← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

فضل العلم والعلماء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) . رواه مسلم] . أنبه الإخوان إلى نماذج نعيش في كنفها وظلها، إذا نظرنا إلى السيوطي، والسخاوي وغيرهما من العلماء، نجد مؤلفاتهم بالمئات، فهم انتقلوا إلى رحمة الله، والناس يستفيدون من علومهم إلى الآن، وهذا النووي له شرح مسلم والمجموع وغيرهما، وكأنه يعيش معنا، وابن حجر ألف هذا الكتاب، ونحن نعيش معه في تأليفه خطوة خطوة، ووالدنا الشيخ الأمين له أضواء البيان، وأصبح يتداول عالمياً، ويطبع عدة مرات شرعية وغير شريعة بغير إذن أولاده ومستحقيه، وهذا يدل فعلاً على مكانة العلم وانتفاع صاحبه به إلى اليوم. مالك ﵀ إمام دار الهجرة أتاه أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي، وقال: يا مالك! لم يبق في الناس أعلم مني ومنك، أما أنا فشغلتني الخلافة، وأما أنت فوطئ للناس كتاباً يسيرون عليه، وتجنب عزائم ابن عمر ورخص ابن عباس، قال: فعلمني التأليف ذلك الوقت، فألف الموطأ ثم قرأه عليه، واستمعه منه، وقيل: إنه هارون الرشيد، فقال: يا مالك! ائذن لي أن أعلق الموطأ على الكعبة، وأنسخ منه نسخاً أبعثها إلى الأمصار ليأخذوا به، ويتركوا كل ما عداه، يعني: نوحد العالم الإسلامي على الموطأ. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين! قال: ولماذا؟! قال: إن أصحاب رسول الله ﷺ قد تفرقوا في الأمصار، وأخذ كل قطر بما جاءه من الصحابة الذين وفدوا إليه، فعملوا بما وصلهم عن أولئك الصحابة الكرام، والصحابة قد يختلفون في روايات الحديث، فتحويل الناس عما هم عليه صعب، أي: ما داموا قد أخذوا عن أصحاب رسول الله، وأصحاب رسول الله أخذوا عن رسول الله، فهم على حق، وتغييرك مذهبهم ولو إلى حق مثله صعب. ونحن نتساءل الآن: أين خلافة أبي جعفر؟ ذهبت في أدراج السياسة، أما مالك فموطأه يعمر العالم، ويتدارسه العالم، ويستفيد منه العالم، فما أعظم العلم الذي ينتفع به من الموطأ، وبالمقارنة بينه وبين خليفة المسلمين نجد الفارق عظيماً جداً، الخلافة انتهت بموت الخليفة، وقد يقتل في سبيلها عند تغير الأحداث، ولكن العالم علمه ينتشر، ويكون كالطائر الذي يحلق مدى الحياة، وكمطلع الشمس ومغربها، فبقي الموطأ في أيدي المسلمين، يستفيدون منه، ويسابقون إلى دراسته وتعلمه، ولا شك أن هذا الأثر من العلم الذي ينتفع به، فيستمر ثوابه يصل إلى مالك إلى ما شاء الله.

стр. 2417

معنى قوله: (ولد صالح يدعو له) قوله: (أو ولد صالح يدعو له) ، الولد في اللغة يشمل الذكر والأنثى، والابن يختص بالذكر ويقابله البنت، قال الله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١] ، ثم بيّن الأولاد: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] ، فشمل الأولاد الذكور والإناث. إذاً: ابن صالح أو بنت صالحة يدعوان له، وقالوا: الولد الصالح جزء من كسب الرجل، فالذين ينفون وصول عمل الغير للميت يقولون: الولد امتداد لحياة أبيه؛ لأنه جزءٌ منه، ولكن قوله: (ولد صالح) لتقرير الحال والأولوية، وإلا فكل مسلم يدعو لأي مسلم فإن دعاءه نافع له، ويشرع أن نصلي على الجنائز وإن لم نعرف أصحابها، وأُمرنا أن ندعو لهم؛ لأن صلاة الجنازة إنما هي دعاء، فقوله: (ولد صالح) هو لبيان الأقرب والأولى، ولكنه يشمل جميع المسلمين، فيشرع أن يدعو بعضهم لبعض، ومن أفضل الأعمال دعاؤك لأخيك بظهر الغيب.

стр. 2418

صلاح الأولاد صلاح الولد هبة من الله، وليس بحزم أو عزم الوالد، ولكن هذا سبب، فهذا نوح ﵇ مكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولم يهتد ولده: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ [هود:٤٣] ، فما استطاع نوح أن يهدي ولده ليكون معه في السفينة، فلا والد يهدي ولده، ولا ولد يهدي والده، هذا إبراهيم ﵇ كم قال لأبيه: (يَا أَبَتِ) (يَا أَبَتِ) ، (يَا أَبَتِ) فقال له: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] . وهكذا امرأة نوح وامرأة لوط، زوجها نبي وما أغنى عن زوجته شيئاً. فالصلاح هبة من الله، والإنسان مكلف بالتأديب والقيام بالواجب، أما خلق الهدى والتوفيق في قلب الولد فهذا بيد الله، وقد قال الله في سيد الخلق: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ، وأما قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، فقالوا: إن إثبات الهدى للنبي ﷺ هو هداية البيان، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] ، يعني علمناهم وبينا لهم، ولكنهم تركوا ما بينا، وذهبوا إلى غيره. والرسول ﷺ أنذر أبا جهل وأنذر عمر بن الخطاب، وكان يقول: (اللهم! أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك) فهدى الله عمر إلى الهداية القلبية والاستقامة الحقيقية، ولم يهد أبا جهل، وكلاهما كان يسمع القرآن، والرسول كان يدعو الجميع، وليس عمر بأعقل من أبي جهل، وقد كان يقال له: أبو الحكم، فعقولهما متساوية، وأفهامهما متعادلة، ولكن التوفيق بيد الله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] ، فالأمر بيد الله، ونحن لا نملك في صلاح الأولاد إلا التأديب والرعاية إلى أن يبلغ سن التكليف، ثم ترفع يدك عنه، ولا تملك إلا خالص الدعاء، فإن استجاب الله فالحمد لله، وإن لم يستجب فهذا حكمه، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] . والولد هبة ونعمة، قال الله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] ، وكون الولد صالحاً هبة أخرى، ونجد أن الخضر ﵇ قتل الولد حفظاً على صلاح الأبوين، ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠-٨١] . إذاً: صلاح الأولاد هبة من الله، والأمور الظاهرية التي كلفنا بها هي الرعاية والتأديب، ويشترك في تربية الأولاد والتأثير عليهم مع الأبوين: المجتمع والمدرسة والمسجد ثم بعد ذلك السلطان؛ لأنه هو الذي له الولاية على الولد إذا دخل في سن التكليف. فمن رزق بولد فليحمد الله، وليسأل الله أن يجعله صالحاً، فإذا صلح الولد كان نعمة في الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] ، وإلحاق الذرية بالآباء يوم القيامة هبة من الله، وهو مما يستدل به على استفادة الميت بعمل غيره؛ لأن الذرية ما عملت شيئاً بعد الموت، وألحقها الله بآبائهم لتقر عين الآباء، إكراماً للآباء، وليس من أجل الأبناء، ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] ، أي: ما أنقصنا عمل الآباء مقابل مجيء الأولاد عندهم، فإلحاق الذرية بالآباء فضل من الله مع بقاء أجر الآباء كاملاً. نسأل الله أن يصلح أولادنا وأولاد المسلمين! ونسأل الله أن يأخذ بنواصيهم إلى الحق! ونسأل الله أن يوفقهم وأن يهديهم، وأن يصلحهم في أمر الدنيا والآخرة! هذا، وإن من صلاح الولد أن يدعو لأبيه، فإذا لم يكن صالحاً فإنه لا يدعو له، بل قد يدعو عليه!

стр. 2419

الخلق الحسن سبب للدعاء لصاحبه بعد موته الدعاء ينفع الميت من أخ صالح، أو من زوج صالح، أو من صديق صالح، ومن أي مسلم كان سواء كانت له صلة بالميت أو لا صلة له به إلا بالإسلام، وفي الحديث: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه) ، فدعاء الولد لوالده من كسبه، فماذا عن الآخرين؟ إذا مات شخص فإنه كان في الدنيا مع الناس على أحد رجلين: إما أنه كان محسناً معه إليه، فإنه سيدعو له بعد موته لإحسانه إليه في الدنيا، وما الموجب الذي سيجعله يدعو له؟ إحسانه إليه، وقد يموت إنسان فيدعو عليه آخر، فما السبب؟ إساءة معاملته، كما أن الذي يدعو له إنما هو بسبب حسن معاملته. إذاً: حسن معاملة الناس تستجلب دعاء الناس له بالخير، فحسن المعاملة للناس هي من كسبه في حياته، وقد ورّثت له دعوات صالحة ممن كان يحسن إليهم، فحسِّن معاملتك مع الناس لتستجلب منهم دعوات الخير بعد وفاتك، ولا تعاملهم بالإساءة والسوء. إذاً: هذا الحديث يضع لنا منهجاً في السلوك، وهو أن تعامل الناس بالحسنى، وأقل ما يعود عليك من حسن معاملتك للناس أنهم يدعون لك بعد موتك، وهذا يدخل في الصدقة الجارية، وكما تنتفع من الولد الذي من صلبك وهو من كسبك، فكذلك تنتفع بدعاء الناس لك بعد موتك، وذلك بسبب حسن معاملتك لهم، وهذا من كسبك أيضاً. إذاً: لينظر كل إنسان في معاملاته مع الناس عامة، ومع الرؤساء والمدراء خاصة، فينبغي لمن تحتهم أن يعاملهم بالحسنى، وبالكلمة الطيبة، فإذا لم ينجز له عمله فليسمعه كلمة طيبة، وليعده وعداً حسناً، لا أن يخاطبه بجفاء ويقول: مالك عندنا شيء أو لا أعرف شيئاً! فالمسألة ليست شخصية، والله أوصلك إلى هذا المكان لتخدم الناس، لا لتستخدمهم أو لتحجب حقوقهم عنهم، وهذا العمل ليس من شأنك ولا من رأس مالك ولا من كسبك، وإنما وليت عليه لتنفع الناس. وهذا الحديث شغل بالي فيه سبب انتفاع الميت بدعاء عامة أفراد المسلمين، فظهر لي -والله تعالى أعلم- أن دعوات عامة المسلمين للميت إنما هي من كسب الميت في حياته، بسبب حسن التعامل مع الناس.

стр. 2420

شرح حديث: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) قال ﵀: [وعن ابن عمر قال: (أصاب عمر ﵁ أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، فتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول مالاً) . متفق عليه، واللفظ لـ مسلم، وفي رواية للبخاري: (تصدق بأصلها لا يباع ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره) . ] .

стр. 2421

فضل عمر ﵁ قوله: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، عمر له عدة أبناء ستة أو سبعة، لكن إذا أطلق هذا اللفظ انصرف إلى عبد الله، وله أخ اسمه عبيد الله، وآخر اسمه عاصم وغيرهما، وعبد الله هو المشهور بالرواية. قال: (أصاب عمر) ، ولماذا لم يقل: أصاب أبي؟ ليبرز لنا صاحب الحديث لو قال: أصاب أبي، فمن يكون أبوه غير عمر؟ لكن قال: أصاب عمر ليُبرز شخصية عمر، وهو من الخلفاء الراشدين، وسنته متبعة، ومنزلته عند رسول الله ﷺ هي هي، وكذلك عقليته وفقهه، قال عنه النبي ﵊: (كان يكون في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإنه عمر) وفي بعض الروايات الضعيفة: (لو لم أرسل إليكم لأرسل عمر) . وفي الحديث: (ان الشيطان ليفرق منك يا عمر!) ، وأنزل القرآن موافقاً لرأيه في ستة مواطن، ومع هذا كله لما أصاب أرضاً بخيبر جاء يستأمر رسول الله ﷺ في هذه الأرض، يعني: يطلب أمره، ويستأذنه، ويستشيره، وما عوّل على ما عنده من خلال الخير والفطنة والمعرفة، وهذه -والله- هي السعادة الكبرى، أن يكون ﷺ بين أظهرهم، يسألونه في الصغيرة والكبيرة، ويصدرون عن رأيه، ويستأمرونه فيما يخصهم، ملك أرضاً وله أن يتصرف فيها كيفما يشاء، وفي المثل: من تحكّم في ماله ما ظلم، ولكن ما دام الرسول ﷺ موجود فيذهب يستشيره. وقوله: (أصاب أرضاً بخيبر) ، هل خيبر فتحت عنوة أم صلحاً؟ عنوة، فلو كانت صلحاً لم يصب منها شيئاً، فهي فتحت عنوة، وقد فتحت حصناً حصناً، ولما أظفر الله المسلمين بهم، عقد الصلح على أن يعمل اليهود فيها، ويكون لهم نصف الثمرة والزرع، وكانوا أشد خبرة بالغرس والزرع، وكان المسلمون مشغولين بالجهاد، فأصبحت ملكاً للمسلمين؛ لأنها فتحت عنوة. والأرض التي تُفتح عنوة تقسم على المجاهدين، فكانت حصة عمر من خيبر كما قال: (لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه) ، أي: من هذا الجزء الذي أصبته من خيبر.

стр. 2422

السخاء والكرم هذه القصة تدعو إلى سخاء النفس، والحث على التطلع إلى ما عند الله، والاستظلال بقوله سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] ، ليس مما تكرهون أو تكونون زاهدين فيه، وما له غرض عندكم، أو ما له قيمة، بل تنفق الشيء النفيس الذي تحبه، كما قال سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٨] ، ويختلفون في ضمير (حبه) هل يرجع للطعام أم المعنى على حب الله؟ يقول والدنا الشيخ الأمين: أحياناً يأتي في الآية ما يدل على رجحان أحد القولين من أقوال العلماء، وهنا فيها قرينة تدل على أن ضمير (حبه) راجع للطعام، لأن ذكر الله يأتي في الآية بعدها: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٨-٩] ، فقوله: ﴿نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ يدل على أن (حبه) يرجع للطعام، فمع حبهم للطعام يطعمونه. جاء ضيف إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل صلوات الله وسلامه عليه إلى بيوت زوجاته التسع يطلبهن عشاءً للضيف فلم يجد، فقال: (من يضيف هذا الليلة ﵀؟!) ، فذهب صحابي به إلى أهله، وقال لها: هذا ضيف رسول الله، فأكرمي ضيف رسول الله، فقالت: ما عندي إلا عشاء الأولاد، فقال: علليهم حتى يناموا، واعمدي إلى السراج لتصلحيه فأطفئيه، وأنا سأدلي بيدي وأرفعها خالية لأوهمه أني آكل معه؛ لأوفر له الطعام الذي يشبعه. انظر الحيل! حيلة لوجه الله، فيقابل بالبشرى العظيمة، فحينما غدا إلى رسول الله ﷺ في الصباح قال له: (قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة!) ، فعلاً حيلة تضحك! وبعض الناس يحتال على المحرم ليصل إليه، وهذا يحتال على الحلال ليصل إلى رضوان الله، وإرضاء رسوله ﷺ . وهذا عمر يقول: (لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه) ، وأبو طلحة لما نزلت الآية جاء إلى رسول الله وقال: (إن الله يأمرنا أن ننفق مما نحب من المال، وإن أحب مالي إلي بيرحاء) ، وبيرحاء كانت شمالي المسجد، وكانت موجودة قبل هذه العمارة الأخيرة لخادم الحرمين، وكانت بئرها موجودة، وحولها آثار بستان وبعض النخيل، ولا نقول: إنه من ذاك الوقت، لكن البيئة بيئة مزرعة، قال: (فضعه حيث شئت يا رسول الله!) فقال: (اجعله في الأقربين) ، والشاهد عندنا قوله: (أحب مالي إلي بيرحاء) ، وهكذا عمر رضي الله تعالى عنه يقول: (إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه) ، أي: هو أنفس مال عنده، فنصحه رسول الله ﷺ أن يوقفها.

стр. 2423

معنى قوله: (إن شئت حبست أصلها) (إن شئت) ، يدل على أنه ليس بإلزام، بخلاف الزكاة فليس فيها مشيئة المزكي، فهي حق للسائل والمحروم، أما هنا فتبرع وصدقة، فقال: (إن شئت حبست أصلها) ، وهذه من صيغة الوقف: حبَّستُ، أوقفتُ، وقَّفتُ، سبَّلتُ، كل هذه صيغ يحصل بها الوقف، ويختلفون في كلمة تصدقت؛ لأنها تصدق على الصدقة بتمرة، وعلى الصدقة لجهة ما، وتصدق على الوقف؛ لأنه صدقة جارية، لكن إذا جاءت قرينة تدل على أنه أراد بكلمة (تصدقت) معنى أوقفت؛ فلا إشكال. وقوله: (إن شئت حبست أصلها) ، يدل على أن الوقف لا يكون إلا لما له أصل يبقى، وتؤخذ منه منفعة، فالطعام لا يكون وقفاً بل صدقة؛ لأنه ليس له أصل يوقف، وتؤخذ منه منفعة كل سنة بل يذهب، والغرس المثمر يصح وقفه، والغرس غير المثمر لا يصح وقفه؛ لأنه لا فائدة فيه للموقوف عليهم، إلا إذا قلنا: ينتفع بها بأن يؤخذ منها حطب، ويباع وينبت غيره، كما كان الحال في المدينة، يؤخذ الخشب من شجر الطرفاء، وكانت الطرفاء وجذوع النخل هي أدوات البناء والسقف. إذاً: يؤخذ من قوله: (حبّست أصلها، وتصدقت بها) ، أن الذي يصح وقفه ما اشتمل على الأمرين: الأصل والثمرة، فيحبِّس الأصل ويسبل الثمرة، فلا يباع ولا يورث ولا يوهب، والتصرفات التي تنقل ملكية العين لا تجوز في الوقف، وألحق الفقهاء بها الرهن؛ لأن الغرض من الرهن توثيق الدين، فإن وفّى المدين دينه فالحمد لله، وإذا لم يوف دينه بيع الرهن، والحال أنه وقف، والوقف لا يباع، إذاً: لا يرهن. فمعنى قوله: (حبّستَ) : أن يبقى في محله محبوساً عن التصرفات التي تعتري الأملاك، فلا ينتقل إلى أحد ببيع، أو بهبة أو بميراث، وكذلك لا يرهن؛ لأن المرهون معرض للبيع وفاءً للدين. وقوله: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، رد الرسول ﷺ الأمر لـ عمر ليتصدق هو؛ لأنه المالك، فتصدق بها عمر على أن الأصول لا تباع ولا تورث ولا توهب. (فتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف) . الوقف ينقسم إلى قسمين: وقف التبرر لعمل البر، والوقف الأهلي الذي يوقفه على أشخاص معينين، فيقول: هذا وقف على فلان، ويسميه باسمه، ومن بعده إلى أخيه فلان، ومن بعده إلى عمه فلان، فهذا وقف أهلي. والوقف الخيري يجري لمن عين له بالوصف، والوقف الأهلي إذا وصلت ثمرته إلى من هو موقوف عليه تعامل معها معاملة المالك، فلو وقّف هذه النخيل على ثلاثة أشخاص، فلما جاءت الثمرة قسمناها على الموقوف عليهم، وكانت حصة كل واحد منهم نصاب زكاة (خمسة أوسق فأكثر) فعليه أن يزكيها، لكن وقف التبرر على المساكين أو على ذوي القرابة أو على ابن السبيل، لو أن الصنف الموجود ناله من الوقف بقدر نصاب زكاة؛ فلا زكاة عليه؛ لأنها صدقة عليه، بخلاف الوقف الأهلي. ونسمع عن بعض الدول أنها غيّرت وبدلت في الوقف، فألغت الوقف الخيري، وبعضها ألغى الوقف الأهلي، وكنا نسمع أن حكومة بلد من البلاد الإسلامية العربية أرادت أن تلغي الوقف الأهلي، ثم إن رئيس تلك الدولة أوقف عشرة أفدنة على ولده، فتوقف المشروع؛ لأنهم لا يستطيعون أن يبطلوا وقف رئيس الدولة، وكانت بعض الحكومات تحارب الوقف في الماضي، وكذلك في الوقت الحاضر بعض الدول ألغت الوقف فعلاً، ولم يعد هناك ما يسمى وقف، فأعادوا الأوقاف إلى أهلها، فإن كان الموقف حياً رجع إليه ملكه، وإن لم يكن موجوداً رجع إلى الورثة بحسب الميراث الشرعي. وعمر رضي الله تعالى عنه وقّف أرضه وقف تبرر وقفاً أهلياً، وسنشرح ذلك جملة جملة.

стр. 2424

الوقف على الفقراء قوله: (فتصدق بها في الفقراء) ، الفقراء ليسوا مخصوصين بأشخاصهم، ولكنهم طائفة يعرفون بصفاتهم، والفقير هو الذي لا يجد ما ينفقه، بخلاف المسكين فهو يجد أقل ما ينفق، فكسبه أقل مما يحتاجه في النفقة، فكسبه لا يكفي حاجته، وقالوا: إن المسكين أحسن حالاً من الفقير، وقالوا: إن الفقير مأخوذ من فقار الظهر، وبالعمود الفقري يتحرك الإنسان، فإذا تعطلت فقرة من فقار العمود الفقري في الإنسان فإنه لا يستطيع أن يحرك شيئاً من جسمه، ويكون ملازماً للأرض ساكناً لا حركة عنده، بخلاف المسكين فهو ساكن، وفرق بين من أخلد إلى الأرض كرهاً ومن سكن اختياراً؛ ولذا جاء في حق المساكين: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] ، فهم مساكين ومعهم سفينة، والسفينة مال، فمن كان عنده سيارة كبيرة يعمل عليها، وما عنده غيرها، قد يكون فقيراً، وأما الفقير فليس عنده شيء، حتى ولا كرسي. فالصنف الأول للفقراء، وإذا وقف للفقراء، وكان للموقف قرابة أو أبناء اتصفوا بالفقر، فإنهم يستحقون من الوقف مع الفقراء؛ بوصفهم بالفقر لا بكونهم أبناء الموقف، ومن استغنى منهم لا يعطى من الوقف.

стр. 2425

الوقف على ذوي القربى وفي الرقاب قوله: (فتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب) ، القربى: ذوو الرحم، وليسوا الورثة فقط، بل مثل خاله وخالته، وابن خاله وابن خالته، وعمته، وابن عمته، فهؤلاء كلهم من ذوي الرحم، فجعل لهم نصيباً، والرقاب جمع رقبة، وما المراد بالرقاب هنا؟ هناك عبدٌ قِنٌ، أي: ليس فيه شائبة حرية، ومبعَّض، أي: بعضه حر، وبعضه مملوك، وهو من أعتق بعضه، ومدبَّر، وهو الآن مملوك، ولكن حريته مدبرة بعد وفاة مالكه، ففي اللحظة التي يموت فيها سيده يملك حريته، ومُكاتب، وهو: الذي شارط سيده على مبلغ يؤديه إليه، فلو أن السيد أراد أن يبيعه لشخص آخر، فيقول له: أنا أشتري نفسي، ويكاتبه على مبلغ يتفقان عليه، وينجمه عليه تنجيماً، ويستحب له أن يسقط القسط الأخير مساعدة له، وهذا إذا علم فيه خيراً، لا أن يكون مفسداً شريراً، فيملك نفسه، ويفسد في الأرض، لكن يكاتبه إذا آنس منه الصلاح والاستقامة والقدرة على أداء مبلغ الكتابة، فإنه إذا تحرر نفع الناس، وكان صالحاً في المجتمع. فأي نوع من أنواع الرقاب المراد هنا؟ بعضهم يقول: الرقاب الذين يحتاجون إلى المال، وهم المكاتبون؛ لأن المكاتب عليه أن يسدد بخلاف القِن ما عليه شيء، والمبعّض ما عليه شيء، والمدبَّر ينتظر موت سيده بفارغ الصبر؛ ولهذا كره تدبير العبد كما كرهت الرُّقبى. فيعطى المكاتب ما يتحرر به، وبعضهم يقول: (وفي الرقاب) أن تشتري المملوك القن وتعتقه. إذاً: هي دائرة في هذا الصنف من الناس، سواءً اشتريته وأعتقته أو ساعدته على وفاء دين كتابته. والإسلام يتشوف إلى تحرير الرقاب، وقد يكون العبد قريباً لـ عمر؛ لأن العبد هو من أُخذ أسيراً في المعركة وهو يقاتل المسلمين، لا من خطف من الطريق. فلا يسترق مسلم أبداً إلا إذا أسلم بعد أن أخذ أسيراً، وقسم على الغانمين، وبعد ذلك يسلم فهذا فضل الله. وقال الله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ ، المسلمون فيهم مساكين، ﴿وَيَتِيمًا﴾ ، والمسلمون فيهم أيتام، ((وَأَسِيرًا)) [الإنسان:٨] ، لا يكون مسلم بيد المسلمين أسيراً؛ لأنه لا يحق لمسلم أن يأسر أخاه ولو تقاتل معه، والسلف عندما تقاتلوا لم يسترق بعضهم بعضاً، ولما قال القوم لـ علي: أقسم بيننا الأسارى، قال: لا يوجد أسارى في الإسلام، أيكم يرضى أن تكون عائشة في سهمه؟! ولهذا لا يذفف على جريحهم، ولا تسلب أموالهم؛ لأن القتال غالباً لا يكون بين طوائف المسلمين إلا بسبب اختلاف وجهة نظر دينية.

стр. 2426

ترغيب الشرع في تحرير الرقاب في قوله: (وفي الرقاب) ، ترغيب لتحرير الرقاب، وقد أشرنا مراراً أن الرق في الإسلام يتميز عن جميع طوائف العالم، وأشرنا أن قانون الرق في أوروبا كان ينص على منع السيد من عتق رقيقه إلا بإذن الحاكم، وكان يستوجب أسر الأفراد لأوهى الأسباب، أما الإسلام فلم يجز استرقاق الإنسان إلا في أرض المعركة حينما يحاد الله ورسوله، ويقف سداً منيعاً أمام زحف الإسلام إلى الناس فيؤخذ أسيراً، ثم باب الأسر واحد، أو كما يقال: باب الورود واحد فقط، وهو أرض المعركة، بينما أبواب الخروج متعددة، فإذا كان الورود من باب واحد والخروج من أبواب متعددة فهل يبقى في البيت أحد؟ لا يبقى أحد بخلاف العكس، لو كان أبواب الورود متعددة والخروج من باب واحد، فسيحصل زحام وأزمة، أو كما يقولون: خطر سوء التفريغ، ولذا فمن أول حساب الهندسة المعمارية عند بناء المسجد أو المعهد أو الكلية، أنه لابد أن يعمل حساب الأبواب للخروج، حتى لو حصلت أزمة مفاجئة استطاع الموجودون الخروج بسرعة، أما إذا كان هناك باب واحد، وهناك ألف نفر، فمتى يخرجون؟ سيقتل بعضهم بعضاً في الزحام، لكن لو عمل خمسون باباً فسيخلو المكان بسرعة. فنجد جميع الكفارات فيها عتق، مثل كفارة اليمين، والظهار، والوطء في رمضان، وقتل الخطأ، وتبدأ الكفارة -سواءً كانت على الترتيب أو التخيير- بعتق رقبة. ثم نجد الترغيب في عتق نفسه من النار، فقال ﵊: (من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار حتى فرجه بفرجه) ، بل قد يكون العتق إجبارياً على الإنسان، فقال ﵊: (من أعتق شقصاً من عبد مملوك، فخلاصه عليه في ماله، فإن لم يكن له مال قوم العبد قيمة عدل ثم استسعي العبد غير مشقوق عليه) ، يعني: قوم عليه الشقص الثاني، وقيل له: ادفعه لشريكك، ويصبح العبد حراً، فإن قال: أنا أعتقت النصف فقط، فيقال له: مادام قد أعتقت النصف فقد فتحت الباب، فأكمل، ويُجبر على عتقه كاملاً. ومن لطم عبده فكفارته أن يعتقه، جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: كانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت عليها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة منها، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فعظم ذاك على رسول الله ﷺ ، فقال: أفلا أعتقها؟ قال: (ائتني بها. قال: فجئته بها فقال: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال: اعتقها فإنها مؤمنة) . فالشريعة تتلمس الأسباب للعتق، بخلاف القوانين الأخرى، فإنه يشمئز الإنسان أن يوردها، كانوا يبيحون لأنفسهم إطلاق السباع الجارحة المفترسة على العبد في ميدانٍ ليتفرجوا كيف يفترسه الأسد! ولا أحد يمنعهم من ذلك، والقانون يبيح لهم ذلك! وهذا لطمها في حالة غضب أسفاً على الشاة التي أكلها الذئب، فيتأسف ويسأل عن عتقها، فيقول له ﷺ : (اعتقها) . وهذا عزير بن عمير أخو مصعب بن عمير، أخذ أسيراً يوم بدر، ولما قدموا به إلى المدينة، مر عليهم الرسول ﷺ فقال: (استوصوا بالأسارى خيراً) ، قال: فكانوا يقدمون إلي الخبز، ويجتزئون هم بالتمر، حتى كنت أستحي منهم فأردها عليهم فيردونها عليّ. فأي إكرام؟ وأي معاملة بالحسنى إلى هذا الحد؟ ومر عليه مصعب أخوه، فقال: شدوا وثاقه فإن أمه ذات مال لعلها تفديه منكم، فنظر إليه وقال: هذه وصايتك بي يا أخي! قال: لست أخي، إنما إخوتي هؤلاء المسلمون. والذي يهمنا أنهم كانوا يقدمون له الخبز، وهم يأكلون التمر عملاً بوصية رسول الله: (استوصوا بالأسارى خيراً) . وعمر رضي الله تعالى عنه جعل حصة من وقفه للرقاب.

стр. 2427

الوقف في سبيل الله بعض الناس يقول: إذا أطلق سبيل الله انصرف إلى الجهاد، والبعض يقول: كل عمل خير فهو في سبيل الله، ولكن الأول هو الأصح؛ لأنه لو كان معنى (في سبيل الله) أعمال الخير كلها، فلا حاجة إلى أن أقول: فقراء، رقاب، أيتام؛ لأنها كلها في سبيل الله، لكن العرف يعيِّن أن في سبيل الله هو الجهاد. فما الذي يفعل في حصة (سبيل الله) التي أوقفها عمر؟ إذا كان هناك غاز ليس عنده جهاز ولا مئونة ولا زاد، ووجد أن له حقاً في وقف عمر، فإنه يأخذ منه، مثل إنسان يريد أن يغزو، وعنده طعامه لكن ما عنده سلاح، فيأخذ من الوقف ما يشتري له به سلاحاً؛ لأنه في سبيل الله.

стр. 2428

الوقف على ابن السبيل وقوله: (وابن السبيل) ، السبيل: هو الطريق، والغريب يطلق عليه ابن السبيل، والشاب الغريب ابن كما يقولون: البنوة نسبة، فتقول: ابني وابن فلان، فينسب إلى أبيه الذي جاء منه. فما علاقة السبيل بآدمي يمشي على وجه الأرض؟ قالوا: لأننا لا نعلم عن هذا الغريب شيئاً، ولكن السبيل هو الذي جاءنا به، فلولا السبيل أو الطريق لما رأيناه، فنحن وجدناه على الطريق، فهو ابن الطريق، كما يجد إنسان إنساناً في غابة فنقول عنه: ابن الغابة؛ لأنه وجد فيها، وهكذا. فابن السبيل يراد به المسافر المنقطع الذي يريد ما يبلغه إلى بلده، ويبحث العلماء فيما يأخذه ابن السبيل، وفيما يأخذه الغارم الذي سعى بين الناس بالصلح، فهل ما يأخذاه تملك أو استحقاق لغاية؟ فإن كان تملك، قدرنا له ما يوصله إلى غايته، فإن أعطيناه ألفاً ثم هو قتر على نفسه، وأنفق نصف الألف فقط، فهل يرد الباقي أم يكون في ملكه؟ إن قلنا: يأخذ ما يبلغه فقط، فإنه يرد الباقي، وإن قلنا: يتملك ما قدرناه له، وما وفّره فهو ملك له؛ لأنه وفره على حظ نفسه، وقد يكون حرم نفسه من بعض الأشياء، ووفر بعض قيمتها فيكون ما أخذه ملكاً له.

стр. 2429

الوقف على الضيف وقوله: (والضيف) ، المراد ضيف الوالي على الوقف، وهو الناظر، مثلاً: الناظر مقيم في النخل، فورد عليه ضيف، فللضيف حق الأكل من هذا الوقف؛ لأن الضيف مثل ابن السبيل، وقد يكون استضاف صديقه أو قريبه. وقد حث الإسلام على إكرام الضيف والضيافة، لها أحكامها الخاصة، قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه،. فليقل خيراً،. فليكرم جاره) . وإكرام الضيف من مكارم الأخلاق، وهو من بقايا شيم العرب، وتعرفون أخبار حاتم في الكرم، وقصة الحطيئة لما أكرم ضيفه وقال له: يا أبت اذبحني وهيئ له طعماً والقصيدة طويلة، فكان العرب يعنون بإكرام الضيف، وكانوا يتغنون بذلك، وكما قال الآخر: وبات على النار الندى والمحلق والمحلق هذا كان عنده عدة بنات، وما جاءه خاطب لهن، فقدم بعض الشعراء ونزل عنده، فما اهتم له كثيراً، فقيل له: هذا الشاعر فلان، فحالاً أكرمه بزق من الخمر، وبشاة مشوية، فقام يمتدحه بقصيدة فيها: وبات على النار الندى والمحلق والندى: يعني الكرم، فشاعت القصيدة في العرب، وبعد مدة خطبت بناته كلهن. يهمنا الكرم وأثره، والضيف له حق، كما في الحديث، وقال بعض المتأخرين: إن الضيف له حق ثلاثة أيام، فاليوم الأول فرض، والثاني مندوب، والثالث كذا، وما عدا ذلك فهو صدقة. وعمر رضي الله تعالى عنه لما فتح بيت المقدس شرط على الرهبان، وعلى أصحاب الصوامع: أن يضيفوا من مر عليهم من أبناء السبيل، وبعض المتأخرين يقول: انتهى أمر الضيافة؛ لأنها كانت عندما كان الغريب لا يجد ما يأكل وما يشرب، وبعضهم يقول: لا، من كان مقيماً في صحراء، وعنده سعة؛ فالضيافة عليه واجبة، وإن كان في مدينة من المدن، وفيها الفنادق، وفيها المطاعم؛ فلا تجب الضيافة على أحد؛ لأنه إن لم يستضفه أحد سيجد في الفندق والمطعم ما يسد به حاجته، وفي ذاك الوقت لم يكن هناك فنادق ولا مطاعم ولا مخابز، ولا غيرها مما يسد الغريب حاجته فيها بما في يده، وقد يكون معه الثمن لكن لا يجد من يبيعه، فتجب حينئذ ضيافته، فالأماكن التي لا يجد الغريب فيها حاجته بالثمن، فالضيافة واجبة على أهلها. ونعلم بقصة الرهط الذين نزلوا عند حي، فأبوا أن يضيفوهم، وسلط الله العقرب على سيد ذاك الحي، وقضية الخضر عندما أقام الجدار في القرية التي أبى أهلها أن يضيفوهما، فهذا عيب عليهم من ذاك التاريخ، وهذا يدل على أن الضيافة ثابتة في الأمم جميعاً. فإذا كان الغريب لا يجد ما يطعمه وما يأويه تعينت الضيافة، وإذا كان يجد ذلك بالنقد أو بالمروءة ما يطعم ويأوي فلا حق في الضيافة بالفرض على أحد.

стр. 2430

أجرة ناظر الوقف قوله: (لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف) ، (لا جناح) أي: لا إثم ولا ذنب ولا مؤاخذة على من وليها، والذي يليها هم النظار، فللناظر أن يأكل بالمعروف، وما هو المعروف؟ قيل: ما يسد رمقه، والبعض يقول: بحسب متوسط المعيشة، والحنابلة يقول: له الأقل من أجرة المثل ونفقته الشخصية، فمثلاً هذا العمل لو استأجرنا إنساناً يقوم عليه فإنه يستحق في الشهر ألف ريال مثلاً، وهذا العامل لو كان ينفق على نفسه فإنه يكفيه ستمائة ريال، فيستحق في الوقف أقل الأمرين: نفقته الخاصة أو أجرة المثل. ولو كانت نفقته ألف ريال، وأجرة مثله خمسمائة ريال، فإنا نعطيه أجرة المثل وهي الأقل؛ لأن هذا حماية للوقف، وكذلك الأمر فيمن ولي مال اليتيم.

стр. 2431

أمانة ناظر الوقف وقوله: (ويطعم صديقاً غير متمول مالاً) ، لو مر عليه صديق، وقدّم له من الرطب أو قدم له شيئاً من الفاكهة، فلا بأس أن يطعمه، ولكن بشرط (غير متمول مالاً) . فهذا الذي يليها يأكل بالمعروف غير متمول مالاً، وهذا الصديق يأكل بالمعروف، وهذا الضيف يضيفه بالمعروف لا أن يتمول من هذا الوقف مالاً، بأن يقتطع جزءاً من الوقف لنفسه، فهذا لا يجوز، ومرت علينا قضايا في المحكمة تضحك وتبكي من أعمال نظار الوقف، وكذلك لا يتمول بأن يجمع من ثمار الوقف ما يبيعه ويختزن ثمنه حتى يتمول مالاً من وراء الوقف. وقد ورد الإذن لابن السبيل إذا مر على حائط، أن يسد جوعه غير متخذ خبنة، فلا يحمل معه من الثمرة ويذهب، بل كل ما يشبعك في مكانك، ولا تحمل معك شيئاً. قال ﵀: [وفي رواية للبخاري: (تصدَّقَ بأصلها: لا يباع ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره) ] ينفق ثمره على من تقدم من تلك الأصناف. وفي قضية عمر هذه، يقولون: إنه ولاها ابنته حفصة، وكانت هي ناظرة هذا الوقف تقوم عليه، وهل يشترط في الوقف قبض الموقوف عليه أو من يليه باعتبار معنوي أم لا؟ فالذين يشترطون ذلك يقولون: عمر أخرجها من ذمته، وولى عليها حفصة، وهي تولّت القبول باسم الفقراء وباسم ابن السبيل، لأن هؤلاء الأصناف لا يتأتى منهم قبول لعدم إمكان حصرهم. والآخرون يقولون: ليس بلازم، وهو مذهب الحنابلة. ومباحث الوقف عديدة ومتوسعة، وما أكثر ما يكون فيها من مشاكل وإشكالات في الجهات الموقوف عليها، مثل أن يقف ويقول: على أولادي وأولاد أولادي، أو على أولاد الظهور دون أولاد البطون، وهذا من الخطأ الذي يرتكبه بعض الناس، أو أن يوقف المال مضارّة للورثة، عنده مال، فيوقف نصف المال ليحرم الورثة ميراثهم بهذا الوقف، فإذا فعل ذلك مضارّة بطل الوقف، وبعضهم يشترط فيه شروطاً لا تصح، مثل أنه يحق له أن يرجع في وقفه، ويحق له البيع والشراء، وأن يستبدل طائفة عن طائفة، والجمهور أن تلك الشروط باطلة. ويشترط في الوقف اتصال البداية واتصال النهاية، اتصال البداية مثل أن يقول: وقفت على بني فلان وهم موجودون، ولو قال: وقفت على أولادهم وذرياتهم وأعقابهم، فلم تتصل النهاية، فيكون باطلاً، لكن يقول: وقفت على كذا وعلى كذا وعلى كذا، فإذا انقرضوا فعلى المساكين أو فعلى طلبة العلم، فطلبة العلم والمساكين لا ينقطعون؛ لأنهم موجودون دائماً.

стр. 2432

شرح حديث: (بعث رسول الله عمر على الصدقة ... ) قال ﵀: [عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة الحديث وفيه: (فأما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله) . متفق عليه] يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث ليبين أن العتاد والمحبّس في سبيل الله لا زكاة عليه، والحديث يورد في باب الزكاة؛ وذلك أن النبي ﷺ بعث عمر ومعه آخر على الصدقة، فلما رجع قال: يا رسول الله! منع الصدقة خالد وابن جميل والعباس، فقال ﷺ : (ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليّ ومثلها معها. ثم قال: يا عمر! أما شعرت أن عم الرجل صنوه أبيه؟) . هكذا الحديث مطولاً، ويورده العلماء في باب الزكاة على هذا الأصل، وقوله ﷺ : (إنكم تظلمون خالداً) ، أي: تنسبون إليه منع الزكاة والصدقة وحاشاه من ذلك؛ لأنه يعلم أن الزكاة فرض، ولن يمنع خالد فرضاً، وبعض العلماء يقول: إن هذه الصدقة كانت صدقة تطوع، ولكن جمهور العلماء يرد ذلك؛ لأن صدقة التطوع ما كان ﷺ يبعث أحداً ليجمعها، وإنما كان يبعث لجمع الزكاة المفروضة.

стр. 2433

معنى قوله: (فهي عليّ ومثلها معها) تتمة للحديث: (أما العباس فهي عليّ ومثلها معها) ، قالوا: تحمل رسول الله ﷺ عن العباس زكاة ماله تلك السنة، و (مثلها) أي: السنة التي بعدها. وبعضهم يقول: ليست هناك حمالة، بل إن العباس رضي الله تعالى عنه كان قد دفع زكاة ماله لعامين مستقبلين، قيل: إن النبي ﷺ عرضت له حاجة فطلب من العباس أن يعجل زكاة سنته، وكان ذلك قبل أن يتم الحول، ومثلها معها. ومن هنا يذكر العلماء هذا الحديث بعينه في موضوع جواز تقديم الزكاة قبل موعدها، أي: قبل ثبوت وجوبها ببلوغ الحول. وقوله: (عم الرجل صنو أبيه) الصنو: معروف عند أصحاب النخيل، تكون نخلتان أصلهما في الأرض واحد، فالأصل واحد، وتتشعب كل نخلة منهما إلى جهة مقابل الأخرى، فيتفرع الأصل إلى فرعين، وهكذا العم بالنسبة إلى الأب، فإن أصلهما واحد وهو الجد، فالجد لأب هو الأصل، ثم انفصل عنه وتفرّع عنه أبو المتكلم وعمه؛ لاجتماعهما في أصل واحد وهو الجد، ويعني: أن العم والأب يتساويان. والشاهد هنا: أن خالداً رضي الله تعالى عنه احتبس أعتاده في سبيل الله، و (احتبس) يحتمل أن يكون المعنى: أوقف، ويحتمل أن يكون أعد، أي: أعد أدراعه وأعتاده، والأعتاد أو العتاد: هي الخيل، والأدراع: نسج من الحديد يلبس وقت القتال، قالوا: هذا يدل على صحة وقف العروض كالدروع وآلات الحرب من سيوف ورماح وغير ذلك، وكذلك صحة وقف الحيوان؛ لأن الحيوان يدخل في عموم قوله: (وأعتاده) . فمن هنا أتى المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث، وكأنه يشير إلى خلاف الفقهاء فيما يجوز وقفه وما لا يجوز؛ لأن البعض قد عارض في جواز وقف المنقولات، فعند الإمام أبي حنيفة ﵀ عدم صحة وقف المنقولات؛ لأنها تتغير وتتلف ويعتريها طوارئ الأحوال، بخلاف العقار الثابت، والوقف إنما يجعل على التأبيد، والمنقول ليس فيه ضمان للتأبيد فهو معرض للتلف، ومعرض للضياع؛ فلا يتم فيه الوقف.

стр. 2434

هل يزكى مال الوقف ؟ خالد رضي الله تعالى عنه أوقف ما يملك، ومن هنا قالوا: إن الوقف ينقسم إلى قسمين: وقف أهلي، ووقف تبرر، فالوقف الأهلي هو: أن يوقف العين على أهله، أو على أولاده وذويهم وذرياتهم، أي: على أشخاص إما معينين بالشخص مثل: (ولدي فلان) أو معينين بوصف مثل: (أولادي من صلبي) ، فهؤلاء محصورون ومعينون، ثم قد ينقله إلى أولاد أخيه أو إلى جيرانه أو إلى جماعة معينة، أو ينقله إلى عموم مثل: إلى بني فلان وهم قبيلة عامة، وهذه لا يمكن حصر أفرادها ولكن مجموعها، أو وقف على أهل وصف مثل طلبة العلم ثم إلى وصف آخر كذا وكذا، فيكون حينئذٍ وقف على أعيان وأشخاص لهم صلاحية القبول والتملك، فهذا الوقف بالنسبة للزكاة إنما هو هبة وصدقة، فلا يطالب الموقوف عليه بالزكاة، ولكن الوقف على معيَّن ينظر: كم حصته من الوقف هذا العام؟ ويعامل معاملة من وجبت عليهم زكاة الأموال، فإن كان الوقف زرعاً أو ثمرة فجد، وكان نصيبه من الثمرة ما يجب في مثله الزكاة؛ زكّاه حالاً، ونصاب الزكاة في التمر والحبوب خمسة أوسق، فإذا أصاب أحد الموقوف عليهم خمسة أوسق فما فوق؛ زكاه عند استلامه، كما قال الله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] ، وإن نقص الفرد المستحق عن هذا المقدار فلا زكاة عليه، كما لو كان المال من نخله وبستانه وملكه. أما إذا كان الوقف على خير وعلى بر، كأن يقول: أوقفت هذا النخيل على طلبة العلم، فهو متصدق به على أشخاص غير معيّنين، ولا يمكن حصرهم، فمن حضر منهم في بلده استحق الوقف، فحينئذٍ يأخذه الطالب باسم الصدقة، وهو أوقفه وأخرجه عن ملكه باسم الصدقة، فإذا كانت عين الثمرة بكاملها صدقة لا نطلب الصدقة من صدقة على الآخرين، فهؤلاء الذين أخذوا بوصف العلم أو بوصف الفقر والمسكنة لا زكاة عليهم فيما أخذوه. يقول ﷺ في حق خالد رضي الله تعالى عنه: (احتبس) . وجاء في الخيل حديث: (الخيل لثلاثة: فهي لرجل أجر، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزر) ، وفسرها ﷺ بقوله: (فأما الذي هي له أجر فالذي يحتبسها في سبيل الله) ، أي: أعدها في سبيل الله ولم يخرجها عن يده وقفاً إنما أعدها لتكون مهيأة وجاهزة للقتال في سبيل الله، فالشخص الواحد يعد ويهيئ عتاده من سيف ورمح وخوذة على رأسه أو درع يلبسه أو أو إلى آخره. وفرساً يعده للجهاد، فهذه لم تخرج عن ماله، فإذا أراد الزكاة قومها وقدرها؛ لأنها ممتلكاته، وليست من عروض التجارة، فهي للقنية، لكن يطلق عليه أنه أعدّها في سبيل الله، فقالوا في قضية خالد: إنه حبس أدراعه، فحبس بمعنى: حبّس وأوقف فلا زكاة فيها، أو حبس بمعنى أعد؛ ولذا ليس لكم طريق إلى مطالبته، وهو يعرف ما يجب عليه من حق الله في الزكاة. لكن المؤلف يسوق هذا الحديث هنا ليبين أمرين: الأمر الأول: صحة الوقف في المنقول. الأمر الثاني: عدم وجوب الزكاة فيما أوقفه صاحبه تبرراً لوجه الله، والله تعالى أعلم.

стр. 2435

كتاب البيوع - باب الهبة العمرى والرقبى [١] لقد أمر الشارع بالعدل بين الأولاد في العطية، وحرم المفاضلة فيها، واشترط أهل العلم في رجوع الوالد عن عطية ولده شروطاً معلومة، وهذه المسألة مستثناة من عموم النهي عن الرجوع في الهبة والعطية.

стр. 2436

شرح حديث النعمان بن بشير في وجوب العدل بين الأولاد في العطية باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: (إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ : أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : فارجعه) ، وفي لفظ: (فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، فرجع أبي فرد تلك الصدقة) متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم قال: (فأشهد على هذا غيري، ثم قال: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذن) ] . هذا الذي ساقه المؤلف من خبر النعمان بن بشير جزء من حديث طويل، وهو: أن أباه تزوج امرأة وهي أخت عبد الله بن رواحة، ثم طلبته أن يهب لولدها منه شيئاً يخصه به، قال: فمطلها سنة، وقيل: مطلها سنتين، ثم إنه أعطاه بستاناً نخيلاً، ثم بعد فترة ارتجعه، ثم رجعت وألحت عليه أن يمنح ولدها شيئاً من ماله، فمنحه هذا الغلام، فحينئذ خشيت أن يرجع في الغلام كما رجع في البستان، فقالت: لا أقبل - أي: لا أقبل هذا العطاء في الغلام - حتى تذهب وتشهد عليه رسول الله ﷺ ؛ لتضمن عدم رجوعه فيه كما رجع سابقاً في البستان. هكذا يذكر بعض العلماء؛ لأنه جاءت بعض الروايات أنه قال: (إن أبي قد منحني شيئاً من ماله) ، وبعض الروايات: (منحني غلاماً) ، فقالوا: يجمع بين هذا: أنها أولاً ألحت على زوجها فأعطاه بعد المماطلة بستاناً، ثم إنه رجع فيه، وهنا يأتي الكلام في الرجوع في الهبة، وسيأتي تفصيل ذلك في أحاديث متقدمة.

стр. 2437

العطية لا يثبت تملكها إلا بالقبض وهنا: اتفق العلماء على أن الهبة والصدقة والعطية لا يثبت تملكها لمن وهبت إليه أو منحها إلا بعد القبض. وبعض العلماء يقول: الهبة تصح ويقع التمليك لها بمجرد العقد، وعند الحنابلة التفصيل بين المنقول من مكيل وموزون وحيوان، وبين الثابت من عقار وغيره، فقالوا: لا تثبت الهدية في المنقولات إلا بالقبض، وما عداها تثبت بالتخلية، وقالوا: إن الصغير يقبض عنه وليه؛ لأن الصغير ليس أهلاً للقبض، وكذلك القبول، قالوا: ويشترط في صحة الهبة قبول الموهوب إليه وقبض الهبة التي وهبت له. واستدلوا في صحة الهدية بالقبض بحديث أم المؤمنين عائشة ﵂، بأن أباها كان قد منحها جذاذ خمسين وسقاً، فلما لم تحزه، ومرض مرض الموت قال: (يا ابنتي! والله لا أحد أعز علي فقراً من بعدي منكِ، ولا أحد أحب إلي غنىً من بعدي منكِ، وكنت قد نحلتك جذاذ خمسين وسقاً ولو كنت حزتيه لملكتيه) ، وفي رواية: (ولو كنت حرثتيه لملكتيه) فعلى رواية: (حزتيه) يكون الفرض جذاذ خمسين وسقاً من تمر جاف بذاته، وعلى رواية: (حرثتيه) يكون قد منحها نخلاً يؤتي ثمرة مقدار خمسين وسقاً، وعلى كلا الحالتين لما لم تقبض ما منحته -سواء كان تمراً موثقاً أو نخلاً يأتي بهذا القدر من الأوسق- فإنها لا تملكه. ثم قال: (وهو الآن مال وارث فاقتسموه أنت وأخواك وأختاك) ، أي: أسماء وبنت أخرى من امرأة كان تزوجها بالمدينة، وكان يسكن معها في السنح، قالت: (أي أختين يا أبي وليس لي إلا أخت واحدة؟ قال: ابنت زيد بن فلان، إنها حامل وأراها حامل بأنثى) فجاءت كما قال ﵁، فقالوا: لو لم يشترط القبض في الهدية والهبة لنفذت هبة أبي بكر لابنته عائشة، ولما لم تقبضها رجعت الهبة إلى مال الواهب وأصبح مال وارث. فهنا بشير لما منح ولده أولاً البستان يقولون: الوالد لا يقبض عن ولده إلا إذا كان في النقدين، فإذا كانت الهبة من النقدين الذهب والفضة، قال مالك: لا يصح للوالد أن يقبض لولده هبة الذهب والفضة، ولو حتى عزلها وختمها وأبعدها عن ماله مميزة عنه، ولكن يشترط أن يخرجها من تحت يده، ويجعلها تحت يد رجل أمين تكون عنده؛ مخافة فيما بعد: فلو مات الواهب-والحال أنه كان قد وهب ولده جزءاً من المال وبقي المال تحت يده في صندوقه مع عموم ماله- لربما ادعى الورثة أنه مال أبيهم، وأنه في التركة، لكن عندما يخرجه إلى يد غيره لا يمكن أن يدعوا ذلك. إذاً: لابد من اشتراط القبض في الهبة، والقبض كما يقال: إن كان مكيلاً أو موزوناً أو منقولاً فبنقله عن مكانه، وإن كان ثابتاً فبالتخلية بينه وبين الموهوب له. وهنا عمرة بنت رواحة لما قالت: لا أقبل، سبب ذلك أنه كان قد سبق من زوجها أن منح ولدها النعمان ثم رجع في منحته، ويقولون: إنه وإن كان يقبض عن الصغير إلا أن للوالد أن يرتجع في هبته لولده، وليس هذا لغير الوالد من جد أو أخ أو عم أو غير ذلك. واختلف في الأم هل لها أن ترجع في هبتها لولده؟ فالحنابلة عندهم رواية عن أحمد ﵀: أنها لها ذلك لقوله: (اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم) والأم والدة. وعند المالكية أن الأم لا تملك حق الرجوع في الهبة؛ لأن الوالد له ولاية على الولد، وهذه ليست موجودة للأم عليه، وجاء النص: (أنت ومالك لأبيك) وهل تلحق الأم بذلك أم لا؟ قالوا: وإن لحقت به في الأخذ من مال ولدها لحاجتها، فلا تلحق به في حق استرجاعه مما أعطى ولده.

стр. 2438

حكم العطية بين الزوجين ثم يأتون إلى العطية بين الزوجين، فقالوا: إذا أعطى الزوج زوجته عطية فلا يحق له أن يرتجعها، والقبض والإذن في ذلك حاصل لأنهما معاً في البيت. والمرأة إذا وهبت لزوجها هبة، قالوا: من حقها أن ترجع ومن حقها أن تمضي؛ لما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: (النسوة يهبن رغبة ورهبة) رغبة: تستجلب محبة الزوج، ورهبة: من أن يوقع بها ما يسوءها، ومخافة أن يتزوج عليها، أو أن يسيء عشرتها، أو أن يقصر معها فيما يفعل مع زوجاته الأخريات. قالوا: لها أن ترجع؛ لأنه يتوجه إليها الرغبة والرهبة. إذاً: الهبة بين الزوجين: فالزوج إذا وهب لا يرجع في هبته، والزوجة إذا وهبت لها أن ترجع في هبتها؛ لأن عندها علة ليست موجودة عند الزوج، وهنا عمرة طلبت من زوجها أن يشهد رسول الله ﷺ منحته زوجها لولدها. يقول ابن حجر نقلاً عن بعض العلماء: هذا من شؤم التشدد والتنطع، فلو أنها قبلت عطاء زوجها لولدها لمضى الغلام في عطية الوالد، لكنها تعنتت وتشددت وطلبت أن يشهد رسول الله ﷺ . وقوله ﷺ : (ألك ولد؟) هذا كما يقولون: وجوب الاستفصال من المفتي. إذا استفتاك إنسان وكان الموقف فيه احتمالات بين جواز الأمر أو منعه، فعليك أن تستفصل، فهنا سأل رسول الله ﷺ : (ألك ولد؟ قال: نعم، قال: أكل ولدك منحته ذلك؟ قال: لا. قال: ارتجعه) . وقال: (لا أشهد على جور) . وقال: (أشهد عليه غيري) كل هذه الألفاظ جاءت. والذين يقولون: ليس للوالد الرجوع بالكلية في أي حالة من الحالات أجابوا عن هذه الألفاظ وهذه الروايات في هذا الحديث بأجوبة: أما عن قوله ﷺ : (أشهد عليه غيري) يقول الشافعي: إن الرسول لم يعلمه بأن الهدية باطلة، ولكنه قال: أنا بصفتي رسولاً لا أشهد على مثلها، ويقولون: إنه كحاكم وقاض لا يكون شاهداً، وكما جاء عن عمر ﵁ جاء رجل يحتكم إليه ويشتكي خصماً له، قال: ائتني بشهود، قال: أنت أحد الشهود، قال: أنا لا أكون شاهداً وقاضياً، إن أردتني شاهداً فتقاضى إلى غيري أشهد عنده، وإن أردتني قاضياً فأتني بشهود. أي: أن الإنسان لا يكون في وقت واحد شاهداً وقاضياً. وبعضهم يقول: في قوله ﷺ : (أشهد عليه غيري، فإني لا أشهد على جور) يبدو والله أعلم لولا مجيء قوله: (لا أشهد على جور) ، وقوله: (أشهد عليه غيري) فيكون هناك توجيه لما هو الأفضل والأكمل؛ لأنه ثبت عندنا أن النبي ﷺ كان في بادئ الأمر إذا قدم إليه ميت ليصلي عليه، سأل: أعليه دين؟ فإن قالوا: لا. صلى، وإن قالوا: نعم. قال: صلوا أنتم، وهنا امتناعه عن الصلاة على المدين لا يكون ذلك في الحكم على الميت، ولكن في حكم الدين الذي هو عليه، ويكون حثاً على أداء الديون قبل الوفاة، فإن توفي وعليه ديون فعلى ورثته المبادرة بسداد ديونه، وهذا أيضاً فيه مفاضلة كونه يصلي على هذا ولا يصلي على ذاك، فكذلك هنا يشهد على هذا أو لا يشهد على ذاك، ليس ما يشهد عليه في الصراحة والإباحة كالذي لا يشهد عليه. إذاً: أقل مراتبه الكراهية. أما لما جاء فقال له: (فإني لا أشهد على جور) والجور: الظلم، فهنا اشتد الأمر، والإجابة عليه ليست وافية، فإنهم قالوا: يكون للكراهية، ولكن الأسلوب من حيث هو يدل على النهي والنفي. وهنا عطاء أحد الأولاد بعض المال، فهل هذا يصح أم لابد من التسوية بين الأبناء؟ سيأتي للمؤلف ﵀ بعض النصوص في ذلك ويهمنا في حديث النعمان بن بشير أنه كان صغيراً؛ جاء في بعض الروايات ذكرها ابن عبد البر، قال: (فانطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله) وفي بعض الروايات: (يمشي بي) وجمعوا بأنه لصغره تارة يمشي وتارة يحمله كما يفعل الأب مع ولده الصغير، يحمله شيئاً ثم ينزله ويمشي معه شيئاً آخر، إذاً: أبوه كان قد استلم مكانه، وقبض الهبة من نفسه وهذا كما يقولون بالولاية. ولو أن أجنبياً أهدى لطفل وأبوه موجود فأبوه يقبض عنه، أو كان يتيماً وله وصي فوصيه يقبض عنه؛ لأن الصغير دون البلوغ ليست له صلاحية القبض ولا القبول، فوليه يقبل الهدية ويقول: قبلتها لفلان، ويقبضها عنه ويحوزها لديه. وتقدم الإشارة إلى كلام مالك رحمه الله تعالى بأن القبض يكون جائزاً إلا في النقدين، فلابد أن يعزل الهبة النقدية ويجعلها في يد أمين بعيدة عنه، مخافة أن يأتي الورثة فيما بعد ويقولون: هذا مال أبينا وهو تركة عنه.

стр. 2439

شرح حديث: (العائد في هبته كالكلب ... ) يقول المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) متفق عليه، وفي رواية للبخاري: (ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه) ] . هذا الحديث أيضاً يتناوله العلماء باختلاف: (العائد في هبته كالكلب يأكل ثم يقيء ثم يعود يلعق من قيئه) هذه الصورة نجد أن بعض الناس يقول: يجوز أن يعود في هبته، طيب والكلب يعود؟ قال: الكلب ما عليه لا حلال ولا حرام، فإنه لما يقيء ثم يرجع ويلعق من قيئه ليس حراماً عليه. إذاً: لا مانع أن يعود الإنسان مع التقبيح والكراهة. والآخرون قالوا: لا، جاء اللفظ: (ليس لنا مثل السوء) فالرسول عندما يضرب المثل بكلب يقيء. انظر الصورة! ليس بكلب يأكل ثم يترك ثم يعود لما كان يأكله، يعود لفريسته مرة أخرى، لا، وإنما يقيء، فكأن الذي وهب ما كانت هبته خالصة ولكن كأنها استخرجت منه بشدة، كالشخص الذي يقيء رغماً عن أنفه، فيكون حينئذ أخرجها بغير اختياره، أو أخذت منه كرهاً عليه، فحينئذ يتطلع إليها، وسيأتي في قضية فرس عمر رضي الله تعالى عنه: (لا تبتعه ولو بدرهم) . وهنا الذي يعود في هبته عام في جميع أنواع الهبات، وفي كل من يهب شيئاً، حتى الواهب يهب ولده، فإذا رجع فيها شمله هذا الحديث. والذين يجيزون عودة الأب في هبة الولد لأنه ملكه، قالوا: عودة الأب كحديث النعمان، قال النعمان: (فرجع أبي فارتجع تلك الصدقة) ، كان قد وهبه وأعطاه، فهذا مخصص لعموم من وهب، كأنه يقول: من وهب ثم رجع إلا الوالد إذا وهب لولده فرجع عن هبته فلا مانع. والبعض يقول: لا، بشير لم يكن أمضى الهبة، بل كان عرض على عمرة أن يهب للنعمان غلاماً، وهي إلى الآن ما قبلت ولا أمضت الهبة، بل قالت: (لا أقبل حتى تشهد رسول الله) . إذاً: عقد الهبة إلى الآن لم ينعقد، فكون بشير يرجع في هبته لولده غلاماً فإنه رجع قبل انعقاد عقد الهبة. إذاً: فهذا الحديث يعم، وإنه ما كان قد أنفذ الهبة ولا كان قد قبضها باسم ولده؛ لأنه من حقه أن يقبض لولده الصغير، فقالوا: رجوعه ليس كالكلب يعود في قيئه؛ لأنه لم يكن قد أتم وأمضى الهبة بدليل أن زوجه عمرة قالت: لا أقبل. إذاً ما تم القبول، هو أعطى وتولى القبض والقبول، قالت: (لا. حتى تشهد رسول الله ﷺ . إذاً: إلى الآن الهبة معلقة حتى يشهد عليها رسول الله ﷺ ، فليس هناك تخصيص للحديث، ويكون هذا الحديث عاماً في كل هبة والدا ًكان أو أخاً أو أختاً (فرجع في هبته) . وبعضهم يقول: إنما هو في الصدقة التبرر والتطوع؛ لأن المتصدق أخرجها لوجه الله رغبة في الأجر عند الله، فلا ينبغي له أن يبطل نيته تلك وأن يفسخ عقده مع الله في تلك الصدقة، بخلاف الهبة للبشر، فإن له أن يعود فيها، ويكون الحديث على رأيهم خاص بمن تصدق بصدقة لفقير أو مسكين لوجه الله. وتقدم لنا الفرق بين الهبة والصدقة؛ فإن الصدقة تعامل مع الله، ينتظر فيها ثواب الله، والهبة تعامل مع الإنسان ينتظر مثوبتها عند الإنسان بمجاملة أو مودة بمصانعة بتمهيد لصداقة لقضاء حاجة، هذه هي الهبة التي تدور في فلك الإنسان، من إنسان إلى آخر، ولكن الصدقة تخرج من فلك الإنسان إلى رب العزة فيتعامل مع الله.

стр. 2440

شرح حديث: (لا يحل لمسلم يعطي العطية ثم يرجع فيها ... ) يقول المصنف ﵀: [وعن ابن عمر وابن عباس عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم] . لا يصح لأحد أن يعطي العطية، نحن قلنا: العطية والهدية والهبة والنحلة كلها أسماء لمسمى واحد، ولا يختلف ذلك إلا مع الصدقة؛ لأن الصدقة تعامل مع الله، يرجو فيها ثواب الله، ولهذا يخفيها ولا يريد أن يطلع عليها أحد، بخلاف الهبة فإنه قد يرائي فيها ويظهر المصانعة مع الآخرين. ولا يحق لإنسان أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، كالحديث الأول ثم قال: (إلا) وهذا نص بالاستثناء، فهو يستثني نصاً صريحاً: (إلا الوالد إذا أعطى ولده له أن يرتجع) ، يرتجع لأي شيء؟ هل يرتجع عن أصل الهدية ويقف عنها ويلغيها، أم يرتجع ليسوي بين هذا الشخص وبين بقية إخوته؟ قول الرسول ﷺ لـ بشير: (اتقوا الله وسووا بين أولادكم) يقول العلماء: إما أن يعطي بقية الأولاد كما أعطى هذا الولد، وإن كان لا يوجد عنده ما يكفي لعطاء جميع الأولاد كهذا الولد ارتجع مما أعطاه لهذا الولد وكمل به ما معه ليعم العطاء لجميع الأولاد. إذاً: الوالد قد يضطر إلى الرجوع فيما أعطى الولد؛ لتتم التسوية في عطاء الأولاد، وماعدا الوالد لا حق له في ذلك حتى الجد والأم ليس لهم الرجوع في العطية.

стр. 2441

شروط الرجوع في عطية الولد تقدمت الإشارة إلى أنه إذا لم يكن هناك أولاد، وكان عطاء من الوالد لولده الواحد، فإن رجوعه فيما أعطى الولد يشترط له بعض الشروط: أن تكون العين باقية في ملك الولد، ولو أن الولد وهبها أو باعها، أو عبداً أعتقه، أو جارية أولدها، فإنه في هذه الحالات لا يملك إرجاعها؛ لأنها انتقلت من ملك الولد إلى ملك الغير، وكذلك الجارية: إذا وهب ابنه جارية فاستمتع بها وحملت منه أصبحت أم ولد، وأم الولد لا يملك سيدها أن ينقل ملكها إلى غيره؛ لأنها تعتق عند موته. وجاء الخلاف عند الحنابلة، ونص المغني شكل، ونص كشاف القناع شكل آخر، فالمغني يقول: مالم تتعلق بالعطاء رغبة الآخرين، وأشرنا إلى هذا المعنى بأنه لما أعطى ولده العطاء رغب الناس في التعامل مع الولد؛ لأنه أصبح له مال، خطب زُوج، والفتاة تخطب من أجل ما أعطاها أبوها: (تنكح لمالها) فإذا ما تزوج الولد، وتعامل مع الناس فداينوه، وتزوجت الفتاة، فإذا بالوالد يأتي فيرجع فيما أعطى ولده، كأنه أضر بالآخرين. الطرف الثالث الذي وجد: وهو من داين الولد من أجل عطية أبيه، ومن زوج الولد من أجل عطية أبيه، ومن تزوج البنت من أجل عطية أبيها، هؤلاء يتضررون إذا رجع الوالد في عطائه لولده، والأصل: (لا ضرر ولا ضرار) . هذا الوجه يذكره ابن قدامة في المغني قولاً واحداً، وكشاف القناع يذكر الروايتين: ولو تعلقت به رغبة الآخرين، بهذا النص. ولو رهنه ينتظر الوالد حتى يفك الرهن؛ لأن الرهن لا ينقل ملكية العين عن مالكها، فهو حدث يمنع التصرف في المال، والراهن بنفسه لا يحق له أن يبيع الرهن، ولا يحق له أن يعتقه إن كان عبداً أو أمة؛ لأنه متعلق بالدين الذي في ذمته، فهو رهن لوفاء الدين، فإذا باعه انتفى مقصود الرهن، فإذا كان الولد قد رهن ما أعطاه أبوه في دين عليه. قال في الكشاف في الرواية الأخرى: ينتظر الوالد فك الرهن ثم يرتجع المرهون، ولكن المغني قدم عدم الرجوع قولاً واحداً. ثم من شروط رجوع الوالد: أن لا يزيد العطاء في يد الولد، والزيادة تنقسم إلى قسمين: زيادة منفصلة وزيادة متصلة، فالزيادة المنفصلة كأن وهبه ناقة ثم لقحت الناقة فأنتجت وأصبح لها فصيل، وأراد الأب أن يرتجعها، قالوا: له أن يرتجع الأصل والنماء للولد؛ لأنه نماء وقع في ملكه. أما الزيادة المتصلة التي لا يمكن فصلها، بأن كانت الناقة عجفاء، فعلفها حتى سمنت، أو كان الغلام جاهلاً عامياً فعلمه القراءة والكتابة، أو علمه صنعة، فهذه زيادة متصلة بالشخص لا يمكن فصلها عنه كفصل النتاج عن الناقة؛ فحينئذ لا يحق للأب أن يرتجع هذه الهبة؛ لأن الولد صارت له شراكة في هذه العين بقدر الزيادة التي زادت واتصلت. كذلك من شروط رجوع الوالد في حق ولده: ألا تكون العين قد تلفت، أما إذا كانت نقصت بأن كان سميناً ثم هزل عنده فهو بالخيار؛ لأنه رضي بهذا النقص، فله أن يرتجع هبته إن أحب، وهذا كله تفصيل في رجوع الوالد فيما أعطاه لولده. أما تملك الوالد من مال الولد ابتداء فيزاد فيه شرط آخر: وهو ألا يأخذ مال الولد هذا ليعطيه للولد ذاك؛ فالحديث بين أنه فيما أخذه لنفسه: (أنت ومالك لأبيك) ما قال: لأخيك، فإذا أخذ الوالد من مال ولده ودفعه لولد آخر فيكون قد أعطى مال الولد لأخيه وهذا لا يصح له.

стр. 2442

شرح حديث: (كان الرسول ﷺ يقبل الهدية ... ) يقول المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها) رواه البخاري. وعن ابن عباس ﵄ قال: (وهب رجل لرسول الله ﷺ ناقة فأثابه عليها، فقال: رضيت؟ قال: لا، فزاده، فقال: رضيت؟ قال: لا، فزاده، فقال: رضيت؟ قال: نعم) رواه أحمد وصححه ابن حبان] . قول أم المؤمنين عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها) . الهدية بالثواب في حكم البيع، إن رضي المهدي لما عوض عنها مضت وإلا ارتجعها، ولهذا الأعرابي لما أعطى لرسول الله، قال له: رضيت؟ قال: لا، قال: زيدوه، لأن البيع عن تراض، وهذا ما رضي. وقالوا: إن الهبة للثواب جائزة عند الجميع إلا من رسول الله، لا يحق لرسول الله ﷺ أن يهب هبة ينتظر ثوابها؛ لأنه في غنى عن الخلق، ولا يطمع في زيادة من أحد؛ لأن هذا ليس من مكارم الأخلاق، أما أن يقبل ويثيب هو فهذه مكارم أخلاق. والعادة أن الواهب مع الموهوب له ثلاث حالات: إما أن يكون مساوياً له، يعني: وهب لنظير مساوياً له، أو يكون دونه وأقل منه، أو يكون وهب لمن هو أعلى وأغنى منه، وكل هذا جائز في الهبة، فإذا كان قد وهب لمساويه، إن كان يقول: هذه هبة ثواب تعينت، وعلى الموهوب له أن يثيبه عليها وإلا ارتجع هبته، وإذا لم يسم ثواباً فهي هبة للمودة وليست للثواب؛ فالقرائن هي التي تبين ذلك. وإن كان قد وهب لمن هو دونه، فليس من المعقول أن يهب لشخص أقل منه مالاً وجاهاً وينتظر منه أن يثيبه ويعطيه. لكن إذا وهب لمن هو أعلى منه: يأتي إنسان لأمير من الأمراء أو تاجر من التجار أو ولي أمر أو كذا أو كذا ويهدي إليه أعواداً من الأراك، السواك موجود ومتوفر، لكن هل هو أراد أن يهاديه ليتودد إليه أو يصانعه من أجل الثواب عند الله؟ لا. إنما تطلع لما يثيبه عليه من أهدي إليه، وجرت العادة أن من كان أعلى من المهدي لا يعاوضه مثل قيمتها وإلا ما الفائدة؟ سيذهب بها عند الآخرين. العادة من مكارم الأخلاق أن ذوي اليسار إذا أهدى إليه إنسان فقير أن يضاعف له قيمة الهدية؛ لأن هذا هو المقصود، ولما جاء الأعرابي وأهدى إلى النبي ﷺ ناقة، قال: أعطوه، فأعطوه ثلاثاً، قال: رضيت؟ قال: لا، قال: زيدوه، ثم أعطوه ثلاثة أخرى، قال: رضيت؟ قال: لا، قال: أعطوه، فزادوه ثلاثة أخرى، فأصبح عددها تسعة، قال: رضيت؟ قال: نعم، فقال ﷺ : (لقد هممت ألا أقبل هدية ثواب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي) لماذا؟ لأنهم لا يعاملونه مثل هذه المعاملة. إذاً: الهدية للثواب حكمها حكم البيع، وتفصيل ذلك: إنسان جاء وأهدى سيارة لمن هو أعلى منه بقصد المثوبة، فجاء وأعطاه سيارة أو وناقة، الذي أخذ السيارة جاء ليشغلها فإذا بها عيب، هل يلزمه أخذها بعيبها أم له حق الرد للعيب الموجود؟ له حق الرد؛ لأنه دفع قيمتها، فهبة الثواب يجري فيها أحكام البيع، كذلك الذي وهب السيارة وجد العطل الذي مع سيارته غير صالح، له حق أن يرجع ويرده، ويقول: أنت أعطيتني شيئاً غير صالح وعليه أن يعوضه عن هذه السيارة. ويقولون: المعاوضة في هبة الثواب أقل حد فيها القيمة، ولكن يقولون: ليست من عادة ذوي المروءة أن يعامل المهدي الأقل كمعاملة السوق، يريد قيمتها، ما هي الفائدة إذاً؟ كونه يتعنى أن يهدي إليك بالذات ويعطيك هذه الهدية، هو يريد أكثر منها، لكن يقولون: لا يجوز أن يثيبه عليها أقل من قيمتها، والشافعي ﵀ في الجديد عنه قال: لا تصح هبة مثوبة؛ لأنها معاوضة على مجهول، والذي يهدي لا يعلم ماذا سيعطيه المهدى إليه، فكان هناك مبايعة على غير بيع؛ ولذا نفى الشافعي ﵀ الهبة للثواب، وقال: هذا بيع فيه جهالة في الثمن، فلا تصح، والله تعالى أعلم.

стр. 2443

شرح حديث: (العمرى لمن وهبت له) يقول المصنف ﵀: [وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (العمرى لمن وهبت له) متفق عليه، ولـ مسلم: (أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه) وفي لفظ: (إنما العمرى التي أجازها النبي ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها) ولـ أبي داود والنسائي: (لا ترقبوا ولا تعمروا فمن أرقد شيئاً أو أعمر شيئاً فهو لورثته) ] . بعدما أتى المؤلف بإجمال مواضيع الهبة والعطية والنحلة على ما تقدم في تفصيلها، وحكم الرجوع فيها، والتسوية بين الأبناء، جاء بأحكام العمرى، وقبل أن نخرج إلى العمرى، تذكرون أن سائلاً بالأمس سأل: هل يجب على الوالد أن يساوي بين أولاده بالنفقة أم لا؟ موضوع المساواة بين الأبناء إنما هو في العطاء، (أكل ولدك نحلته مثل هذا؟) أعطيتهم مثل هذا، أما النفقة فليست عطاء. النفقة أداء واجب، وأداء الواجب يكون بقدر ما يؤدى به هذا الواجب، إذا كان عنده ولد طالب في الجامعة، وعنده ولد طالب في الابتدائي، هذا الطالب الذي في الابتدائي هل يحتاج من النفقة والمصاريف ولوازم الدراسة بقدر ما يحتاج طالب الجامعة؟ لا يحتاج. فهل نقول: نعطي الصغير بقدر ما نعطي الكبير لأجل المساواة؟ لا، فالمساواة هنا إيفاء كل ذي حق حقه، فلا يقصر مع الطالب الجامعي لكثرة نفقته، ولا يغدق على الطالب الابتدائي لقلة مئونته، بل يعطيه، اليوم بدأت الدراسة، يريد حقيبة، يريد دفاتر، يريد كتباً، يريد مسطرة، هذه الأشياء يحضرها له، لكن طالب الجامعة يريد مواصلات، وربما احتاج إلى سكنى، وإلى ملابس فطلباته أكثر وأوفر، وكذلك البنات: البنت الصغيرة في سنة أولى والبنت الكبيرة في الجامعة، فكل من الأولاد له حق، وحقه إعطاؤه ما يفي مطالبه، فلا يقصر مع الكبير ولا يسرف مع الصغير؛ لأن الصغير في طريقه إلى ما وصل إليه الكبير، وسيأخذ كما أخذ الكبير. بقي هنا مسألة وإن لم يأت السؤال فيها فهي تفرض نفسها، فيما إذا كان للوالد خمسة أولاد: ثلاثة ذكور وبنتان، فزوج من الأولاد ولدين وبقي ولد، وزوج من البنات بنتاً وبقيت بنت، اللذان زوجهما أبوهما بقي الثالث، هل من حقه أن يفرد هذا الولد الثالث بشيء يساعده على الزواج كما زوج الولدين؟ وهل يعطي البنت التي لم تتزوج ما يساعدها في زواجها كما زوج الأولى؟ تقدمت القاعدة العامة: هل يجوز للوالد أن يفاضل بين أولاده لوصف قائم؟ جاءت النصوص عند الحنابلة أيضاً بأن الوالد له أن يفاضل بين أولاده خاصة لوصف قائم بأحدهم، وأشرنا إلى ذلك سابقاً بأن كان ذا عائلة أو كان مريضاً زمناً لا يقوى على العمل بأن كان متفرغاً لطلب العلم، فللوالد أن يميزه عن بعض إخوانه في العطاء، إذا أعطى إخوانه عشرة يعطي واحداً من هؤلاء عشريناً. ثم هناك من يقول: التسوية في الحالة العادية، لو أعطى الولد عطاءً زائداً ثم أراد أن يسوي بين الآخرين، على أي قياس؟ فبعضهم يقول: على قياس قسمة التركة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] ، والبعض يقول: لا، هذا كميراث حق الله، وهذا عطاء من الوالد، فالبنت والولد في ذلك سواء، وجاء حديث عن ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : (اعدلوا وسووا، ولو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء على الرجال) والآخرون يضعفون هذا الأثر ويقولون: الولد أحق بالمفاضلة من البنت؛ لأن الولد سيلحقه غرم في الزواج فسيدفع صداقاً للزوجة، وسينفق عليها وعلى أولاده منها، أما أخته -أي: البنت- فلا تطالب بشيء من ذلك، تأخذ حصتها من الميراث وتتزوج وتأخذ صداقاً، وتجد من ينفق عليها، ولا تكلف بشيء من ذلك. إذاً: قسمة الميراث راعت حق الولد أو الذكر لما يتبعه من تبعات في الحياة. إذاً: لو كان أحد الأولاد به صفة يحتاج بها إلى مفاضلة فإنه لا مانع في ذلك، وإن كانت الرواية الأخرى في الكشاف عند الحنابلة: مهما كان وصفه لا يفاضل به، ولكن الحاجة تعطى، حتى ذكر لو أنه زوج ابنته فجهزها فأعطاها عليه أن يعطي أولاده مثلما أعطاها، وهذا ذاهب للعروس ليس لنا دخل فيه، ولكن يعطيها لكونها انتقلت من بيته إلى بيت آخر، لكونها تبتعد عنه، فلابد أن يسوي بهذا العطاء بقية إخوانها، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2444

كتاب البيوع - باب الهبة العمرى والرقبى [٢] لقد نهى الشرع عن الرجوع في الهبة أو الهدية أو الصدقة؛ لأنها ليست من الصفات المحمودة، ولما يترتب على إنفاذ الهدية أو الهبة من مصالح محمودة، فهي تزرع المحبة والمودة وتسل السخيمة والبغضاء من النفوس.

стр. 2445

شرح حديث: (حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه ... ) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد فيقول: المصنف ﵀: [وعن عمر قال: (حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم) الحديث متفق عليه] . هذا الحديث أعتقد أنه كان ترتيبه الطبيعي مع أحاديث الباب قبل قضية العمرى والرقبى، ولكن له علاقة بالعمرى والرقبى التي كانت موجودة في استرجاعها، فـ عمر ﵁ يقول: (حملت على فرس في سبيل الله) بمعنى: أنه وجد إنساناً رغب في الجهاد، ولم يجد ما يبلغه أو ما يركبه فيساعده على القتال، فأعطاه فرساً من عنده يحمله عليه: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً﴾ [التوبة:٩٢] ما عندهم شيء يوصلهم، ونعلم قلة الظهر في السابق في غزوة بدر كان الثلاثة والأربعة يتعاقبون على بعير واحد، فلو كانت متوفرة لكان كل واحد ببعيره، فالمسافة ما يقارب مائة وخمسين كيلو، فـ عمر ﵁ فعل ذلك من باب الجهاد في سبيل الله بالنفس وبالمال، ثم نظر إلى فرسه عند من كان حمله عليه، (فأضاعه) ، وكلمة الضياع تطلق على التلاشي، تقول: ضاع الكتاب ضاع القلم ضاع الدفتر يعني: ليس عندك، فيكون في يدك وتقول: ضاع، يقولون: (ضاع) تصرف إلى معنى: أهمله كأنه ضيعه، أي: قلّت الاستفادة منه بسبب إهماله، والفرس يضيّع؟ نعم، مئونة الفرس للجهاد في سبيل الله مئونة شاقة، كما قالت أسماء ﵂ عندما لحقها رسول الله ﷺ ومعه جماعة من طريق الغابة، وهي تحمل النوى على رأسها، فلما عرفها أشفق عليها وأناخ راحلته ليردفها خلفه، تقول: تذكرت غيرة الزبير، فاستحييت وامتنعت، فأخذ مني قفة النوى وحملها عني، ثم قالت: والله ما أرهقني إلا فرس الزبير. خدمته وعلفه وسقيه، والآن نجد بعض الهواة للخيل يجعلون له خادماً وسايساً ومنظفاً. يعني: يمكن ثلاثة أشخاص يخدمون الفرس، وهذا للعناية به، والفرس حساس نظيف، يحب النظافة والأناقة والطرب، فيحتاج إلى خدمة، فإذا ما قصر صاحبه فيه أضاعه، والفرس لا يألف المكان غير النظيف، ولا يألف على طول المدة دون أن يغتسل ويغسل، وهكذا كما يقولون: أرقى النباتات النخلة، وأرقى الحيوانات الفرس، فهو أرقى الحيوانات وأذكاها. نأتي إلى قول عمر: (فأضاعه) لا شك أن عمر لديه الإمكانيات لعلف الفرس ولخدمته، ولما يتناسب مع مهمته، فلما حمل عليه شخصاً الأصل أنه فقير لا يجد ما يركب عليه، إذا أعطي فرساً أصيلة مخدومة ليس بإمكانياته أن يوفيها حقها. إذاً: ضاعت فعز على عمر أن يرى فرسه المدلل، أو يرى فرسه المخدوم المعلوف المتميز مهملاً مضيعاً ولا يؤدي مهمته، والعرب كانت تعنى بالخيل قبيل المعارك بالتضمير. أي: يضمرها، كما عندنا في السباق: (سابق بين الخيل المضمرة من ثنية الوداع إلى الحفياء، وبين الخيل غير المضمرة من الثنية إلى مسجد بني زريق) فالمضمرة شيء وغير المضمرة شيء آخر، وتضمير الخيل: هو أن يعطى العلف متى ما شاء، دائماً يأكل حتى يشبع ببطر، ثم قبل المعركة يؤخذ هذا الفرس ويجلل بالثياب المتينة الصوف، ثم يوضع في غرفة قليلة التهوية؛ ليعرق بلباسه عليه وضيق الغرفة، فيخرج من ضخامة بدنه السيولة، كما يقولون: الماء من داخل الجسم في العرق الذي يخرج ويفرزه، فيحتفظ بقوة عضلاته، ويتخلى عن فضلات جسمه فيما يخرج من أملاح ومياه في العرق. فهذه خيل مضمرة. يعني: صارت ضامرة بعدما كانت سمينة متينة. أي: صارت نحيفة مع الاحتفاظ بقوتها، فأهل الخيل يعتنون بها إلى حد بعيد، حتى في بعض ضواحي الشرقية، عندهم للفرس الحرة سجل تاريخ، كشهادة ميلاد الإنسان، متى ولدت؟ ومتى لقحت؟ ومن الذي لقحها؟ خيل من عند مِن؟ وأمها من؟ وهكذا يؤرخون للفرس تأريخهم للولد، بل الأولاد في البادية ليس عندهم شهادة ميلاد، لكن يحفظون تاريخ ميلاد أولادهم، أما الفرس فيكتبون؛ حتى إذا أرادوا بيعها ينتقل معها سجلها. وهكذا عناية العرب بالخيل، فأراد عمر رضي الله تعالى عنه أن يتدارك فرسه الذي يعرف أصالته، ولكن هذه الخصيصة التي أكرم بها أصحاب رسول الله ﷺ ، وجعلهم مدرسة لنا ينقلون عن رسول الله ﷺ الأحكام في الصغيرة والكبيرة، هذا عمر يريد أن يشتري فرساً، وما دخل الرسول ﷺ في هذا؟ قال: لا. لابد أن أذهب فأسأل الرسول ﷺ حيث أني كنت قد حملت عليها في سبيل الله، هل في شرائي إياها بعد ذلك فيه شيء؟ وهذه النعمة الكبرى التي امتن الله بها على أصحاب رسول الله ﷺ ، مثل قضية النعمان وأمه وأبيه بشير بن سعد في المنحة، قالت: لا. اذهب وأشهد عليه رسول الله، وهكذا كانوا يدخلون رسول الله ﷺ في المشورة في الاستئذان في الفتوى، وكان بين ظهرانيهم يجيبهم عن كل ما سألوه عنه، وتجمع ذلك كله وانتقل إلينا تشريعاً للأمة، وأصبح كل من منح ولده دون بقية الأولاد هو بعينه بشير، وأصبح كل من تصدق بشيء ثم رآه مضيعاً وأراد أن يشتريه هو عمر بن الخطاب في فرسه، وتصبح هذه قواعد عامة وتشريعات للأمة في تلك الأحداث الصغيرة. لما سأل عمر رسول الله ﷺ ماذا قال له؟ قال: (لا. تبتعه) وباع وابتاع وشرى واشترى، كلها ألفاظ تأتي بمعنى البيع والشراء. (باع) بمعنى: أعطى السلعة، ابتاع بمعنى: أخذها، شرى كذلك، واشترى، كلاهما بمعنى الإعطاء والأخذ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف:٢٠] أي: باعوه. اشتراه: يعني: أخذه، (لا تأخذه لا تشتره لا تسترده وإن أعطاكه بدرهم) ، وما هذا يا رسول الله؟ هل هناك من يبيع فرساً بدرهم؟ ممكن هذا؟ عمر عظم في نفسه ضياع فرسه الذي يعرف أصالته فنفسه متعلقة به. ومعنى قوله ﷺ : (وإن أعطاكه بدرهم) أي: ولو باعك إياه بأقل الأثمان، ليحط من تعلق عمر به، فيقابل شدة تعلق عمر بفرسه بقلة الثمن الذي يمكن أن يبيعه به صاحبه، وهذا أسلوب نبوي كريم يقابل المبالغة بنظيرها، (لا يفل الحديد إلا الحديد) . وهنا لعل إنساناً يكون عنده فضول ويتساءل: هو ما قال له: أعطني الفرس الذي أعطيتك إياه فضيعته، وإنما قال: أشتريه، وذاك الذي أعطي الفرس وضيعه من حقه أن يبيعه في السوق لأي إنسان؛ لأنه ملكه، فإذا كان من حقه أن يبيعه، ومن حق أي إنسان أن يشتريه، فما الذي يمنع عمر وهو صاحبه الأول بأن يكون هو المشتري إذا جئنا إلى المعادلة العقلية؟ نجد أنه لا فرق بين عمر في كونه يشتريه ممن هو في يده وبين غيره؛ لأنه بيع وشراء، قالوا: لا، هناك فرق؛ كون عمر هو الذي أعطى هذا الشخص وحمله عليه، سيجد صاحب الفرس الجديد أن لـ عمر عليه فضل، فعندما يقول صاحب الفرس الذي بيده: بمائة، فيقول عمر: لا، بخمسين، ماذا يقول الذي بيده الفرس؟ يماكس مع عمر، أما لسان حال عمر: أنا ما برحت أعطيتك إياه، فيضطر عند البيع أن يجامل عمر، وأن يتنازل عن بعض حقه، وهذا ليس من الإنصاف، لكن لو جاء إنسان آخر وقال: بتسعة وتسعين، قال: لا. فله الحق في ذلك؛ لأن الذي يسوم ليس له علاقة في هذه العين التي تباع. الشيء الثاني وهو الأهم: أن هذا الشخص لو باع الفرس لزيد، وأراد عمر أن يشتريه من زيد قيل له: لا. لأن الأصل أنه منك، والمعنى الأساسي في هذا الموضوع: ما الذي جعل عمر يتأسف على ضياع الفرس؟ ارتباطه به في الماضي. إذاً: حينما حمل عليه، هل انقطعت علاقته حساً ومعنى ورغبة ورهبة عن الفرس أم حمله وعينه تتطلع فيه؟ حمله وكل ما مر به نظر إليه، حمل عليه وكلما تذكره تذكر ماضيه. إذاً: تعلق نفس عمر بالفرس، وهذا يشير كونه تصدق به؛ لأن المتصدق يتصدق لوجه الله، فينبغي أن يخرج الصدقة من يده ومن قلبه وماله، ولا تكون لها أي علاقة بالمتصدق، فيكون أخرجها من ملكه، وفكره، وحسبانه. فالرسول ﷺ يقطع على عمر خط الرجعة في أن يفكر أنه كان له فرس لتمضي الهبة لوجه الله خالصة، ويجب أن تنقطع العلائق كلها من هذه الصدقة التي تصدق بها لوجه الله، وبقية الحديث هو الذي جاء فيه: (لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في هبته كالكلب) إلى آخر الحديث. وهنا يسأل بعض العلماء يقول: (العائد) وهل عمر عاد في هبته أم اشتراها؟ اشتراها، ونتيجة الشراء، فإنه لو اشترى الفرس سيكون عاد إليه بأي وسيلة، حتى لو جاء يهديه إليك هدية لا تقبلها؛ لأنه خرج من ذمتك ويدك، اللهم إلا الأمور التي ليست عن طلب ولا عن رغبة، وجرت عادة الناس فيها، كما يذكرون في باب الزكاة والصدقات، جاء رمضان وجاء وقت زكاة الفطرة وأخرجت زكاة فطرتك لجارك، ثم جئت يوم العيد تزور جارك، فقدم لك حسب العادة وحسب ما يقدم للآخرين (الدلة) والتمر، فجئت أنت وصب لك القهوة وقدم إليك التمر، فإذا به تمر زكاتك الذي أعطيته بالأمس، هل تأكل منه بحكم الضيافة أو تقول: لا، العائد في هبته؟ تأكل منه، وهل عندما تأكل منه يكون هذا عود في صدقتك أم قبول إكرام جارك إليك، سواء كان بتمرك أم بتمر غيرك، فحينئذ لا تكون عائداً في صدقتك.

стр. 2446

شرح حديث: (تهادوا تحابوا) قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تهادوا تحابوا) رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى بإسناد حسن] . الأدب المفرد هو للبخاري، وهو من أنفس الكتب في الآداب، يورد أحاديث بر الوالدين وحكم الجوار، والرفق بالضعيف، وأشياء كثيرة في الآداب والأخلاق، كما فعل مالك ﵀ في الكتاب الجامع في آخر الموطأ، وهكذا بعض العلماء إذا انتهى من تأليفه في باب الفقه والأحكام -حلال وحرام- يأتي بمجموعة من الآداب والذكر، حتى في كتابنا هذا بلوغ المرام، في آخره يأتي باب الذكر والدعاء، ليرقق النفس ويهذبها، ويربط الإنسان بربه في دعائه وفي حاجته، وكذلك البخاري ﵀ جعل هذا الكتاب في مكارم الأخلاق والآداب، الذي هو الأدب المفرد.

стр. 2447

الهدية سبب في زرع المودة وفي هذا الحديث: (تهادوا تحابوا) الهدية من حيث هي سلاح المودة، ومراسيل التعاطف والتقارب والتآلف، وأعتقد أن كلنا يعلم ما فعلت بلقيس مع نبينا سليمان: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل:٣٥] جماعتها يقولون: ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٣٣] فنحن مستعدون! قالت: لا، هذا السلاح للمعركة، في وقت الشدة، ولكن الهدية سلاح الحرب الباردة، وسلاح التعاطف والمودة -نجس النبض- وكانت الأمم قديماً في العادات والتقاليد، إذا أرادت أسرة أن تناسب أسرة أخرى وتخطب منها قبل ما تتقدم بالخطبة ويعتذرون بالدراسة، لكنها أعذار جحا كما يقال، ويتعللون بعلل! كانوا قبل ما يقدمون على ذلك ويرسلون المراسيل لخطبة الفتاة يرسلون أولاً بهدية إليهم، يقول الكاتب: ولو حزمة ثوم، فهي مجرد هدية، وهم يعلمون أنه ما في هدايا فيما بينهم، فإن قبلوا هديتهم ولو على قلتها معناها تفضلوا أهلاً وسهلاً، فيتقدمون للخطبة، وإذا ردوها وقالوا: نحن عندنا ما نحتاج معناه: كونوا بعيداً لا تقتربوا. فكانت الهدية هي عنوان التقارب.

стр. 2448

الهدية إلى الكافر وقبولها منه الرسول ﷺ لما أرسل الرسل بالكتب، وجاء حاطب إلى المقوقس بالإسكندرية رحب به وحصل معه محادثة لطيفة، من ضمن ما كلمه، قال: ألست تقول أن محمداً رسول الله وهو في عنايته وكذا وكذا؟ قال: بلى، قال: كيف يكون حبيب الله ورسول الله ويتركه لأهل مكة يخرجونه هارباً ليلاً؟ يعني: لماذا لم يحمه ولم يدافع عنه؟ قال له: أيها الملك! ألست تؤمن بالنصرانية؟ قال: بلى، قال: ألست تقول بأن عيسى ابن الله؟ قال: بلى، قال: كيف أن أباه تركه لليهود يصلبونه ولم يدافع عنه؟ فقال: حكيم جاء من عند حكيم، وهذه الأجوبة المسكتة، والعامة يقولون: إذا أرسلت فأرسل حكيماً. فـ المقوقس أهدى إلى النبي ﷺ جاريتين وحللٍ للبس، وخفاف، وشيئاً من الطيب، وبغلة، وقبلها رسول الله ﷺ ؛ ولهذا تجد الفقهاء يعتنون بمسألة: الإهداء إلى ومن الكافر: أتهدي إلى الكافر؟ نعم، أتقبل هدية الكافر؟ نعم. وقد جاء في الإهداء إلى الكافر: عمر ﵁ لما رأى حلة تباع وأعجبته وجاء بها إلى رسول الله ﷺ ، قال: اشترها لتلبسها للوفود، فنظر فيها وردها ثم قال: (إنما يلبس هذا من لا خلاق له) يعني: قماشها فيه شيء من الحرير، ثم بعد فترة أرسل رسول الله إلى عمر حلة من نفس ذلك القماش، فجاء عمر يجري، فيقول: قلت يا رسول الله: (إنما يلبس هذا من لا خلاق له) وترسل لي بها! معناه: أنا لا خلاق لي، قال: لا يا عمر، أنت أخطأت في المقدمات، ليس معنى إرسالي إياها إليك لتلبسها، ولكن لتتملكها، وألبسها من شئت، فأرسل بها إلى أخيه بمكة وهو على دين قومه. وهكذا في بعض سفراته ﷺ ، نزل منزلاً وجاء أعرابي يسوق غنماً، فقال له ﷺ : هدية أم بيعاً؟ قال: لا. بل بيع، فاشترى منه شاة، وسأل أصحابه من عنده طعام، وكذا وكذا، وصنعوا طعاماً وأكلوا جميعاً وبقي الباقي في القصعة. يهمنا قبول الهدية من المشرك والإهداء إليه ما لم يكن حربياً؛ لعموم قوله سبحانه: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] وخاصة إذا كان ذا رحم فلا مانع. فالهدية من قديم موجودة متداولة بين الملوك وبين الأشخاص العاديين، وهنا يبين لنا ﷺ مهمة الهدية بين الناس، وإذا تأملنا جميع التشريعات في الإسلام كالعبادات والتبرعات نجد أن لكل عمل مهمة، مثل الفيتمينات، كل فيتمين له غرض خاص , كذلك هنا الصلاة تنهى عن الفحشاء، والزكاة تطهر وتزكي العبد والمال، والصيام يزيد من التقوى، والحج فيه منافع لهم، وكل هذه العبادات فيها منافع للأمة، وكذلك الهدية. وعلمنا بأن قانون الحياة معاوضة، والهدية عوضها إما أن ينتظر مصانعةً، والرسول بين لنا فقال: (تهادوا تحابوا) فالهدية تورث المحبة؛ وجبلت النفوس على حب من يحسن إليها، والهدية من الإحسان، وهذا جزء من حديث: (والله لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا) ثم بين ﷺ فقال: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) . والهدية -كما يقولون- تكون بمناسبة وبغير مناسبة، والعامة يقولون: الهدية على قدر مهديها، غترة تلبسها، زميلك في الدراسة سافر في العطلة، وعندما أتى أهدى لك غترة، أو مدير الجامعة سر بنشاطك، وأعجب باستقامتك ومثاليتك في الطلاب، فقدم إليك غترة، فهل غترة زميلك التي جاء بها كغترة مدير الجامعة؟ هي هي! نفس القيمة والمقاس! لكن هذه حق مدير الجامعة! هذه والله أنا ما اشتريتها، بل أهداها لي مدير الجامعة!! إذاً: على قدر مهديها؛ لأنه عندما تذكرك في غيبتك وفكر في أن يهدي إليك. إذاً: أنت حاضر في خاطره، ما غبت عنه، ذكرك بالخير في الغيبة. إذاً: هذا يورث المحبة (تهادوا تحابو) .

стр. 2449

شرح حديث: (تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة ... ) قال المصنف ﵀: [وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة) رواه البزار بإسناد ضعيف] . الهدية تسل السخيمة، والضغينة كلها وحر في الصدر، حقد حسد كراهية نفرة، موجودة بين إنسان وإنسان، فإذا فوجئت بهدية من شخص تكرهه وفي صدرك منه شيء، فوجئت به يقدم لك عود الأراك، ويقول: تفضل هذا سواك جديد، تجد أن هذا العود اليابس الذي تنظف فيه فاك له أثر في نفسك، يخفف من غليان الصدر وحقده، فإذا به غداً يعطيك قارورة عطر، والله هذه مسحت الماضي وعطرت المكان، وهكذا كلما تداول الناس الهدايا فيما بينهم كانت أدعى لسلامة الصدر، والبادئ هو الأكرم.

стр. 2450

شرح حديث: (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه] . : (يا نساء المؤمنات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) الفرسن: ما بين الظلفين، والبعض يقول: رجل الغنمة، والآن هي تباع في السوق الواحدة بريالين أو بريال لكنها مستوية كاملة، فإذا كنت تريدين الإهداء إلى جارتك وما عندك شيء إلا فرسن شاة فلا تحتقرينه، وفي بعض الروايات: (ولو ظلفأً محرقاً) الذي هو مقدم الشاة تحرقه من أجل الصوف الذي فيه أو الظلف الغروي الموجود على الحافر ينزل ويبقى اللحم، وهذه من محقرات الأمور، يبين ﷺ أن على الجارة أن لا تحتقر شيئاً تقدمه لجارتها. معناه: أنت أيها الإنسان! إذا أردت أن تهدي لا تحتقر ما عندك، وقدم ما بيدك فإن الكل صغيراً كان أو كبيراً داخل في جنس الهدية. ونحن نعلم قصة عائشة في حبة العنب، مرت امرأة مسكينة وهي تأكل حبات عنب، فأعطتها حبة، فأخذتها وظلت تطالع فيها تتعجب من الموازين المادية، فقالت: أتعجبين من هذا! كم فيها من ذرة، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] وكذلك التمرة التي شقتها الأم وأعطتها لطفلتيها، ويقول ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة) لا أحد يتصدق بتمرة إلا إذا كان ما عنده شيء. إذاً: لا يحتقر الإنسان شيئاً يقدمه لصديقه، وبالتالي لا يحتقرن الصديق شيئاً أهدي إليه من صديقه، طالت غيبته ثم جاء على عود أراك، فلا تنظر إلى هذا العود، بل انظر إلى الدوافع، حينما أتى إلى بائع الأراك واشترى باسمك أليست هذه تكفيك؟! كونه عود صغير أو كبير، هذا شيء آخر. إذاً: لا تحقرن جارة لجارتها، ولا جارة من جارتها، ولذا جاء في الحديث: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) تطبخين دجاجة أو وصلة لحم املئي القدر ووزعي على الجيران مرقاً. على كل: كلما كانت الحياة مبسطة كانت أمورها بسيطة، وكنا نحن من قبل نقدم صحناً أو صحنين ويأكل الإنسان ويشبع والحمد لله، واليوم الحمد لله من أصناف الطعام لا يعلمها إلا الله، نسأل الله أن يرزقنا شكر النعمة، وأن يحفظها علينا، الموالح أصناف والحمضيات أصناف، والخضروات أصناف، وكل هذا، أصبح الإنسان يقدم فخذاً من حيوان أو شاة أو غيرها، ويستقلها! ولكن حينما كانوا يبحثون عن التمرة فلا يجدونها، لو أهدي لأحدهم فرسن شاة لفرح به، وليس المقصود فرسن الشاة بعينه، ولكنه ضرب المثل فلا تحتقر من المعروف شيئاً بأن تقدمه لأخيك. يقولون: إن بعض الأمراء أرسل إلى بعض التجار لكي يستلف منه مبلغاً، فذهب إليه الرسول، فقال: نعم، لنذهب إلى البيت فهذا التاجر المطلوب منه مشى ووجد جلدة شاة مرمية في الأرض على طريقه، فأخذها ونتف منها الصوف وهو ماشٍ ثم أخذ الجلد في جيبه، فجعل يغزل هذا الصوف الذي نتفه حتى صنع منه خيطاً طويلاً ووضعه في جيبه، والرسول يتعجب، هذا الذي بعثني إليه الأمير بكذا كذا دينار وهو يلتقط هذه الأشياء في الطريق؟! فلما وصلا البيت قال: أمعك كيس؟ قال: بلى، قال: هاته، فنظر فإذا الكيس مخروق، فأخذ تلك الجلدة ووضعها على هذا الخرق، وأخذ ذلك الصوف الذي غزله وأتى بالمسلة وخيطها، فعجبت حينئذ كيف جمع المال، استفاد منها. فهكذا الإنسان لا يحتقر الشيء، والنبي ﷺ لما وجد شاة ميمونة يجرونها قال: (هلا انتفعتم بإهابها) فلابد من الاستفادة من كل ما يمكن الاستفادة منه. وفي خلافة عمر ﵁ أقام مأدبة للناس في المسجد بطعام من عنده، وأثناء تناولهم للطعام، جاء مرسول من كردستان أو كذا، فجاء وقال: أين أمير المؤمنين عمر؟ قالوا: هذا هو، جاءه فسأله عن البلاد، قال: أرضهم وعرة وليست بسهلة، ماؤها وشل، وعدوها بطل، قال: أنا أسألك أم تسجع لي؟ قال: أخبرني عنها، قال له بأن الله فتحها على المسلمين وأرسلوني بصفاياها إليك - الصفي والمرباع يكون لرئيس القبيلة أو لقائد الجيش، أو له أن يصطفي من عموم الغنيمة ما طاب له دون القسمة، فأرسلوا له ببعض التحف من الغنائم، فقال: أمسكه معك، وبعد العصر نلتقي، ثم قال له: اجلس كل مع الناس، قال: أكلت، ووالله لطعامي الذي في مزودتي للسفر خير مما أمامهم، ثم قال: هلم إلى البيت، فذهب ونادى زوجه أن تأتيه بغدائه، ما كان أكل مع الناس، فجاءته بطعام، فقال له: اجلس فكل، فقال: والله لطعامي الذي في مزودتي للسفر خير مما قدم إليك. ماذا نقول في هذا المستوى؟ إنسان مسافر، والزاد الذي في المزودة للسفر أفضل من الطعام الذي يقدم في بيت أمير المؤمنين، وهو صانع مأدبة للناس في المسجد. إذاً: تفاوت في الحياة في هذه الأمور، قد تجعل في النظرة للهدية فوارق، ولكن ينبغي ألا يكون ذلك مدعاة لعدم تقدير الهدية، ولا يكون مدعاة لردها لحقارتها، بل يجب أن تكون النفس عالية، والنظر إلى مهديها وظروف الإهداء، وأن يكون لها وقع عند صاحبها. ويذكر مالك في الموطأ: أنه كانت امرأة في ذي الحليفة، كل يوم أربعاء تأخذ السُلت وتطبخه في قدر وتأتي بالشعير وتخبزه لطلبة العلم. يقول: كنا نعد لذلك اليوم، تعد لماذا؟ أهي وليمة الملك؟ السُلت أقل من الشعير، وخبز من الشعير، يوضع عليه قليل من هذا السلت، ويقول: كنا نعد لهذا اليوم، ولكنهم كانوا راضين بحياتهم ومقتنعين. فهذه بعض نماذج وأمثلة لما كان عليه بعض السلف، وفي بعض الحالات لعلنا نخفف من هذا التغالي والتنافس في أنواع الموائد والأطعمة، ونسأل الله أن يرزقنا شكر النعمة، وأن يحفظها علينا، وأن يديمها لنا، إنه سميع مجيب!

стр. 2451

شرح حديث: (من وهب هبة فهو أحق بها ... ) قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من وهب هبة فهو أحق بها مالم يثب عليها) رواه الحاكم وصححه، والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر قوله] .

стр. 2452

الهدية المقرونة بالعوض والثواب هذه هبة الثواب: (من وهب هبة) عامة في كل ما تقدم (ما لم يثب) خصصت نوع الهبة (فهو أحق بها مالم يثب عليها) . إذا قدمها لمن هو أعلى منه وينتظر منه المثوبة عليها، فإذا خاب ظنه ما أعطاه شيئاً، يقول: أرجعها وهو أحق بها؛ لأنه قدمها كسلعة تثمن وكسلعة يعوض عليها أكثر من قيمتها، وهذا هو مبدؤه، وعلى هذا دفعها برضاه، فإذا لم يحصل على الثواب، تكون أخذت منه بغير طيب نفس، والإسلام حرم مال الأخ على أخيه إلا بطيب نفس. (والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر قوله) . إما من كلام عمر أو من قوله ﷺ ، كل ذلك من باب التشريع، وعمر ممن أمرنا أن نأخذ عنهم رضوان الله تعالى عليه. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2453

كتاب البيوع - باب اللقطة لقد عالج الشرع الكثير من الجوانب الاجتماعية بين الناس، ومن تلك الجوانب: اللقطة التي تضيع من الإنسان بسبب الزحام أو الذهول عنها لأمر ما، وقد قنن الشرع لتلك الحوادث أحكاماً، منها: جواز أخذ الحقير منها، وما لا تتبعه همة من أضاعه، وأما في الأمور العظيمة فقد ألزم الملتقط بأمور منها: أن يعرف أماراتها من عفاص ووكاء ونحوه، ثم يعرفها سنة، ويشهد ذوي عدل على أماراتها، وأما في ضالة الحيوان فقد قسمها إلى قسمين: قسم يعتدي عليها الذئاب فأجاز أخذها، وقسم تدافع عن نفسها، وتصبر على جوعها وعطشها فأمر بتركها، ومن أهم ما ينهى عنه من اللقطة: لقطة الحاج والمعاهد، فهي سواء في حكمها مع لقطة المسافر، ولا يجوز أخذها.

стр. 2454

شرح حديث: (مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق ... ) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول المصنف ﵀: [عن أنس قال: (مر النبي الله ﷺ بتمرة في الطريق فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) متفق عليه] .

стр. 2455

حكم لقطة الأشياء المحتقرة المؤلف ﵀ صدَّر هذا الباب بحديث التمرة: (أن النبي ﷺ وجد تمرة في الطريق) . أي: الطريق المعهود، وليست في خلاء ولا خراب، وقولنا: (في الطريق المعهود) . أي: مظنة أنها وقعت من إنسان مر بهذا الطريق، فقال ﷺ : (لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها) . بدأ المؤلف بهذا الحديث ليبين: أن الشيء التافه لا يدخل في حكم اللقطة في تعريفها وتملكها وغير ذلك، وأن التمرة لو سقطت من إنسان لن يعود ليبحث عنها، فهي تمرة من ضمن التمر، وهذا أمر بسيط؛ لأنه ﷺ يقول معللاً ذلك بأمر خارجي: (لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها) ، لماذا؟ لأن الصدقة محرمة عليه، فتورعاً وتخفظاً من المحرم عليه امتنع من أكلها، ولو علم أنها ليست صدقة لأكلها. وكيف يأكلها وهي ملك للغير؟ قالوا: يلتقطها؛ لأنها أمر تافه. إذاً: التافه ليس من باب اللقطة، ولا يحتاج إلى تعريف. ويذكرون عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أنها وجدت تمرة في الطريق، فأخذتها فأكلتها وقالت: (إن الله لا يحب الفساد) ، يعني: لو تركتها لفسدت، ووطئها الناس، وجاء عليها الغبار وتلفت ولم يُستفد منها أحد، وهي لا تحرم عليها الصدقة. ومن ناحية أخرى: كونه ﷺ يلتقط تمرة ويمتنع من أن يأكلها، فأين يذهب بها؟ قالوا: كما جرت العادة في أصغر طفل أو إنسان يواجهه -ممن لا تحرم عليه الصدقة- يعطيه إياها، كما كانوا في المدينة من عادتهم إذا جاءت باكورة الثمرة في أول مجيء الصيف ظهرت كالتين؛ والحماط نضجت حبة منه، يأتون بها إلى رسول الله ﷺ فرحاً بوجودها، علماً منهم أنه يفرح بفرحهم، وليدعو لهم، وحينما يعطوه إياها هل يستأثر بها لنفسه؟ لا. أو يردها على من أتى بها؟ لا. بل ينظر إلى أصغر الموجودين في المجلس فيقدمها إليه. وكنت قد وقفت منذ زمن على خبر مثل هذا: (أن الحسن رضي الله تعالى عنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ فرأى تمرة في الأرض فالتقطها ليأكلها) . وهذا شيء طبيعي؛ لأن الطفل لا يعرف إلا ما ألقت يده إلى فمه، سواء كان نافعاً أو غير نافع، (فأدخل ﷺ إصبعه في فيه، وهو يقول: كخ كخ- لأن هذه لغة الطفل- ويخرج التمرة من فيه ويقول: أخشى أن تكون من تمر الصدقة) . إذاً: الصغير لا يقره وليه على التقاط ما لا يجوز أكله، أو على أكل ما لا يجوز له في حكمه شرعاً، وإن كان صغيراً ليس عليه تكليف، لأن وليه مسئول عنه. ومن هنا قالوا: من وجد شيئاً تافهاً لا تتبعه همة أصحابه فأخذه فلا مانع، وجاءت روايات بعض الأحاديث: (لقد أذن لنا رسول الله ﷺ في العصا، وفي الحبل، وفي الشسع) ، شسع النعل: هو الخيط الذي يأتي في مقدمة النعل، ويأتي في القدم بين أصبع الإبهام والتي تليها، ويربط على وسط الرجل، فهذا الشسع من التوافه، ومما لا يلتفت إليه. وكل زمن له مقاييسه، فإذا وجدنا من مستحدثات الأمور وتوابع الحياة أشياء لا يتبعها صاحبها ويرجع إذا افتقدها ليبحث عنها، اعتبرناها لقطة؛ مثلاً: الطلاب في المدارس يخرجون، يسقط منهم مرسام، يسقط منه ورقة، المساحة، فهو لا يرجع يبحث عنها؛ لأن أباه سوف يشتري له غيرها بدون عناء، فمثل هذه في عرف الطلاب لا يبحث عليها، لكن لو ضاع منه قلم (باركل) سيرجع إلى المدرسة ليفتش عنه؛ لأن قيمته غير المرسام، وكذلك لو سقط منه كشكول كبير؛ بخلاف ما إذا كانت ورقة عادية. إذاً: الأمور بالعادات وبحسب الوقت والعرف؛ فننظر في أي زمان ومكان وجد هذا الشيء، وما قيمته؛ فإن كان مما لا تتبعه همة الناس فيأخذه، وإن كان مما له قيمته وتتبعه همة الناس وتبحث عنه فهو في حكم اللقطة، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →