Полный текст (2 523 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٣]
كما وجد الأذان في الشرع لتهيئة العبد إلى ما هو مقبل عليه من أداء للفرائض؛ كذلك شرع دعاء الاستفتاح لتهيئة أخرى؛ فهو يجمع في طياته جملاً عظيمة من التوحيد تهيئ العبد للإقبال على الله تعالى بكل معاني الإخلاص والتجرد له سبحانه، وتجعله يستقبل صلب الصلاة بنفس مطمئنة راضية، قد خلف وراءه كل المعاصي وابتعد عنها واغتسل منها كل ذلك ليكون أهلاً لمغفرة الله ورضوانه لما سيكون منه فيما بعد من دخول في الصلاة بخشوع.
стр. 562
شرح حديث: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ، فسألته فقال: (أقول: اللهم باعد بين وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) ، متفق عليه] .
يذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما جاء في دعاء الافتتاح عن رسول الله ﷺ فيما يرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فقد لاحظ أبو هريرة أن رسول الله ﷺ إذا كبر تكبيرة الإحرام يسكت هنيهة، فسأل: ما تقول في هذه السكتة يا رسول الله؟! فبين له ما يقول في هذه السكتة.
وفي هذا الحديث يبحث العلماء في سكتات الإمام في الصلاة، فبعضهم يقول: الأولى: السكتة للاستفتاح، وهي محل اتفاق، والثانية: بعد قراءته سورة الفاتحة وقبل قراءة السورة التي بعدها، والثالثة: بعد قراءته السورة، فهذه ثلاث سكتات: بعد تكبيرة الإحرام، وبعد قراءة الفاتحة، وبعد الفراغ من القراءة كلية وقبل أن يركع، وبعضٌ ينازع في الثانية ويقول: إذا أنهى قراءة الفاتحة شرع في قراءة السورة أو الآية التي بعدها، وبعض يثبتها حتى يعطي المأموم الفرصة ليقرأ الفاتحة، وبعض يذكر الخلاف في السكتة الأخيرة قبل الركوع، والسكتة التي قبل الركوع أثبت من السكتة بين الفاتحة والسورة التالية.
стр. 563
طلب المباعدة بينه وبين الخطايا
قوله: (أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) .
هذا الدعاء يسأله النبي ﷺ ربه وهو لا خطيئة له: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] ، وجاء التنبيه على لفظ (اللهم) : بزيادة الميم في الأخير بدل ياء النداء، أي: (يا الله باعد) فيحذف ياء النداء ويأتي بالميم في الأخير: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي) ، وهذه المباعدة لتلك الخطايا في الماضي أم للمستقبل؟ إن كانت عن الماضي فهي بمعنى: اغفر لي وارحمني واصفح عني، ولا تجعل بيني وبينها اختلاط ولا اجتماع بأن تغفرها لي: فإذا كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فماذا يباعد؟ قالوا: هذا تعليم لنا، وهي زيادة رفع له في درجاته ﷺ ، كما لو فرضنا أن إنساناً يستغفر الله بكثرة وليس عنده ذنوب؛ فيكون استغفاره رفعه له في درجاته، والمصطفى ﷺ يقول: (توبوا إلى الله؛ فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) ، سبحان الله! الرسول يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة! والتوبة لا تكون إلا من ذنب، قالوا: ربما أن بعض التقصير يعتبره ﷺ ذنباً، ولذا فإنه يتوب منه، كما ثبت في دعاء الخروج من بيت الخلاء: (غفرانك) ، غفرانك من ماذا؟ لأنه لما دخل بيت الخلاء امتنع من ذكر الله، فلما خرج اعتبر فترة وجوده في بيت الخلاء المانع من ذكر الله خطيئة، فقال: غفرانك ربي عن هذا الوقت الذي ذهب من غير ذكرك! ولكن هذا شيء.
والتحقيق: أنه تعليم للأمة، كما تقدم في الخطاب الذي يوجه إليه ﷺ ، وليس هو المقصود به أبداً، كما في قوله في حق الوالدين: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] ، لمن يقول؟ أبوه قد توفي وهو في بطن أمه، وأمه توفيت وعمره سبع سنوات، من سيبلغ عنده الكبر من والديه؟ ليس هناك أحد منهما، فيكون هذا قطعاً المراد به الأمة، فقد خوطبوا في شخصية رسول الله ﷺ .
إذاًَ: هنا كذلك: (باعد بيني وبين خطاياي) ، والحال ليس هناك خطايا، يقول: (أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) ، والحال ليس هناك ذنوب يتوب منها؛ إنما يكون تعليماً لنا، ورفعاً لدرجاته ﷺ .
وهنا المباعدة إن كان المراد بها خطايا متقدمة يكون المراد غفرانها وسترها ومحوها، لأن المشرق والمغرب لا يلتقيان أبداً، فكذلك هو والخطايا لا يلتقيان، وإن كان للمستقبل فالمراد بها: باعد بيني وبين أسباب ارتكاب الخطايا؛ حتى لا أخطئ كما باعدت بين المشرق والمغرب، فلا أجتمع أنا وخطيئة أبداً كما لا يجتمع المشرق والمغرب أبداً.
стр. 564
التنقية والاغتسال من الذنوب
قال: (اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) ، كما قيل: إن البياض لا يحتمل الدنس، فالغترة البيضاء إذا جاءت ذبابة ووضعت عليها نقطة ظهرت فيها، أما الملونة لو جاء الفأر ما كان ليظهر فيها شيء، فهنا التشبيه: (نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض) الذي لا يحتمل دنساً أبداً، وكما ينقى الثوب الأبيض من الدنس نقني أنا أيضاً من خطاياي، واجعل صحيفتي بيضاء نقية.
ثم قال: (اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) باعد، نقي، اغسل، كل أنواع الابتعاد من الخطايا يكررها ويجمعها ﷺ ، وإذا كان هذا في حقه، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما بالنا نحن؟! ولهذا في الحج حينما يطوف الحاج طواف الوداع يأتيه ملك يربد بين كتفيه ويقول: استقبل عملاً جديداً فصحيفتك بيضاء نقية، وهنا يقول: (اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) ، وكان يكفي الماء فهو يغسل كل شيء، لكن معه الثلج، ومعهما البرد، وما الذي أوجب مجيء الثلج والبرد؟ بعض العلماء يقول: إن الخطيئة عند المؤمن تسبب له الندم، والندم يجعل عند الإنسان حرارة، فإذا غسلت بالماء زال أثرها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، لكن تبقى حرارتها فتغسل بالثلج فتذهب حرارة الخطيئة في نفسه، ويأتي البرد زيادة على ذلك، ويمكن أن يقال: حبيبات البرد أقوى في إزالة الدنس، فعندما يكون لديك زجاجة فيها زيت وغسلتها بالماء فإنه لا يذهب، فإذا أخذت قليلاً من الرمل ووضعتها في الزجاجة ورجيتها، فالرمل بحركته في جدران الزجاجة يأخذ الزيت، فكأن أجرام الرمل داخل الزجاجة تساعد على نظافتها، فكأن إمرار البرد على الصحيفة يساعد على إنقائها أكثر من مجرد إمرار الماء.
فيقول العلماء: الحكمة من جمع الثلج والبرد: أن الماء منقٍ، والثلج والبرد لأمر معنوي في أثر الخطيئة عند المؤمن؛ لأنه يشعر بأنه ارتكبها، والارتكاب يجعل عنده الندم، والندم يبعث على الحرارة والأسى على ذلك؛ فيكون الثلج والبرد يطفئ حرارة الأسى والندم من الخطيئة؛ فينمحي أثرها بالكلية.
نسأل الله أن يغسلنا من الذنوب، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
стр. 565
شرح حديث: (سبحانك اللهم وبحمدك ... )
قال ﵀: وعن عمر ﵁ أنه كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّكَ، ولا إله غيرك) ، رواه مسلم بسند منقطع، ورواه الدارقطني موصولاً وموقوفاً] .
هذه صيغة أخرى من صيغ الاستفتاح، وهل كان يجمع الجميع، أو تارة يقول هذا وتارة يقول هذا؟ يتفقون على أن الصيغ كلها مشروعة، وإن أتيت بالبعض، أو الكل، أو اكتفيت برواية منها فإن ذلك جائز.
قوله: (سبحانك الله وبحمدك) ، مادة التسبيح كما في تتمة أضواء البيان عند أول سورة الحشر جاءت في القرآن بكل تصاريفها: (سبح لله، يسبح لله، سبح اسم ربك) صيغ الأفعال الثلاثة: الماضي والمضارع والأمر، وسبح الله نفسه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ، وتسبح له الملائكة والرعد بحمده، ويسبح له الجماد: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] ، فالتسبيح عبادة جميع الكائنات، بل إن رب العزة قد سبح نفسه كما تقدم.
والتسبيح معناه عظيم جداً، كما في قوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) ، وعند مسلم: (الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض) ، وهل ثواب كلمتين خفيفتين على اللسان تملآن ما بين السماء والأرض -ومسيرة ذلك خمسمائة عام- لمجرد أنها مرت على طرف اللسان: سبحان الله والحمد لله؟ بل لما تضمنته كلمة: (سبحان الله) من جليل المعاني، ويذكر علماء اللغة أن الحروف قوالب المعاني، بمعنى: أن الحروف تكوّن الكلمة، والمعنى في قالب، وكل معنى له قالب يناسبه، كما أن كلنا له ثوب يناسبه، فالألفاظ بالنسبة للمعاني كالثياب بالنسبة للإنسان.
يقول بعض فقهاء اللغة: كلما وجدت كلمتين متفقتين في أكثر الحروف فبينهما صلة وارتباط في أصل المادة، ويقولون: الأصل في وضع اللغة للمادي المحسوس، ثم ينتقل منه إلى المعنوي، فسبحان على وزن فعلان، والألف والنون زائدتان، وأصل المادة: (سَبَحَ) وإذا جئنا إلى المعنى المحسوس في (سَبَحَ) ؛ فإن سبح يسبح بمعنى الذي نزل إلى الماء ليسبح لئلا يغرق! فالسباحة وسيلة للنجاة، والسباحة وسيلة لعبور النهر، لذا قالوا: المعنى الذي في سبحان مأخوذ من أصل الوضع والترتيب للسباحة، فكما أن السابح في الماء بسباحته ينجو من هلاك الغرق، فمن يسبح الله ينجو من هلاك التشبيه ووصف الله تعالى بما لا يليق به، والسباح ينجو بنفسه، فكذلك المسبح لربه ينزهه عما لا يليق بجلاله، وكذلك السابح يصل إلى غايته، وكذلك من يسبح ربه يصل إلى مرضاة الله.
إذاً: (سبحان الله) تنفي عن الله كل ما لا يليق بجلال الله.
стр. 566
الفرق بين الحمد والشكر والثناء
قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) ، ما معنى الحمد؟ الحمد: ثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، واللغة فيها: حمد وشكر وثناء، والحمد المطلق لا يكون إلا لله سبحانه، ولذا يتفقون على أن (ال) في قوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢] للاستغراق، أي: استغرقت جميع المحامد كلها لله، ولا يحمد لكمال ذاته إلا الله، بخلاف الشكر والثناء؛ إذ الشكر يكون في مقابل نعمة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] ، يزدكم من نعمه، أي: ينعم عليك فتشكره، وفي الحديث: (من لم يشكر الناس لا يشكر الله) ، فالشكر مقابل نعمة أسديت إليك، أما الثناء: فتثني على من فعل الجميل ولو لم يكن لك أنت، فأنت ترى العمارة من الناحية الهندسية فيها إبداع، وجمال، وقوة، فعندما تثني على المصمم والمنفذ لهذا العمل، وهل وصلك شيء من ذلك؟ لا.
قد تسمع بطبيب يعالج أمراضاً نادرة مثل: جراحة المخ، وزرع القرنية، قام بعدة عمليات ونجح فيها، فتقول: من هذا؟ فيقولون: الطبيب الفلاني، فتثني عليه، مع أنك -الحمد لله- في عافية، ولست بحاجته في شيء، لكن سمعت بأنه فعل فعلاً جميلاً فتثني عليه لجميل فعله؛ فالشكر في مقابل نعمة أسديت إليك أنت، والثناء بسبب جميل فعله فتثني عليه، أما الحمد فلكمال الذات، سواء نظرت إلى جميل فعله أم لا، وسواء أسدى إليك نعمة أم لا؛ فأنت تحمده لكمال ذاته، فهو مستحق لكمال النعوت.
فإذا اجتمعت (سبحان الله) التي تنفي عن الله كل ما لا يليق بجلاله، وتنزهه عن كل نقص وعيب، معها (الحمد لله) التي تثبت له جميع صفات الجلال والكمال، فقد اجتمع طرفا التوحيد لله في قولك: سبحان الله وبحمده، ومن هنا كانتا مع خفتهما على اللسان ثقيلتان في الميزان، تملآن ما بين السماء والأرض.
стр. 567
أسماء الله مباركة دلالة ومعنى
وأما قوله: (وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك) ، فإن البركة تعني: الزيادة، والمبارك كثير البركات، تقول: طعام مبارك، أي: كثير وفيه خير، واسمه سبحانه مبارك، فإذا سألته باسمه أعطاك، وإذا دعوته باسمه أجابك، وهنا: (تبارك اسمك) ، هل هذا خاص بمجرد لفظ الاسم (الله.
الرحمن.
الرحيم.
الملك.
القدوس.
السلام.
إلخ) ، أم أن المراد المسمى المعبر عنه بالاسم، ولا نريد أن ندخل في غمار مخاضة: هل الاسم غير المسمى، أو المسمى غير الاسم، فهذه مناقشة لا طائل تحتها، ولكن الاسم من حيث هو لفظ مركب غير المسمى، والاسم من حيث هو دال على مسماه هو عينه.
وأي اسم من أسماء الله فهو مبارك، كـ: (الرحمن) ، وبركات الرحمن لا يحصيه إلا الله، (إن لله مائة رحمة أنزل واحدة إلى الأرض فبها تتراحمون، ويتراحم أهل الأرض، حتى إن الدابة لتضع حافرها على ولدها فترفعه رحمة به) ، وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، داخل تحت رحمة واحدة من المائة، عطف الأم على ولدها، عطف الكبير على الصغير، شفقة الصغير على العجوز الكبير، كل ما رأيت وما سمعت من معاني ومظاهر الرحمة فهي جزء من مائة من رحمة الرحمن، أي بركة ممكن أن يحصيها الإنسان في هذا؟! (الرحيم) قالوا: رحمان الدنيا ورحيم الآخرة، وتجدون هذا في أول كتب التفاسير فكلها تنقلها عند البسملة، ولا شك أن رحمة الآخرة دائمة وباقية، بينما الدنيا تنتهي، وفي الآخرة: (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) ، فهذا من بركة اسم الرحمن الرحيم، ولو جئت إلى كل اسم من أسماء المولى : كـ: (الحي) ، فمن بركته وجود هذا العالم، وهو أثر من آثار الحي، وتنظيم هذا العالم وإيجاد كل ما يحتاجه الإنسان في هذا المعنى أيضاً، وإذا كان اسم الله مباركاً وتبارك في دلالاته ومعانيه هل نتجه إلى غير الله؟! لا.
وقوله: (وتعالى جدك) ، تعالى بمعنى: تقدس وتنزه عن كل نقص، والجد يقولون فيه: إنما هو الحظ، ويقولون: إنما هو العطاء، والله أعلم بالحقيقة.
(ولا إله غيرك) ، ما دام الأمر كذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، نتجه إلى من؟ والله لا إله غيرك، وليس لنا مألوه نعبده ونقصده ونرجوه ويستحق منا العبادة له وحده إلا أنت يا الله.
стр. 568
شرح حديث: (كان يقول بعد التكبير: أعوذ بالله السميع العليم ... )
قال ﵀: [ونحوه عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً عند الخمسة: (وكان يقول بعد التكبير: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ من همزه ونفخه ونفثه) ] .
المؤلف ﵀ يريد بإيراد تلك الروايات أن يبين لنا بأن الأمر فيه سعة، كان يقول، وكان يقول، وما قال: إنه كان يجب أن يقول هذا كله، لا، فمما كان يقوله ﷺ : (أعوذ بالله السميع العليم) ، ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ، سميع حتى لوساوس الشيطان، عليم بما يكون منه، ولا يمكن أن ينجيك من الشيطان إلا رب العزة جل وعلا.
يقول والدنا الشيخ الأمين: بين لنا المولى كيف نتقي شيطان الإنس وشيطان الجن، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٣-٣٤] ، أي: عامل الناس بالتي هي أحسن، وادفع السيئة بالحسنة؛ فهي الحرز من شيطان الإنس، فإذا عاملته بالمعروف كفيت شره، وينقلب من عداوة إلى ولاية، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] .
وبعض عشاق الأدب الغربي أو بعض الكتاب المشهورين يقولون: نراك تصانع أعداءك، قال: ألست بمصانعتهم كفيت شرهم؟ قالوا: بلى، قال: وهذا هو المطلوب، يعني: بدلاً من أن تدخل معه في حرب وتغلبه بالقوة، لكن بالمسالمة، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] ، وليست المسألة سهلة، وليس كل إنسان يقدر عليها: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] ، إلا ذو حظ عظيم أكرمه الله بذلك.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦] ، فهنا يقول ﷺ : (أعوذ بالله السميع العليم) ، ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ ، فإذاً: أنت كفيت عداوة شيطان الإنس بحسن المصانعة، بل وينقلب صديقاً لك، وكيف تتجنب أو تتقي عداوة الجن (الشيطان) ؟ لا تستطيع أن تصانعه، وليس عندك طريقة له، ولو أنك صانعته زاد عليك، ولكن تلجأ إلى ربك: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
وهذا كما يقول الشافعي ﵀: (ما من حديث سمعته إلا وله شاهد من كتاب الله) ، وهذا لا يستطيع أن يطبقه إلا مثل الشافعي، فيرد كل حديث سمعه من رسول الله إلى ما يدل عليه من كتاب الله، (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) ، هو نفس نص الآية: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦] .
وقوله: (من همزه ونفخه ونفثه) ، من همزه ونفخه ونفثه كل ذلك يدور حول الوسوسة والتشكيك، والنفث هو الإيذاء وكما يقولون: به مس من الشيطان، وكذلك نزعة الإنسان إلى الشر، كل هذا من أعمال الشيطان في كل مجالاتها ومعانيها.
стр. 569
شرح حديث: (كان يستفتح الصلاة بالتكبير ... )
قال ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم) ، أخرجه مسلم وله علة] .
هذا الحديث مع حديث المسيء في صلاته يعتبران أصلاً في بيان كيفية الصلاة، ومن حسن ترتيب المؤلف أنه أتى به بعدما بين حالات دعاء الاستفتاح وأطال فيها، ومن الناحية الفقهية: فإنهم يجمعون على أن كل هذه الأدعية إنما هي من باب الاستحباب، فلو كبر وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، فالصلاة صحيحة، ما عدا ابن حزم ﵀ فيرى أن دعاء الاستفتاح واجب كالقراءة، ويتخير أي دعاء من هذه الأدعية الواردة الثابتة عن رسول الله ﷺ .
هذا، وينقل بعضهم عن بعض الهادوية أن هذه الأدعية عندهم تبطل الصلاة، ويقولون: لأنها من كلام البشر، وخارجة عن موضوع الصلاة، إلا أن ما يثبت بحديث رسول الله ويفعله رسول الله هل نقول: إنه خارج عن الصلاة؟ هذا تطرف زائد.
وبالتأمل نجد أن كل هذه الصيغ التي وردت تعطي الإنسان تهيأة، وتجعله يستقبل صلب الصلاة بنفس مطمئنة راضية، فقد تباعد من ذنوبه وخطاياه، وطلب غسله وتنقيته منها، وسبح ربه، وحمده، وتهيأ بعوامل متعددة ليصبح في وقفته بين يدي الله مستعداً لكل تلقي فيوضات الرحمة في هذا الموقف العظيم، يعني ليس الذكر مجرد ذكر، ولكنه تهيئة للإنسان.
وكما أشرنا سابقاً في حديث الأذان: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول) ، لماذا، فهو يؤذن للناس ونحن نسمع؟ قال العلماء: لأن الإنسان يكون في أمور الدنيا مستفرغاً حسه وشعوره في عمله مهندس في هندسته، صانع في مصنعه، زارع في مزرعته، بأي حالة من الحالات، فهل نقول للإنسان: تعال صلِّ، ونأخذه من الدوامة التي هو فيها ونوقفه في المحراب مباشرة؟ لا، وهذا انتقال مفاجئ ليس له تمهيد، لكن لما يردد كلمات المؤذن، ويستشعر أن الله أكبر من كل شيء، وينفض يديه عما هو فيه، ويسمع إلى داعي الله: (أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، إلى آخره) يتوجه إلى الله، ويتوضأ وهو مع الله، فيكون هناك تحويل وتغيير في التفكير، فبعد أن كان متجهاً للدرهم والدينار ومنغمساً في أشغاله إذا بنا نجده قد توجه إلى الله، وانقلبت الصفحة إلى ناحية أخرى، وأصبح كأنه جزء من المسجد، ويحط خطاه في المسجد ويدخل في المناجاة مع الله.
ولزيادة تهيئة عملية فعلاً، يأتي بهذه الأدعية الواردة عن النبي ﷺ ، ثم يأتينا المؤلف بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وبدأ المؤلف يبين عملياً كيفية الصلاة.
стр. 570
ملازمة النبي ﷺ افتتاح الصلاة بالتكبير
عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ما أحد أعرف بصلاة رسول الله ﷺ منها، فطول الليل وهو عندها يصلي في حجرتها، والمسجد بجانبها يصلي فيه، وسوف نأخذ هذا الحديث -إن شاء الله- جملة جملة؛ لأن كل جملة فيه غالباً ركن من أركان الصلاة.
(كان ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير) ، لاحظوا كلمة (كان) ، فهي تدل على التكرار والدوام وتقدم لنا استقبال القبلة فكبر، والتكبير والتحميد والتهليل كلها ألفاظ منحوتة، التكبير من قولك: الله أكبر، والتهليل من قولك: لا إله إلا الله، والتسبيح من قولك: سبحان الله، والتحميد من قولك: الحمد لله، فيفتتح الصلاة بالتكبير، أي: بقول: الله أكبر.
стр. 571
الخلاف في الجهر بالبسملة والإسرار في الصلاة
قالت: (والقراءة بالحمد لله رب العالمين) ، وهنا وقفة طويلة نأخذ منها بقدر المستطاع، فعند هذه اللفظة من هذا الحديث وأحاديث وآثار أخرى نبحث هذه المسألة ليسهل علينا ما بعدها.
نحن عندنا في الصلاة قراءتان، قراءة عامة وقراءة خاصة، القراءة الخاصة: فاتحة الكتاب، لحديث: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) .
إذاً: عندنا قراءتان، قراءة خاصة وهي: الفاتحة، وقراءة عامة وهي: ما يمكن أن يقرأه المصلي بعد الفاتحة، فأم المؤمنين تقول: (كان يفتتح القراءة) ، وهل هي قراءة الفاتحة الخاصة أم القراءة العامة بالنسبة للفاتحة وغيرها؟ إذا قلنا: كان يفتتح القراءة بمعنى الفاتحة، فلا يوجد في قولها: بسم الله الرحمن الرحيم، معنى ذلك: أنها أسقطت البسملة، ومن هنا يؤخذ دليل من يقول: البسملة ليست من الفاتحة.
ومن يقول يفتتح القراءة العامة معناها: أنه يقرأ أولاً بفاتحة الكتاب المعنون عنها بالحمد، ولا يقدم السورة الصغيرة ولا الآية على الفاتحة، فيفتتح القراءة في الصلاة من حيث هي بالفاتحة أولاً، ويثني بما تيسر معه من القرآن، وإذا قلنا: يفتتح القراءة بمعناها العام، بأن يقدم الحمد لله رب العالمين؛ تكون أم المؤمنين عنت بقولها: (الحمد لله) اسم السورة لا مستهلها وأولها والآية الأولى منها، أي: كان يفتتح القراءة بسورة الحمد، والفاتحة اسمها: الفاتحة، والحمد، والصلاة، والإيمان، والنعمة، والتامة ولها أكثر من عشرين اسماً.
فإذا حققنا هذا الموقف في المراد من قول أم المؤمنين: (يفتتح القراءة) هانت علينا المسألة، لأننا وجدنا من يقول: إن المراد بالقراءة الفاتحة فيدخل فيها البسملة، ثم بعد هذا يأتي نقاش طويل جداً، حتى إن ابن عبد البر أفردها برسالة خاصة موجودة في الرسائل المنيرية، ومن أرادها فليرجع إليها، ونأتي في الموطأ وغيره ونجد من يذكر قول أبي هريرة لـ سلمان: (ائت بها سراً يا فارسي، ومن يقول: (صليت خلف أبا بكر وعمر فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين) ، و: صليت خلف فلان وفلان فلم أسمعهم يذكرون البسملة) ، وليس معنى عدم السماع عدم القراءة، والجمع بين الأمرين أن تأتي بها سراً.
إذاً: النقطة التي منها الانطلاق لطالب العلم خاصة أن نقول: المسألة مفروغ منها وانتهينا، ولكن حيث أوردها المؤلف نذكرها من ناحية منهجية كمسألة خلافية لنتوصل إلى النتيجة بسرعة، ونخرج بنتيجة علمية: (كان يفتتح القراءة) أي القراءتين؟ عندنا قراءتان في الصلاة: خاصة بالفاتحة، وعامة بما تيسر بعدها، وإن حملناه على الخاصة أسقطنا البسملة، وإن حملناه على العامة تكون أرادت اسم السورة، وعلى أنها الخاصة تنازعوا في البسملة، ما عدا الشافعي فإنه يقول: البسملة آية من الفاتحة، ويروي عن ابن عباس: (من ترك البسملة في الفاتحة فقد أسقط مائة وأربعة عشر آية من كتاب الله) ، أي: بعدد السور، ويجمعون على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية مستقلة من كتاب الله في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] .
وإذا جئنا إلى التحقيق من جانب عد الآيات، قال: أبي بن كعب (لقيني رسول الله ﷺ وأنا في المسجد فقال: ألا تريد أن أعلمك أفضل سورة في كتاب الله قبل أن تخرج من المسجد؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بيدي وسار إلى الباب، فأخذت أبطئ في الخطا أنتظر السورة، حتى قارب الباب فقلت: السورة يا رسول الله! قال: فاتحة الكتاب، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) .
نعد سبع آيات من الفاتحة: إن قلنا من: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] إلى الأخير صارت ست آيات، وإذا بدأنا بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) وجدناها سبع، وخذ المصحف تجد ذلك في الفاتحة خاصة، أنتم تعرفون في العد لآي المصحف أن الرقم يوضع في آخر الآية، ولا تجد رقماً في الأول، فإذا أخذت المصحف تجد بسم الله الرحمن الرحيم بعدها علامة الآية رقم واحد، ثم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:١-٧] ، تمت السبع.
فالذين يقولون: إن البسملة ليست من الفاتحة يقسمون الآية الأخيرة قسمين، ويجعلونها آيتين، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] ، ويأتون بآية، لكن الرسم العثماني لا يمكن أن نغفله، وإن كان البصريون والكوفيون والحجازيون يختلفون في عد الآي، والفرق بينهم حوالى ست أو عشر آيات في كتاب الله كله، لكن في المصاحف الأم ما يجمع ذلك، فقال المثبتون: البسملة آية من كتاب الله، وآية في الفاتحة خاصة، ثم يكون الخلاف بعد ذلك في بقية السور، هل هي آية كما يقول الشافعي، أو تنزل فواصل لتبين اختتام السورة وافتتاح سورة جديدة؟ سبق ما يجعل كلا الفريقين على حق في كونها منها أو ليست منها؛ وبصرف النظر عن موضوع الصلاة، فالبسملة في موضوع الصلاة حققته الأحاديث الثابتة من أنه يأتى بها سراً ولو في الجهرية، ويقول والدنا الأمين رحمة الله علينا وعليه: بعض السور أو بعض الآيات قد تنزل مرة واحدة، وقد تنزل السورة الكاملة فيها الخمسون والستون والسبعون آية مرة واحدة دفعة واحدة، وقد تنزل الكلمة مستقلة بذاتها، قال: والفاتحة أنزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة، وفي كلتا المرتين مرة نزلت ومعها البسملة آية منها، ومرة نزلت وليست معها البسملة آية منها، فيقول: من قال: إنها آية، نظر لبعض النزلتين، ومن قال: ليست آية، نظر لبعض النزلتين، وإذا كان الأمر كذلك من جهة النزول، وجئنا إلى الصلاة نجد النصوص موجودة وصحيحة وثابتة بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لما قال القائل: (صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان ولم يكونوا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم، وكانوا يفتتحون القراءة بالحمد) ، كما قالت عائشة، لكن عندما يصرح: ما كانوا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم، يأتي الآخر ويقول: كانوا يأتون بها ولكن في السر؛ ولهذا سلمان لما سأل أبا هريرة ووقع النقاش قال له: (ائت بها سراً يا فارسي) .
وسيأتي لهذا زيادة روايات متعددة بأن القراءة في الصلاة على قسمين: قراءة عامة، وقراءة خاصة، فإذا حملناها على الخاصة ننفي البسملة، وإذا حملناها على البسملة يكون مرادها تسمية السورة باسم الحمد، ويأتي قوله ﷺ : (هي السبع المثاني وهي القرآن العظيم) ، وسميت بالمثاني لأنها تثنى في كل ركعة من الصلاة، وسيأتي الخلاف أيضاً في قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام، والله تعالى أعلم.
إذاً: أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أعطتنا الافتتاحية في القراءة، وهل الأحسن أن نحملها على العام أو الخاص؟ على العام وسيأتي زيادة بحث لهذا، ونصوص أخرى في الموضوع توضحه لنا أكثر.
стр. 572
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٤]
نقل لنا الصحابة رضوان الله عليهم صفة صلاة النبي ﵊، وبتعدد روايات هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم يتبين لنا صفة صلاته وكأننا نراها؛ ولهذا اهتم العلماء بتدوين الأحاديث الواردة في ذلك.
стр. 573
تتمة وصف عائشة لصلاة النبي ﷺ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: عائشة ﵂، وقولها: (كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين) .
وهل الأولى حملها على القراءة العامة أو القراءة الخاصة؟ العامة، وهذا أصح، وهذا يجنبنا مشاكل كثيرة، ويقرب الطريق عندنا، فإذا قرأ سورة الحمد لله وما تيسر معها، فبعد القراءة سيكون الركوع، وكيف كان ركوع رسول الله ﷺ ؟! قالت: (فإذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه) ، تقول: هذا الشاخص، والعمود هذا يسمى شاخصاً، ويشخص بمعنى: يرفع، ويخفض بمعنى: ينزل، إذاً لا هذا، ولا ذاك، ولكن بين الأمرين، يستوي رأسه ﷺ مع ظهره، حتى قالوا: لو وضعت قدحاً على ظهره ﷺ وهو راكع لم يتدفق القدح لاعتداله.
(فإذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه؛ ولكن بين ذلك) ، بين أن يشخص وبين أن يصوب، ومعناه: الاعتدال، لا زاوية منحرفة، ولا زاوية حادة، بل زاوية قائمة.
(وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً) ، وهكذا بعد الركوع لا يهوي إلى السجود حتى يستوي -والاستواء الاعتدال- قائماً، وهذا نص على الذين يقولون: ما بين الركوع والسجود ركن خفيف، ويكفي فيه مجرد إشارة اللفظ، فيكون راكعاً ثم يهوي إلى السجود، والحركة لم تنقطع بعد، وعند نقطة الصفر من الاعتدال يبدأ بالنزول، لكن قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (إذا كان راكعاً لم يسجد حتى يستوي -أي: يعتدل- قائماً) يعني بعد الركوع.
إذاً: الاعتدال بعد الركوع ركن، وتأتي موضوع الطمأنينة، فليست مجرد اعتدال إلى نقطة الصفر، بل طمأنينة مع هذا الاعتدال.
(وكان إذا رفع رأسه من السجدة؛ لم يسجد حتى يستوي جالساً) ، كذلك بين السجدتين، وهو مثل الاعتدال ما بين الركوع والسجود؛ لأن البعض أيضاً يقول: الجلسة بين السجدتين ركن خفيف، فلو سجدت ثم رفعت رأسك وقبل أن تعتدل رجعت وسجدت فلا بأس، والبعض ما يرفع يديه من الأرض بعد حتى يعود، وهذا خطأ في الصلاة؛ إذ لابد أن يعتدل قاعداً بين السجدتين، ولابد أن يظهر منه هيئة الجالس بين السجدتين.
(وكان يقول في كل ركعتين التحية) ، وهذا وصف عام، في كل ركعتين سواء كانت الصلاة كلها ركعتين، أو كانت الصلاة ركعتين وزيادة، فكل ركعتين فيها تحية، الصبح ركعتان وفيها تحية، والظهر أربع، وفي كل ركعتين تحية، تحية بعد الركعتين الأوليين، وتحية بعد الركعتين الأخريين، والمغرب ثلاث، فيها تحية بعد الركعتين الأوليين، وتحية عند الأخيرة ويسلم.
انظروا إلى هذا الإجمال في الصلاة! يقرأ التحية، وما هي التحية؟ لم تذكر، ولها نص مستقل، كذلك يركع ويسجد، وماذا يقول في ركوعه وسجوده؟ لها نصوص مستقلة، وإنما هي تصف الحركات الظاهرة من أعمال رسول الله ﷺ .
стр. 574
الافتراش والتورك في الصلاة
قالت: (وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى) ، معنى يفرش: أي: يجعل ظهر القدم على الأرض، ويجلس على بطن القدم اليسرى، ورجله اليمنى ينصب قدمها، ويلاحظ في نصب القدم اليمنى: أن تكون أطراف أصابع القدم اليمنى متجهة إلى القبلة، لا أن يجعلها مدبرة إلى الخلف، ما لم يكن هناك صعوبة أو مشقة، فبعض الناس يكون الله معطيه بسطة في الجسم، وإذا أراد أن يجلس هذه الجلسة تصعب عليه، فيجلس كيفما تيسر له، لكن الهيئة الأساسية من سنة النبي ﷺ هي هذه الحالة.
وهل هذا الصنيع في التشهدين معاً أم في التشهد الأول؟ هذا يكون في التشهد الأول باتفاق، ويقولون: السنة في التشهد الثاني الذي يعقبه السلام والخروج من الصلاة أن يتورك، بمعنى: أنه يدخل قدمه تحته ويفضي بإليته إلى الأرض، ولماذا يغير في الجلسة؟ هكذا فعل ﷺ ، لكن الفقهاء بحثوا عن العلة والسبب والحكمة من وراء ذلك.
نقول: أولاً: أيهما أطول في الجلوس؟ التشهد الثاني؛ فهل نظل في التشهد الثاني الطويل ناصبين للقدم وعاكسين الأصابع وننتظر متى يسلم أم نجلس مرتاحين؟ الجلسة في التشهد الأخير تعطي فرصة راحة وطمأنينة، ويستطيع الإنسان أن يدعو في التشهد بما يسر الله له.
هذه ناحية.
الناحية الثانية: لو أنك جئت والإمام في التشهد، فإنك لا تدري هل الإمام في التشهد الأخير أم في الأوسط؟ قالوا: تنظر إلى هيئة الجلسة، فتعرف إن كان هذا التشهد هو الأول أو الأخير، فإن كان متحفزاً للقيام ومستعداً لأن يقوم علمت أنه في التشهد الأول، ولو رأيته جالساً على هدوء وهون علمت أنه ما بقي إلا أن يسلم، وما هي الفائدة من هذه؟ وهل ندخل معه في الصلاة أو ننشئ جماعة جديدة؟ الصحيح أننا ندخل معه.
стр. 575
أحكام عقبة الشيطان والافتراش كالسبع
في آخر هذا الحديث: (أن النبي ﷺ كان ينهى عن عقبة الشيطان، وأن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وفي لفظ: افتراش الكلب.
أما صفة عقبة الشيطان كما يفسرها علماء الحديث فهي أن ينصب ساقيه ويثني ركبتيه، ويجلس على الأرض على إليتيه، كالذي يعقد الحبوة، وعقد الحبوة هو: أن يأخذ الإنسان حزاماً أو نوعاً من الخيوط ويجعله خلف ظهره ثم يديره على ساقيه ويعتمد عليه، وكان هذا المنظر كثيراً ما يرى في المسجد النبوي، ويفعله الشيوخ وكبار السن خاصة بعد صلاة الصبح حينما ينتظرون في مجلسهم يذكرون الله حتى تطلع الشمس، وأحياناً بعد المغرب والعشاء، وحينما يفعل مثل هذا ويجعل يديه إلى الأرض، وركبتيه إلى الأعلى؛ فهذه عقبة الشيطان، وليس فيها حبل ولا حبوة، وبعضهم يصف عقبة الشيطان بأن ينصب القدمين، ويجلس على العقبين، ولكن هذه مردودة لأنها هيئة رواها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وفي قول أم المؤمنين: (كان ينهى عن عقبة الشيطان) ، ما خصصت رجلاً ولا امرأة، فالنهي في هذه الهيئة في الجلوس ممنوع بصفة عامة، وافتراش الرجل ذراعيه افتراش السبع يظهر هذا، ويتبين أكثر ما يكون في الكلب -أعزكم الله-، والسبع يطلق على كل حيوان مفترس، وجاء عنه ﷺ في دعائه على رجل: (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك) ، فقالوا: الكلب يطلق على السبع، والسبع يطلق على الكلب، وقالوا: الكلب سبع؛ لأنه يفترس بنابه ويأكل اللحوم، وافتراش الذراعين كافتراش السبع هو: أن يمكن ذراعيه مع المرفق على الأرض؛ فطبيعة السجود أن يسجد بباطن الكفين على الأرض، والمرفق مرتفع عنها، ولا يكون ملامساً لها، والسنة أن يرفع المرفقين عن الأرض، ويكون معتمداً على الكفين فقط.
وإذا كان معتمداً على الكفين فأين يكون المرفقان؟ يرفعهما، ويجافي بينهما وبين ضبعيه، ولا يلصقهما بجانبيه، وتنصيص أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على الرجل يدل بمفهومه على أن المرأة بخلاف ذلك، وهو مفهوم المخالفة وليس مفهوم صفة، والفرق بينه وبين مفهوم الصفة أن مفهوم الصفة لا حكم له في التشريع، ومفهوم الصفة إنما يتعلق باسم الجنس، فعندما تقول: أكلت تفاحاً لا يمنع أن تكون أكلت معه موزاً، وهل الإخبار بأكل التفاح يمنع أن تكون أكلت غيره معه؟ لا، ولكن لم آكل إلا التفاح! هنا جاء الحصر، ومنع أن تكون أكلت مع التفاح غيره.
لكن عندما تقول: بنى هذا البيت رجل، فمفهوم المخالفة: ليس امرأة، وإذا قيل: من يوجد في هذا البيت؟ توجد فيه امرأة، ومفهوم المخالفة: أنه لا يوجد فيه رجل، فإذا قلت: فيه امرأة، قالوا: هنا مفهوم الصفة، ومفهوم الصفة له عكسه، وينفى عنه الحكم، تقول: الصغير لا تكليف عليه، إذاً: الكبير عليه تكليف؛ لأن مفهوم صفة الصغير عكسها الكبير، فيكون له عكس الحكم.
وأنصح الإخوة طلبة العلم أن يرجعوا في هذه النقطة -وهي موضع خلاف عند الأصوليين- لأضواء البيان لوالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في قوله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦-٣٧] ، بعض الناس يقول: هذا مفهومه مفهوم اللقب، ولا يمنع أن يسبح له فيها نساء، والشيخ يقول: التحقيق: أن المفهوم هنا مفهوم صفة لا مفهوم لقب؛ لأن حضور الجماعات وإقامة الصلاة في المساجد إنما هو من خصائص الرجال، فكون المرأة تحضر لا بأس وتصح صلاتها، ولكن صلاتها في بيتها خير من حضورها المسجد، إذاً: هي ليست مرادة أصالة في هذه الآية الكريمة، لمجيء امرأة من بني سليم إلى النبي ﷺ تقول: (يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت ولكن صلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك معي) ؛ لأن فيه تقريب المشوار، واختصار الطريق (وصلاتك في عقر دارك خير من صلاتك في مسجد قومك) ، فإذا كان هذا شأن المرأة فهل يناط بها الحكم ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ ؟، ولكن الرسول ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله بيوت الله) ، وجعل لها شروطاً.
وأم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تنبه هنا: أنه نهى عن عقبة الشيطان، لكن نهى من؟ لم تعين المنهي المتوجه إليه النهي، فيكون عاماً في الرجال والنساء، ولكن في افتراش السبع قالت: (نهى الرجل) ، إذاً: المرأة لها حكم آخر، وما دامت المرأة لها حكم آخر، فذكر الرجل مفهوم صفة له عكس الحكم؛ ولذا اتفق العلماء على أن المرأة لا تفعل كما يفعل الرجل في الصلاة، الرجل يجافي بين عضديه، وبين منكبيه وعضديه، ويكون هناك فجوة، وإن كان بعض الإخوة ربما بالغ في ذلك، إذا صلى في الجماعة تمدد بيديه ونزل على كفيه، وجنح بيديه يميناً ويساراً فيضايق من بجواره، وليس الأمر كذلك؛ إن كنت منفرداً فلا بأس وافعل ما شئت، لكن مع عدم الخروج عن اللياقة، وإن كنت في الجماعة فيجب أن تحافظ على الجماعة الذين يصلون عن يمينك ويسارك، فالسنة في الرجل مهما كان ألا يلصق منكبه بجانبه، بخلاف المرأة فإنها تضم نفسها وتفرش ذراعها، فالمرأة حكمها: أن تفترش الذراعين وتضمها إلى ضبعيها؛ لأن في تفريجها شيئاً من إظهار جسدها، أما ضمها نفسها ففي ذلك زيادة في تسترها.
إذاً: نهي الرجل خاص به، بخلاف المرأة فلها أن تفترش افتراش السبع، ويكون ذلك نوع من سترها في صلاتها، وكما يقال: كل له حكمه.
стр. 576
كيفية التسليم
قالت: (وكان ﷺ يختتم الصلاة بالتسليم) وهنا مبحث من جهتين: كيفية التسليم، ونوعيته.
تسلم بعد التشهد والدعاء الذي يسره الله لك، أو ما جاء عنه ﷺ في الدعاء بعد التشهد، مثل التعوذ بالكلمات الأربع: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) وقد قال ابن حزم: إنها فريضة؛ لأن الرسول ﷺ أمر بهذه الكلمات الأربع، وبعضهم يقول: إنها من التوجيهات والتعليمات لما يقال من الأدعية في الصلاة، وبعضهم يقول: إذا انتهيت من التشهد وذكرت الدعاء الوارد تمت صلاتك، وتخرج كيف شئت، والجمهور على أن المصلي لا يعتبر خرج من صلاته وأتمها إلا بالتسليم، وهذا نص الحديث: (كان يفتتح الصلاة بالتكبير ويختتمها بالتسليم) ، وهنا كيف يسلم؟ هناك من يقول: يكتفي بسلام واحد، فيجلس مستقبلاً القبلة ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، وبعضهم يقول: لابد أن يسلم عن اليمين وعن اليسار، فإن كان في الجماعة فعن يمينه أخ مسلم، وعن يساره أخ مسلم، فيسلم على من بجانبيه، وإذا كان منفرداً أو في الخلاء وليس عنده أحد فإنه يسلم على الملائكة؛ لأن الملائكة تحضر صلاته، وقالوا: الكيفية أن يبدأ بالسلام: السلام عليكم -ويبدأ بالالتفات يميناً- ورحمة الله، ويعود إلى ما كان عليه، ويبدأ بالسلام عن اليسار أيضاً مستقبلاً القبلة، ثم يلتفت يساراً ويكمل الصيغة في السلام.
وأما عن حكم السلامين معاً: فكلاهما واجب؛ لأنهما ورد عنه ﷺ ، حتى قيل: (كان يلتفت حتى نرى بياض خديه) ، إذا التفت يميناً رءوا بياض الخد اليمين، وإذا التفت يساراً رءوا بياض الخد اليسار، إذاً: هناك التفاتة وصورة واقعية، وكانوا يجعلون السلامين معاً.
وهناك من يقول: الأول فرض وبها يخرج من الصلاة، والثاني سنة، وعلى كل سيأتي تفصيل السلام في آخر الباب، إلا أنه كما تقدم في هذا الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها أوردت لنا صفة صلاة رسول الله ﷺ إجمالية: يفتتح الصلاة بالتكبير، وما قالت ما هي صيغة التكبير.
وكان يفتتح القراءة بالحمد، ولم تفصل لنا ما هي القراءة.
وإذا ركع، وإذا رفع، وجلس بين السجدتين، ثم نهى عن كذا وعن كذا، ويختتم الصلاة بالتسليم، ما هو نوع التسليم؟ لم تفصل، وأشرنا إلى أن هذا الأسلوب من الإجمال؛ ثم يأتي بعد ذلك التفصيل، وهو من أرقى أنواع الأساليب البيانية؛ لأن في الإجمال إيجازاً واختصاراً؛ فيقع هذا المجمل في ذهن السامع، ثم يأتي بعد ذلك التفصيل، ونستطيع أن نقول: هذا منهج الفقهاء، فهم يكتبون المتن مجملاً، ثم يأتي بعد ذلك الشرح مفصلاً، وبعض يزيد بالحواشي.
إذاً: يهمنا الأسلوب العلمي الناجح القريب السهل، وهو أن يؤتى بالموضوع مجملاً ثم يؤتى به بعد ذلك مفصلاً، وهذا ما سلكته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وكل جزئية من تلك الجزئيات إما أن تقدم بيان لها، وإما أن يأتي لها تفصيل وتحقيق وزيادة روايات في بيانها تفصيلياً.
стр. 577
شرح حديث: كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ... )
قال ﵀: [وعن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع) ، متفق عليه.
وفي حديث أبي حميد عند أبي داود: (يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر) ] .
هذه التكبيرات في حديث ابن عمر ﵄ يقولون عنها: تكبيرات الانتقال، ورفع اليدين عندها سنة، والتكبيرات واردة عند الانتقال من كل ركن في الصلاة ما عدا الرفع من الركوع، فإن الذكر فيه: (سمع الله لمن حمده) ، (ربنا لك) أو (ربنا ولك الحمد) ؛ على كلا الصيغتين.
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه (أن النبي ﷺ كان إذا صلى رفع يديه حذو منكبيه) ، والمحاذاة: المقابلة، والمنكبان هما: الكتفان عن اليمين واليسار، فيرفع يديه حذوهما، ولا يرفعهما عند رأسه، ولا ينزلهما عند صدره، وذلك في ثلاثة مواضع: عندما يفتتح الصلاة، وتقدم أيضاً في الصلاة، وسيأتي زيادة إيضاح في رواية: (حذو منكبيه) ، ورواية: (أوائل أذنيه) ، وأوائل الأذنين في الرأس، وأعلى الأذنين أي أواخرهما في الأعلى عند الرأس، ولا خلاف بين رواية: (حذو المنكبين) ، وبين رواية: (أوائل الأذنين) ؛ لأن من لاحظ الكف نظر لمحاذاة الكف إلى المنكب، ومن نظر إلى أطراف الأصابع فلن تذهب الأصابع إلا إلى أوائل الأذنين، فقيل: الروايتان تصدق كل منهما الأخرى، فهذا نظر إلى أدنى الكف، وهذا نظر إلى أعلى الأصابع، فأدناه منكبي الإنسان وأعلاه أدنى الأذنين، هذا في الموطن الأول.
(كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة) ، وإذا افتتح الصلاة يقول: الله أكبر، وتقدم شيء من التنبيه على ما يقوله العلماء في افتتاح الصلاة، يقول: الله أكبر، فلدينا نطق باللسان: تكبير، وحركة باليدين: رفع، وهل هما متلازمان أم أن أحدهما يسبق الآخر؟ تقدم بأنهما معاً سواء؛ فيبدأ بلفظ الجلالة عند بداية الحركة، ويشغل زمن الحركة بالتكبير.
الموطن الثاني: إذا كبر للركوع، فإذا أراد أن يركع رفع يديه، ويكبر إذا أراد أن يركع، وهذه تكبيرة الانتقال، والأولى تكبيرة افتتاح، ونلاحظ في كتب الفقه التدقيق، فلو أن إنساناً كان متأخراً وأدرك الإمام ليركع وركع معه، فكبر، هل نوى بتكبيرته تلك افتتاح الصلاة أو الانتقال والهوي إلى الركوع؟ إن نوى بتكبيرته افتتاح الصلاة فقد افتتح الصلاة وجاء بالتكبيرة التي هي افتتاحية الصلاة وواجبة، وإن نوى الدخول في الركوع وتكبيرة الانتقال فلا تجزئه، وإن نوى الأولى اندمجت معها تكبيرة الانتقال، وسيأتي هذا في الذي يدرك الإمام راكعاً ماذا يكون حاله؟ إذاً: يرفع يديه حذو منكبيه مع التكبير عند افتتاح الصلاة، ويكبر عند الهوي إلى الركوع.
(وإذا رفع رأسه من الركوع) ، الوارد في الرفع من الركوع: (سمع الله لمن حمده) ، وهنا ابن عمر يريد رفع اليدين لا التكبير، فالمراد أن رفع اليدين ورد في ثلاثة مواطن: عند تكبيرة الافتتاح، والتكبير للركوع، ورفع الرأس من الركوع.
إذاً: في الافتتاح: الله أكبر، ويقرأ، وعند الركوع: الله أكبر، ويرفع يديه ويركع، وكذلك عند الرفع من الركوع، وليس معنى ذلك أنه يكبر ويرفع، لا، المراد أن هذا هو الموطن الثالث الذي ترفع فيه اليدان عند الانتقال، وهو الرفع من الركوع، لكن هل يكبر عند الرفع؟ لا.
والوارد في ذلك: (سمع الله لمن حمده) ، يقولها المنفرد، ويقولها الإمام، أما المأموم فله أن يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وله أن يكتفي بقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ويجيب على ذلك: ربنا ولك الحمد.
والواو مجيئها وعدم مجيئها نقطة بلاغية، ويتفقون على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالذي يقوله الإمام: سمع الله لمن حمده، ويقول من خلفه: ربنا لك الحمد، إجابة على قول الإمام: سمع الله لمن حمده، فأنا حمدته وسمع، والذي يقول: ربنا ولك الحمد، الواو عاطفة على تقدير معنى جديد، ربنا استجب لنا ولك الحمد على استجابتك لدعائنا أو لتحميدنا.
وبعد حركة الرفع من الركوع يأتي الهوي إلى السجود، هل يرفع يديه للهوي إلى السجود؟ الحديث لم ينص عليها، ولم يصفها ولم يقل فيها شيئاً.
فإذا سجد وأراد أن يجلس بين السجدتين هل يرفع يديه كما رفع عند الرفع من الركوع؟ ما ثبت شيء من هذا في هذا الحديث، وهل في تلك الحركات رفع لليدين؟ لا.
ولكن وردت حركة أخرى غير تلك الثلاث ألا وهي: حينما يقوم من تشهده الأوسط، وهي قاعدة يذكرها الفقهاء: عند قيامه لركعة وتر في صلاته، وركعة الوتر في صلاته هي الثالثة من الرباعية أو الثلاثية، فإذا أنهى التشهد الأول وأراد أن يقوم للركعة الثالثة؛ سواء كانت هي الأخيرة في المغرب أو الثالثة في الرباعية، فحينئذٍ يستوي قائماً للركعة الثالثة ويرفع يديه حذو منكبيه؛ لأنها في منزلة الصلاة الجديدة، لأن الصلاة أول ما فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر وأتمت في الحضر، وعلى هذا جاءت السنة، والقول برفع اليدين عند هذه المحلات الثلاث هو قول الجمهور، وهناك من يعارض فيها، وصاحب سبل السلام يعزو ذلك للهادوية، ويرد عليهم رداً شديداً، ويعرض بمن يقول بعدم رفعها، أو من يقول: إنها حركات زائدة تبطل الصلاة، ولا عبرة لشيء من هذا كله ما دام أن النص قد ثبت عن الرسول ﷺ ، وعمل به الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
قال: [وفي حديث أبي حميد عند أبي داود: (يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر) .
ولـ مسلم عن مالك بن الحويرث نحو حديث ابن عمر لكن قال: (حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) ] .
المؤلف ﵀ يعدد هذه الروايات ليستكمل صورة رفع اليدين إلى حذو المنكبين، وفروع الأذنين، وكل ذلك في منطقة واحدة، وكل الروايات يؤيد بعضها بعضاً ولا خلاف بينها.
стр. 578
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٥]
ضم اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة من السنن الثابتة عن النبي ﷺ ، وقد اختلف العلماء في مشروعيته، فالجمهور يقولون بالضم، بينما الإمام مالك لا يرى الضم، وهذه المسألة ومثيلاتها فيها دلالة على لزوم معرفة وجهة نظر المخالف، وعدم التشنيع عليه في المسائل الاجتهادية.
стр. 579
شرح حديث: (صليت مع النبي فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: [وعن وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي ﷺ ، فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره) ، أخرجه ابن خزيمة] .
وائل بن حجر له خصيصة من بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولم تكن العادة أن نترجم لأحد، وإنما نحفظ أسماءهم فقط ولا نذكر تراجمهم، لكن يلفت النظر هنا: أن وائل بن حجر من أبناء ملوك حضرموت، وأخبر ﷺ عن مجيئه قبل أن يصل، فقال: (يأتيكم وائل بن حجر وهو من بقايا أبناء الملوك، جاء راغباً طالباً يبتغي فضل الله، وجاء إلى الله وإلى رسوله راغباً في الإسلام) ، ولما وصل أفسح له النبي ﷺ في المجلس، وافترش له رداءه وأجلسه عليه، لماذا؟ في السنة النبوية مناهج عديدة، ونأخذ من هذا: أن النبي ﷺ كان ينزل الناس منازلهم، وليس في هذا محاباة ولا مغايرة، ولكن إكراماً، ويذكرون عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنه أتاها مسكين فأعطته كسرة خبز، ثم أتاها رجل ذو هيئة يسأل، فأجلسته وقدمت له طعاماً، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن ذاك يكفيه تلك الكسرة، وهذا ممن يصدق فيهم قوله: (أنزلوا الناس منازلهم) .
وهذا من مكارم أخلاقه ﷺ ، ومن محاسن الآداب التي علمنا إياها، ونقول: الأصل أن الناس سواسية! وليس هناك مانع، فهم سواسية فيما يتساوون فيه، ألا تراهم في صف الصلاة: أمير ومأمور، وغني وفقير، وصغير وكبير، وكلهم في صف واحد سواسية، ليس هناك اختلاف، ورمضان يأتي على الجميع فيصومون، لكن في أمور الدنيا هناك أمور يكون التفاوت بسببها؛ ثم أليس في فعله ﷺ ترغيباً له؟! هو من أبناء الملوك ويترك الملك ويأتي وتقول له: اذهب أنت مثل فلان وفلان، أقل ما فيه شيء من المجاملة ومن الترغيب، وفي تكريمه تكريم لمن وراءه.
ويهمنا أنه يذكر لنا هيئة من هيئات الصلاة عن رسول الله ﷺ ، وهذا من حسن ترتيب المؤلف؛ فقد جاء عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في ثلاثة مواضع إذا رفع يديه حذو منكبيه عند افتتاح الصلاة، ثم عند الركوع، وقبل أن يركع، ونحتاج إلى معرفة موقع اليدين بعد هيأتهما في الافتتاح، فهل جعلهما حذو منكبيه حتى يركع؟ لا، فإما أن يسدلهما أو يضمها، فجاء بحديث وائل هنا ليبين لنا موقع اليدين عند القيام.
стр. 580
هيئة وضع اليدين على الصدر
ذكر ﵁ أنه رأى النبي ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره في الصلاة، لا كما يفعل بعض الناس كأنه يخنق نفسه، وكمن يدليها على بطنه.
ويذكر ابن رشد في (بداية المجتهد) قاعدة فقهية عند قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، وهي: هل العبرة بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟ بمعنى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ هل يجزئ أن أمسح أول الرأس أم لابد أن أذهب إلى آخره؟ وينطبق ذلك أيضاً: أن يأتي إنسان ويقول: فلان له عليّ ألف ريال أدفعها إليه في رمضان، وفي أي يوم من رمضان؟ لفظ عام، فصاحب الدين في رمضان قال: أعطني الألف، قال: لا، في آخر يوم من رمضان، فأول يوم يصدق عليه أنه رمضان، وآخر يوم يصدق عليه أنه رمضان.
إذاًً: العبرة بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟ الواقع أنها قضية ليست مطردة، ففي بعض الأشياء لا تحتمل تردد، وفي بعضها تحتاج إلى قيد وتحديد.
وهنا: (يضع اليمنى على اليسرى على صدره) : هل في أول الصدر من جهة البطن أم في آخر الصدر من جهة العنق؟ يحتمل الحديث الوجهين، ولكن جاءت النصوص الأخرى بالوضع الطبيعي، لا يرفعها إلى ترقوته، وهو العظم المستدير بالعنق، ومن بعده الضلوع، فإذا رفعه إلى الترقوة خرج عن الصدر، وإذا نزل عن الضلوع فقد نزل إلى القفص الصدري ومنه إلى البطن، وتأتي نصوص أخرى: فوق السرة، وعند السرة، وكلها تدور حول وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
إذاً: نرجع إلى الهيئة المعتادة، والشيء العرفي الذي يتعارف عليه الناس، والصورة التي ليست مستنكرة، فبعض الناس يكون مسترخي الأعصاب فيضعهما على البطن، وكأنه تعبان أو كسلان، وبعضهم يضعها وكأنه لا يستطيع أن ينهض، وبعض الناس يتعنت ويتشدد ويضع الأصبع على الأصبع، وبعضهم يذهب إلى نصف الساعد، وبصورة لو رأيتها تستنكر أن تكون هذه هيئة للصلاة.
والأمر الوسط هو الوضع على وسط الصدر، وألا يكون على هيئة مستنكرة.
стр. 581
خلاف المالكية في الضم
وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة يتفق عليه أصحاب المذاهب الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد ﵏، أما مالك ﵀ وهو إمام المذهب المالكي فإنه ينص على ذلك في الموطأ، فهو مذهبه، وأعتقد أن أسانيد أحاديث الموطأ فوق التهمة وفوق البحث والتنقيب عنها، وإذا ذكر مالك فهو النجم، والحديث الوارد عندنا هنا في السنن، فإذا كان مالك ﵀ يذكر ما يسمى بالقبض في الصلاة، ومع هذا نجد بعض المالكية يقول: هذا في النوافل وليس في الفرائض، فله أن يقبض في النافلة ولكن يسدل في الفريضة، ولماذا؟ يروون في ذلك أثراً عن مالك، وأنه في رواية عنه سدل اليدين، أو أنه صلى سادلاً لهما، وأنه سئل عن القبض فقال: لا أدري، وكل هذه الأخبار ناقشها ابن عبد البر وهو من كبار أئمة المالكية، ثم نصر القبض، جاء آخر وقال: يفعل ذلك في النافلة وفي الفريضة بشرط: أن يفعل ذلك في الفرض استناناً، أي: عملاً بالسنة -لأن أمامه الحديث كالجبل، وهو في الموطأ، ولا يستطيع أن يحيد عنه- ولكن لا يفعله استناداً، وكيف استناداً؟ تعبان أو كسلان ويسند نفسه بهذا، فيقول: إن فعلها استناناً وامتثالاً لسنة رسول الله فلا مانع، وإن فعلها استناداً فهذه حركة زائدة عن الصلاة.
إذاً: نرجع ونقول: لا حاجة إلى هذه التفريعات، وما دام ثبت عن رسول الله ﷺ وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وليس هناك فرق في الحديث بين نافلة وفريضة، وأخذ بذلك الأئمة الثلاثة، ومالك نص على ذلك في الموطأ، فلم يبق لهذه المسألة موضع للخلاف فيها، ولكن وجد تدوين هذا الخلاف في كتب المالكية، ويكون النقاش بين المالكية مع غيرهم، لا مع مالك.
стр. 582
كيفية التعامل مع الخلافات الفقهية
بهذه المناسبة، ونظراً لآثار الخلاف في الفروع، فقد يتخذ البعض هذه المسألة بالذات -لأنها واضحة وعملية- سبباً للشقاق والفرقة بين المسلمين، ونسمع من الإخوة الأفارقة أنه في بعض الأماكن يوجد هناك الخصومة، أو النزاع، وقد يكون هناك التبديع، لماذا؟ لأنه خالف المذهب أو الإمام، أو لأنه خالف الحديث؛ لأن الحديث يقول بالقبض، وهم يقولون بالسدل.
أقول: هذا الوضع وهذه الكيفية هيئة من هيئات الصلاة، وبإجماع المسلمين ومنهم أئمة المذاهب الأربعة أن الفريضة والنافلة صحيحة؛ سواء قبض اليمنى على اليسرى أو سدل اليدين بجانبيه، فإذا كانت الصلاة صحيحة على كلا الحالتين فلماذا نختلف ونفترق، ونجعل جزئية فقهية في فرع من فروع الإسلام سبباً للخلاف والشقاق والخصومات والفرقة؟ هذا غرض عدو الإسلام، أن يشغل المسلمين بجزئيات عن أساسيات الدين، سواء عن جهاد، أو صلاة بعينها، أو طلب العلم حقيقة، أو بحث العقائد والتوحيد وضرورة ذلك، ويشغلهم بجزئية يدورون فيها، وخصومات، لماذا هذا كله؟ لا حاجة لهذا.
стр. 583
حكم الضم بعد الرفع من الركوع
في هذا الحديث يقول الراوي فيه: رأيت النبي ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره، ولكن متى يضع؟ نجد الجمهور يتفقون على أن هذا الوضع على الصدر بعد تكبيرة الإحرام حين القراءة قائماً، ثم جد أمر جديد، وهو بعد الرفع من الركوع هل يضع اليمنى على اليسرى على صدره أو يرسل يديه؟ هذه مسألة جديدة، وسبق أن طلبت من الإخوة طلبة العلم أن ينقبوا في بطون الكتب الفروع والأصول، والحديث، والتفسير، وأصول الفقه، والفقه؛ ليوجدوا لنا نصاً عن رسول الله ﷺ صريحاً ولا أقول صحيحاً؛ فلو وجدوا ضعيفاً لقبل؛ فلم يجدوا نصاً صريحاً بأنه ﷺ كان يضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع.
إذاً: توجد مواضع في الصلاة لا توضع اليمنى على اليسرى فيها، وإنما توضع اليدان في مواضع منصوص عليها: أما في الركوع فيلقم يديه ركبتيه، أما في السجود فيضع يديه على الأرض، أما في جلسة التشهد فيديه على فخذيه.
إذاً: بقي عندنا الموضع الذي يمكن أن توضع اليمنى على اليسرى فيه في الصلاة: إما قائماً للقراءة، وإما بعد الرفع من الركوع؛ فهل كان يضعهما في الموقفين أم في موقف واحد؟ نختصر الطريق، وأمامنا أئمة أجلاء أوسع مجالاً، وأتقى لله، وأصفى أذهاناً، وأطهر قلوباً، وأوعى للعلم، وهم أئمة المذاهب الأربعة، فأولاً مالك: المالكية يقولون: حتى عند القيام للقراءة يسدل يديه، فإذا كانوا يقولون بالسدل عند موضع الاتفاق فهل يقبضون بعد الرفع؟ هذا مسقوط من الحساب.
نأتي إلى الأحناف والشافعية -وبدون تفصيل في المذاهب- يقولون: إن وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع بدعة، ولا أصل له، وبعضهم لم يذكره ولم يتعرض له.
وأما عند الحنابلة فقد نص صاحب المغني وصاحب الإنصاف على الروايات المختلفة عن أحمد، فتوجد عن أحمد رواية بوضع اليمنى على اليسرى على الصدر بعد الرفع من الركوع، وإن شاء ترك، وأما صاحب الإنصاف فرجح الترك، ووافق الجمهور في عدم القبض بعد الرفع من الركوع.
أرجع إلى التنبيه الأول وهو: أن وضع اليدين في القيام للقراءة، أو وضع اليدين بعد الرفع من الركوع، أو سدل اليدين في الموضعين، لا علاقة له بصحة الصلاة وبطلانها.
وثم نقطة أخرى: من اختار لنفسه وضع اليدين على الصدر بعد الرفع لا يحق له شرعاً أن يعيب من لم يفعل ذلك، أو أن يراه متعصباً جاهلاً، ولا ينبغي أيضاً لمن لم يفعل ذلك أن ينظر لمن يفعل ذلك بأنه مبتدع، أو بأنه متعصب، والمسألة خلافية، والخلاف فيها ضعيف جداً، وليس فيها سوى رواية عن أحمد مرجوحة، لكن قولهم موجود، ولو نظر إنسان في القواعد وفي الأدلة وفي الأقوال واختار لنفسه، فلا ينبغي أن نعيب عليه، لماذا؟ لأن له سلفاً، ولو أنه مرجوح، ولأن الأمر لا يتعلق بصحة ولا بفساد.
والذي يهمنا كطلبة علم وكمسلمين في أي عمل من أعمال الصلاة: ألا نتخذ الجزئيات مثار خلاف ونزاع وتفرق بيننا، هذا في الصف يقبض يديه بعد الركوع، وإذا سلم نظر لصاحبه كأنه أخطأ! وهذا يسدل يديه بعد الركوع، وبجانبه أخ له يقبض؛ فإذا خرج من الصلاة لا يسلم عليه! كل اختار لنفسه قولاً بعد أن سمع، أو قرأ، أو وقف على ما يسر الله إليه، ولعل في هذا القدر كفاية فيما يتعلق بوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
стр. 584
صور وضع اليد في هيئات الصلاة
لو تفقدنا حالة الصلاة وكيفيتها نجد لكل ركن من أركان الصلاة هيئة: تكبيرة الإحرام وهي الدخول في الصلاة هيئتها رفع اليدين إلى المنكبين، ولو كبر سادلاً اليدين أخل بالهيئة في هذا الركن، وبعد تكبيرة الإحرام يأتي ركن القراءة باتفاق، ويضم يديه خلافاً لبعض المالكية، هيئة الركن الأول حركة اليدين للمنكبين، وهيئة الركن الثاني القراءة قائماً واليدان على الصدر، وهيئة الركوع اليدان مقبوضتان على الركبتين، وتكبيرة الانتقال فيها حركة اليدين إلى المنكبين، وبعد ركن القيام والاعتدال بعد الركوع نعيد اليدين إلى موضعهما، فيتشاكل هذا المنظر مع المنظر الأول، أو هيئة هذا الركن مع الذي قبله، أو نسدلهما ليفارق بينهما، وفي حركة السجود اليدان إلى الأرض، وفي الجلوس بين السجدتين اليدان على الفخذين.
إذاً: بقي حالة الرفع وحالة القيام، فإذا قبضنا بعد الرفع شاكلنا هذا الركن مع ركن القيام، وإذا سدلنا غايرنا وأعطينا كل ركن هيئته التي تميزه عن غيره، أرأيت لو أن إنساناً دخل المسجد وإمامه ممن يقبض في الموضعين، ودخل الداخل والناس قيام، ووجد اليدين على الصدر مع قيام الناس، أيخطر بباله أنه في القراءة أم قد رفع من الركوع؟ سيظن أنه في القراءة وينتظر الركوع، فهذا كبر ودخل وأخذ يقرأ على أن الإمام في القيام في الركوع، فإذا به يهوي إلى السجود، لكن إذا جاء ووجده واقفاً سادلاً يديه يعرف بأن الإمام في الرفع من الركوع.
على كل هذا القدر والموقف أطلنا فيه، لا لمناقشة صحة وضع اليدين بعد الرفع من الركوع وعدم الصحة، ولكن للنهي عن اتخاذ هذه الحالة موضع نزاع ونفرة بين طلبة العلم، والعامة ليس لهم دخل في هذا، فكل يفعل ما تيسر له أو اقتنع به، والعامة يقلدون غيرهم، إنسان تقول له: اسدل يديك! يقول لك: لا، رسالة عن الشيخ ابن باز يقول فيها كذا، الحمد لله، ولكن ليس عند العامة أي نظرة لتغليط الآخرين؛ لأنه يرى أن هذا صوابه، لكن طلبة العلم ربما يكون في نفوسهم نظرات إلى الآخرين؛ لأنهم يريدون من كل الناس أن يكونوا مثلهم، والآخرون أيضاً يريدونكم مثلهم، وهذا الذي حملنا على الإطالة في هذه الجزئية، وإن لم تكن ركناً في الصلاة؛ لأن سلامة الصدور والألفة والتقارب بين الجميع أهم من هذا كله، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 585
شرح أثر: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)
قال ﵀: [وعن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن] .
يسوق لنا المؤلف ﵀ هذا الأثر عن نعيم المجمر وهو مولى لـ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ووصف بالمجمر؛ لأنه كان يأتي بالجمر، ويجمر -أي: يطيب- المسجد كل يوم جمعة عند منتصف النهار.
يذكر لنا ما وقع له من صلاة خلف أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا تتمة لإثبات قراءة البسملة مع الفاتحة، فيذكر لنا نعيم أنه صلى خلف أبي هريرة وسمعه يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ويقرأ الفاتحة، وبعد الفاتحة يقول: آمين.
ثم إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يخبر المأمومين خلفه، و (يقسم على ذلك ويقول: (إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ رواه النسائي وابن خزيمة؛ لكأنه يقول: ما سمعتم وما رأيتم من صلاتي فليس من عندي إنما هو اقتداء واتباع، وصورة لما رأيت وسمعت من رسول الله ﷺ ، وهكذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ينقلون لمن بعدهم ما أخذوه قولاً وعملاً عن رسول الله ﷺ .
стр. 586
تطهير المساجد وتطييبها
ذكر نعيم المجمر يستوقفنا عند العناية بالمساجد وأنها تطيب، وجاء في الحديث: (أمر النبي ﷺ ببناء المساجد في الدور -كما في رواية عائشة رضي الله تعالى عنها- وأن تطيب) ، وجاء القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] ، ترفع حساً ومعنى: حساً بالبناء، ومعنىً بالتكريم والحفاظ والصيانة، وإبعاد ما لا يليق ببيوت الله، وجاء في الحديث: (عرضت علي أعمال أمتي؛ حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) ، والنصوص في هذا كثيرة، وأعظم من هذا كله ما جاء في كتاب الله من عناية المولى سبحانه بالبيت الحرام؛ بما عهد به إلى الخليل وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذا الباب، فقال سبحانه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] ، حيث أن عباد الله يأمون بيوت الله لعبادة الله؛ فيجب أن تتوافر لهم عوامل الراحة والطمأنينة، وأن تنزه المساجد عن كل ما يشوش على المصلي، (طهرا) : حساً ومعنىً من الأوثان ومن غير ذلك مما يغاير معتقد المسلمين، ويكدر خاطرهم.
وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه رأى امرأة مجذومة تطوف بالبيت فهمس إليها: يا أمة الله! لو جلست في بيتك لا تؤذي الناس، فانصرفت حالاً ولم تكمل شوطها، وبعد أن توفي عمر رضي الله تعالى عنه أتاها آتٍ فقال: اخرجي! إن الذي كان قد منعك قد مات.
فقالت -وتعطي العالم درساً في السمع والطاعة وحقيقة الامتثال-: ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً.
هكذا الأمة تحترم الكلمة، وتحترم العلم والعلماء، وتوقرهم في الحياة والممات.
وقد سمعت من ينقل عن الشافعي ﵀ أنه حينما دخل بغداد إلى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله قالوا: إنه صلى في الأعظمية، أي: محلة الإمام الأعظم، وهي نسبية أي: بالنسبة للأئمة المذهب الحنفي: محمد وزفر وأبو يوسف وأبو حنيفة، يقولون: إنه صلى الصبح ولم يقنت، فقالوا: لم تركت القنوت في الصبح وهو مذهبك؟ قال: احتراماً لـ أبي حنيفة ﵀، أو احتراماً لصاحب هذا القبر، وهذه آداب فوق المستوى، وهكذا ينبغي احترام الرأي، واحترام الكلمة والعلم، وتوقير العلماء.
وجاء عنه ﷺ في عدم إيذاء الناس والملائكة: (من أكل من هذه الشجرة -البصل أو الثوم- فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان) ، وفرع العلماء على هذا: كل ذي رائحة مؤذية مطلقاً، وعلماء العصر الحاضر يمثلون ذلك برائحة التبغ والدخان، وبعضهم ينبه على الجوارب إذا طالت مدته، وكثر فيه العرق وعفن، وبعض الفقهاء يقول: صاحب الجرح الذي أنتن، وصاحب ثوب المهنة إذا كانت له رائحة، ومن هنا نجد الأمر بالاغتسال يوم الجمعة.
ويروي الشافعي ﵀ عن أم المؤمنين عائشة قالت: (كان الغسل للجمعة في أول الأمر واجباً كغسل الجنابة) ، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان الناس في أول الأمر يلبسون الخشن من الثياب، وهم في أرض حارة، ويزاولون أعمالهم بأنفسهم؛ فيأتون وقد فاحت منهم روائح العرق، فأمرهم أن يغتسلوا، ثم لما وسع الله عليهم، وجاءتهم العلوج، وكفتهم مئونة العمل؛ صار الغسل يوم الجمعة سنة) ، وذلك نظراً للحديثين: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) ، يعني: من بلغ سنه الحلم، لا لمجرد الاحتلام؛ لأن الاحتلام موجب للغسل مطلقاً.
ثم جاء الحديث الآخر: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ، وهكذا يحث ﷺ على العناية بالمظهر والمخبر في المجتمعات العامة، ويقول ﷺ : (ماذا على أحدكم لو اتخذ ثوباً لجمعته سوى ثوبي مهنته) ، ثوب المهنة اجعله للمهنة، جزار أو حداد أو في أي عمل كان، قد يكون الثوب طاهراً، ولكن قد يؤذي الجليس أو المجاور، فلا ينبغي أن يؤذي الناس بمثل ذلك، وكما روى البخاري في الأدب المفرد: (حسن السمت جزء من النبوة) .
والعناية بالمساجد عناية بالمسلم وبالإسلام، وهي تعظيم لحرمات الله، فها هو نعيم كان يجمر المسجد كل يوم جمعة عند منتصف النهار، وحث النبي ﷺ المسلم إذا غسل واغتسل أن يصيب من طيب أهله، وقد كانت امرأة تقم المسجد فمرضت، فسأل ﷺ عنها فقالوا: إنها مريضة مرضاً شديداً، فقال: (إذا ماتت فآذنوني) ، فماتت ليلاً ودفنوها، ولما أصبح ﷺ سأل عنها قالوا: إنها ماتت ودفناها ليلاً، فقال: (ألم آمركم أن تؤذنوني؟ قالوا: كرهنا أن نشق عليك بالليل، قال: دلوني على قبرها) ، ثم ذهب ﷺ إلى قبرها، وصلى عليها بعد أن دفنت، لأي شيء؟ لخدمتها للمسجد.
وهكذا ينص المؤلف هنا على عمل هذا الراوي بأنه كان يجمر المسجد يوم الجمعة، ولا زالت السنة في هذا المسجد إلى اليوم، وللمجمرة في هذا المسجد النبوي ميزانية خاصة للعود، بل كانوا في أوائل الستينات يؤتى بالمجامر في صلاة التراويح وتجمر الصفوف بين كل ركعتين.
إن العناية بالمساجد باب واسع لنظافتها وصيانتها من العبث، بل بوب البخاري ﵀: (الغلق للمساجد) ، وساق حديث الكعبة ومفتاح الكعبة.
стр. 587
سنية التأمين في الصلاة
يذكر لنا المصنف هذا الحديث عن أبي نعيم رضي الله تعالى عنه أنه صلى وراء أبي هريرة فسمعه يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ومبحث بسم الله الرحمن الرحيم وهل هي من الفاتحة تقدم الكلام عليه، والجديد في هذا الحديث: أنه إذا فرغ من قراءة الفاتحة يقول: آمين.
ومبحث التأمين في الصلاة قد أخذ حيزاً أيضاً ليس بالقليل، وناقشه كثير من علماء الحديث والتفسير، فتجدون أن القرطبي وابن كثير قد أفردا له فصلاً خاصاً في تفسير سورة الفاتحة، وأوسع من تكلم عنها في كتب الحديث لعله ابن حجر في فتح الباري فيما بوب عليه البخاري: (الإمام يجهر بآمين) .
وجاء في فضل (آمين) نصوص سيذكر المؤلف بعضاً منها، فمما جاء فيها عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما حسدتكم يهود ما حسدتكم على آمين، وفي صفوف الصلاة، وفي السلام) ، أي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعض الروايات تزيد: (وفي الجمعة، ضاع عليهم يوم الجمعة، وهديتم إليه) ، فقد بين ﷺ : أن اليهود والنصارى أضاعوا يوم الجمعة، فاختار اليهود السبت، واختار النصارى الأحد، وهدى الله المسلمين إلى يوم الجمعة، وكذلك ضيعوا موعد الصيام بالتقديم والتأخير.
إلى آخره.
وجاء في (آمين) أيضاً عند البخاري وغيره: (إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين) ، أو: (إذا أمَّن الإمام فأمنوا) ، وكلها تلتقي عند معنى واحد؛ (فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) ، ويبحثون في تأمين الملائكة، أي نوع من الملائكة هم، وأية موافقة؟ قيل: الملائكة هم الحفظة الذين مع الإنسان يكتبون عليه أعماله، وقال الجمهور: الملائكة، عالم السماء عامة، وجاء اللفظ صريحاً: (من وافق تأمينه تأمين من في السماء) ، يعني: الملائكة، والموافقة كما يصححه الباجي: إنما هي في الزمن، وغيره يقول: وافق تأمين الملائكة في الإخلاص في الاجتهاد في حسن النية.
إلى آخره، ولكن كما بين الباجي وغيره: يصعب أن تكون الموافقة تامة في ذلك، ولكن الذي يمكن أن تكون هي الموافقة الزمنية.
إذاً: قول القارئ خلف الإمام: (آمين) ثابت بالسنة، والشوكاني في نيل الأوطار يذكر عشرة أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ في التأمين، ويقول: وثلاثة أخبار عن الصحابة موقوفة عليهم، ومما جاء موقوفاً: أن عبد الله بن الزبير كان يقول: آمين، وكان من خلفه يقولون: آمين، حتى يسمع للمسجد رجة، وجاء أيضاً عن أم المؤمنين عائشة في هذا المسجد، وسيذكر المؤلف ﵀ النصوص الواردة.
أما موقف العلماء من قول المأموم: (آمين) ، فيذكره شراح الحديث والمفسرون: أما الشافعي وأحمد ﵏ فيقولان: يقولها المأموم والإمام جهراً في الجهرية وسراً في السرية، وعند الإمام أبي حنيفة ﵀: لا يقولها الإمام، ولكن يقولها المأموم، وعن مالك ﵀ روايتان: رواية توافق الشافعي وأحمد، ورواية توافق أبي حنيفة بأن الإمام لا يقولها، والروايتان بحسب علماء الأمصار، أما علماء المدينة فيروون عن مالك مثل الشافعي، أما أهل الكوفة ومصر فينقلون عن مالك: أن الإمام لا يقولها وإنما يقولها المأموم، وما عدا ذلك من الأقوال فهو خارج عن دائرة الأئمة الأربعة، ولا حاجة إلى إطالة الكلام فيها.
يقول الشوكاني وابن عبد البر: النصوص الواردة تدل على أنها مشروعة، وأنها سنة، وأن الإمام والمأموم يقولانها، ويتحرى المأموم تأمين الإمام ليكونا معاً في وقت واحد؛ ليوافق ذلك تأمين الملائكة.
стр. 588
معنى قول: (آمين) وموضعها
أما قول: (آمين) ففيها لغتان: الأولى المد (آمين) ، والثانية القصر (أمين) ، وبعضهم ينقل لغة ثالثة هي: (آمّين) بتشديد الميم، ولكنها شاذة وإن صحت لغة، إلا أنها لا تتفق مع السياق والمعنى، لأن (آمّين) بمعنى قاصدين، كما قال تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢] ، والجمهور على أن معنى (آمين) : اسم فعل بمعنى استجب، أي: استجب الدعاء المتقدم؛ لأن الفاتحة حمد لله، ثم نعته بصفات الجلال والجمال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٢-٥] ، ثم تأتي أعظم مسألة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] ، فهذه مسألة عظمة تتوقف عليها سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وهي منهج المسلم في حياته.
والسر في كون تأمينك يوافق تأمين الإمام مع الملائكة: أن تكون مترقباً القراءة لست غافلاً ساهياً عما يقرأ الإمام، فتكون متابعاً للإمام من أول تكبيرة الإحرام إلى أن يفتتح القراءة، وتتابعه كلمة كلمة، آية آية؛ حتى تكون مترقباً لقوله: (ولا الضالين) ، فتنطق بـ: (آمين) .
وعندما يسمع المأموم الإمام يقول: (ولا الضالين) لا ينتظر حتى يقول الإمام آمين؛ لأنه إن انتظر فاتته موافقة الإمام، إذاً: آمين بمعنى استجب، وآمّين قالوا: قاصدين الهداية إلى الصراط المستقيم، لكن المشهور ما عليه الجمهور وهو أن التأمين إنما هو بدون تشديد الميم، فهو: إما أن يكون بالمد وهو ما عليه الجمهور، وإما أن يكون قصراً كما يرويه البعض.
وينبه بعض العلماء على أن المأموم إذا قرأ وكان منفرداً، أو أن الإمام إذا قال: (ولا الضالين) يفصل بين نون (الضالين) وبين مد (آمين) ، لئلا يظن الظان أن آمين جزء من الآية؛ لأنها ليست من السورة.
وجاء عنه صلى الله علي وسلم أنه قال: (أهدى إليّ جبريل آمين بعد الفاتحة) ، إذاً: الرسول ﷺ قرأ الفاتحة وأمنّ ببيان من جبريل ﵇، وأمر الناس أن يقولوا: آمين، على ما تأتي النصوص الواردة عند المؤلف ﵀.
стр. 589
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٦]
قراءة سورة الفاتحة هي العمل الثالث في الصلاة بعد التكبير ودعاء الاستفتاح، وهي ركن بدونه لا تجزئ الصلاة، يضاف إلى ذلك استحباباً ما ورد عن الرسول ﷺ من قراءة سور زيادة عليها؛ فقد كان يطيل بحسب الصلاة سرية أو جهرية وبحسب من خلفه من الناس، ورغم كل ما تحمله هذه السورة من معان عظيمة إلا أن الشرع قد رخص لمن أسلم ولم يتسع الوقت له لحفظها ودهمه وقت الصلاة أن يأتي بدلاً منها بأذكار تتضمن ما فيها من حمد وثناء ودعاء لله .
стр. 590
شرح حديث: (إذا قرأتم الفاتحة فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن واله وبعد: قال المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (إذا قرأتم الفاتحة فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم؛ فإنها إحدى آياتها) ، رواه الدارقطني وصوب وقفه] .
نعلم جميعاً أن ابن حجر من أئمة الشافعية، وهم من أشد الناس في إثبات الجهر بالبسملة؛ ولهذا يورد نصوصاً عديدة ليثبت مذهبه، فهذا الحديث: أن أبا هريرة يقول -ورفعه إلى رسول الله-: (إذا قرأتم الفاتحة فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم؛ فإنها إحدى آياتها) ، ثم بين ابن حجر بأمانة العالم من روى هذا الأثر، وبين بأن الصحيح وقفه على أبي هريرة، وفي المصطلح: أن الحديث المرفوع هو ما أسند إلى النبي ﷺ صادراً عنه، والموقوف هو ما قاله الصحابي وليس معزواً إلى النبي ﷺ ، إلا أن هذا الموقوف عند العلماء قد يأخذ حكم المرفوع؛ وذلك حينما لا يكون للرأي والاجتهاد فيه مجال، ولا يتأتى الإتيان به من عند نفسه، كما لو كان من أخبار يوم القيامة، أو من أخبار الماضين وبعيداً عن الإسرائيليات، أو عملاً يترتب عليه جزاء وثواب معلوم؛ فلذا قالوا: لن يتأتى لإنسان أن يخبر به من عنده، ولابد أن يكون سمعه من النبي، ولو لم يقل فيه: قال رسول الله! وأما هذا الحديث فقد صح عند علماء الحديث أنه موقوف على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وإذا كنا في معرض خلاف بين قراءة البسملة في الفاتحة وعدم قراءتها، وجاءنا عن أبي هريرة حديث موقوف فما موقفنا؟ كما لو جاءنا أبو هريرة اليوم ووقف على المنبر وقال: يا مسلمون! إذا قرأتم الفاتحة فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها آية منها، هل هناك شخص يستطيع أن يقول له: من أين أتيت بهذا يا أبا هريرة؟ لا يستطيع، وليس له حق في ذلك؛ لأنه صلى خلف النبي ﷺ ، وأخبرنا أنه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولما انتهى من صلاته قال: (والذي نفسي بيده! إني لأشبهكم بصلاة رسول الله) ، فذاك الحديث يقوي هذا.
وإن لم يكن سمعه من رسول الله فقد سمع ما يؤيده، فلما ذكر ﷺ أعظم سورة قال: (هي السبع المثاني والقرآن العظيم) ، والفاتحة لا تكمل السبع إلا بالبسملة، فسواء قاله استنتاجاً من هذا الحديث أو سماعاً من رسول الله، ولم يذكر رسول الله في الرواية، أو أنه مرفوع لكن كما قال المؤلف: الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة، وهذا مما يؤيد ما قال به المؤلف والجمهور من أن البسملة آية من سورة الفاتحة.
стр. 591
شرح حديث: (قل: سبحان الله ... )
قال ﵀: [وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزئني منه، فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ، الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والدارقطني والحاكم] .
المؤلف ﵀ بعد مبحث قراءة الفاتحة بما معها من البسملة والتأمين يأتي بهذا الحديث الذي فيه أن رجلاً أتى النبي ﷺ وقال: أنا لا أحفظ شيئاً من القرآن، وكأن الرجل علم بأن الصلاة لابد فيها من قراءة قرآن، فقال: أنا لا أحسن ماذا أفعل؟ ولعله سمع خبر المسيء في صلاته: (فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، المهم أنه علم، ووجد في نفسه العجز عن هذا، فهل قال له رسول الله: لا صلاة إلا بعد أن تحفظ؟ لا، فسماحة الدين ويسر الإسلام، ومكارم أخلاقه ﷺ في تعليم الجاهل لا تتناسب مع هذا الموقف، وهل سيظل طوال عمره عاجزاً أن يحفظ الفاتحة؟ ليس بمعقول، فهذا عربي وذكي ويحفظ، فهو يحفظ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والفاتحة سبع آيات، وهذه خمس جمل، ويمكنه أن يحفظها، لكن في الوقت الحاضر هل يترك الصلاة حتى يحفظ؟ لا، وهكذا التيسير في التعليم، والتدرج مع الجاهل، فالذي يجزئ في الصلاة نيابة عن الفاتحة هو هذا.
الفاتحة كلام الله، والرسول ﷺ نظر إلى حال الرجل، ونستطيع أن نقول: الفاتحة كتاب الله، وهي سبع من المثاني والقرآن العظيم، وفي حديث أُبي: (لن تخرج من هذا المسجد حتى أخبرك بأفضل سورة نزلت في التوراة والإنجيل والقرآن) ، فتباطأ في المشي خوفاً من أن تفوته، (قال: فاتحة الكتاب) ، أي: أنها أفضل ما نزل في الكتب السماوية.
إذاً: البديل عن هذا ماذا يكون؟ أعلى ما يكون في المنزلة من الذكر والدعاء، وهذا شيء بديهي، يعني: لو أن إنساناً مطالب بجنيه ذهب فعجز عنه فهل يأتي بحصاة؟ لا، لكن بفضة، أو بحديد أو نحاس.
بالتدريج، قال علمني ما يجزئ، أي: ما يقارب الإجزاء بدلاً عن الفاتحة، قال: (قل: سبحان الله، والحمد لله.
إلخ) .
стр. 592
معنى التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير
هل تعلمون مكانة سبحان الله والحمد لله؟ ورد في نصوص خاصة بها: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) ، وقدمنا مراراً بأن العبرة ليست بمجرد خفة اللسان، فالببغاء يقولها، ولكن يجب أن تربط اللفظ بمحتواه، كما يقول علماء العربية: الألفاظ قوالب المعاني، فالمعاني جواهر توضع في ألفاظ تصونها، فإذا كانت لديك جوهرة نفيسة أو حجر كريم غالي من زمرد أو ياقوت هل تضعه في علبة كبريت وتضعه في جيبك؟ لا، بل تنظر له علبة مطعمة منظمة، بل يمكن أن تأتي له بعلبة ذهبية تتناسب مع علو مكانة هذا الجوهر، فتخير الألفاظ للمعاني من أسرار العربية.
وأما معنى (سبحان) ؛ فيقول علماء فقه اللغة: الأصل في وضع الألفاظ للمعاني الأشياء المحسوسة الملموسة، ثم ينتقل بها إلى المعنويات، نعلم أن سبحان الله هو تنزيه الله عما لا يليق بجلاله، ومادة (سبحان) أصلها من سبح، وسبح المحسوس الذي يسبح في الماء، ولماذا يسبح الإنسان في الماء؟ لئلا يغرق، فكذلك المسبح لله؛ لئلا يغرق في بحار الشرك، ولينزه الله ويبعده عما لا يليق بجلاله كما يبعد نفسه عن مهالك الغرق.
والحمد لله: الحمد ثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، ولا ينبغي هذا أبداً ولا يجمع إلا للمولى سبحانه؛ لأنه كامل الذات والصفات، فإذا قلت: (سبحان الله) نزهته عن كل ما لا يليق بجلاله، وإذا قلت: (الحمد لله) أثبت لله جميع صفات المحامد والكمال، وهذا أقصى منتهى التوحيد.
و (لا إله إلا الله) : في حديث البطاقة في الرجل الذي يأتي يوم القيامة ولديه سجلات من الذنوب والخطايا قد ملأت الميزان وليس عنده شيء؛ فيظن أنه هالك إلى النار، فيقال: لك عندنا أمانة، فيؤتى ببطاقة فيها (لا إله إلا الله) ، فتوضع في كفة الحسنات فيقول: ماذا تفعل هذه بتلك السجلات التي كالجبال؟ فيقول: اصبر، فتوضع تلك البطاقة التي في عينه ولا شيء في كفة الحسنات فترجح لا إله إلا الله.
(والله أكبر) ؛ أكبر من كل كبير.
(ولا حول ولا قوة إلا بالله) ، وزاد المؤلف كلمة (العلي العظيم) ، ورواية الصحيحين ليس فيها ذلك، وإنما توجد في بعض السنن.
стр. 593
صلاة من أسلم حديثاً
هل يظل الرجل على هذا الذكر طيلة حياته أم أن هذا أمر مؤقت إلى أن يتعلم سورة الفاتحة؟ يأتينا بعض الناس إلى المحكمة ليسلم من جنسيات متعددة، وبالكاد ينطق بالشهادتين، ولم يحفظ الفاتحة بعد، فنقول له: اذهب مع الناس الذين معك وصلِّ معهم ولو حتى تركع وتسجد بدون ذكر؛ ليرتبط مع جماعة المسلمين، واليوم يحفظ كلمة وغداً ثانية إلى أن يحفظ الفاتحة، ولو قال: لا إله إلا الله ومات في حينه يحكم له بالإسلام.
إذاً: لو أسلم إنسان ولم يحفظ شيئاً من كتاب الله نقول له: انطق بالشهادتين، ويجب أن ينطق بهما باللفظ العربي ولو لم يفهم المعنى، ثم بعد ذلك يذكر الله بما شاء بلسانه وبلغته إلى أن يتعلم الفاتحة، ومن هنا يقول الشافعي ﵀: تعلم العربية فرض عين على كل مسلم بما يصحح به صلاته: (الله أكبر، سمع الله لمن حمده، السلام عليكم، سورة الفاتحة) ومن نعم الله وآلائه ومن خصائص القرآن: تيسيره على الجميع، ولعلكم تجدون هذا جلياً في مسابقات حفظ القرآن عندما يأتي أفراد من العالم كله إلى مسابقات حفظ القرآن الكريم في مكة؛ فنجد أشخاصاً إذا قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وقرأ من أي سورة من القرآن أحسن قراءة من بعضنا، وإذا سألته عن كلمة واحدة مما قرأ لا يفهم معناها، سبحان الله!! إذاً: حفظ القرآن ميسر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧] ، والفهم من الله! إذاً: هذا من باب الإرفاق والتيسير في التعليم، وأخذ الجاهل بقدر ما يستطيع، وتدرج وبديل عما يمكن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
وهل يقول ذلك مرة واحدة في صلاته كلها أو في كل ركعة بدلاً من الفاتحة؟ بل في كل ركعة بدلاً من الفاتحة؛ لأنه تقدم لنا في حديث المسيء في صلاته في قراءة الفاتحة: أن كل ركعة صلاة بذاتها، أي: محسوبة صلاة، وفي الحديث: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) .
وقوله: (إني لا أحسن شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزئني) الحديث، كلمة (الحديث) ، تعني: إلى تمام الحديث، كما تجد في بعض العبارات: كذا وكذا.
إلخ، يعني إلى آخره، فكلمة (الحديث) يعني هذا الخبر في حديثه بقية، ما هي تلك البقية؟ موجودة في الشرح.
стр. 594
حظ المصلي من الدعاء في الصلاة
الرجل لما سمع النبي ﷺ يقول: (قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله -وعلى الروايةالأخرى-: العلي العظيم) ، قال: يا رسول الله! هذا لله، فماذا لي؟ هذا لله: سبحان الله، تسبيح لله، الحمد لله، حمد لله، لا إله إلا الله، والله أكبر كذلك، لا حول ولا قوة إلا بالله تذهب أيضاً لله، كلها تذهب لله؛ فما حظي؟ وهذا مما يدل على أن الرجل عاقل وفاهم، فمثل هذا هل يعجز عن حفظ الفاتحة؟ لا، ولكن الوقت ضيق، فبم أجابه ﷺ ؟ قال: (قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني) ، الرجل لما تأمل في هذا الذكر الذي علمه إياه رسول الله ﷺ وفقهه، وعلم أنه ليس مجرد لفظ فقط، فهو يعلم أن هذا من حق الله سبحانه، وماذا يعود علي؟ وهذا طمع.
ألا يكفيك أنك أديت حق الله ؟ أنت تقول: إنك عاجز وتريد ما يجزئ، ولكن انظر إلى السماح! فقد جعل الرجل ينفسح أمله عند الله أكثر، علمه كيف يصلي، وأعطاه ما يجزئ، فلم يقل: جزاك الله خيراً، ولكن أريد زيادة، هذا هو التعليم وفضل الله.
قال: (إذا انتهيت من هذا قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني) ، وهذه له هو، الرحمة، والرزق، والمغفرة، (وعافني واهدني) ، لما سأل الرجل: ما هو حظه من هذا الذكر؟ وجهه إلى جماع أبواب الخير: ارحمني، اغفر لي، وهل هذا من أمر الدنيا أم الآخرة؟ وماذا بقي إذا غفر له ورحمه؟ والرزق مضمون في الدنيا لكنه زيادة طلب، وإذا هداه إلى ما يرضاه فيكون مع الذين أنعم الله عليهم، (وعافني) أما هذه فقد جمعت كل الخير، أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أحب الناس إلى رسول الله من النساء، في أشرف ليلة -في ليلة القدر- تقول: (يا رسول الله! ماذا أقول إن أنا صادفتها؟) فالسؤال من أحب إنسان لأحب إنسان في أفضل الليالي، فإذا به ﷺ يقول: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) .
المسألة في ليلة القدر أعظم مسألة وما عداها مقدمة وسيلة وقربة إلى الله ، وهذا الواجب عندما يكون لك حاجة عند عظيم: هل تمسك به فتقول: أعطني؟! لا، ولكن: اعمل معروفاً، انظر إلى حالتي، أنت كريم، أنت لا ترد أحداً، قد لا يكون كذلك لكن أنت تأتي بها من أجل أن تغريه أن يعطيك (ولا أحد أحب إليه المدح من الله) تأتي بالأول: (اللهم) ، يعني: يا الله، (إنك عفو) ، الأصل أنك عفو لا تعاقب، (تحب العفو) ، قد يعفو الإنسان برغم عنه، إذاً: ما دمت أنك عفو وتحب العفو فأنا أسألك العفو، سألتك ما تحب وهو من فعلك وصفتك.
يقول بعض العلماء: كنت أعجب من هذا اللفظ، فلما تأملته فإذا به جماع الخير كله، من عوفي في بدنه ماذا يريد؟ ومثله من عوفي في دينه من الآفات والبدع، من عوفي في ولده وماله، من عوفي يوم الحساب، ماذا يبحث بعد ذلك؟ قال: فتأملته فوجدته جامعاً لكل خير.
ربما نجد شاهداً لفهم هذا الرجل من الحديث القدسي، وفي خصوص الصلاة وفي عين الفاتحة؛ لأنه ثبت في الصحيح: أن الله قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، إذا قال العبد: الحمد لله، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: مدحني عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله: هذه بيني وبين عبدي وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) ، العبد يسأل فماذا يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ؛ فكأن الفاتحة تشتمل على حق لله وحق للعبد المصلي.
هذا الرجل وإن كان لم يحسن الفاتحة لكنه فقيه رشيد، أنار الله بصيرته؛ لما سمع من رسول الله المجزئ والبديل عن الفاتحة، وتأمّل ذلك، وجد أن كله لله فطلب حظه، فأرشده ﷺ إلى ما فيه حظه من الدنيا والآخرة، والله المستعان.
стр. 595
شرح حديث: (كان رسول الله يقرأ في الظهر والعصر ... )
قال ﵀: [عن أبي قتادة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي بنا؛ فيقرأ في الظهر والعصر -في الركعتين الأوليين- بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحياناً ويطول الركعة الأولى، ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) متفق عليه] .
رغم تنوع الصلاة إلا أن لكل منها نصوصها، فبدأنا بالظهر والعصر؛ لأن أول صلاة جماعة في الإسلام هي الظهر؛ لأن النبي ﷺ لما أسري به ليلاً، وفرضت الصلوات الخمس بليل، نزل الصبح، وجاءه جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الظهر وصلى به، فكانت أول صلاة جماعة بعد فرضية الصلاة ليلة الإسراء هي الظهر، فيقول أبو قتادة: (صلى بنا النبي ﷺ الظهر والعصر) فماذا قرأ؟ (بفاتحة الكتاب وسورتين) ؟ يقرأ أين؟ أجملها، ما دام بفاتحة الكتاب وسورتين، أي: مع كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، هذا في الأوليين؛ لأن الظهر والعصر أربع ركعات، فالفاتحة في كل ركعة مع سورة، الفاتحة مكررة ومعها سورتان في كل ركعة؛ مع أنه سيأتي أنه يجوز أن يجمع السورتين في الركعة الواحدة، ولكن ذلك ليس مراداً هنا.
(ويسمعنا الآية أحياناً) مع أن الظهر والعصر سرية، وهل الجهر من الفاتحة أم من السورتين؟ من السورتين، ومن هنا علموا أنه كان يقرأ مع الفاتحة سورة أخرى.
(وكان يسمعنا الآية أحياناً) ، يقول العلماء ﵏: هذا منه ﷺ ليس على سبيل الصدفة، ولكن على سبيل التعليم، كأنه يعلمهم بأنه يقرأ مع الفاتحة سورة وها هو يسمعهم الآية منها، ويقول: (أحياناً) يعني: ليس بصفة دائمة؛ لأن التعليم يحصل بمرة أو بمرتين، ويذكرهم في بعض الحالات.
(ويطول الركعة الأولى، ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) ، مفهوم ذلك: أنه لا يطيل في الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة، وجاء التعليل عند بعض العلماء: بأنه ﷺ كان يطيل في الأولى قالوا: (كنا نظن أنه يفعل ذلك ليدرك المتأخر الركعة الأولى) حتى جاء في بعض الروايات عند مسلم: (كانت تقام الصلاة فيذهب الرجل إلى البقيع فيقضي حاجته، ويتوضأ، ويأتي فيدرك الركعة الأولى) .
(ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) ، وهما الثالثة والرابعة، كان يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، ثم سكت الراوي، وفهم من هذا: أنه يقرأ في الأوليين مع الفاتحة سورة، وسكوت أبي قتادة عن ذكر قراءة سورة أو آية أو شيء سوى الفاتحة في الأخريين أخذ بعض الناس منه بأن الركعتين الأخريين يقتصر فيهما على الفاتحة وكفى.
إذاً: من يقول: لا يقرأ في الركعتين الأخريين سوى فاتحة الكتاب هذا دليله، ولكن إذا جاءتنا نصوص أخرى تدل على أن في الركعتين الأخريين قراءة، فبأي الحديثين نعمل؟ القاعدة عند الأصوليين والمحدثين: إذا تعارض ناف ومثبت فإننا نعمل بقول المثبت، وهذا لم ينف ولم يقل: لم يقرأ فيها، ولكن سكت، والسكوت عن العلم ليس بعلم، فإذا جاء غيره وأثبت لنا قراءة في الركعتين الأخريين عن النبي ﷺ فالواجب أن نعمل بقول من أثبت قراءته في الركعتين الأخريين، لكن المؤلف ﵀ إنما ألف الكتاب لا ليناقش ولكن ليبين أدلة الأحكام عند الفقهاء، ولذا سماه: بلوغ المرام من أدلة الأحكام، فيأتي بالأحاديث التي استدل بها كل إمام في مذهبه، أو كل عالم فيما ذهب إليه، وكأنه يقول لك: من قال: لا يقرأ في الركعتين الأخريين إلا بفاتحة الكتاب فقط؛ فهذا دليله، ثم يأتيك بالأحاديث الأخرى ليبين أدلة الأقوال الأخرى.
стр. 596
شرح حديث: (كنا نحزر قيام رسول الله في الظهر والعصر ... )
قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر؛ فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر: ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة:١-٢] ) .
أبو قتادة يقول: (ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) ، وأبو سعيد الخدري يقول: (كنا نحزر) أي: نقدر، والحزر أو الحرز أو الخرص: التقدير، فنحزر أي: نقدر قيام رسول الله ﷺ ، وهل قيامه في نافلة خاصة به أم في صلاته بهم؟ النافلة ليس لنا دخل فيها؛ لأنه بإجماع المسلمين لا حظر عليك فيما تقرأ فيها، فإن شئت قرأت القرآن كله في ركعتين، وإن شئت قرأت الفاتحة والإخلاص؛ لأن المتطوع أمير نفسه، اللهم إلا في تطوع الجماعة مثل التراويح، فيراعى فيها ظروف الناس، فإذا كان متطوعاً لنفسه فليصلي ما شاء.
والمقصود بصلاة رسول الله هنا الفريضة؛ فقد كان ﷺ يصلي صلاة الليل في بيته، قال أبو قتادة: (صلينا مع رسول الله) ، وهنا أبو سعيد رضي الله تعالى عنه كأنه يقول: صلينا مع رسول الله وحزرنا قراءته في الظهر والعصر، فالقضية لا زالت في الظهر والعصر، فـ أبو سعيد يقول: قدرنا ما يقرأه في الركعتين الأوليين بـ ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة:١-٢] ، هذا في الركعتين الأوليين، (وفي الأخريين قدر النصف من ذلك) ، والنصف من قراءة (الم تَنزِيلُ) هل سيكون النصف فقط أم الفاتحة ومعها غيرها؟ قطعاً: الفاتحة ومعها غيرها، وهذا الحديث يدل على أن المصلي في الفريضة يقرأ في الركعتين الأخريين بالفاتحة ومعها شيئ آخر، مع تطويل الأولى على الثانية، فيقرأ في الركعة الأولى بقدر، وفي الثانية بقدر النصف من ذلك، وسيأتي قدر القراءة في العصر.
فـ أبو سعيد يبين لنا مدى قراءة النبي ﷺ ، ويفسر التطويل الذي جاء في حديث أبي قتادة؛ فهو يطيل في الأولى إلى حد أن الثانية بقدر النصف من الأولى، وسيأتي أنه يقارن بين الأولى والثانية من الظهر، والأولى والثانية من العصر كما في نهاية حديثه.
وإذا جئنا إلى سورة السجدة فعددها (٣٠) آية، وفي بعض الأحاديث: (سورة ثلاثون آية شفعت لصاحبها يوم القيامة) ، فهل هي السجدة أم أنها تبارك؟ كلاهما ثلاثون آية.
إذاً: حديث أبي سعيد يبين لنا قراءة رسول الله ﷺ في الأوليين قدر السجدة، وفي الأخريين قدر النصف، إذاً: الأخريان هل فيهما قراءة مع الفاتحة أم ليس فيها كما قال أبو قتادة؟ فيها، ولكن مع التفاوت، فالأوليان بقدر (السجدة) ، والأخريان بقدر النصف.
قال: (وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، والأخريين على قدر النصف من ذلك) رواه مسلم، ففي العصر الأوليان منه بقدر الأخريين من الظهر، قال: (والأخريين على قدر النصف من ذلك، والأخريين من العصر على قدر النصف من ذلك) أي: نصف السجدة، وهو الربع.
стр. 597
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٧]
سنّ الرسول ﷺ لكل صلاة ما يناسبها من طول أو قصر في القراءة، مراعياً فيها جانب المأمومين، وجانب الوقت الذي تكون فيه الصلاة.
стр. 598
شرح حديث: (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله من هذا)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال المؤلف ﵀: [وعن سليمان بن يسار قال: (كان فلان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسطه، وفي الصبح بطواله، فقال أبو هريرة ﵁: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا) أخرجه النسائي بإسناد صحيح] .
بدأ المؤلف يفصل مقدار ما يقرأ الإنسان في الصلاة، وذلك ابتداء من حديث أبي سعيد؛ حيث بين لنا القراءة في الأوليين من الظهر بقدر سورة السجدة، وفي الأخريين نصفها، وفي الأوليين من العصر نصف سورة السجدة، وفي الأخريين قدر ربعها.
وهنا المسألة الثانية، ونقدم لها بمقدمة بسيطة: نعلم جميعاً -يا إخوة- أن الإسلام بصفة عامة مبناه على التيسير، والصلاة كذلك مبناها على التخفيف والتيسير، ومعاذ ﵁ لما طول وقرأ البقرة، وخرج الرجل من الصلاة وصلى منفرداً، وبلغ الخبر رسول الله قال: (أفتان أنت يا معاذ؟! من أم بالناس فليخفف) ، وقال: (أين أنت من الشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والضحى والليل إذا سجى) ؟ وتقدم لنا مبدأ في حديث المسيء في صلاته: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، إذاً: بداية تبدأ بما تيسر، وتنتهي بما لا مشقة فيه؛ حتى وجدنا من لم يستطع أن يأخذ من القرآن شيئاً أنه يجزئه قول: سبحان الله، والحمد لله.
إلى آخره.
إذاً: هذه المسألة، وهي: مقدار ما يقرأ المصلي في صلاته من سور مع الفاتحة سرية أو جهرية إنما هو بحسب البيئة أو فئة الموجودين، ومقتضيات الحال، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (إني لأدخل في الصلاة بنية الإطالة؛ فأسمع بكاء الأطفال فأخفف رحمة بقلوب الأمهات) .
إذاً: هذه المسألة لا حد فيها، وقد جاء عنه ﷺ أنه قرأ في المغرب بالطور، وقرأ فيها بالمعوذتين، فليس هناك حد، وكم هو الفرق بين الطور وبين الفلق والناس، قالوا: يفعل ذلك أحياناً، ويفعل ذلك أحياناً؛ لأنه ربما علم بكثرة الناس خلفه، وكثرة العدد موحية بوجود ذوي الأعذار، بخلاف إذا ما وجد عشرة أو خمسة عشر معروفون، وكلهم على نشاط، وكلهم يرغب في الإطالة، فلا مانع من ذلك.
إذاً: كل النصوص التي تأتي في هذه المسألة من تحديد ما يقرأه الإنسان مع الفاتحة مرجعه إلى حالة المصلين، فتارة جاء التطويل، كما جاء في بعض الروايات: أنه قرأ الأعراف في ركعتين، إذاً: ليس هناك ضابط معين يلتزم به الإنسان، وهذا الحديث يفصل بعض التفصيلات.
وعن سليمان بن يسار قال: (ويقرأ في المغرب بقصار المفصل) .
القرآن منه الطوال، ومنه المفصل، والطوال هي السور الطويلة، وفصل ما بين السورة والسورة بعيد، فتجد البقرة جزئين ونصف، والفاصل في سورة آل عمران كذلك، ولما تأتي إلى آخر المصحف تجد ثلاث سور في صفحة واحدة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ؛ فتجد ثلاث فواصل في صفحة واحدة.
وما هي طوال المفصل؟ لا تجد نصاً متفقاً عليه بين الفقهاء أو القراء أو المفسرين فيه حد لبداية المفصل، ولكن بعضهم يقول: أوله الصافات، وقيل: أوله الحَواميم من (غافر) ، وقيل: فصلت، وقيل: القتال، وقيل: سورة الفتح، ولكن الذي في ذهني أن الجمهور على أن أول المفصل هو سورة الحجرات، وما يليها هو من طوال المفصل، ويتفقون على أن قصار المفصل من الضحى، وعلى هذا: فقد كان يقرأ بقصار المفصل، وهو ما جاء في بعض الروايات: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ، وهذا في المغرب، بينما الرواية الأخرى: (يقرأ بالطور) .
إذاً: هذا بيان لبعض حالات ما يقرأه الإنسان مع الفاتحة.
стр. 599
استحباب قراءة سورة كاملة في الصلاة
كل ما سبق إنما جاءنا بسور كاملة، وجاءنا ما يوحي بأنه تنقسم السورة الواحدة بين الركعتين، وأما قراءة بعض الآيات من سورة في ركعة، وبعض الآيات من سورة أخرى في ركعة، فـ مالك ﵀ في مبحث سجود التلاوة يكره أن يقتصر الإنسان على بعض آيات من سورة طويلة، والأفضل عنده سورة قصيرة بقدر تلك الآيات أولى من أن تأخذ بعض آيات من سورة، وما وجه النظر في هذا؟ وجهة النظر عميقة جداً؛ لأنك إذا جئت وأخذت خمس أو أربع أو ثلاث آيات من سورة من السور الطوال ربما تكون تلك الآيات التي أخذتها جزءاً من موضوع طويل، لكن حينما تأخذ سورة صغيرة فكل سورة من القصار هي موضوع مكتمل بذاته، وحتى لو طالت قليلاً فسوف تجدها تدور حول موضوع واحد، وقد أشرنا سابقاً إلى هذا، وأن هذا يحتاج إلى تأمل.
فلو جئت من أول المفصل وأخذت من سورة تبارك، انظر إلى افتتاحية السورة فسوف تجد موضوعها يدور حول افتتاحيتها، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١] ، فكل ما يأتي بعد الافتتاحية يدور حول القدرة والعظمة الإلهية: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٣-٤] ، إلى آخر السياق، وإذا جئت إلى الجزء الأخير فأوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ:١-٣] ، وما هو النبأ العظيم الذي اختلفوا فيه؟ قيل: هو القرآن، وقيل: هو البعث، وهو الصحيح، ثم تأتيك بعد هذا أدلة البعث مكتملة في سورة النبأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ:٦-١٠] ، إلى قوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ:١٧-١٨] ، فكل السياق في هذه السورة يمشي تباعاً على النبأ العظيم ويبينه.
وإذا جئت إلى قصار السور مثل الضحى، رأيتها تدور حول تسلية النبي ﷺ ، وتعداد النعم عليه، وتأتي بعدها سورة الانشراح وهي تابعة لما قبلها بصيغ الاستفهام المتتالية، وهكذا تجد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تدور حول وحدانية المولى سبحانه، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) تدور على الاستعاذة بالخالق من المخلوقات، فوجهة نظر مالك ﵀ فيما يقرأه القارئ مع الفاتحة أنه يختار سورة قصيرة خير من أن يختار عدة آيات من سورة طويلة، مع أن الكل جائز لعموم ما تيسر، والذي تيسر آية أو أكثر.
стр. 600
مقدار القراءة في صلاتي العشي والصبح
قوله: (وفي العشاء بوسطه) ، إذا اتفقنا على أن أول المفصل سورة الحجرات، فإن وسطه من عم إلى الضحى، هذا من وسط المفصل.
(وفي الصبح بطواله) وطواله طوال المفصل، إن قلنا: من الصافات أو غافر أو القتال أو الفتح كل هذا من طواله، يعني من السور الطويلة التي هي في أوائل المفصل.
إذاً: هناك مغايرة، وعلى هذا التقسيم فأطول صلاة هي الصبح، لماذا؟ يقول بعض العلماء: الصبح يكون عند قيام الناس من النوم، والناس في غفلة، فإذا قرأ الفاتحة و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثم سلم فالذي في بيته يكون لم يتوضأ بعد، لكن إذا قرأ من طوال المفصل فتوجد فرصة للذي يتأخر؛ عله إن لم يدرك الأولى أن يدرك الثانية، فقالوا: إطالة القراءة بغية أن يدرك المتأخر الصلاة، ولكن أعتقد -والله تعالى أعلم- أن الصبح ليست وقت عمل، وهو أرجى أوقات العبادة، حتى أن علماء الاجتماع يقولون: أقوى ما يكون الذهن والذاكرة في الصباح؛ لأنك تنام ليلاً طويلاً وتستريح عن التفكير، والعقل في راحة، وكلما أخذ الجسم راحته كلما كانت جميع أعضائه أقوى على ما يقوم به فيما بعد؛ لأنها في فترة راحة؛ فإذا استيقظ من النوم يكون أقوى وأشد استعداداً لتلقي كل خير، ولذا يوصون الطالب إذا أراد أن يحفظ الدرس أن يحفظه بعد صلاة الصبح؛ فالمذاكرة والفهم يكون في وقت خال، وفي جو هادئ.
فإذا كان الأمر كذلك فيكون ﷺ يطيل القراءة في الصبح؛ لأن الناس لديهم استعداد أكثر لسماع القرآن، وهذا بخلاف العصر ويقولون أيضاً: وقت الظهر وقت القيلولة، وكانوا يفطرون في الضحى، ويقيلون قبل الصلاة، فيقومون أيضاً على نشاط، ولكن صلاة العصر أكثر الناس في أعمالهم، فهم في حالة انشغال فيخفف عليهم، وإذا جاء إلى العشاء يعقبها النوم وليس هناك عمل، فكان هذا مراعاة لحالات الناس لئلا يشق أو يضيق عليهم.
إذاً: يذكر لنا أبو هريرة بصلاة هذا الرجل أن الصلاة في الصبح بطوال المفصل، والصلاة في المغرب بقصارها، والعشاء بأوسطها، وهكذا يقولون في تفاوت القراءة ما بين صلاة وأخرى.
وقال أبو هريرة ﵁: (ما صليت وراء أحد أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا) أخرجه النسائي بإسناد صحيح.
وهذا مما يعطي الحديث حكم الرفع، وكأن أبا هريرة يقول: هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ .
قال ﵀: [وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور) متفق عليه] .
أين قصار المفصل من الطور؟
следующие страницы →