك الهدى والتوفيق لتؤدي الصلاة والقدرة عليها، والله الذي جعل لك استطاعة على الحج بالمال والبدن. فقوله هنا: (من يعمل لي) يبوب عليه البخاري ﵀: باب الأجرة على نصف النهار، رداً على من يقول: لا تصح إجارة الإنسان إلا يوماً كاملاً، ولكن هذا ليس بلازم، فقد تستأجر الإنسان الساعة والساعتين، ويوجد في بعض نظم العمل الأجر بالساعة، وكما يقولون في الأعمال العادية (OVER TIME) يعني: ساعات زيادة على العمل الرسمي، ويحاسب عليها. وجاء أيضاً عنه ﷺ : (من صلى على الجنازة فله قيراط، ومن شيعها حتى تدفن فله قيراطان، ومن اقتنى كلباً غير كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط) . إذاً: القيراط معروف كجزء من الأجر متداول عند الناس، والرسول يخاطب الناس بما يعلمون، إذاً: (على قراريط) جمع قيراط، وهو الجزء من عدد معين، وتختلف البلدان في هذا العدد من حيث هو، وعند المسلمين والعرب في حساب الفرائض هو أربعة وعشرون. وكما قالت ابنة شعيب: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] ، إذاً: الأجرة قديمة، وهذا نبي من أنبياء الله يؤاجر نفسه. وعلي رضي الله تعالى عنه لما جاء المدينة مر على تراب ومعه تبن مخلوط، ثم مر عليهم في الغد فإذا هو على ما هو عليه، ومر عليه في الغد فإذا هو على ما هو عليه، فسأل: لمن هذا التراب المخلوط بالتبن؟ قالوا: لفلانة، لم تجد من يمتحُ لها الماء لتعجنه، فقال لها: أنا أمتح لك، كم تعطيني؟ قالت: على الدلو تمرة. فمتح لها ستة دلاء وأخذ ست تمرات. إذاً: المؤاجرة على الأطيان والمساكن والحيوانات والآدمي جائزة.

стр. 2372

حكم استئجار غير المسلم هنا مسألة يعقد لها البخاري باباً: استئجار المسلم لغير المسلم. فهل يجوز للمسلم أن يستأجر مشركاً أو يهودياً أو نصرانياً؟ يذكر ابن حجر أن هناك من يمنع من هذا كلية، ولا يجوز التعامل معهم، ويذكر للجمهور القول بالجواز، ويذكر عن مالك الجواز عند الحاجة، وما هي الحاجة؟ إذا لم يجد عنه بديلاً مسلماً في عمل من الأعمال -كما يقولون- الفنية، أو التخصصات النادرة فلا مانع، وساق قصة ابن أريقط الذي استأجره أبو بكر رضي الله تعالى عنه للدلالة على طريق الهجرة، قال: استأجراه -الرسول ﷺ وأبا بكر - وكان رجلاً خريتاً من بني دؤل مشركاً على دين قومه، وهنا شرف الكلمة، وأمانة الأجير: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] ، فهذا مشرك على دين قومه، وهذا رسول الله ﷺ يريد أن ينتقل خفية من قومه، ومع ذلك يأتمنه؛ لما عرف عنه من الأمانة، فأعطاه أبو بكر راحلتين، وواعداه الغار بعد ثلاثة أيام، فجاء على الموعد، فدلهم على الطريق، ويختلف الناس بعد ذلك: هل أسلم أو لم يسلم؟ وابن حجر يرجح أنه أسلم بعد هذا. يهمنا أنه عند العقد كان مشركاً، ولهذا يقول والدنا الشيخ الأمين -رحمة الله تعالى علينا وعليه- في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ، يقول: التدبر في آيات كتاب الله والعمل بها تقتضينا أن نأخذ بالصناعات وبالفنون وبالعلوم ولو من غير المسلمين ما دام في ذلك خدمة لديننا، ولا تتعارض مع الدين في شيء، وذكر الطبيب غير المسلم، والفنيين أو أرباب الصناعات أو غير ذلك مما المسلمون بحاجة إليهم. إذاً: الاستئجار يكون للعين من الجمادات: الدور والبساتين، وللحيوانات وما استحدث الآن من السيارات والطيارات، والآن يوجد تاكسي طائرة في أوروبا لأصاحب الأعمال يستأجرونها للتنقل عليها، البواخر. إلى غير ذلك من وسائل النقل الحديثة، وكذلك إجارة الإنسان. والبحث عندنا الآن فيما كانت الإجارة عليه، وهو: الأراضي. والمدينة كانت زراعية، وكانت الإجارة فيها إما مساقاة أو مزارعة أو استئجار البستان بكامله، وكذلك الأرض البيضاء يستأجرها الإنسان ليزرعها، كيف كنتم تصنعون في مزارعكم يا رافع؟ قال: إما استئجارها بقدر معلوم من ذهب وفضة فلا بأس: هذه قطعة أرض مائة في مائة متر، خمسين في خمسين، ألف في ألف، أستأجرها منك بدينار، أو بعشرة، أو بمائة، لا بأس في ذلك، وهو الذي يعنيه الفقهاء بقولهم: لابد من تعيين الأجرة لئلا يكون هناك نزاع فيما لو حصل فسخ للعقد، أو حصل ما يوقف الاستفادة من الأرض، فيكون المستأجر له حق الرجوع على المؤجر بحصته من الأجرة التي دفعها. قال: أما بشيء معلوم ذهب وفضة فلا بأس. إذاً: هذه قاعدة عامة عند جميع المسلمين، تستأجر بيتاً، بستاناً، أرضاً بيضاء، آلة نقل أياً كانت بنقد معين فلا بأس.

стр. 2373

إسناد الصحابة الحكم للعهد النبوي يقول رافع: (أما بالذهب والفضة فلا بأس، وإنما -أداة للحصر- كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ فكلمة (على عهد رسول الله) ، كأنه يسند ذلك إلى رسول الله، وهل رسول الله حضر العقود، والمزارع؟ لا، إنما رافع يذكر الصورة الواقعة، ولماذا قال: (على عهد رسول الله) ؟ لأن هناك قاعدة: ما كان الله ليقر الناس على خطأ ورسول الله موجود، فكونه على عهد رسول الله يعني: أقره رسول الله، أو أقره الله في حضرة رسول الله ﷺ ؛ فيكون مسنداً إلى رسول الله، فإسنادهم الفعل لعهد رسول الله إشعار بأن الرسول وافق عليه، وقد تكون هناك أيضاً أشياء هو لم يطلع عليها لكن تسند إليه؛ لأنه لو كان منكراً لنُبه عليه، كما جاء في موضوع من خواص البيوت، وأعمق ما يكون اختفاءً قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل) والعزل شيء بين الرجل وامرأته، يعزل عنها الماء حتى لا تحمل منه، فعملية العزل هذه من يحضرها؟ حتى الرجل لا يرى هذا بعينه، وإنما هي عملية تلقائية بين الرجل والمرأة، قال: (والقرآن ينزل، فلو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) ، فعدم نهي القرآن لهم عن العزل اعتبروه تقريراً لهذا الفعل. ويأتي بعض العلماء يناقش: وهل علم رسول الله أو لم يعلم؟ ليس بلازم أن يعلم مباشرة، المهم كونهم أقروا على ذلك والقرآن ينزل، وما قال: يا محمد! نبهم ألا يفعلوا ذلك. فاستدلوا على هذا العمل في هذا الوقت على جواز العزل، وأغفلوا النصوص الأخرى؛ لأنه لما أخبر بأنهم يعزلون وكان هذا في بعض الغزوات، وذلك لما طالت عليهم العزوبة، فقالوا: نطأ السبايا ونعزل، قال: (أو تفعلون! إنها الموءودة الصغرى) ، وهذا نهي عن العزل، فقوله: (نعزل والقرآن ينزل) إنما هو بالمضمون والمفهوم وباللازم، ولكن هنا بصحيح العبارة (أو تفعلون! إنها الموءودة الصغرى) ، إذاً: أي الأمرين يقدم؟ احتمال أنه يعلم ولم ينههم عن ذلك، أو كون القرآن ينزل ولم يأتِ نهي، أم التصريح منه ﷺ مشافهة: (أو تفعلون! إنها الموءودة الصغرى) ، والموءودة الصغرى لا يقرون عليها؟ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:٨] سواء كبرى كانت أو صغرى.

стр. 2374

منع الشرع من المؤاجرة على جزء معين من الأرض ذكر رافع صور الإجارة التي كانت في زمن النبي ﷺ ، وتلك الصور العقل يأباها؛ لأنها غير عادلة وفيها غرر: كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول) . يعني: يؤاجرون ويجعلون أجرة الأرض التي تزرع ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، وما معنى هذا؟ قالوا: إذا طاب الزرع جاء المستأجر وحصد ما نبت على الماذيانات وأقبال الجداول وجمعه وقدمه لصاحب الأرض أجرة على أرضه، ويبقى للمستأجر عموم ما داخل الحوض. إذاً الزراعة انقسمت إلى قسمين: قسم لصاحب الأرض، وقسم للمستأجر. وهل القسمان متساويان في النبات؟ وهل هما متساويان في الإنتاج والثمرة؟ لا، فيصح هذا ويهلك ذاك يصح ما على الماذيانات وأقبال الجداول، ويهلك ما بداخل الحوض، لأنه يأته ماء كافٍ، وقد يكون العكس: يصح ما بداخل الحوض، ويهلك ما على الماذيانات وأقبال الجداول لكثرة الماء، فالزرع في بعض الأحيان لا يقبل كثرة الماء، ويحتاج إلى ماء بمقدار، وأنواع الزراعات كالذرة والشام مثلاً إذا زرع بعلياً وطلع لابد أن يشرب على عدد إحدى وعشرين يوماً، أما إذا شرب على تسعة عشر أو على اثنين وعشرين ما أفاد، بل لابد أن يشرب على إحدى وعشرين يوماً من يوم أن زرعته ودفنته في التراب، ثم بعد ذلك على عدد معين يسمونها السقية الثانية؟ إذاً: قد يصح هذا ويهلك ذاك، ويهلك هذا ويصح ذاك؛ فحينئذ حينما يقع الهلاك على الماذيانات ورءوس الجداول ماذا استفاد صاحب الأرض، تكون المصلحة كلها للمستأجر، وإذا صح ما على الماذيانات وأقبال الجداول وهلك ما في داخل الأحواض فأين أجر الأجير المسكين؟ لا شيء. لكن حينما نقول: تزرع الأرض على جزء مما يخرج منها: ماذياناتها مع جداولها مع حياضها، حصدنا الجميع دون استثناء وصفيناه، وكان العقد على ربع الثمرة أو ثمن أو ثلث أو نصف الثمرة، إن صح شيء صح للجميع، وإن هلك شيء هلك على حساب الجميع، وهكذا لا يكون في ذلك غرر ولا غبن. [ (ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه) ] . ولهذا زجر عن هذا النوع من الإجارة، فزجر عن إجارة الأرض على جزء معين محدد مما ينبت في أجزاء من الأرض، لا على نسبة مشاعة في جميع الزرع، فلما فيه من الغرر نهى عنه.

стр. 2375

فائدة رواية الحديث كاملاً في بعض الروايات: (أن رافعاً أتى أهل قباء وقال: يا أهل قباء! لقد جئتكم من عند رسول الله ﷺ بأمر كانت لكم فيه مصلحة، ولكن طاعة رسول الله أولى، نهى عن المزارعة) ، وذكر هذا الأمر. وجاء عن زيد بن ثابت قال: (رحم الله رافعاً، والله إني لأعلم بالحديث منه، إنما جاء رجلان يختصمان في أرض استأجرها أحدهما من الآخر-وذكر الصورة، فقال: أو تفعلون ذلك! فنهى عن الإجارة حينئذ) . وهنا يقول الصنعاني: رافع اقتصر هنا على جزء من الحديث فأخل بالمقصود، لأنه قال: نهى. فهل نهى ابتداءً أو نهى لسبب المنازعة والخصومة؟ نهى لسبب النزاع والخصومة في تلك الصورة التي لم يكن لهم إجارة إلا هي، وهنا التنبيه على أن طالب العلم لا يأخذ جزءاً من الحديث ويترك الباقي، قد يكون في هذا الجزء ارتباط وثيق قوي بأوله، وقد يكون أول الحديث علة لآخره، أو تمهيداً له، أو سبباً فيه، فلابد من جمع أطراف الحديث كما قال علي رضي الله تعالى عنه: (لا ينبغي للمحدث أن يحدث بالحديث حتى يجمع أطرافه) . ومن هنا كان التأليف في باب (أطراف الحديث) ، والبخاري ﵀ قد يقطع الحديث في مواطن متعددة، ولكن يأتي بالجملة من الحديث على قدر معنى الباب، وقد يعيد الحديث بعينه ولفظه مراراً لعدة معانٍ فيه، وفي كل مرة يورد الحديث لجزء منه، كما في حديث: (من عمل لي إلى الظهر) ، قال: باب من استأجر إلى نصف النهار. وساق الحديث، ثم عقب عليه: باب من عمل إلى العصر. وساق عين الحديث الأول؛ لأن الحديث يشتمل عليهما. يهمنا في هذا: أن طالب العلم عندما يحدث بجزء من حديث يتعين عليه أن يقف على تمام الحديث؛ ليربط آخره بأوله.

стр. 2376

معنى قوله: (فأما شيء معلوم ... ) [فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به] . فنهى عن ذلك لأن هذا يفسد وهذا يصح، فهو غرر. (أما شيء معلوم) ، وكلمة: (شيء) كما يقول علماء اللغة والمنطق: أعم العمومات، لا يخرج منها شيء، حتى رب العزة، كما قال الله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، فكلمة (شيء) أعم العمومات في اللغة. (أما شيء معلوم) دينار ذهب درهم فضة فلوس نحاس طعام لباس. أي شيء من هذا كله داخل في: (شيء معلوم) ، فعندما يأتي إنسان ويقول: استأجرت منك الدار عشر سنوات بنخلي. هذا شيء، فهو يملكه النخيل على أن يستأجر منه الدار عشر سنوات، أو استأجرت منك الدار ببعير، بسيارة نوع كذا، تعال انظر واكشف عليها، بشاة. إذاً: أقبال الجداول والماذيانات شيء ولكنه ليس معلوماً، وهنا نهى ﷺ عن الإجارة بالشيء غير المعلوم، أما شيء معلوم بعينه ومقداره صاع من تمر أو بر، إلا عند مالك: فإذا كانت العين تستأجر لنوع من الطعام، فلا يجوز -عنده- أن تكون الأجرة من عين هذا الطعام. استأجرها ليزرعها ذرة، لا يصح -عند مالك - أن تكون الأجرة ذرة؛ لأن المستأجر يكون قد اشترى ثمرة الزرع الذرة بقدر الأجر الذرة الذي دفعه، فيكون ذرة بذرة مع النسيئة والتفاضل، أما إذا كان سيزرعها قمحاً، والأجرة ذرة أو أرزاً فلا مانع. إذاً: كلمة (شيء) من العمومات، فإذا وقعت الإجارة وليست خاصة هنا بالأرض الزراعية فقط، بل كل عين مؤجرة إذا كانت الأجرة شيئاً معلوماً معيناً فلا بأس، ولا يجوز أن يأتي ويقول: آجرني بعيرك غداً. ويسكت عن الأجرة، بل لابد أن يعين. وكذلك يزيد الفقهاء نوع العمل، وبعضهم يقول: تعيين العمل ليس بلازم والعرف يحدد، فشعيب لما قال لموسى ﵇: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧] ، قال: موافق. هل عين له عين العمل الذي سيعمله؟ المدة عرفناها: ثمان أو عشر، لكن ما نوع العمل؟ سيبني، سيحرث، سيرعى الغنم، سيتجر، ماذا يفعل؟ لم يبين له؛ لكن عرف من الحال أنه لرعي الغنم، ويقوم بمهام شعيب التي كانت تقوم بها بناته، فيكفيه المئونة في ما كانت تعمله بنات شعيب، وبنات شعيب ماذا كن يعملن؟ كن يرعين الغنم: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣] ، فيأتي موسى يحل محلهما في رعي الغنم. وقدمنا بأن الأجير على قسمين: أجير خاص لك زمنه، تشغله كيفما شئت في ما يستطيعه ويعرفه، مرة جعلته يستقبل الطلبات من السوق، ينظف البيت، يساعد البنائين في البنيان. ما يستطيع فعله فلك فعله ولك الزمن، بخلاف الأجير العام، الآن يتعاقدون مع الشغالات في البيوت هل يكتبون لها ماذا تعمل؟ تنظيفات أو مطبخ أو كذا؟ أبداً، عمل البيت معروف بالجملة عرفاً، لكنهم لا يكلفوها بأن تخيط؛ لأن الخياطة عمل مستقل، ولا أن تصير ممرضة، فالتمريض عمل مستقل. إذاً: هناك من يقول: تعين للعامل الذي استأجرته نوع العمل، كما تحدد له نوع الأجرة. وبعضهم يقول: تحديد العمل ليس بلازم، إنما يحدده العرف. [وفيه بيان لما أجمل في. ] . يقول المؤلف تعقيباً على الحديث: وفيه بيان لما أجمل من إطلاق النهي عن كراء الأرض؛ لأن الأحاديث جاءت مطلقة تنهى عن كراء الأرض، وجاء هذا الحديث، وهل نهى مطلقاً أو عن صورة معينة؟ عن صورة معينة، وأباحها في صورة معينة، إذاً: الأحاديث الواردة المطلقة في النهي عن كراء الأراضي يخصصها هذا الحديث، ويبين بأن عموم النهي ينصب على عقد الإجارة الذي فيه غرر وجهالة، أما عقد الإجارة على شيء معلوم مضمون فلا بأس، فقد بين هذا الحديث ما أجمل في الأحاديث التي جاءت بالنهي.

стр. 2377

صورة المزارعة التي نهى عنها الشارع [وعن ثابت بن الضحاك ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة) ، رواه مسلم أيضاً] . هذا تأييد لما تقدم من أن إجارة الأرض -على الشرط المتقدم- بشيء معلوم مضمون لا بأس به. أما قوله: (نهى عن المزارعة) ، فهذا مما تقدم الكلام عليه، وحمل هذا على أنهم كانوا في أول الأمر يزارعون ما لا يستطيعون القيام بزرعه، فيقولون؛ جمعاً بين المزارعة في خيبر والمساقاة: كان المراد بذاك النهي الإرفاق: (من كانت عنده أرض فليَزرعها أو يُزرعها غيره) ، لديك أرض زائدة عنك، وعاجز عن زراعتها، أعطها لغيرك يزرعها، وكان ذلك في بادئ الأمر عند مجيء المهاجرين إلى المدينة، فكان فيه حث على مشاركة المهاجرين لمن عنده أرض عاجز عن زراعتها يقول له: أعطها له يزرعها، من باب المواساة، ثم بعد ذلك لما وسع الله على المسلمين أصبحت المزارعة والمؤاجرة والمساقاة سواء.

стр. 2378

كتاب البيوع - باب المساقاة والإجارة [٣] ما زال هذا الشرع تبدو جوانب كماله وصلاحيته في كل زمان ومكان، ومن تلك الجوانب ما جاء في الحجامة، فهي وإن كانت مسألة طبية محضة إلا أن لها فوائد أقرها الطب الحديث، وقد احتجم النبي ﷺ وأكرم الحجام وأعطاه أجرته وزيادة، فهو وإن كان حجاماً إلا أن حقه يجب أن يؤدى إليه كاملاً غير منقوص، فقد حذر الشرع من مغبة أكل حقوق الأجراء، حيث جعلهم المولى جل وعلا خصوماً له يوم القيامة، وجعلهم هم ومن أعطى بالله ثم غدر، ومن باع حراً وأكل ثمنه في مرتبة واحدة؛ لاستوائهم في جرم الاعتداء على حقوق الآخرين.

стр. 2379

أحكام الحجامة [وعن ابن عباس قال: (احتجم رسول الله ﷺ ، وأعطى الذي حجمه أجره، ولو كان حراماً لم يعطه) ، رواه البخاري. وعن رافع بن خديج ﵁: قال رسول الله ﷺ : (كسب الحجام خبيث) ، رواه مسلم] .

стр. 2380

مشروعية الحجامة وخبث كسبها يلاحظ في هذا الترتيب بين الحديث الأول: (احتجم النبي ﷺ وأعطى الذي حجمه أجره) إلى هنا الكلام سليم جداً، أما التعقيب عليه: (فلو كان شيئاً حراماً لم يعطه) ما الذي أتى بشبهة الحرام هنا؟ قوله: (كسب الحجام خبيث) أيهما كان أولى بالتقديم: (كسب الحجام خبيث) ثم يأتي ويرد عليه (بأن الرسول احتجم وأعطى الحجام أجرة، ولو كان حراماً لم يعطه) ؟ الأولى: (كسب الحجام ... ) ؛ لأنه يعطي الحكم على كسبه بأنه خبيث، ثم يرد هذا الفهم عندنا بأن الخبث ليس معناه الحرام؛ لأنه ﷺ أعطى الحجام أجره، ولكن المؤلف غاير في الإيراد.

стр. 2381

سبب كون كسب الحجام خبيثاً قال النبي ﷺ : (كسب الحجام خبيث) ، وهل خبث المال يدل على حرمته، أو يدل على استقذاره؟ ليس حراماً لأن المنافقين كانوا يتصدقون، وكانوا يتيممون الخبيث من أموالهم ينفقونه، فما جعل الرسول ﷺ المال الخبيث الذي يعطى لأهل الصفة حراماً، بل كان حلالاً يأكلونه، لكن عاب على المنافقين أن أحدهم يتيمم النوع الخبيث من التمر ويأتي به ويعلقه لأهل الصفة، بينما كان كرام الناس والمؤمن بالأجر وبالعوض عند الله يأتي بأحسن أنواع التمور أو الرطب أو غير ذلك ينفقه عليهم، والمنافقون يعتبرون هذه غرامة، فلا يأتي بالجيد. إذاً: معنى قوله: (كسب الحجام خبيث) أي: غير مستطاب، يقول العلماء: لا ينبغي لحر كريم أن يعمل بهذه المهنة، وبعضهم قال: خبثه بسبب ما يتعاطى من الدم، والدم نجس، حيث كان الحجام يعمل بالقرن، فحين ينخلع القرن بطابق منه، يخرمه ويجعله على محل التشريط ويشفط بفمه ليبتز الدم، فلربما زاد في الشفط فغلبه الدم ووصل إلى حلقه دون قصد، فمن هنا كان الخبث، فلما كان الأمر كذلك، وجاء حجام وسأل، قال: (ماذا أفعل فيما أعطى؟ قال: أطعمه الدواب أو أطعمه العبيد) ، فهنا قالوا: سيطعم الدواب حراماً، أو يطعم العبيد الحرام، وهو مكلف بأن يطعمهم من الحلال! إذاً: كسب الحجام خبيث لما فيه من دناءة بالنسبة لبعض الناس. ثم يأتي الحديث الثاني بأن النبي ﷺ احتجم. وهذا أولاً يثبت مشروعية الحجامة، ثم أعطى الحجام أجره، بل هناك زيادة في حديث بني بياضة: (أنه استوصاهم به خيراً، ثم أرسل إليهم أن زوجوه) ، فقد أكرم الحجام بأجره وبالوصاية به، فليس هناك أي إهانة له أو ابتذال.

стр. 2382

الحجامة من الناحية الطبية هنا بحث العلماء من جانب الطب في الحجامة، وجميع العلماء في السابق كان الطب النبوي معلوماً عندهم، وأعرف شيخاً جاء من باكستان لتدريس صحيح البخاري، وكان يحفظه عن ظهر قلب، وسأله البعض عن حديث في البخاري، قال: بهذا اللفظ الذي تذكره لا أعرفه، ولكنه فيه بلفظ كذا، فصحح له اللفظ، وكان طبيباً، وكان له مطب عربي في باكستان، فكان العلماء سابقاً أطباء، والحجامة من الطب النبوي، وكانت معروفة عند العرب، لكن يذكر ابن القيم ﵀ في مبحث الحجامة ما ينبغي لكل إنسان أن يقرأه قبل أن يقدم عليها. أولاً: هناك سن قبله لا تجوز الحجامة، وهو عين الموجود في الطب الحديث اليوم، بنك الدم لا يأخذ من شخص دون السابعة عشر من عمره، ولا يأخذ أيضاً من شخص جاوز الستين من عمره، وما بين هذين يمكن أن يأخذ بنك الدم دماً يحتفظ به عنده. ويشترط في من يؤخذ منه أن يكون ما بين المرة والمرة فترة لا تقل عن ستة أشهر. ويذكر ابن القيم تنظيماً آخر في موضوع الحجامة: فهو يمنعها في يوم من الأسبوع لعله يوم الأربعاء أو غيره، ويحث عليها في الصيف؛ لحديث: (لا يتبوغ بكم الدم) ، والحجامة هي الفصد، وتعني أخذ الدم من الجلد بعد تشريطه تشريطاً خفيفاً جداً، ثم يؤتى بآلة ماصة، أو عن طريق تفريغ الهواء أو الشفط، فيبتز الدم من الجلد، أو بالفصد من العرق مباشرة كما يعمل في أخذ الدم من صحيح إلى مريض، عندما توضع الإبرة في العرق، والدم يخرج سائلاً متدفقاً إلى الوعاء، فهذا فصد: أخذ الدم من العرق مباشرة، والحجامة: أخذ الدم من الجلد بطريق الشفط أو بتفريغ الهواء وغيره. وهناك -كما يقال- الكاسات الجافة التي توضع لأخذ الرطوبة، كطريقة الحجامة سواء، ولكن ليس هناك تشريط، ولا خروج دم ولكن امتصاص الرطوبة من وراء الجلد من الجسم، وهذا يستعمل في علاج الرطوبة كالروماتيزم ونحوها. وهنا احتجم ﷺ ، وذكر: (لو أن دواء يصل الداء لوصلته الحجامة) ، أي: أن الحجامة أهم ما تكون في الأدوية، وبحثها طبياً على حدة، والذي يهمنا هنا: أن ما قيل عن أجره: خبيث قد دفعه له، ولن يدفع ﷺ شيئاً خبيثاً لإنسان. وبعضهم يقول: خبث أجر الحجام لأنه مؤاجرة على عمل مجهول، فلا يدري كم سيأخذ من الدم، ولا كم سيستغرق من الزمن، ولا ندري ولا ندري. إلى غير ذلك. وعندهم: كل داء في البدن له موضع معين للحجامة، فقد يحجم عن الضرس في القفا، وعن الصداع في الجانب، وعن كذا في الظهر، وكل هذه أمور طبية تكلم عنها ابن القيم ﵀ باستفاضة. إذاً: الأعمال التي قد يتمنع عنها بعض الناس أجرها فيه ما فيه، ومن هنا كان العرب يأنفون من الأعمال التي فيها دناءة، ولا تجد إنساناً حراً -مثلاً- عربياً يعمل بكنس الشوارع، ولو جاع، بل قد يحمل نفسه فوق طاقتها ويبني في الشمس في الحجر والطين ولا يعمل المهن التي فيها نوع امتهان للعامل، وهذه من عادات الشعوب، بعض الشعوب ليس عندهم أي نوع من العمل عيب، ولكن العيب في مد اليد، أو الأكل بغير وجه مشروع: السرقة، السلب، النهب. أما العرب فيقطعون الطريق ويسرقون ولا يعملون الأعمال -في نظرهم- الممتهنة. وهذا فيه نظر.

стр. 2383

شرح حديث: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة) [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره) ، رواه مسلم] . يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث بمناسبة الصنف الثالث، وهو ما يتعلق بالأجير وأجره، وهذا الحديث وأمثاله من الأحاديث القدسية، وللعلماء مبحث في التفريق بين الأحاديث القدسية والأحاديث النبوية، وبين الأحاديث القدسية وبين القرآن الكريم.

стр. 2384

سند القرآن الكريم الحديث القدسي يأتينا عن رسول الله، فهو الذي ينقل لنا قول الله، والقرآن كلام الله؛ فالحديث القدسي والقرآن يشتركان في النسبة إلى الله تعالى، فما الفرق بين القرآن وهو كلام الله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وبين الحديث القدسي والرسول يقول: قال الله؟ أما الفرق بين القرآن والحديث القدسي؛ فإنه من حيث السند، ولفظه وطريقة وصوله إلينا: فالقرآن -كما يقول العلماء- قطعي الثبوت ظني الدلالة، أو مختلف في ظنيه أو قطعيه، هناك الاشتراك اللفظي وهناك الاشتراك المعنوي، وهناك الناسخ والمنسوخ. إلى غير ذلك. فالقرآن له طرق وحي ثابتة: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] وهذا الذي كان يحدث لرسول الله ﷺ حينما يأتيه الوحي، ويكون في إغفاءة كالإغماء. إذاً: القرآن قطعي الثبوت عن الله؛ لأن الله قد بين سند القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٢] ((إنه لقول)) (إنه) ضمير الشأن راجع للقرآن، ((رسول)) الرسول معناها المرسل، والمرسول معناها يحمل رسالة، رسول حمل رسالة، من الذي أرسل الرسول الكريم؟ الله ((ذي قوة)) ، وما الذي نحن نستفيده من قوته، ونحن إنما نريد إبلاغ الرسالة؟ فهو ليس عامل بريد مسكين ضعيف يأتي على الدراجة ويقدم لك الرسالة، فعامل البريد ربما هجم عليه أناس وأخذوا منه الشنطة ويدفعون إليه شنطة مزيفة ويذهب يوزعها على الناس مزيفة، لكن هذا الرسول قوي، لا يستطيع أحد أن يدنو منه ويغير عليه شيء مما أرسل به: (إنه لقول رسول كريم) أولاً: كريم هو بنفسه كريم، ثم (ذي قوة عند ذي العرش مكين) ، متمكن من أداء واجبه. والرسالة أرسلت لصاحبكم: (وما صاحبكم بمجنون) ، عاقل وافر العقل، لا يمكن أن يغير شيئاً مما أرسل إليه. ثم هذا الرسول وإن كان ملكاً لكن قد انكشف أمره لرسول الله، ورآه على حالته الملائكية؟ في الأفق المبين: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٣-٢٤] ، إذاً: تعرف رسول الله على جبريل الذي يأتيه بالرسالة، وهو قوي مطاع في عالم السماء، قوي على رسالته، هذا سند القرآن الكريم.

стр. 2385

سند الحديث القدسي سند الحديث القدسي ليس كالقرآن، فقد يكون من النوع الذي يكون فيه (نفث في روعي) ، كما جاء: (نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل قوتها) ، والنفث في الروع إحساس، وقد يشترك فيه عامة الناس ممن اصطفاه الله وصفت روحه؛ كقضية الرجل الذي كان مع الرهط ونزلوا على حي وطلبوا القرى، قالوا: اذهبوا، فقد أتيتم من عند هذا الصابئ فليس لكم عندنا شيء، فجلسوا، فسلط الله عقرباً على سيد الحي، فذهبوا يبحثون يمنة ويسرة عمن يداويه من لدغة العقرب فما وجدوا أحداً، ثم قالوا: هلا ذهبتم إلى هؤلاء النفر. فأتوهم: هل فيكم من راق؛ فإن سيد الحي لدغ. قال: لا، طلبنا منكم القرى فامتنعتم، لا أرقيه لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً -أجراً- فآجروه على قطيع من الغنم، يقول: فأخذت أقرأ عليه وأنفث، فقام كأنه نشط من عقال، قالوا: ماذا قرأت عليه؟ قال: فاتحة الكتاب (سبع مرات) ، وجاء يسوق الغنم لأصحابه، قالوا: نقسم. قال: لا، حتى نرجع إلى رسول الله ﷺ ونسأله: هل لنا حق في أخذ هذه الغنم أم لا؟ وهل نأخذ أجراً على قراءة القرآن؟ فلما جاءوا لرسول الله ﷺ قال: (وما يدريك أنها رقية؟ قال: شيء نفث في روعي) ، الحاسة السادسة كما يقولون، أحسست في نفسي وشعوري، هذا الإحساس وهذا الشعور هو اليقين ونور الإيمان، كما في الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه يرى بنور الله) ، فالله ألهمه ووجهه بأن يقرأ عليه الفاتحة. إذاً: الحديث القدسي قد يكون شيء ينفث في الروع، وجاء لرسول الله، فكيف وصل إلينا من رسول الله؟ عن فلان عن فلان عن فلان، ومن فلان وفلان وفلان؟ بخلاف القرآن: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٢] ، وحينما يأتي إلى صاحبهم يقول: هلموا يا كتبة الوحي واكتبوا، فحينما ينزل القرآن على رسول الله بهذا السند القوي المتين حالاً يسطر، فحفظ القرآن بذلك، وأما الحديث القدسي فما كانوا يكتبونه، ونحتاج إلى أن ننظر من الذي نقله لنا؛ هذا الحديث أبو هريرة، ومن الذي قبله؟ فهنا الحديث القدسي يتوقف على السند، فقد يكون السند قوياً صحيحاً مهماً، وقد يكون قابلاً للنظر والبحث. القرآن قطعي الثبوت، ومن أنكر حرفاً واحداً منه كفر، والحديث القدسي لو أنكره إنسان بكامله وقال: هذا السند لا يثبت عندي، وإن كان قدسياً. يقال له: نبحث في السند، فإن توصلنا إلى صحة السند التزم به، وإذا لم نتوصل إليه كان إنكاره وجحوده إياه صحيحاً. فهذا فرق بينهم. أما من حيث الموضوع: فقد أمرنا الله أن نتعبد بكتابه تلاوة وعملاً وتطبيقاً. أما الحديث القدسي فما تعبدنا الله بقراءته، ولو قرأت ألف حديث قدسي فإنه لا يساوي: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ؛ لأن القرآن نزل للتعبد، ولا تصح الصلاة بالحديث القدسي وإن كان فيه (قال الله) ، وتصح الصلاة بالقرآن. هذا جوهر الفرق ما بين القرآن والحديث القدسي.
следующие страницы →