← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

سبب كون كسب الحجام خبيثاً قال النبي ﷺ : (كسب الحجام خبيث) ، وهل خبث المال يدل على حرمته، أو يدل على استقذاره؟ ليس حراماً لأن المنافقين كانوا يتصدقون، وكانوا يتيممون الخبيث من أموالهم ينفقونه، فما جعل الرسول ﷺ المال الخبيث الذي يعطى لأهل الصفة حراماً، بل كان حلالاً يأكلونه، لكن عاب على المنافقين أن أحدهم يتيمم النوع الخبيث من التمر ويأتي به ويعلقه لأهل الصفة، بينما كان كرام الناس والمؤمن بالأجر وبالعوض عند الله يأتي بأحسن أنواع التمور أو الرطب أو غير ذلك ينفقه عليهم، والمنافقون يعتبرون هذه غرامة، فلا يأتي بالجيد. إذاً: معنى قوله: (كسب الحجام خبيث) أي: غير مستطاب، يقول العلماء: لا ينبغي لحر كريم أن يعمل بهذه المهنة، وبعضهم قال: خبثه بسبب ما يتعاطى من الدم، والدم نجس، حيث كان الحجام يعمل بالقرن، فحين ينخلع القرن بطابق منه، يخرمه ويجعله على محل التشريط ويشفط بفمه ليبتز الدم، فلربما زاد في الشفط فغلبه الدم ووصل إلى حلقه دون قصد، فمن هنا كان الخبث، فلما كان الأمر كذلك، وجاء حجام وسأل، قال: (ماذا أفعل فيما أعطى؟ قال: أطعمه الدواب أو أطعمه العبيد) ، فهنا قالوا: سيطعم الدواب حراماً، أو يطعم العبيد الحرام، وهو مكلف بأن يطعمهم من الحلال! إذاً: كسب الحجام خبيث لما فيه من دناءة بالنسبة لبعض الناس. ثم يأتي الحديث الثاني بأن النبي ﷺ احتجم. وهذا أولاً يثبت مشروعية الحجامة، ثم أعطى الحجام أجره، بل هناك زيادة في حديث بني بياضة: (أنه استوصاهم به خيراً، ثم أرسل إليهم أن زوجوه) ، فقد أكرم الحجام بأجره وبالوصاية به، فليس هناك أي إهانة له أو ابتذال.

стр. 2382

الحجامة من الناحية الطبية هنا بحث العلماء من جانب الطب في الحجامة، وجميع العلماء في السابق كان الطب النبوي معلوماً عندهم، وأعرف شيخاً جاء من باكستان لتدريس صحيح البخاري، وكان يحفظه عن ظهر قلب، وسأله البعض عن حديث في البخاري، قال: بهذا اللفظ الذي تذكره لا أعرفه، ولكنه فيه بلفظ كذا، فصحح له اللفظ، وكان طبيباً، وكان له مطب عربي في باكستان، فكان العلماء سابقاً أطباء، والحجامة من الطب النبوي، وكانت معروفة عند العرب، لكن يذكر ابن القيم ﵀ في مبحث الحجامة ما ينبغي لكل إنسان أن يقرأه قبل أن يقدم عليها. أولاً: هناك سن قبله لا تجوز الحجامة، وهو عين الموجود في الطب الحديث اليوم، بنك الدم لا يأخذ من شخص دون السابعة عشر من عمره، ولا يأخذ أيضاً من شخص جاوز الستين من عمره، وما بين هذين يمكن أن يأخذ بنك الدم دماً يحتفظ به عنده. ويشترط في من يؤخذ منه أن يكون ما بين المرة والمرة فترة لا تقل عن ستة أشهر. ويذكر ابن القيم تنظيماً آخر في موضوع الحجامة: فهو يمنعها في يوم من الأسبوع لعله يوم الأربعاء أو غيره، ويحث عليها في الصيف؛ لحديث: (لا يتبوغ بكم الدم) ، والحجامة هي الفصد، وتعني أخذ الدم من الجلد بعد تشريطه تشريطاً خفيفاً جداً، ثم يؤتى بآلة ماصة، أو عن طريق تفريغ الهواء أو الشفط، فيبتز الدم من الجلد، أو بالفصد من العرق مباشرة كما يعمل في أخذ الدم من صحيح إلى مريض، عندما توضع الإبرة في العرق، والدم يخرج سائلاً متدفقاً إلى الوعاء، فهذا فصد: أخذ الدم من العرق مباشرة، والحجامة: أخذ الدم من الجلد بطريق الشفط أو بتفريغ الهواء وغيره. وهناك -كما يقال- الكاسات الجافة التي توضع لأخذ الرطوبة، كطريقة الحجامة سواء، ولكن ليس هناك تشريط، ولا خروج دم ولكن امتصاص الرطوبة من وراء الجلد من الجسم، وهذا يستعمل في علاج الرطوبة كالروماتيزم ونحوها. وهنا احتجم ﷺ ، وذكر: (لو أن دواء يصل الداء لوصلته الحجامة) ، أي: أن الحجامة أهم ما تكون في الأدوية، وبحثها طبياً على حدة، والذي يهمنا هنا: أن ما قيل عن أجره: خبيث قد دفعه له، ولن يدفع ﷺ شيئاً خبيثاً لإنسان. وبعضهم يقول: خبث أجر الحجام لأنه مؤاجرة على عمل مجهول، فلا يدري كم سيأخذ من الدم، ولا كم سيستغرق من الزمن، ولا ندري ولا ندري. إلى غير ذلك. وعندهم: كل داء في البدن له موضع معين للحجامة، فقد يحجم عن الضرس في القفا، وعن الصداع في الجانب، وعن كذا في الظهر، وكل هذه أمور طبية تكلم عنها ابن القيم ﵀ باستفاضة. إذاً: الأعمال التي قد يتمنع عنها بعض الناس أجرها فيه ما فيه، ومن هنا كان العرب يأنفون من الأعمال التي فيها دناءة، ولا تجد إنساناً حراً -مثلاً- عربياً يعمل بكنس الشوارع، ولو جاع، بل قد يحمل نفسه فوق طاقتها ويبني في الشمس في الحجر والطين ولا يعمل المهن التي فيها نوع امتهان للعامل، وهذه من عادات الشعوب، بعض الشعوب ليس عندهم أي نوع من العمل عيب، ولكن العيب في مد اليد، أو الأكل بغير وجه مشروع: السرقة، السلب، النهب. أما العرب فيقطعون الطريق ويسرقون ولا يعملون الأعمال -في نظرهم- الممتهنة. وهذا فيه نظر.

стр. 2383

شرح حديث: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة) [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره) ، رواه مسلم] . يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث بمناسبة الصنف الثالث، وهو ما يتعلق بالأجير وأجره، وهذا الحديث وأمثاله من الأحاديث القدسية، وللعلماء مبحث في التفريق بين الأحاديث القدسية والأحاديث النبوية، وبين الأحاديث القدسية وبين القرآن الكريم.

стр. 2384

سند القرآن الكريم الحديث القدسي يأتينا عن رسول الله، فهو الذي ينقل لنا قول الله، والقرآن كلام الله؛ فالحديث القدسي والقرآن يشتركان في النسبة إلى الله تعالى، فما الفرق بين القرآن وهو كلام الله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وبين الحديث القدسي والرسول يقول: قال الله؟ أما الفرق بين القرآن والحديث القدسي؛ فإنه من حيث السند، ولفظه وطريقة وصوله إلينا: فالقرآن -كما يقول العلماء- قطعي الثبوت ظني الدلالة، أو مختلف في ظنيه أو قطعيه، هناك الاشتراك اللفظي وهناك الاشتراك المعنوي، وهناك الناسخ والمنسوخ. إلى غير ذلك. فالقرآن له طرق وحي ثابتة: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] وهذا الذي كان يحدث لرسول الله ﷺ حينما يأتيه الوحي، ويكون في إغفاءة كالإغماء. إذاً: القرآن قطعي الثبوت عن الله؛ لأن الله قد بين سند القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٢] ((إنه لقول)) (إنه) ضمير الشأن راجع للقرآن، ((رسول)) الرسول معناها المرسل، والمرسول معناها يحمل رسالة، رسول حمل رسالة، من الذي أرسل الرسول الكريم؟ الله ((ذي قوة)) ، وما الذي نحن نستفيده من قوته، ونحن إنما نريد إبلاغ الرسالة؟ فهو ليس عامل بريد مسكين ضعيف يأتي على الدراجة ويقدم لك الرسالة، فعامل البريد ربما هجم عليه أناس وأخذوا منه الشنطة ويدفعون إليه شنطة مزيفة ويذهب يوزعها على الناس مزيفة، لكن هذا الرسول قوي، لا يستطيع أحد أن يدنو منه ويغير عليه شيء مما أرسل به: (إنه لقول رسول كريم) أولاً: كريم هو بنفسه كريم، ثم (ذي قوة عند ذي العرش مكين) ، متمكن من أداء واجبه. والرسالة أرسلت لصاحبكم: (وما صاحبكم بمجنون) ، عاقل وافر العقل، لا يمكن أن يغير شيئاً مما أرسل إليه. ثم هذا الرسول وإن كان ملكاً لكن قد انكشف أمره لرسول الله، ورآه على حالته الملائكية؟ في الأفق المبين: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٣-٢٤] ، إذاً: تعرف رسول الله على جبريل الذي يأتيه بالرسالة، وهو قوي مطاع في عالم السماء، قوي على رسالته، هذا سند القرآن الكريم.

стр. 2385

سند الحديث القدسي سند الحديث القدسي ليس كالقرآن، فقد يكون من النوع الذي يكون فيه (نفث في روعي) ، كما جاء: (نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل قوتها) ، والنفث في الروع إحساس، وقد يشترك فيه عامة الناس ممن اصطفاه الله وصفت روحه؛ كقضية الرجل الذي كان مع الرهط ونزلوا على حي وطلبوا القرى، قالوا: اذهبوا، فقد أتيتم من عند هذا الصابئ فليس لكم عندنا شيء، فجلسوا، فسلط الله عقرباً على سيد الحي، فذهبوا يبحثون يمنة ويسرة عمن يداويه من لدغة العقرب فما وجدوا أحداً، ثم قالوا: هلا ذهبتم إلى هؤلاء النفر. فأتوهم: هل فيكم من راق؛ فإن سيد الحي لدغ. قال: لا، طلبنا منكم القرى فامتنعتم، لا أرقيه لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً -أجراً- فآجروه على قطيع من الغنم، يقول: فأخذت أقرأ عليه وأنفث، فقام كأنه نشط من عقال، قالوا: ماذا قرأت عليه؟ قال: فاتحة الكتاب (سبع مرات) ، وجاء يسوق الغنم لأصحابه، قالوا: نقسم. قال: لا، حتى نرجع إلى رسول الله ﷺ ونسأله: هل لنا حق في أخذ هذه الغنم أم لا؟ وهل نأخذ أجراً على قراءة القرآن؟ فلما جاءوا لرسول الله ﷺ قال: (وما يدريك أنها رقية؟ قال: شيء نفث في روعي) ، الحاسة السادسة كما يقولون، أحسست في نفسي وشعوري، هذا الإحساس وهذا الشعور هو اليقين ونور الإيمان، كما في الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه يرى بنور الله) ، فالله ألهمه ووجهه بأن يقرأ عليه الفاتحة. إذاً: الحديث القدسي قد يكون شيء ينفث في الروع، وجاء لرسول الله، فكيف وصل إلينا من رسول الله؟ عن فلان عن فلان عن فلان، ومن فلان وفلان وفلان؟ بخلاف القرآن: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٢] ، وحينما يأتي إلى صاحبهم يقول: هلموا يا كتبة الوحي واكتبوا، فحينما ينزل القرآن على رسول الله بهذا السند القوي المتين حالاً يسطر، فحفظ القرآن بذلك، وأما الحديث القدسي فما كانوا يكتبونه، ونحتاج إلى أن ننظر من الذي نقله لنا؛ هذا الحديث أبو هريرة، ومن الذي قبله؟ فهنا الحديث القدسي يتوقف على السند، فقد يكون السند قوياً صحيحاً مهماً، وقد يكون قابلاً للنظر والبحث. القرآن قطعي الثبوت، ومن أنكر حرفاً واحداً منه كفر، والحديث القدسي لو أنكره إنسان بكامله وقال: هذا السند لا يثبت عندي، وإن كان قدسياً. يقال له: نبحث في السند، فإن توصلنا إلى صحة السند التزم به، وإذا لم نتوصل إليه كان إنكاره وجحوده إياه صحيحاً. فهذا فرق بينهم. أما من حيث الموضوع: فقد أمرنا الله أن نتعبد بكتابه تلاوة وعملاً وتطبيقاً. أما الحديث القدسي فما تعبدنا الله بقراءته، ولو قرأت ألف حديث قدسي فإنه لا يساوي: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ؛ لأن القرآن نزل للتعبد، ولا تصح الصلاة بالحديث القدسي وإن كان فيه (قال الله) ، وتصح الصلاة بالقرآن. هذا جوهر الفرق ما بين القرآن والحديث القدسي.

стр. 2386

الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي الحديث القدسي يأتينا عن طريق السنة النبوية وإن كان مسنداً إلى رب العالمين سبحانه، فيأخذ طريق السنة في إثباتها وتشريعها، وهذا الحديث الذي معنا ما ذكره لنا رسول الله عن الله إلا للتشريع، ويأخذ طريق السنة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] ، سواء أتانا به من عنده أم مسنداً إلى ربه؟ وإذا كان عن رسول الله مسنداً إلى ربه يكون أقوى وأعظم وأضخم؛ فهنا هذا الحديث من النوع الذي يسميه العلماء: الأحاديث القدسية، ووزارة الأوقاف كانت قد جمعت معظم الأحاديث القدسية، وطبعتها في كتاب ضخم بأسانيدها وأوضاعها، وكثير من العلماء حاول أن يجمعها، ولكن هذا جمع لجنة مكتملة مجتمعة فيكون أقرب إلى الصواب إن شاء الله.

стр. 2387

إثبات خصومة الله لأناس على الحقيقة [يقول أبو هريرة: قال رسول الله: قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة] . هل المراد ثلاثة أشخاص بالعدد في الأمة كلها، أو ثلاثة أصناف؟ ثلاثة أصناف، إذ كل من اتصف بصفة من تلك الثلاث فهو واحد منهم. (أنا خصمهم يوم القيامة) الله أكبر! مَن مِن الخلق إنس أو جن أو مَلك يقدر على أن ينصب الخصومة بينه وبين الله؟ كما جاء في الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] ، من يستطيع أن يقف في أرض المعركة حرباً مع الله ورسوله؟ الرسول ﷺ يقول: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) وتأتي أنت في المعركة تقف أمام رسول الله ورب العالمين؟! وكما يقول العلماء: إن الله يوم القيامة خصم كل ظالم، وهو يحكم بالعدل ويحاسب الناس على أعمالهم بالعدالة، لكن تلك خصومة خاصة، واحذر ثم احذر أن تفتح مفتاح عقلك وتقول: كيف يكون خصماً؟ وهل الناس أعداء له؟ هل هم خصومه؟ الخصومة سببها كذا وكذا، وتدخل عقلك في إثبات خصومته وكيف تكون؟ قل لها: لا، صفات المولى لا تخضع إلى قوى العقول، صفات الله فوق مستوى الكيف ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، يكفينا الهيكل والتركيب العام: (أنا خصمهم يوم القيامة) ؛ فليأت أصحاب الخصوم والذين يكونون خصماء ويحكم الله بينهم.

стр. 2388

من أعطى بالله ثم غدر [ (رجل أعطى بي ثم غدر) ] . رجل كان أو امرأة، وقال: (رجل) للتغليب، وربما لأن الرجال في العادة هم أكثر الذين يغدرون، وكانت العرب تتمدح بالغدر ونقض العهد، ويقولون: إن الذي لا ينقض العهد ولا يغدر بعدوه ضعيف، ولا يستطيع أن يصنع شيئاً، ويتمدحون بالغدر، ففي قول الشاعر: قُبيلة لا يغفرن بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل لما سمع عمر هذا، وقالوا: الشاعر هجانا وقال فينا كذا. قال: والله إنه لنعم الحال! الظلم ظلمات يوم القيامة، فإذا كانت هذه القبيلة لا تظلم الناس حبة خردل فجزاهم الله خيراً، بل قال أكثر من هذا: تعاف الكلاب الضاريات لحومهم وتأكل من لحم كعب بن نهشل قال: كفى بالأمر ضياعاً أن تأكل الكلاب لحومهم، ما عليكم أنتم؟! قالوا: لا، بل قال آخر: وما سمي العجلان إلا لقوله: خذ القعب أيها العبد واحلب واعجل فقال: خادم القوم سيدهم. انظر إلى فطنة عمر! وعمر كان سفير قريش عند القبائل في التهنئة والتعزية. بعض الناس يقول: عمر لا يفهم الكلام. مجنون من قال هذا! عمر يقول: (إذا جاءتك كلمة عن صديق لها خمسون محملاً في الشر، ومحمل واحد في الخير، فاحملها على محمل الخير) . والشناقطة يقولون: من باع صديقه بخمسين زلة فقد باعه بيعة رخيصة. يصبر عليه حتى يكملها مائة! نحن الواحد منا إذا أخطأ صديقه أو زل بشيء مرة أو مرتين قلنا: هذا ليس فيه خير، ونقاطعه وينتهي الأمر. وهذا لا ينبغي. هتلر في الحرب الأخيرة لما أراد أن يقاتل الأسبان قالوا له: بيننا وبينهم معاهدة. قال: هي حبر على ورق. يعمل بها في السلم، أما الحرب فلا توجد عنده معاهدات. والذي يحمله على هذا؟ ما كان لديه من قوة. فهنا المولى خصم لثلاثة؛ أولهم: (رجل أعطى بي) أعطى ماذا؟ قالوا: أعطى العهد، أعاهدك بالله على كذا، فائتمنه لعهد الله. (فغدر) : هذا الغادر هل غدر بصاحبه أو بالعهد الذي أعطاه؟ غدر بصاحب العهد، رجل أعطاك عهده وقبلته منه، وعاملك على ذلك، فأنت غدرته، كأنك لا تبالي بعهدي، ولا بحقي وأنا المنتقم الجبار! وحينما يكون يوم القيامة، ويأتي الطرفان، من الخصم في قضية نقض العهد؟ الله، ومن هنا -أيها الإخوة- وإن كنا في أحكام الفقه، لكن لابد من بيان جانب العقائد في مثل هذه الأحاديث، نقرأ في العقائد: (من حلف بغير الله فقد أشرك) ، نحن نتكاثر هذه، والشرك ظلم عظيم! ابن مسعود يقول: (لأن أحلف بالله كاذباً أهون علي من أن أحلف بغير الله صادقاً) . لأن الحلف بالله كذباً معصية وقد أتوب منها وأستغفر وأتوقف والله يرحمني، لكنه بغير الله شرك. وكيف يكون الحلف بغير الله شركاً؟ هذه مهمة لطالب العلم، فهي ليست مجرد عبارات تسطر لا، أين نقطة الشرك هنا؟ نحن نعلم أنه إذا رفعت القضية إلى القاضي، وأنكر المدعى عليه، طالب القاضي المدعي بالبينة. وهذه هي العدالة، فيأتي المدعي فيقول: هذا صديقي، وأنا ائتمنته، وما ظننت أنه سوف يخونني أو ينكرني، حتى أنني ما رضيت أن آخذ عليه سنداً ولا أشهد عليه شهوداً، بيني وبينه وبين الله. فحينئذ المدعي خلو اليدين، فهل تنتهي القضية على هذا؟ لا، ماذا يقول المدعي؟ يقول: حلفه يمين الله أن دعواي كاذبة، وأني ما أعطيته، فيقول له: تحلف يمين الله أنك ما أخذت منه المبلغ الذي يطالبك به فيقول: نعم، أحلف. فلسفة اليمين هنا: المدعي خلو اليدين من بينة يقيمها على خصمه، ورجع إلى الله، واستشهد بمن لا تخفى عليه خافية، وقال: يا شيخ! شاهدي الوحيد المطلع على ذلك هو الله، فليحلف لي بالله أنه لم يأخذ مني. فحينما يتوجه المدعى عليه ويقول: والله! لم آخذ منه شيئاً. معنى هذا: أنت يا أيها المدعي عجزت عن شهود من الخلق، وجئت بشاهد واحد هو الخالق المطلع على حقيقة الأمر، وحلف بالله أنه لم يأخذ منك شيئاً هنا حكم القاضي ببراءة المدعى عليه وصرف النظر عن دعوى المدعي لعجزه عن الإثبات، وحلف المدعى عليه اليمين. هذا جهد القاضي، ولكن حقيقة القضاء هل تنتهي هنا أم يعاد النظر فيها يوم القيامة؟ يعاد النظر فيها يوم القيامة. وهنا كيف كان الحلف بغير الله شركاً؟ لأن الحلف بالله والله وحده هو الذي يعلم الحقيقة، والله وحده هو الذي يعاقب الكاذب ويقدر على ذلك، لكن لو حلفت بجبريل وميكائيل وإسرافيل وجميع الملائكة وجميع الرسل هل يعلمون الغيب في هذه القضية؟ هل يعلمون حقيقة الدعوى؟ لا؛ فكأنك حينما تحلف بغير الله جئت بغير الله محل الله، وادعيت أنه يعلم الغيب في القضية. والأمر الآخر: يوم القيامة: هل هؤلاء يستطيعون أن يعاقبوا الكاذب؟ لا يملكون ذلك: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ؛ فأنت بحلفك هذا أنزلتهم منزلة الله في عقوبة الكاذب، إذاً أشركت مرتين: في إعطائك المحلوف به علم الغيب، وفي إعطائك إياه حق الانتقام وأخذ الحق لك وهو لا يملك ذلك.

стр. 2389

من باع حراً فأكل ثمنه [ (ورجل باع حراً فأكل ثمنه) ] . قوله: (رجل) هنا إنما هي وصف طردي، وقد يكون أيضاً امرأة؛ لأن التكليف واحد. وكيف يبيع حراً؟ هل يستطيع إنسان أن يأتي على أحد الجالسين ويقول: أنا بعتك؟! يمكن، ويصدق هذا في أحد أمرين: إما بطريق الكتمان والغدر. وإما بطريق السلب والنهب بالقوة. أما طريق الغدر: فيكون بينه وبين العبد أنه أعتقه لوجه الله. فصار حراً، ثم يندم ويقول: أنا لماذا أعتقه؟ لماذا لا أبيعه وآخذ ثمنه خيراً لي؟ فبعد أن تقرر العتق وصار حراً وليس عند العبد شهود إثبات، هل تعرفون عبدي فلان؟ قالوا: نعم. قال: أريد أن أبيعه؟ العبد يقول: أنا حر، أنت أعتقتني. يقول: كذاب. فباعه وأكله ثمنه. أو يظهر قطاع الطريق على أناس يمشون، ثم يأخذونهم ويختطفونهم ويبيعونهم، وكان يقع هذا في بعض البلدان: يحتالون على الشخص حتى يدخلونه في بيت ويقيدونه، وفي الليل يخرجون به ويذهبون إلى جهات أخرى يبيعونه فيها. زيد بن حارثة من أين جاء؟ خرجت به أمه تزاور أخواله إلى الطائف، فخرج عليهم قطاع الطريق وأخذوه، وأنزلوه إلى مكة وباعوه، ووصل إلى خديجة بالثمن، فوهبته لرسول الله يخدمه، وكان أبوه يبكي طوال الليل والنهار ويسأل ويبحث، ثم قيل له: إن ابنك في مكة عند بني هاشم. فجاء وأتى بأخيه معه، وأتى بالمال، واستقصى حتى عرف أنه عند محمد بن عبد الله -قبل البعثة- فقال: يا محمد! سمعت أنك الوفي الأمين، وأنك وأنك. وأن ابني عندك، وقد جئت بفدائه، فاقبل منا الفداء. قال: أو غير ذلك؟ قالوا: وما هو؟ قال: أدعوه وأخيره بيني وبينكم، إن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فما أنا بمفادي من يختارني على أهله. قالوا: أنصفتنا. قال: إذا كان بعد العصر فقوموا في المسجد واطلبوا طلبكم، فجاء زيد وقال: والله لا أختار عليك أحداً أبداً. فقال أبوه: ويحك يا زيد! أتختار الرق والعبودية على السيادة والحرية؟ قال: وكيف لا! والله مذ صحبته ما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله. يعني: وجدت عنده من الرحمة والرفق وحسن المعاشرة ما لم أجده عندك أنت. فحينما قال ذلك أخذه رسول الله ﷺ بيده وطاف به حول الكعبة وقال: زيد ابني. وصار يقال له: زيد ابن محمد، حتى جاء القرآن وفصل القضية: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠] حتى ولا نسائكم ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ، ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب:٥] . ثم جاءت القضية الثانية: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] الزواج بالإجبار، بتكليف من الله، لم؟ هل تنقصه نساء أو زوجات؟ لا، لكنه زواج للتشريع لا لإرضاء الخاطر وإشباع الرغبة كما يقول السفهاء. وفي قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧] ، ويأتي هناك سياق القضية بمقدماتها وبأدلتها: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤] ، هذه قضية تشريعية، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] ، ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة:٢] ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] ، تأتي المقدمة بالواقع، لا يوجد واحد عنده قال. وإن كان بعض الصحابة كان يقال له: (أبو قلبين) ؛ لأنه كان جريئاً، لكن خلقة لا يوجد. وكذلك ما جعل الله الزوجة أماً، أمك واحدة التي ولدتك، فيأتي بقضيتين طبيعيتين مسلمتين ليبني عليها، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] ؛ لأن الشخص له أب واحد، كيف تكون أنت أبوه وذاك أبوه؟ كما لم يكن للرجل قلبين لا يكون له أبوين، وكذلك لا يكون له أمين.

стр. 2390

البلاغة اللغوية في قوله: (وأكل ثمنه) من البلاغة والنوادر في الأسلوب العربي البليغ عند قوله: (باع حراً ... ) أنه لم يقل: وقبض ثمنه، وأخذ ثمنه، مع أن كل هذا يؤدي المعنى، ولكن قال: (فأكل) ، وما خصوص الأكل؟ لماذا لم يقل: ولبس أو وركب؟ يشتري بعيراً أو ناقة أو لباساً لا؛ لأن الأكل من أخص خصائص الإنسان، وإذا لم يأكل يموت، ولكأن الحديث يشير إلى أن عملية بيع الحر ولو كانت لأشد ما يكون في الناس من مخمصة ليأكل حتى لا يموت، لكن أيضاً أنا خصمه، لست خصمه حينما يبيعه للترفيه، أو يبيعه للتمول وتخزين المال فقط، بل خصمه ولو باعه وهو في أشد الحاجة لأن يأكل حتى لا يموت، يعني وهو في حالة الاضطرار أنا أيضاً خصمه.

стр. 2391

بيع الحر عند العرب قديماً بيع الحر يقال: إنه كان موجوداً عند بعض القبائل: كان يباع أبناء الرجل في الدين عليه إذا عجز عن سداده، وهو موجود في القانون اليوناني والروماني: إذا بيعت المزرعة بيع معها الغلمان، وإذا استدان الرجل وعجز عن سداد الدين بيع هو أو أولاده في سداد الدين، وكان في بعض القبائل كذلك. وقد يحتال بعض الناس فيما بينهم على أن يبيع أحدهما الآخر، ويأخذون الثمن، ثم يهرب العبد، وجاء في بعض الأسفار عن نعيم، وكان مضحكاً لرسول الله ﷺ ، وكان صهيب مسئولاً عن الغذاء والتموين، فذهب وقال له: أعطني؛ أنا جائع. قال: اصبر حتى يأتي الجميع. قال: أعطني. فقال له: لا. قال: فتوعده، فعندما نزلوا بمنزلة ومرت قافلة من التجار ونزلوا قريباً منهم، أتاهم وقال: لدي عبد أتعبني، وكلما بعته هرب على المشتري ويقول: أنا حر أنا حر! ويفسد علي البيعة، وأريد أن أبيعه هذا المرة آخر بيعة، هل تريدون شراءه ولا تسمعون كلامه، وتقيدونه وتريحوني منه. قالوا: قبلنا، بكم؟ قال: بنصف القيمة. فباعه وقال لهم: أنا سأريكم إياه من بعيد، وخذوا معكم الحبل، فإذا أتيتموه سيقول لكم: أنا حر أنا حر. فاصنعوا به ما شئتم، ولو هرب أو رجع فلن أرد لكم الثمن. فذهبوا ومعهم الحبل، وقيدوه فصاح: أنا لست عبداً أنا حر. قالوا: نحن نعلم هذا! وأبو بكر رضي الله تعالى عنه كان غائباً، ثم جاء يسأل: أين فلان؟ قالوا: باعه فلان. قال: كيف بعته؟ قال: أطلب منه الأكل فلا يعطني. وكان الرسول ﷺ يتسامح معه لأنه كان يتفكه به، فسأله: بكم بعته؟ قال: بعته بكذا. قال: أعطني المال، فأخذ منه المال وذهب إلى هؤلاء النفر فقال لهم: هذا الرجل الذي باعه لكم إنما هو عيار يمزح، وهذا هو أخونا وهو صاحب رسول الله. فتركوه ومضى به. (ورجل باع حراً) لماذا يكون الله خصمه؟ لماذا لا يكون الشخص بنفسه ويطالب بحقه؟ لأن العبودية حكم من الله، والحرية حق الله أعطاه للعباد، ولا تأتي العبودية إلا في أرض المعركة عقب قتال المشركين للمسلمين، فيؤخذ باسم الدين.

стр. 2392

من استأجر أجيراً ولم يعطه أجره [ (ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره) ] . دائماً وأبداً الأجير في حالة ضعف مع المستأجر، فهو يأتي ويعمل مستوثقاً من المستأجر في دفع الأجرة، فعمل وانتهى وقت العمل واستوفى المستأجر العمل، أعطني الأجرة. قال: ليس الآن ليس الآن ليس الآن إلى أن تذهب الأجرة، استوفى حقه في العمل ولم يعطه أجره، فهذا المسكين الضعيف ماذا يصنع؟ هو أجير، والعادة فيه أنه ضعيف، فأنت استغللت ضعف قوته وشخصيته، وهو استعان عليك بالله، فتكون الخصومة بينك وبين الله في حق هذا الأجير. ونذكر هنا القصة المشهورة في النفر الثلاثة من بني إسرائيل الذين آواهم المبيت إلى الغار، ونزلت عليهم الصخرة وسدت فم الغار، قالوا: الآن لا أحد يعلم بنا -لم يكن هناك لاسلكي ولا (البيجر) ولا اتصالات، أنتم الآن في قبركم أحياء، لا يعلم بكم إلا الله، ولن ينجيكم منه إلا الله -هنا الشدة تمحص الحق- وليس لنا إلا أن نستشفع الله، ونتوسل إليه بصالح أعمالنا أن يكشف عنا. والقصة طويلة فواحد توسل ببر الوالدين، وواحد توسل بالتعفف عن الزنا، وقال الثالث: (اللهم إنه كان لي أجير، فأعطيته أجره صاعاً من شعير فاستقله وذهب وتركه، فأخذته وبعته، واشتريت عناقاً ونميته له حتى صار مالاً في الوادي، فجاءني بعد زمن وقال: أتعرفني؟ قلت: نعم، أنت الأجير فلان. قال: أعطني أجري. قال: قلت: اذهب إلى الوادي وانظر ما فيه من بهيمة الأنعام فخذه، فهو أجرك. قال: أتهزأ بي لأني مسكين؟! قال: لا -والله- إنه أجرك نميته لك حتى صار كذلك. فذهب فأخذ جميع ما وجد، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانكشفت عنهم الصخرة جزءاً) ، وهكذا مع كل واحد توسل بصالح عمله تنكشف الصخرة جزءاً حتى انكشفت وخرجوا يمشون على وجه الأرض. فهذا هو حسن معاملة الأجير، والله جعل لذلك معلماً: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) ، تنزاح الصخرة بذاتها، هم الثلاثة لم يقدروا على زعزعتها، لكن انزاحت لما توجهوا إلى الله بصالح أعمالهم. إذاً: هؤلاء الثلاثة لهم حقهم، وواجب على الإنسان أن يعنى به، وإذا ما فرط فيه كان الله خصمه يوم القيامة. نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 2393

كتاب البيوع - باب المساقاة والإجارة [٤] كثيراً ما اختلف أهل العلم وخاضوا معترك مسائل إهداء القربات للموتى، ولكنهم أجمعوا على وصول الأعمال المالية، واختلفوا اختلافاً شديداً في وصول الأعمال البدنية خصوصاً إذا كانت بالأجرة، كما أنهم اختلفوا في أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وكاد أن يستقر رأيهم على جواز ذلك. وفي جانب الإجارة أيضاً حث الشرع على سرعة تسليم الأجرة للأجير، وأن يعلمه عن نوعية العمل المراد منه أن يقوم به، وأن يحدد له أجره اللائق بمثله.

стр. 2394

حكم أخذ الأجرة على القرآن ونحوه من القرب [وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) ، أخرجه البخاري] . يعنون علماء الحديث والفقهاء على هذا الحديث بعنوان (باب الأجرة على القُرَب) أي: الأعمال التي أساسها التقرب إلى الله، ويبحثون تحت هذا الحديث الأجرة لتعليم القرآن، قراءة القرآن، إمامة الصلاة، القضاء، الإفتاء، وكل ما الأصل فيه أنه قربة لله. والبحث في هذا يتناول تلك الجوانب على أنها أعمال ينبغي أن يقوم بها صاحبها قربة لله، فقارئ القرآن لنفسه يقرأ لله، ويقرئ غيره ويعلمه لله، الإمام يؤم الناس في الصلاة لله، المعلم يعلم الناس لله، القاضي يقضي والمفتي يفتي لله إلى غير ذلك من الأعمال التي فيها قربة إلى الله باحتسابه الأجر عند الله، فهل تجوز الأجرة على هذه الأعمال التي يقصد صاحبها أجراً وثواباً من الله؟ أي: هل يأخذ أجراً من الله ومن الناس؟ قيل: يأخذ أحد الأجرين: إن اختار الأجر من الناس فلا أجر له عند الله، وإن اختار الأجر من الله فلا أجر له عند الناس، هذا مبدأ البحث، ووجهة نظري الاختلاف في هذه القضية، وأعظم مسألة فيها هو ما يتعلق بالقرآن. (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) أجراً في أي شيء في كتاب الله؟ في قراءته، يستأجر إنسان شخصاً يقرأ القرآن ويعطيه أجرة على قراءته كالذين يستأجرون للقراءة على الموتى، أو: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) في تعليمكم الناس كتاب الله: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، وهنا يأتي البحث.

стр. 2395

حكم إهداء ثواب القراءة للميت يمكن أن نقول: إن ما يتعلق بالأجرة على القرآن فيه جوانب جائزة بالإجماع، وجوانب ممنوعة بالإجماع، وما بين ذلك وذلك محل البحث: فقراءة القرآن بأجرة للغير من أجل موتاه. هذه لا أصل لها، وقالوا: كيف يهب ثواباً لا يملكه أو لم يحصل عليه؛ لأنه استبدل به الأجرة ممن استأجره، ومن قرأ القرآن على أجرة من أحد فليس له ثواب عند الله، إذاً: ماذا سيهب لميت هذا المستأجر، وليس عنده شيء؟! أما كون هذا الإنسان يقرأ بنفسه ويهب إلى موتاه، فهذا فيه الجمهور على الجواز، وما خالف في ذلك إلا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها والشافعي ﵀، ودليلهم: (أو ولد صالح يدعو له) ، ومن الدعاء له قراءة القرآن، وقد بحث الإمام ابن تيمية هذه المسألة في ما يقرب من عشرين صفحة، وأتى بدلائل شرعية وعقلية، وقال: أنت حينما تصلي الصلاة لك وعد من الله بالأجر عليها، وأنت عندما تدعو الله: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني. هذه المغفرة وهذه الرحمة حق لله أنت سألتها، فيعطيك إياها بدون عوض بمجرد ما سألته، وكذلك لما تقرأ القرآن يكون لك على هذه القراءة أجر عند الله، فتقول: يا رب! أنا قرأت، ووعدني رسولك الكريم بأن لي على كل حرف عشر حسنات، وأنا أطلب منك أن تجعل حسناتي من قراءتي هذه لوالدي لولدي لأخي لصاحبي فلان. فهنا يقول ابن تيمية ﵀: إذا كان الله يعطيك ما لا تملك، كقولك: اللهم اغفر لفلان، اللهم ارحم فلاناً، فمغفرة الله لفلان ليست ملكاً لك، فهو يستجيب لك ويعطيها لفلان، فما بالك إذا كانت القراءة ولك بكل حرف عشر حسنات تسجل لك في كتابك وصحيفتك، فتقول: يا رب! أنا أريد تجعلها في صحيفة فلان، قال: فهذا من باب أولى.

стр. 2396

حكم إهداء ثواب القربات المالية ثم إذا نظرنا في ما يتعلق بعمل الغير، نجد إجماع المسلمين على أن الميت يستفيد من عمل غيره المادي؛ فإذا مات وعليه دين وسددته استفاد به، وإذا تصدقت عنه بشيء كان أجر الصدقة له، وقد جاء عن رسول الله ﷺ في خصوص خديجة رضي الله تعالى عنها: كان ﷺ يذبح الشاة على اسم خديجة، ويفرقها على صويحباتها، حتى غارت عائشة، وقالت: (كل شيء خديجة خديجة!) . وكذلك كانوا في أول الأمر: من مات وقدموه للنبي ﷺ ليصلي عليه سأل: أعليه دين؟ إن قالوا: نعم. قال: صلوا عليه أنتم. وإن قالوا: لا، صلى عليه، حتى أُتي برجل، قالوا: عليه ديناران، قال: صلوا عليه. فقام علي، وقيل المقداد -أو هما قصتان متعددتان- وقال: يا رسول الله! صل عليه ودينه علي. وفي رواية: أن علياً رضي الله تعالى عنه قال له النبي ﷺ : (أهما في ذمتك يا علي، وبرئت منهما ذمة الميت؟ قال: بلى يا رسول الله. فصلى عليه) ، فهنا سداد دين عن ميت من الغير جائز ويصله الأجر، وأجمعوا على أن جميع الحقوق المالية لو قام بها إنسان عن ميت أجزأه كما لو قام بها عن حي: إنسان مدين ومسجون في دينه، وذهبت ودفعت الدين الذي عليه؛ فإنه يطلق، ومثله كذلك من يطالب بنفقة لأهله فأنفقت عليه. المهم: أن القربات المالية يجوز إهداء ثوابها بالإجماع.

стр. 2397

حكم إهداء ثواب القربات البدنية الصوم والصلاة عبادة بدنية، والحج يجمع بين الأمرين، فجاء في الصوم: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) ، وهذا متفق عليه إلا عند المالكية، فهم يقدرون معنى (صام) يعني: أطعم؛ لأن الإطعام بدل الصوم، وهذا بعيد عن صريح عبارة النص. نجد في حج البيت: (إن أمي ماتت ولم تحج، أينفعها أن أحج عنها؟ قال: أرأيتِ لو أن على أمك دين فقضيتيه أكان ينفعها؟ قالت: بلى. قال: كذلك دين الله أحق) ،ومن ضمن أعمال الحج ركعتي الطواف، وهي صلاة. حينما تقدم الجنازة: الصلاة على الرجل يرحمكم الله. فكل الموجودين يقومون ولا يعلمون من الذي يصلون عليه، إنما دعوا للميت الحاضر، هذه الصلاة وهذه الأدعية تنفعه أو لا تنفعه؟ قطعاً تنفعه؛ لأنها إذا لم تكن تنفعه كانت عبثاً، ولماذا نصلي إذا كانت لا تنفعه؟ فشرعت صلاة الجنازة من الأحياء للأموات. كذلك -بالإجماع- الدعاء للغير: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وكما يقولون في زيارة المقابر: من مر على مقبرة فدعا للأموات قسمت عليهم الجوائز، فيقولون: ما هذا؟ فيقال لهم: مر بكم فلان فدعا لكم. إذاً: من الأعمال البدنية الدعاء، صلاة الجنازة، الصيام، الحج، وما اختلفوا في شيء من هذا كله إلا في قراءة القرآن.

стр. 2398

حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن قراءة القرآن للتعليم أو ليهبها إلى غيره: إن كان من نفسه فلا بأس. أما أن يستأجر غيره ويعطيه أجراً من أجل أن يقرأ ويهب فلا يجوز. وهذا الحديث سيق لبيان جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ولكن القصة في غير التعليم، القصة: أن نفراً من الصحابة نزلوا ليلاً في طريقهم بحي من أحياء العرب كانوا على شركهم، والعرب معروف أنهم يقرون الضيف، فاستضافوهم فامتنعوا من الضيافة، فتنحوا عنهم جانباً ونزلوا، فسلط الله على سيد الحي عقرباً فلدغته، فأخذوا يطلبون له العلاج بكل ما يعرفون فلم ينفعه شيء، فقال قائلهم: اذهبوا إلى هؤلاء الرهط الذين جاءوا من عند هذا -وذكروا النبي ﷺ لعلكم تجدون عندهم رقية، فأتوهم، فقالوا: هل فيكم من راقٍ؛ فإن سيد الحي قد لدغ؟ فقال رجل منهم: نعم، أنا راقٍ. قالوا: هلم وارق سيد الحي. فقال: قد طلبناكم القرى فأبيتم، فلا أرقيه لكم حتى تجعلوا لي جعلاً. والجعل: هو الأجر المقطوع، مثال ذلك: من نسخ لي صحيفة كذا فله ريال، من بنى لي جداراً فله ألف ريال، أجر مقطوع على هذا العمل. فقاطعوه على عشرين إلى ثلاثين رأساً من الغنم، قال: فذهبت، فأخذت أقرأ وأنفث عليه، فقام وكأنه نشط من عقال، فجئت بالغنم أسوقها لأصحابي، قالوا: هلم نقتسم. قال: لا، حتى نرجع إلى المدينة ونسأل رسول الله ﷺ هل تجوز لنا هذه الأغنام أو لا؟ فأمسكوا عن القسمة، ولما رجعوا إلى النبي ﷺ أقره على ذلك، وقال: (وما يدريك أنها رقية؟ قال: شيء نفث في روعي) ، وهذا -كما أشرنا إليه- نوع من الإحساس الصادق؛ (فتبسم ﷺ وقال: اقتسموها واضربوا لي معكم بسهم) ، وهل كان حاضراً معهم؟ لا، هو له الحق في كل ما يكتسبه المسلم عن طريق الدين؛ لأن الفاتحة أتتهم عن رسول الله؛ فالحق الأساسي فيها لرسول الله، ولكن يقولون: هذا زيادة توثيق لهم وطمأنينة لأنفسهم؛ لأنهم تورعوا أن يقتسموها قبل أن يعلموا الحكم؛ فأراد أن يزيل آثار هذا الشك بأن يشاركهم في قسمتها، فشاركوه. فهنا لما اقتسموا وقال للرجل: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) ، يعني: الجعل الذي أخذته أجراً على ما فعلت بالفاتحة أحق الأجر. وفي بعض الروايات: (لئن أكل الناس برقى باطل فقد أكلتم برقيا حق) ، هنا القصة قصة رقيا من لدغة عقرب، وهي تدخل في باب الطب، وباب تعليم القراءة، وباب قراءة القرآن للأجر؛ فقوله: (أحق ما أخذتم عليه أجراً) مطلق، لم يقل: في تعليمه قراءته في التطبب به، والمؤلف اقتصر في الباب على رواية البخاري مع وجود نصوص عديدة في هذا الموضوع؛ لأن البخاري يميل إلى جواز أخذ الأجرة على التعليم، ونسبة ذلك عند البخاري لماذا؟ قال: هذا اللديغ استفاد من الراقي أم لا؟ نعم، كأنه نشط من عقال، فيقول استنتاجاً من هذا: حينما يتعلم إنسان القرآن يكون قد استفاد، فحصلت الفائدة للمتعلم نظير ما حصلت الفائدة للديغ الذي تعافى من لدغة العقرب، فإن صحت الأجرة على منفعة المريض بالشفاء فلا مانع من أن تصح الأجرة على من استفاد بالتعليم. وأعتقد أن هذا قياس واضح وقوي جداً.

стр. 2399

أدلة المانعين والمجيزين لإهداء ثواب قراءة القرآن الناس تنقسم في هذه المسألة إلى قسمين: أم المؤمنين عائشة والشافعي يمنعون من ذلك، وهو قول لـ أبي حنيفة ﵀، والجمهور يجيزونه، المانعون بماذا يستدلون؟ والمجيزون بماذا يستدلون؟ أولاً: المجيزون من أقوى أدلتهم هذا الحديث؛ لأنه أقرهم على إفادة الغير بالفاتحة، وأخذوا الجعل وشاركهم في قسمتها، وأيضاً يستدلون بقضية المرأة التي جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! إني وهبت نفسي إليك. فشخص بصره وصوبه فيها، ثم سكت، فجلست المرأة تنتظر، فقام رجل وفهم أن الرسول ﷺ لا توجد عنده تلك الرغبة ولا ذاك الحماس في هذه المرأة، فقام وقال: يا رسول الله! زوجنيها إن لم تكن لك فيها رغبة، قال: ما عندك من شيء تصدقها إياه؟ قال: ما عندي شيء. قال: لابد أن تأخذ بالأسباب وتسعى، ذهب ورجع قال: ما وجدت شيئاً. قال: (التمس ولو خاتماً من حديد) ، اذهب واقطع سلكاً واثنيه واجعله في إصبعك، فذهب ورجع فقال: ما وجدت شيئاً. انظر إلى أي مدى وصلت الحالة، وهو يريد أن يتزوج! قال: هل معك شيء من القرآن؟ -هذه العملة الصعبة التي تمشي في كل مكان وزمان- قال: بلى. لسور سماها، وقبل هذا لما سأله عن أي شيء يعطيها إياه، قال: أعطيها ردائي هذا. قال: إن أعطيتها رداءك جلست ولا رداء لك، اذهب فالتمس، وأخيراً قال له: (زوجتكها على ما معك من كتاب الله) وفي الرواية الأخرى: (زوجتكها؛ فاذهب فعلمها ما عندك من كتاب الله) . ويرد المانعون على قوله: (زوجتك على ما معك) ، بأنه يعني بهذا: أنه إكراماً لك لما معك من القرآن زوجتك، يعني: زوجتك إياها بدون صداق مكارمة لك وجائزة على ما تحفظ من القرآن، وهي ماذا يكون لها؟ وأما الرواية الأخرى: (فعلمها) ، فهي رواية صريحة في أنه ﷺ جعل صداقها تعليمها ما عنده من كتاب الله، فقالوا: هذا الرسول ﷺ أعطى التعليم صداقاً للمرأة، وتزوجها الرجل بما عنده من كتاب الله أن يعلمه إياها. وفي بعض الروايات: (قم فعلمها ما معك من كتاب الله) . فالمجيزون استدلوا بحديث الرقية بجامع الانتفاع، وبحديث المرأة بجعل التعليم صداقاً لها. أما المانعون فعارضوا في حديث الرقية وقالوا: الجعل ليس على القراءة ولكن على العلاج، ومن هنا جازت الرقية بكتاب الله أو بأحاديث رسول الله، أو بالأدعية المأثورة، وهو ما يسمونه بالطب الروحاني، يعني: عن طريق الروح: يقرأ، يدعو، يرقي بكتاب أو سنة أو دعاء مأثور، وهذا مجمع عليه. ومالك في الموطأ أطال في هذا الباب، وذكر عدة نماذج في هذا الموضوع. واستدلوا أيضاً بما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: (كنت أعلم رجلاً من أهل الصفة الكتاب والقرآن -الكتاب: يعني الكتابة، الإملاء والخط والحروف، والقرآن: أحفظه إياه- فأعطاني قوساً، فتقلدته وقلت: ليس مالاً أتموله، وإنما قوس أرمي به في سبيل الله، فأتيت النبي ﷺ وأخبرته فقال: إن شئت أن ترمي به في النار فخذه) ، وهذا أقوى ما استدل به أبو حنيفة ﵀، والجمهور قالوا: هو قوس وليس مالاً، والرجل بحسن النية، قال: أرمي به في سبيل الله، ومع هذا القصد الحسن ما أباح له رسول الله ﷺ أن يأخذه، حتى قالوا: في الطعام، جاء رجل إلى النبي ﷺ وذكر له أن رجلاً كبر في سنه، قال: وكنت أتردد عليه وآكل عنده من الطعام ما لم أجده في أهل المدينة قاطبة، فقال له ﷺ : (إن كانوا يصنعون الطعام لأنفسهم وتأكل معهم فلا بأس، أما إن كانوا يصنعونه من أجلك فلا) ؛ لأنهم كانوا يجعلونه أجراً له على تعليمهم، فقالوا: هذا منعه رسول الله ﷺ . والآخرون يردون على هذا أيضاً على رجل يقول: عن عمي: أنه أتى النبي ﷺ ، فلما كان راجعاً -أي: إلى أهله- مر بقوم فيهم مجنون مربوط بالحديد، قالوا: سمعنا أن صاحبكم جاء بخير -يعنون النبي ﷺ فهل عندك من هذا الخير ما تعالج به هذا المجنون؟ قال: بلى. قال: فقرأت عليه الفاتحة ثلاثة أيام، كل يوم مرتان، فقام من مرضه وانقلب معافى، فأعطوه مائتي شاة - لا عشرين كسيد الحي- يقول: فرجعت وسقتها معي إلى النبي ﷺ وأخبرته، قال: (خذها، لئن أكل الناس برقى الباطل؛ فقد أكلت برقيا حق) ، وهي رقيا الفاتحة. نخلص من هذا كله: أنه انقضى الخلاف سابقاً، وكاد أن ينعقد الإجماع على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.

стр. 2400

قول آخر في أخذ الأجرة على تعليم القرآن هناك من يتوسط في المسألة ويقول: لا ينبغي لمعلم القرآن أن يشارط على الأجر، أعلمك جزء عم وتعطيني كذا بل يعلمه، وما أتاه من غير مسألة أخذه، ولكن نحن الآن نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إذا كان عندنا أبناؤنا، وعندنا معلمو قرآن، وقلنا لمعلمي القرآن: علموا أولادنا ولا أجر لكم أنتم تريدون أن تعلموا أولادكم، وأنا أريد أن أطعم أولادي، فأنا أريد أن أسعى وأعمل لأولادي، وأولادكم ليسوا بأولى من أولادي. له حق في هذا أم أنه ملزم أن يترك أولاده يضيعون ويذهب يعلم أولادهم؟! ليس بملزم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) ، فإذا انقطع لأولادهم يعلمهم، فله حق عليهم في إطعام أولاده، أنا أديت واجباً لأولادكم فعليكم أن تؤدوا واجباً لأولادي، وما الواجب الذي سيؤدونه غير الأجرة التي سيدفعونها؟ قالوا: إذاً هناك تبادل منفعة، وهناك تعليم الأولاد واجب، وما لا يتم هذا الواجب إلا به فهو واجب. إذاً: إطعام أولاد معلم القرآن واجب، فهو يؤدي الواجب من عنده لأولادكم، وأنتم تؤدون الواجب من عندكم لأولاده. ثم قال العلماء: هذا كان في السابق لما كان الناس يقدرون ويتعاونون، لكن الآن لو قلنا هذا لا ندري من الذي سيدفع ومن الذي لن يدفع، فإذا جاءت الدولة وجعلت أجراً للمعلمين من بيت مال المسلمين، أو من صندوق الدولة إذا لم يكن هناك بيت مال منتظم، والدولة تأخذ ضرائب من الأفراد على المصالح العامة: المستشفيات، المدارس، تعبيد الطرق، مد الجسور على الأنهار، المحاكم، إذاً: الذي تعطيه الدولة لا لبس فيه، ويدخل في هذا بقية المناصب كما قلنا: الإمام يلتزم للناس بخمس صلوات، القاضي يلتزم للناس بوقت معين ينظر فيه في قضاياهم، المفتي كذلك ينظر في أمور الناس ويفتيهم، وأصبحت جميع أعمال القرب مبنية على ذلك. وعلى هذا: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، لا مانع أن يأخذ على تعليمه الأجر، ولا يمنع أن يحتسب عمله لله، كما جاء في حق الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٨] ، يحج ويتاجر، وتجارته لا تمنع حجه، ولكن هناك فرق: بين من ذهب ليتاجر والحج على الرف، ومن ذهب ليحج والتجارة وسيلة؛ فلا مانع في ذلك، كما قالوا في الذي يأخذ الأجر ليحج عن غيره، يحج بأجر أو لا؟ قالوا: إن أخذ ليحج فلا مانع، وإن حج ليأخذ فلا. ما الفرق بينهم؟ الأول: يريد أن يحج عن الغير، لكن ليست عنده استطاعة ليذهب ويحج، فأخذ منك ما يوصله إلى الحج، فهذا جزاه الله خيراً، وله مثل أجره، لكن من ليست عنده رغبة في الحج ولا نية فيه، ولكن سمع من يقول: أريد من يحج بدلاً عني. قال: أنا أحج، ولكن أعطني. فهذا حج ليأخذ، فهذا أخذه فيه نظر. والله تعالى أعلم.

стр. 2401

حث الشرع على المبادرة بحقوق الأجراء [وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) ، رواه ابن ماجه. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁ عند أبي يعلى والبيهقي، وجابر عند الطبراني، وكلها ضعاف] . كلها ضعاف ولكن ضعيفان يغلبان قوياً، إذا تعددت روايات الحديث الضعيفة يشد بعضها بعضاً، ويشهد بعضها لبعض، وهنا مشى الحديث على مقتضى العقل، بمعنى: أنه ما خرج عن الأصل (أعطِ الأجير حقه قبل أن يجف عرقه) والمراد من هذا: سرعة دفع الأجرة، وإلا فقد يجف عرقه وهو في محل العمل ويأتيني إلى البيت ليأخذ حقه، أو يأتي من الغد، الغرض في الإطار العام للحديث إنما هو الحث على المبادرة بدفع الأجرة للعامل، والإشارة هنا: (قبل أن يجف عرقه) ، إشعار بأن الأجير بذل جهداً حتى عرق جبينه وجسمه، والعرق هذا يأتي عن مجهود؛ فلا ينبغي أن تستفيد وتأخذ جهده الذي أضناه عرقاً، ثم تتركه الذي بذل هذا الجهد يريد أن يتعشى، فقد ضيع ما عنده في معدته من طعام فيحتاج إلى الأكل، وحقه عندك؛ فلا ينبغي أن يبيت طاوياً جوعاً وحقه في يدك، ليس إنصافاً أن تستوفي حقك ولا توفه حقه، وهذه هي العدالة. أما الذين يماطلون في أجور العمال، ومن يحتال على من استقدمه، ويؤخر راتبه إلى أن يضطر إلى مد يده، أو يتركه في السوق وجد عملاً أو لم يجد، وقد يزيد الطين بلة بأن يفرض عليه إتاوة شهرية، وهل أنا وجدت عملاً! أعطني عملاً لكي أعمل وخذ الذي تريد. يقول: هذا ليس من شأني، اذهب أنت وابحث. هذا من الظلم بمكان، وهذا ينبغي أن ينظر فيه، ويلزم كفيله الذي استقدمه بنفقته وأجرته، وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء هذه المسألة، ونصوا على أن ما يأخذه الكفيل سحت، لماذا يأكل من عرق الآخر؟ اتركه يعمل ويأخذ أجره على عمله، وإن كنت تحتاجه دعه يعمل عندك. الذي يهمنا في هذا: أن بعض المؤسسات تستقدم عمالاً لدوائر حكومية -لا حاجة إلى تسميتها- ثم يؤخرون أجورهم الشهرين والثلاثة والستة أشهر، من أين سيأكل هذا العامل؟ ينبغي أن يعلم الجميع أنه سيحتال في المؤسسة التي يعمل فيها ليحصل على طعامه إما برشوة، أو باختلاس، أو بسرقة، أو بغش. بأي شيء، ما دام صاحب المؤسسة منعه الأجر، وفمه ليس مغلقاً، والمعدة ليست مسدودة، لابد أن يمضغ شيئاً، من أين يأتي به؟ يرجع إلى صاحب العمل في مؤسسته. إذاً: ينبغي مراعاة هذا الموضوع، وهذا الحديث يقضي على كل من استقدم إنساناً أو تعاقد مع إنسان أو آجر إنساناً في أي عمل كان فاستوفى عمله أنه لابد أن يوفيه أجره. وهنا ناحية شرعية في باب الفقه والعقود عند قوله: (أعط الأجير أجره -متى؟ - قبل أن يجف عرقه) ، وعرقه يأتي قبل العمل أو بعده؟ إذاً: الأجير يستحق أجره بعد أن يوفي العمل، استأجرته يبني لك بيتاً ينشر لك خشباً يفعل لك ما تريد، ليس له الحق أن يقول: أعطني أجرتي أولاً. لا؛ لأني لم أستوفِ العمل، وما يضمن لي أنك لا تهرب وتترك عملي، وتأخذ فلوسك وتذهب؟ لكن تبقى الأجرة عند المستأجر، ويستحقها الأجير بعد إتمام عمله، فإذا أتم عمله ووفاه هناك يستحق أن يقول: أعطني. وقدمنا قضية النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، ومنهم واحد صاحب أجير، قدم له أجره صاعاً من شعير فتنقصه وذهب مغضباً، ثم بعد مدة جاء يطلب أجره، فوجد صاع الشعير وادياً من الغنم والإبل والبقر، قال: اذهب لذاك الوادي فما وجدته فخذه فهو أجرك. كان يحسب أنه كيس شعير أو شيء من هذا، فإذا به يجده حقاً، فرجع وقال له: أتهزأ بي لأني فقير! قال: لقد نميت لك أجرك من يوم أن ذهبت عنك فتناسل وتكاثر، فهذا أجرك. فأخذه، وقال في الحديث: (فأخذه ولم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت عنهم الصخرة) ، كل واحد من الثلاثة يدعو وتنفرج عنهم الصخرة قليلاً حتى استطاعوا أن يخرجوا. فهكذا حرصه على أجر الأجير ولو غضب وترك أجره وذهب، لا أقول له: مع السلامة. ثم يقول له: ليس لك عندي أي شيء، أعطيتك وما رضيت لا، ليست هذه مروءة، إنما عليه أن يحتفظ بأجر الأجير ويدفعه إليه، وإن نماه إليه كان فضلاً منه؛ لأن هذا الذي نمَّى صاع الشعير حتى أصبح وادياً من النعم كان من حقه أن يكون شريكاً له على سبيل المضاربة؛ لأنه أخذ مال الأجير الذي هو أجره وعمل فيه ونماه، وشركة المضاربة هي: أن يأخذ إنسان مالاً من إنسان وينميه على النصف من الربح، لكن هذا تعفف ولم يأخذ منه شيئاً، ودفع إليه كامل الأجر بنمائه. والله تعالى أعلم.

стр. 2402

حكم الاستئجار بدون تحديد الأجرة أو العمل [وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من استأجر أجيراً فليسمِ له أجرته) ، رواه عبد الرزاق، وفيه انقطاع، ووصله البيهقي من طريق أبي حنيفة] . هذا الحديث وإن كان فيه انقطاع فهو يصدق الواقع: (من استأجر أجيراً فليسم له أجرته) ، وهو معنى قول الفقهاء: لابد من معرفة الأجر ونوع العمل. تعال اشتغل عندي اليوم. قد يظن أنه سينقل لبناً أو يكسر خشباً، وتقول له: ارفع هذا الرمل إلى السطوح وانزل. والصعود إلى السطوح مرة واحدة يقدر بعمل أربعة أضعاف على الآخر، أو يحمله حجارة: انقل هذه الحجارة إلى المكان الفلاني، والحجر يحتاج إلى نفرين ليأخذوه، فيتكلف فيه، فيظن العمل سهلاً وإذا به صعب، فكذلك الأجرة، كم الأجرة؟ لا عليك، اعمل الآن هذا لا ينبغي. وإن كان بعض العلماء يقول: يجوز استئجار الأجير بدون تحديد الأجرة على العمل، يقولون: فالأجرة يرجع فيها إلى العرف، كم عرف الناس أجرة العامل في اليوم؟ في السابق كانت عشرة ريالات للمعلم وللصبي أو العامل خمسة ريالات، المعلم البنا الذي يبني عشرة ريالات، وكانت تصرف في البيت عشرة أيام، لها قيمة، وقيمة النقد في العالم ليس في رصيده في البنك الدولي العام، ولكن في القيمة الشرائية في بلده، وكان القرص الخبز بقرشين، الآن بكم؟ صار بسبعة قروش، الريال بعشرين قرشاً، أين القرشين من سبعة؟! فقيمة الريال فيه كانت أُقة حمل الجمل بريال واحد. ومن النكت مع بعض إخواننا الشناقطة: جزار ينادي يقول: يا جملٌ بريالٌ. هل سمعتم بهذه الصيغة؟! المنادى ما يضم. قال له: يا أخي! ما هذا اللحن، قل: بريالٍ، الباء تجر. قال: إليك عني. قال: النحو كسرته. قال: لا شأن لي بنحوك، أنا أعمل بنحوي، أخشى أن يظن الزبون لما أقول: بريالٍ أني أقول: بريالين! فإعطاء الأجير حقه في وقته، وكما في الحديث: (قبل أن يجف عرقه) ، ويتعين في الأجير أن يبين له أجره، وكذلك عمله. والذين قالوا: ليس بشرط، قالوا: إن عدم تعيين الأجرة يحددها العرف. وعدم تحديد العمل استدلوا له بقصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] ، أؤجرك على ماذا؟ ما بين له نوع العمل الذي يستأجره فيه، قال: وما الذي سيكون عندي من عمل؟ المتبادر إلى الذهن هو رعي الغنم بدل البنات، فقالوا: العرف يحدد هذا. والله تعالى أعلم.

стр. 2403

كتاب البيوع - باب إحياء الموات جعل الله الناس خلفاء في الأرض أمرهم بعمارتها وإحيائها، وحفظ حق من أحيا أرضاً ميتة بتحريم الاعتداء عليها. كما أن الله تعالى منع حماية الأراضي التي أحيتها مياه السيول والأمطار إلا ما كان لخيل وإبل الصدقة والجهاد في سبيل الله تعالى، حتى ولو كان الذي يحمي لنفسه سلطان المسلمين؛ لأن في ذلك إضراراً بالمسلمين. ومن مباحث إحياء الموات: التفريق بين تحجير الأراضي للاختصاص وإحيائها للامتلاك، وكذا حكم من حفر بئراً ليحيي الأرض التي حولها، وشروط إقطاع ولي الأمر الأراضي للناس بما لا يتعارض أو يتسبب في ضرر لعامة الناس.

стр. 2404

تملك الأرض بالإعمار والإحياء في الإسلام [عن عروة، عن عائشة ﵂: أن النبي صلى الله وعليه وسلم قال: (من عَمَّرَ أرضاً ليست لأحد؛ فهو أحق بها) ، قال عروة: وقضى به عمر في خلافته، رواه البخاري] . (من عَمَّرَ أرضاً) ، أي: أحياها بالتعمير؛ لأن التعمير سواءً في السكنى بالبناء، أو في الأراضي الزراعية بالإحاطة، وهذا موجود إلى الآونة الأخيرة في المملكة، ونحمد الله أن هذا التشريع معمولٌ به إلى اليوم، ومن سبق إلى أرض ميتة فأحياها أصبحت اختصاصاً له ويتقدم إلى المحكمة ويثبت إحياءه لها، وتنظر قضائياً، ويعطى صك تملك عليها، وهذا من نعم الله . وتعمير الأرض: هو تغيير وضعها البكر، كما يقولون عن المادة الخام: تغيرها وتطورها، فهذه الملابس التي تلبس ليست مادة خام وإنما مصنعة: أخذ الصوف عن ظهر الشاة، ثم ذهب إلى المغزل، ثم إلى المنسج ونسج، ثم إلى الخياط فهذا تطوير للمادة الخام. وكذلك لقمة الخبز التي تأكلها ليست مادة خام، بل أصلها حبة البر، زرعت، وسقيت، وحصدت، وديست، وطحنت، وعجنت، وخبزت، ثم وصلت إليك خبزاً لتأكله، فهذه التطورات تسمى: تطوير المادة الخام، وكل حركة في هذا التطوير في مقابل؛ إذ هو عمل مشروع والأجر فيه مشروع. وبذلك يرد علماء الاقتصاد على معاملات الربا: بأن المرابي يأخذ كسباً دون مقابل، بخلاف التاجر والصانع والزارع؛ فكل ما يحصل عليه في مقابل عمل داخل في تطوير المادة الخام، فإذا كانت الأرض ميتة ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] يحييها بماذا؟ ليس فيها روح لتتكلم، ولكن لكي تعطي ما وجدت من أجله وهو الثمار، فهذه حياتها تعطي ثمارها وزروعها. فتعمير الأرض هو بجعلها تعطي ما وجدت من أجله وهو الزراعة والسكنى إلى غير ذلك، فمن عَمَّرَ أرضاً بالسكنى -وليس بلازم أن تكون عمارة ضخمة بل أقل ما يصدق عليه أمر السكنى- أو أحاطها بحائط ونصب خيمة داخلها، أو سكن داخل الحائط بدون خيمة فهو سكنى ويأخذ عليه حق التملك. وكذلك الأرض الزراعية: إذا حفر البئر وأتى بالماء وحرث الأرض وسقى وزرع فإنما يكون إحياء لها، ولو أنه حفر بئراً دونما زرع ولا حائط ولا غرس ولا شيء فله أربعون ذراعاً نصف قطر الدائرة، حول البئر لبهائمه ومعطناً لحيوانه يشرب ويقيل فيه. إذاً: (من عَمَّرَ) أي: جعلها عامرة، والعامر ضد الخراب، فجعلها صالحة للاستفادة منها. [قال عروة: وقضى به عمر في خلافته] . وهذا منهج يسلكه مالك ﵀ في الموطأ، وتبعه المؤلف هنا: وهل إذا قال: قال رسول الله ﷺ ، هل لنا حاجة في أبي بكر وعمر؟ ليس لنا حاجة، ولكن من حيث التأليف والتمكين والبيان والإيضاح ودفع الشبه يأتي بفعل الخلفاء بعد رسول الله، لأن العمل في زمن رسول الله ﷺ قابل للنسخ والإحكام، ولكن إذا استمر العمل بهذا الأمر بعد رسول الله هل يمكن أن يدعي أحد نسخه؟ لا؛ لأن النسخ لا يكون إلا بنص متأخر يرفع حكم نص متقدم، وبعد رسول الله ﷺ ليس هناك أحد من حقه أن يورد نصاً ينسخ به حكماً حكم به رسول الله ﷺ . إذاً: الحكم بتمليك الأرض بإعمارها ماض لم ينسخ، عمل به بعد رسول الله في خلافة أبي بكر وامتد العمل به إلى خلافة عمر، فهل يحق لإنسان بعد ذلك أن يقول: لا يحق لإنسان أن يتملك الأرض بالإحياء أو بالتعمير؟ لا، هذا رسول الله حكم به، وهذا العمل ماض في خلافة أبي بكر بعد رسول الله، ويمتد العمل به إلى خلافة عمر. إذاً: انتهينا من أنه حكم مشروع ثابت لم يعتره نسخ. [وعن سعيد بن زيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) ، رواه الثلاثة، وحسنه الترمذي وقال: روي مرسلاً، وهو كما قال] . نفس الطريق المتقدم، والمراد بميتة: لم يسبق عليها ملك لأحد. قال: [واختلف في صحابيه، فقيل: جابر، وقيل: عائشة، وقيل: عبد الله بن عمر، والراجح الأول] . يقول هذا تنبيهاً من ناحية السند، واصطلاح علماء الحديث: أن الحديث المرسل هو الذي لم يذكر فيه الصحابي الذي سمعه من رسول الله، وسبق أن قرأنا في البيقونية: ومرسل منه الصحابي سقط وقل غريب ما روى راوٍ فقط فالمرسل في اصطلاح علماء الحديث والسند: ما ذكر فيه الرواة إلى التابعي، وهو ولابد أن يكون قد أخذه عن صحابي، لكن من صحابي هذا الحديث الذي سقط من سنده؟ قيل: ابن عمر، قيل: عائشة، قيل: جابر، وهل يضرنا جهالة الصحابي؟ جهالة الصحابي الذي أسقط من السند لا تضر؛ لأن علم السند نتتبع به الرجال الذين أسند إليهم الحديث لننظر: أعدول هم فنقبل الحديث، أم غير عدول فنرده، والصحابة بإجماع المسلمين كلهم عدول ولا يفتش عنهم. إذاً: ذكر الصحابي أو لم يذكر فالأمر سواء، ولكن ما ذكر فيه الصحابي أقوى إسناداً مما لم يذكر فيه، لماذا؟ قالوا: هذا التابعي الذي يروي عن رسول الله ﷺ هل نضمن أن الذي أسقطه صحابي أم تابعي مثله وصحابي؛ لأن التابعي قد يروي عن قرينه تابعي آخر، ونحن الآن عرفنا هذا التابعي الذي وقف عنده الإسناد، ولا ندري التابعي الآخر؛ لأن التابعي داخل في محل البحث والنقد. وعلى كلٍ يقولون: إن المراسيل ضعاف، إلا مراسيل سعيد بن المسيب كما يقول الشافعي ﵀: سعيد بن المسيب إذا أرسل الحديث لا يفتش عليه؛ ولقد بحثت في مراسيل سعيد فوجدتها كلها متصلة. عرف الصحابة الذين أسقطهم سعيد بن المسيب في رواياته، إذاً انتهينا من هذا.

стр. 2405

حكم حماية الأراضي [وعن ابن عباس: أن الصعب بن جثامة الليثي أخبره: أن النبي ﷺ قال: (لا حمى إلا لله ولرسوله) ، رواه البخاري] . الحمى أو الحريم: حماه يحميه إذا دافع عنه، وحرمه يحرمه إذا منعه من غيره؛ لأن الحرام الممنوع. جالت لتصرعني فقلت لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك حرام ومن هنا كان الحرام ضد الحلال، وحريم الرجل وأهله يمنعهم عن الآخرين، وحريم البيت يمنعه عن التعدي عليه، فالحريم بمعنى الحرام والمنع. (لا حمى) : كان بعض رؤساء القبائل والفرسان المشهورين يحمون منطقة لا يمكن لأحد أن يذهب ويرعى فيها؛ لأن فلاناً قد حماها، أي: منعها عن الآخرين، وتبقى خاصة بإبله ونعمه، فإذا جاء إنسان وتعدى كان له حق الانتقام منه. وقد بين النبي ﷺ ذلك بقوله: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) . إذاً: الله حمى المحرمات ومنعنا من ارتكابها، والملوك تحمي بعض الأماكن لخاصة نفسها، وكبار الشخصيات قد يحمون شيئاً لأنفسهم ولذويهم، فجاء الإسلام ومنع الأفراد أن يحموا شيئاً لأنفسهم؛ لأنه كما سيأتي في آخر هذا الباب، (الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار) . الناس شركاء معك في هذا الكلأ، فلا تحمه لنفسك وتمنعه منهم. (لا حمى إلا لله ولرسوله) ، وأين سيحمي الله لنفسه؟ الملك كله لله، لكن بمعنى لله لأنه مالك الملك، وحمى الله عن طريق رسوله ﷺ ، وحمى رسول الله لله؛ لأنه ﷺ لما حمى الربذة وغيرها حماها لإبل وخيل الجهاد في سبيل الله، ولإبل الصدقة، لكي تجد المرعى الذي يتوافر لها لتؤدي واجبها على أكمل وجه، وظل الحمى إلى زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، فكان يقول لعامله: (إياي وغنم ابن عوف وفلان، وإياك وذي الصريم -الغنمة والغنيمتين- فإنه إن تهلك غنمه يأتيني ويقول: عيالي وأولادي، والمرعى أهون علي من الذهب والفضة، أعطه إياه من بيت المال، لكن ابن عوف وفلان إذا هلكت ماشيتهم رجعوا إلى تجارة عندهم وأملاك أخرى) ، فهو يحذره أن يرعى في الحمى أحد من الأغنياء؛ لأنهم في غنى عنه، ويتساهل ويسامح في صاحب الشاة والشويهة؛ لأنها رأس ماله فإن هلكت عليه هلك، وجاء لأمير المؤمنين وقال: أعطني من بيت مال المسلمين، فإن غنمي قد هلكت لأنك حميت الأرض. إذاً: كان هناك الحمى للإبل والخيل التي تعد للجهاد في سبيل الله، فإذا جاء إنسان بعد ذلك إلى أرض موات نبت فيها الكلأ عن طريق الأمطار أو السيول أو العيون أو غير ذلك، وحماه لنفسه أو لقبيلته فإن ذلك ممنوع؛ لأنه لا يكون الحمى إلا لله ولرسوله. إذاً: الحق في الحمى لرسول الله، ولكن هل بصفته صاحب النبوة والرسالة أو بصفته مسئولاً عن الأمة؟ بصفته مسئولاً عن الأمة. إذاً: من يأتي بعده ويتحمل مسئولية الأمة فله حق في هذا الحمى؛ ولذا حمى عمر وعثمان وغيرهما ممن له الحق في أن يحمي لذاك الغرض. أما لغرضه الخاص ولتنمية دوابه أو بهيمة أنعامه ويمنع الناس منه فليس ذلك لأحد أياً كان، ولو كان ولي أمر المسلمين بنفسه لكن يحميها لدواب الجهاد وما تعد للقتال في سبيل الله، ليس لنفسه إنما لله ولرسوله، والله تعالى أعلم.

стр. 2406

شرح حديث: (لا ضرر ولا ضرار) وعلاقته بالإحياء [وعنه رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) ، رواه أحمد وابن ماجة. وله من حديث أبي سعيد مثله، وهو في الموطأ وهو مرسل] . هذا الحديث يعتبر أحد أربعة أو خمسة أحاديث يقوم عليها التشريع الإسلامي؛ لأن الشريعة بكاملها جاءت لجلب المنافع ولدفع المضار، وأنا أقول: فيه نصف التشريع؛ لأن الشريعة جاءت بجلب بما فيه نفع للمسلمين، وبدفع الضرر عنهم، ولهذا لا تجد أمراً في الشريعة إلا ويتضمن منفعة للمجتمع فرداً أو جماعة، ولا تجد نهياً إلا وهو يدفع عن الناس ضرراً. إذاً: هذا الحديث يختص بأحد القسمين، ونصف التشريع في هذا الحديث. وللعلماء في هذا الحديث شروح، فمنهم من يقول: لا تضر أحداً مطلقاً ولو كان ضاراً لك؛ لأنك إذا ضررت من ضرك كان ضراراً، وكل يسابق الآخر في مضرة صاحبه، وكل عمل يتضمن ضرراً على الشخص في نفسه أو غيره فهو منفي بالحديث، وكل مضارة بين اثنين انتقاماً لحق أو ابتداءً فهو داخل فيه، إلا أن بعض العلماء يقول: يستثنى من ذلك: الانتقام من المعتدي، لقول الله: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٩٤] ، مع أن الاعتداء عليه فيه إضرار به، ولكن التحقيق: أن عقوبة المتعدي ليست بضرر، بل هي منفعة له برده عن مضرة الناس، ومنفعة لمن وقع عليه الضرر بكف ضرر هذا عنه. ولا يدخل فيه الحدود: مثل قطع اليد في السرقة، فلا يأت أحد فيقول: كيف تقطع يده وأنت تقول: (لا ضرر ولا ضرار) ، وأي ضرر أكبر من قطع اليد؟ لأن فيه مصلحة؛ لأن إقامة الحد في هذا الباب ستردع الآخرين وتحمي أموالهم، وترد أولئك الظلمة المعتدين على أموال الناس خفية وظلماً. إذاً: فيه منفعة، لكن الضرر المطلق الذي لا حق فيه هو بسرقته الأولى؛ لأنه ضرر ليس في مقابل أي نفع، فالأخذ على يده وقطعها حداً، وإن كانت فيه مضرة تقع عليه لكن يتضمنها منفعة. إذاً: (لا ضرر ولا ضرار) لا يستثنى منه شيء قط، وإن كان البعض يقول: يخصص بما فيه إيلام بوجه شرعي، نقول: إن ما فيه إيلام بوجه شرعي ليس محض ضرر، بل فيه منفعة. وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه كان يذكر مع هذا الحديث: (لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على حائطه) ، ثم يقول: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم) ، قالوا: كيف تضع خشبك على حائط الجار، أليس هذا فيه مضرة، قالوا: لا، ما دام الحائط يحتمل ذلك، أما إن كان لا يحتمل فلا يحق له أن يضعه. إذا جئنا بهذا الحديث إلى الأسواق والبيوت والمعاملات وكل جانب من جوانب الحياة تجده موجوداً هناك، والمؤلف يسوقه هنا ليدلل لك على أنك إذا سبقت إلى أرض موات لتحييها وكانت إمكانياتك محدودة، فأنت تحيي بالتدريج، وقد يأتي إنسان بجوارك له إمكانيات عالية، وأنت لفت نظره إلى هذه الأرض، فيأتي وينزل ويأخذ منها فهذا ضار صاحبه، ولذا في بعض روايات الحديث: (وليس لعرق ظالم حق) وفيها ضعف، وفسره ابن عباس: بأن يأتي إنسان إلى أرض الآخر فيغرس فيها ويستثمر غرسها، فيكون العرق الذي غرسه هذا الشخص قد غرسه ظلماً. إذاً: لا يحق لإنسان أن يحيي ما فيه مضرة على أهل القرية، فلا نأتي إلى ملتقى إبلهم وبمواقف سياراتهم ونحييه، وإلى مجرى السيول وتحييه مضرة على الآخرين، ولا يأتي الإمام الذي يريد أن يحمي حمى إلى ما هو ملك للناس ويحميه، لأن هذا مضرة أيضاً؛ لأنه أخذ لملك الغير بدون حق. إذاً: لا مضرة لا في الحمى ولا في الإحياء. كذلك إذا وجدت أرضاً فضاءً ومواتاً وجاء إنسان وأحياها، وهذه الأرض تحتاج إلى سعة بجوارها تجعل جريناً للحب ونجعل وموضعاً للتمر وللمنافع عامة مجمع للأسمدة أو للتراب أو للخشب أو لجريد النخل، هذه مرافق للبستان، يأتي إنسان وينزل ويبني فيها، فليس له حق؛ لأنها مرافق للأرض والمرافق تبع للأصل (لا ضرر ولا ضرار) . وهذا يأتي أيضاً في باب الجوار، أنت في ملكك وجارك في ملكه والجدار مشترك بينكما، فلا يحق لك أن تحدث في بيتك ما يتضرر به جارك، ولا أن تنصب رحى كبيرة إذا أدرتها هزت الجدران وأضرت بجارك، ولا أن تحفر بئراً في بيتك مقابل بيت جارك يسحب ماءه، أو أن تحفر البيارة مقابل بئره الذي يشرب منه فتفسد عليه ماء البئر، لا يحق لك أن تسيء إليه بدخانك، وهكذا، كل ما يمكن أن يضر به الجار جاره يأتي هذا الحديث ويخاصمه: (لا ضرر ولا ضرار) .

стр. 2407

الفرق بين التحجير والإحياء [وعن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحاط حائطاً على أرض فهي له) ، رواه أبو داود، وصححه ابن الجارود] . يأتي المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث وما بعده ليبين مجمل ما تقدم من حديث الإحياء، وبم تكون حياة الأرض الموات، وكما في رواية مالك في الموطأ: (من عَمَّرَ مواتاًً فهو له) ، فبم تكون عمارة الموات؟ جاء هنا بشيء من التفصيل، فقال: (من أحاط) ، والإحاطة والشمول من الحائط الذي يحيط بالأرض، وهو الجدار الذي يسمى بالسور، فإذا ما أحاط إنسان أرضاً بحائط مبني فقد أحياها. وتحت هذا الحديث يفصل العلماء بين الإحياء والتحجير؛ لأن التحجير كما يقال: بالحجرة، يقال في حجر إسماعيل: إنهم لما أرادوا بناء البيت قصرت بهم النفقة، فقصروا البناء على جهة الركنين اليماني والحجر الأسود، وما بقي من مساحة البيت حجروا عليه ببناء حجر إسماعيل حتى لا يضيع في المسجد، ويكون الطواف من وراء الحجر ليشمل شوط البيت كاملاً بناءه وما بقي من أرضه. ولذا لما طلبت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها من الرسول ﷺ أن تصلي في البيت، أخذ بيدها وأدخلها حجر إسماعيل، وقال: صلي هاهنا؛ فإنه من البيت، والتحقيق عند العلماء: أن الحجر يزيد عن مساحة البيت بأشبار، وأن ذرعة الحجر من جدار الكعبة إلى الجهة الأخرى ستة أذرع. فالإحاطة بناء الحائط عن الأرض سواءً كان للسكنى أو للزراعة. وفرق بين التحجير والإحياء: أن الإحياء يُمَلِّك، والتحجير يخصص، بمعنى: أن من حجر أرضاً فهو يختص بها وأحق بها من غيره، ولكن لا يملَّك بذلك، وبعضهم يقول: يعطى مهلة ثلاث سنوات؛ فإن أحيا تملك وإن لم يحي يقال له: ارفع يدك ليحييه غيرك، ثم يختلفون في نوع التحجير من الإحياء في بناء الحائط، فالبعض يعتبر بناء الحائط من الإحياء، والبعض يقول: التحجير: هو أن يحيط الأرض برصف من الحجارة. والبادية أو أهل الخلاء بعيداً عن المدن يسمون ذلك ظفير، والظفير: هو رص الحجارة مشتبكة بدون بناء بارتفاع نصف متر إلى متر حول الأرض. هذا الظفير يعتبرونه تحجيراً، وهذا في الأراضي التي تسقى بماء المطر، والجمهور الذين يقولون بإحياء الموات لا يعتبرون الأرض التي تسقى بماء المطر وتزرع عليه محياة؛ لأن إحياءها متوقف على نزول المطر وقد يتأخر، ولا يتأتى غرس على ذلك، إنما هي زراعة موسمية، وحينما يأتي المطر وينصرف عن الأرض تكون بعلية، وإذا تشبعت الأرض بالماء يضع البذرة فيها فتنبت على ثرى الأرض المشبعة بالماء، أو تشرب من مجرى السيول. وفي بعض البلاد يسوق الله السيل للقرية فتسقي أراضيها على سبيل المناوبة، أعالي السيل يسقي ثم ينزل ويفيض على من بأسفلها، ورأيت هذا النظام متقناً في سامطة حيث التربة هناك خصبة، فبعد أن يجف الماء في الأراضي يتركه صاحبها إلى ارتفاع لا يقل عن نصف متر، ثم يفيض إلى من بعده، وهكذا إلى من بعده إلى أن يسقي الجميع، فإذا ما شربت الأرض الماء جاء وأخذ البذر ووضعه في تلك التربة المشبعة بالماء، ويسميه الفلاح زراعة بعلية، وهذا أجود ما يكون إذا كانت التربة خصبة. وقد أخبروني هناك بأن الزراعة البعلية مثل الذرة تحصد مرتين، المرة الأولى التي وضع بذرها تأتي وتحصد، ثم ينبت الشفير وهو النبات الصغير من الجذور التي في الأرض وتؤتي محصولاً ثانياً على إثر ذلك الماء الذي أتى به السيل، هذه الأرض التي تزرع بهذه الحالة لا تُمَلَّك، ولكنهم من قديم الزمان توارثوها، وأخذ كل القطعة التي تحت يده من أب عن جد وتوارثوا على ذلك وتواطئوا عليه، فلا يعتدي أحد على أرض أحد. فهل الحائط إحياء يستوجب التمليك أم أنه تحجير يجعل لصاحبه اختصاصاً على غيره، فلا يحق لأحد أن يعتدي عليه وإلا كان صاحب عرق ظالم، وكما جاء عن مالك فيما نقله عنه ابن عبد البر: أن العرق الظالم هو: إما حفر: يحفر بئراً، أو غرس: يغرس نخلاً أو شجراً، وإما زرع وبناء، فهذا هو الظلم الذي لا حق لعرقه فيه، ويجب عليه أن يزيل ما أنشأ. ويقول ابن عبد البر: يفعلون ذلك ليتملكون الأرض، والحال أنها مملوكه للغير. إذاً: من أحاط أرضاً فهي له بالتحجير أو بالتمليك، على هذا التفصيل. أما من لم ير التحجير إحياء، فقال: هذا تحجير ويعطى المهلة حسب العرف، والبعض يقول: ثلاث سنوات، إن أحيا وزرع وغرس وحفر بئراً يكون ضامناً لسقيها. فهذا إحياء، وإن لم يحفر بئراً ولم يغرس ولم يحي، قيل له: إما أن تحيي ما حجرت أو ترفع يدك ولا تحجر الأرض على غيرك ممن يستطيع أن يحييها. وكما جاء عند ابن عبد البر: (من أحيا أرضاً مواتاً فله أجره) ، يؤجر على ذلك لما قيل: إن الفلاح يؤجر على غرسه وزرعه لما يحدث من ذلك من إطعام جائع ومسكين، وشرب الحيوانات، وأكل الطيور، ولذا الرسول ﷺ قال: (والعوادي صدقة) ، يعني: أن ما طرأ على الزرع من اعتداء غير مقصود من بني آدم، وما سقط وأكله الطير أو الوحش الطارف الذي يمر به، أو الضيف كل ذلك صدقة لصاحب الزرع. وهكذا يكون الإحياء مصلحة دنيوية وأخروية؛ لأنه استثمار للأرض الموات، وجلب النفع له ولبني الإنسان والحيوان.

стр. 2408

أحكام إحياء الموات بحفر الآبار [وعن عبد الله بن مغفل: أن النبي ﷺ قال: (من حفر بئراً فله أربعون ذراعاً عطناً لماشيته) رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف] . إذا كانت إحاطة الأرض إحياء على من يقول بأن الإحاطة إحياء، أو اختصاص على قول من يرى أن التحجير اختصاص، فيأتي بنوع آخر من أنواع الإحياء، وهو: حفر البئر، وبعض الفقهاء يقول: وإجراء النهر، إذا كان هناك مسيل دائم، أو نهر، أو عين فوارة عامة، وجاء واحتفر بئراً من هذا السيل، أو أجرى عيناً إلى أرض موات يزرع عليها، فهذا إحياء؛ لأن مجيء الماء إلى الأرض الموات ليسقيها ويزرع عليه فيه دوام للحياة، بخلاف التي تزرع على الأمطار، والتي تسمى بعلية؛ لأن صاحب البعلية قد يتركها ويأتي فيما بعد ويزرع بعلية أيضاً وهكذا، أما صاحب البئر فلا يتركه. (من حفر بئراً فله أربعون ذراعاً) الذراع قسمان: ذراع باليد، وذراع اصطلاحي، وهو الذي يسمى الذراع المعماري، والعرف عند الناس أن الذراع المعماري خمسة وسبعون سنتيمتراً، والآخر يعدل اليد من المرفق إلى آخر الأصابع، وقد يستعمل هذا في قياس القماش ونحوه، ويستعمل ذاك في قياس الأراضي والعقار إلى غير ذلك حسب العرف المتبع. (من حفر بئراً) ، أي: واستنبط ماءه، أما إذا حفره ولم يحصل منه على ماء فليس له شيء؛ لأنه يتركه عجزاً عن الوصول إلى الماء، ولو حفر مائتي متر، وقد يوجد في بعض البقاع على بُعد مترين فقط ويحصل على الماء، وهذا بحسب اختلاف التربة، وحسب اختلاف المياه، فالبلاد ذوات الأنهار التي تجري دائماً تكون الأرض فيها مشبعة بالماء بما يتسرب من الأنهار تحت الأرض، إلى غير ذلك من أنواع التربة وقرب الماء وبعده. (من احتفر بئراً فله أربعون ذراعاً) : الأربعون ذراعاً تكون قطر الدائرة للبئرِ. وأحمد ﵀ يقول: له خمسة وعشرون ذراعاً، وهو يقول بذلك مستنداً إلى رواية أخرى فيها خمسة وعشرون، وهم كلهم متفقون على أن الآبار قسمين: بئر عادية، وبئر محدثة. والبئر العادية: أي: القديمة، نسبة إلى عاد، والعرب تنسب كل قديم إلى عاد؛ لأنها كانت قوية ومضى عليها زمن بعيد؛ فينسب كل ما كان بعيد التاريخ أنه من عاد، وهكذا كما يقولون: عبقري، نسبة إلى وادي عبقر؛ لأن العرب تزعم بأن وادي عبقر هو مسكن الجن، والجن أصحاب الأفكار أو الرؤى البعيدة، فينسبون كل ذكي إلى وادي عبقر، فيقولون: فلان عبقري، فهنا البئر العادية، أي: القديمة. والقديمة هذه ما شأنها؟ تكون موجودة من قديم، ثم إن السيل والهوام وعوامل التعرية طمستها واختفى ماؤها، فيأتي إنسان ويجدد حفرها ويخرج منها الفضلات حتى يصل إلى مائها، فهو أحياها بذلك، فهذه العادية لها خمسون ذراعاً، أما الجديدة المستحدثة -كما يقال: البئر الإسلامية- التي احتفرها أهل الإسلام فهذا الحديث يقول: لها أربعون ذراعاً، لماذا تكون دائرة قطرها أربعون ذراعاً؟ حتى تكون معطناً لإبله، تسرح وتطلب المرعى وتبعد اليوم واليومين وترجع بعد الثلاث والأربعة الأيام ما شربت ثم يوردها صاحبها على بئره هذا، فلابد لها من مكان يجمعها وبروكها وعطنها إلى أن تشرب وتنزح عن البئر. فمن حفر بئراً أحياها، وأعطي أربعون ذراعاً كحريم للأرض، وإن كانت قديمة وجدد إحياءها فلها خمسون ذراعاً؛ لأن العادة في القديمة أن يكون ورادها أكثر، وعلى هذا من حفر بئراً استحق ملكها وملك حريمها معها. أما إذا كان في وسط قرية والأملاك متواصلة ومتحادة ويفصل بعضها عن بعض بما لا يزيد عن ذراع أو نصف ذراع، فحفر بئراً في ملكه فلا يتعدى ملكه شبراً واحداً؛ لأن ما حوله هو أملاك سابقة، فلا يتملك ملك الغير بحفر بئر في أرضه، حتى لو وجدت أرضاً فارغة وسط أراضي القرية وكانت مساحتها عشرة أذرع فقط فليست لك إلا هذه المساحة، ولا يتجاوز الأرض الفضاء ويتعدى بحفر البئر إلى أراضي الآخرين. ومن أنواع الإحياء أيضاً: أن يجري الماء ببئر أو نهر أو عين ثم يغرس على هذا الماء، والغرس الثابت من عوامل الإحياء، يغرس نخلاً أو ليموناً أو عنباً أو أي شجر مثمر فهو إحياء، وهنا في الغرس لا تحديد عليه، لا يقال: أربعون أو خمسون بل بقدر ما يستطيع من غرس الأرض ما لم يتعد ملك الغير، فإذا كانت هناك أراضي محياة ويمتلكها أشخاص آخرون وجاء إنسان ليحيي أرضاً بجوارهم فليس له أن يتعدى عليهم، كما تقدم: (وليس لعرق ظالم حق) ، بأن يجد إنساناً كان متحجراً أرضاً، فبدأ يحيي فأحيا جانباً وبقي جانب آخر، فجاء إنسان ليحيي بجواره، لا يحق له أن يتجاوز أرضه إلى الجزء الباقي في التحجير لغيره؛ لأنه من اختصاص الغير، وهكذا الغرس والزراعة ونحو ذلك ليس فيها تحديد، فإذا عجز عن إحياء ما حجره فعلى الإمام أو ولي الأمر أن ينذره: إما أن تحيي وإما أن ترفع يدك. إذاً: من أنواع الإحياء، بناء الحائط، حفر البئر، غرس الشجر، بناء البيت للسكنى بأقل ما يمكن أن يقال عنه سكن، فلو أنه جاء داخل هذا الحائط وبنى غرفة يمكن أن يسكنها بقدر ذلك ولو لم يوجد فيها مرافق السكن العادية من دورة مياه أو مطبخ، فلا بأس؛ لأن العرب وعامة الناس في البادية لا يألفون ذلك، بل إنهم يأنفون أن يجعلوا دورة المياه معهم في سكناهم. وفي أول الإسلام كان النسوة يخرجن بالليل إلى الخلاء، ويستأنفون أن يجعلوا ذلك في بيوتهم استئنافاً واستقذاراً، ثم بعد أن كثر الناس وشاع أمر خروج النسوة اتخذن بيوت الخلاء في بيوتهن، وألفوا ذلك وتغير الوضع. فإذا بنى في هذا الحائط غرفة واحدة أو ما يصلح لسكناه ويعتبر سكناً وافياً بالنسبة إليه، فيكون ذلك إحياء يتملك به.

стр. 2409

إقطاع السلطان للأراضي وشروط ذلك [وعن علقمة بن وائل،عن أبيه: (أن النبي ﷺ أقطعه أرضاً بحضرموت) رواه أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان] . هنا بجانب الإحياء يذكر الإقطاع، والإقطاع هو: أن يمنح السلطان شخصاً من الناس قطعة من الأرض، هذه القطعة التي أقطعها السلطان لفرد من الأمة، هل يكون ذلك تمليكاً أو اختصاصاً؟ الجمهور على أنه تمليك، والآخرون يقولون: اختصاص، فلا يحق له أن يبيعها؛ لأنه أقطعه إياها إرفاقاً به لينتفع بها، والإقطاع على نوعين: النوع الأول: أن يقطعه أرضاً يحييها ويغرسها ويستفيد بها، ويتملكها وتورث عنه. النوع الثاني: يقطعه ثمرة أرض محياة، أو قرية يقطعه زكاتها، فيقول له: أقطعتك زكاة القرية الفلانية فهو لك، فيذهب ويأخذ زكاة زروعهم وأموالهم ويكون له، وهذا عارض فيه كثير من العلماء؛ لأن الزكاة لأصناف معينة؛ فلا يحق للإمام أن يخصها بشخص. وقد وجدنا في السنة: أن النبي ﷺ كان يرسل الفقير أو الذي لزمته كفارة أو ما شابه إلى أناس ليأخذ صدقاتهم من باب حاجته إليها، ولكن يقال: هذا في حاجة، وهذا أرسله لفقره أو للحوق الدين به، فهو من مصارف الزكاة، لكن يأتي لشريف من الأشراف، أو لأمير من الأمراء ويقطعه زكاة قرية بكاملها لينتفع بها أو يتملك أو يترفه؛ فهذا ممنوع عليه. وقد نبه الصنعاني في شرح هذا الحديث: أنه كان هناك إقطاع في اليمن تأسف وتحسر عليه؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة. إذاً: للأمير أن يقطع شخصاً، ولكن أين يقطعه؟ يشترط في الأرض التي تقطع للفرد: أن تكون من الموات، ولا يحق له أن يقطعه ما كان من مصلحة المواطن، أو اختصاصه، أو منفعة القرية، وتقدم الحديث: (لا ضرر ولا ضرار) ؛ لأن السلطان إذا أراد أن ينفع إنساناً لا يكون ذلك على حساب مضرة الآخرين، ولا يملكه ملك الآخرين، إنما يقطعه مما يملك. وهناك حديث: (موات الأرض لله، وأنتم عباد الله) ؛ فالرسول الله ﷺ نبه على أن موات الأرض لله والملك كله لله، وولي الأمر يتصرف باسم الله في ملك الله مع عباد الله، فلا يظلم أحداً من أجل أحد آخر، فلا يحق لولي الأمر أن يقطع إنساناً ما يمنع إحياءه من الآخرين، ولا يحق له أن يقطع مجرى الوادي لأنه مصلحة للأمة، ولا عيناً فوارة تسقي ما حولها، ولا مرافق القرية، ولا ما فيه طريق المسلمين، وهكذا. قاعدة: ما يمنع الفرد من إحيائه يمتنع على ولي الأمر إقطاعه. وقد جاء في بعض الروايات: (أن الرسول ﷺ أقطع إنساناً أرضاً كانت يستخرج منها الملح الحجري، فقيل: يا رسول الله! أتدري ماذا أقطعت؟ قال: لا، قال: أقطعته ما فيه إرفاق بالمسلمين) ، فاسترجعه من صاحبه؛ لأنه لا يحق لولي الأمر أن يقطع ما فيه مصلحة أو منفعة عامة لجميع الناس فيخص بها إنساناً. وكذلك مواضع المعادن: إذا كان هناك معدن من ذهب أو فضة أو كبريت أو ملح أو غير ذلك فهو حق للأمة، لا يجوز إقطاعه لفرد.

стр. 2410

سنة النبي في إقطاع الأراضي [وعن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، فأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: أعطوه حيث بلغ السوط) رواه أبو داود، وفيه ضعف] . الرسول ﷺ أقطع الزبير، والزبير حواري رسول الله ﷺ ، ولما أجلا بني قريظة أقطع النبي ﷺ الزبير حضر فرسه، يعني: الفرس يأخذ شوطاً للنزهة، فلما أقام الفرس وفق ما اكتفى بهذا رمى بسوطه، (لو أن لابن آدم وادٍ من ذهب لتمنى الثاني) ، لو أن له حضر فرس لتمنى فرساً آخر، لكن حرص الإنسان سجية فطر عليها، فقال ﷺ : (أعطوه حيث بلغ السوط) ، ليس عند موقف الفرس، لا؛ لأن هذا تابع لذاك. إذاً: الرسول ﷺ أقطع أرضاً معروفة إلى الآن بأرض الزبير، وهي: ما وراء بئر عثمان رضي الله تعالى عنه. إذاً: هذا فعل النبي ﷺ ، وهل يجوز لأحد بعد النبي أن يقطع أحداً؟ قالوا: نعم، لولي الأمر أن يقطع من يراه صالحاً لذلك وفيه مورد للمسلمين، يعني: مساعدة إليهم، فإذا كان الأمر كذلك فعلى ما تقدم، ويكون ولي الأمر بعد رسول الله له أن يقطع بعض المسلمين بعض الأراضي، لكني ما وقفت على إقطاع لـ أبي بكر ولا لـ عمر ولا لغيره كما فعل ﷺ ، كما وقفنا على ما صدر من عمر أنه حمى لإبل الصدقة، واعتذر للناس وقال: (والله لولا إبل الصدقة ما حميت على الناس شبراً؛ لأنهم يرونها أرضهم كانت بأيديهم قبل الإسلام وقاتلوا عليها وأسلموا عليها، فيرونني قد اغتصبتها، ووالله لولا إبل الصدقة ما حميت عليهم شبراً واحداً) . إذاً: الحمى لإبل الصدقة من شأن ولي الأمر، والإقطاع لبعض الأفراد من شأن ولي الأمر، والله تعالى أعلم.

стр. 2411

اشتراك الناس في الماء والكلأ والأرض المباحة [وعن رجل من الصحابة ﵁ قال: غدوت مع النبي ﷺ فسمعته يقول: (الناس شركاء في ثلاثة: في الكلأ والماء والنار) رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات] . (وعن رجل) رجل هذه نكرة، وأي الرجال؟ فإنه كما يقولون: النكرة تعم بالبدل، هذا رجل، هذا رجل، وهكذا تطلق على كل ذكر من بني الإنسان، (رجل من) خصص عموم رجل من بني الإنسان بصحابي بهذا الوصف، فهذا الوصف قيد في النكرة يخصصه عمومها. بقي من هو من الصحابة؟ لا علينا إذا لم نعرف من هو ولا اسمه؛ لأنه ما دامت ثبتت له الصحبة فهو مأمون ولا نبحث عنه؛ لأن الصحابة ليسوا خاضعين للنقد وللتفتيش وللتجريح والتوثيق؛ فهم موثقون عدول بطبيعة الصحبة. قال: (غزوت مع النبي ﷺ فسمعته يقول: الناس) والناس من ناس ينوس إذا تحرك، يشمل كل إنسان، (شركاء في ثلاثة) شركاء بدون تخصيص أو تمييز، وهي: (الماء، والكلأ، والنار) . يقول بعض العلماء: هذه الثلاث هي أصل قوام الحياة؛ لأن الماء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] ، والكلأ للدواب ورعيها، والإنسان لا يستغني عن بهيمة الأنعام، والنار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] ، لا تمكن حياة بدون نار، لا نضج طعام ولا حتى صناعة؛ لأن إذابة الحديد وتصنيع المعادن لابد لها من النار. هذه الأمور الثلاثة هي قوام الحياة، ولكن أي المياه وأي الكلأ وأي النيران التي تكون فيها الشراكة.

стр. 2412

توضيح كيفية اشتراك الناس في الكلأ والماء والنار أولاً: الكلأ: هل هو ما تنبته الأرض وكان رطباً، والخلاء ما كان يابساً، والعشب يجمع بين الأمرين، أو غير ذلك، وتدور بين العشب والكلأ والخلاء فيشمل الرطب واليابس؟ وما هو المراد بالنار: حقيقة النار المشتعلة أو وقود النار من حطب ونحوه؟ وما المراد بالماء: الماء في القربة، أو في المسيل أو في النهر؟ بعض الناس استغل هذا الحديث بما أساء إلى المجتمعات، وجعله دليلاً على الاشتراكية، واستدل به على تشريك من لا يملك شيئاً منها لمن يملك من ذلك، والغرض في هذا الحديث: أن التشريك إنما يكون في العام الذي لا خصوصية لأحد فيه، فالمراد بالماء هنا الماء في النهر الجاري، الماء في مجرى السيول، العين الفوارة التي لا تختص بأحد، فكل إنسان شريك فيه يأتي إلى النهر فيأخذ ما يريد، يأتي إلى مجرى السيل فيأخذ ما يحتاج، وهكذا ماء العين. أما إذا ذهب إنسان وملأ قربته أو خزانه بالماء في الوقت الحاضر، فليس لأحد شراكة في هذا الماء الذي حازه بعض الأشخاص، أخذت الماء إلى بيتك هل يدخل جارك ويأخذ من هذا الماء ويقول: نحن شركاء فيه؟ لا، لأنك حزته. اذهب وخذ حيث أخذت أنا وغيري، فإذا حازه إنسان إلى نفسه فقد أصبح ملكاً له وليس لأحد شراكة فيه. وأما الكلأ فهو النبات الذي ينبت في الأرض الموات وليس في أرض مملوكة لإنسان، فما كان في أرض مملوكة لإنسان فصاحب الأرض أحق به، ولا يجوز لأحد أن يحتشه إلا بإذنه، أو يدخل ملك غيره يرعى بغنمه إلا بإذنه، أما الذي في بطون الأودية، وظهور الصحاري، والأراضي الموات، فكل مشترك فيه، يذهب الكل ويرعى بغنمه أو يحتش ويأخذ لما عنده في بيته من بهيمة الأنعام. والنار قيل: المراد بلهبها يستضيء به كل إنسان، أو يستدفئ عليه، أو يأخذ قبساً منها ليوقد ناره، لا أن يأتي لإنسان جمع حطباً وأوقد ناراً لينضج عجينه خبزاً أو إدامه طعاماً، فيزيل قدره عنه ويأخذ قسماً من النار إلى نفسه، ويقول: أنا شريكك في النار، فيقال: لا. وقيل: شركاء في أصل النار وهو الحطب وقوداً لها، فالناس يحتطبون الحطب من الجبال وسفوحها، ومن الخلاء والصحاري وهم شركاء، يخرج الحطابون كلاً بفأسه وحبله، ومن يسبق إلى شجر يابس فيقطع ويجمع فهو له، لكن بعد أن حزم الحطب وجمعه وذهب به إلى بيته هل يأتي جاره ويقول: أنا شريكك في هذا الحطب؟ لا. لأنه اختص به بعمله وبجهده.

стр. 2413

نقض مذهب الاشتراكية في سنة من السنوات في موسم الحج، كان شخص له ضلع كبير جداً في عمل الاشتراكية، وحصلت هناك بعض المناقشات وتساءلت من يكون؟! وكانت هناك أمور كما يقال شخصية أو سياسية، وكان الرجل فيه عنصر خير، فذهب وجاء بشيء من الخبز والملح والماء، وقال: أريد أن تأكل معي ليكون بيننا ارتباط بالعيش والملح، فقلت: كلنا إن شاء الله عندنا ارتباط بالإسلام قبل العيش والملح، ماذا عندك؟ قال: سألتك بالله -تأملوا هذا يا إخوان- الاشتراكية من الإسلام أو ليست منه؟ قلت له: ما ثقافتك أولاً وما عملك؟ فعرفت أن له ضلعاً كبيراً في عمل الاشتراكيات ودرس حقوق، قلت له: أنت رجل عاقل ومتعلم، وسترجع إلى بلدك سل جميع العلماء: كلمة (اشتراكية) هل توجد في مصدر من مصادر الشريعة، حديث فقه تفسير أم لا؟ لا، لن تجدها في كتب التفاسير، ولا في كتب شراح الحديث، ولا في كتب الفقه، فضرب صدغيه، وقال: ومن أين جاءوا بها؟ قلت: سلهم وأنت أعلم، ثم قلت له: لعلك درست التاريخ والقانون الوضعي، ومن أصول القانون الوضعي: أنه إذا لم يوجد في القانون نص على مسألة أخذ حكمها من الشريعة الإسلامية، فهل وجدت في القانون مصدراً إسلامياً عن الاشتراكية؟ قال: لا، قلت: اذهب واسأل؛ فإذا أخبرك واحد عن موضع ومرجع واحد فأخبرني، ولك ما سميت من الجائزة. فأخذ الرجل يبكي وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما بال العلماء يسكتون؟ قلت له: من المشانق التي نصبتموها، ثم كانت أشياء كثيرة بيني وبينه، فقال: أعاهدك، قلت: على ماذا؟ قال: أني إذا رجعت سآخذ المصحف معي من المدينة، قلت: المصاحف تأتينا من بلادكم، فخذها من هناك، قلت: ولماذا؟ قال: لأحفظ أبنائي كتاب الله، فلقد حفظتهم كتاب الميثاق، وسوف أحفظهم كتاب الله من المصحف كما حفظتهم الميثاق، وقال: جزاك الله خيراً. ثم قلت له: أنت درست التاريخ الإسلامي كمادة، فهل كان في عهد رسول الله ﷺ أن عثمان بن عفان جهز جيش العسرة؟ وأن عبد الرحمن بن عوف تصدق بقافلة بما تحمل من مواد التجارة وما فيها من عبيد وإبل في سبيل الله؟ وكان هناك أبو هريرة يصرع من الجوع في المسجد، وقال: كنتم تشتغلون بالصفقات والزراعة، وأتبع رسول الله على ملء بطني، فهل أخذ رسول الله من عثمان شيئاً يعطيه لـ أبي هريرة ليقيم صلبه؟ قال: لا. بل الرسول ﷺ انتقل من الدنيا بكاملها ودرعه مرهونة عند يهودي في آصع من شعير، فهل أخذ من ابن عوف أو عثمان أو غيره لنفسه ولبيته؟ قال: لا، قلت: إذاً: ما لم يكن في ذلك الصدر وفي ذلك التاريخ المبارك النير هل يكون في هذا الوقت؟! ما كان لنا أن نتكلم في هذا الموضوع وقد انتهت الشيوعية وتقوضت أركانها بحمد الله، وعرف الناس الحق، وهم يرجعون الآن عن الباطل تدريجياً إلا لمرور هذا الحديث، لأنه كان عدتهم. ثم قلت له: أنتم تناقضون مبدأكم الآن، قال: لماذا؟ قلت: الماء الذي تدخلونه في العمارات الناس فيه شركاء، وأنتم تضعون عداداً باللتر أو المتر المكعب وتأخذونها وتبيعونها عليهم، تيار الكهرباء الذي يدخل البيوت ويشغل الأجهزة، أليست هذه نار وطاقة أو هل جعلتموهم شركاء فيها أو جعلتم عدادات تعد بالإمبير وتأخذون القيمة؟ إذاً: ناقضتم أنفسكم. إذاً: يا إخوان نحن وللأسف تعرضنا لهذه النواحي وإن كانت قد انتهت، لكن لنبين زيف ما كانوا يتمسكون به، ولنبين لإخواننا الذين يغترون بمقالات الآخرين بأن الشركة في هذه الثلاث إنما هي حينما تكون عامة، أما بعد الاختصاص فلا دخل لأحد فيما عند الآخر، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2414

كتاب البيوع - باب الوقف هذه الدنيا مزرعة للآخرة، وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من خصال بينتها الشريعة؛ ليحرص الناس عليها، ومن ذلك الوقف، وفيه أحكام كثيرة، ومسائل عديدة، ينبغي الإلمام بها.

стр. 2415

شرح حديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله ... )

стр. 2416

فضل العلم والعلماء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) . رواه مسلم] . أنبه الإخوان إلى نماذج نعيش في كنفها وظلها، إذا نظرنا إلى السيوطي، والسخاوي وغيرهما من العلماء، نجد مؤلفاتهم بالمئات، فهم انتقلوا إلى رحمة الله، والناس يستفيدون من علومهم إلى الآن، وهذا النووي له شرح مسلم والمجموع وغيرهما، وكأنه يعيش معنا، وابن حجر ألف هذا الكتاب، ونحن نعيش معه في تأليفه خطوة خطوة، ووالدنا الشيخ الأمين له أضواء البيان، وأصبح يتداول عالمياً، ويطبع عدة مرات شرعية وغير شريعة بغير إذن أولاده ومستحقيه، وهذا يدل فعلاً على مكانة العلم وانتفاع صاحبه به إلى اليوم. مالك ﵀ إمام دار الهجرة أتاه أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي، وقال: يا مالك! لم يبق في الناس أعلم مني ومنك، أما أنا فشغلتني الخلافة، وأما أنت فوطئ للناس كتاباً يسيرون عليه، وتجنب عزائم ابن عمر ورخص ابن عباس، قال: فعلمني التأليف ذلك الوقت، فألف الموطأ ثم قرأه عليه، واستمعه منه، وقيل: إنه هارون الرشيد، فقال: يا مالك! ائذن لي أن أعلق الموطأ على الكعبة، وأنسخ منه نسخاً أبعثها إلى الأمصار ليأخذوا به، ويتركوا كل ما عداه، يعني: نوحد العالم الإسلامي على الموطأ. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين! قال: ولماذا؟! قال: إن أصحاب رسول الله ﷺ قد تفرقوا في الأمصار، وأخذ كل قطر بما جاءه من الصحابة الذين وفدوا إليه، فعملوا بما وصلهم عن أولئك الصحابة الكرام، والصحابة قد يختلفون في روايات الحديث، فتحويل الناس عما هم عليه صعب، أي: ما داموا قد أخذوا عن أصحاب رسول الله، وأصحاب رسول الله أخذوا عن رسول الله، فهم على حق، وتغييرك مذهبهم ولو إلى حق مثله صعب. ونحن نتساءل الآن: أين خلافة أبي جعفر؟ ذهبت في أدراج السياسة، أما مالك فموطأه يعمر العالم، ويتدارسه العالم، ويستفيد منه العالم، فما أعظم العلم الذي ينتفع به من الموطأ، وبالمقارنة بينه وبين خليفة المسلمين نجد الفارق عظيماً جداً، الخلافة انتهت بموت الخليفة، وقد يقتل في سبيلها عند تغير الأحداث، ولكن العالم علمه ينتشر، ويكون كالطائر الذي يحلق مدى الحياة، وكمطلع الشمس ومغربها، فبقي الموطأ في أيدي المسلمين، يستفيدون منه، ويسابقون إلى دراسته وتعلمه، ولا شك أن هذا الأثر من العلم الذي ينتفع به، فيستمر ثوابه يصل إلى مالك إلى ما شاء الله.

стр. 2417

معنى قوله: (ولد صالح يدعو له) قوله: (أو ولد صالح يدعو له) ، الولد في اللغة يشمل الذكر والأنثى، والابن يختص بالذكر ويقابله البنت، قال الله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١] ، ثم بيّن الأولاد: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] ، فشمل الأولاد الذكور والإناث. إذاً: ابن صالح أو بنت صالحة يدعوان له، وقالوا: الولد الصالح جزء من كسب الرجل، فالذين ينفون وصول عمل الغير للميت يقولون: الولد امتداد لحياة أبيه؛ لأنه جزءٌ منه، ولكن قوله: (ولد صالح) لتقرير الحال والأولوية، وإلا فكل مسلم يدعو لأي مسلم فإن دعاءه نافع له، ويشرع أن نصلي على الجنائز وإن لم نعرف أصحابها، وأُمرنا أن ندعو لهم؛ لأن صلاة الجنازة إنما هي دعاء، فقوله: (ولد صالح) هو لبيان الأقرب والأولى، ولكنه يشمل جميع المسلمين، فيشرع أن يدعو بعضهم لبعض، ومن أفضل الأعمال دعاؤك لأخيك بظهر الغيب.

стр. 2418

صلاح الأولاد صلاح الولد هبة من الله، وليس بحزم أو عزم الوالد، ولكن هذا سبب، فهذا نوح ﵇ مكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولم يهتد ولده: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ [هود:٤٣] ، فما استطاع نوح أن يهدي ولده ليكون معه في السفينة، فلا والد يهدي ولده، ولا ولد يهدي والده، هذا إبراهيم ﵇ كم قال لأبيه: (يَا أَبَتِ) (يَا أَبَتِ) ، (يَا أَبَتِ) فقال له: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] . وهكذا امرأة نوح وامرأة لوط، زوجها نبي وما أغنى عن زوجته شيئاً. فالصلاح هبة من الله، والإنسان مكلف بالتأديب والقيام بالواجب، أما خلق الهدى والتوفيق في قلب الولد فهذا بيد الله، وقد قال الله في سيد الخلق: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ، وأما قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، فقالوا: إن إثبات الهدى للنبي ﷺ هو هداية البيان، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] ، يعني علمناهم وبينا لهم، ولكنهم تركوا ما بينا، وذهبوا إلى غيره. والرسول ﷺ أنذر أبا جهل وأنذر عمر بن الخطاب، وكان يقول: (اللهم! أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك) فهدى الله عمر إلى الهداية القلبية والاستقامة الحقيقية، ولم يهد أبا جهل، وكلاهما كان يسمع القرآن، والرسول كان يدعو الجميع، وليس عمر بأعقل من أبي جهل، وقد كان يقال له: أبو الحكم، فعقولهما متساوية، وأفهامهما متعادلة، ولكن التوفيق بيد الله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] ، فالأمر بيد الله، ونحن لا نملك في صلاح الأولاد إلا التأديب والرعاية إلى أن يبلغ سن التكليف، ثم ترفع يدك عنه، ولا تملك إلا خالص الدعاء، فإن استجاب الله فالحمد لله، وإن لم يستجب فهذا حكمه، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] . والولد هبة ونعمة، قال الله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] ، وكون الولد صالحاً هبة أخرى، ونجد أن الخضر ﵇ قتل الولد حفظاً على صلاح الأبوين، ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠-٨١] . إذاً: صلاح الأولاد هبة من الله، والأمور الظاهرية التي كلفنا بها هي الرعاية والتأديب، ويشترك في تربية الأولاد والتأثير عليهم مع الأبوين: المجتمع والمدرسة والمسجد ثم بعد ذلك السلطان؛ لأنه هو الذي له الولاية على الولد إذا دخل في سن التكليف. فمن رزق بولد فليحمد الله، وليسأل الله أن يجعله صالحاً، فإذا صلح الولد كان نعمة في الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] ، وإلحاق الذرية بالآباء يوم القيامة هبة من الله، وهو مما يستدل به على استفادة الميت بعمل غيره؛ لأن الذرية ما عملت شيئاً بعد الموت، وألحقها الله بآبائهم لتقر عين الآباء، إكراماً للآباء، وليس من أجل الأبناء، ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] ، أي: ما أنقصنا عمل الآباء مقابل مجيء الأولاد عندهم، فإلحاق الذرية بالآباء فضل من الله مع بقاء أجر الآباء كاملاً. نسأل الله أن يصلح أولادنا وأولاد المسلمين! ونسأل الله أن يأخذ بنواصيهم إلى الحق! ونسأل الله أن يوفقهم وأن يهديهم، وأن يصلحهم في أمر الدنيا والآخرة! هذا، وإن من صلاح الولد أن يدعو لأبيه، فإذا لم يكن صالحاً فإنه لا يدعو له، بل قد يدعو عليه!

стр. 2419

الخلق الحسن سبب للدعاء لصاحبه بعد موته الدعاء ينفع الميت من أخ صالح، أو من زوج صالح، أو من صديق صالح، ومن أي مسلم كان سواء كانت له صلة بالميت أو لا صلة له به إلا بالإسلام، وفي الحديث: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه) ، فدعاء الولد لوالده من كسبه، فماذا عن الآخرين؟ إذا مات شخص فإنه كان في الدنيا مع الناس على أحد رجلين: إما أنه كان محسناً معه إليه، فإنه سيدعو له بعد موته لإحسانه إليه في الدنيا، وما الموجب الذي سيجعله يدعو له؟ إحسانه إليه، وقد يموت إنسان فيدعو عليه آخر، فما السبب؟ إساءة معاملته، كما أن الذي يدعو له إنما هو بسبب حسن معاملته. إذاً: حسن معاملة الناس تستجلب دعاء الناس له بالخير، فحسن المعاملة للناس هي من كسبه في حياته، وقد ورّثت له دعوات صالحة ممن كان يحسن إليهم، فحسِّن معاملتك مع الناس لتستجلب منهم دعوات الخير بعد وفاتك، ولا تعاملهم بالإساءة والسوء. إذاً: هذا الحديث يضع لنا منهجاً في السلوك، وهو أن تعامل الناس بالحسنى، وأقل ما يعود عليك من حسن معاملتك للناس أنهم يدعون لك بعد موتك، وهذا يدخل في الصدقة الجارية، وكما تنتفع من الولد الذي من صلبك وهو من كسبك، فكذلك تنتفع بدعاء الناس لك بعد موتك، وذلك بسبب حسن معاملتك لهم، وهذا من كسبك أيضاً. إذاً: لينظر كل إنسان في معاملاته مع الناس عامة، ومع الرؤساء والمدراء خاصة، فينبغي لمن تحتهم أن يعاملهم بالحسنى، وبالكلمة الطيبة، فإذا لم ينجز له عمله فليسمعه كلمة طيبة، وليعده وعداً حسناً، لا أن يخاطبه بجفاء ويقول: مالك عندنا شيء أو لا أعرف شيئاً! فالمسألة ليست شخصية، والله أوصلك إلى هذا المكان لتخدم الناس، لا لتستخدمهم أو لتحجب حقوقهم عنهم، وهذا العمل ليس من شأنك ولا من رأس مالك ولا من كسبك، وإنما وليت عليه لتنفع الناس. وهذا الحديث شغل بالي فيه سبب انتفاع الميت بدعاء عامة أفراد المسلمين، فظهر لي -والله تعالى أعلم- أن دعوات عامة المسلمين للميت إنما هي من كسب الميت في حياته، بسبب حسن التعامل مع الناس.

стр. 2420

شرح حديث: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) قال ﵀: [وعن ابن عمر قال: (أصاب عمر ﵁ أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، فتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول مالاً) . متفق عليه، واللفظ لـ مسلم، وفي رواية للبخاري: (تصدق بأصلها لا يباع ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره) . ] .
следующие страницы →