Полный текст (2 523 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أحكام متعلقة بالصلاة
стр. 492
احترام القبلة واليمين في الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعنه -أي: أنس - قال: (كان قرام لـ عائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ﷺ : أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) رواه البخاري] .
تقدم ما يتعلق باحترام القبلة واليمين، وتقدم كيف يكون وضع النعلين، حيث نهى ﷺ المصلي إذا خلع نعليه أن يجعلهما قبالة وجهه، أو أن يجعلهما عن يمينه، وأما لماذا لا يجعلهما قبالة وجهه، ولا عن يمينه فقد قالوا: إذا جعلهما قبالة وجهه وسجد فكأنه ساجد للنعلين.
مع أنهما ليستاً صنماً، ولا معبوداً من دون الله! ولكن الصورة والهيئة لابد أن يكون فيها ذوق وعاطفة وأدب مع الله .
وأما النهي عن جعلهما عن يمينه فلقوله: (ولا عن يمينه فيؤذي بهما جاره) ؛ لأن موقفه في الصف من جهة اليمين بجوار من هو على يمينه، وإذا كان هو في الصف الثاني من جهة أخرى وجاء من جهة اليمين فيكون جاره في الصف عن يساره.
فلا يجعلها عن يساره أيضاً؛ لاحتمال أن يأتي إنسان ويقف بجواره، فتكون عن يمينه فيؤذيه بها.
قال ﷺ : (ولكن بين قدميه) ، فحينما يقف يجعلها بين قدميه، فلو سجد فبين قدميه، ولو جلس للتشهد فبين ساقيه، فلن يؤذي بها أحداً.
فلا يجعلها تجاه وجه، ولا يجعلها عن يمينه، ولا يجعلها عن يساره إن توقع مجيء أحد يصلي بجواره، وكل ذلك لئلا يؤذي بها غيره.
وكذلك البصاق، فلا يؤذ به غيره، ولا يجعله تجاه القبلة؛ فإن ذلك من الجفاء، بل جاء عنه ﷺ أنه عزل إمام قوم بسبب بصاقه إلى القبلة، فقد دخل مسجد قوم فرأى بصاقاً في جدار المسجد، فأخذ حجراً -وفي رواية: بيده- فحتها، وفي رواية: (أنه رأى الإمام يبصق تجاه وجهه، فلما أنهى الصلاة قال: لا يؤمنكم هذا بعد اليوم) ، فعزله عن الإمامة لأنه ما عنده أدب، وفعل ما لا يليق، فإحساسه ووجدانه بالأمور المعنوية مفقود، فنهى عن الصلاة وراءه وعزله لكونه بصق في الصلاة تجاه القبلة، ويكفي أنه ﷺ حتها بيده الشريفة.
فقوله في الرواية الأخرى: (حتها بيده) قال بعض الشراح: أي: بدون حجر.
والصواب أنه حتها بحجر في يده، وهي صورة واحدة على الروايتين، فتولى ﷺ حتها بيده وفيها الحجر، ولم يوكل ذلك لأحدٍ ممن معه، وكان يمكن أن يقول: يا فلان! حتها.
ويكون هو الآمر بحتها، ولكن لعظمة أمرها وتولى هو ﷺ حتها بنفسه تأكيداً على ذلك.
стр. 493
إزالة كل ما يشغل عن الصلاة
وأما حديث عائشة الذي بين أيدينا ففيه أنه ينبغي على المصلي أن يزيل أو يمنع ما يشغله في صلاته، سواءٌ أكان قبل الدخول فيها، أو بعد أن دخل فيها، فـ عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سترت سهوة بيتها بقرام والقرام: نوع من القماش مثل الستارة فيه تصاوير، فلما صلى النبي ﷺ ، ووقع بصره على هذا القرام بعد الدخول في الصلاة نظر إلى تصاويره فشغلته، فلما انتهى ﷺ من صلاته قال: (أميطي عنا قرامك) ، وفي بعض الروايات: (أن عائشة رضي الله تعالى عنها أدركت عدم رضا رسول الله ﷺ بهذا القرام في مكانه، فأخذته) ، والرواية الأخرى تُصرَّح بأمره ﷺ : (أميطي عنا قرامك؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) ، ومن هنا قالوا: لا ينبغي أن يكون أمام المصلي ما يشغله إذا نظر فيه.
وجاء مثل هذا في بعض الأحاديث الأخرى، كما في صحيح البخاري في أنبجانية أبي جهم، والأنبجانية مثل الجبة، أهداها أبو جهم إلى رسول الله ﷺ ، وأبو جهم هو الذي استشارت المرأة فيه رسول الله ﷺ فقال: (أما أبو جهم فضرابٌ للنساء) ، أو: (لا يضع عصاه عن عاتقه) ، فأهدى هذه الأنبجانية إلى رسول الله ﷺ ، وكلنا يعلم أنه صلوات الله وسلامه عليه يقبل الهدية، وهذه من العلامات التي حرص عليها سلمان الفارسي، ليعرف من خلالها رسول الله ﷺ ؛ لأنه قرأ في كتبهم: (لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة) ، وقصته طويلة، فقد بُيع واشتُري، وخلّص نفسه، حتى وصل إلى المدينة في ملك رجل يهودي، وسمع بمجيء النبي ﷺ وخروج الأوس والخزرج لاستقباله، فقال: الآن أتأكد، فأخذ شيئاً من الرطب وقال: يا محمد! هذه صدقة مني عليك وعلى أصحابك، فأزاحها إلى إخوانه وقال: (كلوا أنتم، أما أنا فلا تحل لي الصدقة) ، فعقد سلمان بيده واحدة، وكان هذا في قباء، ولما وصل الرسول ﷺ إلى المدينة.
جاء سلمان بطبق آخر وقال: يا رسول الله! هذا شيء من الرطب ادخرته أقدمه هدية لك.
فأخذ وأكل، وأطعم أصحابه، فقال: هذه الثانية، فلما سمعه رسول الله ﷺ يقول: هذه الثانية، كشف عن كتفيه الشريفين وقال: (يا سلمان! انظر الثالثة) ، فاستدار سلمان ونظر فوجد خاتم النبوة فأهوى عليه وقبله.
وبالمناسبة، فقد كان أحد اليهود يعرف حقيقة النبي ﷺ ووصفه، ولما جاء عرفه بكل الأوصاف، وقال: إلا واحدة ما استطعت أن أتحققها، فعرض عليه قرضاً -ديناً- فأخذه ﷺ إلى أجل، فجاء قبل حلول الأجل وقال: يا محمد! أعطني ديني.
وكان النبي ﷺ معسراً، فقال: أما إنكم يا بني عبد مناف قوم مطل، وأخذ يجر رسول الله ﷺ بثيابه التي في عنقه ويردد كلامه، فسلَّ عمر السيف وقال: يا عدو الله! تخاطب رسول الله بهذه الصفة! فقال رسول الله ﷺ : (لا يا عمر! كنت أحوج إلى أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب؛ لأنه صاحب حق) ، فلما سمع ذلك أخذ الرجل عمر وقال: والله ما أردت إهانة محمد، ولكني عرفت صفاته كلها -التي عندنا- إلا هذه، وهي عفوه عمن أساء إليه، ولقد أسأت إليه فإذا به كما سمعت، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
فـ أبو جهم أهدى إلى النبي ﷺ إنبجانية فلبسها، وقام يصلي فإذا فيها تصاوير، فلما أنهى صلاته خلعها وقال: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بخميصة أبي جهم) ، فما معنى قوله: اذهبوا بخميصة أبي جهم هذه التي أهداها إليّ، وائتوني بخميصته التي يلبسها؟ ولماذا يستبدل؟ ولماذا لم يرد الهدية إذا لم تكن أعجبته؟! قالوا: لأن أبا جهم ما أهدى إلى رسول الله ﷺ إلا محبة له، فإذا رد هديته عليه، فكيف يكون الحال؟ وماذا سيقول أبو جهم؟! فلعله يقول: ردها لسخطة عليّ، أو لإساءة مني، أو لتقصير في حقه.
فلكي يرفع عن أبي جهم تلك الظنون.
قال: (ائتوني بخميصته) ، فيكون طلب الخميصة الخاصة بـ أبي جهم مقابل رد الخميصة التي أهداها إليه وردها عليه، أي: لئلا يقال: لم يقبل هديتك يا أبا جهم! .
ولذلك يقول العلماء: لا ينبغي للإنسان أن ينصب أمام وجهه -وهو في الصلاة- ما يشغله، وكذلك لا يصلي على شيء فيه ما يشغله، وأكدوا على التصاوير، وعلى الصليب، وعلى الأشياء الأخرى اللافتة للنظر.
وذكروا في ذلك أنه لو أن في البساط الذي تصلي عليه صورة أتصح الصلاة عليها أم لا؟ فذكر النووي ﵀ أنه تصح الصلاة عليها؛ لأن الصورة في البساط ممتهنة؛ لأنها توطأ بالقدمين، ولكن لا يتعمد وضع الجبهة في السجود على الصورة، وكذلك الصليب، فقد توجد الصلبان في بعض الصناعات، ولكن يصلى؛ لأن الصليب ممتهن، لكن لا يتعمد أن يجعل جبهته في السجود على صليب من الصلبان التي في الفراش.
وأما موضوع الصور فإن عائشة رضي الله تعالى عنها لما جاء لعن المصورين، وكان القرام فيه صور قالت: (فأخذته فشققته فجعلته وسائد) أي: (مخدات) ، قالوا في ذلك: لأن القرام إذا كان طوله مترين أو ثلاثة ربما تكون فيه الصورة كاملة، فإذا ما قُطِّع تقطعت أشكال الصور، ولم يبق إلا أجزاء مختلفة، وتكون في الوسائد ممتهنة، بخلاف المعلقة؛ إذ إنها تكون للجمال، وتكون للزينة، وتكون للتكريم، وتكون لغير ذلك، فإذا ما قطعت تقطعت الصورة إلى أجزاء، وخرجت عن محظور قوله: (من صور صورة أمر يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ) ، فإذا قطعت لم تُعد صورة، فقطعة فيها رأس، وقطعة فيها أرجل، وقطعة فيها صدر، فالرأس وحده لا ينفخ فيه روح، والأرجل وحدها لا ينفخ فيها الروح، والصدر وحده لا ينفخ فيه الروح، ومن هنا قال العلماء: جزء الصورة للحاجة لا بأس به.
ونحن الآن وجدنا الاضطرار إلى جزء الصورة في البطاقة الشخصية حفاظاً على الأمن، والبطاقة الشخصية لها أصل في تاريخ الإسلام؛ لأننا وجدنا في غزوة الأحزاب أنه أرسل النبي ﷺ حذيفة فقال: اذهب فأتني بخبر القوم فذهب ودخل في القوم، فإذا بـ أبي سفيان ينادي في عسكره: ليعرف كلٌ منكم جليسه، أي: حتى لا يدخل فيكم من ليس منكم فيكتشف أسراركم يقول حذيفة: فبادرت من بجانبي وقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان.
وسكت ولم يسألني.
فقوله: (فمن أنت) هو التعريف بالبطاقة الشخصية التي فيها اسمه، واسم أبويه، وميلاده، ومكان الميلاد، ورقمه الخاص الذي تحمله البطاقة، فـ (من أنت) تتضمن هذا كله.
فأساس البحث في الصورة هل هو في ذات الجسم الذي له ظل، كالتماثيل المشخصة، أو ما كان بالريشة؟ ومن أراد التفصيل الوافي في هذه المسألة فليرجع إلى نيل الأوطار يجد ما يتعلق باللباس، والصور ونوعها، والتحريم والرخصة في ذلك، ويهمنا في بابنا هذا الحث على الخشوع في الصلاة، فلا ينبغي للإنسان أن يصلي في ثوب يكون فيه من الألوان أو الرسوم ما يشغل باله، ويلفت نظره عن خشوعه في الصلاة، والله تعالى أعلم.
стр. 494
النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة
قال المصنف ﵀: [وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم) ، رواه مسلم] .
يذكر المصنف رحمه الله تعالى في (باب الحث على الخشوع في الصلاة) هذا الحديث، وفيه النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة.
قوله (لينتهين أقوام) (ينتهين) ، أي: يمتنعن.
(أقوام) : جمع قوم، وهو خاص بجماعة الرجال وضعاً، ويدخل فيه النسوة تبعاً، ويستشهدون لذلك بقول الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء فجعل النساء قسيمات للقوم، وقوله: (لينتهين أقوم) يشمل الأفراد كذلك، فإذا كان النهي للجماعة فهو يشمل أفراد الجماعة واحداً واحداً، كما تقول: لينتهين بنو فلان عن أذية فلان فـ (بنو فلان) تشمل مجموعهم، وأفرادهم ضمناً.
قوله: (لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء) ، جاء هنا بلفظ: (في الصلاة) ، والحديث جاء تارة مطلقاً وفيه: (عن رفعهم أبصارهم إلى السماء) ، وجاء هنا مقيداً بكونه في الصلاة، وهذه الرواية: (في الصلاة) هي المناسبة لإيراد هذا الحديث في باب الحث على الخشوع في الصلاة.
والنظر بالبصر إلى السماء يكون فيه -غالباً- الانصراف عن معنى الصلاة؛ لأنه لا يخرج عن أحد أمرين: فإما أن يكون عبثاً فهو عين المقصود في النهي عنه، وإما أن يكون للتأمل، كمن كان في الليل يتأمل زينة السماء بهذه الكواكب، ويفكر في قدرة الله وفي مصنوعاته، فهذا باب والصلاة باب آخر، فيكون قد خرج عن مناجاة ربه إلى موضوع آخر وهو العظة والاعتبار بقدرة ربه، وفرق بين المناجي -وهو مستحضر لمن يناجيه رغبةً ورهبة- وبين من يفكر في مصنوعات الله وفي قدرته .
وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] ، فهذا ذكر مستقل، ثم قال في التفكر: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩١] ، فجعله قسيماً للذكر.
فرفع البصر إلى السماء يتنافى مع الخشوع في الصلاة، ولو كان للتدبر في الآيات والقدرة الكائنة في هذا الخلق العظيم، وقالوا: من أدب الصلاة ألا يتعدى بصر المصلي سترته التي بين يديه؛ لأن ذلك أدعى لاجتماع حسه وحواسه لتتجاوب مع لسانه ومع قلبه فيما يتلو، وفيما يناجي به ربه .
وفي رفع البصر إلى السماء جاء هذا الوعيد الشديد: (أو لا ترجع إليهم) ، يعني تخطف أبصارهم، وهذا وعيد شديد بعقوبة عظيمة على الإنسان، ومن هنا قال من قال: إن نظر المصلي إلى السماء في الصلاة يبطلها؛ لأنه عمل خارج عن موضعها، وجاء الوعيد الشديد في حقه.
فلا يجوز لإنسان أن يفعل ذلك، وبعض العلماء حمل ذلك على العموم في الصلاة وفي غير الصلاة، وقالوا: فعله في الصلاة يتنافى مع الخشوع، وفي غير الصلاة، لا يفعله حياءً من الله، وكما أن المصلي لا يبصق أمامه حياء من الله وتعظيماً لوجه الله فلذلك هنا.
ولكن قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩١] يدل على أن ذلك غير ممنوع؛ إذ لا يكون التفكر إلا بالرؤية التي يعملها الإنسان في ذهنه لنقل الصورة التي يراها بعينيه، والقرآن الكريم يسجل لنا قوله تعالى عن نبيه ﷺ : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤] ، فكان ﷺ يتطلع وينتظر أن الله يوليه إلى استقباله الكعبة، ليستقل عن اليهود، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢] ، وكانوا يقولون: عجباً له يعيب ديننا ويستقبل قبلتنا! فكان يتطلع ﷺ إلى الاستقلال الكلي.
ولهذا جاءت النصوص في أن المسلم لا يحق له التشبه باليهود والنصارى في عباداتهم ومعاملاتهم، أي: الخاصة بهم، بخلاف التعامل المشترك كالبيع والشراء وتبادل المنافع، فهذا أمر تقتضيه الحياة، وليس من التشبه المحرم، ومما يدل على جواز التعامل مع اليهود والنصارى أنه ﷺ خرج من الدنيا ودرعه مرهونة عند يهودي، في آصع من طعام، فهل كان المهاجرون والأنصار عاجزين عن أن يقدموا لرسول الله آصعاً من طعام؟ لا والله، لقد حكّموه في أموالهم وفي أنفسهم، حتى في حقوقهم الأدبية، ولما جاء إلى قباء قال: (مالي لا أرى فلان بن فلان؟ قالوا: بينه وبين القوم ثأر لا يستطيع أن يأتي) ، وبعد فترة في منتصف الليل إذا به عند رسول الله ﷺ ، فقال: (يا أبا فلان! كيف جئت وبينك وبين القوم كذا وكذا؟ قال: يا رسول الله! ما كان لي أن أسمع بمجيئك وأقعد عنك، فقال لبني عوف: أجيروه) ، فإذا أجاروه أصبح آمناً يأتي في كل وقت، (قالوا: أجره أنت يا رسول الله!) ، فهذه حقوقهم الخاصة يحكمونه فيها، ويتنازلون عنها لرسول الله ﷺ ، فهل -يا ترى- كانوا عاجزين عن أن يقدموا آصعاً من طعامٍ لرسول الله ﷺ ، وبدون رهن؟ ولكن أعتقد -والله تعالى أعلم- أنه لما جاء النهي، وجاء التحذير من اليهود، وقال ﷺ : (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) فهم من ذلك المقاطعة الكلية، حتى في الأمور الدنيوية، فتأتي هذه الحادثة لتدل على أنه ﷺ كان يتعامل معهم في البيع والشراء، وهكذا الدنيا اليوم، فيها أسواق عالمية، أوروبية وأمريكية، وأسواق الشرق الأوسط، والشرق الأقصى، والشرق الأدنى، وأسواق عالمية تتبادل فيها السلع بين الدول، فهذه أمور تعامل أو معاملات لا غبار عليها، وتقتضيها الحياة، كما قيل: الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم فالتعاون من هذا القبيل لا شيء فيه.
فالرسول ﷺ كان يقلب وجهه في السماء ابتغاء تحويله إلى قبلة مستقلة للمسلمين، وكان تحوله إلى الكعبة بعد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤] .
فالنهي هنا في قوله ﷺ : (لينتهين أقوام) جاء مطلقاً بلا قيد، وجاء مقيداً بالصلاة، والقاعدة عند الأصوليين أنه إذا جاء حديث في قضية مطلقاً، وجاء حديث في عين القضية مقيداً حُمل المطلق على المقيد.
كما يمثّل الأصوليون بالكفارة في القتل والكفارة في الظهار، فإن عتق الرقبة في الطهارة جاء غير مقيد بالإيمان، وجاء هناك مقيداً بالإيمان، فحُمل عتق الرقبة في جميع الكفارات على قيد الإيمان، ولا تجزئ رقبة في كفارة إلا بقيد الإيمان، وهنا كذلك، ففي هذا الحديث: (في الصلاة) ، فيحمل عموم النهي بغير القيد على ما جاء في هذا القيد، ومن رفع بصره إلى السماء في غير الصلاة لا يكون داخلاً في هذا النهي، والله تعالى أعلم.
стр. 495
كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة [٣]
إن الإسلام دين الآداب والأخلاق، وهناك جملة من الآداب التي تتعلق بالمسلم أثناء أدائه للصلاة، وهذه الآداب إنما شرعت للمحافظة على الصلاة والخشوع فيها، ومن ذلك أن المسلم إذا أراد وبين يديه طعام فيشرع له في هذه الحالة أن يؤخر الصلاة إذا كان في الوقت متسع، فيبدأ بالطعام، ثم يؤدي الصلاة بعد ذلك باطمئنان وخشوع، غير منشغل بالطعام، وأيضاً إذا كان يدافع الأخبثان فيشرع له البدء بقضاء الحاجة، ويُلحق بالطعام وبالأخبثين كل ما من شأنه التشويش على المصلي مع إمكانية إزالته؛ لأنه لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.
стр. 496
مسائل متعلقة بالصلاة
стр. 497
حكم الصلاة بحضرة الطعام وما في معناه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وله -أي: لـ مسلم - عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان) ] .
تقدم نظير ذلك في الجزء الأول، ولربما كان من الأنسب ضم هذا الحديث إلى الحديث المتقدم: (إذا قدم العشاء وحضر المغرب فابدأوا بالعشاء) ، وعلل العلماء ذلك بأنه إذا كان العَشاءُ موجوداً، وانصرف إلى الصلاة فربما انشغل ذهنه وباله، أو تطلعت نفسه إلى الطعام، فيكون تشويشاً في خاطره، وقد ذُكر عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه تناول طعام العشاء فإذا به يشم رائحة شواء -لحم يشوى-، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال: اصبر حتى ننال من هذا الشواء، حتى لا تتعلق نفوسنا به ونحن في الصلاة.
في قوله: (لا صلاة) هل تكون (لا) نافية أو ناهية؟ فإذا قلنا: نافية فإنها تنفي الصلاة، وإذا صلى تكون الصلاة قد وجدت لا أنها انتفت! لكن الذين يقولون: إنها نافية لا يقصدون نفي الماهية، ولكن يقصدون نفي صفة تتعلق بها، أي: لا صلاة كاملة.
أو: لا صلاة مستوفاة، أو: لا صلاة مقبولة، فيأتون بصفة يمكن أن تتوجه لا النافية عليها، فتقع الماهية بدون تلك الصفة.
ولكن الذين يقولون: (لا) ناهية، يقولون: النهي موجه للمخاطب المكلف، فقد نهاه أن يفعل، فإن امتثل، امتثل النص، وإن لم يمتثل أوقع المنهي عنه ويتحمل مسئوليته.
والجمهور على أن قوله: (لا صلاة) نهي، فلا ينبغي للمصلي أن يصلي وهو على إحدى هاتين الحالتين.
قوله: (لا صلاة بحضرة طعام) أي: إذا وضع الطعام، وأقيمت الصلاة، والطعام موجود في محل الصلاة، فلا صلاة بحضرة هذا الطعام؛ لأنه ينشغل به عن الصلاة.
وإذا حضر الطعام، وكان الطعام -كما يقولون الآن- في غرفة الطعام فهل تكون الصلاة بحضرة طعام؟ قالوا: هو كذلك، على معنى (إذا قدم العشاء والمغرب فقدموا العشاء) ، فالسبب في النهي هنا هو عين السبب في النهي هناك.
ولكن -كما أشرنا سابقاً- الفقهاء ﵏ يبحثون في الإجزاء وعدم الإجزاء، والصحة وعدم الصحة، والآخرون ينظرون إلى شيء آخر زيادة على ذلك، وهو كمال الصلاة خشوعاً، وكمال الصلاة في الخضوع فيها، وفي استحضار القلب، وفي عدم التشويش فيها، وفي عدم الموانع التي تؤثر على الصلاة، فإذا صلى والطعام حاضراً فهل الصلاة باطلة أو صحيحة؟ وإذا كان النهي مرتبطاً بالعلة، فإنه إذ حضر الطعام وأنا شبعان، أو حضر الطعام عند أن قمت من طعام آخر فعلة النهي غير موجودة، فهل تكون الصلاة صحيحة أو باطلة؟ قالوا: لا، ليست باطلة؛ لأن النهي متعلق بالتعليل.
فلا صلاة لمن هو في حاجة إلى الطعام، كأن يأتي وقت الإفطار وهو جائع، وكالقادم من السفر الذي لم يجد الطعام، فمن كان وجود الطعام سيشوش عليه أثناء صلاته، ويذهب خشوعه فلا يصل، إلا إذا ضاق الوقت، فلو قُدِّم الطعام في آخر الوقت ولم يكن صلى، فهو بين أحد أمرين: إن أكل خرج الوقت، وإن صلى فهو مشوش، فماذا يفعل؟ والجواب: أن التشويش متفاوت، واجتناب التشويش ليس من صلب وأركان الصلاة، وإنما هو من تحسين وتكميل الصلاة بتوفير الخشوع والخضوع.
فهو من المحسنات، ولا ينبغي إضاعة الضروري من أجل تحصيل التحسين، فإذا ضاع رأس المال فكيف تبحث عن الربح؟ فإذا ضاق الوقت وقُدِّم الطعام فقد تعارض هنا تحقيق إتيان الصلاة المفروضة عليه مع تحصيل تحسينها بالخشوع والخضوع.
يقول ابن دقيق العيد -وهي قاعدة عجيبة جداً-: إذا عاد الفرع على الأصل بالإبطال حكمنا بإبطال الفرع؛ لأنه سيبطل أصله.
والخشوع في الصلاة فرع عن الصلاة، فإذا قمنا بالحفاظ على الفرع سنضيع الأصل، فهذا الفرع يصبح ملغياً باطلاً، ونحافظ على الأصل.
وهذه القاعدة لها أصل في كتاب الله، ومعمول بها عند عوام الناس، أما أصلها في كتاب الله فهي قضية الخضر -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- مع نبي الله موسى ﵊ لما لقيا غلاماً فقتله، فموسى ﵇ لم يتحمّل، فهذا على جانب من التشريع، وهذا على جانب آخر، فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] .
فقال: يا موسى! قلت لك أول الأمر يجب أن تصبر، ثم بين له بعد قوله: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٨] ، فقال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف:٨٠] .
فالغلام فرع بالنسبة للأبوين، وهذا الفرع يخشى منه أن يبطل الأصل وهو الأبوان بأن يرهقهما طغياناً وكفراً، والكفر هلاك، فقام الخضر وأتلف الفرع، وأبقى الأصل سليماً، ثم بيّن لموسى ذلك فقال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف:٨١] ، فما دام الأصل باقياً فإنه يأتي بفروع كثيرة.
والعامة تقول: إن بقي العود فالجثة تعود، أي: إذ مرض إنسان مرضاً شديداً، وكان بوزن أربعة، وصار مثل العود، فمادام العود باقياً فالجثة التي راحت تعود.
وكذلك المزارع حينما تكون عنده شجرة، حملت من الثمر ما يكسر الجريد ويفسد الثمر، أو يكسر الأغصان ويفسد الثمرة -والفاكهة ثمرة عن الشجرة-، فيجيء الفلاح بطبيعة الحال وبفطرته فيقطع من الثمرة هذه -وهي خضرة- حتى تخف الثمرة على الأغصان، ولا تنكسر فتفسد الشجرة، وتفسد الثمرة، فهو أتلف بعض الفرع إبقاءً على الأصل.
وهكذا هنا، فإذا قُدِّم الطعام وكان الوقت ضيقاً فإن أكل خرج الوقت، فحينئذٍ تعارض الأصل مع تحصيل الفرع، والفرع إذا حصلناه كانت النتيجة إضاعة وإبطال الأصل، فيحكم على الفرع بالبطلان، ونقول: يصلي مهما كانت حالته، فيصلي بقدر ما استطاع، ثم يرجع إلى طعامه، وهذه ناحية.
الناحية الثانية قوله: (ولا هو -أي: المصلي- يدافعه الأخبثان) ، المدافعة: مفاعلة من الدفع، فهذا يدفع يميناً وهذا يدفع يساراً، كما إذا كان شخص داخل غرفة وآخر خارجها، فهذا يدفع الباب من أجل أن يفتح ويدخل، وهذا يدفع الباب من أجل أن يرده، فهناك مدافعة، ومثله لمشادة والمخاصمة، ففيها طرفان متضادان، فهنا المصلي طرف في المدافعة، والأخبثان طرف آخر، وقد فسر الأخبثان بقوله: (حاقن، أو حاقب) ، فإذ كان يحس بالحاجة إلى تفريغ البول أو الفضلات، فإن الله تعالى جعل عضلات للمحلين تسمى العاصرة، أو الحافظة، أو القابضة، فتنقبض حتى لا يخرج شيء، وعند الحاجة للإخراج إذا امتلأ محل التجمع تشعر هذه العضلة بحاجة الإنسان إلى التفريغ، فترتخي وتفتح الطريق، ويخرج ما كان داخله، فحينما يحس الجهاز من الداخل بالامتلاء، فطبيعة تكوين الإنسان تقوم بالتفريغ، وكما يقولون: تُعطى الإشارات إلى تلك العضلة لترتخي ولتسهل الطريق للإخراج، فالإنسان بدوره قد يدافع هذا الغرض، ويبقى الأخبث يدفع للخروج، والإنسان يشتد على عضلته للمنع من الخروج، فهذا يدافع ليخرج، وهذا يدافع ليبقي الداخل في محله.
وإذا حصلت هذه المدافعة، فهل يكون هناك خشوع؟! فهو في معركة، وهو في حالة غير طبيعية، والقاعدة عند الأطباء أنه لا ينبغي تأخير الإفراغ عن وقت حاجته، ويذكرون مضاره في الغشاء المخاطي أو غيره، والصداع الذي يترتب على الإمساك أو حصر البول.
وهذا أمر جبلي في حياة الإنسان، فإن أحس قبل الدخول في الصلاة ببوادر ارتخاء العضلة، وببوادر الدفع للخروج -وهذا أمر طبيعي- فلا ينبغي أن يضغط على نفسه تكاسلاً عن الإفراغ والوضوء، فيقول: أصلي أولاً وبعد ذلك أذهب لقضاء الحاجة، فلا يجوز ذلك؛ لأنه معه سعة الوقت، وعنده حاجة تعود عليه بالمضرة، وتعطل عليه الغرض من الصلاة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] ، ومدافعته مع أخبثيه تلهيه عن ذكر الله سبحانه.
فعليه أن يستجيب، وأن يفرغ ويخرج أحد الأخبثين، أو كليهما معاً، ثم بعد ذلك يجدد وضوءه، ويدخل في الصلاة بدون مدافعة، وهنا يستطيع أن يتذكر، ويستطيع أن يتأمل، ويستطيع أن يحس بالخضوع بين يدي الله سبحانه.
стр. 498
حكم قضاء الحاجة عند ضيق الوقت
بقيت مسألة، وهي إذا ضاق الوقت ودافعه الأخبثان، إذ الجوع يمكن الصبر عليه، بخلاف المدافعة.
قالوا: إن كان باستطاعته أن يؤدي الصلاة -ولو بالتخفيف- قبل أن يخرج الوقت صلى، ونرجع إلى قاعدة التحسين والتأصيل، وإن وجد في نفسه أنه لا يستطيع فلا يصل، وعليه أن يقضي حاجته ولو خرج الوقت؛ لأنه إن لم يفعل آذى نفسه، وربما حدث منه في صلاته ما لا ينبغي، وتفسد عليه الصلاة، ويكون لا هو حصل هذا، ولا حصل على ذاك.
وقوله: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) ، العلة التي يشترك فيها حضور الطعام ومدافعة الأخبثين هي التشويش، فإبعاداً وتخلصاً من دواعي التشويش عليه وهو في الصلاة يقدمان على الصلاة.
فإذا وجد شيء آخر من طبيعته أن يشوش على المصلي فهل يدخل في الصلاة وهذا المشوش موجود، أم أنه له أن يزيله عنه، ويدخل في الصلاة وهو مطمئن، وذلك في سعة الوقت؟ والجواب أن له أن يقضي على سبب التشويش، ونستطيع أن نقول: يوجد نص في هذا، وإن لم أجد من ذكر ذلك، ولكنَّه ينطبق على ما نحن فيه، فقد جاء عنه ﷺ : (أنه خرج للصلاة، وأقيمت الصلاة، وكبر في الصلاة) ، فتذكر أنه نسي شيئاً وهو في هذه الحالة حين استقبل القبلة، وقام الناس، فإذا برسول الله ﷺ ينصرف، ويشير إليهم: مكانكم، ويدخل البيت مسرعاً، ثم يرجع ويدخل في الصلاة ويصلي، ثم قال لهم: (جاءني مال من كذا وقسمته، ونيست ثلاثة دارهم لم أقسمها، فأسرعت بتقسيمها قبل أن أدخل في الصلاة) ، يعني: لو خطرت له ﷺ وهو في الصلاة فستشوش عليه، فترك الدخول في الصلاة، وذهب وأمر بتصريفها؛ لأنها لو عرضت له في الصلاة يكون كأنه ادخر شيئاً كان ينبغي أن يصرفه، وهذا يشوش عليه ﷺ .
ونحن نقول كذلك: لو أن امرأة في بيتها، وضعت إناءً على الموقد، ثم قامت وتوضأت وتهيأت، وأرادت أن تصلي، فتذكرت الإناء الموجود على الموقد، وعلمت إنها إن صلت تخشى من أن يحدث شيء بسبب هذا الإناء على الموقد، بأن كان السائل فيه قليلاً، أو كانت النار شديدة، فهل تدخل في الصلاة وذهنها مع الموقد وما عليه، أم تذهب إلى الموقد وتوقفه، أو تنزل الإناء، أو تتصرف بما يطمئن نفسها؟ وكذلك الإنسان إذا نسي هل أقفل الباب أم لا، أو كان الماء في الخزان فلم يدر، هل يفيض أو لا يفيض.
فأي شيء يتذكره الإنسان قبل الدخول في الصلاة، فلو دخل في صلاته على تلك الحالة فسيشغل باله حتى يفرغ منها فإنه يذهب إليه وينهي أمره.
فعليه أن يزيل أي شاغل موجود يمكن أن يشوش عليه الصلاة، وهذا نأخذه من عموم العلة والحكمة في النهي عن الصلاة بحضرة الطعام، أو وهو يدافعه الأخبثان.
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ فيما يتعلق بالقضاء: (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) ، فالغضب صفة نفسية، فإذا كان حزيناً، أو مشغول البال، أو جائعاً، أو عطشان فلا يقضي؛ لأن القضاء يحتاج إلى صفاء الذهن واستغراق الفكر، واستخراج المعدوم من الموجود.
فيحتاج إلى أن يكون مستقراً هادئاً؛ لأن كل هذه الأشياء ستشوش على فكره وتمنعه من الاستغراق في التفكير في أمر القضية.
فالرسول ﷺ نهى عن القضاء حالة الغضب، والفقهاء قاسوا عليها كل ما يشاكلها في العلة، فالغضب من الشيطان، والغضب يحمله على الإسراع في الحكم، والغضب يحمله على ألاَّ يجمع أطراف القضية، فهذا سيشوش على فكره، ويمنعه من إمعان النظر في القضية التي أمامه والنظر في أقوال الخصمين والمقارنة بينها وخضها -كما يقولون- حتى يخرج الزبدة من النزاع، فألحقوا به كل ما شوش على الفكر.
فكذلك هنا، فالحديث جاء في حضرة الطعام) ، وجاء في حالة مدافعة الأخبثين، فإذا كان كذلك ونقول: لو أن إنساناً -عافنا الله وإياكم- آلمته بطنه، وأرسل لشراء دواء من الصيدلية، فإن دخل في الصلاة فالألم لا يمكنه من الاطمئنان في الصلاة، فينتظر حتى يأتي الدواء ويتناوله.
فنستطيع أن نقول بصفة عامة: كل ما يطرأ على الشخص قبل دخوله في الصلاة فإنه ينبغي عليه أن يزيل هذا الشيء، حتى يدخل في الصلاة باستقرار وطمأنينة، ويستطيع أن يؤديها بخشوع كما أمر في ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 499
التثاؤب في الصلاة
قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ قال: التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع) رواه مسلم والترمذي، وزاد: (في الصلاة) ] .
هذه الحالة -كما يقولون-: لا إرادية؛ لأنها ربما تأتي تقليداً -أي: بدون شعور- وفي هذا حكايات كثيرة، بدليل أنك لو جلست عند جماعة يتثاءبون تثاءب معهم، والتثاؤب غالباً يكون من آثار ترنق النوم في العين، فبوادر النوم تأتي بالتثاؤب، وهناك التثاؤب والعطاس، وجاء عنه ﷺ التفرقة بينهما فقال: (العطاس من الرحمن، والتثاؤب من الشيطان) ، كما ذكر ذلك البخاري في (الأدب المفرد) ، والله تعالى أعلم.
стр. 500
آداب التثاؤب والعطاس
بين ﷺ أن للعطاس آداباً وحقوقاً فقال: (إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمته) ، أو: (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) .
فحق على المسلم إذا عطس أن يقول: (الحمد لله) ، فيقول له السامع: (يرحمك الله) ، وذكروا في مناسبة قوله: (الحمد لله) أن العطاس قد يطرد الداء من البدن، وقالوا: إن العطاس بمثابة الزلزال يعتري جسم الإنسان، وقد يحدث عاهة فيه، ولهذا ينصح الأطباء من عطس بأنه لا يحرف عنقه يميناً ولا يساراً؛ لأنه في هذا الانحراف مع الانتفاضة ربما تختل فقرات العنق، أما التثاؤب فهو العلامة الكبيرة للكسل والنوم، فإذا كان في الصلاة وتثاءب، فهل هو ممعن الفكر في صلاته، أم أنه أخذ قناة النوم فهو ماشٍ في طريقه إليه، وهذا يتنافى مع الخشوع، والتعليم العام منه ﷺ لما قال: (التثاؤب من الشيطان) ؛ لأنه هو الذي يحركه في الإنسان، وبعض الروايات: (فلا يقول: هاه هاه؛ فإن الشيطان يضحك عليه) ، وفي بعض الروايات فيها: (إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع، وليضع يده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل في فيه) أي: عند التثاؤب لا يفتح فاه مثل التمساح؛ لأن هذه هيئة غير لائقة، لاسيما أمام الناس.
فالتثاؤب من الشيطان، وأمر ﷺ المتثائب أن يكظم ما استطاع، وجاء النهي بقيد (في الصلاة) ، وجاء أيضاً عاماً، فيحمل المطلق على المقيد، كما تقدم في رفع البصر إلى السماء مطلقاً ومقيداً في الصلاة.
وإلى هنا يكون المؤلف ﵀ أتى بأكثر الأحاديث الدالة على اجتناب ما يحول دون الخشوع في الصلاة، وعلى الإنسان أن يتحاشى كل ما من شأنه أن يضيع الخشوع في الصلاة، سواءٌ أكان مما يقع قبل الدخول في الصلاة، فيتحاشاه قبل أن يدخل فيها ليدخل مطئمناً، أم كان أثناء وجوده وقيامه في الصلاة، كرفع البصر، وما يتعلق بالأمور التي تقع أو تعرض للإنسان وهو في صلاته بالفعل وإلى هنا انتهى المؤلف من هذا الباب.
стр. 501
الخشوع في الصلاة
نرجع إلى عنوان هذا الباب: (باب الحث على الخشوع في الصلاة) ، يقول بعض العلماء: هل الخشوع في الصلاة من أركان الصلاة، أم من تحسيناتها؟ والجواب: قد علمنا أن الخشوع من تحسينات الصلاة، فلابد أن يخطر ببال الإنسان شيء وهو في الصلاة، وهذا ضروري لكل إنسان؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أنه إذا أذن المؤذن فلا يخرج الإنسان من المسجد إلا إذا كان على قصد العودة) ، وقال ﵊: (إذا أذن المؤذن خرج الشيطان وله ضراط -أي: يجري ويسرع حتى لا يسمع ألفاظ الأذان- فإذا ما فرغ المؤذن من الأذان رجع إلى المسجد، فإذا أقيمت الصلاة أسرع وخرج، فإذا انتهت الإقامة رجع وأخذ يوسوس للمصلي، حتى يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، لأشياء لم يكن ذاكراً لها، ليشغله عن الصلاة) .
стр. 502
طرف من أحوال الناس في الصلاة
يذكرون عن أبي حنيفة ﵀ أن رجلاً جاء وقال: يا إمام! أنا دفنت مالاً ونسيت، فماذا أفعل؟ وكيف أهتدي إليه؟ قال: إذا جاء ثلث الليل الأخير فتوضأ وصلِّ ركعتين، ولا تحدث نفسك فيهما بشيء، ومن الغد تأتيني ففعل الرجل بنصيحة الإمام، وفي السجدة الأخيرة آخر لحظة عجز عنه الشيطان، فجاءه وقال له: أنسيت المال الذي أنت دافنه؟! هو في المحل الفلاني، فاذهب وخذه قبل أن يضيع عليك، فعجّل الصلاة وذهب مباشرة إلى المال واستخرجه، وجاء إلى أبي حنيفة قائلاً: جزاك الله خيراً وجدت مالي، فتعجب الحاضرون وقالوا للإمام: ما علاقة صلاته ركعتين بالدلالة على ماله؟! فقال: أنا لم أدله، ولا أعلم الغيب، ولكن أعرف أنه إذا أخذ يصلي في ركعتين من هذا النوع، فهما هلكة على الشيطان، ولا يمكن أن يمكنه من ذلك، فحاول معه فطرده، حتى جاءه عن طريق حاجته فأصغى إليه، فدله عليها فذهب وأخذها.
ويذكر ابن عبد البر في الاستذكار في هذا الموضوع عن عمر بدون ذكر السند- أنه قال: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة.
وأعتقد أن هذا بين بين، فتجهيز الجيش ليس بالأمر الهين، لكن لعله كان يخطر على باله تساؤلات، فإنه مسئول عن جيش مرسل للقتال، فلا يمكن يسلم عقل عمر في نوم ولا في يقظة، فهل إنسان مسئول يرسل جيشاً إلى عدو يزيد أضعافاً على عدد جيشه وقوته وينساه، ويغفل عنه! فما هذا بصحيح.
فلا بد أن يكون على باله، فإذا قام في الصلاة فلابد أن يخطر على باله، فهل ما يخطر على بال الإنسان وهو في الصلاة يبطل الصلاة؟ بإجماع المسلمين لا يبطلها، ولكن بعض المصلين -مع الأسف- إذا كبر في الصلاة إذا به يجري عمليات حسابية، ولقاءات مع أشخاص، ويستعيد ذكريات أعوام ماضية، أو يفكر في مشاريع مستقبلة، ولا يدري إلا وقد سلّم الإمام فيسلّم معه.
وقد سئل الشيخ ابن الصلاح -غفر الله له- عن بعض الأئمة أنه سها في الصلاة، فاختلف هو والمصلون، وكان هناك شخص يتوسمون فيه العقل والسمت، فرجعوا إليه فقال: والله ما أدري، أنا كل يوم حين أكبر آخذ في طريقي إلى الشام، وأنزل في المحل الفلاني، ثم المحل الفلاني، ثم نبيع ثم نرجع، وكل مرة أصل إلى هنا وأعود والإمام في السلام، أما هذه المرة فقد سلّم الإمام وأنا في نصف الطريق.
فمثل هذا ماذا نقول في صلاته؟ (ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها) .
والكلام في هذا الباب قد يثقل على الناس، ويخيفهم على صلاتهم، ولكن لنعلم أن هذا من تتمة وكمال الصلاة، وكما ذكرت سابقاً فالناس في هذا يتفاوتون كما بين الثرى والثريا، فهناك شخص تسبح به روحه حتى إنه لا يرى ولا يسمع إلا ما يقول بين يدي الله، مثل ذلك الذي قيل له: كيف تصلي يا فلان؟ قال: أجعل الكعبة أمامي، وملك الموت ورائي، والجنة عن يمني، والنار عن يساري، والصراط تحت قدمي، وأرى أنها آخر صلاتي من الدنيا.
فهذا الذي يكون على هذا الحال في صلاته هل هو مثل الذي يذهب ويأتي في طريق الشام ويبيع ويشتري؟ لا يستوون.
ونختم هذا البحث بالحديث الصحيح الذي يدل على أن العبد إذا صلى، وأدّى الصلاة موفورة أركانها، وشروطها، ولوازمها، وصعدت إلى السماء ولها طيب، وفتحت لها أبواب السماء، وقالت: حفظك الله كما حفظتني، وإذا ضعيها في أركانها، وفي واجباتها، وفي سننها، لُفّت كما يلف الثوب، وسدت دونها أبواب السماء، وردت وألقي بها في وجه صاحبها) .
وفرق بعيد جداً بين هذه الصلاة وتلك الصلاة، ولهذا نقول مرة أخرى: إن نوافل العبادات ضمان للنقص في الأركان، وكل فريضة لها نوافلها، وجاء في الحديث: (أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة الصلاة) ، فأول ما ينظر فيه من العبادات الصلاة، وفي الحقوق والمعاملات الدماء، فإذا نُظر في صلاة العبد فكانت وافية وكاملة قبلت وقبل معها غيرها، وحمل عليها، وإذا كان فيها نقص يقول المولى سبحانه: انظروا هل لعبدي من نوافل؟ فيقولون: نعم.
فيقول: اجبروا نقص فريضته من نافلته، وهذا من واسع فضل الله سبحانه، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما زاد في هذا الخبر: (وكذلك بقية العبادات، أو بقية الأعمال) .
стр. 503
كتاب الصلاة - باب المساجد [١]
إن للمساجد في الإسلام أهمية عظيمة، فلذلك حث الإسلام على بنائها وتكريمها وتنظيفها، ومن نظر في المصادر التاريخية فسيجد أن للمساجد تاريخاً عظيماً، فأول بيت وضع للناس هو الكعبة المشرفة، وقد قام بتجديد بنائها إبراهيم وإسماعيل ﵉، وأُمرا بتطهيرها، وكذلك جدد بناء بيت المقدس داود ﵇ بأمر من الله، وهكذا بنى رسول الله ﷺ مسجده، فهذا حال الأنبياء مع المساجد، ولقد كانت المساجد في بداية الإسلام مركزاً للقيادة والعلم، ومنها انطلقت الدعوة، وعن طريقها عُرف الإسلام وانتشر.
стр. 504
المساجد وأحكامها
стр. 505
الأمر ببناء المساجد في الدور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن عائشة ﵂ قالت: (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصحح إرساله] .
والمساجد: جمع مسجد، والمسجد لغة: هو موضع السجود، بوزن (مفعِل) بكسر العين، أي: الجيم من الكلمة، واصطلح العلماء على تقسيم المساجد إلى قسمين: مسجد، وجامع، فالجامع ما تقام فيه الجمعة لتجمع المسلمين، والمسجد ما تقام فيه الصلوات الخمس، لعموم قوله ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ، وهذا لغة وشرعاً.
والمساجد عند الفقهاء إنما يقصد بها ما أقيم بناؤها للصلوات الخمس، وللمساجد تاريخ طويل عريق يجب على المسلمين العناية به، وهذا الحديث الأول منطلق للتحدث عن المسجد، ثم عن رسالة المسجد.
تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (أمر -والأمر للوجوب- رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور) .
الدور: جمع دار والدار قد تطلق على محل سكنى الإنسان بأهله، وتطلق على الضواحي والناحية، فتقول: هذه ديار بني فلان.
أي: محل سكناهم، ويقول العلماء: إن المراد ببناء المساجد في الدور يحتمل الأمرين، فيحتمل أن الإنسان يجعل له مسجداً في بيته في داره يصلي فيه النافلة، ويصلي أهله فيه الفرائض ويستدلون بما جاء عن أم ورقة وغيرها: (أن النبي ﷺ أتاها، ثم قال: أين تريدين أن أصلي لكم؟) ، وكذلك عتبان بن مالك حين اعتذر إلى النبي ﷺ لأن بينه وبين المسجد وادياً، وقد يتعذر عليه المشي ليلاً، فطلب من النبي ﷺ أن يأتيه ويصلي له في بيته ليتخذ ذلك المكان مسجداً.
وفي هذين الأثرين دلالات واسعة، ومنها اتخاذ المسجد لأهل البيت، وقد يقال: لماذا هذا مع أن البيت كله يكون صالحاً للصلاة، ما عدا الأماكن الممنوعة الصلاة فيها؟ يقول العلماء: إن وجود الإنسان في المسجد العام يجعل عنده إحساساً بأنه يقوم في مكان مخصص للعبادة، فيكون أجمع لحسه وشعوره في أداء صلاته، ونحن نحس من أنفسنا ذلك حينما نكون في البيت ونصلي -مثلاً- النافلة، وحينما نأتي إلى المسجد ونصلي فيه، فإن إحساسنا بصلاتنا في المسجد غير إحساسنا بصلاتنا في بيوتنا، وهكذا لو دخلت غرفة النوم للصلاة فليس الحال كما لو صليت في فناء البيت، بخلاف ما لو صليت في المجلس العام لاستقبال الضيوف؛ لأن لكل مكان إيحاءاته، ومن هنا قالوا: ينبغي أن يخصص الإنسان في بيته مكاناً لصلاته حتى يجد شعوراً بأداء الواجب وإحساساً بوقوفه بين يدي ربه.
ويحتمل أن المراد أن تبنى المساجد في الدور -أي: في الضواحي والناحية من البلد-، لكي يتجمع أهل كل ضاحية في مسجدهم للصلوات الخمس، بخلاف الجمعة، وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه لما مُصِّرتْ الأمصار كتب إلى أبي موسى الأشعري في البصرة، وكتب إلى عمرو بن العاص في مصر، وكتب إلى عماله أن: ابن مساجد للقبائل.
أي: ابن لكل قبيلة في منزلها مسجداً يصلون فيه الصلوات الخمس، وابن مسجداً في المدينة، فإذا كان يوم الجمعة اجتمع الجميع في هذا المسجد -أي: مسجد المدينة-، ولا تتفرقوا.
стр. 506
تنظيف المساجد وتطييبها
جاء عنه ﷺ من الأمر ببناء المساجد، وذلك لأهمية المسجد، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله، ثم جعل لهذه المساجد حقوقاً، منها أن تنظف من كل القاذورات، فقد جاء عنه ﷺ : (تعرض علي أعمال أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) ، فلو رأيت قذاةً في المسجد، كريش طائر، أو نواة، أو شيئاً مما يستقذر وأخرجته من المسجد كتب لك بذلك أجر، وهذا من حق المسجد علينا؛ لأننا لا نرضى بالقذاة في بيوتنا، فلا ترضى بقذاةً في مجلسك، ولا في غرفة نومك، ولا وفي مطبخك، ولا في غير ذلك، فلابد أن تنظف المساجد من كل قذاة.
قولها: (وأن تطيب) التطييب: هو تفعيل من الطيب، سواءٌ أكان دهناً، أم كان دخاناً من الأخشاب ذات الروائح العطرية، كالعود ونحو ذلك.
وقد كان في زمن النبي ﷺ رجل اسمه: نعيم المجمر، كما ساق ذلك مالك ﵀ في الموطأ، وكانت مهمة هذا الرجل أن يأتي بالمجمرة وبالطيب ليطيب المسجد، وكانت هذه سنة وعادة في المسجد النبوي إلى عهد قريب، بل وإلى الآن أحياناً، وكانت هناك مخصصات من العود للمسجد في السنة، ففي يوم الجمعة وليلة الإثنين يؤتى بالمجامر وبالعود، وتطيب نواحي وأروقة المسجد، وكان هذا في عهد قريب في أوائل قيام الدولة السعودية، فكان يأتي الأمير في رمضان، ويصلي التراويح مع الناس، ويأتي معه بالمجامر وبالعود، وبالقهوة للمصلين، وكانوا يطيلون الجلوس بين كل أربع ترويحات.
وتقدم لنا أن النبي ﷺ رأى نخامة في جدار القبلة فحتها بحجر، أو بيده ﷺ ، وعزل إمامهم أن يصلي بهم مرة ثانية لأنه لم يحترم طهارة المسجد ونظافته وتطييبه.
فمن حقوق المساجد أن تنظف وتطيب، وجاءت الآثار بأنه منع أن يبول إنسان على جدار المسجد من الخارج تكريماً لجدار المسجد، مع أنه لن يصل أثر البول إلى الداخل.
وينبغي أن يعتنى بإقامة دورات المياه على أبواب المساجد ليكون ذلك أيسر على المصلين، خاصة الغرباء، ويمكن أن يستدل لذلك -أيضاً- بما جاء عنه ﷺ حين حانت صلاة العصر فطلب الناس ماءً فلم يجدوا، فطلب النبي ﷺ ماء فأتي بشن -وقيل: بقدح وقيل: بغير ذلك- فيه ماء قليل، فوضع كفه ﷺ فيه ودعا الله، يقول أنس: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأوا عن آخرهم.
وقد تكررت -أي: في ذلك اليوم- هذه الحادثة -أي: الوضوء عند المسجد- بتكرار العدد الذي كان موجوداً، فبعض الروايات أن العدد: سبعون، وبعضها ثمانون، وبعضها ثلاثمائة، وبعضهم يقول: ولو كنا ألفاً لكفانا.
فطلب الماء عند المسجد ييسر للمصلين مهمة الطهارة، ومهمة أداء الصلاة في المساجد.
ولا يبعد إذا قلنا: إن من التهيئة أن يوفر لرواد المساجد كل ما يمكن أن يوفر لهم الراحة، وييسر لهم الطمأنينة -كما هو الحال الآن بحمد الله- من التبريد، أو التدفئة إذا أمكن ذلك، وكذلك الفرش الميسرة، والمصاحف، والماء الذي يشرب منه العطشان، ولو أمكن أيضاً أن يكون في جوانب المسجد المكتبات أو الكتب، فلو أراد طالب العلم كتاباً أو مصحفاً يكون كل ذلك ممكناً ميسراً.
стр. 507
جوانب مهمة في قضية المساجد
стр. 508
العناية بالمساجد
والبحث في المساجد يتناولها من عدة جوانب: الجانب الأول: في تاريخها، والجانب الثاني: في مهمتها ورسالتها وآثارها، والجانب الثالث: في فضل بنائها والعناية بها.
أما العناية بها فقد كانت امرأة تقم المسجد في زمن النبي ﷺ فمرضت، فانقطعت عن عملها، فسأل عنها ﷺ فقيل: إنها مريضة أو: محتضرة.
قال: إذا ماتت فآذنوني.
فتوفيت ليلاً، فكرهوا أن يشقوا على رسول الله ﷺ بالليل، فجهزوها ودفنوها، فلما أصبح سأل عنها: ما شأنها؟ قالوا: توفيت البارحة ودفناها.
قال: ألم آمركم أن تؤاذنوني؟ قالوا: يا رسول الله! توفيت بالليل، وكرهنا أن نشق عليك.
قال: دلوني على قبرها فذهب إلى البقيع ووقف على قبرها وصلى عليها، فلماذا كانت تلك الصلاة؟! ولماذا كانت تلك العناية؟! إنها لعنايتها بالمسجد بنظافته، فإنها كانت تقمه، أي: تجمع القمامة منه.
стр. 509
تاريخ المساجد العريق
أما تاريخ المسجد فهو تاريخ عريق، وكل من كتب عن المساجد فإنه يبدأ بمساجد بلده، فأهل القاهرة يذكرون مساجد: عمرو بن العاص، وأحمد بن طولون، الشافعي، والليث وغيرهم، وأهل المغرب يذكرون جامع قرطبة، وجامع الزيتونة وغيرها وهكذا، ولكن المنصفين منهم إنما يكتبون عن المساجد الثلاثة أولاً، كما فعل الزركشي في كتابه (إعلام الساجد بأحكام المساجد) ، فذكر المشهور منها، وأفرد المساجد الثلاثة بأبوب مستقلة، أي: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي الشريف.
والمتأمل في تاريخ المساجد -كما أشرت- يجد أن المسجد هو أول حركة عمرانية على وجه الأرض، وبعض الناس يقول: أول مسجد.
ونقول: أول عمران؛ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران:٩٦] ، وهو البيت الحرام كما نعلم، وأما الذي وضعه فقيل: الملائكة وضعته لآدم، وقيل غير ذلك، والذي بأيدينا من كتاب الله هو التاريخ الإبراهيمي -إن صحت هذه التسمية-، كما بين سبحانه بقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧] ، فإبراهيم وإسماعيل رفعا قواعد البيت، فهي موجودة قبل أن يرفعاها، ومهمتهما تجديد البناء ورفعه، كما جاء في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] ، فكان وادياً غير ذي زرع، وغير ذي ماء، وليس فيه ساكن، ولم يكن البيت موجوداً في ذلك الوقت، ولكنه كان أكمة، ثم تولى الله تعيين مكانه لإبراهيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] .
وكذلك في الإسلام كان المسجد هو أول ما يكون في المدن، وإذا أريد إنشاء مدينة جديدة كان المسجد هو قصبتها، وهو نقطة مركزها، كما هو الحال في المسجد النبوي الشريف، وفي غيره في التاريخ الإسلامي.
وامتازت المساجد الثلاثة بأن الله سبحانه هو الذي اختار أماكنها، وكذلك بالذين قاموا ببنائها ابتداءً؛ فإنهم رسل الله، ومن أجل ذلك كانت الصلاة فيها مضاعفة، ما بين خمسمائة وألف ومائة ألف، باختلاف المساجد الثلاثة.
стр. 510
تجديد إبراهيم لبناء الكعبة
قلنا: إن الله هو الذي أرى إبراهيم مكان البيت وبوأه له، ولما أراد الله بناء البيت -أي: الكعبة- وأمر إبراهيم بذلك قال: يا رب! وأين أبني؟ قال: حيث ترى السحاب فخط عليها فجاءت سحابة وقت الزوال على سمك الكعبة طولاً وعرضاً، فخط على ظلها، ثم بدأ بالحفر حتى وصل إلى القواعد، وهناك رفع القواعد، وفي تحديد شخص الذي وضع تلك القواعد ابتداءً تذكر كتب التاريخ أخباراً عديدة، ويهمنا الخبر القرآني في هذا التاريخ الإبراهيمي.
وهنا لمحة قرآنية فيما يتعلق بإقامة المسجد وبنائه، وما يتعلق بتنظيفه وتطييبه، وأن العناية بالصيانة أشد من العناية بالبناية، فنجد في البناية قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلَُ﴾ [البقرة:١٢٧] ، فأسند رفع القواعد إلى إبراهيم، وجاء ذكر إسماعيل كالمساعد لإبراهيم، وأما في العناية والصيانة فنجد قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة:١٢٥] ، فإسناد البناية ابتداءً كان إلى إبراهيم، فكأن إبراهيم مكلفاً بها، وتكليف إسماعيل يأتي بعد تكليف إبراهيم، أما في الصيانة والتطهير والعناية فتسند ابتداءً لإبراهيم وإسماعيل، فقال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] .
وهكذا قام إبراهيم ﵇ بما أمره الله ومعه إسماعيل، ونعلم جميعاً المعجزة الأبدية فيما كان من شأن إبراهيم وإسماعيل، فهما رجلان -فقط- يقومان ببناء بيت ارتفاعه نحو عشرين ذراعاً، فيأتي الحجر ويكون بمثابة المصعد الذي يضع عليه إسماعيل الحجر، ويرتفع الحجر بحجر البناء إلى أن تم هذا البناء، ويبقى في مقام إبراهيم آية.
يقول الفخر الرازي: إن الآية في مقام إبراهيم الذي كان يقوم عليه في البناء معجزة أبدية؛ لأن قدماه ﵊ -حينما كان يقوم عليه- غاصتا في الحجر فيا للعجب! حجر أصم صلب تغوص فيه قدمان من دم ولحم فسمى ذلك آية؛ لأن الحجر فيه آيات، وليست آية واحدة، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران:٩٧] ، فما هي الآيات؟ قال: الحجر الأصم؛ لأن منه جزءاً -وهو موضع القدمين- غاصت القدمان فيه، وبقية أجزاء الحجر ما زالت على صلابتها وقوتها، فليونة الجزء الذي تحت قدمه آية، وبقاء الجزء الآخر على صلابته آية، وفي عمله في رفع حجارة البناء آية.
فبناه إبراهيم وأسماعيل وعناية الله معهما بما أوحى إلى هذا الحجر، وبما سخر وأعطى من قوة حركة لا يعلمها إلا الله، ولا يهبها إلا هو سبحانه، وهكذا كان بناء البيت وأول تاريخه، فهو أول عمران في الأرض، ثم جدده إبراهيم ﵇.
стр. 511
تاريخ بيت المقدس وتجديد بنائه
ويلي المسجد الحرام في الوجود التاريخي بيت المقدس، فقد سئل رسول الله ﷺ عن أول المساجد فذكر أمر البيت، قيل: ثم ماذا؟ قال: بيت المقدس؟ قيل: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماً.
فبعضهم يأتي بالتاريخ، ويقول: إن سليمان وداود كانا بعد إبراهيم ﵈ بزمن طويل أكثر من أربعين عاماً! ويهمنا أنه كان بعد البيت الحرام بأربعين عاماً كما أخبر ﷺ ، أما داود وسليمان فهما مجددان أيضاً، وقد حدد الله مكان بيت المقدس لنبي الله داود حينما أوحى إليه أن ابنِ لي بيتاً.
قال: وأين -يا رب- أبنيه؟ قال: حيث ترى الفارس المعلم شاهراً سيفه فرأى فارساً على فرسه شاهراً سيفه، في مكان لرجل من بني إسرائيل، فاستدعاه وطلب منه أن يبيعه المكان، فقدم إليه مائة ألف، فقال: بعتك.
ثم قال الرجل: يا نبي الله! أستنصحك -والدين النصيحة-: الثمن خير أم الأرض؟ قال: الأرض خير من الثمن.
قال: أقلني بيعي.
قال: اشتري من جديد.
قال: مائتي ألف.
قال: بعتك.
ثم قال: يا نبي الله! أستنصحك: الثمن خير أم الأرض؟ قال: بل الأرض.
قال: أقلني وتكرر ذلك خمس مرات، ووصلت المساومة إلى خمسمائة ألف، وبعد الخامسة استنصحه أيضاً، واستقاله فأقاله، ثم قال له نبي الله داود: اختر أنت ما تريد، وسمِّ ما شئت أدفعه إليك.
قال: أو تفعل؟ قال: نعم.
قال: تملأه لي نعماً إبلاً وبقراً وغنماً.
قال: أفعل.
ونادى في بني إسرائيل أن يملأوه له كما قال، فعدوا على الرجل ليلاً وأرادوا أن يقتلوه ويأخذوا الأرض، فأصبح الرجل وذهب إلى نبي الله داود، فقال: يا رسول الله! غصباً أم شراء ورضىً؟ قال: بل شراءً ورضىً.
قال: إن بني إسرائيل أرادوا قتلي وأخذي.
قال: لا.
فعرف مكان المسجد الذي أراده الله، وبنى بيت المقدس حيث رأى الفارس المعلم شاهراً سيفه.
فكان تحديد بيت المقدس من الله، وكان بناؤه على يد نبي من أنبياء الله.
стр. 512
بناء المسجد النبوي واختيار موقعه
وأما ثالث المساجد فحين قدم ﷺ مهاجراً نزل بقباء، وليست قباء هي محل النزول، وإنما كانت بمثابة المهلة، أو الاستقبال، أو التروي والتأني، ثم أخذ في طريقه إلى المدينة، وكان الطريق من بطن الوادي، وليس الطريق الموجود حالياً؛ لأن هذا أنشئ قريباً، وكانت قبائل المدينة من الأوس والخزرج تمتد من قباء إلى جهة الغابة، إلى رومة -بئر عثمان رضي الله تعالى عنه، فما مر بحي من الأحياء بين قباء والمدينة إلا كان أهل ذلك الحي في أهبة الاستعداد على الطريق، فيأخذون بزمام راحلته ويقولون: هلم إلينا يا رسول الله، هلم انزل عندنا، هلم إلى العدد والمنعة، والعدد والمنعة هما سر بيعة العقبة الثانية، وفيها أنه يأتي إليهم في المدينة فيحمونه ويمنعونه مما يحمون ويمنعون منه نساءهم وأبناءهم، فقولهم: هلم إلى العدد والمنعة أي: إلى البيعة التي بايعناك عليها، فما كان منه ﷺ إلا أن يجيبهم برفق ويقول: خلوا سبيلها؛ فإنها مأمورة.
وكانت كل قبيلة تقف هذا الموقف الشريف الكريم، ويجيبها بهذا الجواب اللين الرحيم، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في مكان المسجد أو بجواره، وبركت، فلم ينزل عنها أول الأمر، ثم قامت -وهو عليها- فدارت واستدارت والتفتت، ثم رجعت إلى المكان الأول وأناخت فيه، ومدت عنقها وحركت صدرها بمعنى أنها لن تقوم، وأن هذا هو المكان المعين، فقال ﷺ : (هو المنزل إن شاء الله) ، ونزل عنها، وكان هناك بيت أبي أيوب فنزل فيه.
والكلام عن هذا الذي فعله ﷺ في طريقة نزوله، حيث أخبر أن الناقة مأمورة، فإنه نبي يوحى إليه، وجاء بدين إلى وطن جديد، وإلى أمة كانت مختلفة فيما بينها، فترك أمره إلى ناقة عجماء وقال: إنها مأمورة، فكيف يفعل هذا؟ والجواب: أن هذا هو الحكمة النبوية؛ فإنه قدم المدينة وكان الأوس والخزرج في المدينة كفرسي رهان، وقد استمرت الحرب بينهما مائة سنة، وما وضعت أوزارها إلا قبل مجيئه ﷺ بخمس سنوات فقط، كما تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: كان الحيان متنافسين على الخير، وكانا متنافسين -قبل ذلك- على الشر في القتال.
فهداهم الله إلى الإسلام، واتحدوا على دين واحد، فجاء ﷺ إليهم بناء على بيعتهم وعلى ما تعاهدوا عليه، فلو أن الأمر كان له والاختيار من عنده وجاء ونزل عليهم فإما أن يكون نزوله على الأوس فهو على حساب الخزرج، أو أن يكون نزوله على الخزرج فيكون على حساب الأوس، ومن نزل عندهم سيعتزون بذلك ويفتخرون به على غيرهم، وتكون الحزازة في نفوس الآخرين والحسرة على ما فاتهم، وناله غيرهم، وهم في المنافسة سواء، وحينئذ تكون النفوس غير راضية أو غير طيبة، فيجد الشيطان مدخلاً لمنافسات أخرى، فإذا ما ترك أمره لغيره، لاسيما لناقة عجماء، وقال: إنها مأمورة فقد سد على الشيطان باب شر؛ لأن الذي يأمر الحيوان هو الخالق سبحانه، فمضت حيث أراد الله، ونزلت حيث أمرها الله.
فإذا نزلت عند هذا الحي من العرب أو ذاك، سواءٌ أكانوا أوساً أم خزرجاً فهل يعترض أحد أو يجد في نفسه من رسول الله ﷺ شيئاً؟! والجواب: لأنه لم يختر طريقاً على طريق، وإنما الناقة المأمورة، والآمر لها هو الله.
فبهذه الطريقة قضي على المنافسة، وقضي على المشاحة، وخرج ﷺ من ذلك الموقف بحكمة.
وأما الحي الذي نزل فيه، فقد اجتمعوا عليه، وكل أهل بيت يقولون: عندنا يا رسول الله! وكل يقول: هذا بيتي، هذا بيتي.
فعند من ينزل؟ وعلى حساب من؟ والواقع أنه هنا أيضاً لم يكن له اختيار، فقد نظر إلى ناقته فوجد الناقة عارية عن الرحل، فسأل: أين رحلي؟ قالوا: احتمله أبو أيوب إلى بيته.
فقال: المرء مع رحله فانتهت أيضاً مشكلة البيوت في الحي الواحد.
ونزل ﷺ في بيت أبي أيوب، وكانت أمام البيت ساحة ونخيل وماء، فقال: لمن هذا النخيل؟ قالوا: لـ سعد وسهيل يتيمان عند أبي عتبان أو عند غيره، فاستدعاه فقال: ثامنيِّ على هذه الأرض.
قال: يا رسول الله! إنها لأيتام في حجري، وهي لك بلا ثمن، وأنا أعوضهم عنها أرضاً خيراً منها ثمناً.
قال: لابد أن تثامنني عليها.
وتمت المثامنة بعشرين ديناراً، ودفعها أبو بكر الصديق ﵁، فشرع ﷺ -حالاً في قطع- النخيل، وتسوية الأرض، وإقامة المسجد، فأقيم لأول مرة على جذوع من نخل، ويمكن أن يُعرف حد المسجد الأول بالحد الموجود الآن، فسعى خلف الروضة أعمدة فيها خطوط مستطيلة مذهبة، وفي وسطها مثل الورد أو الزهرة، وتمتد بعد المنبر إلى الغرب سارية واحدة إلى الحجرة الشريفة، فهذا هو حد المسجد النبوي الأول.
ثم بعد ذلك -بعد العودة من خيبر، في السنة السابعة- جدد النبي ﷺ المسجد بزيادة أخرى، ثم في عهد عمر رضي الله تعالى عنه، ثم عثمان، وهكذا إلى أن وصل المسجد إلى ما هو عليه الآن.
وأردنا بهذه المقدمة أن نبين أن الله أولى المساجد عناية، وأن أول بيت وضع للناس هو البيت الحرام أو الكعبة المشرفة، وبتحديد وبيان من الله لإبراهيم، وبناه الخليل ﵇ مع ابنه إسماعيل، ثم بيت المقدس أيضاً بعناية من الله، وبناه نبي الله داود، ثم المسجد النبوي الشريف، وبناه وشارك في بنائه ﷺ ، ثم تسابق الملوك والسلاطين في أن ينال الواحد منهم شرف عمارة أو تجهيز أو إصلاح أو غير ذلك في المسجد النبوي.
أما مهمة المساجد في الإسلام فهي عظيمة، ويتضح لنا ذلك من مهمة أهم المساجد في الإسلام، أو أول مسجد بناه الرسول ﷺ ، والأولية هنا هي الأحقية، أما الأولوية الزمنية فقطعاً كانت لمسجد قباء، والأولية الأحقية لهذا المسجد النبوي الشريف، وقد ورد في فضل مسجد قباء: (من تطهر في بيته، وأتى مسجد قباء وصلى صلاة -أو: وصلى ركعتين- كانت له كأجر عمرة) ، وخص المسجد النبوي بحديث: (صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة -أو خير من ألف صلاة- إلا في المسجد الحرام) ، فهو المعبد الذي تتضاعف فيه الصلاة إلى ألف صلاة، والألف صلاة تعدل صلاة عدة شهور، وإن شئت فاقسم الألف على خمسة، ثم اقسمها على ثلاثين، لتعرف كم تعدل الصلاة الواحدة من شهور.
والذي يهمنا أن المضاعفة ذاتية وليست عددية، بمعنى أنه لو أن إنساناً عليه صلاتان فائتتان، وصلى صلاة الفريضة في المسجد النبوي لصلاة يومه، وكانت تعدل ألف صلاة فإنها لا تسقط الفريضتين اللتين في ذمته لله؛ لأن الصلاة التي وصلت إلى الألف إنما هو في ذاتها، وفي ثوابها، وفي نورها، وفي بركتها، أما إجزاؤها عن صلوات أخرى فلا.
стр. 513
توسعة المسجد النبوي ومضاعفة الأجر فيها كبقية المسجد
هنا بحث للمتقدمين والمتأخرين في مسألة مهمة جداً، وهي قديمة متجددة، فقوله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة) كان قبل الزيادات التي زادها غيره ﷺ من بعده، وأول الزيادات زيادة عمر، ولها قصة طويلة.
فإنه لما أراد عمر أن يزيد في المسجد ندب الناس، وقال: لقد ضاق المسجد بالمصلين، ونريد أن نوسع في المسجد للناس، فجاء إلى العباس، وكانت بيوت العباس في جهة الغرب، وكذلك خالد بن الوليد، وكانت ديار آل عمر في القبلة، وبقايا حجرة حفصة رضي الله تعالى عنها مقابلة لحجرة عائشة، وكانتا تتبادلان الحديث من كوة -أي: من طاقة- في الجدار، وتتناولان الحاجة بأيديهما لقرب ما بينهما.
ولما توفي عمر ﵁ اشترى أمير المدينة الأول لبني أمية دار عمر، وجعلها سكناً له، ثم رأى المؤذن ينظر إلى بيته فترك السكنى، وجعلها دار الإمارة، ثم جعلها دار القضاء، وكانت في محل المحكمة الأولى بجانب مكتبة المدينة، وهي المكتبة التي كانت في القبلة.
فأول من زاد في المسجد عمر رضي الله تعالى عنه، فزاد من القبلة ومن الغرب، ولما أراد الزيادة من الغرب كانت هناك دور للعباس، فأتاه وقال: نريد بيتك نوسع به المسجد.
قال: لا.
وقال: لابد؛ لأن المسجد فيه الحجرات، ولا يمكن أن نمسها، ولابد أن نتوسع إلى الغرب.
فامتنع عليه، وقال: ألأنك أمير المؤمنين تغصبني؟! قال: لا أغصبك، واختر من نحتكم إليه.
فاختار أُبي بن كعب، فذهبا إليه، فقال: هلم يا أمير المؤمنين.
قال: ما جئتك أميراً للمؤمنين، جئتك متقاضياً مع العباس، فقال: ما أمرك؟ قال: كذا وكذا وكذا.
وذكر له أنه قال للعباس: أعطني بيتك، أقطعك أرضاً أو أبني لك بيتاً، أو أعطيك من بيت المال ما يرضيك.
فامتنع العباس عن كل ذلك، فقال له أُبي: ألا أخبرك؟ وذكر له قصة داود ﵇ في بناء بيت المقدس ومساومته للرجل، فقال عمر: والله ما أردته لنفسي، وإنما أردته للمسلمين، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يذكر التوسعة ما فكرت في توسعته.
فلما خرجوا قال له العباس: يا عمر! أنتهيت؟ قال: نعم.
قال: ألك عندي شيء؟ قال: ليس لي عندك شيء.
قال: البيت لوجه الله، وأدخله عمر ووسع فيه.
وحينما وسع عمر المسجد وأدخل فيه دار العباس، وجزءاً من جهة القبلة في حدود بيت عمر، رأى عمر بعض الناس يتجنب الصلاة في تلك الزيادة، فوقف خطيباً وقال: إني لأرى كذا وكذا وكذا، ووالله إنه لمسجد رسول الله ﷺ -أي: الشامل لتلك الزيادة-، وهي ضمن مسجد رسول الله ﷺ الذي قال فيه: (صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة) ، إنه لمسجد رسول الله ﷺ ، ولو امتد إلى ذي الحليفة -وفي بعض الروايات: إلى صنعاء-، وليس بمعقول أن المسجد سيمتد إلى صنعاء، ولكن من باب المبالغة والتأكيد.
ومن هنا علمنا أن كل زيادة أضيفت إلى المسجد النبوي في أي زمان كان فإن المسجد النبوي يتناولها، وفضيلة المسجد من أول ما بني تشملها، وهي الأجر بألف صلاة.
стр. 514
حال المساجد في صدر الإسلام
المسجد معبد تتضاعف فيه الصلاة، والمضاعفة شاملة لكل الزيادات، وكان المعهد الأول والجامعة الأولى في كل علوم الدين والدنيا، وكان -كما يقول بعض الكتاب- المدرس الأول هو جبريل ﵇، فالآن في نظم الجامعات، كل مادة لها مدرس أول صاحب كرسي، وهو المسئول عن تلك المادة، فمادة الفقه أو مادة الحديث التوحيد أو الأصول يكون لها عدة أشخاص يدرسون المادة لكثرة الفصول والطلاب، ولابد في كل مادة من مدرس أول، مسئول عنها، فإذا اختلف مدرسوها في جزئية يكون هو المرجع فيها.
فيقول بعض الكتاب: كان المدرس الأول في الجامعة المحمدية جبريل ﵇، وكان ﷺ يتلقى عن جبريل، وجبريل يتلقى عن رب العالمين، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتلقون عن رسول الله ﷺ ، ثم تلقى عنهم التابعون، وانتشر الصحابة في العالم، فانتشر العلم من المسجد النبوي الشريف، وفي مكة كانت مدرسة ابن عباس، وبعده تلاميذه كـ عطاء وغيره، وكان في الشام الأوزاعي وغيره، وفي مصر الليث بن سعد، وفي البصرة الحسن البصري، وفي العالم كله انتشر العلم الإسلامي والديني بما في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ومبدأ انتشاره من هذه الجامعة الأولى.
وكان المسجد -أيضاً- داراً للقضاء، يقضي فيه رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده، وكان كذلك بيت مال المسلمين، فحينما جاء مال البحرين وضع في المسجد، وقام عليه أبو هريرة حارساً، وحصلت له قصته مع الجني الذي كان يأتي بالليل ليسرق منه، وأخذه مرتين وأمسكه، واعتذر إليه، فأطلقه، وفي المرة الثالثة أقسم ليذهبن به إلى رسول الله ﷺ وهو لا يعلم أنه جني، فقال: دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها.
ثم قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
فتركه، فلما غدا على رسول الله ﷺ بعد المرة الثالثة قال: (ما فعل أسيرك البارحة؟ فأخبره أبو هريرة فقال: صدقك وهو كذوب، ثم قال: أتدري من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة؟ فقال: لا.
قال: ذاك شيطان) .
والكاذب قد يصدق، ثم بدأ ﷺ يقسم ذلك المال.
ويقول بعض الكتاب أيضاً: لقد تولى المسجد مهمة المستشفى العسكري، وذلك أن سعداً ﵁ لما أصيب بسهم في الخندق نصبت له خيمة في هذا المسجد ليكون قريباً فيعوده رسول الله ﷺ ، وقد سأل ربه: (إن كنت أبقيت حرباً لقريش فأبقني إليها، وإن لم يكن ذلك فاجعل إصابتي شهادة، وأن تقر عيني في بني قريظة) ، فلما نقض بنو قريظة العهد في الخندق، وحاصرهم رسول الله ﷺ قالوا: ننزل على حكم سعد، فلما جاء سعد حملوه من المسجد إلى محلهم هناك، فقال: حكمي على من كان هاهنا؟ قالوا: نعم، وحكمي على من كان هنا؟ قالوا: نعم.
والرسول ﷺ في إحدى الجهتين، قال: كلكم رضيتم بما أحكم به؟ قال الجميع: نعم.
قال: حكمت فيهم.
بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى نساؤهم، وذراريهم، فقال ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع طباق، -أي: السماوات السبع-) ، ثم رجع فانتقض عليه جرحه فمات رضي الله تعالى عنه.
وكان المسجد -أيضاً- موضعاً للفتوى، وكان فيه عدة مهام يؤديها، وكذلك المساجد التي أنشئت فيما بعد، وأولى تلك المساجد الكبيرة أو الجوامع كانت في مصر، فكان مسجد عمرو بن العاص، جامعة ترتب فيه الدروس والعلوم، وانتشر العلم من تلك الجوامع، وكذلك في قرطبة، وكذلك في تونس، وكانت تبنى المساجد على أنها مدارس، ولطلاب العلم فيها حظ كبير.
إن للمسجد في الإسلام دوراً عظيماً، ورسالته عظيمة، فإمامه يكون صاحب علم، ويكون مفتياً للحي، ويمكن أن ينظم شئون المنطقة، ويمكن أن يصلح بين من تخاصم فيها، ويصلح ذات البين، ويمكن أن يرجعوا إليه فيما نابهم، وكذلك يعلم الجاهل.
إلخ.
وكانت المساجد -أيضاً- تشتمل على الكتاتيب لتحفيظ الصغار القرآن الكريم.
ولعل هذا القدر يعطينا أهمية المسجد في الإسلام، وما ينبغي علينا من العناية برسالته، سواءٌ أكان للجمعة، أم كان للقاءات أخرى، أم كان للتعليم، أم كان للإصلاح بين الناس، أم كان لتلاقي أفراد المجتمع، وذلك بتلاقي أفراد كل حي في مسجدهم، فيتعرف بعضهم على أحوال بعض.
ومن هنا نعلم أهمية هذا الحديث: (أمر رسول الله ﷺ -وهذا أمر إلزام- أن تبنى المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب) ، وذلك لأهميتها ولعظم رسالتها
стр. 515
فضل طلب العلم في المساجد، وفضله في المسجد النبوي
ليعلم الجميع أن طلب العلم في المساجد محاط بالبركة؛ لأن الإنسان إذا جلس في بيت من بيوت الله، وتذكر عظمة المكان، وسمع الشيخ يقول: قال الله قال رسوله ﷺ .
كان على استعداد أكثر لاستقبال المعلومات، وقد خص النبي ﷺ المسجد النبوي الشريف بطلب العلم، فقال فيه: (من راح إلى مسجدي هذا لعلم يُعلِّمُه أو يتعلمه كان كمن غزا في سبيل الله) فخص المسجد النبوي الشريف؛ لأن المسجد النبوي كان مقراً لقيادة الإسلام، فكانت تعقد فيه الألوية للسرايا، وكانت تعقد فيه ألوية الجيوش، وكان يعقد فيه عهد الصلح.
وقد نص القرآن الكريم على أن طلب العلم قسيم للجهاد في سبيل الله، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢] ، فالذين ينفرون يجب أن ينقسموا قسمين: قسم في سبيل الله للقتال، وقسم لحلق العلم والتعلم لينذروا قومهم، وليعلموا قومهم، ومن هنا أخبر ﷺ عن مسجده -حيث كان مقراً للقيادة وتوجيه الجيوش وعقد الصلح- بأن طلب العلم فيه كالجهاد في سبيل الله، ولقد جربنا ولمسنا مدى البركة في هذا المسجد، سواءٌ أكان في الطلب أم في غيره، والله أسأل أن يعيد المساجد إلى رسالتها، وأن يعيد المسلمين إلى بيوت ربهم.
وبالله تعالى التوفيق
стр. 516
كتاب الصلاة - باب المساجد [٢]
إن الإسلام قائم على أساس إخلاص العبادة لله ، ولما كان أهل الكتاب قد انحرفوا في هذا الباب فبنوا المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وأخل كثير منهم بمبدأ الإخلاص، شدد الإسلام في ذلك خشية على أتباعه من أن يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم، فشدد في تحريم اتخاذ القبور مساجد، ولعن فاعل ذلك، وحذر منه أشد التحذير، وكل ذلك صيانة لجناب التوحيد، فلا يجتمع في الإسلام قبر ومسجد أبداً، وإن وجد ذلك فلابد من هدم أحدهما، فيهدم الطارئ ويكون الحكم للسابق.
стр. 517
تابع أحكام المساجد
стр. 518
حكم اتخاذ القبور مساجد
قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) متفق عليه، وزاد مسلم: (والنصارى) .
ولهما من حديث عائشة: (كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً) ، وفيه: (أولئك شرار الخلق) ] .
أن ذكر المؤلف ﵀ الأمر ببناء المساجد في الدور ذكر بعض المخالفات المنكرة المتعلقة بتشييد المساجد، ثم ذكر بعد ذلك بعض الأحكام التي تتعلق بحرمة المسجد.
ثم جاء بعد ذلك بالتحذير مما كان من الأمم قبلنا، وهو قوله ﷺ : (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ، وزاد مسلم: (والنصارى) .
الطرد، وفي هذا الأمر ينظر في الفعل واستحقاق فاعله اللعن، وينظر في لعن المعين كيهودي أو نصراني وهو ما زال على قيد الحياة.
قالوا: اللعن لا يتأتى إلا إجمالاً، فتقول: لعن الله الكافرين، والمشركين، واليهود، والنصارى، والمجرمين، والظالمين، والطغاة، أما الشخص المعين فلا يجوز لك أن تلعنه، ولو كان كافراً مشهراً كفره، أو ظالماً معلناً ظلمه؛ لأن اللعن بالوصف يعم، ولا يتقيد بشخص، فما دام الوصف موجوداً توجه إليه، أما الشخص بذاته فقد يتوب الله عليه، وأنت قد عينته فألحقت به اللعنة، وقد يتوب عن موجبها، فتكون وصمته بذلك، والله قد تاب عليه مما كان فيه.
أما إذا مات على ذلك الحال -على الكفر خاصة- فهو كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] ، فمن مات على الإسلام -مهما كانت حالته، من تقصير أو عدم أداء لواجب- لا يجوز لعنه؛ لأن أمره مفوض إلى الله وما دام أمره لله، فلا نتدخل نحن في ذلك، ولا نحكم عليه بخير ولا بشر، نعم نحكم بأنه كان على وصف كذا، أما مصيره في الآخرة فليس لنا ذلك.
فهنا اللعن على جملة اليهود، وعلى جملة النصارى جاء مسبباً، بقوله ﷺ : (اتخذوا -أي: ابتدعوا، وابتكروا، وفعلوا- قبور أنبيائهم مساجد -وتأتي التتمة- وصالحيهم) .
стр. 519
إشكال وجواب
وهنا إشكال يرد على قوله: (اتخذوا قبور أنبيائهم) ، فالأنبياء: جمع نبي، أما اليهود فقد جاءتهم رسل وأنبياء، ولكنهم كانوا يكذبونهم ويكفرون بهم ويقتلونهم، كما قال تعالى:: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] يعني: أن اليهود أتتهم رسل عديدة، أما النصارى فلم يأتهم إلا رسول واحد، وهو عيسى ﵇، فما هو التوجيه لقوله ﷺ : (اتخذوا قبور أنبيائهم) بالجمع، وكيف يصدق على النصارى؟ قيل: هذا اللفظ صادق على واحد لا بعينه، فهو دائر بينهما، وهو يصدق على اليهود، فيكفي ذلك.
وقيل: إن مجموع أنبياء اليهود، أو أنبياء بني إسرائيل يعتبرون أنبياءً للنصارى؛ لأن النصارى مكلفون بالإيمان بالنبي الذي أتاهم -وهو عيسى ﵇ وبالأنبياء الذين جاؤوا من قبل، فأنبياء بني إسرائيل يعتبرون أنبياءً للنصارى، كما أن الإسلام أمر المسلم أن يعلن إيمانه بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ، ولهذا كان الحكم في الإسلام أن من كفر برسول واحد فكأنما كفر بجميع الرسل؛ لأن أمرهم واحد، فقد قال ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء آبناء علات، ديننا واحد) ، والعلات: جمع علة، وهي الزوجة بعد الزوجة، أي: إن الرجل يكون تحته عدة نسوة، وتأتي كل امرأة بولد، فهؤلاء الأولاد أبناء علات والأب واحد، وهذا التشبيه منه ﷺ معناه أن الرسل وإن تعددوا في أممهم فإن مرجعهم واحد، وهو الوحي من الله واصطفاء الله إياهم، وهم رسل الله سبحانه ﷻ .
فقالوا في قوله:: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم) الجمع في الأنبياء يعم اليهود بالواقع والمطابقة، ويشمل النصارى بالعقيدة واللازم؛ لأنه يلزمهم الإيمان بجميع أنبياء بني إسرائيل، وجاء الأمر إلينا، وألزمنا بالإيمان بجميع رسل الله من علمنا ومن لم نعلم، قال تعالى عن الأنبياء: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] ، فنحن نؤمن بكل رسول أرسله الله ، ولو لم نعلمه.
قوله: (اتخذوا قبور) القبور: جمع قبر.
قوله: (مساجد) معناها: أن القبر قد وجد، ثم جاءوا إلى هذا القبر واتخذوه مسجداً، وعلى هذا يقول العلماء -في حكم المسجد مع القبر-: الحكم للأسبق، فاليهود لعنوا لأنهم جاءوا إلى القبور واتخذوها مساجد، أما لو كان المسجد موجوداً، ثم جيء إلى المسجد واتخذ فيه القبر، فيكون المسجد هو الأسبق، والحق له، ولا حق للقبر.
стр. 520
الغلو في تعظيم الصالحين طريق إلى الشرك
قالوا: ما اتخذ اليهود قبور أنبيائهم إلا تعظيماً لهم، وتعظيم الأنبياء باتخاذ القبور مساجد سيؤدي إلى الانحراف في العقيدة، وقالوا: إن أول ما أشرك بالله إنما كان بسبب الغلو في الصالحين، كما حصل في يغوث ويعوق ونسر، وكانوا رجالاً صالحين، فجاء الشيطان إلى أبناء أولئك الناس، وقال لهم: إن آباءكم وأجدادكم كانوا رجالاً صالحين، ولهم عليكم حق، فعليكم أن تدعوا لهم، فكانوا يدعون لهم، ثم جاء إلى الجيل الثاني وقال: لا يكفي هذا الدعاء، إنما عليكم أن تشركوهم في العبادة.
ففعلوا، فقال: إنكم لم تفعلوا مثل من كان قبلكم.
فقالوا: كيف نفعل؟ قال: مثلوا لهم تماثيل واجعلوها في مساجدكم، حتى إذا رأيتموهم نشطتم في العبادة وعبدتم الله كما كانوا يعبدونه، ففعلوا على حسن النية، وتركهم، حتى جاء جيل ثالث فقال لهم: أنتم عاصون لآبائكم؛ لأن آباءكم ما صوروا هذه التماثيل للناس الصالحين في المسجد إلا ليجعلوا لها جزءاً من صلاتهم، فعليكم أن تجعلوا لها جزءاً من الصلاة، فجعلوا لها جزءاً من الصلاة مع صلاتهم لله سبحانه، ثم تركهم على هذا الشرك الأولى، وهو أول افتراقهم عن الصراط السوي، فجاء بعد ذلك وقال للأجيال بعدهم: أنتم تكلفون أنفسكم شططاً، فلماذا تتكلفون وتأتون إلى المعابد؟! خذوا هذه التماثيل واجعلوها في بيوتكم، وكل قبيلة تجعل لها تمثالاً، وكل أسرة تجعل لها تمثالاً، وتؤدي حقها في بيتها، ولا حاجة إلى المجيء هنا، فاتخذت القبائل الأصنام، واتخذت الأسر الأصنام، وانصرفت العبادة كلها للأصنام من دون الله، أي أن الشيطان صبر في دعوته على أربعة أجيال في أربعة قرون، وأخذ يحولهم ويزحزهم حتى ذهبوا عن الطريق السوي.
فمن هنا كان اتخاذ القبور مساجد ذريعة إلى الشرك والوقوع فيه، ومن هنا نعلم سبب النهي عن الصلاة في المقابر، وتقدم لنا أن المقابر من المواطن السبعة التي نهي عن الصلاة فيها، اللهم إلا صلاة الجنازة؛ لأن صلاة الجنازة ليس فيها ركوع، وليس فيها سجود، أما الصلوات الخمس أو النوافل فإنك إذا جئت عند القبر، واستقبلته وركعت وسجدت في أصله، فما كان للمشاهد إلا أن يقول: إنه يركع ويسجد للذي أمامه، فتكون صورة شرك، ولو لم يكن الشخص يقصد الشرك، كما نهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأنها تكون حينئذ بين قرني شيطان، فإن الشيطان عند شروقها وعند غروبها يأتي ويستقبلها بقرنيه، وهناك عباد للشمس يسجدون لها عند الشروق، ويسجدون لها عند الغروب، فيُرى الشيطان وقد قرن قرنيه بالشمس، فيوهم أتباعه وجنوده أن أولئك الذين يسجدون للشمس إنما يسجدون له هو، وهذا تدليس منه وإيهام.
ويتفق العلماء على أن النهي في هذه المسائل إنما هو لسد الذريعة، ولحماية جناب التوحيد، كما يقول السلف ﵏.
стр. 521
حكم الصلاة في المساجد التي توجد فيها قبور
بقي عندنا حكم ما لو جئنا إلى مسجد ووجدنا فيه قبراً.
في هذه الحالة: إذا وجد القبر أولاً ثم بني عليه المسجد فلا تصح الصلاة فيه.
أما إذا كان المسجد أولاً، وجاء صاحب المسجد وأوصى أن يدفن فيه، أو دفن فيه أباه، أو دفن شخصاً عزيزاً عليه، فالمسجد سابق، والدفن فيه لاحق، ثم ينظر إلى هذا القبر الذي دخل على المسجد أين موقعه من المصلين؟ فإن كان في قبلة المصلين مباشرة فلا تصح الصلاة إليه، وإن كان في مؤخرة المسجد والسجود بعيد عنه فالصلاة صحيحة، وإن وجد مسجد آخر فهو أولى، وإن كان القبر عن يمين المصلين أو عن يسار المصلين وليس هناك استقبال للقبر فالصلاة صحيحة، فهذا ما يتعلق بهذا الحديث، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد.
فإذا كان ذلك في قبور الأنبياء والمرسلين إلى أممهم، فكيف بقبور غيرهم، فإن النهي عن اتخاذها مساجد من باب أولى، واستحقاقهم اللعن بذلك ما قاله ﷺ إلا تعليماً للأمة، فمعنى ذلك أن اللعن لليهود والنصارى بسبب فعلهم، والتعليم لنا، وإلا لما كانت هناك فائدة من هذا الإخبار.
وهنا مأخذ دقيق جداً، يبدو لي أنه أقوى دليل في هذا الموضوع، ولو لم يأت هذا الحديث، فإننا نقرأ في صلاتنا سورة الفاتحة، وبعد المقدمة والثناء على الله سبحانه والإقرار له بالربوبية والإقرار بعبوديتنا له واستعانتنا به نتوجه بطلب هو أعز ما يكون على الإنسان في حياته، فنقول: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٦] والهداية ضد الضلال، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ثم جاء التفصيل نوعاً ما: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] وقد جاء بيان الذين أنعم عليهم بقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] .
فقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] يعتبر كافياً في بيان الحق الذي يجب على المسلم لزومه، ولكن لشدة الحاجة إلى الإيضاح والتأكيد على البعد عن الباطل بين سبحانه الطريق المخالف للحق، فقال سبحانه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ، فكأن الاستقامة أو الهداية إلى الاستقامة إنما هي طريق معتدل بين طرفين مختلفين هما: فريق المغضوب عليهم، وفريق الضالين.
ومن هنا نعلم أن من وافق كلتا الطريقتين، أو أحد الفريقين فيما كان من خصوصياته فقد جانب الصراط المستقيم، ولحق بأولئك الذين وافقهم أو تابعهم، أي: في الجزئية التي تابعهم فيها، فكل من بنى على قبر مسجداً فهو بهذا النص الكريم لم يتبع الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، ولكن اتبع أحد الطريقين: إما المغضوب عليهم، وإما الضالين.
ويقول العلماء: كل من ترك العمل بما علم فهو مغضوب عليه، وكل من عمل بغير علم فهو ضال، ولهذا خصّ اليهود بالغضب، والغضب أشد من الضلال؛ لأن الضلال قد يكون لجهالة، وقد يكون لعذر، والضال قابل للتعليم، وقابل للرجوع، وقابل للهداية، أما المغضوب عليه فقد انتهى أمره بما هو فيه من الخطأ والإصرار على ما هو عليه.
стр. 522
الفضيلة وسط بين رذيلتين
وعلماء الأخلاق يقولون: إن الفضيلة وسط بين طرفين، وهذا في جميع الأمور، فإذا جئت في الإسلام فالصراط المستقيم وسط بين الإفراط والتفريط، ومن هنا لا يجوز للإنسان أن يفرط أو يقصر، أو أن يزيد فيما شرع الله، ولما جاء النفر الثلاثة إلى أم المؤمنين عائشة، وسألوها عن عبادة رسول الله ﷺ في بيته، وأخبرتهم أنه ينام ويقوم، ويفطر ويصوم تقاّلوا ذلك، وقالوا: عبد غفر له ما تقدم من ذنبه، وأين نحن؟ فقال أحدهم: أما أنا فسأصوم ولا أفطر.
وقال الثاني: وأما أنا فسأقوم الليل ولا أنام وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء.
فسمعت ذلك من وراء الحجاب، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته، فصعد إلى المنبر، وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما أنا فإني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، فهذا إفراط في العبادة، والإفراط في العبادة ينقطع بصاحبه، (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) .
فإذا ركبت جوادك تريد مكة أو نحوها، فأجهدت الجواد بأقصى قوته، فسيتعب ويهلك، فلا أنت قطعت مرحلة سفرك، ولا أنت أبقيت على جوادك، ولكن إذا أخذته بالرفق، ومشيت بقدر استطاعته، وإذا وجدت مرعى تركت له الفرصة ليشبع، وإذا وجدت ماء سقيته، وإذا شعرت بشدة الحر آويته إلى الظل، فإنك تستطيع أن تواصل السير عليه، ولو مشيت به الأرض كلها؛ لأنك تأخذه على طاقته.
ولما جاء الأعرابي وسأل عن الصلاة وسأل عن الصيام قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص.
فقال ﵊: أفلح إن صدق.
فالفضيلة وسط بين الطرفين، لا أن يقصر فيما وجب عليه، ولا أن يزيد فيما لم يكلف به كما في الحديث: (اكلفوا من العمل ما تطيقون، فلن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه) .
فالفضيلة وسط بين طرفين، فالبخل والتبذير طرفان مذمومان، والكرم وسط بينهما، فالكريم ليس ببخيل ممسك، وليس بمبذر متلف، ولكنه في وسط، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧] فهذه هي الوسطية في هذا الباب.
وكذلك الشجاعة وسط بين الجبن والتهور، فليس الشجاع بجبان يمتنع عن المصارعة والمقاتلة، وليس بمتهور إذا جاء إلى القتال يرمي بنفسه، ولا يدري من أين المخرج، وكذلك في العبادات، فالتوسط: عدم الإفراط والتفريط فاليهود فرطوا لأنهم قصروا في أمور العبادات واحتالوا على المحرم، كما في عملهم في يوم السبت، فلما حرموا على أنفسهم يوم السبت امتحنهم الله، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣] ، فما استطاعوا أن يصبروا، فاحتالوا وألقوا الشباك يوم الجمعة، فعلقت فيها الحيتان يوم السبت، فأخذوها يوم الأحد، وقالوا: نحن في السبت لم نعمل شيئاً، وكنا في بيوتنا.
وكذلك لما حرم الله عليهم بعض الشحوم أخذوها فجملوها وأذابوها، فباعوها وأكلوا ثمنها، وقالوا: نحن لم نأكل الشحم.
ففرطوا في العبادات.
وانظر أيضاً إلى ما قالوه في عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لما جاءت به مريم ﵍، قومها تحمله كما قال تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٧-٢٨] ، فانظر إلى أي حد ذهبوا، بينما النصارى قالوا: هو ابن الله، هو ثالث ثلاثة.
فأي فرق بين القولين؟ فبينهما ما بين السماء السابعة وتحت الثرى.
والإسلام قال: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ولذا فـ النجاشي لما سمع ذلك من جعفر الطيار في الهجرة إلى الحبشة الأولى هبط إلى الأرض، وأخذ قشة من الأرض وقال: ما زاد صاحبكم على ما جاء في عيسى ولا مثل هذه القشة.
فالإفراط والتفريط متغايران، فاليهود أخذوا جانب التفريط، والنصارى أخذوا جانب الإفراط.
والتوسط في العبادة إنما هو في الإسلام، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا﴾ [الجمعة:٩-١٠] ، فساعة الذكر تذهب إليها، وساعة عمل الدنيا تذهب إليها.
ثم إن الإنسان يتكون من مادة وروح، والمادة هي الجسم، وهو بيت تسكنه الروح، وكل له غذاؤه، فالجسم يحتاج إلى الطعام والشراب؛ لأنه من الأرض ومن مادتها، ويخلد إليها، والروح تحتاج إلى العبادة والذكر؛ لأنها نورانية تسموا إلى الملأ الأعلى، وغذاؤها العبادة، وفمن غلب جانب المادة على الروح ففيه شبه من اليهود، ومن غلب جانب الروح على المادة ففيه شبه من النصارى.
стр. 523
وصف الصحابة في التوراة والإنجيل قائم على وسطيتهم بين الإفراط والتفريط
نجد القرآن الكريم يصف أصحاب محمد ﷺ بما وصفوا به في التوراة والإنجيل- لأهل التوراة والإنجيل، وذلك الوصف قائم على أساس هذا المبدأ، وأن النصارى مفرطون واليهود مقصرون.
قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧] ، ثم قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩] .
فانظر إلى هذا الوصف: (ركعاً سجداً) ، فهل اليهود ركع سجد؟ وقال الله: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) وهل اليهود يبتغون ما عند الله، أو يبتغون الدنيا؟ وقال تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) بخلاف القترة والغبرة على وجوه اليهود عياذاً بالله.
وقال تعالى: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ) أي: أصحاب محمد ﷺ (فِي التَّوْرَاةِ) ، والتوراة لليهود؛ ليعلموا أن أصحاب محمد ﷺ ليسوا كمثلهم.
قال تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ [الفتح:٢٩] والإنجيل للنصارى.
﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] .
فانظروا إلى هذا المثل، هل هو مثل عبادة، أم مثل عمل واستثمار وإنتاج؟ إنه عمل واستثمار وإنتاج، فهو زرع يخرج شطأه يؤازر بعضه بعضاً، فيعجب الزراع ويبتهج به الزارع إذا رآه؛ لأن النصارى أهملوا أمور الدنيا وأمعنوا في أمور الروح كما قال تعالى عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] .
فالنصارى ذهبوا في الرهبانية، وتركوا الدنيا، فجاء مثل أصحاب محمد ﷺ في الإنجيل بالعمل الدائب، والإثمار والإنتاج، ليردهم عما هم عليه، وجاء في حق اليهود أن مثل أصحاب رسول الله ﷺ هو ما قاله تعالى عنهم: ﴿رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الفتح:٢٩] ، وهذان مثلان يبينان أن كلتا الأمتين قد غايرت الطريق فأفرطت في جانب، وفرطت في جانب آخر، وعلى هذا جاء في هذا الحديث أن اليهود لعنهم الله؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وكان ذلك سبباً في التوصل إلى عبادة غير الله.
والله أعلم.
стр. 524
كتاب الصلاة - باب المساجد [٣]
إن المساجد معظمة ومحترمة عند المسلمين، فلا يجوز للمشركين دخولها إلا لحاجة وبإذن من المسلمين، وهذا على رأي بعض العلماء، وأما المسجد الحرام فلا يجوز لغير المسلمين دخوله أبداً، وما ذلك إلا لعظمته عند الله، وهناك آداب خاصة بالمساجد منها: أن لا يُنشد فيها الشعر إلا ما كان مباحاً ولغرض شرعي، وأنه لا يجوز إنشاد الضالة في المساجد، فإن المساجد لم تجعل لذلك.
стр. 525
تابع أحكام المساجد
стр. 526
حكم دخول الكافر إلى المسجد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث النبي ﷺ خيلاً فجاءت برجل، فربطوه بسارية من سواري المسجد.
الحديث) متفق عليه] .
هذا الحديث -كما يقول الشراح- له قصة، وهي أن الرسول ﷺ بعث خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل، -وسمي في غير هذا الحديث- وهو ثمامة بن أثال، وكان سيداً من سادات وادي بني حنيفة في نجد، فأخذ أسيراً، فجيء به فربط في سارية المسجد، وهذا هو موضع الدلالة، حيث أن ثمامة رجل مشرك أخذ أسيراً وأدخل المسجد وربط فيه، وهذا حكم من أحكام المساجد.
فلما ربط في سارية من سواري المسجد كان ﷺ يأمر له بحلب سبع شياه فيشربه، ويمر عليه كل غداة ويقول: كيف بك يا ثمامة؟ فيقول -وهو في الأسر-: يا محمد! إن شئت مالاً أرضيتك، وإن مننت مننت على كريم، وإن قتلت قتلت ذا دم لأن الله قد قال في حق الأسير ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] ، فالأسير إما أن يفادى بالمال، وإما أن يمنَّ عليه ويطلق سراحه بلا فداء، وإما أن يقتل، وكونه يسترق شيء آخر.
فكان يقول: إن ترد مالاً -يعني: فداءً- أرضيتك، أي: أعطيتك الذي ترضى.
وإن تمنن -أي: تطلق سراحي بدون فداء- مننت على كريم -والكريم لا تضيع عنده الصنيعة-، وإن قتلت قتلت ذا دم.
أي: فدمي لن يذهب سدى، بل ستجد من يطالب به، فهو يهدد وهو في الأسر؛ لأنه سيد من سادات قومه، فتركه على هذه الحالة ثلاثة أيام.
ثم مر عليه في اليوم الرابع فقال: أطلقوا ثمامة.
فأطلقوه، فجاء إلى بعض الحاضرين في المسجد وقال: ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟ قالوا: تذهب فتغتسل، وتأتي إلى النبي ﷺ فتشهد بشهادة الحق.
فذهب إلى بيرحاء -وبيرحاء كان شمالي المسجد، وكان يبعد عن باب المجيدي حوالى ثلاثين أو أربعين أو خمسين متراً، وكان بستاناً قريباً- فاغتسل في الضحى، وفي صلاة الظهر استقبل النبي ﷺ وشهد شهادة الحق.
ثم قال: يا رسول الله! أخذتني خيلك وأنا في طريقي إلى العمرة، فما ترى علي؟ قال: امض وأكمل عمرتك.
فمضى إلى مكة، فبلغ مكة خبر إسلامه، وهناك ضيقوا عليه وآذوه لأنه أسلم، فلما رجع إلى وادي بني حنيفة منع الميرة أن تأتي من هناك إلى مكة، وكان وادي بني حنيفة في ذلك التاريخ يمول الحجاز، فقد كان مخصباً ومنتجاً وذا زرع، فمنع الميرة أن تصل إلى مكة، فأحس أهل مكة بالحاجة والجوع، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا محمد! مر ثمامة أن يسمح بالميرة لمكة؛ فإن لك فيها الخالات والعمات.
فكتب إليه أن: اسمح بالميرة لمكة.
فسمح بها.
ولما غدا ﷺ وقال: أطلقوا ثمامة أتي في الليلة التي أسلم في نهارها بحلب شاة -مع أنه قبل إسلامه كان يشرب حلب سبع شياة- فشرب فشبع، فقال ﷺ : (إن الكافر ليشرب في سبعة أمعاء، والمسلم -أو المؤمن- يشرب في معى واحد) ، وقالوا: لأنه لما أسلم قال: (باسم الله) ، وببركة (باسم الله) جعل الله في حلب الشاة الواحدة ما أشبعه نيابة عن السبع الشياه.
ويؤخذ من ذلك مواقف النبل في الرجال، أو مواقف عظماء الناس، فقد قيل له: يا ثمامة! ما دمت فكرت في الإسلام فلماذا لم تسلم من أول يوم، ومكثت في الأسر مربوطاً ثلاثة أيام؟! قال: لئلا تقولوا: أسلم خشية السيف.
أي: فلما أطلقت وصرت حراً طليقاً حينئذ أسلمت.
ونظير هذا الموقف أيضاً موقف زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، أبو العاص بن الربيع فقد أخذ أسيراً في بدر وافتدي هو وأخوه، ثم بعد الفداء سافر بتجارة إلى الشام، وهو عائد أخذ هو وتجارته، فلما أخذ هو وتجارته استطاع أن يفلت منهم، ودخل على زينب رضي الله تعالى عنها واستجار بها فأجارته، فأطلت على الناس في صلاة الفجر وقالت: أيها الناس! إن عندي فلاناً -أي: زوجها- وقد أجرته.
فقال ﷺ : أو تسمعون ما أسمع -وما كان يعلم بذلك-؟ قالوا: نعم.
قال: والله ما علمت بذلك إلا كما علمتم أنتم الآن، وإنا قد أجرنا من أجرت لأنه قد جاء في الحديث: (يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أحدهم) .
ثم قال ﷺ : إن رأيتم أن تعيدوا عليه تجارته وتطلقوا سراحه فأعيدوا وأطلقوا سراحه، فأعادوا إليه تجارته وأطلقوا سراحه، فذهب إلى مكة -والتجارة التي كانت معه عبارة عن مضاربة لأهل مكة، فأعطيت له الأموال ليتاجر بها- فلما وصل ووزع الأموال على أصحابها وبرئت ذمته قال: يا أهل مكة! أشهدكم أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا له: ولماذا لم تعلن ذلك وأنت في المدينة؟ قال: أخشى أنكم إن سمعتم بإسلامي تقولون: أسلم ليذهب بأموالنا، ولما جئت بأموالكم وأعطيت الحقوق لأهلها، ولم يبق لأحد عندي شيء أسلمت بدون أي دافع آخر.
стр. 527
حكم دخول غير المسلمين إلى المسجد
والناحية الفقهية في هذا الباب -باب المساجد- ظاهرة في قوله: فجاءت -أي الخيل- برجل أي: جاءت به أسيراً، فهو ليس مسلماً، ودخل المسجد، فما حكم دخول غير المسلمين المساجد؟ هذه مسألة -كما يقولون- فيها قليل من التطويل، وأخونا الشيخ عبد الله ولد والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه -في الآونة الأخيرة- جمع رسالة صغيرة في هذه المسألة.
ووالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في أضواء البيان تكلم عنها عند قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] ، والمسألة تتلخص في الآتي: يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] ، والمشركون جنس معين، وهم أهل الأوثان، بخلاف أهل الكتاب.
وقال تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة:٢٨] ، فجعل مالك ﵀ أصل المسألة في المشركين، وقاس عليها أهل الكتاب: يهوداً ونصارى، وأخذ المسجد الحرام كأصل، وقاس عليه جميع مساجد العالم، فقال مالك: لا يدخل كافر مطلقاً -سواءٌ أكان مشركاً، أم وثنياً، أم كتابياً يهوياً أو نصرانياً، أم بوذياً- أي مسجد من المساجد نصاً وقياساً.
والإمام أبو حنيفة ﵀ جعل المسألة خاصة بالمشركين وبالمسجد الحرام فقط على نص الآية.
والشافعي وأحمد رحمهما الله جعلاها في عموم الكفار، وبخصوص المسجد الحرام.
فهذا خلاصة خلاف الأئمة ﵏، وإذا جئنا إلى قصة ثمامة نجد أنه رجل مشرك أدخل المسجد، وربط في السارية، فهذا ينقض على مالك اعتبار عموم المساجد بالمسجد الحرام؛ لأنه قال: جميع المساجد يمنع منها جميع الكفار والمشركين فهذا مشرك دخل مسجد رسول الله ﷺ ، فالتعميم في المساجد ينقضه دخول ثمامة.
وهنا أيضاً دليل آخر، وذلك لما جاء وفد ثقيف، ووفد ثقيف من الطائف وكانوا مشركين، جاءوا في السنة التاسعة من الهجرة -عام الوفود-، ونحن نعلم ما فعلت ثقيف برسول الله ﷺ حينما جاءهم إلى الطائف سنة تسع من البعثة، فأساءوا إليه صلوات الله وسلامه عليه، ولما جاءوا سنة تسع من الهجرة -عام الوفود- أنزلهم رسول الله ﷺ في المسجد، وبنى لهم خياماً في المسجد، وكان ذلك في رمضان، وكانوا يرون الناس يصلون، وكان ﷺ هو الذي يشرف على خدماتهم، وكانوا من شدة خوفهم لا يأكلون طعاماً جيء به إليهم حتى يأكل الذي جاء به منه أمامهم، وكان ﷺ -من مكارم أخلاقه وحسن ضيافته- يأتيهم بعد العشاء، ويقف على خيمتهم، ويتحدث معهم في أيام العرب وفي أحاديثهم، ويراوح بين قدميه، فمرة يقف على اليمين، فلما يطول القيام قليلاً يريحها، ويقف على اليسار من طول ما يقف عند خيمتهم متحدثاً معهم.
فهذا وفد من المشركين نزل في المسجد النبوي.
وأما غير المشركين فأهل نجران، وليسوا وثنيين، ولما جاءوا المدينة جاءوا إلى المسجد، ولما جاءوا وطلب الرسول ﷺ منهم المباهلة قالوا: أمهلنا إلى الغد.
فكان فيهم السيد العاقب، فقال لهم: والله ما باهلت أمة نبياً إلا أخذوا عن آخرهم، ولو باهلتموه والله لن يبقى حتى الطير يطير في بلادكم، فأصبحوا وقالوا: يا محمد! نعتذر عن المباهلة، ونحن على السمع والطاعة لك، واتركنا على ما نحن عليه، وابعث معنا رجلاً أميناً يحكم بيننا في أموالنا إذا اختلفنا فيها.
قال: نعم.
لأبعثن معكم رجلاً أميناً.
يقول عمر رضي الله تعالى عنه: فبت أتطلع.
أي: لينال شرف هذا الوصف ويبعث معهم، ولكن دعا بأمين هذه الأمة أبي عبيدة، فهؤلاء نزلوا في المسجد.
وعلى هذا يكون القول الراجح أنه لا يسمح لغير مسلم، أو لا يحق لغير مسلم أن يدخل المسجد بسلطة، وبنوع من التحكم، أما أن يدخل بأمان من المسلمين، وبعهد من ولي أمر المسلمين لحاجة نحن نحتاجه فيها، أو هو يحتاج إلينا فيها، كما كان اليهود يدخلون المسجد ويتحاكمون إلى رسول الله ﷺ أو يستفتونه فلا مانع.
فغير المسلم يدخل المسجد للحاجة، فحاجته في التقاضي والقاضي في المسجد، أو الاستفتاء والمفتي في المسجد، أو للماء والماء في المسجد، أو لحاجة المسجد إليه لعمارة، أو لتدارك أمر ما، فحينئذ يسمح له بالدخول.
والقضية تدور حول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] ، وبعض علماء اللغة يفرق بين (نَجَس) و (نَجِس) فيقول: نجَس (بالفتح) : نجاسة اعتقاد، ونجِس (بالكسر) : نجاسة مادية، كالبول والعذرة، فهنا نجس المشركين في اعتقادهم، وكان بعض السلف -كـ الحسن - يقول: من صافح مشركاً فليتوضأ؛ لأنهم نجس.
ولكن يستدل الجمهور على أن نجس المشركين نجس اعتقاد بأنه لو أخذت سبية من العرب، وكانت تلك السبية على دين قومها.
فإذا لامسها السيد فهل لامس نجاسة؟ وقد كانوا يضاجعونهن، وكانوا يستمتعون منهن بملك اليمين، ولم يُؤمر أحد منهم أن يغسل ما لامس النجس، فهو على التحقيق نجَس اعتقاد.
وبعضهم يقول: (نجَس) باعتبار الشرع؛ لأنهم كانوا يصيبون الجنابة ولا يغتسلون، فالنجاسة نجاسة معنوية، أو نجاسة حكمية، وليست حقيقة مادية.
والذي يهمنا في هذا أنه لا يُمكَّن غير المسلم من دخول المسجد لغير حاجة.
وهنا قضية محزنة مؤسفة، ففي بعض البلاد أصبحت بعض المساجد متاحف أثرية، فهجرت الصلاة فيها، وأصبح السُّواح يرتادونها على أنها آثار، فهل تدخل في هذا المعنى أم لا؟ الله تعالى أعلم، والواقع أن هذا تقصير من المسلمين.
стр. 528
صحة صلاة المسلم في الكنيسة والبيعة دون بيت النار
وهناك مسألة في المقابل تهمنا في الفقه، وهي أنه إذا كان غير المسلم لا يدخل المسجد إلا لحاجة، فهل يدخل المسلم الكنيسة ويصلي فيها أم لا؟ يتفق العلماء على أن المسلم إذا دخل كنيسة أو بيعة -بخلاف بيت النار؛ لأن بيت النار يعبدون النار فيه- وحانت الصلاة، وأراد أن يصلي فله أن يصلي في تلك الكنيسة ما لم ير نجاسة؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة ما لم تتحقق النجاسة، وهذه قاعدة إسلامية، وعند أهل الكتاب الأصل النجاسة ما لم تتحقق الطهارة.
ولكن إذا كان في الكنيسة تماثيل وصور، كالتي ذكرتها أم سلمة رضي الله تعالى عنها لرسول الله ﷺ فلا تصح الصلاة هناك، لا لكونها كنيسة، ولكن لكونها فيها التماثيل والصور.
ويذكر البخاري ﵀ في قصة عمر لما ذهب إلى الشام أنه حينما حوصر أهل الشام واشتد الحصار عليهم أرادوا أن ينزلوا على الصلح -وقيل: كان نصفها صلحاً، ونصفها عنوة.
وقيل: كلها عنوة.
وقيل: كلها صلح- فكتبوا إلى أمير المؤمنين عمر إنا نريد أن ننزل على الصلح، ولكن تكون أنت طرفاً فيه.
فخرج عمر رضي الله تعالى عنه، هو وغلام معه فقط، وكان يتعاقب الركوب مع الغلام، فمرحلة يركب هو ويمشي الغلام، ومرحلة يمشي هو ويركب الغلام، إلى أن اقتربا من دمشق، وكان قميصه مرقعاً، فقالوا: لا يليق بك أن تدخل على الروم بهذا القميص فيقولون: هذا أميركم بهذه الثياب! وهذا قميص تلبسه.
فنظر فيه فلم يقبله، وقال: ردوا علي فميصي، قالوا له: تمهل.
دعنا نغسله.
فغسلوه وردوه عليه، ولما جاء ودخل على الروم عرفوه بشكله وبوضعه فقالوا: والله هو هذا الذي نجده في كتبنا.
وتمت المفاوضة على الصلح، فجاء رجل من ذوي القسطنطين، وقال لـ عمر رضي الله تعالى عنه: صنعت لك طعاماً وأريد أن تحضره فحضر، ثم دخل الكنيسة، ثم قال: أريد أن أصلي.
فقال: صل مكانك.
قال: لو صليت في الكنيسة لانتزعها منكم المسلمون وكان في عهد الصلح ألا تنقض لهم كنيسة، ولا تؤخذ أموالها، ولا يتعرض لصلبانهم، وأحوالهم تبقى على ما هي عليه، واشترط عليهم شروطاً وحقوقاً للمسلمين.
فقال: لو صليت هنا لجاء المسلمون من بعدي وقالوا: هذا مصلى عمر فينتزعونه منكم، فينقضون الصلح، وجاء عند العتبة وصلى.
ثم جاء ابن عمر، وجاء عمر بن عبد العزيز وغيرهما وقالوا: إذا كان فيها التماثيل أو الصور فلا تجوز الصلاة فيها، وإذا كانت خالية من تلك الموانع فلا مانع ما لم توجد فيها نجاسة أو موانع وعوارض أخرى.
وكما ربط ثمامة وهو مشرك ربط أبو لبابة نفسه وهو مسلم، فحين ذهب إلى بني قريظة سألوه عما سيفعل بهم، فأشار بيده إلى حلقه، أي: الذبح، ثم قال لنفسه: والله لقد علمت أني خنت الله ورسوله، فرجع وربط نفسه في سارية المسجد.
فالمسجد: معتقل للأسارى وسجن للمخطئين، فأدى رسالة بجانب المعبد، وبجانب المعهد؛ لأنه على رءوس الأشهاد وتحت أنظارهم، فاتسع نطاق رسالة المسجد إلى خطوة أخرى.
стр. 529
الشعر وإنشاده في المسجد
قال المؤلف ﵀: [وعنه ﵁: (أن عمر ﵁ مرّ بـ حسان ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أُنشِدُ فيه، وفيه من هو خير منك) متفق عليه] .
يقول: إن عمر ﵁ مر بالمسجد، وعمر دائماً كان دقيق الملاحظة، فوجد حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه -وهو شاعر رسول الله ﷺ وشاعر الإسلام- ينشد شعراً، فلحظ إليه، واللحظة من عمر ليست بالهينة، ففهم حسان فواجهه: بأن عليك ألا تلحظ ولا تهتم، وما علي منك، فقد كنت أنشد الشعر فيه -أي: في المسجد- وفيه من هو خير منك.
والذي هو خير من عمر رسول الله ﷺ ، فلم يكن لـ عمر جواب، والحقُ يسكت.
وما هو الإنشاد الذي كان ينشده حسان في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ؟ إن المؤلف ساق هذا ليبين لنا أن المسجد لا يصلح لإنشاد الشعر، ولكن سيأتي التفصيل في الإنشاد الذي كان ينشده حسان في عهد رسول الله ﷺ ، فهل هو الوصف والغزل والتشبيب والهجاء، أو هو شعر معين؟! لقد جاء الأثر بأن حسان رضي الله تعالى عنه قال: ائذن لي -يا رسول الله- بهجوهم -يعني: المشركين-، قال: كيف تهجوهم وأنا منهم؟! قال: أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين، ولا يلحقك من ذلك شيء.
قال: اهجهم.
فهجاهم، فنصب له كرسياً أو منبراً وقال له: اهجهم، فوالله لوقع كلامك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام.
فالسهم لما يأتي في النهار معلوم من أين أتى، أما في الليل فلا يعلم مصدر إتيانه، أمن يمين أو يسار، ولذلك لما تكلم أبو سفيان وهجا الرسول ﷺ ، رد عليه حسان قائلاً: ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء فمن هو شر الفريقين ومن هو أخيرهم؟ لا شك أن المشرك شر الفريقين، وأن المسلم خير الفريقين، قال حسان: أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء في أبيات عديدة امتدح فيها المسلمين وهجا المشركين، وخرج ﷺ بقوله: شركما لخيركما الفداء.
وهذا -كما يقول نقاد الأدب- مأخوذ من القرآن، ولهذا القرآن عدّل في شعر الإسلاميين، فقوله: فخيركما لشركما الفداء، مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] ، وعلى هذا فـ حسان رضي الله تعالى عنه كان ينشد الشعر في المسجد النبوي أمام رسول الله ﷺ ، والرسول ﷺ يؤيده ويقول: (اهجهم وروح القدس يؤيدك) ، وكان هجاء حسان على المشركين أشد من السهام في ليلة ظلماء.
إذاً فلا نقول: كل شعر ممنوع، ولا نقول: كل شعر جائز، فإذا كان الشعر لخدمة الإسلام والمسلمين -كهذا-، أو أنشد إنسان أبياتاً يظهر فيها ظلامته، أو أنشد شيئاً يمتدح فيه إنساناً فعل خيراً فذلك لا بأس به.
وربما يأتينا إنسان ويقول: ماذا تقولون في قول كعب بن زهير: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلت إلا أغن غضيض الطرف مكحول أليس هذا غزل في سعاد؟! يقول نقاد الأدب الإسلاميون: إن افتتاح الشاعر قصيدته بالغزل الرفيع المستوى في غير معين يعتبر من باب التشويق وتوجيه الأذهان إلى الموضوع الأساسي؛ لأن الشاعر انتقل من ذكر سعاد إلى قوله: نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول وذكر صفات الناقة، وذكر غير ذلك، وانتهى إلى موضوعه بأنه يلتمس العفو من رسول الله ﷺ ، فقالوا: هناك الغزل، وهناك النسيب، وهناك التشبيب، فهذه أنواع من أنواع الشعر الغزلي بصفة عامة، أو ما يتعلق بالنساء، فإذا كان الغزل في امرأة غير معينة كسعاد فكلمة (سعاد) عند الشعراء رمز لمجهول، كما يقولون في العصر الحاضر: الجندي المجهول، فهم يأتون بها كوصف لتهييج السامع إلى ما وراءه، فيسهل الانتقال إلى الموضوع المقصود والذهن قد تهيأ لتلقيه، وهو هنا الاعتذار عن تأخره في الإسلام، وأنه مخافة أن يهدر دمه، وجاء إلى النبي ﷺ وأعلن إسلامه، وقبل منه رسول الله ﷺ .
فهذا في الغزل، أما النسيب فهو في امرأة معينة بذاتها بأبيها وجدها، وأما التشبيب: فهو مأخوذ من شب يشب شبوباً وشباباً، تقول: شبت النار: أي: ارتفعت.
وتقول: الشباب قوة غريزة وفتوة، فكذلك التشبيب هو إثارة الغرائز بأوصاف خاصة بالنسوة، خاصة في ما تحت الثياب، فهذا محرم وممنوع، وكعب بن الأشرف ما قتل إلا لذهابه إلى مكة يستعدي قريشاً على المسلمين، وتشبيبه ببعض نساء المسلمين.
فالغزل من حيث هو إذا كان لغرض ينتقل منه إلى غرض مباح إسلامي شرعي، وليس فيه النسيب ولا التشبيب فلا غبار عليه، وعلى هذا فإنشاد الشعر في المسجد إن كان لغرض ديني فلا مانع، وإن كان لهوى نفس فممنوع، فـ عمر رضي الله تعالى عنه لما وسع المسجد بنى رحبة في الجهة الغربية، وقال: أيها الناس! من أراد الدين والآخرة فعليه بالمسجد لذكر الله، ومن أراد حديث الدنيا فليخرج إلى تلك الرحبة.
وبعض الروايات فيها: من أراد سوق الآخرة فليجلس، ومن أراد سوق الدنيا فليذهب إلى الرحبة.
وهذا في الكلام العادي فضلاً عن كونه شعراً.
والشعر من حيث هو جاء فيه الحديث: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً) ، وسئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها -وهي التي يذكرها ابن رشيق العزي في عدة الأدب- عن الشعر؟ فقالت: الشعر كلام موزون حسنه حسن، وقبيحه قبيح.
والوزن لا يغير ولا يبدل في المعنى، إنما هو في الصناعة وجرس السمع، فإذا كان الشعر كلاماً حسناً فهو حسن، وهناك شعر الحكمة والمواعظ والتعليم ونظم العلوم، وإن كان نظم العلم ليس بشعر؛ لأنه لا يخاطب الشعور، بل يخاطب العقل، كألفية ابن مالك، والرحبية، والبيقونية، وغيرها، فهذا يسمى نظماً وليس شعراً.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 530
حكم إنشاد الضالة في المسجد
قال رحمه الله تعالى: [وعنه -أي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع رجلاً ينشد الضالة في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبن لهذا) رواه مسلم] .
هذا العمل مما ينبغي أن تصان المساجد عنه، فإذا من ينشد دابة -أو حاجته بصفة عامة- في المسجد فقل له: لا ردّها الله عليك.
والله هذا رد عجيب، ولم يقل: أسكتوه.
ولم يقل: امنعوه.
ولم يقل: أفهموه بأنه لا ينبغي هذا هنا، ولكن: (يدعن عليه: (لا ردّها الله عليك) ، فيعامل بنقيض قصده، هو ينشد: من رأى لي دابة، صفتها كذا وكذا، يريد بذلك الحصول عليها، وأن ترد إليه، فيعامل بنقيض قصده، والذي يعلم أنه إذا أنشد ضالته في المسجد ردّ عليه المسلمون بقولهم: (لا ردها الله عليك) هل سيأتي وينشدها في المسجد ليسمع هذا الجواب؟ لا والله وقاس العلماء على الدابة كل ضائعة.
ثم قالوا: وإذا ضاعت الضائعة في المسجد، كإنسان جاء بما يسجد عليه فضاع منه، فبحثت عنه فلم يجده، أو سقطت منه محفظة ماله، أو سقطت ساعته من يده، أو سقط منه شيء كان يحمله، فليس له أن ينشده في المسجد، فأي ضائعة ضلت عليه في المسجد، أو في غير المسجد فهي كذلك، إلا أن بعضهم قال: إن كانت الضالة ضلت عليه في المسجد فلا مانع من إنشادها في المسجد.
والآخرون قالوا: لا؛ فإن الحديث لم يخصص: (إذا سمعتم من ينشد ضالةً في المسجد) والضالة: الضائعة؛ لأن الضلال: الضياع والتلاشي وعلى هذا فإن قوله: (ضالته) يشمل كل ضالة، سواء كانت دابة، أم متاعاً، أم سلعة، أم أي شيء قليل أو كثير ضل على صاحبه في المسجد أو في غيره، فلا يجوز له أن ينشده في المسجد.
ثم قالوا: فأين ينشدها والمسجد موضع التجمع؟! قالوا: يقف على باب المسجد، وعند خروج الناس من الصلاة ينشد ضالته، فيقول: من رأى لي ضالتي أو: ضل علي كذا.
فمن رآه؟ فيكون إنشاده للضالة خارج المسجد.
ثم التعليل في الحديث: (فإن المساجد لم تبن لذلك) أي: لم تبن للبحث عن الضوال؛ لأن هذه أمور دنيوية.
ونظير ذلك ما فعله الأعرابي، فقد جاء أعرابي إلى المسجد فأناخ راحلته ودخل المسجد، ثم تنحى جانباً وجلس يبول، فقام الحاضرون ليخرجوه، فقال رسول الله ﷺ : (اتركوه، ولا تزرموه) وأي: لا تحملوه على قطع البول؛ لأنه يؤذيه، وسيعدد مواضع البول؛ لأنه إذا أراق البول وهو جالس في مكانه انحصر البول في مكان محدود، لكن إذا أزرموه، وقام وهو يبول ستتسع المسافة إلى مقدار كبير، فنهاهم عن ذلك، فلما قضى بوله دعاه، وأمر بذنوب من ماء فأُهريق عليه، والذنوب: الدلو الكبير، وهذا تقدم في مبحث تطهير الأرض من البول بمكاثرة النجاسةَ بالماء.
فدعاه النبي ﷺ وقال: (يا أخا العرب! إن هذه المساجد لم تبن لذلك -كما قال في الأول-، وإنما بنيت لذكر الله وما والاه) ، فذكر الله كقول: (لا إله إلا الله) ، (أستغفر الله) ، (الحمد لله) ، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وكل ما كان فيه ذكر الله، وما والاه حلق العلم، من المدارسة، ومن المذاكرة، ومن الموعظة، فكل ذلك داخل في ذكر الله وما والاه، كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] .
فالأعرابي لما رأى الفارق الكبير بين جماعة يريدون أن يضربوه ويهيجوه ومن يقول: يا أخا العرب! إنها لم تبن لذلك، إنها لكذا وكذا قام في الحال، ورفع يديه وقال: اللهم ارحمني وارحم محمداً، ولا ترحم معنا أحداً.
فقال ﷺ : (لقد حجرت واسعاً) ، فالله تعالى يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ، وأنت تريد أن تحصرها عليّ وعليك! والأمة هذه كلها ما مصيرها؟! ويهمنا قوله: (إن هذه المساجد لم تبن لذلك، إنما هي لذكر الله وما والاه) .
следующие страницы →