← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

حكم دخول الكافر إلى المسجد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث النبي ﷺ خيلاً فجاءت برجل، فربطوه بسارية من سواري المسجد. الحديث) متفق عليه] . هذا الحديث -كما يقول الشراح- له قصة، وهي أن الرسول ﷺ بعث خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل، -وسمي في غير هذا الحديث- وهو ثمامة بن أثال، وكان سيداً من سادات وادي بني حنيفة في نجد، فأخذ أسيراً، فجيء به فربط في سارية المسجد، وهذا هو موضع الدلالة، حيث أن ثمامة رجل مشرك أخذ أسيراً وأدخل المسجد وربط فيه، وهذا حكم من أحكام المساجد. فلما ربط في سارية من سواري المسجد كان ﷺ يأمر له بحلب سبع شياه فيشربه، ويمر عليه كل غداة ويقول: كيف بك يا ثمامة؟ فيقول -وهو في الأسر-: يا محمد! إن شئت مالاً أرضيتك، وإن مننت مننت على كريم، وإن قتلت قتلت ذا دم لأن الله قد قال في حق الأسير ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] ، فالأسير إما أن يفادى بالمال، وإما أن يمنَّ عليه ويطلق سراحه بلا فداء، وإما أن يقتل، وكونه يسترق شيء آخر. فكان يقول: إن ترد مالاً -يعني: فداءً- أرضيتك، أي: أعطيتك الذي ترضى. وإن تمنن -أي: تطلق سراحي بدون فداء- مننت على كريم -والكريم لا تضيع عنده الصنيعة-، وإن قتلت قتلت ذا دم. أي: فدمي لن يذهب سدى، بل ستجد من يطالب به، فهو يهدد وهو في الأسر؛ لأنه سيد من سادات قومه، فتركه على هذه الحالة ثلاثة أيام. ثم مر عليه في اليوم الرابع فقال: أطلقوا ثمامة. فأطلقوه، فجاء إلى بعض الحاضرين في المسجد وقال: ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟ قالوا: تذهب فتغتسل، وتأتي إلى النبي ﷺ فتشهد بشهادة الحق. فذهب إلى بيرحاء -وبيرحاء كان شمالي المسجد، وكان يبعد عن باب المجيدي حوالى ثلاثين أو أربعين أو خمسين متراً، وكان بستاناً قريباً- فاغتسل في الضحى، وفي صلاة الظهر استقبل النبي ﷺ وشهد شهادة الحق. ثم قال: يا رسول الله! أخذتني خيلك وأنا في طريقي إلى العمرة، فما ترى علي؟ قال: امض وأكمل عمرتك. فمضى إلى مكة، فبلغ مكة خبر إسلامه، وهناك ضيقوا عليه وآذوه لأنه أسلم، فلما رجع إلى وادي بني حنيفة منع الميرة أن تأتي من هناك إلى مكة، وكان وادي بني حنيفة في ذلك التاريخ يمول الحجاز، فقد كان مخصباً ومنتجاً وذا زرع، فمنع الميرة أن تصل إلى مكة، فأحس أهل مكة بالحاجة والجوع، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا محمد! مر ثمامة أن يسمح بالميرة لمكة؛ فإن لك فيها الخالات والعمات. فكتب إليه أن: اسمح بالميرة لمكة. فسمح بها. ولما غدا ﷺ وقال: أطلقوا ثمامة أتي في الليلة التي أسلم في نهارها بحلب شاة -مع أنه قبل إسلامه كان يشرب حلب سبع شياة- فشرب فشبع، فقال ﷺ : (إن الكافر ليشرب في سبعة أمعاء، والمسلم -أو المؤمن- يشرب في معى واحد) ، وقالوا: لأنه لما أسلم قال: (باسم الله) ، وببركة (باسم الله) جعل الله في حلب الشاة الواحدة ما أشبعه نيابة عن السبع الشياه. ويؤخذ من ذلك مواقف النبل في الرجال، أو مواقف عظماء الناس، فقد قيل له: يا ثمامة! ما دمت فكرت في الإسلام فلماذا لم تسلم من أول يوم، ومكثت في الأسر مربوطاً ثلاثة أيام؟! قال: لئلا تقولوا: أسلم خشية السيف. أي: فلما أطلقت وصرت حراً طليقاً حينئذ أسلمت. ونظير هذا الموقف أيضاً موقف زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، أبو العاص بن الربيع فقد أخذ أسيراً في بدر وافتدي هو وأخوه، ثم بعد الفداء سافر بتجارة إلى الشام، وهو عائد أخذ هو وتجارته، فلما أخذ هو وتجارته استطاع أن يفلت منهم، ودخل على زينب رضي الله تعالى عنها واستجار بها فأجارته، فأطلت على الناس في صلاة الفجر وقالت: أيها الناس! إن عندي فلاناً -أي: زوجها- وقد أجرته. فقال ﷺ : أو تسمعون ما أسمع -وما كان يعلم بذلك-؟ قالوا: نعم. قال: والله ما علمت بذلك إلا كما علمتم أنتم الآن، وإنا قد أجرنا من أجرت لأنه قد جاء في الحديث: (يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أحدهم) . ثم قال ﷺ : إن رأيتم أن تعيدوا عليه تجارته وتطلقوا سراحه فأعيدوا وأطلقوا سراحه، فأعادوا إليه تجارته وأطلقوا سراحه، فذهب إلى مكة -والتجارة التي كانت معه عبارة عن مضاربة لأهل مكة، فأعطيت له الأموال ليتاجر بها- فلما وصل ووزع الأموال على أصحابها وبرئت ذمته قال: يا أهل مكة! أشهدكم أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا له: ولماذا لم تعلن ذلك وأنت في المدينة؟ قال: أخشى أنكم إن سمعتم بإسلامي تقولون: أسلم ليذهب بأموالنا، ولما جئت بأموالكم وأعطيت الحقوق لأهلها، ولم يبق لأحد عندي شيء أسلمت بدون أي دافع آخر.

стр. 527

حكم دخول غير المسلمين إلى المسجد والناحية الفقهية في هذا الباب -باب المساجد- ظاهرة في قوله: فجاءت -أي الخيل- برجل أي: جاءت به أسيراً، فهو ليس مسلماً، ودخل المسجد، فما حكم دخول غير المسلمين المساجد؟ هذه مسألة -كما يقولون- فيها قليل من التطويل، وأخونا الشيخ عبد الله ولد والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه -في الآونة الأخيرة- جمع رسالة صغيرة في هذه المسألة. ووالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في أضواء البيان تكلم عنها عند قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] ، والمسألة تتلخص في الآتي: يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] ، والمشركون جنس معين، وهم أهل الأوثان، بخلاف أهل الكتاب. وقال تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة:٢٨] ، فجعل مالك ﵀ أصل المسألة في المشركين، وقاس عليها أهل الكتاب: يهوداً ونصارى، وأخذ المسجد الحرام كأصل، وقاس عليه جميع مساجد العالم، فقال مالك: لا يدخل كافر مطلقاً -سواءٌ أكان مشركاً، أم وثنياً، أم كتابياً يهوياً أو نصرانياً، أم بوذياً- أي مسجد من المساجد نصاً وقياساً. والإمام أبو حنيفة ﵀ جعل المسألة خاصة بالمشركين وبالمسجد الحرام فقط على نص الآية. والشافعي وأحمد رحمهما الله جعلاها في عموم الكفار، وبخصوص المسجد الحرام. فهذا خلاصة خلاف الأئمة ﵏، وإذا جئنا إلى قصة ثمامة نجد أنه رجل مشرك أدخل المسجد، وربط في السارية، فهذا ينقض على مالك اعتبار عموم المساجد بالمسجد الحرام؛ لأنه قال: جميع المساجد يمنع منها جميع الكفار والمشركين فهذا مشرك دخل مسجد رسول الله ﷺ ، فالتعميم في المساجد ينقضه دخول ثمامة. وهنا أيضاً دليل آخر، وذلك لما جاء وفد ثقيف، ووفد ثقيف من الطائف وكانوا مشركين، جاءوا في السنة التاسعة من الهجرة -عام الوفود-، ونحن نعلم ما فعلت ثقيف برسول الله ﷺ حينما جاءهم إلى الطائف سنة تسع من البعثة، فأساءوا إليه صلوات الله وسلامه عليه، ولما جاءوا سنة تسع من الهجرة -عام الوفود- أنزلهم رسول الله ﷺ في المسجد، وبنى لهم خياماً في المسجد، وكان ذلك في رمضان، وكانوا يرون الناس يصلون، وكان ﷺ هو الذي يشرف على خدماتهم، وكانوا من شدة خوفهم لا يأكلون طعاماً جيء به إليهم حتى يأكل الذي جاء به منه أمامهم، وكان ﷺ -من مكارم أخلاقه وحسن ضيافته- يأتيهم بعد العشاء، ويقف على خيمتهم، ويتحدث معهم في أيام العرب وفي أحاديثهم، ويراوح بين قدميه، فمرة يقف على اليمين، فلما يطول القيام قليلاً يريحها، ويقف على اليسار من طول ما يقف عند خيمتهم متحدثاً معهم. فهذا وفد من المشركين نزل في المسجد النبوي. وأما غير المشركين فأهل نجران، وليسوا وثنيين، ولما جاءوا المدينة جاءوا إلى المسجد، ولما جاءوا وطلب الرسول ﷺ منهم المباهلة قالوا: أمهلنا إلى الغد. فكان فيهم السيد العاقب، فقال لهم: والله ما باهلت أمة نبياً إلا أخذوا عن آخرهم، ولو باهلتموه والله لن يبقى حتى الطير يطير في بلادكم، فأصبحوا وقالوا: يا محمد! نعتذر عن المباهلة، ونحن على السمع والطاعة لك، واتركنا على ما نحن عليه، وابعث معنا رجلاً أميناً يحكم بيننا في أموالنا إذا اختلفنا فيها. قال: نعم. لأبعثن معكم رجلاً أميناً. يقول عمر رضي الله تعالى عنه: فبت أتطلع. أي: لينال شرف هذا الوصف ويبعث معهم، ولكن دعا بأمين هذه الأمة أبي عبيدة، فهؤلاء نزلوا في المسجد. وعلى هذا يكون القول الراجح أنه لا يسمح لغير مسلم، أو لا يحق لغير مسلم أن يدخل المسجد بسلطة، وبنوع من التحكم، أما أن يدخل بأمان من المسلمين، وبعهد من ولي أمر المسلمين لحاجة نحن نحتاجه فيها، أو هو يحتاج إلينا فيها، كما كان اليهود يدخلون المسجد ويتحاكمون إلى رسول الله ﷺ أو يستفتونه فلا مانع. فغير المسلم يدخل المسجد للحاجة، فحاجته في التقاضي والقاضي في المسجد، أو الاستفتاء والمفتي في المسجد، أو للماء والماء في المسجد، أو لحاجة المسجد إليه لعمارة، أو لتدارك أمر ما، فحينئذ يسمح له بالدخول. والقضية تدور حول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] ، وبعض علماء اللغة يفرق بين (نَجَس) و (نَجِس) فيقول: نجَس (بالفتح) : نجاسة اعتقاد، ونجِس (بالكسر) : نجاسة مادية، كالبول والعذرة، فهنا نجس المشركين في اعتقادهم، وكان بعض السلف -كـ الحسن - يقول: من صافح مشركاً فليتوضأ؛ لأنهم نجس. ولكن يستدل الجمهور على أن نجس المشركين نجس اعتقاد بأنه لو أخذت سبية من العرب، وكانت تلك السبية على دين قومها. فإذا لامسها السيد فهل لامس نجاسة؟ وقد كانوا يضاجعونهن، وكانوا يستمتعون منهن بملك اليمين، ولم يُؤمر أحد منهم أن يغسل ما لامس النجس، فهو على التحقيق نجَس اعتقاد. وبعضهم يقول: (نجَس) باعتبار الشرع؛ لأنهم كانوا يصيبون الجنابة ولا يغتسلون، فالنجاسة نجاسة معنوية، أو نجاسة حكمية، وليست حقيقة مادية. والذي يهمنا في هذا أنه لا يُمكَّن غير المسلم من دخول المسجد لغير حاجة. وهنا قضية محزنة مؤسفة، ففي بعض البلاد أصبحت بعض المساجد متاحف أثرية، فهجرت الصلاة فيها، وأصبح السُّواح يرتادونها على أنها آثار، فهل تدخل في هذا المعنى أم لا؟ الله تعالى أعلم، والواقع أن هذا تقصير من المسلمين.

стр. 528

صحة صلاة المسلم في الكنيسة والبيعة دون بيت النار وهناك مسألة في المقابل تهمنا في الفقه، وهي أنه إذا كان غير المسلم لا يدخل المسجد إلا لحاجة، فهل يدخل المسلم الكنيسة ويصلي فيها أم لا؟ يتفق العلماء على أن المسلم إذا دخل كنيسة أو بيعة -بخلاف بيت النار؛ لأن بيت النار يعبدون النار فيه- وحانت الصلاة، وأراد أن يصلي فله أن يصلي في تلك الكنيسة ما لم ير نجاسة؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة ما لم تتحقق النجاسة، وهذه قاعدة إسلامية، وعند أهل الكتاب الأصل النجاسة ما لم تتحقق الطهارة. ولكن إذا كان في الكنيسة تماثيل وصور، كالتي ذكرتها أم سلمة رضي الله تعالى عنها لرسول الله ﷺ فلا تصح الصلاة هناك، لا لكونها كنيسة، ولكن لكونها فيها التماثيل والصور. ويذكر البخاري ﵀ في قصة عمر لما ذهب إلى الشام أنه حينما حوصر أهل الشام واشتد الحصار عليهم أرادوا أن ينزلوا على الصلح -وقيل: كان نصفها صلحاً، ونصفها عنوة. وقيل: كلها عنوة. وقيل: كلها صلح- فكتبوا إلى أمير المؤمنين عمر إنا نريد أن ننزل على الصلح، ولكن تكون أنت طرفاً فيه. فخرج عمر رضي الله تعالى عنه، هو وغلام معه فقط، وكان يتعاقب الركوب مع الغلام، فمرحلة يركب هو ويمشي الغلام، ومرحلة يمشي هو ويركب الغلام، إلى أن اقتربا من دمشق، وكان قميصه مرقعاً، فقالوا: لا يليق بك أن تدخل على الروم بهذا القميص فيقولون: هذا أميركم بهذه الثياب! وهذا قميص تلبسه. فنظر فيه فلم يقبله، وقال: ردوا علي فميصي، قالوا له: تمهل. دعنا نغسله. فغسلوه وردوه عليه، ولما جاء ودخل على الروم عرفوه بشكله وبوضعه فقالوا: والله هو هذا الذي نجده في كتبنا. وتمت المفاوضة على الصلح، فجاء رجل من ذوي القسطنطين، وقال لـ عمر رضي الله تعالى عنه: صنعت لك طعاماً وأريد أن تحضره فحضر، ثم دخل الكنيسة، ثم قال: أريد أن أصلي. فقال: صل مكانك. قال: لو صليت في الكنيسة لانتزعها منكم المسلمون وكان في عهد الصلح ألا تنقض لهم كنيسة، ولا تؤخذ أموالها، ولا يتعرض لصلبانهم، وأحوالهم تبقى على ما هي عليه، واشترط عليهم شروطاً وحقوقاً للمسلمين. فقال: لو صليت هنا لجاء المسلمون من بعدي وقالوا: هذا مصلى عمر فينتزعونه منكم، فينقضون الصلح، وجاء عند العتبة وصلى. ثم جاء ابن عمر، وجاء عمر بن عبد العزيز وغيرهما وقالوا: إذا كان فيها التماثيل أو الصور فلا تجوز الصلاة فيها، وإذا كانت خالية من تلك الموانع فلا مانع ما لم توجد فيها نجاسة أو موانع وعوارض أخرى. وكما ربط ثمامة وهو مشرك ربط أبو لبابة نفسه وهو مسلم، فحين ذهب إلى بني قريظة سألوه عما سيفعل بهم، فأشار بيده إلى حلقه، أي: الذبح، ثم قال لنفسه: والله لقد علمت أني خنت الله ورسوله، فرجع وربط نفسه في سارية المسجد. فالمسجد: معتقل للأسارى وسجن للمخطئين، فأدى رسالة بجانب المعبد، وبجانب المعهد؛ لأنه على رءوس الأشهاد وتحت أنظارهم، فاتسع نطاق رسالة المسجد إلى خطوة أخرى.

стр. 529

الشعر وإنشاده في المسجد قال المؤلف ﵀: [وعنه ﵁: (أن عمر ﵁ مرّ بـ حسان ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أُنشِدُ فيه، وفيه من هو خير منك) متفق عليه] . يقول: إن عمر ﵁ مر بالمسجد، وعمر دائماً كان دقيق الملاحظة، فوجد حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه -وهو شاعر رسول الله ﷺ وشاعر الإسلام- ينشد شعراً، فلحظ إليه، واللحظة من عمر ليست بالهينة، ففهم حسان فواجهه: بأن عليك ألا تلحظ ولا تهتم، وما علي منك، فقد كنت أنشد الشعر فيه -أي: في المسجد- وفيه من هو خير منك. والذي هو خير من عمر رسول الله ﷺ ، فلم يكن لـ عمر جواب، والحقُ يسكت. وما هو الإنشاد الذي كان ينشده حسان في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ؟ إن المؤلف ساق هذا ليبين لنا أن المسجد لا يصلح لإنشاد الشعر، ولكن سيأتي التفصيل في الإنشاد الذي كان ينشده حسان في عهد رسول الله ﷺ ، فهل هو الوصف والغزل والتشبيب والهجاء، أو هو شعر معين؟! لقد جاء الأثر بأن حسان رضي الله تعالى عنه قال: ائذن لي -يا رسول الله- بهجوهم -يعني: المشركين-، قال: كيف تهجوهم وأنا منهم؟! قال: أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين، ولا يلحقك من ذلك شيء. قال: اهجهم. فهجاهم، فنصب له كرسياً أو منبراً وقال له: اهجهم، فوالله لوقع كلامك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام. فالسهم لما يأتي في النهار معلوم من أين أتى، أما في الليل فلا يعلم مصدر إتيانه، أمن يمين أو يسار، ولذلك لما تكلم أبو سفيان وهجا الرسول ﷺ ، رد عليه حسان قائلاً: ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء فمن هو شر الفريقين ومن هو أخيرهم؟ لا شك أن المشرك شر الفريقين، وأن المسلم خير الفريقين، قال حسان: أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء في أبيات عديدة امتدح فيها المسلمين وهجا المشركين، وخرج ﷺ بقوله: شركما لخيركما الفداء. وهذا -كما يقول نقاد الأدب- مأخوذ من القرآن، ولهذا القرآن عدّل في شعر الإسلاميين، فقوله: فخيركما لشركما الفداء، مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] ، وعلى هذا فـ حسان رضي الله تعالى عنه كان ينشد الشعر في المسجد النبوي أمام رسول الله ﷺ ، والرسول ﷺ يؤيده ويقول: (اهجهم وروح القدس يؤيدك) ، وكان هجاء حسان على المشركين أشد من السهام في ليلة ظلماء. إذاً فلا نقول: كل شعر ممنوع، ولا نقول: كل شعر جائز، فإذا كان الشعر لخدمة الإسلام والمسلمين -كهذا-، أو أنشد إنسان أبياتاً يظهر فيها ظلامته، أو أنشد شيئاً يمتدح فيه إنساناً فعل خيراً فذلك لا بأس به. وربما يأتينا إنسان ويقول: ماذا تقولون في قول كعب بن زهير: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلت إلا أغن غضيض الطرف مكحول أليس هذا غزل في سعاد؟! يقول نقاد الأدب الإسلاميون: إن افتتاح الشاعر قصيدته بالغزل الرفيع المستوى في غير معين يعتبر من باب التشويق وتوجيه الأذهان إلى الموضوع الأساسي؛ لأن الشاعر انتقل من ذكر سعاد إلى قوله: نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول وذكر صفات الناقة، وذكر غير ذلك، وانتهى إلى موضوعه بأنه يلتمس العفو من رسول الله ﷺ ، فقالوا: هناك الغزل، وهناك النسيب، وهناك التشبيب، فهذه أنواع من أنواع الشعر الغزلي بصفة عامة، أو ما يتعلق بالنساء، فإذا كان الغزل في امرأة غير معينة كسعاد فكلمة (سعاد) عند الشعراء رمز لمجهول، كما يقولون في العصر الحاضر: الجندي المجهول، فهم يأتون بها كوصف لتهييج السامع إلى ما وراءه، فيسهل الانتقال إلى الموضوع المقصود والذهن قد تهيأ لتلقيه، وهو هنا الاعتذار عن تأخره في الإسلام، وأنه مخافة أن يهدر دمه، وجاء إلى النبي ﷺ وأعلن إسلامه، وقبل منه رسول الله ﷺ . فهذا في الغزل، أما النسيب فهو في امرأة معينة بذاتها بأبيها وجدها، وأما التشبيب: فهو مأخوذ من شب يشب شبوباً وشباباً، تقول: شبت النار: أي: ارتفعت. وتقول: الشباب قوة غريزة وفتوة، فكذلك التشبيب هو إثارة الغرائز بأوصاف خاصة بالنسوة، خاصة في ما تحت الثياب، فهذا محرم وممنوع، وكعب بن الأشرف ما قتل إلا لذهابه إلى مكة يستعدي قريشاً على المسلمين، وتشبيبه ببعض نساء المسلمين. فالغزل من حيث هو إذا كان لغرض ينتقل منه إلى غرض مباح إسلامي شرعي، وليس فيه النسيب ولا التشبيب فلا غبار عليه، وعلى هذا فإنشاد الشعر في المسجد إن كان لغرض ديني فلا مانع، وإن كان لهوى نفس فممنوع، فـ عمر رضي الله تعالى عنه لما وسع المسجد بنى رحبة في الجهة الغربية، وقال: أيها الناس! من أراد الدين والآخرة فعليه بالمسجد لذكر الله، ومن أراد حديث الدنيا فليخرج إلى تلك الرحبة. وبعض الروايات فيها: من أراد سوق الآخرة فليجلس، ومن أراد سوق الدنيا فليذهب إلى الرحبة. وهذا في الكلام العادي فضلاً عن كونه شعراً. والشعر من حيث هو جاء فيه الحديث: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً) ، وسئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها -وهي التي يذكرها ابن رشيق العزي في عدة الأدب- عن الشعر؟ فقالت: الشعر كلام موزون حسنه حسن، وقبيحه قبيح. والوزن لا يغير ولا يبدل في المعنى، إنما هو في الصناعة وجرس السمع، فإذا كان الشعر كلاماً حسناً فهو حسن، وهناك شعر الحكمة والمواعظ والتعليم ونظم العلوم، وإن كان نظم العلم ليس بشعر؛ لأنه لا يخاطب الشعور، بل يخاطب العقل، كألفية ابن مالك، والرحبية، والبيقونية، وغيرها، فهذا يسمى نظماً وليس شعراً. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 530

حكم إنشاد الضالة في المسجد قال رحمه الله تعالى: [وعنه -أي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع رجلاً ينشد الضالة في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبن لهذا) رواه مسلم] . هذا العمل مما ينبغي أن تصان المساجد عنه، فإذا من ينشد دابة -أو حاجته بصفة عامة- في المسجد فقل له: لا ردّها الله عليك. والله هذا رد عجيب، ولم يقل: أسكتوه. ولم يقل: امنعوه. ولم يقل: أفهموه بأنه لا ينبغي هذا هنا، ولكن: (يدعن عليه: (لا ردّها الله عليك) ، فيعامل بنقيض قصده، هو ينشد: من رأى لي دابة، صفتها كذا وكذا، يريد بذلك الحصول عليها، وأن ترد إليه، فيعامل بنقيض قصده، والذي يعلم أنه إذا أنشد ضالته في المسجد ردّ عليه المسلمون بقولهم: (لا ردها الله عليك) هل سيأتي وينشدها في المسجد ليسمع هذا الجواب؟ لا والله وقاس العلماء على الدابة كل ضائعة. ثم قالوا: وإذا ضاعت الضائعة في المسجد، كإنسان جاء بما يسجد عليه فضاع منه، فبحثت عنه فلم يجده، أو سقطت منه محفظة ماله، أو سقطت ساعته من يده، أو سقط منه شيء كان يحمله، فليس له أن ينشده في المسجد، فأي ضائعة ضلت عليه في المسجد، أو في غير المسجد فهي كذلك، إلا أن بعضهم قال: إن كانت الضالة ضلت عليه في المسجد فلا مانع من إنشادها في المسجد. والآخرون قالوا: لا؛ فإن الحديث لم يخصص: (إذا سمعتم من ينشد ضالةً في المسجد) والضالة: الضائعة؛ لأن الضلال: الضياع والتلاشي وعلى هذا فإن قوله: (ضالته) يشمل كل ضالة، سواء كانت دابة، أم متاعاً، أم سلعة، أم أي شيء قليل أو كثير ضل على صاحبه في المسجد أو في غيره، فلا يجوز له أن ينشده في المسجد. ثم قالوا: فأين ينشدها والمسجد موضع التجمع؟! قالوا: يقف على باب المسجد، وعند خروج الناس من الصلاة ينشد ضالته، فيقول: من رأى لي ضالتي أو: ضل علي كذا. فمن رآه؟ فيكون إنشاده للضالة خارج المسجد. ثم التعليل في الحديث: (فإن المساجد لم تبن لذلك) أي: لم تبن للبحث عن الضوال؛ لأن هذه أمور دنيوية. ونظير ذلك ما فعله الأعرابي، فقد جاء أعرابي إلى المسجد فأناخ راحلته ودخل المسجد، ثم تنحى جانباً وجلس يبول، فقام الحاضرون ليخرجوه، فقال رسول الله ﷺ : (اتركوه، ولا تزرموه) وأي: لا تحملوه على قطع البول؛ لأنه يؤذيه، وسيعدد مواضع البول؛ لأنه إذا أراق البول وهو جالس في مكانه انحصر البول في مكان محدود، لكن إذا أزرموه، وقام وهو يبول ستتسع المسافة إلى مقدار كبير، فنهاهم عن ذلك، فلما قضى بوله دعاه، وأمر بذنوب من ماء فأُهريق عليه، والذنوب: الدلو الكبير، وهذا تقدم في مبحث تطهير الأرض من البول بمكاثرة النجاسةَ بالماء. فدعاه النبي ﷺ وقال: (يا أخا العرب! إن هذه المساجد لم تبن لذلك -كما قال في الأول-، وإنما بنيت لذكر الله وما والاه) ، فذكر الله كقول: (لا إله إلا الله) ، (أستغفر الله) ، (الحمد لله) ، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وكل ما كان فيه ذكر الله، وما والاه حلق العلم، من المدارسة، ومن المذاكرة، ومن الموعظة، فكل ذلك داخل في ذكر الله وما والاه، كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] . فالأعرابي لما رأى الفارق الكبير بين جماعة يريدون أن يضربوه ويهيجوه ومن يقول: يا أخا العرب! إنها لم تبن لذلك، إنها لكذا وكذا قام في الحال، ورفع يديه وقال: اللهم ارحمني وارحم محمداً، ولا ترحم معنا أحداً. فقال ﷺ : (لقد حجرت واسعاً) ، فالله تعالى يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ، وأنت تريد أن تحصرها عليّ وعليك! والأمة هذه كلها ما مصيرها؟! ويهمنا قوله: (إن هذه المساجد لم تبن لذلك، إنما هي لذكر الله وما والاه) .

стр. 531

حكم مذاكرة العلوم الدنيوية في المساجد وفي واقع الحياة عندنا نشاهد في أواخر السنوات الدراسية أن الطلاب يكثرون في المساجد، ويعمرونها مع الصلوات، فكل معه دفاتره، وكل معه كتبه جماعات جماعات، فلا نقول: هذه أمور الدنيا، ولا ينبغي أن يشغلوا المساجد بذلك: لا والله؛ فكل العلوم -أياً كانت- إذا كانت في يد المسلمين فهي تخدم الإسلام. فعلم الذرة والطاقة النووية، وعلم الفضاء، والغوص في المحيطات، والجيولوجيا في بطن الأرض، وكل ذلك حين يكون في يد المسلم، إنما هو خدمة للإسلام؛ لقوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] . ونقول أيضاً: تلك القوى الفتاكة إذا كانت في يد المسلم فهي كالسيف في يد العاقل، أما إذا كانت في يد الكافر فهي كالسيف في يد الأحمق. ففي قضية كوبا حصل أنه نصبت روسيا فيها صواريخ، وكان كنيدي هو رئيس الولايات المتحدة، فأنذر إن لم تفكك هذه الصواريخ في ست ساعات فإن الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لاستعمال السلاح بقدر ما في طاقتها لتدميرها، فماذا قال خروشوف -؟ قال: إن هذا شاب متهور قد يفعلها. وبادر بتفكيك تلك الصواريخ من كوبا. والذي يهمنا قول هذا العسكري في حق الآخر: شاب متهور. فالقوة مهما كانت في أي علم إذا كانت في يد المسلم فهي كالسيف في يد العاقل لا يستعمله إلا في موضعه، وتلك القوة في يد الكافر كالسيف في يد الأحمق لا نأمن فيمن يستعملها. وهكذا إذا كان أبناؤنا الطلاب في أي حالة من الحالات يدرسون، وفي المساجد أياً كانت، فقد يجدون من الرفقة في المسجد ما لا يجدونه في البيت، وقد تكون في البيت مشاكل وأصوات ومشاغل، لكن في المسجد يوجد الهدوء وتوجد الراحة، وربما كانت مكيفة، وربما كان فيها الماء مبرداً، وقد لا يجد ذلك في بيته. وقد لاحظنا في عهد قديم قبل تعميم الكهرباء في المدينة أن سبعين إلى تسعين في المائة من العمال في المدينة وفي رمضان يأتون للنوم في المسجد؛ لأنه كان مكيفاً بالمراوح، وكان ألطف مما يوجد في بيوتهم. فالمساجد تكون مأوى الجميع، وتكون مرفقاً عاماً، فإذا كانت مذاكرتهم لا تشويش فيها ولا تضييق على المصلين، وإذا أقيمت الصلاة قاموا في صفوفهم وصلوا، لا أنهم عند الإقامة يتسربون من الأبواب إلى بيوتهم، وكأنهم لا يعرفون الصلاة، فإذا أتوا إلى المساجد لأداء الصلوات، وجلسوا لمذاكرة دروسهم في هندسة أو رياضيات أو جغرافيا، أو أي شيء فهم كمن يذاكر الفقه والحديث والتوحيد؛ لأن الكل يلتقي على خدمة هذا الدين، وخدمة الإنسان المسلم. إذاً فإنشاد الضالة في المسجد لا ينبغي؛ لأنها مصلحة خاصة بصاحبها، وفيه تشويش على المسلمين، ولم تبن المساجد لذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 532

كتاب الصلاة - باب المساجد [٤] الإسلام دين الخلق، فما تكاد تجد أمراً من الأمور إلا وله آداب وأحكام، وبيان لما يجوز فعله فيه وما لا يجوز، ومن ذلك المساجد، فمن آدابها: أن لا تتخذ مكاناً للبيع والشراء، فلا يجوز عقد البيع والشراء فيها، كما لا يشرع إقامة الحدود في المساجد، ولا بأس بإقامتها بجوار المساجد؛ للجمع الذي يكون عند المسجد، فتكون على مرأى ومسمع من الناس، فتعم الفضيلة وتقل الرذيلة.

стр. 533

تابع أحكام المساجد

стр. 534

حكم البيع والشراء في المساجد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وعنه -أي: وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد، فقولوا له: لا أربح الله تجارتك) رواه النسائي والترمذي، وحسنه] . هذا الحديث مع الذي قبله من باب واحد، فهناك ينشد الضالة لاسترجاع ما ضاع منه، وهنا يتعاطى البيع والشراء، وقد تقدم أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: من أراد سوق الدنيا فليخرج، ومن أراد سوق الآخرة فهنا. فلم تبن المساجد لتنقلب أسواقاً للبيع والشراء، وكما قيل: الأسواق مساكن الشياطين، كما أن المساجد مساكن الملائكة؛ لأن الأسواق غالباً يوجد فيها الضجيج، ويوجد فيها التدليس، ويوجد فيها الأيمان المروجة للسلعة، وتوجد فيها مخالفات كثيرة، إلا من عصم الله، ولهذا سد النبي ﷺ الباب أمام التجار، والذين يتخذون المساجد مكاناً للبيع والشراء. ويقال للمبتاع والمشتري في المسجد: لا أربح الله تجارتك. وقد يقول بعضهم: إن قول: (لا أربح الله تجارتك) إنما يقال لمن اتخذ ذلك عادة، أما إذا تبايعا في سلعة بينهما، وليس من عادتهما التبايع في المسجد فهل يتسامح معهما؟! والجواب: لا؛ لأن الحديث سدّ الباب، فإن تبايعا اليوم في قلم، ففي الغد سيتبايعان في الساعة، وبعده في الكتاب وهكذا، فيتسرب البيع والشراء إلى المساجد. فقوله ﷺ : (فقولوا له) أي: أسمعوه لا أن تقولوها سراً؛ لينزجر بذلك، وإذا علم البائع الذي يريد الربح أنه إذا عقد عقد بيع في المسجد قيل له: لا أربح الله تجارتك فإنه لن يقدم على مثل هذا العقد، المدعو عليه بمحق الربح؛ فإنه -ولو ربح- لا خير فيه، كما قال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] فكذلك هذا العقد، وإن كان فيه ربح فهو ممحوق؛ لأنه منهي عنه. وهنا يأتي الفقهاء ﵏، ويفسحون لنا المجال نوعاً ما، فلو أن إنساناً اشترى من إنسان سلعة، وكان الثمن مؤجلاً، فوجد الثمن عند المشتري، ولقي البائع في المسجد، فهل يجوز له أن يقول: خذ ثمن سلعتك الذي عندي. أم لا يجوز؟ والجواب: لأن عقد البيع قد مضى، وهنا سداد الدين، وسداد الدين -إن أخلص في النية- عبادة؛ لأنه يخرج من عهدة المطالبة بالدين، فلا مانع من ذلك. ومثل هذا أيضاً رد الوديعة، فلو أن إنساناً أودع إنساناً آخر وديعة، وأراد المستودَع أن يسافر، وتعذر عليه لقاء صاحب الوديعة إلا في المسجد، فأتى بالوديعة معه ولقي صاحبه، وقال: خذ وديعتك. فإني مسافر فلا إشكال في هذا؛ لأن المنهي عنه إنما هو التبايع، سواءٌ أكان لمرة واحدة نادرة، أم مراراً قليلة أو كثيرة.

стр. 535

حكم عمل المعتكف صاحب الصنعة داخل المسجد وهنا مسألة قد يثيرها بعض العلماء، تجدونها في مبحث الاعتكاف، وهي إذا لم يكن للمعتكف رأس مال، وإنما يعيش من صنعته، أو بيعه وشرائه، فهل يجوز له -وهو معتكف- أن يزاول مهنة البيع والشراء، أو يخرج إلى الخارج ويبيع ويشتري ثم يأتي إلى مسجده، أو إلى معتكفه؟ فبعضهم يقول: لا مانع إذا كان في طرف من المسجد. والجمهور يقولون: لا؛ لأن الحديث لم يفصل. فإذا كان صاحب صنعة لا يبيع ولا يشتري، ومنها عيشه، ويمكن أن يجمع بين الأمرين حاجته في معيشته، وعبادته في اعتكافه، فبعضهم -كالأحناف أو غيرهم- قالوا: يجوز له إن لم تكن صنعته تقذر المسجد، أو تضيق على الناس، ومثلوا بنسخ الكتب، إذ نعلم جميعاً أنه لم تكن في السابق مطابع، ولكن كانوا يعولون على نسخ الكتاب بأيديهم، فإذا كان الشخص وراقاً، ومشهوراً بخطه، وبكتابته للكتب، واعتكف يكون في معتكفه، وعنده حبره وقلمه وأوراقه، فله أن ينسخ وهو في محله، فإنه لا يقذر المسجد، ولا يضيق على المصلين، ولا يشوش عليهم، فمثل هذا قالوا: لا مانع في حقه؛ لأنه يجمع بين الحسنيين، ولا يضر، ولا يترتب عليه أذى. وبعضهم قال: هذه الصناعة تابعة للبيع والشراء؛ لأنه يبيع خبرته في كتابته لمن يكتب له. ويقال: إن كان ذا ضرورة، وليست له مهنة، فلا ينبغي أن يحرم، ما دام يؤدي هذا العمل بعيداً عن التشويش على الناس، ونحن الآن، لو وجدنا طالب علم، جالساً في جانب، أو عند سارية، وعنده مخطوطة يريد أن ينسخ منها، أو ينقل منها فلا غبار في ذلك. فهذا ما يتعلق بمسألة النهي عن البيع والشراء في المسجد، فعلى كل من سمع أو رأى من يبيع أو يبتاع في المسجد: أن يجابهه بهذه الكلمة (لا أربح الله تجارتك) ؛ لينزجر عن ذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 536

حكم إقامة الحدود في المساجد قال رحمه الله تعالى: [وعن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقام الحدود في المساجد، ولا يستقاد فيها) رواه أحمد وأبو داود بسند ضعيف] . إقامة الحدود من أعظم شعائر الله، وفي بعض الآثار: (إقامة حد في الأرض خير من مطر عشرين -أو ستين- عاماً) ، فإقامة الحدود منزل للبركة والرحمة؛ لأنه تطبيق لشرع الله، والحدود -كما يقولون- منها ما هو محض حق لله، ومنها ما هو محض حق للعبد، ومنها ما هو مشترك بين العبد وربه، كما في السرقة وفي الزنا وفي القذف، وفي شرب الخمر، فكل ذلك عقوبته حد، سواءٌ أكانت الحدود فيها جلداً، كالخمر، وزنا البكر، أو إتلافاً، كالرجم والقطع والقود، والقود حق للإنسان، بمعنى أنه إذا اعتدى إنسان على إنسان -سواءٌ في جراح، أم في نفس- فإن من حق المجني عليه أن يقتاد، أو يقتص من الجاني، وسواء في العضو، أم في النفس، فالحدود على ذاك التقسيم جلد، أو إتلاف، ومهما كانت فلا يقام الحد بالجلد أو بالقطع في المسجد؛ لأنه قد يحدث من المجني عليه، أو ممن يقام عليه الحد -سواءٌ بالجلد أم القطع- ما لا يتناسب مع المسجد، فإنما تقام الحدود على أبواب المساجد، في موضع التجمعات، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] . وكذلك القود، والقود في النفس بالقصاص، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] أما في الجراح فيتفق العلماء على أن القود في الجراح يشترط فيه أن يكون الجرح والاعتداء في مفصل؛ لأن القود في المفصل ممكن، أما إذا كان الجرح في الفخذ -مثلاً- أو في وسط اليد فإنه لا يتأتى فيه قود مماثل؛ لأن القصاص معناه أن تأخذ بحقك دون زيادة أو نقص، كما إذا قصصت الورقة أو الثوب بالمقص، فإن طرفي المقصوص متساويان، ولو مال المقص يميناً أو يساراً لظهر هذا الأثر في جانبي المقصوص، فيكون القص متعادلاً تماماً، سواءٌ في الاستقامة، أم في الأخذ يميناً أو يساراً، ومن هنا إذا كان الجرح في مفصل -كمرفق اليد والعضد والركبة والحقو- فهنا يكون القصاص. أما إذا كان الجرح، أو الكسر في غير مفصل، فلا يمكن أبداً أن يقتص بكسر، نظير كسر في وسط العظام؛ لأن الكسر الأول قد أخذ شكلاً معيناً، والكسر الثاني -كسر القصاص- لا يمكن أن نضمن أنه بحدوده، وأبعاده، وأجزائه، يكون مماثلاً للكسر الذي سبق، فهنا لا يكون القصاص، وتكون الدية، دية الجرح، أو دية كسر العظم، وهذه كلها مقدرة في كتب الفقه. فما كان حقاً لله، من الحدود، فلا يقام في المسجد، وكذلك أيضاً ما كان حقاً للآدمين، من قود، وقصاص، فلا يستوفى في المسجد، إنما يكون في الخارج؛ لأنه في الجلد، ربما يحدث من المجلود، في حالة شدة الجلد، ما يخشى منه على المسجد، وكذلك عند القطع، حيث يكون هناك الدم ويتناثر، فلا يناسب أن يكون في المسجد. وإذا قلنا: إن المسجد موضع الرحمة، وتنزل الرحمات، فلا يمكن أن نجعله موضع النقمة، وموضع التعذيب، وإن كان حداً من حدود الله؛ لكن فيه التعذيب وفيه الآلام، فينبغي أن يكون بعيداً عن حدود المسجد، ويبقى المسجد لطلب الرحمة والمغفرة. فنهى ﷺ أن تقام الحدود أو يقتاد في المسجد. وأما القصاص في مكة فبعضهم يقول: لا يقام حد القصاص في حرم مكة، وحدود الحرم جميعاً؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] ويقولون: نتركه حتى يخرج خارج الحرم، وهناك نقتص منه ونقتله، وإذا لم يخرج قالوا: يمنع من البيع، والشراء، والمعاطاة، ولا يعطى شيئاً حتى يضيق من نفسه، ويخرج يطلب لقمة العيش، فهناك نقتص منه. والبعض الآخر يقول: قال تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] وإذا اعتدى إنسان وقتل إنساناً في الحرم فيكون القاتل هو الذي انتهك حرمة الحرم فنقتله فيه، أما إذا جنى خارج الحرم ودخل لاجئاً إلى الحرم فلا نقيم عليه الحد في الحرم؛ لأنه لم ينتهك حرمة الحرم، بل لجأ إليه يحتمي فيه، وهنا يقول تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] وحرم مكة له أحكامه الخاصة، ويهمنا هنا فيما يتعلق بعموم المساجد في الدنيا وأنه لا تقام فيها الحدود، ولا يقاد فيها بين الناس. والله تعالى أعلم.

стр. 537

التمريض وحكمه في المسجد قال رحمه الله تعالى: [وعن عائشة ﵂ قالت: (أصيب سعد، يوم الخندق، فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب) متفق عليه] . يسوق لنا المؤلف رحمه الله تعالى قضية سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، وسعد له تاريخ عريض في الإسلام، وكان سيد بني عبد الأشهل، ولما بعث النبي ﷺ مصعب بن عمير مع أصحابه بعد بيعة العقبة، ليعلمهم الإسلام، كان يتتبع الأنصار على مياههم، فجاء إلى ديار بني الأشهل يدعو الناس، فكان سعد جالساً وراء هذا العمل، فأرسل ابن أخته، وقال: اذهب إلى فلان ومن معه، وقل له: فليكف ذلك عنا، ولا يفسد سفهاءنا. فلما جاء إلى مصعب وصاحبه هددهما وشتمهما، وقال: قوما عنا. فقال له مصعب رضي الله تعالى عنه: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أعرض عليك الذي جئت به، فإن رضيته وقبلته فبها، وإن لم ترضه، ولم تقبله رحلنا عنك، قال: أنصفت، وركز حربته وجلس. فقرأ عليه مصعب شيئاً من القرآن؛ فاستحسنه، فقال: ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟ قال: يغتسل -أو يتوضأ- ويصلي ركعتين، ويشهد شهادة الحق ففعل، فرجع إلى سعد ومن عنده، فقال من كان عند سعد: والله لقد رجع إليك قريبك بوجه غير الذي ذهب به عنا. فقال له سعد: ماذا فعلت؟ قال: أمرتهما بما أمرتني به، وعند عودته من عند مصعب قال له: إن ورائي رجلاً لو اتبعك سيتبعك أهل الحي هذا جميعاً. فكأن سعداً لم يقنع بكلام هذا الرجل، وذهب بنفسه، فلما وقف عليهما أتكاً، ارتكز على حربته، وكلمه بمثل ما كلمه الأول، فأجابه مصعب كذلك بمثل ما أجاب الأول، فقال: أنصفت والله. فقرأ عليه ما تيسر من القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فقال: ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟ فأخبره، وصلى الركعتين، وشهد شهادة الحق، ورجع إلى قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل! كيف ترونني فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وميمون الطليعة، ومبارك النجيبة،. إلخ، فقال: والله إن كلامكم رجالاً ونساءً عليّ حرام ما لم تسلموا. فبات الحي كله مسلماً. وهكذا كان له رضي الله تعالى عنه شأن عظيم في غزوة بدر، وفي غزوة الأحزاب أصيب بسهم في أكحله، فعز على النبي ﷺ أن يبعد عنه، وأراد أن يكون بجواره من قريب، فضربت له خيمة في المسجد، يُمرّض فيها، وليعوده النبي ﷺ من قريب، أي: من حجرته إلى المسجد، فرقع جرحه واستراح، فجاءت قضية بني قريظة الذين نقضوا العهد في غزوة الأحزاب، وشدة الأمر على المسلمين حتى بلغت القلوب الحناجر، وفي ذلك الموقف الرهيب الصعب قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] ، فمن فوقهم اليهود، ومن أسفل منهم الأحزاب قريش، وغطفان، ومن معهم، وأصبح المسلمون -كما يقال- بين فكي الأسد. فـ سعد رضي الله تعالى عنه لما أصيب قال: اللهم إن كنت أبقيت حرباً لقريش فأبقني إليها، وإن لم تكن أبقيت حرباً لقريش فاجعلها شهادة، ثم قال: اللهم أقر عيني في بني قريظة، فلما ذهب ﷺ وحاصرهم، كان من قصتهم أن طلبوا أن ينزلوا على حكم سعد؛ لأنهم كانوا حلفاءه قبل الإسلام، وظنوا أنه سيرفق بهم، فأرسل إليه ﷺ -وهو هناك يباشر الحصار-، وجيء بـ سعد على حمار، فلما وصل، وقال لهم ﷺ : قوموا لسيدكم فأنزلوه، فلما أنزلوه قال ﷺ : لقد نزل اليهود على حكمك يا سعد! فوقف وأشار بيده وقال: أحكمي نافذ على كل من كان هنا؟ قال الجميع: نعم. وأشار إلى اليهود: تنزلون على حكمي؟ قالوا: نعم. وأشار إلى الجهة الأخرى بتأدب وقال: ومن هنا؟ قالوا: نعم، فقال: يا رسول الله! أحكم فيهم بأن تقتل مقاتلتهم -أي: كل من كان قادراً على حمل السلاح- وتسبى نساؤهم وذراريهم، فأخذ اليهود يصيحون، وقال ﷺ : (والله لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع طباق) يعني: من فوق السماوات السبع، ونفذ ذلك، فقُتلت المقاتلة، وسُبي النساء والصبيان. والذي يهمنا أنه في هذه الوقعة -ومعها غزوة الأحزاب- كان لـ سعد رضي الله تعالى عنه موقف نبيل، وكانت حياته كلها لله ، ونصرةً لرسوله ﷺ ، فلما أصيب عزّ على رسول الله ﷺ أن يُترك ويُمرَّض في بيته في بني عبد الأشهل، وهم في العوالي، فنصب له خيمة في المسجد وصار يعوده من قريب، فلما انتهى من التحكيم المذكور نقض عليه جرحه في الليل، ومات في الصباح، وأقر الله عينه فيما أراد، وكما يقولون: لما أصبحوا وجدوا دماً وماءً يسيل من تحت الخيمة، فنظروا فإذا بجرحه قد نقض عليه ونزف ومات. وهنا يقول العلماء: هل ذلك الفعل من النبي ﷺ خاص بـ سعد، ومن أجل أن الرسول ﷺ يعوده من قريب، أو أننا إذا احتجنا، وحدث -لا قدر الله- مرض، وضاقت المستشفيات، وعجزت الدور المخصصة لذلك فلنا أن نستعمل المساجد مأوى للمرضى؟ الجواب: نعم، مع الحفاظ على أرض المسجد من أن يأتيها شيء مما يكون من المرضى، وإذا كان ولابد فليكن في مكان في جانب من المسجد، ثم بعد ذلك يطهر ما وقع في أرض المسجد. ويقول المتأخرون: إن من المهام التي أداها المسجد -أو على الأخص المسجد النبوي- مهمة المستشفى العسكري، أي: تمريض من أصيب في القتال داخل المسجد، ويقصدون به قصة سعد رضي الله تعالى عنه، والمؤلف يسوق لنا قصة سعد في باب المساجد ليبين لنا أنه عند الحاجة وعند الضرورة، لا مانع أن يمرض المرضى في المساجد؛ لأنها خدمة عامة، ومصلحة للجميع، فلا مانع من ذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 538

حكم اللعب في المسجد قال رحمه الله تعالى: [وعنها قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة، يلعبون في المسجد. الحديث) متفق عليه] . يأتينا المؤلف بهذا الحديث، أو بهذه القصة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، حيث قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة -أي: رجال من الحبشة- يلعبون في المسجد) وهذا جزء من مشهد كبير طويل، وهو: أنه كان في يوم عيد، فأخذ الأحباش الموجودون بالمدينة، في تلك السنة، يلعبون بحرابهم لعبة القتال، في المسجد النبوي، فرغبت عائشة رضي الله تعالى عنها أن ترى هذه اللعبة؛ لأنها لم ترها من قبل. وهنا يلبي لها النبي ﷺ رغبتها، فيقف ويسترها من الناس، وتتمكن من الرؤية، فصارت تَرى ولا تُرى، وقد جاء في خبرها، أنه لما طال وقوفها، قال: أرضيتِ؟ فقالت: لا، أريد زيادة. ويهمنا في سياق هذا الحديث السماح للأحباش باللعب بتلك الحركات الميدانية في المسجد النبوي، وهل يجوز لنا في الوقت الحاضر أن نفعل ذلك؟ يقولون: إذا كان مجرد لعب، أو لهو، أو مسابقة، أو مناضلة، -أي: مسابقة بالسهام- فلا، أما إذا كانت حركة فيها تدريب على الجهاد، ونوع من أنواع القتال، ومن يراه يستفيد، ومن يزاوله يحسن أكثر، فلا مانع، وفي يوم العيد؛ لأن يوم العيد في الإسلام فيه بهجة وسرور ولعب. فقد جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه دخل عليها والنبي ﷺ متكئ على فراشه، وعندها قينتان -جاريتان- تغنيان، وتضربان بالدف، فنهر عائشة وقال لها: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟! فقال له ﷺ : (دعها -يا أبا بكر -؛ إنه يوم عيد) . أي: أن يوم العيد يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره، وجاء عنه ﷺ أنه أتى المدينة ولهم أعياد كثيرة، لاسيما اليهود، فكل مناسبة عندهم يتخذونها عيداً، فلهم أيام متعددة، يتخذونها أعياداً إلى الآن، فقال ﷺ : (إن الله قد أبدلكم -يخاطب المسلمين- يومي عيد خيراً من هذا: عيد الفطر، وعيد الأضحى) . ويقول العلماء -من باب الالتماس-: جعل الله العيدين عقب عبادتين عظيمتين، وقد يستأنس الإنسان لهذا من سياق تشريع آيات الصيام، في قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، ثم يقال: يسّر الله مع الفرضية والإلزام، فجاءت الرخصة لمن يشق عليه، ثم جاء تعليل التيسير بقوله: (لتكملوا العدة) ؛ لأن التشريع إذا كان شاقاً ملزماً وليس فيه ترخيص يعجز الناس عنه، فإذا كان التكليف شاقاً فمع المشقة رخصة للعاجز، فيمكن للمكلفين أن يكملوا العدة التي كلفوا بها؛ لأن مشقة التكليف يصحبها الترخيص والتخفيف. ثم قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ يقول بعض العلماء: هو التكبير الذي يكون يوم العيد؛ لأنه جاء بعد إكمال العدة -أي: إكمال عدة رمضان- ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله. فقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي: لأداء الواجب عليكم، وامتثال أمره، فكأنه قال: كلفتم بالصيام فأديتموه، وأكملتم العدة، فهلموا إلى تكبير الله، وإلى بهجة وفرحة العيد، بإكمال هذا التكليف الشاق العظيم. وكذلك عيد الأضحى بعد الحج، والحج عبادة فيها مشقة، ففيها السفر والتنقل بين المشاعر، والسفر وحده -كما قيل-: لسفر قطعة من العذاب؛ لأن الإنسان يتحمل فيه تغير طبيعة حياته في نومه، وفي طعامه، وفي شرابه، فيختلف عليه نظام حياته في الإقامة، ويتحمل ذلك في سبيل أداء هذه العبادة العظيمة. ومن هنا كان العيدان -عيد الفطر وعيد الأضحى- بهجة بعد أداء واجب فيه مشقة، فعيد الفطر بعد الصوم، وعيد الأضحى، بعد الحج، ومن هنا رخص النبي ﷺ لهؤلاء القوم أن يظهروا فرحتهم وبهجتهم بما يطيب لهم، وهي -كما يقال- لعبة القتال أو رقصة القتال، فيفعلونها تعبيراً عن شعورهم وفرحتهم في ذلك اليوم، فلا مانع في ذلك. ويهمنا أنه سمح لهم أن يفعلوا ذلك في المسجد، أما بقية أنواع اللعب فلا يسمح بها، كما تقدم قوله ﷺ : (إن هذه البيوت -أو المساجد- لم تبن لذلك، إنما هي لذكر الله وما والاه) ، فكما أن الشعر الذي يخدم الدعوة الإسلامية ويخدم المسلمين مما يوالي ذكر الله؛ لأنه تأييد لهم، فكذلك مثل هذه الحركة ففيها تدريب، وفيها تعليم لمن لم يرها من قبل، وفيها تشويق لمن لم يعرف ذلك، فتكون فيها خدمة دينية، فلا مانع منها، ولا يسمح بها في غير يوم العيد، فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث. وهنا ناحية اجتماعية أخرى، وهي أن الرسول ﷺ ستر عائشة حتى لا يراها الناس، وهي رأت الناس ولا يمكنها مشاهدة ذلك إلا بأن تراهم، فهناك فرق بين أن يرى الرجل المرأة وأن ترى المرأة الرجل، ولكن -كما يقولون- الأفضل للطرفين ألا يرى أحدهما الآخر، فهذا هو الأسلم والأفضل، كما جاء في قصة ابن أم مكتوم حيث دخل على بعض زوجات رسول الله ﷺ ، فقال لهن: (احتجبن. فقلن له: إنه أعمى لا يرانا. قال: أوعمياوان أنتما؟) فهو لن يراهما لأنه أعمى، وهما سيريانه، وهذا من باب الرفعة أو السمو، أو علو درجات أمهات المؤمنين، فيحملن على أكمل الصور وأكمل الحالات. والآن -بطبيعة الحال وضرورة الحياة- المرأة تخرج إلى السوق، ولها أن تخرج إلى المسجد، ففي الحديث: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، فستخرج من بيتها إلى المسجد، فهل تخرج مغمضة عينها أو ترى الطريق؟! إنها سترى الطريق، والطريق فيها الرجال والنساء، فسترى المار في الطريق، فهذا من الضرورات، ولا يمكن أن نمنعها من رؤية الرجال؛ لأن هذا معناه منعها من الحركة خارج بيتها، مع أنه يجوز لها أن تخرج إلى قضاء حاجتها، حتى المعتدة لها أن تذهب في النهار لتقضي حاجتها وترجع، ويكون مبيتها في بيتها. فهذه ضرورة، ولا يمكن القضاء عليها، وليس هناك بديل عنها.

стр. 539

كتاب الصلاة - باب المساجد [٥] إن المساجد شعار المسلمين، وما من مسلم إلا ويتردد عليها أو يكثر المكث فيها، لذلك فقد شرعت آداب وأحكام للمساجد حتى يُحافظ على نظافتها وتكريمها، ومن ذلك: أنه يجوز للمرأة أن تتخذ بناءً في المسجد فتأوي إليه وذلك عند الحاجة، ومن أحكام المساجد أيضاً: أن تصان عن الأقذار لاسيما البصاق، وبخاصة إذا كانت أرضية المساجد كما هو الحال اليوم (مفروشة) فلا يشرع للمسلم أن يبصق إلا في طرف رداءه أو في منديل.

стр. 540

تابع أحكام المساجد

стр. 541

حكم مكث المرأة في المسجد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أما بعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن عائشة: (أن وليدة سوداء كان لها خباء في المسجد، وكانت تأتيني تتحدث عندي. الحديث) متفق عليه] . هذه المرأة -سواء أكانت هي التي تقم المسجد، أم كانت امرأة غيرها- جعل لها خباء في المسجد تأوي إليه، ويقال أيضاً: هذا في حالة الضرورة، وقد وجدنا بعض زوجات النبي ﷺ ضربن لأنفسهن الخيمة في المسجد ليعتكفن، وذلك لما استأذنت بعض زوجات رسول الله ﷺ أن تعتكف معه، وضربت لها خيمة، فقام بعض الزوجات الأخريات، ونصبن خيمة، فلما غدا ﷺ إلى معتكفه رأى ثلاث خيام منصوبة، فقال: ما هذا؟! قالوا: فلانة وفلانة وفلانة ضربن خياماً ليعتكفن قال: (آلبر ترون بهن؟) -يعني: الذي حملهن على هذا هو البر وفعل الخير، أم المنافسة فيما بينهن؟ ثم قال: (قوضوا خيمتي) فقوضوا خيمته، ولم يعتكف تلك السنة، وقضى اعتكافه بعد ذلك في شوال، وهل كان بصوم أو بغير صوم؟ لم يثبت في ذلك شيء، ولم يعلم العلماء كيف كان اعتكافه بعد ذلك. وعلى هذا يجوز عند الحاجة إقامة خباء لامرأة في جانب من المسجد بعيداً عن الرجال، ولا مانع من ذلك، وهذا الذي ساقه المؤلف من أجله. والله أعلم.

стр. 542

حكم البصاق في المسجد قال رحمه الله تعالى: [وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) متفق عليه] . من آداب المسجد ما تقدم في أول حديث من هذا الباب: (أمر النبي ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب) ، وجاء في حديث سمرة -وهو من أحاديث (المنتقى) الذي شرحه الإمام الشوكاني في كتابه (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار-) : (أمرنا النبي ﷺ أن نبني المساجد في ديارنا) ، وهذا يوضح معنى الدور؛ لأنهم قالوا: الدور قد تكون جمع دار، وقد يكون المراد بها الديار. فحديث سمرة فيه: (أمرنا ﷺ أن نبني المساجد في ديارنا، وأن نحسن صنعتها) يعني:تكون في حالة حسنة، وليست في حالة رديئة أو حالة ليس فيها اعتناء، بل علينا أن نحسن صنعتها، فإذا أمر بحسن صنعة المسجد ففي هذا تعظيم للمسجد، واحترام للمسجد، وهو داخل ضمن قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] ، فالمساجد بيوت الله وشعائره، وسيأتي الكلام على تشييد المساجد، وعلى زخرفتها، والحديث فيه مقال. قوله: (البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) . يقف العلماء أمام هذا الحديث من جانبين، فما دام أن البصاق خطيئة فلماذا تتعمد ارتكاب الخطيئة؟ بل اتركها، فإذا وقعت اضطراراً فليكفر عما ارتكبه اضطراراً، بأن يدفنها في التراب إذا كان المسجد تراباً، وقد جاء الحديث أيضاً: (إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يبصق تلقاء وجهه؛ فإن الله تلقاء وجهه، ولا عن يمينه فيؤذي جاره، ولكن عن يساره وتحت قدمه) ؛ لأنه يستطيع بقدمه أن يدفنها. وجاء في الحديث الآخر: (إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يبصق كذا وكذا، ولكن يفعل كذا، وأخذ ﷺ طرف ردائه وبصق فيه، ثم دلك جانبيه) ؛ وذلك ليتشرب الرداء رطوبة البُصاق، وهذا في حالة ما إذا كان المسجد تراباً، وقد كان المسجد تراباً، كما جاء في خبر ليلة القدر: (. وأريت أني أسجد صبيحتها في ماء وطين) ، قال الراوي: فأمطرت السماء ليلة كذا، ووكف المسجد، وكان السقف من الجريد، ولقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد في ماء وطين -يعني: أثره-، ولقد رأيت أثر الطين على أرنبة أنفه، فكانت أرضية المسجد من تراب، وبعد ذلك أتى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بالحصباء -وهي: الرمل الخشن- بأطراف أرديتهم، ويأتي كل واحد منهم إلى مكانه في موقفه من الصف، ويفردها ويقعد عليها، حتى تم فرش المسجد بالحصباء، فنظر إليه ﷺ فقال: (نعم هذا) . وكان ﷺ يتخذ الخمرة ليصلي عليها في المسجد، ويختلفون في معنى الخمرة، فبعضهم يقول: هي القطعة من سعف النخل التي تكون على قدر صلاة الإنسان. وبعضهم يقول: بل هي على قدر ما يسجد عليه بكفيه وجبهته وأرنبة أنفه، فيكون بعض جسمه على التراب، أو على شيء آخر. والخمر ما يخمّر الوجه، أي: يغطيه. ويذكر مالك في الموطأ عن وقت يوم الجمعة أنه كان لـ جعفر بن عقيل أو غيره طنفسة عند الجدار الغربي، فإذا علاها الفيء أذن المؤذن، أو جاء الإمام للخطبة، فكان توقيت الجمعة بعد الزوال؛ لأن ظل الجدار الغربي قبل الزوال يكون إلى الغرب؛ لأن الشمس ما تزال في الشرق، فإذا ما زالت عن كبد السماء إلى الغرب، انتقل الظل أو الفيء إلى الشرق، فإذا امتد الظل عند الجدار الغربي إلى الشرق حتى يغطي طنفسة -وهي سجادة صغيرة- دخل وقت الجمعة. فكانوا يتخذون الفرش والخمر والطنافس ويصلون عليها، وكان بقية المسجد في تراب. والأولى بالإنسان ألا يبصق في المسجد، لا في الصلاة ولا في غيرها تطهيراً للمسجد، وقد جاء عنه ﷺ : (عرضت علي أعمال أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) ، وسيأتي إن شاء الله، والقذاة: القشرة الصغيرة يخرجها من المسجد تطييباً وتنظيفاً للمسجد، والمرأة التي كانت تقم المسجد قد تقدمت قصتها مراراً. فالبصاق في المسجد خطيئة، ومن هذا نعلم أنه لا ينبغي التعمد؛ لأنه لا يحق لإنسان أن يأتي الخطيئة عن عمد ولو كانت صغيرة، فإن إصراره عليها يحولها إلى كبيرة؛ لأن فيها امتهاناً للمسجد، إلا إن اضطر، خاصة إذا كان في الصلاة، ولا يستطيع أن يذهب يميناً ولا يساراً، ومن هنا نعلم ضرورة حمل المنديل مع الإنسان؛ لأنه بدلاً من أن يجعلها في ردائه ويبقى برداء فيه البصاق فالأولى أن يكون المنديل في جيبه فيبصق فيه، ثم بعد ذلك يغسله، وغسله أيسر من غسل الرداء. والآن تطورت الأمور، فبعد أن كانوا يسمونه منديل اليد أو منديل الجيب، ويغالون في جنسه من حرير أو من خز، ويشتغلون فيه النقوش أصبحت مناديل الورق تجزئ عن هذا كله. ففي هذا الحديث تأكيد لما تقدم في أول الباب أن من حق المساجد أن تنظف، وأن تطيب، فإن وقع من إنسان بغير اختياره أن بصق، وكانت الأرض تراباً فإنه يدفنها حتى لا تؤذي غيره؛ لأنها إذا بقيت على وجه التراب، وجاء إنسان وجلس، أو وطئها بقدميه سيتأذى، فدفنها يجنب الآخرين إيذاءها، وهذا -كما أشرنا- تتمة وتأكيد، لأول حديث ورد في هذا الباب، وتقدمت الإشارة إلى أن النبي ﷺ رأى نخامة في جدار القبلة في بعض المساجد فحتها بيده، أو حتها بحجر، ولا نزاع، فهو أخذ الحجر بيده وحتها، فلا مانع، ثم قال: (لا يصلين بكم هذا الإمام بعد اليوم) ، فكانت هذه النخامة في جدار القبلة موجبة لعزله عن الإمامة؛ لأنه ما عظم حرمة القبلة، وانتهك حرمة المسجد وهو القدوة، فينبغي أن يكون على أمثل ما يكون في احترام المسجد وتوقيره.

стр. 543

المباهاة في المساجد وحكمها قال ﵀: [وعنه -أي: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد) أخرجه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة] . هذا الحديث يعده العلماء من علامات الساعة السابقة، أو الصغرى، فيخبر النبي ﷺ أنه قبل أن تقوم الساعة يتباهى الناس بالمساجد بكثرتها وفي صنعتها. ويقول بعض العلماء: ما ضيع الناس دينهم إلا تباهوا بالمساجد وزخرفوا المصاحف. وجاء عن بعض السلف: يقيمون المساجد ولا يصلون فيها، ويزخرون المصاحف ولا يقرءون فيها. ويقول الإمام ابن تيمية ﵀: يتخذ أحدهم السجاد والسبحة والمصحف قنية وزينة، فالسجادة لا يصلي عليها، والسبحة لا يسبح الله بها، والمصحف لا يقرأ فيه، إنما هذه -كما يقال- عادة. ويذكر علماء الأدب أن في بعض البلاد كانت هناك المنافسة في العلم، وفعلاً كانت تلك البلد -كما يقال- مهبط علم، وتخرج منها كبار العلماء، فكان عوام الناس يتشبهون بالعلماء، ويريدون أن يحاكوا حالة العلماء؛ لأن العلماء كانت لهم عزة وكرامة، فكان الأغنياء يتشبهون بالعلماء، فلربما لبس الواحد منهم لبس العلماء، ثم يقتني مكتبة في بيته، ويعنى بها في شكلها وتجليدها، وتصبح كالتحفة، وهو لا يعرف شيئاً مما فيها، وهمه أن يقال: فلان عنده مكتبة صفتها كذا. لأن هذا من شأن العلماء، فهذه مباهاة في المكتبات، وزي العلماء، وكذلك التباهي بالمساجد. فقد يكون هناك مسجد في حي، فتأتي جماعة جديدة، وتبني لها مسجداً، ويقولون: كما أن لهم مسجداً فنحن أيضاً صار لنا مسجد، وتأتي جماعة أخرى غير الذين تقدموا وتقيم لها مسجداً مع عدم الحاجة لذلك، فليست بينهما مسافة كبيرة، وليست هناك مشقة، والمسجد الأول يسع الجميعفهذه مباهاة، والفضيلة في هذا للأقدم، أي: في حالة المنافسة. وهكذا تصبح المساجد في معرض المنافسة في شكلها، ولكن الله ما جعل المساجد ليتفاخر بها الناس، وإنما جعل إعمار المساجد لذكر الله، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦-٣٧] . وعلى هذا إذا وجدنا من يتباهى بالمسجد، وزاد فيه سعة أو رفعة أو تشييداً منافسة لغيره، فقد دخل في هذا الحديث، وهو المباهاة بالمساجد. ويذكرون عن بعض المذاهب -وهو معروف- أن إمام المذهب يجيز ذلك، ويقول: إنه من باب تكريم المسجد والعناية به، وكما يحتفي الإنسان ببيته يحتفي ببيت الله. لكن بيت الإنسان لمعيشته ولنومه وجلوسه وأمور دنيوية، وبيوت الله ليست من هذا القبيل. وبعضهم أيضاً يستدل بعموم الحديث: (من بنى لله مسجداً بنى الله له مثله في الجنة) إلا أن المثلية نحن لا نعرفها على حقيقتها؛ لأن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وبناية الجنة غير بناية الدنيا، كما في حديث خديجة رضي الله تعالى عنها لما جاء جبريل وقال للرسول ﷺ : (إن الله يقرئ خديجة السلام، وبشرها يبيت في الجنة من قصب -أي: من لؤلؤ- لا تعب فيه ولا نصب) ، فقصب من لؤلؤة واحدة، وأين بناء الجنة من بناء الدنيا؟! وقد جاء في بعض الروايات: (ولو كمفحص قطاة) ، والقطا طائر معروف أقل من الحمامة، وأكبر من العصفور، إذا أرادت أن تبيض تفحص الرمل حتى تجد مكاناً تجعل بيضها فيه، ومفحص القطاة لا يسع القطاة نفسها، فكيف يكون محلاً للصلاة؟! فالمثلية يعلمها الله . فقالوا في حديث: (بنى الله له مثله في الجنة) لا مانع أن يزخرف ويحسن، حتى يكون البيت الذي يبنيه الله له في الجنة مثله. فهل الله يكون خسراناً إذا كان البيت الذي سيبنيه الله له في الجنة مثل المسجد الذي بناه هو في الدنيا؟ فنعيم الجنة فوق التصور، أتنزل به إلى مثلية الدنيا! لقد ضيعت على نفسك الشيء الكثير، دعه لكرم الله. والحديث هنا: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد -أو في المساجد-) فتكون المباهاة في أي شكل من أشكاله، في سعته، وفي ارتفاعه، ونوع بنائه، وزخرفته، فكل هذه الأشياء هي موضع المباهاة، أما إذا كانت المباهاة في كثرة صلاتهم فيه وإعماره بذكر الله، فهذه منافسة حميدة، فلو أن أهل كل ديار نافسوا الآخرين فقالوا: نحن مسجدنا يصلي به عشرون صفاً، ويصلي به ألف مصل، ومسجدكم لا أحد يصلي فيه، فهذه تكون منافسة في الخير، وليست مباهاة. فهذا الحديث بمنطوقه يحذر من المباهاة في المساجد، وبمفهومه النهي عن ذلك، فلا ينبغي أن تُجعل المساجد موضع مباهاة، كما يتباهى الناس في بناء الفلل والعمائر، ونوع السيارة الفاخرة؛ لأنه ينقل المساجد عن موضوع رسالتها لذكر الله وما والاه إلى أمور أخرى لأغراض شخصية. والله تعالى أعلم.

стр. 544

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [١] درج النبي ﷺ على تعليم أصحابه كل ما لا يحسنون فعله بالقول والفعل ولو تطلب ذلك منه إعادته عدة مرات، وقد اشتهر عند أهل الحديث حديث: المسيء صلاته، وفيه جمع الرسول ﵊ أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها، وأكد في ثنايا الانتقال من ركن إلى آخر على أهمية الاطمئنان فيه إشارة منه إلى أن الصلاة ليست مجرد حركات بلا معنى، ولكنها أفعال خاصة يراد بها نيل رضا الرب .

стр. 545

شرح حديث المسيء في صلاته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقال المؤلف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) ، أخرجه السبعة، واللفظ للبخاري، ولـ ابن ماجة بإسناد مسلم: (حتى تطمئن قائماً) . ومثله في حديث رفاعة بن رافع عند أحمد وابن حبان: (حتى تطمئن قائماً) . ولـ أحمد: (فأقم صلبك حتى ترجع العظام) . وللنسائي وأبي داود من حديث رفاعة بن رافع: (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، ثم يكبر الله تعالى ويحمده ويثني عليه) وفيها: (فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله) . ولـ أبي داود: (ثم اقرأ بأم الكتاب، وبما شاء الله) . ولـ ابن حبان: (ثم بما شئت) ] . يقول المؤلف رحمه الله تعالى: باب صفة الصلاة، أي: من مباحث الصلاة بيان صفتها، وصفة الشيء: هيئته التي يكون عليها، وبيان صفة الصلاة جاء عن النبي ﷺ بوسائل البيان المعروفة بالقول وبالفعل، أما بالفعل فكما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه: أنه صعد المنبر -وكان من ثلاث درجات- واستقبل القبلة وهو على الدرجة الثالثة فقرأ ثم ركع، ثم رفع من الركوع، ثم رجع القهقرى حتى نزل إلى الأرض وسجد في أصل المنبر؛ لأن الدرجة التي كان عليها لا تتسع للسجود، ثم رفع من السجود وهو في الأرض، ثم سجد السجدة الثانية، ثم قام وصعد المنبر، وقرأ وركع ورفع، ثم رجع القهقرى وسجد السجدتين، ثم تشهد وسلم ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . فهذا بيان لصفة الصلاة بالفعل، وهي الحالة التي تكون أيسر تعلماً؛ لأننا وجدنا أن الطفل يرى أبويه يصليان وهو لا يعرف شيئاً، فيأتي يحاكي كلاً منهما في الفعل وإن كان لا يعرف القبلة من غيرها، فربما واجه أباه وسجد تجاهه وليس تجاه القبلة، لأنه يرى حركات فيقلدها. وهكذا الحيوانات الراقية قد تقلد ما ترى من حركات؛ فالتعليم إما بالرؤية وإما بالسماع، والرؤية أقوى أثراً؛ لأن الإنسان بإمكانه أن يرى عدة مرئيات في وقت واحد، بينما لا يسمع عدة أصوات في وقت واحد أبداً، ولهذا أمثلة مما جاء في كتاب الله من إفراد السمع وجمع البصر كقوله: ﴿السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨] ، ونجد علماء التفسير يقولون: في اللغة العربية السمع مصدر، والمصدر يستعمل للمفرد والمثنى والجمع، ونقول بجانب ذلك: إن طبيعة الإنسان في السمع لا تمكنه من أن يصغي لصوتين أو ثلاثة في وقت واحد ويعي ما قيل، بخلاف الرؤية، انظر إلى البساط الذي تجلس عليه، في وقت واحد ترى لوناً أحمر وأخضر وأصفر وأسود وأبيض في نظرة واحدة. ولذا تهتم دور التعليم بوسائل الإيضاح المرئية أكثر من المسموعة، فهنا ﷺ بين صفة الصلاة فعلاً، وكذلك في الحج قال: (خذوا عني مناسككم) ، فكانوا ينظرون كيف يطوف، ويسعى، ويقف بعرفات، ويبيت بالمزدلفة، ويرمي الجمرات، وينحر الهدي. إلى آخره. فيكون فعله ﷺ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] . وهذا الحديث بيان بالقول، ويعتني به علماء السنة والحديث، ويسمونه حديث المسيء في صلاته؛ وذلك أن الرسول ﷺ رأى رجلاً دخل المسجد فصلى، ثم جاء وسلم على النبي ﷺ في مجلسه، فقال له صلوات الله وسلامه عليه: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ، فرجع فصلى كما صلى أولاً، ثم جاء فسلم فقال: (ارجع) ، وفي المرة الثالثة قال: والذي بعثك بالحق! لا أعرف غير هذا فعلمني، فالرجل اجتهد ثلاث مرات وصلى كما يعلم.

стр. 546

إسباغ الوضوء في هذا الحديث بدأ ﷺ بتعليمه لازم الصلاة، وهو الطهارة لها فقال: (إذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء) ، فالرجل لم يتوضأ عندنا، ولم يره الرسول يتوضأ، ولكن من حكمة المفتي وفقهه وفطنته أن يراعي مصلحة المستفتي وكما تقدم حديث: (إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟) فماء البحر يصلح للوضوء ولا يصلح للشرب، فكان السؤال في خصوص الوضوء بماء البحر، فكان الجواب أبعد من ماء البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) ، ما الذي أتى بالميتة هنا والسؤال إنما هو عن طهارة ماء البحر؟ لماذا أفتاهم بحكم الماء وزادهم حكم ميتة البحر؟ وهل هذا غير مطابق للسؤال؟ بل هذا هو الجواب الحكيم؛ لأن النبي ﷺ أدرك من حال السائل أنه إذا التبس عليه الوضوء من ماء البحر وهو يداوم ركوب البحر، فمن باب أولى أن يلتبس عليه حكم ميتة البحر، أو أنه في حاجة إلى معرفة حكم ميتة البحر؛ بحكم طول ركوبه البحر، فبيّن له حكم ما لم يسأل عنه؛ لأنه من لوازم المسئول عنه. وهنا الرسول ﷺ رأى الرجل في المسجد لم يحسن الصلاة، فبدأه بتعليم لازم الصلاة، فإذا كان لا يحسن الصلاة فلعله أيضاً لا يحسن الوضوء، فقال له: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ) والإسباغ التعميم، مثل قولك: صبغت الثوب، أي: عممته بالصبغ، والدروع السابغات هي التي تغطي المقاتل وما يخشى من إصابته في المعركة، ولما قالت بعض زوجات رسول الله ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار يا رسول الله؟! والخمار هو ما تخمر المرأة به رأسها ووجهها، والدرع هو ما تلبسه على جسمها كاملاً، فقال: (نعم، إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور القدمين) ، إذاً: الدرع يكون سابغاً إذا كان يغطي ظهور القدمين، فإذا كان مرتفعاً عنها فليس بسابغ. (فأسبغ الوضوء) أي: توضأ وضوءاً سابغاً، وفي غزوة تبوك توضئوا على عجل فرأى النبي ﷺ في أعقاب بعضهم لمعاً بيضاء، والعقب هو: مؤخر القدم عند التقاء الساق بالقدم عند العرقوب، وهذا التجويف قد لا يغسل عندما يمر عليه الماء، وقد يكون تجمع الهواء يمنع الماء من النزول إلى البشرة، فنادى ﷺ وقال: (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار) ، (أسبغوا الوضوء) ، أي: اجعلوا الوضوء سابغاً على أعضائه بحيث لا يكون فيه عضو منكشفاً، ولا يترك جزء من العضو المراد غسله لا يصل إليه الماء، ولهذا رأى المالكية وجوب الدلك؛ حتى يتأكد من أن الماء قد لمس جميع البشرة. إذاً: (أسبغ الوضوء) بمعنى: أن تجعل غسل الأعضاء كاملاً، فإذا أسبغ وضوءه تمت الطهارة، ولم يذكر له عدد الغسلات، وجاء في تعاليمه ﷺ : مرة ومرتين وثلاث، وأقل ما يجزئ في الوضوء مرة، وأكمل الغسلات ثلاث.

стр. 547

اشتمال الحديث على أركان الصلاة قال ﵊: (ثم استقبل القبلة وكبر) ، هذا الحديث يقول فيه بعض العلماء: هو أصل وأساس ما لا تصح الصلاة إلا به، وكل ما ذكر فيه واجب في الصلاة، وتبطل بتركه؛ لأنه جيء به في معرض التعليم، والتعليم أهم ما يكون لما تصح به الصلاة، ولا يجوز تأخير البيان للأمر الواجب عن وقت الحاجة؛ لأن هذا الرجل لم يحسن الصلاة، وهو في حاجة إلى أن يتعلم ما يصححها؛ فلا ينبغي أن يترك بيان شيء له يتعلق بصحتها، ولذا قالوا: كل ما ذكر في هذا الحديث فلا تصح الصلاة إلا به، وهل ما لم يذكر فيه تصح الصلاة بتركه؟ قالوا: إذا وجدنا عملاً زائداً عما جاء في هذا الحديث، وصح سنداً، ولم يتعارض مع ما جاء في هذا؛ فنضيفه أيضاً؛ لأن الرسول ﷺ ذكر له ما يشترط في الصلاة، وترك ذكر بعض الأشياء التي تركها لا يبطل الصلاة. وتوسط قوم فقالوا: إن الرسول ﷺ علم الرجل ما رأى أنه لم يحسنه، وما رآه يحسنه سكت عنه، وذكر له الوضوء على مظنة أنه في حاجة إلى تعليمه.

стр. 548

استقبال القبلة قال ﷺ : (ثم استقبل القبلة) ، ومعلوم أن الرجل كان يصلي إلى القبلة؛ لأنه رأى الناس يصلون إليها، ويعرف أن الصلاة تكون باتجاه القبلة، لكن لما كان الحديث في سياق التعليم شملها، وجاءه بمقدمة الصلاة وهو إسباغ الوضوء، ثم بأول حركة في الصلاة للإنسان وهي: استقبال القبلة. وبالإجماع أن الصلاة لا تكون إلا للقبلة، ما عدا في بعض الأحوال الاضطرارية أو التي يكون فيها تسامح، مثل النافلة في السفر، والفريضة في السفينة والطائرة في الوقت الحاضر، فقد يتعذر على الإنسان استقبال القبلة، فيتسامح فيها، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] . إذاً: الأصل استقبال القبلة في الفريضة، ويسقط هذا الأصل في النافلة، كما كان ﷺ في سفره يصلي ورده بالليل على راحلته حيث توجهت به، فقد تكون القبلة وراءه، مثل أن يأتي من مكة إلى المدينة ويريد أن يصلي صلاة الليل، فلن يوقفها، وليس هو ذاهب ناحية مكة، فيصلي وهو مستدبر القبلة، وهذا لظروف السفر، وهذه الصلاة نافلة، أما الفريضة فلا تكون على ظهر الرواحل، ولا لغير القبلة، فينزلون ويصلون على الأرض، ويتمكنون من السجود، بخلاف الراحلة فإنه سيومئ عليها إيماءً، اللهم إذا كان هناك مطر وطين ولا يستطيعون السجود حتى في الأرض، فإذا كان ليس هناك سجود في الأرض فإنهم يبقون على رواحلهم، ويومئون على الرواحل بدلاً من أن يومئوا على الأرض؛ بسبب المطر والطين، وقد تقدمت التفصيلات في استقبال القبلة، وأن الفرض على البعيد هو استقبال الوجهة: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤] ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] ، فمن كان في المدينة، لا يتأتى له أن يستقبل عين الكعبة، ويكون مسامتاً لها كالسهم، ثم إن خطوط الأرض بطولها وعرضها لا يمكن أن تحصر في سمت الكعبة، فيكون هناك مشقة بتكليف البعيد استقبال عين الكعبة، والفقهاء يقولون: الناس بالنسبة إلى الكعبة من حيث القرب والبعد ثلاثة أقسام: القسم الأول: قسم يصلي في داخل المسجد الحرام، فهذا يتعين عليه أن يكون مسامتاً للكعبة، الصف حلقة دائرة، وحيثما كان يكون صدره مقابلاً لبنية الكعبة، هذا إذا كان في نفس المسجد. القسم الثاني: من كان في بيوت مكة، فيجب أن يستقبل المسجد لا عين الكعبة. القسم الثالث: من كان آفاقياً خارج مكة إلى آخر محيط الدائرة في الكرة الأرضية، فإن قبلته شطر المسجد الحرام. نحن الآن في المدينة شمال مكة، ومكة في الجنوب، فكل من توجه إلى الجنوب فهو مستقبل القبلة؛ لأن الشطر الجهة، أو نصف الكرة، النصف التي هي فيه من هناك، والنصف الذي نحن فيه من هنا. (فاستقبل القبلة) ، أي: بالقدر الذي تستطيعه، بما يتوجب في حقك بالنسبة إلى بعدك أو دنوك من الكعبة؛ لأن هذا تعليم عام؛ فيتوجب على كل من كان داخل الحرم أن يستقبل عين الكعبة، ومن كان بمكة إلى موطن الحرم، ومن كان بعيداً إلى شطر مكة.

стр. 549

تكبيرة الإحرام وبعد استقبال القبلة يكبر، وهو المعروف عند الفقهاء بتكبيرة الإحرام؛ لأنها تجعل المصلي في حرم الصلاة، وأصبح محرماً عليه ما كان جائزاً خارجها، فيحرم عليه الكلام والطعام والشراب والمشي والالتفات، وكل هذا يحرم بمجرد التكبير. ومن هيئة التكبير: أن يكون مع التكبير رفع اليدين حذو المنكبين. وهناك من يناقش في هندسة التكبير مع الرفع، هل أو يرفع ثم يكبر، أو يكبر ثم يرفع، أو يرفع مع التكبير؟ الذي عليه الفقهاء: أن كل ذكر جاء مع حركة في الصلاة، فإن الذكر الوارد يشغل بالحركة، فإذا كان قائماً يقرأ وأراد أن يركع وسيكبر للانتقال، لا يقول: الله أكبر، ثم يركع، أو يركع ثم يقول: الله أكبر، وإنما يكون نطقه: بـ (الله أكبر) مع حركته إلى تمام الركوع، قالوا: ليشغل فراغ الوقت في الحركة بالذكر الوارد لها. ويرفعهما: حتى يحاذي بهما منكبيه، وبعضهم يقول: إلى شحمتي أذنيه، وكما يقول علماء الحديث: ليس هناك اختلاف؛ لأن من نظر إلى شحمتي الأذن نظر إلى أطراف الأصابع، ومن نظر إلى المنكبين نظر إلى منتهى الكف، فإذا رفع الإنسان يديه وكان منتهى الكف عند الكتف، كانت الأنامل عند شحمتي الأذن، فسواء قلنا: عند منكبيه، فيكون فالنسبة لمنتهى الكف، أو قلنا: لشحمتي الأذن؛ فالنسبة لأطراف الأصابع، وكلاهما سواء.

стр. 550

ما يقرأ في الصلاة قال ﵊: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، وذلك بعد أن تكبر، وجاء الوصف برفع اليدين في نص آخر مصاحباً لها، (ثم) كما يقولون: للترتيب والتراخي، ولكنها هنا للترتيب، استقبل القبلة أولاً، ثم كبر، ولا تكبر وأنت على الشرق ثم تستقبل القبلة، أولاً استقبل القبلة، ثم يترتب على الاستقبال التكبير، ثم بعد التكبير القراءة، فتكون القراءة بعد أن يستوفي استقبال القبلة والتكبير. (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، وجاء في بعض الروايات: (إن كانت الفاتحة معك تقرؤها، ثم ما تيسر من القرآن) ، وهنا ما تيسر، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] ، فالقرآن كله ميسر، ولكن التيسير نسبي، فشخص يسر الله له حفظ القرآن كله، وأنت تمكث مدة حتى تحفظ الفاتحة، ما تيسر لك، وما استطعت أخذه وحفظه، وبعض العلماء يقول: أيسر المتيسر في القرآن الفاتحة، وبعضهم يقول: الفاتحة مفروغ منها، ولكن ما تيسر معك بعد الفاتحة، والنص هنا بعد التكبيرة مباشرة، على الترتيب: (اقرأ ما تيسر معك) . فنقول: إن كان حافظاً للفاتحة فهي المتيسر، وهي المقدمة، وإذا لم يكن يحفظ الفاتحة ويحفظ غيرها مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١-٣] ، فهل يقرأ بها أم لا؟ نعم، إذا لم يكن يحفظ الفاتحة، وقرأ سورة غيرها من سور القرآن فتجزئه، فإذا لم يكن حافظاً للفاتحة ولا غيرها من سور القرآن القصيرة، فماذا يفعل ولابد من ذكر هنا؟ إذا لم يكن يحفظ شيئاً من القرآن فليحمد الله ويسبحه ويهلله ويكبره، هذا عندما يذكر المؤلف تلك الروايات، فهنا العمل مسترسل، استقبل وكبر واقرأ ما تيسر معك من القرآن. في الحج ما ما استيسر من الهدي وهو شاة، وهنا ما تيسر من القراءة وهي الفاتحة؛ ولهذا يقول الشافعي ﵀: إن حفظ الفاتحة فرض عين على كل إنسان، فإلى أن يتعلمها لا يقول: أنا لا أعرف ولا أحفظ ويسكت، فإلى أن يتعلمها يأتي وينتقل إلى التسبيح والتحميد كما سيأتي.

стр. 551

كيفية الركوع والسجود والطمأنينة فيهما قال ﵊: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) ، لاحظوا هنا يا إخوان: (كبر، ثم اقرأ ما تيسر، ثم اركع) هل هناك شيء من عمل الصلاة متروك؟ دعاء الاستفتاح بعد التكبير، وهذا وارد عنه ﷺ ؛ فـ أبي هريرة سأل الرسول ﷺ في سفر: أراك تسكت بعد التكبير وقبل القراءة، (قال: أقول: ... ) فهنا لم يذكره في هذا الموطن لأنه ليس بواجب، فالرسول لم يعلمه للمسيء صلاته، ولكن ما دام قد جاء بنصوص أخرى ننظر في هذه النصوص، وهل هي في درجة الإيجاب أو الندب أو غير ذلك؟ المهم هنا في هذا السياق ترك ذكر دعاء الاستفتاح، فقال: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) ، هنا وصف الركوع بأنه ملازم ومصاحب للاطمئنان، فقال: (حتى تطمئن) أي: وأنت في حالة الركوع، وسيأتي حديث: (حتى يعود كل فقار إلى مكانه) ، وسيأتي أيضاً أنه لم يصوب رأسه ولم يشخصه، يقول بعض السلف: حتى لو وضع القدح على ظهره ﷺ وهو راكع لم يتدفق، فقد كان معتدلاً اعتدالاً مثل الزاوية القائمة، فاعتدال الظهر لم يكن فيه انحناء، فاركع واستمر راكعاً حتى تطمئن، وليس بمجرد الهوي والوصول إلى مستوى الركوع ترفع، فإذا ركعت واستوى الظهر منحنياً ووصلت إلى حد الركوع فعلاً انتظر قليلاً، واطمئن واصبر في حالة ركوعك، يعني: انحناء في الحركة حتى تصل إلى درجة الركوع، ومع هذا الانحناء والوصول إلى درجة الركوع تظل ثاتباً تنتظر مطمئناً في هذه الحالة، إذاً: الطمأنينة تساوي الانحناء. ثم قال: (ثم ارفع حتى تعتدل قائماً) ، أي: ثم ارفع من الركوع حتى تعتدل قائماً، وهذه النقطة ينبغي على بعض الإخوان أن يراعيها، وهي الرفع من الركوع، والجلسة بين السجدتين؛ لأننا نجد في كتب بعض المذاهب من يقول: هو ركن خفيف، ولم يأت خفيف ولا ثقيل في الصلاة، فالرسول ﷺ علّم الرجل أن يطمئن بعد أن يركع، وعلمه أن يرفع حتى يعتدل وبعض الناس ليس عنده طمأنينة في القيام، فبمجرد أن يصل إلى الاعتدال يهوي إلى السجود، وهذا لا يصح، فالاطمئنان في الاعتدال بعد الركوع كالاطمئنان في الركوع نفسه، فالركوع ركن، والطمأنينة في هذا الركن ركن. ثم قال: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً) ، وهنا أراح الناس من معركة شكلية، وهي: هل يبدأ يسجد بيديه أم بركبتيه؟ الصحيح أنه يسجد كيفما يتسهل له، والمهم أن يسجد على الأعظم السبعة، ينزل بركبتيه أو بيديه على ما تيسر له، بعض الناس ما شاء الله! رياضي ينزل بأطراف أصابعه على ركبتيه، ويقوم مثل الغزال، وبعض الناس يريد من يساعده، فلا نضيق على الناس، ولا نحجر واسعاً، واسجد كيفما تيسر لك، أما إذا كان الكل عندك سواء: فننظر ماذا صح من الكيفيتين: هل ينزل على ركبتيه أو على يديه؟ لا يبرك كبروك البعير، وكيف يبرك البعير؟ وهل ركبتاه في الأمام أم في الخلف؟ مسألة طويلة عريضة، ومتفقون بالإجماع أنه كيفما نزل إلى الأرض فقد سجد. فهنا قال: (ثم اسجد) ، ولم يذكر له التفصيلات، والسجود: هو تمكين الجبهة من الأرض، لكن جاء عنه ﷺ أنه قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم) ، أي: القدمين، واليدين، والركبتين، وهذه ستة، والجبهة وهي السابعة، لكن جاء هنا ركن خفيف على ما قال الأحناف: (وأشار بإصبعه إلى الأنف) ، أي: أن الأنف لا تساوي الجبهة في أعضاء السجود، لكنها لا تترك، كما جاء في حديث ليلة القدر: (فأراني في صبيحتها أسجد في ماء وطين) ، ويقول الراوي: والله! لقد رأيت الطين على أرنبة أنفه، إذاً: وصلت الأنف إلى الأرض. ويفسر العلماء كيفية السجود على سبيل الإجمال: أن يكون باسط الكفين، فلا تضم، وبعض الناس يقول: يعجن، ووالله ما أدري ما هذا العجن! لكن حينما يكون الإنسان طاعناً في السن، ويريد أن ينهض، فيضمها من أجل أن يستطيع النهوض، لكن في كل الحالات سواء إذا كان مثل المرأة عندما تعجن، أو مثل الإنسان عندما يعجن في العجين، فهذه لم يقل بها أحد من الأئمة الأربعة، إنما قال بها بعض العلماء لوجود حديث عند أبي داود في ذلك، ولكنها حالة رئيت وصورة نقلت! واتفقوا أنه في حالة السجود يكون باسطاً لأصابع كفه، ناصباً لقدميه على رءوس الأصابع. وهنا نرجع إلى سبعة أعظم، فقد ذكر القدمين وهما اثنان، مع أن كل قدم فيه خمسة أصابع، لكن ليست هي المقصودة، فالقدمان عشرة أصابع، والكفان عشرة، فصارت عشرين، فالرسول ذكر سبعة، وذكر اليدين والكفين وهي المعتبرة، وأن تكون القدمان منتصبتين، وأطراف أصابع القدمين متجهة إلى القبلة، فإذا كان يصعب عليه هذا الشيء، بأن كانت أصابعه قصيرة، فلا مانع لو ظلت قدمه على رءوس أصابعه ولم يثنها إلى القبلة، ولو صعب عليه وثناها إلى الخلف فليس هناك مانع، لكن إن أمكنه ذلك فهو الأفضل. (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً) ، وليس بمجرد أن تصيب جبهتك الأرض فترفعها، ولكن تطمئن، وحد الاطمئنان في السجود والركوع إلى متى؟ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن الرسول سجد وأطال في السجود، ثم همت أن تغمزه، قالت: ظننت أنك قبضت) ، أي: لطول سجوده، وهل كل إنسان يستطيع ذلك؟ لا، فإذا كان الإنسان يصلي وحده فيطول كما شاء، لكن لا ينعس! والمالكية يقولون: إذا نعس وهو راكع لا تبطل الصلاة، وإذا نعس وهو ساجد بطلت، قالوا: لأن النعاس مع الركوع يكون خفيفاً، ولو زاد لسقط على الأرض، بخلاف النعاس مع السجود، فيوجد سبعة أركان يعتمد عليها؛ فيشبع نوماً ولا يسقط. فإذا كان الإنسان وحده فلا حد للطمأنينة، أما إذا كان يصلي بالناس فكيف يكون الحال؟ يرى العلماء ﵏ أن أقل الطمأنينة بقدر ثلاث تسبيحات، وأذكر عالماً كان في زمن الملك عبد العزيز، وكانوا ثلاثة من العلماء، واحد في مكة واثنان في المدينة، وكان أحدهم مسئولاً عن التفتيش في التدريس، وواحد ندبه للصلاة، فقال: بشرط أني في السجود والركوع أسبح ثلاث عشر تسبيحة، فالملك عبد العزيز يغفر الله له قال: هذا تطويل على الناس، فجاء الرجل وسألته: لماذا اشترطت هذا الشرط وفي السنة: (من أمّ بالناس فليخفف) ؟ فقال: أنا لا أريد أن أصلي بالناس، ولذا اشترطت هذا حتى يقولون لي: أنت لا تصلح للصلاة! وفعلاً ما تولى الإمامة. فجعلوا حد الطمأنينة أن الجسم -والعمود الفقري مركب من عدة فقرات- حينما يكون قائماً ويتحرك الظهر إلى الركوع، فإلى أن تطمئن الفقرات في أماكنها وتستقر هذه طمأنينة، وكذلك في السجود. وهناك بحث أصولي: الزائد عن الواجب واجب أم ليس بواجب؟ فمثلاً: أقل الواجب ثلاث تسبيحات، فإذا سبح عشرة وكان وحده وليس إماماً، فهل العشر تسبيحات واجبة أم الواجب الإتيان بثلاث، والسبع ليست بواجبة؟ وماذا يترتب على هذا؟ هل يثاب على العشر تسبيحات ثوابه على الواجب؟ في الحديث القدسي: (أفضل ما تقرب العبد إلي بما افترضته عليه) ؛ لأن أجر الواجب أعظم من أجر التطوع، أو أن الكل واجب لأنه متصل ولا فاصل بينها، يهمنا أن أقل ما يصدق عليه طمأنينة في الركوع والسجود والجلسة بين السجدتين قدر ثلاث تسبيحات، وفي الاعتدال من الركوع إذا أتى بالزمن الذي يسع الثلاث يكون قد اطمأن، وإن زاد زاد الله له في حسناته. (ثم ارفع حتى تطمئن جالساً) ، أي: من السجود حتى تطمئن جالساً، ولا تقل: هذا ركن خفيف، وترفع وتعود إلى السجود دون أن يستقر الجسم قاعداً، لابد أن توجد هيئة الجلوس ومعها طمأنينة. (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً) ، أي: اسجد السجدة الثانية كما سجدت الأولى حتى تطمئن ساجداً. (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) ، وإذا فعل هذا في صلاته سواء كانت ركعتين أو أربع، فهل بمجرد ما فعل هذا انتهت الصلاة؟! أين الجلسة للتشهد الأوسط والأخير؟ وأين التسليم؟ فهل ذكر له جلستي التشهد؟ لم يذكرهما، وهل ذكر له التسليم؟ لم يذكره؛ ولذا قال الأحناف -وإن كان هذا لم يتفق عليه في مذهبهم-: أنه إذا انتهى من التشهد، وصدر منه ما ينافي الصلاة فقد تمت صلاته؛ لأن الرسول ﵊ لم يذكر له السلام كعلامة على الخروج من الصلاة، والجمهور يقولون: افتتاحها التكبير، واختتماها التسليم. فهنا يقول العلماء: إنما ذكر له الطمأنينة لما رآه يتعجل ولا يقيم للصلاة طمأنينتها، وسكت عن الجلوس للتشهد السلام؛ لأنه رآه جلس وتشهد وسلم، فهو ليس بحاجة إلى تعليم التشهد ولا السلام، فيكون حديث المسيء في صلاته إنما فيما رآه ﷺ من تقصير الرجل، وسكت عن الباقي المجزئ، وهذه وجهة نظر من يرى أن هذا الحديث خاص بما جهله الرجل، وبما لم يحسنه في صلاته التي رآه فيها ﷺ . وإلى هنا انتهى شرح الحديث في الجملة.

стр. 552

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٢] ورد في وصف صلاة النبي ﷺ عدة أحاديث، ومن أجمعها وأشملها حديث أبي حميد الساعدي ﵁، فقد ذكر فيه دقائق صفة صلاته ﵊، سواء في القيام أو الركوع أو السجود أو حتى الجلوس للتشهد الأخير. ثم أتى المصنف ﵀ بحديث علي في دعاء الاستفتاح للصلاة، وهو حديث عظيم يحمل معالم الاستسلام والتوحيد لله .

стр. 553

شرح روايات حديث المسيء صلاته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. المؤلف ﵀ أتى بروايات أخرى لحديث المسيء صلاته، فقال: [ولـ ابن ماجة بإسناد مسلم: (حتى تطمئن قائماً) . ومثله في حديث رفاعة بن رافع عند أحمد وابن حبان: (حتى تطمئن قائماً) . ولـ أحمد: (فأقم صلبك حتى ترجع العظام) ] . أي: حتى ترجع العظام إلى مواقعها، فقد كان راكعاً والظهر معتدلاً، فإذا ما تحرك للرفع تحركت العظام؛ فيجب أن يظل قائماً حتى ترجع العظام إلى أماكنها مستقرة، لأنها مفاصل والمفاصل قابلة للحركة عدة درجات، فإذا اعتدل يجب أن يظل قائماً أو معتدلاً -على حسب الروايات- حتى ترجع العظام في أماكنها وفقراتها. قال: [وللنسائي وأبي داود من حديث رفاعة بن رافع: (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى) ] . في الحديث المتقدم قضية وهي: أن رجلاً رآه النبي ﷺ يصلي على حالة لا تجزئ، ويحكى في بعض الروايات: (لو مت على ذلك لم ترح رائحة الجنة) ، وفي بعضها: (دخلت النار) ؛ ولهذا يقول العلماء: إن هذا الحديث أشد ما يكون تحذيراً من التراخي والتهاون في أداء الصلاة، والصلاة التي لا يتم ركوعها وسجودها تلف كما يلف الثوب الخرق ويرمى بها في وجه صاحبها، ولا تفتح لها أبواب السماء. إذاً: يلزم كل إنسان في أداء صلاته أن يطبق هذا الحديث، وكله يدور على الطمأنينة، وقراءة ما تيسر من القرآن. وفي رواية النسائي توجيه الخطاب للعموم: (إنها لا تتم صلاة أحدكم) ، وقوله: (أحدكم) ، تشمل الجميع بسبيل البدلية من الأحدية، أحد، أحد، أحد أحدكم: كل واحد منكم. وقال: (حتى يسبغ الوضوء) ؛ لأن الوضوء هو مفتاح الصلاة، وعليه تنبني، فإذا كان الوضوء غير سليم بأن كان الماء متنجساً، أو مغصوباً -كما عند الحنابلة- أو كان الغسل غير سابغ للأعضاء -كما عند الجمهور- فليس هناك فائدة من صلاته حتى يسبغ الوضوء. وقوله: (حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى) ، بم أمره الله؟ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] ، وهذا الحديث نص صريح في قضية يتنازع فيها العلماء: هل الترتيب شرط في صحة الوضوء أم لا؟ الشافعي يرى أن الترتيب واجب، وأخذ ذلك من إدخال الممسوح بين مغسولين في الآية ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، فـ الشافعي قال: إذا كانت المسألة ليس فيها ترتيب كان سيجعل الممسوح على حدة بعد أن يكمل المغسولات؛ وذكر غسل الرجلين أنسب مع اليدين، ثم يذكر مسح الرأس، أو يقدم مسح الرأس مع الوجه؛ لأنه أقرب إلى الوجه، ثم يأتي باليدين وينزل إلى الرجلين، فلما أدخل مسح الرأس بين اليدين والقدمين وهما مغسولان وجب أن نضع المسح في مكانه، ومن هنا وجب الترتيب. وهنا الرسول ﷺ يقول: (يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى) ، وبماذا أمر الله؟ وجوهكم، وأيديكم، ورءوسكم وأقدامكم، إذاً: من غير هذا الترتيب لم يتوضأ كما أمره الله، ولا حاجة إلى ذكر ما روي عن علي على خلاف: (لا أبالي إن غسلت قدمي قبل أو وجهي قبل) ، ولو صح هذا ونقل فيكون شاذاً؛ لأن الرسول ﷺ طيلة حياته ما توضأ إلا كما أمره الله، يبدأ بالوجه ويختم بالقدمين. (ثم يكبر الله تعالى ويحمده ويثني عليه) ، ثم يكبر الله تعالى ويحمده بقوله: الحمد لله، ويثني عليه، والثناء هو مدح المثنى عليه، ويقولون: هناك فرق بين الحمد والثناء، وبعض العلماء يفسر الحمد لغة بالثناء، لكن الحمد شيء، والثناء شيء آخر، فالحمد هو: ثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، أما الثناء على المحمود أو على المثنى عليه فلحسن صنيع صدر منه، ولو لم يصل إليك، والشكر: ثناء عليه في مقابل نعمة أسداها إليك، فتحمد وثني وتشكر. فالحمد لا يكون مطلقاً إلا لله، ولذا يقولون: (ال) في قوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢] للاستغراق، فقد استغرقت جميع المحامد لله؛ لكمال ذاته وصفاته، ولو لم يصل إلى الخلق منه شيء، فهو في ذاته كامل الذات والصفات، فكان الحمد كله إليه. أما الثناء في اللغة فهو لحسن صنيع ممن يثنى عليه ولو كان غير مسلم، مثلاً: سمعت بطبيب ماهر عالج المرض الفلاني، أو اخترع الدواء الفلاني، ونفع الله به الخلق، وهو غير مسلم، هل تثني عليه أم تسبه؟ لاشك أنك تثني عليه؛ لأنه صنع صنيعاً حسناً، سواء كان مسلماً أم كافراً. إنسان صنع لك معروفاً وأوصله إليك فعلاً، ضاع ولدك مثلاً وأتاك به، سقط منك شيء مهم وجاء إليك به، دفع عنك ضراً، ولو كان غير مسلم تشكره على هذا الصنيع أم تجحده؟ تشكره. طبيب يهودي أو نصراني، وعندك مرض خطير، وليس في العالم أحد يعالج هذا النوع من المرض إلا هذا الطبيب، وهو على دينه الذي هو عليه، فعالجك، وأجرى الله لك الشفاء في علاجك على يديه، هل تذكره بالخير أم بالسوء؟ تذكره بالخير، وتدعو الله له بالإسلام. إذاً: الحمد والثناء والشكر كلها أعمال في مقابل، فالحمد المقابل لكمال الذات والصفات، والثناء لإحسان وإجادة فعل، والشكر لمن أسدى إليك معروفاً وصل إليك عنه، فاحمد الله واثن عليه، وهل المراد بهذا في الفاتحة؟ الفاتحة فيها حمد وثناء لأنك تقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢-٤] ، وكل هذا ثناء على الله. وقوله: (وإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره) ، هذا التفسير في رواية النسائي: (إن كان معك قرآن) ، وقرآن يشمل ما بين دفة المصحف الأولى إلى دفته الأخيرة، من فاتحة الكتاب إلى سورة الناس، معك شيء من هذا القرآن ولو آية اقرأ بها، ولو لم يكن معك شيء من القرآن؛ فيجزئك أن تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتذكر الله بالتسبيح والتحميد إلى أن تحفظ الفاتحة. ولـ أبي داود: (ثم اقرأ بأم الكتاب وبما شاء الله) ، اقرأ بأم الكتاب إن كنت تحفظها، وإن كانت معك، وليس هناك معارضة مع ما قبلها: (إن كان معك من القرآن) ، والفاتحة إن كان يحفظها فهي من القرآن. ولـ ابن حبان: (ثم بما شئت) ، ثم بما شئت بعد الفاتحة من آية أو سورة صغيرة.

стр. 554

شرح حديث أبي حميد في صفة صلاة النبي قال ﵀: [وعن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه) ] . حديث أبي حميد الساعدي هذا يكاد يكون أجمع الأحاديث في بيان صفة صلاة النبي ﷺ ، وقد ساقه ابن القيم ﵀ تحت قوله: صفة صلاة رسول الله من أول استقباله القبلة إلى أن يسلم كأنك تراها. وساقه بزيادة على بعض الألفاظ الموجودة هنا نوعاً ما، لكن بروايات أخرى.

стр. 555

رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام يقول: (رأيت رسول الله ﷺ إذا كبر) ، وتقدم التنبيه على أن هناك كلمات منحوتة من أكثر من لفظ، كبر: أي قال: الله أكبر، وسبح قال: سبحان الله، وهلل: قال: لا إله إلا الله. وأخذ العلماء فيه أن افتتاحية الصلاة إنما هي بقول: الله أكبر، وأشرنا إلى مذهب أبي حنيفة ﵀ في ذلك، وأنه يرى صحة افتتاح الصلاة بأي لفظ فيه تعظيم لله؛ ونظر في ذلك إلى معنى التكبير، لكن الجمهور يقولون: الصلاة تعبدية، والرسول ﷺ علم المسيء في صلاته أن يكبر، وهنا كان ﷺ إذا كبر رفع يديه حذو منكبيه، ويبين الغزالي ﵀ في هذه الحالة: أن رفع اليدين حذو المنكبين بجعل بطون كفيه إلى القبلة، وظهورهما إلى الوراء، ويقول: فيه الإشارة إلى أن المصلي حينما يقف بين يدي الله ويرفع يديه على هذه الحالة كأنه يشير إلى إقباله على الله، ورفض الدنيا وراء ظهره؛ لأنه يجعل ظهور كفيه إلى الوراء، فكأنه يقول: أنا تركت أمور الدنيا، وأقبلت على الله. وتقدم أيضاً التنبيه على كلمة: (حذو منكبيه) ، وفي الرواية الأخرى: (شحمتي أذنه) ، والجمع بين ذلك: أن حذو منكبيه لأول الكفين، وشحمتي أذنه لأطراف الأنامل، وبعض العلماء يقول: المرأة كالرجل في ذلك، ولكن الأولى لها ألا تتجاوز حذو منكبيها، لئلا يكون هناك مبالغة في رفع اليدين.

стр. 556

هيئة الركوع قال: (وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره) ، ولم يذكر لنا القراءة؛ لأنها معروفة، وغيره يذكر قراءة رسول الله ﷺ في الفريضة، والاقتصار على المفصل، سواء من طوال المفصل أو قصاره أو أوسطه، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تذكر لنا قراءته في قيام الليل، وأنه ربما خفف القراءة، وربما أطال فيها، وربما قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة واحدة. إذاً: أبو حميد يذكر لنا الهيئة والكيفية العملية، فإذا ركع ماذا فعل بركبتيه؟ (أمكن يديه من ركبتيه) ، ولم يستند على الركبتين ولكن أمكن، وكيفية الإمكان كما يقول العلماء: ألقم كفيه ركبتيه، ويفرج الأصابع ويقوسهما بحسب حالة الركبتين، وكأنه يمسك على الركبتين بأصابعه، فيصير متمكناً من إمساكه الركبتين بكفيه، لا مجرد استناد أو وضع، ولكن بالتمكين؛ وذلك بتفريج الأصابع وقبضها على الركبتين. (ثم هصر ظهره) ، هصر بمعنى: مداً معتدلاً، ليس فيه تقويس، ولا ارتفاع، قالوا: لو أن إنساناً أتى بقدح من ماء ووضعه على ظهره ﷺ وهو راكع لم يتدفق القدح، لاستواء الظهر تحت هذا القدح. (فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه) ، فإذا رفع رأسه من الركوع اعتدل، بمعنى: استوى قائماً معتدلاً لا منخفضاً إلى الركوع، ولا هوياً أكثر من ذلك بل اعتدل، وفي حالة هذا الاعتدال تأتي الطمأنينة، وعبر عنها بقوله: (حتى يعود كل فقار مكانه) أو يعود كل عظم مكانه، وأشرنا إلى أنهم يقولون: إن ظهر الإنسان فيه ما يسمى العمود الفقري، وهو مركب من عدة فقرات، ومن الممكن فصل بعضها عن بعض، وترى ذلك بوضوح في الهيكل العظمي، سواء كان في الإنسان أو الحيوان، والنخاع الشوكي يمر في هذه الفقرات، فمراده بقوله: (حتى يعود كل فقار إلى مكانه) ، أن يستوي ويستقر في موضعه.

стр. 557

هيئة السجود قال: (فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما) ، في عرض أبي حميد ﵁ لصلاة النبي ﷺ ذكر لنا من الحركات: رفع اليدين حذو المنكبين، وتمكين يديه من ركبتيه، وهصر ظهره، ورفعه من الركوع، وبعد الرفع من الركوع سجد! إذاً: ليست هناك حركة بعد الرفع من الركوع ورجوع كل فقار مكانه وبين السجدة، رفع وانتظر حتى يرجع كل عظم مكانه، ولم يذكر وضع اليمين على اليسار بعد الرفع من الركوع، وممكن أن نقول: لم يذكره أيضاً عند قيامه للقراءة، قال: إذا كبر رفع، وإذا ركع أمكن، فلم يذكر وضع اليمنى على اليسرى عند القراءة، مع أن ذلك من السنة. فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابض، والافتراش منهي عنه كما في الحديث: (نهى أن يفترش المصلي ذراعيه افتراش السبع) ، والافتراش هو: أن تجعل الذراع كاملاً على الأرض، والصحيح أن ترفع مؤخر الذراع، فالمرفق لا يكون ملاصقاً للأرض، وتضع اليدين فقط، أي: الكفين، وبقية الذراع لا تلصقه بالأرض؛ لأن التصاق الذراع بالأرض هي صفة السبع حينما يكون باركاً، فيقول العلماء: جاء النهي عن أن يتشبه الإنسان في صلاته بكثير من الحيوانات، فنهي عن افتراش السبع، وإقعاء الكلب، ونقر الديك، والتفات الثعلب، وأن يقف وقوف الفرس الشموس، وهو: أن يبادل بين قدميه؛ فمرة يعتمد على هذه ويرفع الأخرى، ثم يعتمد على الأخرى ويرفع تلك، أو ربما رفع إحدى قدميه عن الأرض، فكل ذلك جاء النهي عنه للمصلي، فلا يتشبه في صلاته بتلك الحيوانات. (غير مفترش) أي: غير ممكن ذراعيه من الأرض، بل يكون مرتفعاً من الخلف، (ولا قابض) أي: لا يكون قابضاً لهما إلى جنبه، ويسجد بين يديه، وليس مفترشاً كالسبع، ولا ماددها طويلاً، ولا قابضها إلى جنبه. وبعض الناس قد يغالي في وضع اليدين وعدم افتراشهما، وعدم قبضهما، ويجافي بيديه عن ضبعيه، ويكون ما بين منكبه وشاكلته قدر الذراع، وهذا إذا زاد عن الوضع الطبيعي يكون فيه شذوذ، لكن يكون معتدلاً، بخلاف المرأة فإنها تضم نفسها؛ لأنه أستر لها، ونقول لهذا الذي يفعل هكذا: المجافاة لها حد، فإذا كنت في الجماعة تفعل هكذا، والذي بجانبك يفعل هكذا، فأين يذهب الناس؟! إن كنت منفرداً فنعم، ولكن بغير صورة خارجة عن المألوف؛ لأن هذا يستدعي الانتباه، ويلفت النظر، وكل شيء جاوز حده فليس مطلوباً، لا إفراطاً ولا تفريطاً، لا تضمها إلى جسمك، ولا تجافي بها إلى حد النشوز والشذوذ، فكان ﷺ إذا سجد وضع يديه لا ذراعيه، ولا يفترش افتراش السبع. قال: (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة) ، أي: عند السجود يستقبل بأطراف أصابع قدميه القبلة، فينصب القدمين، ولا يضع رءوس أصابع القدمين على الأرض، فتكون الأظفار هي المرتكزة على الأرض، ولكن تنحني أصابع القدمين معها، هذه هيئة صلاة رسول الله ﷺ .

стр. 558

هيئة الجلوس بين السجدتين والتشهد قال: (وإذا جلس في الركعتين: جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى) ، وإذا جلس بين السجدتين جلس على رجله اليسرى، أي: على بطن قدم رجله اليسرى، ونصب اليمنى على أطراف أصابعها إلى القبلة، وهذه الجلسة بين السجدتين، وعند التشهد الأوسط. (وإذا جلس في الركعة الأخيرة: قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته) ، في الجلسة الأخيرة التي فيها نهاية الصلاة والسلام لا يجلس على قدمه اليسرى كما جلس بين السجدتين، ولا كما جلس في التشهد الأول، ولكن يقدم رجله اليسرى، وينصب اليمنى كما نصبها في الجلسات الأول، وإذا قدم رجله اليسرى عن مستوى جلوسه الأول، فسوف يجلس على إليته مباشراً للأرض، والرجل اليسرى التي كان يجلس عليها خرجت من تحت اليمنى، واليمنى على ما كانت عليه، وهذه يسمونها جلسة التورك، والعلماء يستنتجون من هذه الهيئة أنه كيفما فعلت في هيئتك في الصلاة لا يستطيع إنسان أن يقول: إن صلاتك باطلة، فمن لم يمكن يديه من ركبتيه ووضعهما على ركبتيه فقط، أو لم يجلس على اليسرى، وينصب اليمنى، أو نصب ثنتين ولم يجلس على إليته في التشهد الأخير، وجلس كما يجلس في التشهد الأول، فباتفاق العلماء أن الصلاة صحيحة، لكن لا ينبغي أن يتعمد ترك السنة وهو يستطيع فعلها. لماذا فرق بين الجلسة في التشهد الأوسط والجلسة في التشهد الأخير؟ قالوا لأمرين: الأمر الأول: أن الجلسة في التشهد الأول خفيفة، ويمكنه أن يجلس على قدمه اليسرى ولا يتألم لذلك ولا يحصل عليه ثقل، بخلاف الجلسة في التشهد الأخير فإنها أطول، فيحتاج إلى جلسة أكثر راحة، والتورك لو أطال بهيئته الجلوس لا يشق عليه، هذا من جهة المصلي. الأمر الثاني: إذا جاء المسبوق ورأى الإمام جالساً، فهو لا يدري: أهو في الجلوس الأوسط أم الجلوس الأخير؟ فإذا رأى هيئة الجلسة ميز بينهما، فإذا كان على رجله اليسرى فهو في الأوسط، وإذا تورك وجلس على الأرض فهو في الأخير، فهذه الهيئة تعطي المتأخر المسبوق إشارة في أي أنواع الجلسات، وفي أي فترة من فترات الصلاة، والله أعلم.

стр. 559

قدر قراءة النبي ﷺ في الصلاة يقول أهل العلم: إن حديث أبي حميد هو أوفى وأوسع حديث في بيان صفة صلاة النبي ﷺ ، ولكن العلماء يجمعون في ذلك أطراف الأحاديث، وابن القيم ﵀ في كتاب الصلاة -وهو كتيب صغير- يقول: وإليك صفة صلاة رسول الله ﷺ من أول استقباله القبلة إلى أن يسلم، وما ترك جزئية ترد في الصلاة إلا وذكرها، وذكر سندها، واعتمد في عرضه على حديث أبي حميد هذا، وعند كل حركة يأتي بما أتى فيه، فيأتي عند استقبال القبلة، والتكبير ورفع اليدين، ثم ينتقل إلى الأذكار، ودعاء الافتتاح. إلخ. ومعلوم أن أي صيغة افتتحت بها الصلاة أجزأت، والمؤلف هنا لم يذكر لنا في حديث أبي حميد صيغة من صيغ افتتاح الصلاة، وإنما أتى في ذلك براوية عن علي وعمر رضي الله تعالى عنهما، ثم بعد التكبير وفي حالة الافتتاح يأتي ابن القيم أيضاً وغيره بما ورد عنه، وقد ألفت كتب في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، ومن أدعية الافتتاح حديث أبي هريرة أنه سأل رسول الله: ما هذه السكتة بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة؟ لأنه إذا كانت الصلاة جهرية فكبر لم يباشر القراءة بعد التكبير بل هنا سكتة، فيقول: سألت رسول الله عن هذه السكتة، فقال: أقول. ، وذكر دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، وقبل أن يبدأ بالقراءة، ثم يذكر الركوع، وأنواع القراءة، وينبه على أنه ﷺ في غالب أحيانه لا يأتي بآية من نصف السورة ويركع، ولكن إما أن يقسم السورة بين الركعتين، وإما أن يبتدأ بأول السورة، ويقول: لم يأت عنه أنه أخذ آيات من آخر أي سورة، إما من أولها وينتقل إلى أخرى من أولها، أو يقسم السورة بين الركعتين، أو يأخذ سورة من سور المفصل بكاملها في الركعة، وهذا عند مالك هو الأحب: ألا يجتزئ ببعض الآيات، ويقول: الأولى أن يأخذ سورة كاملة. وهذه في الواقع نظرة دقيقة جداً؛ لأن السور الصغار تجدها موضوعية في ذاتها، وانظر مثلاً إلى (لإيلاف قريش) ، موضوعها مطالبتهم بعبادة رب البيت في مقابل أنه أطعمهم وآمنهم، يعني قضية مستقلة بأدلتها، وكذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ، قضية في قصة مكتملة في هذه السورة، وخذ مثلاً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، موضوعها توحيد الباري ، خذ (الفلق) ، (الناس) ، (الكوثر) ، (التكاثر) ، (القدر) ، كل سورة من السور الصغيرة تجدها تشتمل على موضوع مستقل مكتمل، ولكن لما تأتي وتأخذ من سورة الرحمن ستأخذ وصفاً جزئياً، وتأتي إلى سورة الواقعة ستأخذ مثله أيضاً، وتأتي إلى سورة البقرة وتأخذ أيضاً قضية جزئية؛ ولذلك مالك ﵀ استحب أن المصلي يقرأ مع الفاتحة سورة كاملة، فكونه وحده يأخذ سورة طويلة أو إمام يأخذ سورة صغيرة، فهذا أولى عنده من أن يأخذ بعض آيات من بعض السور. ويذكر ابن القيم ﵀ وغيره أن قراءته ﷺ لم تكن على وتيرة واحدة، ولم يلتزم سورة معينة في صلواته الخمس، ولكن ربما أخذ شكلاً معيناً في صلاة الصبح يوم الجمعة: (السجدة، وهل أتى) ، ويقولون: المناسبة أن يوم الجمعة هو اليوم الذي فيه خلق آدم، وأسكن فيه الجنة، وأنزل إلى الأرض، وتاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وسورة السجدة فيها تذكير بيوم القيامة، وكذلك سورة هل أتى على الإنسان فيها تذكير بحياة الإنسان ابتداءً ومنتهاه في يوم القيامة، فتناسب الزمان مع موضوع القراءة، وكذلك يمكن في الجمعة قراءة سورة ق وغيرها، وفي العيدين سبح والغاشية، وهذا كان يتكرر منه ﷺ . أما في الصلوات الخمس فلم يكن يعتاد قراءة سورة بعينها ويكثر من إيرادها في الصلاة، وسورة (ق) كان يقرؤها ﷺ في الخطبة يوم الجمعة، وبعض الصحابيات تقول: ما أخذت (ق) إلا من رسول الله على المنبر، تعني يوم الجمعة، وكان كثيراً ما يقرأ بالطور في المغرب، لكن لا يلزمها في كل الصلوات. إذاً: ما كان النبي ﷺ يقرأ على وتيرة واحدة، بل جاء عنه قوله: (كنت أدخل في الصلاة بنية الإطالة فأسمع بكاء الأطفال فأخفف شفقة بالأمهات) ؛ لأن الأم إذا سمعت طفلها يبكي لم يعد يبق في الصلاة. إذاً: مما يذكرونه في صفة صلاة النبي ﷺ : موضوع القراءة. ثم يركع، والذكر الوارد في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وإذا رفع من الركوع قال: سمع الله لمن حمده. ربنا لك أو ربنا ولك. ويناقش بعض العلماء: هل هما سواء، أم أن زيادة الواو تدل على زيادة معنى؟ فبعضهم يقول: الواو عاطفة على جملة محذوفة: (سمع الله لمن حمده) ربنا اغفر لي ولك الحمد، ما دام يسمع من حَمِده فنحمده ويسمعنا، وهناك من يزيد بعض الألفاظ الأخرى، وكل هذا مدون ومذكور في كتب الحديث والأدعية: (حمداً طيباً طاهراً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد ... ) مما يشعر بأن الرفع من الركوع يستغرق زمناً لمثل هذا الدعاء، وفي هذا رد على من يقول: إنه ركن خفيف بمجرد الاعتدال منه يمكن أن يهوي للسجود.

стр. 560

شرح حديث: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً) قال ﵀: [وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ : (أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، إلى قوله: من المسلمين) ] . هذا يذكره علي رضي الله تعالى عنه إذا قام إلى الصلاة، وهل يقوله في الصلاة أم خارجها؟ يقوله: في الصلاة بعد أن يكبر تكبيرة الإحرام. و (فطر) أو (خلق) كلاهما ورد في الشرع، وفطر بمعنى: أوجد على غير مثال: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤] ، وكذلك: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] ، بأن أوجد الشيء على غير مثال يحاكيه، فطر السماوات والأرض، وفي هذا تعظيم لله واعتراف بربوبيته وقدرته وجهت وجهي لمن يستحق أن أتوجه إليه بسبب عظمته وقدرته. حنيفاً: أي: مائلاً عن الشرك مسلماً لله، (وما أنا من المشركين) يتبرئ من الشرك في هذا المقام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، والنسك كل العبادات، ومحياي، أي: مدة حياتي وما أتصرف به في الحياة. إن بعت، أو اشتريت، أو كافأت، أو عاملت يكون كل تعاملي لله، بمعنى: أن أراعي فيه ما شرع الله، وأقصد فيه رضا الله، وأتبع فيه ما شرع الله حياتي لله، العالم كله لله رب العالمين، فهذا الإنسان يجدد الإقرار والشكر لله. (محياي) مصدر ميمي أو اسم زمان أيضاً، وحياة الإنسان كلها لله، إن نام لله، وينوي بذلك شكر الله على نعمة الصحة والعافية، والاستعانة على ما سيأتي من عمل آخر، وإن قام وسعى لله، وإن اكتسب لله؛ لأنه يصرفه في سبيل الله. ورد أن النبي ﷺ كان جالساً مع أصحابه، فمر شاب فتى قوي، فقال أحد الحضور: لو كان هذا النشاط في سبيل الله؟! يعني: بقوته ينكأ في العدو، فقال ﷺ : (إن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله -أي: خير من أن يتكفف الناس السؤال- وإن كان خرج يسعى على أبويه فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على زوجه وعياله فهو في سبيل الله) . إذاً: معنى محياي: أنني ما تحركت حركة ولا اكتسبت مكسباً إلا لله، ولأجل أن يصرف في سبيل الله ، وكذلك مماتي مرده لله رب العالمين لا شريك له. ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣] ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ، وبذلك أمرت بأن تكون حياتي كلها لله، كما في الحديث: (حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها) ، هل الله سيحل في الإنسان، ويكون عينه وسمعه وبصره ويده ورجله؟! حاشا لله! لكن المعنى: أنه لا يسمع إلا ما يرضيني، فلا يتصنت إلى ما لا يجوز له، ولا يستمع إلى ما حرم الله، ولا يشارك في غيبة ولا نميمة، وبصره لا ينظر به إلى الحرام، بل ينظر نظرة اعتبار وتأمل في خلق الله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران:١٩١] ، فإذا عرض له محرم غض بصره، وكذلك يده لا تمتد إلى ما حرم الله، ولكن تعمل وتسعى فيما هو لله، وكذلك محياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين أو وأنا أول المسلمين، إن قال: أول المسلمين فلا بأس تبعاً للنص، وإن قال من المسلمين على العموم فلا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم. هذا من صيغ الافتتاح ولك أن تأخذ بهذه الصيغة، أو أن تكتفي في افتتاح صلاتك بما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه. وفي رواية: (إن ذلك في صلاة الليل) ، وسواء في صلاة الليل، أو النهار أو أي حالة من الحالات فإن هذا نوعاً من الدعاء الذي يأتي به الإنسان في افتتاح صلاته. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه وحبيبه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 561

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٣] كما وجد الأذان في الشرع لتهيئة العبد إلى ما هو مقبل عليه من أداء للفرائض؛ كذلك شرع دعاء الاستفتاح لتهيئة أخرى؛ فهو يجمع في طياته جملاً عظيمة من التوحيد تهيئ العبد للإقبال على الله تعالى بكل معاني الإخلاص والتجرد له سبحانه، وتجعله يستقبل صلب الصلاة بنفس مطمئنة راضية، قد خلف وراءه كل المعاصي وابتعد عنها واغتسل منها كل ذلك ليكون أهلاً لمغفرة الله ورضوانه لما سيكون منه فيما بعد من دخول في الصلاة بخشوع.

стр. 562

شرح حديث: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ، فسألته فقال: (أقول: اللهم باعد بين وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) ، متفق عليه] . يذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما جاء في دعاء الافتتاح عن رسول الله ﷺ فيما يرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فقد لاحظ أبو هريرة أن رسول الله ﷺ إذا كبر تكبيرة الإحرام يسكت هنيهة، فسأل: ما تقول في هذه السكتة يا رسول الله؟! فبين له ما يقول في هذه السكتة. وفي هذا الحديث يبحث العلماء في سكتات الإمام في الصلاة، فبعضهم يقول: الأولى: السكتة للاستفتاح، وهي محل اتفاق، والثانية: بعد قراءته سورة الفاتحة وقبل قراءة السورة التي بعدها، والثالثة: بعد قراءته السورة، فهذه ثلاث سكتات: بعد تكبيرة الإحرام، وبعد قراءة الفاتحة، وبعد الفراغ من القراءة كلية وقبل أن يركع، وبعضٌ ينازع في الثانية ويقول: إذا أنهى قراءة الفاتحة شرع في قراءة السورة أو الآية التي بعدها، وبعض يثبتها حتى يعطي المأموم الفرصة ليقرأ الفاتحة، وبعض يذكر الخلاف في السكتة الأخيرة قبل الركوع، والسكتة التي قبل الركوع أثبت من السكتة بين الفاتحة والسورة التالية.

стр. 563

طلب المباعدة بينه وبين الخطايا قوله: (أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) . هذا الدعاء يسأله النبي ﷺ ربه وهو لا خطيئة له: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] ، وجاء التنبيه على لفظ (اللهم) : بزيادة الميم في الأخير بدل ياء النداء، أي: (يا الله باعد) فيحذف ياء النداء ويأتي بالميم في الأخير: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي) ، وهذه المباعدة لتلك الخطايا في الماضي أم للمستقبل؟ إن كانت عن الماضي فهي بمعنى: اغفر لي وارحمني واصفح عني، ولا تجعل بيني وبينها اختلاط ولا اجتماع بأن تغفرها لي: فإذا كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فماذا يباعد؟ قالوا: هذا تعليم لنا، وهي زيادة رفع له في درجاته ﷺ ، كما لو فرضنا أن إنساناً يستغفر الله بكثرة وليس عنده ذنوب؛ فيكون استغفاره رفعه له في درجاته، والمصطفى ﷺ يقول: (توبوا إلى الله؛ فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) ، سبحان الله! الرسول يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة! والتوبة لا تكون إلا من ذنب، قالوا: ربما أن بعض التقصير يعتبره ﷺ ذنباً، ولذا فإنه يتوب منه، كما ثبت في دعاء الخروج من بيت الخلاء: (غفرانك) ، غفرانك من ماذا؟ لأنه لما دخل بيت الخلاء امتنع من ذكر الله، فلما خرج اعتبر فترة وجوده في بيت الخلاء المانع من ذكر الله خطيئة، فقال: غفرانك ربي عن هذا الوقت الذي ذهب من غير ذكرك! ولكن هذا شيء. والتحقيق: أنه تعليم للأمة، كما تقدم في الخطاب الذي يوجه إليه ﷺ ، وليس هو المقصود به أبداً، كما في قوله في حق الوالدين: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] ، لمن يقول؟ أبوه قد توفي وهو في بطن أمه، وأمه توفيت وعمره سبع سنوات، من سيبلغ عنده الكبر من والديه؟ ليس هناك أحد منهما، فيكون هذا قطعاً المراد به الأمة، فقد خوطبوا في شخصية رسول الله ﷺ . إذاًَ: هنا كذلك: (باعد بيني وبين خطاياي) ، والحال ليس هناك خطايا، يقول: (أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) ، والحال ليس هناك ذنوب يتوب منها؛ إنما يكون تعليماً لنا، ورفعاً لدرجاته ﷺ . وهنا المباعدة إن كان المراد بها خطايا متقدمة يكون المراد غفرانها وسترها ومحوها، لأن المشرق والمغرب لا يلتقيان أبداً، فكذلك هو والخطايا لا يلتقيان، وإن كان للمستقبل فالمراد بها: باعد بيني وبين أسباب ارتكاب الخطايا؛ حتى لا أخطئ كما باعدت بين المشرق والمغرب، فلا أجتمع أنا وخطيئة أبداً كما لا يجتمع المشرق والمغرب أبداً.

стр. 564

التنقية والاغتسال من الذنوب قال: (اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) ، كما قيل: إن البياض لا يحتمل الدنس، فالغترة البيضاء إذا جاءت ذبابة ووضعت عليها نقطة ظهرت فيها، أما الملونة لو جاء الفأر ما كان ليظهر فيها شيء، فهنا التشبيه: (نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض) الذي لا يحتمل دنساً أبداً، وكما ينقى الثوب الأبيض من الدنس نقني أنا أيضاً من خطاياي، واجعل صحيفتي بيضاء نقية. ثم قال: (اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) باعد، نقي، اغسل، كل أنواع الابتعاد من الخطايا يكررها ويجمعها ﷺ ، وإذا كان هذا في حقه، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما بالنا نحن؟! ولهذا في الحج حينما يطوف الحاج طواف الوداع يأتيه ملك يربد بين كتفيه ويقول: استقبل عملاً جديداً فصحيفتك بيضاء نقية، وهنا يقول: (اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) ، وكان يكفي الماء فهو يغسل كل شيء، لكن معه الثلج، ومعهما البرد، وما الذي أوجب مجيء الثلج والبرد؟ بعض العلماء يقول: إن الخطيئة عند المؤمن تسبب له الندم، والندم يجعل عند الإنسان حرارة، فإذا غسلت بالماء زال أثرها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، لكن تبقى حرارتها فتغسل بالثلج فتذهب حرارة الخطيئة في نفسه، ويأتي البرد زيادة على ذلك، ويمكن أن يقال: حبيبات البرد أقوى في إزالة الدنس، فعندما يكون لديك زجاجة فيها زيت وغسلتها بالماء فإنه لا يذهب، فإذا أخذت قليلاً من الرمل ووضعتها في الزجاجة ورجيتها، فالرمل بحركته في جدران الزجاجة يأخذ الزيت، فكأن أجرام الرمل داخل الزجاجة تساعد على نظافتها، فكأن إمرار البرد على الصحيفة يساعد على إنقائها أكثر من مجرد إمرار الماء. فيقول العلماء: الحكمة من جمع الثلج والبرد: أن الماء منقٍ، والثلج والبرد لأمر معنوي في أثر الخطيئة عند المؤمن؛ لأنه يشعر بأنه ارتكبها، والارتكاب يجعل عنده الندم، والندم يبعث على الحرارة والأسى على ذلك؛ فيكون الثلج والبرد يطفئ حرارة الأسى والندم من الخطيئة؛ فينمحي أثرها بالكلية. نسأل الله أن يغسلنا من الذنوب، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 565

شرح حديث: (سبحانك اللهم وبحمدك ... ) قال ﵀: وعن عمر ﵁ أنه كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّكَ، ولا إله غيرك) ، رواه مسلم بسند منقطع، ورواه الدارقطني موصولاً وموقوفاً] . هذه صيغة أخرى من صيغ الاستفتاح، وهل كان يجمع الجميع، أو تارة يقول هذا وتارة يقول هذا؟ يتفقون على أن الصيغ كلها مشروعة، وإن أتيت بالبعض، أو الكل، أو اكتفيت برواية منها فإن ذلك جائز. قوله: (سبحانك الله وبحمدك) ، مادة التسبيح كما في تتمة أضواء البيان عند أول سورة الحشر جاءت في القرآن بكل تصاريفها: (سبح لله، يسبح لله، سبح اسم ربك) صيغ الأفعال الثلاثة: الماضي والمضارع والأمر، وسبح الله نفسه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ، وتسبح له الملائكة والرعد بحمده، ويسبح له الجماد: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] ، فالتسبيح عبادة جميع الكائنات، بل إن رب العزة قد سبح نفسه كما تقدم. والتسبيح معناه عظيم جداً، كما في قوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) ، وعند مسلم: (الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض) ، وهل ثواب كلمتين خفيفتين على اللسان تملآن ما بين السماء والأرض -ومسيرة ذلك خمسمائة عام- لمجرد أنها مرت على طرف اللسان: سبحان الله والحمد لله؟ بل لما تضمنته كلمة: (سبحان الله) من جليل المعاني، ويذكر علماء اللغة أن الحروف قوالب المعاني، بمعنى: أن الحروف تكوّن الكلمة، والمعنى في قالب، وكل معنى له قالب يناسبه، كما أن كلنا له ثوب يناسبه، فالألفاظ بالنسبة للمعاني كالثياب بالنسبة للإنسان. يقول بعض فقهاء اللغة: كلما وجدت كلمتين متفقتين في أكثر الحروف فبينهما صلة وارتباط في أصل المادة، ويقولون: الأصل في وضع اللغة للمادي المحسوس، ثم ينتقل منه إلى المعنوي، فسبحان على وزن فعلان، والألف والنون زائدتان، وأصل المادة: (سَبَحَ) وإذا جئنا إلى المعنى المحسوس في (سَبَحَ) ؛ فإن سبح يسبح بمعنى الذي نزل إلى الماء ليسبح لئلا يغرق! فالسباحة وسيلة للنجاة، والسباحة وسيلة لعبور النهر، لذا قالوا: المعنى الذي في سبحان مأخوذ من أصل الوضع والترتيب للسباحة، فكما أن السابح في الماء بسباحته ينجو من هلاك الغرق، فمن يسبح الله ينجو من هلاك التشبيه ووصف الله تعالى بما لا يليق به، والسباح ينجو بنفسه، فكذلك المسبح لربه ينزهه عما لا يليق بجلاله، وكذلك السابح يصل إلى غايته، وكذلك من يسبح ربه يصل إلى مرضاة الله. إذاً: (سبحان الله) تنفي عن الله كل ما لا يليق بجلال الله.
следующие страницы →