Полный текст (2 523 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
شرح حديث: (كنا نحزر قيام رسول الله في الظهر والعصر ... )
قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر؛ فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر: ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة:١-٢] ) .
أبو قتادة يقول: (ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) ، وأبو سعيد الخدري يقول: (كنا نحزر) أي: نقدر، والحزر أو الحرز أو الخرص: التقدير، فنحزر أي: نقدر قيام رسول الله ﷺ ، وهل قيامه في نافلة خاصة به أم في صلاته بهم؟ النافلة ليس لنا دخل فيها؛ لأنه بإجماع المسلمين لا حظر عليك فيما تقرأ فيها، فإن شئت قرأت القرآن كله في ركعتين، وإن شئت قرأت الفاتحة والإخلاص؛ لأن المتطوع أمير نفسه، اللهم إلا في تطوع الجماعة مثل التراويح، فيراعى فيها ظروف الناس، فإذا كان متطوعاً لنفسه فليصلي ما شاء.
والمقصود بصلاة رسول الله هنا الفريضة؛ فقد كان ﷺ يصلي صلاة الليل في بيته، قال أبو قتادة: (صلينا مع رسول الله) ، وهنا أبو سعيد رضي الله تعالى عنه كأنه يقول: صلينا مع رسول الله وحزرنا قراءته في الظهر والعصر، فالقضية لا زالت في الظهر والعصر، فـ أبو سعيد يقول: قدرنا ما يقرأه في الركعتين الأوليين بـ ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة:١-٢] ، هذا في الركعتين الأوليين، (وفي الأخريين قدر النصف من ذلك) ، والنصف من قراءة (الم تَنزِيلُ) هل سيكون النصف فقط أم الفاتحة ومعها غيرها؟ قطعاً: الفاتحة ومعها غيرها، وهذا الحديث يدل على أن المصلي في الفريضة يقرأ في الركعتين الأخريين بالفاتحة ومعها شيئ آخر، مع تطويل الأولى على الثانية، فيقرأ في الركعة الأولى بقدر، وفي الثانية بقدر النصف من ذلك، وسيأتي قدر القراءة في العصر.
فـ أبو سعيد يبين لنا مدى قراءة النبي ﷺ ، ويفسر التطويل الذي جاء في حديث أبي قتادة؛ فهو يطيل في الأولى إلى حد أن الثانية بقدر النصف من الأولى، وسيأتي أنه يقارن بين الأولى والثانية من الظهر، والأولى والثانية من العصر كما في نهاية حديثه.
وإذا جئنا إلى سورة السجدة فعددها (٣٠) آية، وفي بعض الأحاديث: (سورة ثلاثون آية شفعت لصاحبها يوم القيامة) ، فهل هي السجدة أم أنها تبارك؟ كلاهما ثلاثون آية.
إذاً: حديث أبي سعيد يبين لنا قراءة رسول الله ﷺ في الأوليين قدر السجدة، وفي الأخريين قدر النصف، إذاً: الأخريان هل فيهما قراءة مع الفاتحة أم ليس فيها كما قال أبو قتادة؟ فيها، ولكن مع التفاوت، فالأوليان بقدر (السجدة) ، والأخريان بقدر النصف.
قال: (وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، والأخريين على قدر النصف من ذلك) رواه مسلم، ففي العصر الأوليان منه بقدر الأخريين من الظهر، قال: (والأخريين على قدر النصف من ذلك، والأخريين من العصر على قدر النصف من ذلك) أي: نصف السجدة، وهو الربع.
стр. 597
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٧]
سنّ الرسول ﷺ لكل صلاة ما يناسبها من طول أو قصر في القراءة، مراعياً فيها جانب المأمومين، وجانب الوقت الذي تكون فيه الصلاة.
стр. 598
شرح حديث: (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله من هذا)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال المؤلف ﵀: [وعن سليمان بن يسار قال: (كان فلان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسطه، وفي الصبح بطواله، فقال أبو هريرة ﵁: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا) أخرجه النسائي بإسناد صحيح] .
بدأ المؤلف يفصل مقدار ما يقرأ الإنسان في الصلاة، وذلك ابتداء من حديث أبي سعيد؛ حيث بين لنا القراءة في الأوليين من الظهر بقدر سورة السجدة، وفي الأخريين نصفها، وفي الأوليين من العصر نصف سورة السجدة، وفي الأخريين قدر ربعها.
وهنا المسألة الثانية، ونقدم لها بمقدمة بسيطة: نعلم جميعاً -يا إخوة- أن الإسلام بصفة عامة مبناه على التيسير، والصلاة كذلك مبناها على التخفيف والتيسير، ومعاذ ﵁ لما طول وقرأ البقرة، وخرج الرجل من الصلاة وصلى منفرداً، وبلغ الخبر رسول الله قال: (أفتان أنت يا معاذ؟! من أم بالناس فليخفف) ، وقال: (أين أنت من الشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والضحى والليل إذا سجى) ؟ وتقدم لنا مبدأ في حديث المسيء في صلاته: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، إذاً: بداية تبدأ بما تيسر، وتنتهي بما لا مشقة فيه؛ حتى وجدنا من لم يستطع أن يأخذ من القرآن شيئاً أنه يجزئه قول: سبحان الله، والحمد لله.
إلى آخره.
إذاً: هذه المسألة، وهي: مقدار ما يقرأ المصلي في صلاته من سور مع الفاتحة سرية أو جهرية إنما هو بحسب البيئة أو فئة الموجودين، ومقتضيات الحال، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (إني لأدخل في الصلاة بنية الإطالة؛ فأسمع بكاء الأطفال فأخفف رحمة بقلوب الأمهات) .
إذاً: هذه المسألة لا حد فيها، وقد جاء عنه ﷺ أنه قرأ في المغرب بالطور، وقرأ فيها بالمعوذتين، فليس هناك حد، وكم هو الفرق بين الطور وبين الفلق والناس، قالوا: يفعل ذلك أحياناً، ويفعل ذلك أحياناً؛ لأنه ربما علم بكثرة الناس خلفه، وكثرة العدد موحية بوجود ذوي الأعذار، بخلاف إذا ما وجد عشرة أو خمسة عشر معروفون، وكلهم على نشاط، وكلهم يرغب في الإطالة، فلا مانع من ذلك.
إذاً: كل النصوص التي تأتي في هذه المسألة من تحديد ما يقرأه الإنسان مع الفاتحة مرجعه إلى حالة المصلين، فتارة جاء التطويل، كما جاء في بعض الروايات: أنه قرأ الأعراف في ركعتين، إذاً: ليس هناك ضابط معين يلتزم به الإنسان، وهذا الحديث يفصل بعض التفصيلات.
وعن سليمان بن يسار قال: (ويقرأ في المغرب بقصار المفصل) .
القرآن منه الطوال، ومنه المفصل، والطوال هي السور الطويلة، وفصل ما بين السورة والسورة بعيد، فتجد البقرة جزئين ونصف، والفاصل في سورة آل عمران كذلك، ولما تأتي إلى آخر المصحف تجد ثلاث سور في صفحة واحدة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ؛ فتجد ثلاث فواصل في صفحة واحدة.
وما هي طوال المفصل؟ لا تجد نصاً متفقاً عليه بين الفقهاء أو القراء أو المفسرين فيه حد لبداية المفصل، ولكن بعضهم يقول: أوله الصافات، وقيل: أوله الحَواميم من (غافر) ، وقيل: فصلت، وقيل: القتال، وقيل: سورة الفتح، ولكن الذي في ذهني أن الجمهور على أن أول المفصل هو سورة الحجرات، وما يليها هو من طوال المفصل، ويتفقون على أن قصار المفصل من الضحى، وعلى هذا: فقد كان يقرأ بقصار المفصل، وهو ما جاء في بعض الروايات: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ، وهذا في المغرب، بينما الرواية الأخرى: (يقرأ بالطور) .
إذاً: هذا بيان لبعض حالات ما يقرأه الإنسان مع الفاتحة.
стр. 599
استحباب قراءة سورة كاملة في الصلاة
كل ما سبق إنما جاءنا بسور كاملة، وجاءنا ما يوحي بأنه تنقسم السورة الواحدة بين الركعتين، وأما قراءة بعض الآيات من سورة في ركعة، وبعض الآيات من سورة أخرى في ركعة، فـ مالك ﵀ في مبحث سجود التلاوة يكره أن يقتصر الإنسان على بعض آيات من سورة طويلة، والأفضل عنده سورة قصيرة بقدر تلك الآيات أولى من أن تأخذ بعض آيات من سورة، وما وجه النظر في هذا؟ وجهة النظر عميقة جداً؛ لأنك إذا جئت وأخذت خمس أو أربع أو ثلاث آيات من سورة من السور الطوال ربما تكون تلك الآيات التي أخذتها جزءاً من موضوع طويل، لكن حينما تأخذ سورة صغيرة فكل سورة من القصار هي موضوع مكتمل بذاته، وحتى لو طالت قليلاً فسوف تجدها تدور حول موضوع واحد، وقد أشرنا سابقاً إلى هذا، وأن هذا يحتاج إلى تأمل.
فلو جئت من أول المفصل وأخذت من سورة تبارك، انظر إلى افتتاحية السورة فسوف تجد موضوعها يدور حول افتتاحيتها، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١] ، فكل ما يأتي بعد الافتتاحية يدور حول القدرة والعظمة الإلهية: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٣-٤] ، إلى آخر السياق، وإذا جئت إلى الجزء الأخير فأوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ:١-٣] ، وما هو النبأ العظيم الذي اختلفوا فيه؟ قيل: هو القرآن، وقيل: هو البعث، وهو الصحيح، ثم تأتيك بعد هذا أدلة البعث مكتملة في سورة النبأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ:٦-١٠] ، إلى قوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ:١٧-١٨] ، فكل السياق في هذه السورة يمشي تباعاً على النبأ العظيم ويبينه.
وإذا جئت إلى قصار السور مثل الضحى، رأيتها تدور حول تسلية النبي ﷺ ، وتعداد النعم عليه، وتأتي بعدها سورة الانشراح وهي تابعة لما قبلها بصيغ الاستفهام المتتالية، وهكذا تجد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تدور حول وحدانية المولى سبحانه، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) تدور على الاستعاذة بالخالق من المخلوقات، فوجهة نظر مالك ﵀ فيما يقرأه القارئ مع الفاتحة أنه يختار سورة قصيرة خير من أن يختار عدة آيات من سورة طويلة، مع أن الكل جائز لعموم ما تيسر، والذي تيسر آية أو أكثر.
стр. 600
مقدار القراءة في صلاتي العشي والصبح
قوله: (وفي العشاء بوسطه) ، إذا اتفقنا على أن أول المفصل سورة الحجرات، فإن وسطه من عم إلى الضحى، هذا من وسط المفصل.
(وفي الصبح بطواله) وطواله طوال المفصل، إن قلنا: من الصافات أو غافر أو القتال أو الفتح كل هذا من طواله، يعني من السور الطويلة التي هي في أوائل المفصل.
إذاً: هناك مغايرة، وعلى هذا التقسيم فأطول صلاة هي الصبح، لماذا؟ يقول بعض العلماء: الصبح يكون عند قيام الناس من النوم، والناس في غفلة، فإذا قرأ الفاتحة و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثم سلم فالذي في بيته يكون لم يتوضأ بعد، لكن إذا قرأ من طوال المفصل فتوجد فرصة للذي يتأخر؛ عله إن لم يدرك الأولى أن يدرك الثانية، فقالوا: إطالة القراءة بغية أن يدرك المتأخر الصلاة، ولكن أعتقد -والله تعالى أعلم- أن الصبح ليست وقت عمل، وهو أرجى أوقات العبادة، حتى أن علماء الاجتماع يقولون: أقوى ما يكون الذهن والذاكرة في الصباح؛ لأنك تنام ليلاً طويلاً وتستريح عن التفكير، والعقل في راحة، وكلما أخذ الجسم راحته كلما كانت جميع أعضائه أقوى على ما يقوم به فيما بعد؛ لأنها في فترة راحة؛ فإذا استيقظ من النوم يكون أقوى وأشد استعداداً لتلقي كل خير، ولذا يوصون الطالب إذا أراد أن يحفظ الدرس أن يحفظه بعد صلاة الصبح؛ فالمذاكرة والفهم يكون في وقت خال، وفي جو هادئ.
فإذا كان الأمر كذلك فيكون ﷺ يطيل القراءة في الصبح؛ لأن الناس لديهم استعداد أكثر لسماع القرآن، وهذا بخلاف العصر ويقولون أيضاً: وقت الظهر وقت القيلولة، وكانوا يفطرون في الضحى، ويقيلون قبل الصلاة، فيقومون أيضاً على نشاط، ولكن صلاة العصر أكثر الناس في أعمالهم، فهم في حالة انشغال فيخفف عليهم، وإذا جاء إلى العشاء يعقبها النوم وليس هناك عمل، فكان هذا مراعاة لحالات الناس لئلا يشق أو يضيق عليهم.
إذاً: يذكر لنا أبو هريرة بصلاة هذا الرجل أن الصلاة في الصبح بطوال المفصل، والصلاة في المغرب بقصارها، والعشاء بأوسطها، وهكذا يقولون في تفاوت القراءة ما بين صلاة وأخرى.
وقال أبو هريرة ﵁: (ما صليت وراء أحد أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا) أخرجه النسائي بإسناد صحيح.
وهذا مما يعطي الحديث حكم الرفع، وكأن أبا هريرة يقول: هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ .
قال ﵀: [وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور) متفق عليه] .
أين قصار المفصل من الطور؟
стр. 601
شرح حديث: (كان رسول الله يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ... )
قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ((الم)) * ((تَنزِيلُ)) و ((هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ)) ) متفق عليه] .
كأن المؤلف يقول: صلاة الرجل التي قال عنها أبو هريرة أشبه بصلاة رسول الله، وأنه يقرأ في الصبح بطوال المفصل، ما عدا صبح الجمعة؛ لأن للرسول فيها قراءة مستقلة، ما هي؟ (الم) السجدة، و (هَلْ أَتَى) ، وهل يقرأهما معاً في ركعة أم يقسمها في ركعتين؟ هما سورتان، والصلاة ركعتان، إذاً: كل واحدة في ركعة، وتأتي بعض النصوص في أنه كان يديم ذلك، ويرى بعض العلماء عدم الاستدامة.
ولماذا خص صبح الجمعة بهاتين السورتين؟ لأن كلتا السورتين تتحدث عن خلق الإنسان ابتداءً، وعن مآله انتهاء: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة:٨-٩] ، ثم بين حالة الإنسان في آخرته وما يؤول إليه، وفي السورة الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:١-٢] إلى آخر السورة، ويقولون: يوم الجمعة هو يوم خلف آدم، كما أن يوم الإثنين هو يوم محمد ﷺ ، فيوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه نزل منها، وفيه تاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يصادفها عبد قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه.
إذاً: يوم الجمعة يدور معه أخبار خلق الإنسان والجنة والنار والبعث؛ فهي فرصة لتقرأ فيها هذه السورة على مسامع المسلم فيتذكر بدايته، ونهايته، ويتهيأ للجنة التي أخرج منها أبوه آدم ليعود إليها، وهكذا السورة الثانية.
إذاً: نستطيع أن نقول: إن هناك اختيار لبعض السور لبعض المناسبات، لكن لا نستطيع أن نقرر أو أن نقول: إن هذه سنة، وهذه بدعة، ولكن هذا من عمل النبي ﷺ الذي شرعه للأمة، فقد كان يقرأ في الصبح من يوم الجمعة بهاتين السورتين، وتأتي بعض النصوص بالمداومة عليها، ولكن نجد بعض الأئمة لا يداوم عليها، وخاصة أيام الموسم، وإذا سألته قال لك: هناك بعض الناس لا يعرف هذه السورة ولا القراءة فيها، ولم يعودهم أئمتهم، فإذا كبر الإمام وسجد للتلاوة ركعوا، فيكون ساجداً وهم ركوع، وإذا قام من السجود رفعوا من الركوع، وإذا كبر للركوع كانوا هم سجود؛ فيحصل اختلال في الصلاة، فإذا وجدت شدة زحام، والوافدون كثر، وخيف الارتباك؛ فلا مانع من الترك؛ حفاظاً على صحة الصلاة واتباع الإمام، أما في الأيام العادية فلا مانع من قراءتها، وبعض العلماء يقول: لا ينبغي الاستدامة عليها؛ حتى لا يظن العامي بأنها فرض في كل يوم جمعة، وأن صبح الجمعة لا يصح إلا بهما.
فينبغي أن يتبين للناس أنها سنة في هذا اليوم، وأن الغرض منها ليس مجرد السجدة، ولا أن أي آية من آيات السجدة أو سورة من سور السجدة تجزئ، والقرآن فيه عشر سجدات متفق عليها، والباقي مختلف فيها، ولكن المراد موضوع ومضمون السورتين، وهو التذكير ببدأ خلق الإنسان وبعثه ومآله يوم القيامة ليتأهب لذلك، وخاصة في يوم الجمعة الذي تتضاعف فيه الأعمال، ويندب فيه فعل الخير، وهذه من السنة المعمول بها، وهو فعل النبي ﷺ .
قال: [وللطبراني من حديث ابن مسعود ﵁: (يديم ذلك) ] .
هذه الزيادة يأتي بها المؤلف، وهو شافعي المذهب، والشافعية يؤكدون عليها ويرون دوامها، ولو اقتصر على آية السجدة منها فقط لأجزأ، إلا أنه لو اقتصر على آية السجدة فإنه يضيع الغرض المطلوب من قراءة سورة السجدة؛ لأن الغرض هو عرض السورة بكاملها لتمام موضوعها في خلق الإنسان وبعثه.
стр. 602
أحكام سجود التلاوة
وعن حذيفة ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ ؛ فما مرت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل، ولا آية عذاب ... ) .
هناك مباحث عديدة فقهية تتعلق بالسجود في التلاوة في سورة السجدة، ملخصها: أن ما ثبتت فيه سجدة عنه ﷺ إذا قرأها الإنسان وحده فهو بالخيار؛ فإن شاء سجد، وإن شاء لم يسجد، والسجود ليس بواجب، ولا فرض عليه؛ أخذاً بعمل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه عندما خطب وقرأ آية سجدة، فنزل من المنبر وسجد وسجد الناس معه، ثم قرأ مرة أخرى بتلك الآية، وتهيأ الناس للسجود، فلم ينزل ولم يسجد، وقال: هي آية سجدة فمن شاء فعل، ومن شاء ترك.
أما إذا كان الإنسان يستمع، فيقولون: القارئ والسامع كلاهما يسجد إلا أن القارئ على نفسه، وبعضهم يجعل سجدة التلاوة كالصلاة يشترط فيها: الطهارة، واستقبال القبلة، ويرون عدم السجود في وقت النهي عن الصلاة، وآخرون يقولون: هي عبادة مستقلة لا علاقة لها بالصلاة، فحيثما سجد ولو بغير وضوء فلا بأس، أما المستمع فهو بين حالتين: أما القاصد فهو متابع للقارئ فإن سجد القارئ سجد معه، وإن لم يسجد فلا سجود عليه، وأما من استمع عفواً بدون إلقاء سمع فلا سجود عليه.
ويذكرون في ذلك: أن رجلاً قرأ آية سجدة عند عثمان رضي الله تعالى عنه، فسجد القارئ فسجد معه، ثم جاء شخص آخر وقرأ السجدة من أجل أن يسجد عثمان ولكن هذا القارئ لم يسجد فما سجد عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين! قرأ فلان فسجدت وقرأت فلم تسجد؟ قال: لأنه قرأ فسجد فسجدنا معه، وأنت قرأت فلم تسجد فلم نسجد معك، ومن هنا قالوا: المستمع الملقي السمع للقارئ إن سجد القارئ سجد معه.
وهنا نقطة عند الأحناف دقيقة جداً: قالوا: لا سجود لسامع الصدى، والصدى هو: رجوع الصوت من جرم يصطدم به، وهذا يظهر عند الجبال، إذا كان الجبل مرتفعاً، وخاصة إذا كان قائماً ليس مدرجاً ولا بسفح طويل، أو إن كنت تمشي وأمامك جدار، فإذا اقتربت من الجدار تسمع صوتك، من أين جاء هذا الصوت؟ الصوت يذهب مع الهواء فيصطدم بالجرم الذي أمامه فيرجع، وكذلك الأذن إنما تأخذ صدى الصوت؛ لأن الصوت يأتي مع الهواء فيصطك بطبلة الأذن من الداخل، وكما يقول الأطباء: هناك شاقوص وسندان، فتتحرك إبرة الأذن بهذا الصدى فتنقل الصوت إلى الدماغ، والآن الصدى موجود معك في كل بيت، وهو: المذياع أو (الراديو) ، وهو عبارة عن جهازين: جهاز استقبال وجهاز إرسال، وجهاز الاستقبال يأخذ الصدى من المحطة التي ترسل، وجهاز الإرسال الذي يسمعك، فعند الأحناف لا سجود مع الصلاة هنا، فلو سمعت عبد الباسط أو الحصري يقرأ آية سجدة ومشى، فليس عليك سجود؛ لأنه هو بنفسه ليس ساجداً في الإذاعة ولا في القراءة.
مبحث سجود التلاوة مبحث واسع، وكنا قد جمعنا فيه بعض الأبحاث، وخلاصة ما يدور حوله في سجود التلاوة: أواجب هو أم سنة؟ ويذكرون في ذلك أخباراً عديدة منها: أن أبا قتادة أو غيره قرأ بسورة فيها سجدة، فسجد وكان بالدار شجرة فسجدت بسجوده، فقال ﷺ : (نحن أحق بالسجود من الشجرة) ، لكن الحديث فيه مقال.
ويهمنا: أن سجود التلاوة مشروع، وقد ورد في القرآن في خمسة عشر موضعاً ويختلف الأئمة في موضع الآية؛ أهو قبلها بآية أو بعدها بآية؟ وهذا بحث فقهي توجد مباحثه في كتب الفقه جميعاً.
стр. 603
شرح حديث: (كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم لك الحمد ملء السموات والأرض ... )
قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: (اللهم لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) ، رواه مسلم] .
هذا الإعجاز النبوي بهذا الأسلوب العظيم نجد بعض العلماء يقول فيه: إن الدعاء والصلاة على الرسول ﷺ والتسبيح بمثل هذه العمومات لا يصلح؛ لأنك بكلمة واحدة تريد أن تملأ السماوات والأرض؟ (الحمد لله ملء السماوات والأرض) ، وإذا ورد النص في هذا لم يبق لأحد مقال، والباب هو باب فضل الله ، وقد جاء في الحديث الآخر عند مسلم: (الحمد لله تملأ الميزان) ، هذه كلمة واحدة ملأت الميزان، وجاء في وصف الميزان: (لو أن السماوات السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة؛ لمالت بهن لا إله إلا الله) .
إذاً: لا نستطيع أن نتحكم بالعقل ما دام قد ثبت هذا بالنص.
(والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض، والحمد لله وسبحان الله تملآن ما بين السماء والأرض) ، (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) .
إذاً: ما دام النص ثابت فلا كلام لأحد، وهنا في الحديث: (ملء السماوات وملء الأرض) .
تصور بإدراك العقل أن هذا الحمد ملأ السماوات والأرض، ثم قال: (وملء ما شئت من شيء بعد) ، وهنا يتساءل العقل عند قول: (ما شئت من شيء بعد) ماذا بعد السماوات والأرض؟! هل يمكن لنا أن نتساءل هذا التساؤل ونحاول أن نصل إلى جواب، أم نترك ذلك إلى علم الله ؟ ما دام أن النص يقول: (وملء ما شئت من شيء بعد) ، فلا مانع، وأوسع من هذا كله قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] ، إذاً: يوجد شيء آخر غير السماوات وغير الأرض وهي الجنة، وهل هناك شيء آخر؟ في الحديث الآخر: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، وما الكرسي في العرش إلا كدراهم في ترس، وما العرش في كف الرحمن إلا كحبة خردل في كف أحدكم) .
إذاً: عالم الملكوت لا يمكن لعقل أن يحيط به، وهذا الذي جاءتنا به النصوص، ولم يقل: ملء السماوات وملء الأرض، وانتهينا، ولكن أين الكرسي؟ وأين العرش؟ وأين ما وراء ذلك؟ الله أعلم.
المهم: أن النبي ﷺ يوسع مجال الذكر إلى هذا الحد؛ فهل فكرت في هذا حينما ترفع من الركوع وتقول: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) ؟ هل تتذكر هذا المعنى؟ وليس مجرد السعة فقط، ولكن نتذكر عظمة هذا الكون وبالتالي عظمة الخالق.
(أهل الثناء) : يا رب أنت أهل للثناء، هناك الحمد وهنا الثناء؛ لأن ملء السماوات فيه بيان القدرة لخلق السماوات، والخالق بديع السماوات والأرض، وقد تثني على مهندس صمم هذا المسجد، أو على طبيب ناجح، وبديع السماوات والأرض أحق بالثناء سبحانه ﷻ ، فتجمع الحمد أولاً لكمال ذاته، وتأتي بالثناء ثانياً لملء السماوات والأرض وما شئت من شيء بعد، وأنت تعلم بذلك، فيكون اجتمع منك لله الحمد والثناء.
(أهل الثناء والمجد) : المجد: العزة، والسلطان، والقدرة، مثلما يقولون: سهل ممتنع.
(أحق ما قال العبد) : هذه الألفاظ أحق ما يقولها العبد لمعبوده؛ أن يحمده بهذا الحمد المتسع، وبكل ما يمكن أو هو كائن في الوجود، والثناء على الله بما هو أهله من حسن الفعال والقدرة والإيجاد والإبداع.
إلخ.
فإذا كان الله خلق السماوات ودبر أمرها، وسير فعالها، وما فيها من ملائكة كواكب، ليس فقط مجرد سماء وبنيت، وأديرت، وكذلك الأرض وما فيها من عوالم، حق الثناء لله، وأحق ما قاله العبد لربه مقابل هذا الملك بكامله.
(وكلنا لك عبد) ، أحق ما قال العبد -وأنا منهم- (وكلنا لك عبد) ، وبهذا في هذه الحركة أعتقد أنه لا يتأتى لإنسان أن يقول: الله أكبر، ثم ينزل إلى السجود ويفوت على نفسه الخير الكثير، وهذا يبين خطأ من يقول: أركان الصلاة ركن طويل وركن قصير، أو ركن ثقيل وركن خفيف، بل كلها أركان مستوية، وتقدم لنا مبحث الطمأنينة، وأن الإنسان يطمئن في كل أركان الصلاة.
(اللهم لا ما نع لما أعطيت) : عطاء المولى عظيم، وإذا أراد الله لإنسان عطاء فلا راد له، وقد جاء هنا عطاء مطلق: (لا مانع لما أعطيت) ، سواء كان العطاء مادياً محسوساً من غنى وصحة وولد ومنصب.
إلخ، أو كان عطاء معنوياً من مكارم أخلاق وتوفيق للعبادة وعلم نافع،.
إلخ.
لا مانع يا رب لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، فالعطاء من الله، ولا موجود في هذا الوجود يمنع عطاء الله عمن أراد له خيراً، كما في الحديث: (لو اجتمع أهل الأرض على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمع أهل السماء والأرض على أن يضروك بشيء لن يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك) ! إذاً: في هذا الجزء من هذا الحديث وأنت قد توجهت إلى الله ، وحمدته ملء السماوات والأرض، وأثنيت عليه سبحانه؛ تقف مقراً بين الرجاء والخوف، ولا تتوجه في حاجة أياً كانت إلا له سبحانه، إذ لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وقد جاء في الحديث: (كل شيء بقضاء الله وقدره حتى العجز والكيس) ، يعني الذكاء والغباوة، الفطنة والجهالة، كلها بعطاء من الله وبقدر منه.
والقرآن الكريم فيه توبيخ لعباد الأصنام وبيان لباطلهم: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٣] ، لماذا تعبدونهم؟ هل لديهم منفعة ترجونها؟ هل تخافون من ضر يوقعونه بكم؟ هم لا يملكون نفعاً يجلبونه إليكم، ولا يقدرون على ضر يوقعونه بكم، فما هو موجب العبادة؟ وتقدم مراراً الإشارة إلى قول العلماء: كل عاقل في هذه الدنيا إنما يسعى لأحد أمرين: إما لجلب نفع، وإما لدفع ضر، قال الشاعر: إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع مع ملاحظة اختلاف الجهة وانفكاكها، إذا أنت لم تنفع صديقك تضر عدوك، يعني لابد أن تفعل شيئاً، فإذا كنت لا تستطيع نفعاً ولا ضراً، ﴿كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل:٧٦] ما قيمة هذا؟ وفي هذا الموقف بين يدي الله الاعتراف بأنه: لا مانع لما أعطيت قليلاً كان أو كثيراً، ولا معطي لما منعت قليلاً كان أو كثيراً، إذاً: وأنت بين يدي الله في الصلاة تزداد رغبة وإيماناً ويقيناً بأن العطاء من الله ولا يدفع الشر إلا الله، وهذه أيضاً وقفة جديدة مع الوقفة الأولى: (ربنا ولك الحمد؛ حمداً طيباً طاهراً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) .
ثم يعقب ذلك بما يشبه التذييل والتكملة، لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، ولا ينفع ذا الجد، والجَد بمعنى الحظ، تقول لإنسان: فلان محظوظ، ومن أين جاء له الحظ؟ صاحب الحظ مهما قلت فيه فإن حظه لن يأتيه بشيء إلا من عند الله، وبالكسر (الجِد) بمعنى الاجتهاد، والمعنى الآخر (للجَد) الذي هو أبو الأب؛ لا دخل له في هذا.
(ولا ينفع ذا الجد منك الجد) ، يعني: ذا الحظ والذكاء والفطنة، عقله وفطنته وحظه لا ينفعه بشيء.
ولو كانت الأرزاق تأتي على قدر الحجى لماتت من جهلهن البهائم والغنى والفقر ليسا بالذكاء أو بالحظ، والآن يوجد جهاز بحجم الكف يحسب قدر مائة شخص، ومائتا ألف كلمة تترجم في جهاز مثل الكف من الإنجليزي إلى العربي ومن العربي إلى الإنجليزي، ويُخزِّن أرقام أكثر من مائتي رقم تلفون، وآلة حاسبة، وكلها قدر الكف، أين ذهبت عقولنا؟ مائتا ألف كلمة تترجم من الإنجليزي إلى العربي ومن العربي إلى الإنجليزي، وأكبر شخص مترجم الآن لا يحفظ مائتي ألف كلمة.
إذاً: العقل كآلة إذا كان أوتي شيء من الذكاء فمن الله، هذا الذي ركب أو اخترع هذا الجهاز من أين؟ من العقل والعقل مَنْ خلقه ووهبه وأعطاه هذا إلى أن توصل إلى ذلك؟ الله، إذاً: الكل راجع إلى الله.
قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] ، والعلم من أعطاك إياه؟ ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨] من الذي علمك بعد أن خرجت من بطن أمك؟! إذاً: العاقل يتأمل حقيقة وجوده، وحقيقة وجود الكون من حوله، وهذه لفتات أو لمسات تأتي من الرسول ﷺ في ساعة توجه الإنسان بكليته إلى الله، واستعداد استقبال هذا التوجيه أكثر مما لو جاءه وهو ماش في السوق، أو ذاهب إلى البيت، أو نائم في غرفته، أو جالس يأكل ويشرب، لكن يصلي ويناجي ربه، فيعلمه حقيقة علاقته بالله: يا رب! أنا جئت إليك وأقررت أنك رب العالمين، تصرفهم كيفما شئت، وأنا فرد من أفراد تلك العوالم كلها، وأقررت بأنك مالك يوم الدين ومآله إليك، ثم رجوت وسألت بذله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، اعتراف، ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٦] ، فيبين حقيقة علاقة الإنسان بالله في هذا الحديث.
ولهذا نقرأ: (الدعاء مخ العبادة) ؛ لأنك لو تأملت في ألفاظ الدعاء الوارد عن النبي ﷺ لوجدت العمق والبعد إلى حد بعيد جداً، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
стр. 604
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٨]
في كل هيئة من هيئات الصلاة لابد أن تكون الأعضاء بشكل يناسب تلك الهيئة، ما لم فلن تتم هذه الهيئة، ففي السجود لابد من تمكين الأعضاء السبعة من الأرض، وكان ﷺ في السجود يفرج بين عضديه وجنبيه حتى يرى بياض إبطيه، بينما المشروع للمرأة في السجود عكس ذلك.
стр. 605
شرح حديث: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله.
أما بعد: قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين) متفق عليه] .
بيّن المؤلف كيفية الصلاة، وبدأ بتكبيرة الإحرام، ثم جاء بقراءة الفاتحة، ثم الخلاف في البسملة، ثم التكبيرات: تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الانتقال، وما يقول حال رفعه من الركوع، وما يقول وهو قائم بعد الرفع، ثم سيهوي إلى السجود، فكيف يكون السجود؟ هناك حديث في كيفية الهوي إلى السجود، ولكن الحديث هنا في كيفية السجود.
قال: (أمرت) ، وهذا الحديث ورد بصيغ ثلاث: (أمرت) ، (أمرني ربي) ، (أمرنا) ، كل هذه من صيغ هذا الحديث، وأصحها هذه الرواية: (أمرت) ، وهذه عند علماء اللغة من صيغ المبني للمجهول أو ما لم يسم فاعله، (أمر) من الأفعال المتعدية، تقول: أمر زيد عمراً بفعل كذا، فهنا الفعل يحتاج إلى فاعل، ويحتاج إلى مفعول به، وما هو مأمور به، أمر علي زيداً: فهنا الفاعل علي، والمأمور زيد، والمأمور به موضوع الأمر.
وهنا: (أمرت أن) ، ومعلوم أن ما بني للمفعول يكون قد حذف فعله، وأغراض حذف الفاعل تدرس في علم البلاغة، إما لمعرفته أو لا يذكر اختصاراً، كما جاء: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] ، لم يذكر الفاعل، وليس هناك مبني للمجهول ولا للمعلوم، ولكن حذف الفاعل لبيان السياق للمطلوب، بدليل الحجاب، توارت يعني الشمس.
وهنا: (أمرت) ، إما أن يكون لمعرفته ولا يحتاج إلى تنصيص عليه، وإما لعدم إرادة ذكره، وحذف الفاعل: لعدم إرادة ذكره، أو عدم معرفته؛ حفاظاً عليه، أو خوفاً منه، وقد يكون لحقارته، وقد يكون لإعظامه وعدم تسميته باسمه، كل ذلك من أغراض حذف الفاعل، وإقامة المفعول به مقامه، وهنا من باب حذف الفاعل للعلم به، لما المصطفى ﷺ يقول: (أمرت) ، من في الدنيا له أن يأمر رسول الله؟ أظن ليس هناك حاجة إلى سؤال؛ لأن الذي يأمره هو المولى سبحانه، إذاً: أمرت، معناها: أمرني ربي.
(أن أسجد) ، السجود هو: وضع الجبهة على الأرض، وقد يسمى الركوع سجوداً، وقد يسمى السجود ركوعاً، ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣] .
قال: (على سبعة أعظم) وأعظم جمع عظم، والعظم واحد العظام في الجسم، ثم ذكر وفسر، وهذا من الأساليب البليغة، وهي كثيرة في أسلوب النبي ﷺ ، وهو أن يأتي بالمجمل ثم يفصل، (أمرت أن أسجد على سبعة) فتعد السبعة على يدك ثم تنتظر تفصيلها، فتحفظ السبعة لأنها سهلة، ثم تبدأ بالجزئيات التفصيلية.
стр. 606
ذكر الخلاف في السجود على الجبهة والأنف
(الجبهة) أعضاء الجسم كلها معروفة ومحددة ومسماة حتى موضع الشعرة، والجبهة من المجابهة، والوجه من المواجهة، والقفى من التقفية، كل هذه عرفت من واقع الحال، والجبهة والجبين سواء، والجبهة مقدم الرأس، أو العضو الفاصل ما بين الوجه والرأس.
(وأشار بيده إلى أنفه) ، هنا البيان اشتمل على أسلوبين: أسلوب قول، وأسلوب فعل إشارة، والجبهة فوق والإشارة إلى الأنف، وكأنه في هذه المغايرة يقول: السجود على الجبهة والأنف، ولكن هل هما يستويان في الأمر بهما؟ أي: هل الجبهة والأنف مستويان في حكم السجود سواء أم هناك مغايرة بينهما؟ ولو كان هناك مغايرة فأيهما مائة بالمائة؟ الجبهة؛ لأنه نص صريح في العضو، وأشار إلى الأنف لأنها تتبع الجبهة في السجود، لكن هل هي تساويها في كل شيء؟ لا، لأنها لو كانت تساويها لقال: على الجبهة وعلى الأنف؛ فيكون هناك عضو ثامن؛ وقوله: (سبعة) ، تمنع وجود عضو ثامن، وكذلك يمنع من نقص عضو فيصير ستة، فالتنصيص على سبعة يمنع من أن يكونوا ستة أو ثمانية.
إذاً: الأنف ليس عضواً مستقلاً، وليس مساوياً للجبهة، ومن هنا وقع الخلاف؛ فنجد من العلماء من يقول: يجزئ أحد العضوين؛ لأنه ذكر الجبهة وأشار إلى الأنف؛ فهما سواء، وعلى أيهما سجد أجزأ.
وقال الآخرون: لا؛ لأنه لم يكتف بواحد منهما، ولم تأت (أو) التي هي للتخيير، فما قال: على الجبهة أو الأنف، وإنما قال: (الجبهة) بلفظ صريح، وأشار إلى الأنف على أنها معها، وهناك من أوجب السجود عليهما معاً، فلو اقتصر على الجبهة فقط ما صح سجوده.
القول بإجزاء الجبهة فقط يروى عن الشافعي ﵀، والقول بأنه يجزئ على الأنف يروى عن أبي حنيفة، ويناقش هذا القول بأن: أبا حنيفة ﵀ ما قال: إنه يجزئ عن الأنف وحده، وإنما قال هو مخير بينهما، ولكنا وجدنا فعل النبي ﷺ أنه يسجد على الجبهة والأنف ويلامس الأرض، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
وجاءت الأحاديث عن أبي هريرة وعن ابن عباس: (أنهما رأيا النبي ﷺ يسجد على أنفه وجبهته) ولما ذكر ﷺ ليلة القدر قال: (أريت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين) ، وجاء في الحديث: (ورأيت الطين على أرنبة أنفه) ، والأنف من أول الجبهة إلى الشفة، والأرنبة في المحل المرتفع من الأنف، فلابد من السجود عليها حتى في وقت الطين.
فإذاً: ليس هناك حاجة للخلاف الطويل، والقول بأن الأنف تجزئ وحدها قول مطروح، لكن هل تجزئ الجبهة وحدها؟ هذا هو الخلاف الصحيح، والصحيح أنه يجمع بين الجبهة والأنف.
ولو جئنا إلى معنى جانبي الجبهة هي الناصية، والناصية هي موضع الشرف والرفعة من الإنسان؛ ولذا قال الله في تبكيت الكفار: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦] ، فوصف الناصية وأراد صاحبها، فالسجود على الناصية فيه كمال الخضوع للمولى سبحانه، وهو أن تعفر الجبهة -وهي أعظم وأشرف عضو عندك- بالتراب؛ تواضعاً لله، وكذلك الأنف كما يقال: (رغم أنف فلان) فرغم من الرغام، والرغام هو التراب الحار، فإذا أرادوا مذلتك قالوا: رغم أنفك تفعل كذا، يعني: تفعل وإلا وضعنا أنفك في التراب الحار، وليس بعد هذا إهانة، فالمصلي يفعل ذلك طواعية؛ وخضوعاً لله ، فكأنه يقول: يا رب أضع جبيني وأغبر أنفي في التراب تواضعاً لك، وشكراً على نعمائك، ولا يوفي بذلك.
إذاً: جيء بالأنف مع الجبهة لأنهما العضوان اللذان بهما يشرف الإنسان أو عليهما تقع الإهانة، فبدل ما يرغم على ذلك من خصم أو عدو، فهو يفعلها طواعية لوجه الله تعالى.
النجاشي لما انتهت غزوة بدر، دعا المهاجرين الذين عنده فاشتد عليهم الأمر: ماذا يريد منا؟ فلما دخلوا عليه وجدوه جالساً على التراب حاسر الرأس لابساً حلساً قديماً واضعاً يديه إلى الأرض، في حالة في غاية من التذلل والتواضع، فقال له جعفر: أيها الملك! دعوتنا وجئنا ووجدناك على هذه الحالة، ما الذي حدث؟ يريد: هل حدث مصيبة أم ماذا؟ قال: دعوتكم لأبشركم بأن النبي ﷺ التقى مع قريش في واد يقال له: بدر، ونصره الله على أعدائه، ومما جاء عن عيسى ﵊: (إن الله يحب من عبده إذا أحدث له النعمة أن يحدث له تواضعاً) ، ونحن بفضل الله في كل لحظة نعم المولى تتوالى علينا، فجلوسك فقط معافى نعمة كبيرة، ولذا تأتي الصلوات الخمس في أوقات متفاوتة تجديداً للصلة بين العبد وبين ربه، وتجديداً للعلاقة بينهما.
وعلى هذا يشرع ضم الأنف إلى الجبهة وما نقول من جهة العقل معقولة، لكن حكمة التشريع فيها واضحة.
стр. 607
كيفية تمكين الجبهة من الأرض
بقي عند الفقهاء تحقيق المناط وهو: كيف يتم السجود حقيقة على الجبهة؟ إذا كانت الغترة، أو عمامة، أو قلنسوة أو أي شيء على الحواجب، وسجدت على الأرض، فهل الجبهة باشرت الأرض أم أن بينهما حائل؟ الفقهاء يبحثون عن أثر وجود عازل أو حاجز بين الجبهة وموضع السجود على السجادة أو التراب أو الحصى، هل هو سجود على الجبهة أم سجود على الحائل دون الأرض؟ فنجد النزاع أو الخلاف يرجع إلى تحقيق المناط في حقيقة السجود، فنجد بعض العلماء وخاصة الشافعية يشددون في هذا ويقولون: لا يصح السجود إلا على الجبهة، ولا يصح على خارج عن الجبهة أو شيء يتحرك بحركة المصلي، هل تتحرك معك الغترة أم لا؟ نعم، إذاً: لا يصح أن تسجد على طرف الغترة، لابس درّاعة كبيرة واسعة أو برنس أو ثوب البادية وكمه يُدخل اثنين معك، أو أي شيء يتحرك بحركتك في قيامك وقعودك؛ لا يحق لك أن تسجد عليه عند الشافعي.
وغيره يقول: الأمر أوسع من هذا؛ لأن السجود يتحقق بالانحناء ووضع الجبهة إلى الأرض، وكونه يوجد حائل أو لا يوجد حائل فإن ذلك لا يمنع من كونه سجد، لكن يذكر الصنعاني في شرح هذا الحديث، وابن حجر في شرحه في الفتح روايات -وإن كان يضعفها البيهقي ﵀: (أن الرسول ﷺ نهى أن يسجد على كور العمامة) ، والكور: هو التكوير، والعمامة تلف مثل عمامة الرجل السوداني وأمثالها، فالاستدارة التي توجد على الرأس إذا كانت إلى الجبهة وسجد، فهل سجد على الأرض أم على كور العمامة؟ يقولون: هذا سجد على كور العمامة، وفي الحديث: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً سجد على كور العمامة فأشار إليه أن يرفع) ولكن كما قلنا: البيهقي ضعف كل هذه الروايات.
стр. 608
حكم كشف أعضاء السجود في الصلاة
بقية الأعضاء السبعة التي جاء ذكرها هل يجب كشفها حتى تباشر الأرض كما تقولون في الجبهة: لا يصح السجود عليها مع وجود حائل؟ قالوا: لا، فيستحيل كشف الركبتين للسجود؛ لأن فيه كشفاً للعورة وإبطالاً للصلاة، ولا تنسوا القاعدة التي يقولها ابن دقيق العيد: الفرع إذا عاد على الأصل بالإبطال كان باطلاً.
إذاً: هذا الفرع باطل لأنه سيبطل الأصل.
إذا قلتم بأن الركبتين كشفها عورة؛ فإذا كان لابساً الخف ومسح عليه، وله يوم وليلة أو ثلاثة أيام، ومعلوم أنه سيصلي في اليوم والليلة خمس صلوات؛ فهل يصح أن ينزع الخفين ليباشر بقدميه الأرض؟ لا؛ لأن من نواقض الوضوء لماسحٍ على الخفين نزع الخفين، هذا عند الجمهور بصرف النظر عن المخالف، فهل تقولون لمن لبس خفين: انزعهما لتباشر بالقدمين الأرض؟ لا.
إذاً: تسامحتم مع صاحب الشراب، ولو توضأ وغسل القدمين، لا تقولون: اخلع الشراب حتى تصح الصلاة.
فإذاً: يجوز ستر الركبتين والقدمين، وهل يمكن لإنسان يهذي ويقول: إذا لبس قفازات ما جاء النص أن يخلعها حتى تباشر بيديه الأرض، ولكن جاء حديث آخر يذكره ابن حجر، ويذكره في نيل الأوطار بأن الصحابة ﵃ كانوا يصلون وأيديهم في ثيابهم، وكون اليد من داخل الثياب وهو ساجد، فالثياب حائلة بين يده وبين محل السجود، وهذا نص مختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أصح، وسواء كان مرفوعاً أو موقوفاً على الصحابة؛ فإذا فعل ذلك أصحاب رسول الله، فليس من المعقول أن يفعلوا ما يبطل الصلاة.
والرد على من يقول: لا يصح السجود على متحرك بحركة المصلي يذكره مالك في الموطأ قالوا: (شكونا إلى رسول الله ﷺ شدة الحر فلم يشكنا) ، أي: لم يسمع شكوانا، بمعنى: كان المسجد تأتيه الشمس فتكون أرضه حارة، فإذا سجدوا كانت حرارة الحصوة على الجبهة لا تحتمل، (فكان أحدنا يسجد على طرف ثوبه -أي: على كمه- وكان بعضنا يأخذ القبضة من الحصباء) ، أي: إذا سجد وقام للركعة التالية ملأ يده حصباء وأبقاها في كفه حتى يقرأ ويرفع ويركع (فإذا أراد السجود بسطها وسجد عليها) وهذه متحركة بحركته وهي أيضاً حركة زائدة، فالثوب لعله بضرورة الحال، لكن هذه قصداً يحملها معه في كفه، ثم يطرحها ويسجد عليها؛ لأنها تكون بعامل وجودها في كفه قد بردت من تلك الحرارة الشديدة.
وخروجاً من هذا الخلاف، وتحقيقاً للمعنى، وإبعاداً لشبهة احتمال الكبر كما في قصة الغرانيق، فالمشركون كلهم سجدوا مع رسول الله إلا واحداً رفع قبضة من الأرض ووضع جبهته عليها، فكان ذلك كبراً منه عن السجود؛ فنقول: إن كشف الجبهة أولى، خروجاً من هذا الخلاف، وتحقيقاً لمعنى الخضوع والخشوع بين يدي المولى سبحانه، وإبعاداً عن احتمال الكبر، وحتى لا يتذرع البعض بأن فلاناً يفعل كذا، وفلان يفعل كذا، وهذا جائز، وهو لا يفعلها على سبيل الجواز، ولكن يفعلها كبراً، خروجاً من هذا كله، فإنه يبتعد عن تغطية جبهته عند السجود.
стр. 609
معنى قوله: (أعظم)
قوله: (أسجد على سبعة أعظم) ، صريح كلمة: (أعظم) ، وإن كان العظم ليس بظاهر فالمراد به: الجلد واللحم، ولكن حقيقة العضو العظم: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون:١٤] ، فالأصل في خلقة الإنسان الهيكل العظمي، وليس هناك هيكل لحمي؛ فحقيقة هيكل الإنسان وتكوينه الهيكل العظمي، مثلما يقولون على المسلح غير المشطب: عظم، وليس فيه ولا حتى قد درهم واحد من عظم، ولكنه حديد وأسمنت، لكن لشبهه بالهيكل العظمي في الإنسان شبهوه به ثم يأتي الجسم ويكسى لحماً.
إذاً: الحديث ممكن نقول: فيه نوع تجوز.
وهل في اليدين عظم واحد؟ كل إصبع فيها ثلاثة مفاصل، وأكثر سلامى الجسم في القدمين والكفين، وسمى اليدين عظمين، وفيهما عشرات العظام، إذاً: الحديث فيه مجال للتجوز والتوسع.
ونص على العظم الأول بأنه الجبهة، فالأولى أن يحاول الإنسان أن تكون الجبهة مكشوفة ما أمكن كشفها، ولا محذور فيها كالركبتين، وكالقدمين عند لبس الخفين، والله تعالى أعلم.
стр. 610
كيفية السجود على الكفين
قال: (واليدين) ، نعرف بأن جسم الإنسان فيه تسمية مجملة ومفصلة، فاليد من المنكب إلى الظفر، والرجل من الفخذ أو المفصل الذي بين الحوض والفخذ إلى أصابع القدمين، وكل جزء من اليد له اسم مستقل، فلدينا العضد، ثم الساعد، ثم الكف، وفيه عدة عظام تتحرك، ثم الأصابع، ولكل إصبع عظام، وكذلك الأصابع كل إصبع له اسم، حتى الإصبع الواحدة أجزاؤها لها أسماء: الأنملة والوسطى.
إذاً: لفظ اليدين هنا مجمل كما جاء الحد في قطع يد السارق، والتيمم، وجاءت مفصلة في الوضوء، قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] ، لكن في التيمم قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦] ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، ثم تأتي السنة وتبين إلى أين؟ وما المراد بمسمى اليد؟ هل هي بكاملها نبطحها ونمدها على الأرض؟ لا قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، ووجدنا أن المقصود بالعضوين هنا الكفين فقط، وستأتي نصوص تمنع أن يلامس الزند الأرض، وأن يفترش ذراعيه.
وهنا أيضاً مباحث للفقهاء في الكفين: كيف تسجد على الكفين: أتطبق يديك؟ لا، بل تبسط أصابعك، مفرجة أم مضمومة؟ مضمومة؛ لأن في تفريجها انحراف لبعض منها عن القبلة؛ لأن زاوية الأصابع زاوية حادة، وهذه الزاوية الحادة لو قسناها يمكن أن تكون ثمان درجات أو سبع، وستكون المسألة سهلة إذا كان الفارق عشرة سم، الآن الإصبع يتجه ربما إلى ركن المسجد هذا، وسيذهب إلى الشرق عن نقطة تلاقي الإصبع من هنا، إذاً: لو أن الإصبع الوسطى تلقاء الكعبة فعلاً كما هو محراب رسول الله ﷺ ؛ فستكون التي تليها منحرفة عنها فعلى ذلك قالوا: ببعد المسافة يكون الانحراف بعيد جداً، يمكن أن تذهب أصبع إلى بلاد المغرب والأخرى إلى الهند.
فإذا كان مضموم الأصابع وسجد بسط كفيه وضم أصابعه، بخلاف وقت الركوع: فإن الأصابع تفرج وتقبض على الركبة، كما جاء: (كأنه قابض على الركبة) .
إذاً: وضع الأصابع بين الضم والتفريج يختلف بوضعهما في مكانهما.
وهنا أيضاً بحث آخر: أين تكون الكفان من الجبهة؟ هل بعدها أم قبلها، أم على مساواتها؟ تكون الكفان مضمومتا الأصابع مقاربة للصدغين، لا تتقدم على الجبهة، ولا تتأخر بعيداً عنها؛ لأن هذه هيئة تنافي طبيعة الإنسان في سجوده العادي، وفيه تكلف أو تقصير.
стр. 611
هيئة الركبتين وأطراف القدمين في السجود
قوله: (والركبتين) ، تقدمت الإشارة بأنه لا يشترط أن تكون مكشوفة أو مباشرة للأرض في حالة السجود، فلو نزل على اليدين وأطراف القدمين ورفع ركبتيه كحركة رياضية ما تم السجود، فلابد من وضع الجبهة والكفين والركبتين.
قال: (وأطراف القدمين) ، لم يقل: والقدمين؛ لأنه لو قال: (القدمين) فحيثما كانت القدمان أجزأا، وأطراف القدم هي الأصابع، وأحياناً ترى -وخاصة في مواسم الحج والعمرة- بعض الناس لم يتمرن كثيراً على الصلاة، وربما أنه بدأ يصلي لما عزم على الحج، فتجده يسجد ويرفع قدميه من الخلف، فهذا ما أكمل السجود؛ لأن عضوين من أعضاء السجود لم تستخدم في السجود.
وأطراف القدمين في السجود لها ثلاث حالات: إما أن يسجد على الأصابع، وإما أن يثنيها متجهة إلى القبلة ناصباً القدمين، وإما أن يثنيها إلى الخلف، وأي الأوضاع مطلوب؟ أن تكون الأصابع مثنية إلى الأمام متجهة إلى القبلة، ولو جعلها واقفة على أطراف الأصابع على الأظافر فقد سجد لكنه ترك الأولى، كما لو ثناها إلى الوراء، وما دام أنه معتمد في السجود على الأصابع، فالسجود وافي، لكن الهيئة الأكمل أن تكون الأصابع متجهة إلى القبلة.
стр. 612
شرح حديث: (كان إذا صلى وسجد فرج بين يديه)
قال ﵀: [وعن ابن بحينة: (أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى وسجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه) ، متفق عليه] .
إذا عرفنا أن المراد بالكفين اليدين، وأن نص الفقهاء على أن تكون منضمة الأصابع، وجئنا إلى القدمين؛ وعرفنا بأن موضع السجود هو أطراف الأصابع وهناك حركة وهيئة تتعلق باليدين مرة أخرى جاءت هنا: يقول ابن بحينة: (كان إذا صلى وسجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه) ، ما المراد باليدين؟ انظر إلى قوله: (حتى يبدو بياض إبطيه) ، أي جزء من اليد الذي يغطي الإبطين؟ إنه العضد، فإذا سجد الإنسان وضم عضديه على الكتاب أو العصا أو أي شيء، تضم العضدين على الجانبين فتلصقهما، ولا يمكن أن تسجد هكذا، لكن فرج بينهما حتى يبدو بياض الإبطين، وبعض الإخوة -أكرمنا الله وإياهم- يأتي فيصلي فإذا بهذا المرفق هناك، وهذا الآخر هنا، وآخذ نصف متر عن اليمين، ونصف متر عن الشمال، تعود هذا منفرداً، وإذا كنت منفرداً لك حرية، ويجب أن يكون المظهر بصفة عامة مظهر لائقاً، ولا يكون فيه تكلف، فتجد البعض قد يشدد على نفسه أكثر من اللازم في سجوده؛ حتى يكون الوركان منفرجان، واليدان ممدودتان، ويكون على سبيل الفطرة غير لائق، فإذا صلى في جماعة يظن أن السنة أن يفرج ليرى بياض إبطيه؛ فيؤذي هذا، ويؤذي هذا، وإذا كنت منفرداً أو إماماً فبقدر المستطاع، فالغاية القصوى من تفريج اليد عن الجنب حتى يُرى بياض الإبط، ولو فعل أقل من ذلك لأمكن، والمحظور هو أن تسجد ملصوق العضدين بالجانبين؛ لأنه لما تأتي تسجد وأنت هكذا تكون هيئتك هيئة هرة، دعك من الهرة لكن أنت تحكم عليه في شخصيته كأنه كسلان يصلي وهو عاجز، كأنه يقول: دعني أنتهي منها، لكن يفرج العضدين، والفقهاء يقولون: ليتميز كل عضو بسجوده لله سبحانه، وأحسن من هذا ما ذكره صاحب سبل السلام الصنعاني: لئلا يكون في مظهر الكسلان، فالغرض من هذا ألا تكون في صورة العجز والكسل، وليس الغرض من هذا كما يقولون: فتل الأعضاء والعضلات، لا، الصلاة خشوع، والصلاة خضوع، ومراعاة اللائق.
والحديث يشير: (حتى يُرى) رؤية الإبطين كانت سهلة؛ فلم يكن هناك ثوب وفنيلة كم، بل كان هناك الإزار والرداء والقميص، وكم القميص كان قصير وواسع، وأقل لفتة تبين الإبطين، والإبط ليس بعورة، ونحن الآن لا يستطيع أحد أن يرى إبط الثاني وهو ساجد، وأصبحت الثياب على وضع آخر بحسب ظروف الحياة، فلو كان رأساً إزاراً ورداءً أو محرماً فسوف يرى بياض إبطيه، وسيكون من السهل جداً أن يراه، وأدنى تفريج ولو سنتيمتر واحد سيرى بياض الإبط.
إذاً: ليست المسألة مغالاة ولا تفريطاً، وإنما المراد هو الخروج عن هيئة الكسلان الذي يأتي الصلاة بدون نشاط، وهذا خاص بالرجال، بخلاف المرأة فهي تضم نفسها، لما جاء عنه ﷺ أنه رأى امرأتين تصليان فقال: (ضما اللحم إلى اللحم) ؛ لأن ذلك أستر للمرأة.
стр. 613
شرح حديث: (إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك)
قال ﵀: [وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك) رواه مسلم] .
معنى الحديث: أن يبقى الكفان مرفوعين ولا يضعهما على الأرض؛ لأنه تقدم أن أعضاء السجود سبعة كما في قوله ﷺ : (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم) ، فذكر الجبهة وأشار بإصبعه إلى الأنف، وذكر الكفين واليدين والركبتين والقدمين، (ضع كفيك) ، أي: على الأرض، (وارفع مرفقيك) ، المرفق: هو المفصل الذي يفصل بين العضد والزند، وهو المنصوص عليه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] ، وسمي هذا العضو مرفقاً؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يستريح ارتفق على هذا العضو، وجعله على وسادة أو الأرض أو غير ذلك، فهو من الارتفاق والمساعدة في راحة الإنسان، ورفع المرفقين، أي: لا تكون اليد بكاملها مسطحة على الأرض، ويكون المرفق واصلاً إلى الأرض كما تصل الكف، هذه الصورة منهي عنها، بل يضع الكفين، ويرفع المرفقين بحيث لا يكونان ملامسين للأرض، وهذه الصورة جاء النهي عنها بصريح العبارة أن النبي ﷺ نهى عن افتراش كافتراش السبع، والسبع إذا ربض بسط يديه من المرفق إلى المخالب على الأرض، وفي الحديث: أنه إذا رفع المرفقين لا يلصقهما بعضديه، ولكن يجافي بينهما، كما تقدم: أن النبي ﷺ كان يجافي بين العضدين حتى يرى بياض إبطيه.
إذاً: من هيئة السجود: أن الساجد يضع كفيه على ما يسجد عليه سواء كان في الأرض أو على فراش أو نحو ذلك، وأن يرفع المرفق من أعلى لا أن يجعله مساوياً للكف على الأرض، فيسجد يضع الكفين ويرفع المرفقين، وأن يجافي بين العضدين لا أن يضمهما.
وتقدمت الإشارة إلى أن مجافاة العضدين على سبيل الاعتدال، وأن من سجد ضاماً عضدية يكون كالمنكمش في نفسه، ويكون في هيئة الكسلان؛ لأن هذه الحالة لا تصلح لمن أتى الصلاة عن رغبة ونشاط، كما بين ﷺ وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
ونبهنا على أن هذا بالنسبة للرجال دون النساء؛ لأن الرسول ﷺ رأى امرأتين تصليان، فأمرهما أن يضما العضدين إلى الجنبين، وقال: (ضمَّا اللحم إلى اللحم) ، فكلما كانت تضم بعضها إلى بعض كان ذلك أدعى إلى سترها، ولو كانت مغطاة.
وأشرنا إلى أن الإنسان إذا كان منفرداً أو كان إماماً فإنه يجافي العضدين مع رفعهما في هيئة معتدلة، لا إفراط ولا تفريط، وإذا كان في صف الجماعة فإنه يراعي من على جانبيه؛ فلا يجافي بين العضدين مجافاة تؤذي الجار، وتجعل الفجوة بين الأفراد، ولا يضمهما كما تفعل النسوة، والله تعالى أعلم.
стр. 614
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [٩]
لقد نقل الصحابة رضوان الله عليهم لمن بعدهم كل هيئات النبي ﷺ في الصلاة؛ حتى إنهم نقلوا شكل الأصابع ووضعها في حال الركوع والسجود.
وبعض هيئات الصلاة اختلفوا فيها، مثل: جلسة الاستراحة، والقنوت في الفجر والوتر، والظاهر أن هذا كله من خلاف التنوع، وعلى ذلك فكله جائز.
стр. 615
شرح حديث: (كان إذا ركع فرج بين أصابعه)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن وائل بن حجر ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه) ، رواه الحاكم.
هنا هيئة الأصابع في حالة الركوع والسجود، يقول وائل بن حجر ﵁ وهو من أمراء اليمن: أن النبي ﷺ كان إذا ركع ألقم كفيه ركبتيه، وفرج بين الأصابع.
إذاً: وضع الأصابع على الركبتين حال الركوع تكون مفرجة، ليتمكن من قبض الركبة كاملة، وليس هذا من باب الاستناد على الركبة، ولكنه هيئة من هيئات الصلاة، وهو أدعى لمن يطيل الركوع أن يساعده، وعلى هذا: إذا سجدت فضع كفيك مضمومة الأصابع.
ومن مجموع الحديثين نأخذ هيئة وضع الكفين على الأرض مع الأصابع.
فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ ينقلون لنا من صلاة رسول الله ﷺ الجزئيات: كيف كانت أصابعه حال الركوع مع الركبتين؟ كيف كانت أصابعه حال السجود مع الكفين؟ وقد تكون تلك الحالات خفية؛ فمفرج الأصابع وضامها مسائل لا يدركها إلا من تأملها وقصدها، فهم ينقلون إلينا ذلك حتى إنه ليرى بياض إبطيه، إذاً: هذه صورة من الصور المنقولة عن رسول الله ﷺ .
ثم تأتي صورة أخرى وقد تكون أدق، وتَقدَّم لنا في قراءة الفاتحة وبعض الآيات أو السورة بعد الفاتحة: أنه كان يقرأ بعد الفاتحة سورة صغيرة أو ما تيسر من القرآن في السرية، أما الجهرية فهي مسموعة، قالوا: كيف كنتم تعلمون قراءته في السرية وأنتم لا تسمعونها؟ قالوا: نعرفها بتحرك لحيته، وكان يرفع صوته أحياناً، فنقلوا لنا تحرك اللحية، ورؤية بياض الإبط، ووضع الأصابع على الركبة، وضع الأصابع عند السجود؛ فهل هذه الأشياء أظهر أم وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع؟ وأيهما أوضح؟ وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع أوضح بلا شك، حتى إن ضعيف النظر يدركها، لكن الأصابع مفرجة ومضمومة واللحية تتحرك لا يدركها إلا من تأملها، وكان قوي النظر.
ولذا نقول: لا تشددوا فيما لم يثبت به أثر، ولم ينقل عنه ﷺ مفصلاً، فكل ما جاء في وضع اليمنى على اليسرى هو في حالة القراءة، أما نص صريح ولو حتى ضعيف في أنه كان ﷺ بعد أن يرفع من الركوع يضع اليمنى على اليسرى، فأعتقد لو بحثا ليلاً ونهاراً فلن نجد ذلك، وطلبنا من الإخوة أن يبحثوا في كتب الحديث والفقه، وأن يأتونا بنص صريح ولو ضعيف على أنه ﷺ كان إذا رفع من الركوع وضع اليمنى على اليسرى فلم نجد، وسننتظر لعل الله ييسر لأحد ولو في مخطوطة من المخطوطات.
إذاً: الأمور الفقهية تجمع لها أطراف الصور، وصفة صلاة رسول الله ﷺ نقلت لنا بهيئاتها، ونعلم أنه إذا لم يقبض بعد الركوع ولا قبل الركوع فالصلاة صحيحة، لكنه ترك هيئة من هيئات الصلاة، أو فعل شيئاً ظنه هيئة من هيئاتها، والذي نؤكد عليه: أنه لا ينبغي لمن رأى وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع وفعل ذلك أن يعترض على من لم يفعل، ولا من لم ير ولم يفعل أن يعترض على من فعل، لماذا؟ لا من جهة الثبوت وعدمه ولكن من جهة صحة الصلاة.
стр. 616
شرح حديث: (رأيت رسول الله يصلي متربعاً)
قال ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي متربعاً) رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة.
] .
المتأمل في ترتيب هذا الكتاب المبارك يرى أنه كان من الأولى تأخير هذا الحديث إلى ما بعد عدة أحاديث؛ لأنه سيأتي بيان كيفية صلاة العاجز عن القيام، ومجمل ذلك إلى أن نصل إليه إن شاء الله.
تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي متربعاً) ، ولم تُعْلمنا هل كانت تلك الصلاة فريضة أو نافلة، ولكن إذا كان الخبر عن أم المؤمنين عائشة فإن تلك الصلاة تكون في البيت، والقرائن تدل على أن رؤيتها إياه ﷺ في البيت، وصلاته في البيت هي نافلة.
إذاً: نحمل هذا الحديث على صلاة النافلة، وبإجماع المسلمين أن النافلة تصح من مؤديها قائماً وقاعداً، وجاء الحديث بأن: (صلاة القاعد على النصف -أي: في الأجر- من صلاة القائم) وهذا في النافلة بلا نزاع.
أما الفريضة فيجمعون على أن القيام ركن فيها: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] .
على هذا بقي الكلام في هيئة: (متربعاً) ؛ لأنه سيأتينا البحث فيما بعد عمن عجز عن الصلاة قائماً ماذا يفعل، وستأتي النصوص في بيان الهيئة والكيفية لصلاة المريض أو العاجز عن القيام، وهي عدة روايات وأحاديث مفصلة سيتم الكلام عندها إن شاء الله، لكن يهمنا صورة التربع في الصلاة.
أنت لو كنت قائماً منتصباً شاخصاً، أو نائماً متمدداً أيضاً كخط مستقيم، لو جلست كجلسة التشهد وأرجلك تشكل حرف (L) أو كما يقولون: زاوية، لكن إذا ثنيت الساقين أمامك، وجئت بمقياس؛ وجدت جلستك على هيئة تربيع؛ الطول بعرض الفخذ، والعرض بطول الساق، والظهر تجد الجلسة على شكل مربع، هات مقياس وقس من الأربع الجهات، ستجد أن المقياس متقارب، هذا هو الجلوس متربعاً، ولكن عند الفقهاء: أن هيئة التربيع أن تضع قدم الرجل اليمنى تحت فخذ اليسرى، ظهر القدم إلى الأرض، وبطن القدم تحت الفخذ، والساق اليسرى تجعل قدمها تحت الفخذ اليمنى، جاعلاً ظهر القدم إلى الأرض، وبطن القدم إلى الفخذ، هذه صورة الجالس المتربع.
أما حالة العاجز والمريض فكما أسلفنا سيأتي لها نصوص تبيّن حالة العاجز والمريض عن القيام كيف يصلي، ولا تسقط الصلاة بحال من الأحوال، ولو متكئاً على عصاً أو مستنداً على جدار على تفصيلات جزئية يذكرها العلماء في كتب الفقه، وعلماء الحديث في شرح الأحاديث الواردة، ولعلها تأتي بعد عدة أحاديث إن شاء الله.
وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (رأيت رسول الله) ، من نعم الإسلام، ومن النعم علينا أن يكن أمهات المؤمنين ينقلن لنا ما كان في داخل بيت النبوة، من كان سيراه داخل ذلك البيت؟ حتى أخص أصحابه ممن يصحبه في المسجد لن يراه، ولكن من فضل أمهات المؤمنين علينا أن يذكرن لنا هذا، كما قال الله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] ، والحكمة هي: ما يتلقونه قولاً أو فعلاً من رسول الله ﷺ ، وترجح عندنا بالقرائن: أن هذه الصلاة التي رأته فيها عائشة إنما هي نافلة.
стр. 617
شرح حديث: (اللهم اغفر لي وارحمني ... )
قال ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني) ، رواه الأربعة إلا النسائي، واللفظ لـ أبي داود وصححه الحاكم.
] .
المؤلف ﵀ بعد أن بين لنا السجود (إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك) ، بين ما سيفعله من سيرفع من السجدة الأولى، وقبل أن يعاود إلى السجدة الثانية؛ فجاءتنا الصلاة بهذا الترتيب الفعلي، وهيئة السجدة: أن يضع كفيه مضموة الأصابع رافعاً مرفقيه، فإذا رفع من السجدة وجلس تلك الجلسة ماذا يقول؟ هنا جاء الدعاء: (اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني) ، وهناك ألفاظ أخرى (واجبرني) بدل: (وارحمني) .
стр. 618
طلب المغفرة والرحمة من الله
هذه الجمل الخمس لو نظرنا في مجموع دلالتها: نجد المغفرة وهو طلب أخروي شامل، وارحمني: زيادة في المغفرة؛ لأن الغفران هو الستر والتغطية، والرحمة إنما هي إغداق النعمة على العبد، شاءت رحمة الله إدخاله في رحمة الله، فيمكن كما يقال: المغفرة أمر سلبي، والرحمة أمر إيجابي.
(واهدني) : الهداية أمر عام في أمور الدنيا والآخرة، والهداية في الدنيا هي: التوفيق لأعمال الخير والنجاح والمساعي، يهدى إلى طريق البر، وإلى فعل الخيرات مع الناس، والهداية في أمور الدين هي: التوفيق بالعمل الصالح والنتيجة كما جاء القرآن الكريم في أعظم مسألة في أعظم سورة في كتاب الله، وفي أعظم موقف بين يدي الله، وبعد التحميد والتمجيد والثناء على المولى سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] .
стр. 619
طلب العافية من الله
قوله: (وعافني) : العافية أعظم مطلوب للإنسان، وكما جاء في ليلة القدر؛ لما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها الرسول ﷺ : ماذا أقول إن أنا صادفتها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) ، تأمل هذا الموقف! أحب الناس إلى رسول الله، وتسأله عن أعظم مطلب عند المسلم وفي ليلة القدر: ماذا تقول فيها؟ وخير الخلق ﷺ يقول هذا لأحب الناس إليه، أي: أنه سينصح لها كامل النصح، (قولي: اللهم ... ) ، وهذا التعليم ليس خاصاً بها، وإنما نقلته لنا لنتأسى بها فيكون للجميع، كما جاء الحديث: (قولي لواحد منكم كقولي لألف واحد) ، تشريع عام، ونجد أيضاً المقدمة بين يدي الحاجة والسؤال: (اللهم إنك عفو ... ) ، هذا ثناء على الله بالصفة التي تريد الباب منها، كأنك عندما تريد أن تطرق باب العفو عند الله، فإنك تثني عليه بهذه الصفة، فلا أقول: اللهم يا رزاق اعف عني، يا رحمان يا رحيم اعف عني؛ لأن هذه لها أبواب مستقلة، يا رحمان يا رحيم ارحمني، يا رزاق يا كريم ارزقني، يا هادي اهدني، فتكون هذه من بابها، فجئت إلى باب العفو وطرقته وأثنيت على الله بتلك الصفة التي تريد أثرها يصل إليك أنا عفو ماذا تريد؟ أريدك أن تعفو عني.
وإذا تأملنا هذا المطلب! فإن الإنسان في الدنيا والآخرة يريد المعافاة، والمعافاة: السلامة من الابتلاء، ويكون في عافية، والإنسان بماذا يبتلى؟ يبتلى إما في بدنه بالمرض، أو ولده وماله وزوجه بالفتنة، فإذا عوفي في بدنه فالحمد لله، وإذا عوفي في ولده بأن كان رضياً موفقاً مهدياً، وعوفي في زوجه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤] ، وإذا عوفي في سلوكه مع الآخرين وفي كل أمور دنياه، فإذا جاء إلى الآخرة وحظي بعفو الله سبحانه كان مآله إلى الجنة، إذاً: هو في دنياه معافى من البلاء، وفي أخراه معافى من العذاب؛ فتكون قد جمعت له هذه الكلمة خيري الدنيا والآخرة.
وقد جاء في الحديث: (من أصبح معافى في بدنه، آمناً في سربه) ؛ لأن الأمن في السرب أيضاً من المعافاة، معافى من اللصوص والاعتداء والظلم، (عنده قوت يومه وليله؛ فقد حيزت له الدنيا بحاذفيرها) ، وماذا في الدنيا أكثر من هذا؟ البدن متعافٍ، والقوت الذي يشبعه عنده، والمأوى موجود فهو آمن مطمئن، ولو بحث وراء ذلك من متعة لم يجد بعد ذلك شيئاً، فالدنيا كلها بين يديه بمتعها.
стр. 620
طلب الرزق من الله وعلاقته بالقدر
قوله: (وارزقني) : هذا الرزق مضمون فعلاً عند الله، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧-٥٨] ، (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها) ، وفي الحديث الآخر: (إن الرزق ليطلبك كما تطلبه، ولن تموت نفس من الدنيا حتى تستوفيه، فأجملوا في الطلب) اجعل الطلب جميلاً، والله قد وعد بالرزق عنده: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ، ومع ذلك يأمرنا بأن نسأل الرزق، ونقول لأولئك الذين يتكلمون في القدر: إنما قدره الله وخفي علينا، وما شرعه الله فهو واضح إلينا، ونحن مكلفون بأن نأخذ ونعمل بما كلفنا به، أما ما وراء ذلك فلا دخل لنا فيه.
كم شوشت على كثير من الناس علاقة العلم والقدر من المولى والأمر والتكليف من العبد، والله يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] إن الله سبحانه قد قدر كل شيء قبل إيجادك بآلاف السنين، ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣] ،.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد:٢٥] ، وهي المعجزات الموضحة لصدق رسالتهم، ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:٢٥] .
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:٢٢] ، هل اطلعنا عليها؟ أرسل الرسل بالبينات ومعهم الكتاب يقرأ، وميزان العدالة يطبق، ماذا علينا نحن في هذا الموقف؟ هل نحن مأمورون بمقتضى ما كتب في اللوح المحفوظ، أم أننا مطالبون بتطبيق ما في الكتاب والميزان؟ بالكتاب والميزان، وهنا الرزق مضمون، ويكلفنا المولى أن نسأله الرزق، فهل هو تحصيل حاصل؟ لا والله، هناك أمر وقدر في علم المولى سبحانه، وهنا تشريع يجب الامتثال له، وهناك صورة قد يتيه الإنسان سنوات حتى يحصل عليها، وهي أن يكون الأمر عند الله وفي قدر الله على خلاف ما أمر به، وإنما يأمر به لتظهر نواحي اختيار العبد في القبول أو الرفض.
الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لما جاء إلى إسماعيل وقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] ، وفي هذا تكليف لإبراهيم أن يذبح إسماعيل؛ فهل امتثل إبراهيم وأطاع إسماعيل أم رفضا؟ بل شهد الله لهما بالطاعة: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] ، أي: استسلما لأمر الله ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] ، إلى الخطوة الأخيرة في عملية التنفيذ لأمر الله، ولم يبق إلا جرة السكين: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٤-١٠٥] ، افتحوا آذانكم يا إخوان! واتجهوا إلى المولى أن يشرح صدورنا، إن المولى حينما أمر إبراهيم أن يذبح إسماعيل ﵉ كان في علمه وقدره أنه لن يذبح، ومع ذلك يقول له: اذبح! كيف يقول له: اذبح وهو يعلم أنه لا ذبح، وهو لم يقدر ذلك؟! حينها علمنا بأن الله يعلم بأنه لا ذبح، ولم يقدر الذبح، وأمر إبراهيم بأن يذبح حال علمه سبحانه أن لا ذبح؛ لتظهر تلك الوقفة الكريمة من إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٢-١٠٣] ، وكانت النهاية: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات:١٠٤] ، وهناك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥] ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧] ، إحسان إبراهيم وإسماعيل على أي شيء وهو لم يفعل؟ في القدر أنه لن يذبح، وهو نفذ خطوة القدر، وكان من المحسنين؛ لأنه أجاب وأطاع الله في الأمر الذي وجه إليه، وأمر القدر كان غائباً عنه.
إذاً: الأمر والقدر من جانب الله، والتكليف والفعل يختص بالعبد، وإثابة العبد أو عقوبته على اختياره لأمرين هما سواء: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ، لو كان غير إبراهيم وقيل له: اذبح! لقال: ما أنا بذابح! ولو كان غيره إسماعيل لقال: لست بمذبوح، ولن أسلم نفسي لك! ولكنهما تلقيا أمر الله التكليفي كأنه أمر كوني لا محالة منه، فكانا من المحسنين.
وهنا الرزق مضمون: (ويؤمر بكتب أربع كلمات: أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أم سعيد) ، رزقه مكتوب قبل أن يولد وهو نطفة في الرحم، وهنا قال: (وارزقني) ، وإذا كان رزقك مكتوباً فلِمَ تسأل الله؟ نعم، أنا أُِمرت أن أسأل الله الرزق مع أنه مكتوب لأكون ممتثلاً أمر الله فيما كلفني به.
ومن هنا نجد أن الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر ودعاء؛ ولذا جاء: (الدعاء مخ العبادة) ، وليس هناك عبادة تخلو من الدعاء، لا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج ولا جهاد، ولا أي عمل من العبادة لله إلا الدعاء فيه مثل تيار الكهرباء في الجهاز مخ العبادة، والإنسان بلا مخ هيكل، والعبادة بلا ذكر ولا دعاء هيكل، لذا كان الدعاء مخ العبادة، وجاء في الحديث: (الدعاء هو العبادة) ؛ لأنه إنابة إلى الله .
стр. 621
الرد على من يقول بخفة ركن الجلسة بين السجدتين
هذا الدعاء الذي مر بنا بين السجدتين كم يستغرق من الوقت؟ لو قلتها بالسرعة المتوسطة لا بطيئة ولا سريعة هل يستغرق ذلك نصف دقيقة؟ أريد أن أقول: هذا يرد على من يقول: الجلسة بين السجدتين والرفع من الركوع ركن خفيف، وتقدم لنا أنه جاء عنه صلى الله علي وسلم بعد الرفع من الركوع: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، حمداً طيباً طاهراً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) وفي هذا أيضاً رد على من يقول: إنه ركن خفيف، ونجد من يقوم قائماً للقراءة فيركع، ثم عند الرفع لا يستقر قائماً ولا ثانية واحدة! وهذا مخالف لهذه السنة النبوية الكريمة، وكذلك يكون ساجداً ويرفع من السجدة، وقبل أن يستقر جالساً يهوي مرة أخرى، متى دعا؟ لم يدع بشيء، إذاً: المحروم من حرم نفسه من هذا الدعاء في هذين الركنين.
стр. 622
شرح حديث جلسة الاستراحة
قال ﵀: [وعن مالك بن الحويرث ﵁: (أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً) ، رواه البخاري.
] .
هذه يسمونها جلسة الاستراحة، يقول: (رأيت النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر) بمعنى: الصبح ركعتين شفع، والركعة الأولى وتر، فالأولى من الصبح وتر، والظهر أربع ركعات، والأولى والثالثة منه وتر، والثانية والرابعة منه شفع، وهكذا، فالأولى من الصبح والأولى والثالثة من الرباعية والأولى والثالثة من المغرب هذه وتر، فتأتينا قاعدة: لم يقل الأولى من الصبح والظهر والعصر والمغرب والثالثة من كذا وكذا لا هذه جملة قاعدة مطردة: (إذا كان في وتر من صلاته) ، والوتر في الصلاة يتحقق بالأولى في الصلوات الخمس، وفي الثالثة من غير الثنائية.
(لم ينهض حتى يستوي قاعداً) ، هذه يسميها الفقهاء جِلسة الاستراحة، ولا مشاحة في الاصطلاح، لأننا لو قلنا: لماذا الاستراحة؟ أين التعب الذي جاء؟ ما زلنا في الركعة الأولى، وليس هناك موجب للتعب الآن؛ لأن الاستراحة تكون نتيجة للتعب، فهي ليست الجلسة بين السجدتين بل بعد سجود السجدتين في الركعة الأولى، ويريد أن ينهض ليأتي بالركعة الثانية، ولكن قبل أن ينهض ويستوي قائماً فإنه ينهض من سجوده إلى قعود، ثم ينهض إلى القيام من قعود لا من سجود.
ونجد بعض الفقهاء يقول: هذه الجلسة لا يجوز فعلها؛ لأنها زيادة في الصلاة، وكلمة استراحة تكون عن كسل، ولكن لا ينبغي وجود خلاف؛ لأنهم متفقون على أن هذه الفعلة هيئة من فعله ﷺ ، وعلى كل فإن السنة في هذه الصورة إذا سجد السجدتين في الركعة الأولى وأراد أن ينهض فلا ينهض من سجوده إلى قيامه، ولو تأملنا الحركة الطبيعية لإنسان ساجد: الجبهة والكفين في الأرض، ثم أردنا منه أن ينهض من سجوده قائماً، هل كل إنسان يستطيع أن يفعل هذا؟ ليس من السهل، لكن حينما ينهض من السجود إلى قعود؛ فهذه هيئة تتناسب مع طبيعة الإنسان، وأيسر له في قيامه من كونه يقوم من سجوده، والذين قالوا: إنها لا تجوز، وأنها عمل زائد عن الركوع والسجدتين، يجاب عنهم بأن النص جاء عنه ﷺ وهو يتمشى مع الإرفاق بالمصلي، ولا ينبغي أن يقال فيه: إنه عمل خارج عن الصلاة أو زائد عن الصلاة، بل نقول: إنه السنة، وكما قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
стр. 623
شرح حديث: (قنت شهراً بعد الركوع)
قال ﵀: [وعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ قنت شهراً بعد الركوع؛ يدعو على أحياء من العرب ثم تركه) ، متفق عليه] .
حديث أنس هذا أصح الأحاديث التي وردت في الباب، وأنس له عدة روايات في النوازل وفي غير النوازل، وله حديث أنه بعد الركوع، وحديث أنه قبل الركوع، فـ أنس له دور كبير في باب القنوت، وهذا الحديث هو من المتفق عليه.
(قنت ﷺ شهراً) ، أي الشهور هذا؟ إذاً: قبل ذلك لم يكن قنوت، وعليه فالقنوت ليس مشروعاً ابتداءً مع الصلاة، وإنما هو أمر عارض، وتاريخه أشار إليه أنس، ولكن في الجملة: (يدعو على أقوام) .
стр. 624
سبب قنوت النبي ﷺ على أحياء من العرب
يتفق الجميع بأن سبب مشروعية القنوت في النازلة التي قنت فيها ﷺ شهراً في الصلاة: أنه كان يدعو على أقوام، وتاريخ هذا القنوت وتلك النازلة بعد غزوة أحد بأربعة أشهر، وهي حادثة القراء، عندما جاء رجل من قبل نجد وعرض عليه النبي ﷺ الإسلام فلم يقبله ولم يبعد، ثم قال: يا رسول الله! لو أرسلت رجالاً قبل نجد يدعون إلى ما تدعو إليه لعلهم يجيبونك، قال: (أخشى عليهم أهل نجد؟ قال: أنا كافل لهم) ، فتخير ﷺ أربعين رجلاً من القراء، وليس معنى القراء: أصحاب التجويد المحترفين القراءة، لكن كان يقال لطلبة العلم ولحملة كتاب الله قراء؛ فأرسل ﷺ أربعين بإمرة رجل منهم، فلما جاءوا إلى بئر معونة قدموا خطاباً لـ أبي الطفيل، فلما رأى الخطاب وقبل أن يقرأه قتل هذا الصحابي، ثم استعان على الرفقة البقية بجماعته فأبوا عليه، وقالوا: قد أعطينا فلاناً عهداً في حفظهم يعنون الصحابة، فاستعان برعل وذكوان وعصية، فأجابوه، وكان القوم في مقيلهم، فإذا بهؤلاء الناس يحيطون بهم، فتناولوا سيوفهم وقاتلوا حتى قتلوا جميعاً، ما عدا رعيان الإبل ورجل كان ضمن الجرحى، فالرعيان رءوا الطيور تحوم حول المكان؟ فقالوا: ما حامت هذه الطيور إلا على شيء، فجاء اثنان ووجد أصحابهم على تلك الحالة، فقال واحد: نرجع إلى رسول الله نخبره، وقال الآخر: والله ما أذهب وأترك أصحابي، بل أموت على ما ماتوا عليه، وأخذ يقاتل القوم حتى قتل، والثاني أخذ أسيراً، والذي كان في الجرحى حسبوه من القتلى، ففي الليل تحامل على نفسه وجاء وأخبر رسول الله ﷺ ، فلما أخبر رسول الله حزن حزناً شديداً -كما في رواية البخاري ﵀ ثم أخذ يدعو عليهم.
وتعددت الروايات في هذا، فمنهم من يقول: (في الصلوات الخمس) ، ومنهم من يقول: (في المغرب والفجر) ومنهم من يقول: (في الفجر فقط) ، فنجد الروايات متعددة في موضع قنوت تلك النازلة.
إذاً: مبدئياً سبب وتاريخ مشروعية القنوت كان بعد أحد بأربعة أشهر، وبسبب مقتل القراء، فحزن عليهم ﷺ ، وأخذ يدعو على الذين قتلوهم.
وحديث أنس هذا أول حديث يورده المؤلف، وفي هذا لفت نظر طيب جداً؛ فبدأ بحديث بدء المشروعية، وعرفنا متى وجد القنوت ولأي سبب، ومما يتعلق بعلم الحديث: أن لفظ الحديث هنا يدعو على أحياء من العرب، وأحياء فيها عموم وخصوص عام من جهة عموم أفراد الحي، وخاص من جهة أنه ليس على العرب جميعاً.
стр. 625
بحث فيمن يحق له القنوت
هنا يأتي بحث الفقهاء: هل في القنوت يدعو الإمام على مجمل جماعة أم يسمي أفراداً بأعيانهم؟ هذا خاص بالإمام؛ لأن الرسول بصفته إمام المسلمين هو الذي دعا، ولا يجوز لفرد من أفراد الناس أن يدعو أو أن يقنت في النوازل بمفرده؛ لأن الرسول لم يأمر الناس أن يفعلوا، وفعله بنفسه، وهذه من أبحاث الحديث وفيها الخلاف، وجاء في بعض الأحاديث الأخرى: أن الرسول ﷺ في قنوته في بعض النوازل سمى أشخاصاً، مثل نازلة سلى الجزور في مكة، وفي أحد سمى: أبا سفيان وصفوان، فسمى أشخاصاً بأعيانهم، وقد يكون الدعاء في نازلة للمؤمنين بنصرهم وتأييدهم، وقالوا: روت عائشة وغيرها: (أن الرسول ﷺ قنت لغيبة عثمان حينما قيل: إنه قتل) ، فقنت ورفع يديه، ودعا لشخص بعينه.
(يدعو على أحياء من العرب) : أحياء جمع حي، وهم الجماعة القاطنون بمنزل مستقل، وجاءت تسميتهم بـ: رعل وذكوان وعصية.
وهم قبائل تلك المنطقة الذين طوقوا أولئك القراء وقتلوهم.
стр. 626
تحرير النزاع في حكم القنوت في الفجر
قال ﵀: [ولـ أحمد والدارقطني نحوه من وجه آخر، وزاد: (وأما في الصبح؛ فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا) .
] .
في حديث أنس: (قنت شهراً ثم ترك) لماذا؟ انتهت المهمة، وإلى هنا محل اتفاق، لكن بجمع أطراف الحديث وطرقه ورواياته زيادة على ما اتفق عليه البخاري ومسلم، فروى أحمد رواية أخرى: (أما الصبح ... ) ، ولماذا ذكر الصبح هنا، نفهم من قوله: (أما الصبح) أن القنوت السابق لمدة شهر في جميع الصلوات ثم ترك، أما الصبح وهو إحدى الصلوات الخمس فلم يزل يقنت فيها حتى فارق الدنيا.
إذاً: حديث أنس خاص في النوازل، وقوله: (حتى فارق الدنيا) عام في نوازل وغير نوازل، وحديث أنس فيه عموم الصلوات الخمس، وفيه خصوص صلاة الصبح، لكن نجد علماء الحديث يقولون: إن القنوت في النوازل فقط على ما جاء في المتفق عليه من حديث أنس، وينفون القنوت في غير النوازل، ففريق قال: أما الصبح فلا زال يقنت بصفة دائمة نوازل أم غير نوازل حتى فارق الدنيا، والآخرون يقولون: انتهت بانتهاء الشهر، ونتنبه إلى دقة مآخذ الفقهاء من الألفاظ في هذا السياق.
إذاً: انتهينا إلى مسألتين: الرواية المتفق عليها، وفيها القنوت في النوازل فقط، وهذا مما لم يختلف فيه أحد، والرواية التي عند أحمد زيادة على ما عند الشيخين، وفيها إثبات القنوت في الصبح خاصة، وهذا الذي أخذ به من أخذ أن القنوت في الصبح، وستأتي الأحاديث الأخرى تبين أن القنوت كان في الوتر، والشافعي والمالكية أخذوا من هذه الرواية القنوت في الصبح، وإن اختلفوا هل هو قبل الركوع كالمالكية، أم بعد الركوع كالشافعية، وسيأتي تفصيله إن شاء الله.
стр. 627
شرح حديث: (كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم)
قال: [وعنه ﵁: (أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم) صححه ابن خزيمة.
] .
أنس رجع مرة أخرى لقنوت النوازل، وهناك: (أما الصبح فلا زال يقنت حتى فارق) ، من هنا قال بعض العلماء: أنس يقول: ما كان يقنت إلا إذا دعا في النوازل، ولكن هذا الأثر يُعارض بآثار أخرى على ما سيأتي إن شاء الله، ويهمنا الروايات المختلفة عن أنس نفسه، وهنا قال: (إلا إذا دعا على قوم من الأعداء، أو دعا لقوم من المسلمين والمستضعفين) ، وكونه ﷺ يدعو على قوم في نازلة؛ فهذا محل اتفاق بين العلماء، وعلي رضي الله تعالى عنه كان في حربه مع أهل الشام، وعمر رضي الله تعالى عنه كان إذا أرسل جيشاً يدعو له ويقنت.
إذاً: القنوت في النوازل عند الدعاء لقوم أو على قوم ماضٍ في طريقه، وهو من عمل الخلفاء الراشدين.
стр. 628
شرح حديث: (أي بني! محدث)
قال: [وعن سعد بن طارق الأشجعي ﵁ قال: (قلت لأبي: يا أبت! إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بني! محدث) رواه الخمسة.
] .
هنا سؤال: أكانوا يقنتون في الفجر؟ وهو سؤال عن القنوت في تلك الأزمنة، وعن خصوص القنوت في الفجر، فقوله: (أي بني محدث) هل هو في الفجر أم في عموم القنوت؟ في الفجر؛ لأن عموم القنوت ثبت عندنا، إذاً: قوله: (أي بني محدث) منصب على كونه في الفجر، ولذا قال قوم: القنوت دعاء، وكلام البشر ينبغي أن يكون في النافلة لا في الفريضة، لكن إذا ثبت بأنه ﷺ كان يقنت في الصلوات الخمس، وليس في صلاة واحدة فلا حاجة لرده، ولذا يتكلم المؤلف وغيره على ضعف هذا الأثر.
стр. 629
شرح حديث: (علمني كلمات أقولهن في قنوت الفجر)
قال: [وعن الحسن بن علي ﵄ أنه قال: (علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر) .
] .
هذه لطيفة من لطائف المؤلف، فلما أورد (أي بني محدث) موجهة للصبح؛ أراد أن يبين لنا متى يكون، فجاء بحديث الحسن بن علي، وقنوت الوتر إذا ثبت لا ينفي قنوت الصبح، ولكن يهمنا أنه أثبت قنوتاً في الوتر، ومن هنا: أخذ الأحناف والحنابلة أن القنوت محله الوتر، وأخذ المالكية والشافعية أن القنوت محله الصبح، وبهذا يكون التسلسل مع المؤلف على هذا السياق.
ومن قوله (علمني كلمات أقولهن) : قال بعض العلماء: ينبغي ألا يتعدى الإنسان في قنوته على هذه الكلمات التي علمها رسول الله للحسن، وقالوا: هذا دعاء في الصلاة ينبغي أن يتقيد به المسلم، والآخرون قالوا: وهل نهى عن غيرها؟ قالوا: لا، قالوا: إذاً: علمنا، كما جاء في التشهد كان يعلمنا التحيات كما يعلمنا السورة من القرآن، ولما جاء معها (كما يعلمنا السورة من القرآن) هل تكون مثل هذه المطلقة؟ لا، هناك يجب أن يتقيد؛ لأن السورة من القرآن، لا يصح فيها الزيادة ولا النقص، بخلاف علمني، لا مانع أنه علمه هذه وقد يعلم غيره غيرها، لكن يهمنا ثبوت القنوت في الوتر، وبه أخذ من قال من الأئمة ﵏.
قال: (اللهم اهدني فيمن هديت) ، هذه ألفاظ يحفظها الشافعية خاصة ومن أخذ بهذا الدعاء، ومن أخذ بدعاء علي فإنه أوسع من ذلك، والذي يهمنا أنه جاء تعليم كلمات تقال في قنوت الوتر، وجوهر الموضوع عندنا إثبات القنوت في الوتر، وأن الرسول علم الحسن كلمات فيه، فإذا كان علم كلمات في قنوت الوتر فهذا دليل على إثبات القنوت في الوتر.
ومثله: (ماذا أقول إن أنا زرت المقابر؟ قال: قولي: ... ) وعلمها ما تقول، فهذا أخذ منه العلماء تقرير جواز زيارة النساء للمقابر ما لم يتكلمن بما هو مناف للشرع.
قال:: ( [اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تبارك ربنا وتعاليت) ، رواه الخمسة.
] .
أعتقد أن أمثال هذه الألفاظ مرت علينا مراراً، ولكن يهمنا الجديد فيها: (فإنك تقضي ولا يقضى عليك) ؛ لأنه سبحانه مالك الملك، وهو يجير ولا يجار عليه، فهذا من هذا الباب، ومن أجاره الله لا أحد يستطيع أن يصل إليه بشيء، (ولا يجار عليه) : لا يمكن لكل الخلائق في الدنيا أن يجيروا إنساناً من عذاب الله على الله، لا يقولون: يا رب لا تعذبه ونحن أجرناه! من أنت حتى تجير على الله؟.
قال: [وزاد الطبراني والبيهقي: (ولا يعز من عاديت) ، وزاد النسائي من وجه آخر في آخره: (وصلى الله تعالى على النبي) .
] .
كل هذه الزيادات موضع خلاف؛ فهناك من يقتصر على ما اتفق عليه ويترك ما انفرد به الراوي، ولكن القاعدة الأصولية والحديثية: زيادة الثقة مقبولة، فإذا جاء النسائي بزيادة: (وصلى الله على النبي) فهي مقبولة، وإذا وجدت قرائن وشواهد لها تكون مؤيدة أكثر، ونحن عندنا من آداب الدعاء ومن شروط قبوله: أن تبدأ فتحمد الله وتصلي على رسوله، وتختم أيضاً بالصلاة على رسوله؛ فإنه حري أن يستجاب لك.
إذاً: الزيادة التي زادها النسائي لا تعارض معها بل يوجد في عموم الأحاديث ما يؤيدها.
стр. 630
شرح حديث: (كان رسول الله يعلمنا دعاء ندعو به)
قال ﵀: [وللبيهقي عن ابن عباس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح) ، وفي سنده ضعف] .
الحسن يقول: (علمني كلمات أقولهن في قنوت الوتر) ، وهذا يقول: (ندعو به في القنوت من صلاة الصبح) ، وكما ذكرت لكم أن مبحث القنوت وجدت فيه آثار شبه متعارضة، منها ما يصح سندها، ومنها ما لا يصح، وما يثبت في موضع ينفى في موضع آخر، فهذا بعدما أثبت لنا كلمات في قنوت الوتر يأتينا بكلمات في قنوت الصبح.
ونجد الأئمة ﵏ يختلفون في مواقع القنوت، وهل يكون اختلافهم هذا من عندياتهم ومرئياتهم أم إزاء هذا السيل من الأحاديث؟ بل إزاء هذه الروايات، ومن أخذ برواية الوتر أو برواية الصبح هل يعاب عليه؟ لا، وهذا أهم ما يكون في المسألة.
وكنت أود لو تضاف هذه لمسائل ابن القيم ﵀ التي قال فيها: (ألفاظ الأذان والإقامة وأنواع -النسك الثلاثة- وضربات التيمم، لا ينبغي لإنسان أن يعترض على من أخذ ببعض الروايات فيها) ؛ فمن أخذ بالإفراد لا يعاب عليه، ومن أخذ بالتمتع لا يعاب عليه، ومن أخذ بالقران لا يعاب عليه؛ لأن في كل نوع من أنواع هذه الأنساك الثلاثة أحاديث صحيحة، وكذلك ألفاظ الأذان: جاء الأذان بالتربيع وبالتثنية، وجاءت الإقامة شفعاً ووتراً، فمن أخذ بالتثنية فلا يعاب عليه، ومن أخذ بالتربيع لا يعاب عليه، ومن تيمم بضربة فلا يعاب عليه، ومن تيمم بضربتين فلا يعاب عليه، وأقول كذلك: تضاف إليه هذه المسألة: من قنت في الوتر لا يعاب عليه، ومن قنت في الصبح لا يعاب عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 631
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [١٠]
التشهد في الصلاة ركن من أركانها أو واجب من واجباتها على خلاف بين العلماء، وقد اشتمل على معان عظيمة ينبغي للمسلم تأملها وتدبرها.
стр. 632
شرح حديث: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) ، أخرجه الثلاثة، وهو أقوى من حديث وائل بن حجر: (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) ، أخرجه الأربعة، فإن للأول شاهداً من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقاً موقوفاً] .
هذا الحديث وما يأتي بعده يتناول هيئة من هيئات الصلاة ألا وهي: حالة الهوي إلى السجود، وقدم المؤلف رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) ، إلى هنا نص الحديث، وإلى هنا أداء المعنى المطلوب في هذا التشبيه، تأتي الزيادة: (وليضع يديه قبل ركبتيه) ، هذه الزيادة أوجدت عند العلماء الخلاف، حتى قال ابن القيم: إن في الحديث قلباً، ودعوى القلب أو الغلط في الحديث تشوش، وإذا انقلب اللفظ في هذه الرواية فقد ينقلب في غيرها، ونأتي إن شاء الله بشيء من التفصيل في هذه المسألة.
ونقدم قبل كل شيء: بأن هوي المصلي بعد رفعه من الركوع إلى السجدة بأية حالة من الحالات لا يتعارض مع صحة الصلاة في شيء، إن نزل على ركبتيه أو كفيه فالصلاة صحيحة، ولا يمكن أن ينزل على رأسه أو مرفقيه؛ إما أن ينزل على كفيه أو ركبتيه، ولا تخرج حالة المصلي من هذه، والحالات الأخرى التي للرياضيين غير داخلة في الصلاة.
قوله ﷺ : (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) ، لو جئنا إلى هذه الصورة فقط: كيف يبرك البعير؟ في هذه الصورة التشبيه العملي بصورة البعير، وكل إنسان قد رأى بعيراً يبرك، وكل حيوان من ذوات الأربع عنده أربعة أرجل، لكن نحن نسمي المقدمتين اليدين، والمؤخرتين الرجلين، ويقولون في الزرافة: طويلة اليدين قصيرة الرجلين، وكلهن أرجل.
فإذا كان البعير بصورته العملية عند بروكه لا ينزل بالخلفيتين ولكن ينزل بالمقدمة، نسميها رجلين، فبروك البعير: أن يقدم المقدمتين اللتين نسميها في غيره اليدين، إذاً: هو لا يبرك كما يبرك البعير، فمن نزل إلى السجدة على يديه يكون برك بروك البعير وخالف الحديث؛ فإذا نزل إلى السجدة بركبتيه وبدأ بالخلفيتين، -أي: القدمين المقابلة في البعير بالخلفيتين- فإذا نزل على ركبتيه من قدميه خالف البعير وصادق الحديث.
إذا اكتفينا إلى هذا القدر نكون قد انتهينا من المشكلة وتم الحديث، ولكن جاءت عبارة: (وليضع) ، وكأنها تفصيل للمنهي عنه، (وليضع يديه قبل ركبتيه) فإذا وضع يديه قبل ركبتيه يكون شابه البعير وكأن الحديث يناقض آخره أوله، (لا يبرك كما يبرك البعير وليقدم يديه) ؛ لأن البعير يقدم يديه.
ولهذا التعارض يرى بعض الناس أن قوله: (وليضع) سائلة فيحاول أن يلغيها؛ لأنها ستأتينا بإشكال فتتعارض مع المتفق عليه عندهم وتنقض الصورة المتقدمة، وبعضهم أعلّ الحديث بها، وهو ظاهر البخاري ﵀ في صنيعه كما أشار إليه المؤلف بأن حديث وائل بن حجر له شاهد، وحديث وائل يتعارض مع حديث أبي هريرة في: (وليضع) ، ولكن البخاري قال: وابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه، إذاً: هناك مناقشة، وإيرادات على كلمة: (وليضع) ، فمنهم من يلغيها، ويقول: إنها مدرجة في الحديث، ومنهم من يُعل بها الحديث، وذكروا ذلك ونسبوه للبخاري، وهو لم يذكر الحديث ولكن نسب إلى ابن عمر الفعل موقوفاً عليه، وسنأتي له على الكلام على حديث وائل لاحقاً.
فنحن الآن نأخذ الجزء الأول من الحديث وندع لفظه: (وليضع) ، مع حديث وائل، مع ما نسب إلى ابن عمر موقوفاً عليه، ونص الحديث: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) : يقتضي أن الإنسان لا يقدم يديه، وبهذا النص يأتي حديث وائل بن حجر: (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) ، ووضع الركبتين مخالف البروك البعير.
إذاً: حديث وائل يتفق مع حديث أبي هريرة في أن الإنسان لا يقدم اليدين، قبل: (وليضع) .
فإذا جئنا إلى كلام المؤلف قال: وإن الأول -يعني: حديث أبي هريرة - له شاهد مما ساقه البخاري تعليقاً بدون سند: وكان ابن عمر يضع يديه، أعتقد أننا كطلبة علم فعلاً نتساءل، هل هذا فعل عموم الصحابة أم خاص من ابن عمر؟ النص هنا: (وكان ابن عمر) أين بقية الصحابة؟ إذاً ممكن أن نقول: إن هذا الصنيع من البخاري يشعر بأن فعل ابن عمر إما أنه مقصور عليه أو أنه قليل جداً، وأنه تخير ابن عمر من ضمن من يرى ذلك، ويكون بقية الصحابة على خلاف هذا، وإلا لو كانوا يفعلون مثله ما خصينا ابن عمر بالذكر، ويقال: (وكانوا يضعون) كما هو الحال في كثير من العبارات عندما يكون العمل عاماً، وعلى هذا يكون فعل ابن عمر في جانب، وحديث أبي هريرة دون (وليضع) مع حديث وائل بن حجر معاً في جانب، وبقي كلمة: (وليضع) فإن قلنا: إنها مدرجة، ولما سببت هذا الاضطراب نلغيها، وإن قلنا: واردة لا يمكن أن نلغيها، ولا نملك أن نلغي شيئاً ثابتاً ولو عن الصحابي، واضطروا إلى أن يقولوا -كما يذكرون عن ابن القيم في الهدي- وقع في الحديث قلب والأصل فيه (وليضع ركبتيه قبل يديه) ، لكن نحن عندنا النص: (وليضع كفيه) ، فنحن نأتي بالقلب حتى يتفق معنى الحديث آخره مع أوله، ويتفق حديث أبي هريرة مع حديث وائل، وعندها لن يبقى أي مخالفة إلا فعل ابن عمر، ويمكن أن نقول: هذا رأي ابن عمر، ورأي بقية الصحابة مع الحديثين، والقضية منتهية على هذا الحد، وتكون المسألة قريبة، ولا خلاف فيها بعيد.
وإذا قفزنا قفزة إلى الأمام وجئنا إلى المذاهب الأربعة: وجدنا الأئمة الثلاثة أبا حنيفة والشافعي وأحمد ﵏ على حديث أبي هريرة وحديث وائل، والرواية عن مالك مختلفة، فأصحاب مذهبه -كما ينص في الشرح الصغير- على أن من مندوبات الصلاة: أن يضع كفيه قبل ركبتيه، فلنجعل هذا الرأي مع ابن عمر ونجعل المذاهب الثلاثة مع الحديثين.
ونعلم جميعاً كما قدمنا: أنها هيئة من هيئات الصلاة، ولكن هل كل الناس في هويهم إلى السجود سواء، وهل الإنسان في ذاته وفي جميع حالاته سواء، ولذا يقول العلماء: إن هذه الحالة ينظر فيها إلى ما يناسب المصلي، ولو أن إنساناً بدين الجسم كبير السن وحركة النزول على أعصابه صعبة، ويشد أرجله حتى ينزل على ركبتيه، وأراد أن يقدم كفيه ليستريح في النزول، وهل نقول له: لا، قدم ركبتيك؟ لا، إنسان نشيط وبحركة عادية يمكن أن يفعل هذا ويفعل هذا، نقول له: ماذا ترجح عندك؟ عندك حديث أبي هريرة بدون (وليضع) وحديث وائل، وعندك انفراد ابن عمر فقط بأنه كان يضع كفيه قبل ركبتيه، ماذا تختار؟ لو أن المسألة بالمكيال أو بالميزان نجد كفة أوفى في الكيل وأرجح في الوزن.
إذاً: على هذا لا ينبغي أن نطيل النقاش في هذه المسألة، ولا حاجة إلى أن نكثر ونقول: حصل في الحديث قلب أو انقلب على الراوي، وأهون عندي أن نقول: إن الرواية مضطربة من أن ندعي بأن هناك انقلاباً في الرواية من حديث رسول الله يقلبه الصحابي علينا؛ لأنه يفتح باب شر في تغيير الروايات عن رسول الله ﷺ ، وأول الحديث يغني عنها، والله تعالى أعلم.
стр. 633
شرح حديث: (كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى)
قال ﵀: [وعن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين، وأشار بإصبعه السبابة) رواه مسلم، وفي رواية له: (وقبض أصابعه كلها وأشار بالتي تلي الإبهام) ] .
هذه هيئة الجلوس في التشهد (وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى) ، ولم يجلس على فخذه لا قابضاً ولا مرسلاً ولا بين فخذيه.
(وعقد) العقد في الحساب عند المتقدمين، هو علم قد اندثر، وكان لهم في الحساب من بُعد بالإشارة رموز لم يبق عندنا منها إلا ما حفظه لنا هذا الحديث، والأصابع الخمسة كل واحد عقد فهو عشرة، عشرين، ثلاثين، أربعين، خمسين، (ثلاثاً وخمسين) ، والثلاث دون العقد كانوا يرمزون إليها، كما جاء في الحديث، والإبهام مع الوسطى تلي السبابة، والوسطى بالنسبة للأصابع هي الثالثة، فلما جاء العقد بالإبهام وهو الخامس كان العقد خمسين، فيأتي بالإصبع الذي هو العقد على المفردات، ويضع الإبهام على الوسطى وينصب السبابة، وفي بعض الروايات: (حلّق بين الإبهام والوسطى) ، حلّق، أي: عمل حلقة، والأولى أن تكون بطن الإبهام على جانب الوسطى أو تحتها، والمشهور فوقها، فالإبهام مع الوسطى تشكل العدد، والسبابة يشير بها، بقي عندنا الخنصر والبنصر، كيف يكون وضعهما؟ بعضهم يقول: مقبوضتان على الركبة، وبعضهم يقول: أصل اليد اليمنى على الركبة مفرجة الأصابع، فإذا عقد يبقى الإصبعان الأول والثاني منفردين ويقبض الإبهام والوسطى ويشير بالسبابة، ولكن قبض الإصبعين مع هذا العقد والإشارة بالسبابة قد يكون أيسر.
ويأتي خلاف عند الفقهاء هو: متى يعقد وإلى متى؟ والسبابة هل تتحرك أم أنها ساكنة؟ ونجد للأسف أن هناك في بعض الجهات من يرى في إشارة السبابة جناية، وقد يسيئون إلى من يفعل ذلك، وقد يدعون بطلان الصلاة، ولكن الآخرون يقولون: هذا العمل للسبابة لأنها في اتصال خلقتها بعروقها وأعصابها لها علاقة في التكوين بنياط القلب، فإذا ما تحركت نبهت القلب حتى لا يقع في غفلة ولا نسيان وهذا داخل في علم التشريح، والله تعالى أعلم.
إن لم يكن هناك نص صحيح صريح مرفوع إلى الصادق المصدوق ﷺ فهي قابلة للنقاش، والبعض الآخر يقول: هي حركة لئلا يغفل أو ينام؛ لأنه ما دام يحرك أصبعه فإنه ليس بنائم؛ لأن النوم يغطي الأعصاب، ولكن لا نقول هذا ولا ذاك، نقول: السنة جاءت بهذه الصورة وبهذه الهيئة: أن الإنسان في التشهد إذا جلس فيده اليسرى على ركبته اليسرى، ويده اليمنى على ركبته اليمنى عاقداً (ثلاثاً وخمسين) ، وأخذها لاحق عن سابق بأن وضع الإبهام ببطنها على جانب الوسطى، وإصبع يقولون فيها أكثر من عشر لغات: أُصبع، وإِصبع، وأُصباع، وأصبوع.
إلخ.
وبعضهم يقول: يضع يده إلى أن يقرأ في التشهد أشهد أن لا إله إلا الله، وعندها يرفع إصبعه كأنه يشير بالإصبع الواحدة إلى حقيقة الوحدانية، وإذا كان الأمر كذلك فلعل هذا التعليل يكون أقرب ومناسب للفظ، أما كونه متعلق بنياط القلب أو كونه لا يغفل أو لا ينعس فهذه أشياء الله أعلم بها، فهو يشير إلى الوحدانية، كما أشارت الجارية لما سألها رسول الله ﷺ : (أين الله؟ أشارت إلى السماء) ، فتكون الإشارة رمز وبيان للاعتراف عملياً بالنطق مع الفعل: أشهد أن لا إله إلا الله.
وإلى متى يظل هذا الإصبع هكذا؟ قالوا: حتى إذا انتهى من التشهد، وبعضهم يقول: ينتهي من الشهادتين يرد الإصبع إلى ما كانت عليه، والبعض يقول: إلى أن يسلم، ومهما يكن من شيء أيها الإخوة -كما أشرنا- فإنها هيئة من هيئات الصلاة لا يتوقف عليها صحة ولا بطلان، ولكنها السنة وينبغي على المسلم أن يتحرى في صلاته فعل السنة لقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
стр. 634
شرح حديث تشهد ابن مسعود
قال ﵀: [وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك -أيها النبي- ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وللنسائي: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) .
ولـ أحمد: (أن النبي ﷺ علمه التشهد وأمره أن يعلم الناس) ] .
التشهد جاءت فيه أحاديث تعليمية، منها حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، بعض روايته: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن) ، وجاءت ألفاظ عديدة في التشهد، ومن الروايات المتعددة أيضاً صيغة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، وسيأتي زيادة إيضاح فيما يتعلق بلفظي الصلاة والتسليم، كما جاء عن كعب بن عجرة: أنه أتى أهل قباء فقال: (يا أهل قباء! ألا أهدي لكم هدية؟ قالوا: بلى، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فسأله رجل: يا رسول الله! عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟) ، وكانوا في السابق يقولون: السلام على الله، السلام على عباد الله الصالحين، فقال ﷺ : (لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقالوا: عرفنا كيف نسلم، فعلمنا كيف نصلي -وفي بعض الروايات: كيف نصلي عليك- إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال: قولوا) وعلمهم الصلاة الإبراهيمية، فهنا فضيلة العلم والتناوب فيه، فهذا رجل من أهل قباء حضر مجلس رسول الله ﷺ وسمع فيه علمه، فذهب به وأهداه إلى أهله وقومه، وأي هدية أعظم من التعليم في الدين.
إذاً: التحيات أو التشهد أخذ حيزاً في النصوص.
стр. 635
معنى (التحيات) ولزوم صرفها لله خاصة
التحيات: جمع تحية، والتحية التكريم قولاً وفعلاً، وهو في الصلاة قول، وتشمل كل عبارات التحية من الحمد والثناء والعرفان بالجميل والتكريم كل أنواع التحيات لله وحده، والتحية لله موقعها موقع الحمد لله؛ فهو لا يكون إلا لكامل الذات والصفات، وليس ذلك إلا لله سبحانه؛ لكمال ذاته وصفاته، وكذلك التحيات لله، وموجب ذلك موجود؛ لأن الله صاحب الإنعام، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] والإنس فرد من أفراد العوالم، والجن فرد من أفراد العوالم، والنباتات، والحيوانات، فربوبية الله للمخلوقين كلها لله، فاستحق الحمد، وكل ما جاء للإنسان من إنعام ابتداء من إيجاده من العدم ثم هدايته أو إنعامه عليه بالإسلام والتوفيق إلى تلك الصلاة التي هو يصليها، وكل ما كان من إنعام في الدنيا وفي الآخرة من الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ، وكما أنك في الفاتحة تقول: ﴿الْحَمْدُ﴾ [الفاتحة:٢] ، أي: كل الحمد مجموع لله رب العالمين؛ فأنت في التحيات تقول: التحيات لله.
следующие страницы →