← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [١٠] التشهد في الصلاة ركن من أركانها أو واجب من واجباتها على خلاف بين العلماء، وقد اشتمل على معان عظيمة ينبغي للمسلم تأملها وتدبرها.

стр. 632

شرح حديث: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) ، أخرجه الثلاثة، وهو أقوى من حديث وائل بن حجر: (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) ، أخرجه الأربعة، فإن للأول شاهداً من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقاً موقوفاً] . هذا الحديث وما يأتي بعده يتناول هيئة من هيئات الصلاة ألا وهي: حالة الهوي إلى السجود، وقدم المؤلف رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) ، إلى هنا نص الحديث، وإلى هنا أداء المعنى المطلوب في هذا التشبيه، تأتي الزيادة: (وليضع يديه قبل ركبتيه) ، هذه الزيادة أوجدت عند العلماء الخلاف، حتى قال ابن القيم: إن في الحديث قلباً، ودعوى القلب أو الغلط في الحديث تشوش، وإذا انقلب اللفظ في هذه الرواية فقد ينقلب في غيرها، ونأتي إن شاء الله بشيء من التفصيل في هذه المسألة. ونقدم قبل كل شيء: بأن هوي المصلي بعد رفعه من الركوع إلى السجدة بأية حالة من الحالات لا يتعارض مع صحة الصلاة في شيء، إن نزل على ركبتيه أو كفيه فالصلاة صحيحة، ولا يمكن أن ينزل على رأسه أو مرفقيه؛ إما أن ينزل على كفيه أو ركبتيه، ولا تخرج حالة المصلي من هذه، والحالات الأخرى التي للرياضيين غير داخلة في الصلاة. قوله ﷺ : (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) ، لو جئنا إلى هذه الصورة فقط: كيف يبرك البعير؟ في هذه الصورة التشبيه العملي بصورة البعير، وكل إنسان قد رأى بعيراً يبرك، وكل حيوان من ذوات الأربع عنده أربعة أرجل، لكن نحن نسمي المقدمتين اليدين، والمؤخرتين الرجلين، ويقولون في الزرافة: طويلة اليدين قصيرة الرجلين، وكلهن أرجل. فإذا كان البعير بصورته العملية عند بروكه لا ينزل بالخلفيتين ولكن ينزل بالمقدمة، نسميها رجلين، فبروك البعير: أن يقدم المقدمتين اللتين نسميها في غيره اليدين، إذاً: هو لا يبرك كما يبرك البعير، فمن نزل إلى السجدة على يديه يكون برك بروك البعير وخالف الحديث؛ فإذا نزل إلى السجدة بركبتيه وبدأ بالخلفيتين، -أي: القدمين المقابلة في البعير بالخلفيتين- فإذا نزل على ركبتيه من قدميه خالف البعير وصادق الحديث. إذا اكتفينا إلى هذا القدر نكون قد انتهينا من المشكلة وتم الحديث، ولكن جاءت عبارة: (وليضع) ، وكأنها تفصيل للمنهي عنه، (وليضع يديه قبل ركبتيه) فإذا وضع يديه قبل ركبتيه يكون شابه البعير وكأن الحديث يناقض آخره أوله، (لا يبرك كما يبرك البعير وليقدم يديه) ؛ لأن البعير يقدم يديه. ولهذا التعارض يرى بعض الناس أن قوله: (وليضع) سائلة فيحاول أن يلغيها؛ لأنها ستأتينا بإشكال فتتعارض مع المتفق عليه عندهم وتنقض الصورة المتقدمة، وبعضهم أعلّ الحديث بها، وهو ظاهر البخاري ﵀ في صنيعه كما أشار إليه المؤلف بأن حديث وائل بن حجر له شاهد، وحديث وائل يتعارض مع حديث أبي هريرة في: (وليضع) ، ولكن البخاري قال: وابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه، إذاً: هناك مناقشة، وإيرادات على كلمة: (وليضع) ، فمنهم من يلغيها، ويقول: إنها مدرجة في الحديث، ومنهم من يُعل بها الحديث، وذكروا ذلك ونسبوه للبخاري، وهو لم يذكر الحديث ولكن نسب إلى ابن عمر الفعل موقوفاً عليه، وسنأتي له على الكلام على حديث وائل لاحقاً. فنحن الآن نأخذ الجزء الأول من الحديث وندع لفظه: (وليضع) ، مع حديث وائل، مع ما نسب إلى ابن عمر موقوفاً عليه، ونص الحديث: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) : يقتضي أن الإنسان لا يقدم يديه، وبهذا النص يأتي حديث وائل بن حجر: (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) ، ووضع الركبتين مخالف البروك البعير. إذاً: حديث وائل يتفق مع حديث أبي هريرة في أن الإنسان لا يقدم اليدين، قبل: (وليضع) . فإذا جئنا إلى كلام المؤلف قال: وإن الأول -يعني: حديث أبي هريرة - له شاهد مما ساقه البخاري تعليقاً بدون سند: وكان ابن عمر يضع يديه، أعتقد أننا كطلبة علم فعلاً نتساءل، هل هذا فعل عموم الصحابة أم خاص من ابن عمر؟ النص هنا: (وكان ابن عمر) أين بقية الصحابة؟ إذاً ممكن أن نقول: إن هذا الصنيع من البخاري يشعر بأن فعل ابن عمر إما أنه مقصور عليه أو أنه قليل جداً، وأنه تخير ابن عمر من ضمن من يرى ذلك، ويكون بقية الصحابة على خلاف هذا، وإلا لو كانوا يفعلون مثله ما خصينا ابن عمر بالذكر، ويقال: (وكانوا يضعون) كما هو الحال في كثير من العبارات عندما يكون العمل عاماً، وعلى هذا يكون فعل ابن عمر في جانب، وحديث أبي هريرة دون (وليضع) مع حديث وائل بن حجر معاً في جانب، وبقي كلمة: (وليضع) فإن قلنا: إنها مدرجة، ولما سببت هذا الاضطراب نلغيها، وإن قلنا: واردة لا يمكن أن نلغيها، ولا نملك أن نلغي شيئاً ثابتاً ولو عن الصحابي، واضطروا إلى أن يقولوا -كما يذكرون عن ابن القيم في الهدي- وقع في الحديث قلب والأصل فيه (وليضع ركبتيه قبل يديه) ، لكن نحن عندنا النص: (وليضع كفيه) ، فنحن نأتي بالقلب حتى يتفق معنى الحديث آخره مع أوله، ويتفق حديث أبي هريرة مع حديث وائل، وعندها لن يبقى أي مخالفة إلا فعل ابن عمر، ويمكن أن نقول: هذا رأي ابن عمر، ورأي بقية الصحابة مع الحديثين، والقضية منتهية على هذا الحد، وتكون المسألة قريبة، ولا خلاف فيها بعيد. وإذا قفزنا قفزة إلى الأمام وجئنا إلى المذاهب الأربعة: وجدنا الأئمة الثلاثة أبا حنيفة والشافعي وأحمد ﵏ على حديث أبي هريرة وحديث وائل، والرواية عن مالك مختلفة، فأصحاب مذهبه -كما ينص في الشرح الصغير- على أن من مندوبات الصلاة: أن يضع كفيه قبل ركبتيه، فلنجعل هذا الرأي مع ابن عمر ونجعل المذاهب الثلاثة مع الحديثين. ونعلم جميعاً كما قدمنا: أنها هيئة من هيئات الصلاة، ولكن هل كل الناس في هويهم إلى السجود سواء، وهل الإنسان في ذاته وفي جميع حالاته سواء، ولذا يقول العلماء: إن هذه الحالة ينظر فيها إلى ما يناسب المصلي، ولو أن إنساناً بدين الجسم كبير السن وحركة النزول على أعصابه صعبة، ويشد أرجله حتى ينزل على ركبتيه، وأراد أن يقدم كفيه ليستريح في النزول، وهل نقول له: لا، قدم ركبتيك؟ لا، إنسان نشيط وبحركة عادية يمكن أن يفعل هذا ويفعل هذا، نقول له: ماذا ترجح عندك؟ عندك حديث أبي هريرة بدون (وليضع) وحديث وائل، وعندك انفراد ابن عمر فقط بأنه كان يضع كفيه قبل ركبتيه، ماذا تختار؟ لو أن المسألة بالمكيال أو بالميزان نجد كفة أوفى في الكيل وأرجح في الوزن. إذاً: على هذا لا ينبغي أن نطيل النقاش في هذه المسألة، ولا حاجة إلى أن نكثر ونقول: حصل في الحديث قلب أو انقلب على الراوي، وأهون عندي أن نقول: إن الرواية مضطربة من أن ندعي بأن هناك انقلاباً في الرواية من حديث رسول الله يقلبه الصحابي علينا؛ لأنه يفتح باب شر في تغيير الروايات عن رسول الله ﷺ ، وأول الحديث يغني عنها، والله تعالى أعلم.

стр. 633

شرح حديث: (كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى) قال ﵀: [وعن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين، وأشار بإصبعه السبابة) رواه مسلم، وفي رواية له: (وقبض أصابعه كلها وأشار بالتي تلي الإبهام) ] . هذه هيئة الجلوس في التشهد (وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى) ، ولم يجلس على فخذه لا قابضاً ولا مرسلاً ولا بين فخذيه. (وعقد) العقد في الحساب عند المتقدمين، هو علم قد اندثر، وكان لهم في الحساب من بُعد بالإشارة رموز لم يبق عندنا منها إلا ما حفظه لنا هذا الحديث، والأصابع الخمسة كل واحد عقد فهو عشرة، عشرين، ثلاثين، أربعين، خمسين، (ثلاثاً وخمسين) ، والثلاث دون العقد كانوا يرمزون إليها، كما جاء في الحديث، والإبهام مع الوسطى تلي السبابة، والوسطى بالنسبة للأصابع هي الثالثة، فلما جاء العقد بالإبهام وهو الخامس كان العقد خمسين، فيأتي بالإصبع الذي هو العقد على المفردات، ويضع الإبهام على الوسطى وينصب السبابة، وفي بعض الروايات: (حلّق بين الإبهام والوسطى) ، حلّق، أي: عمل حلقة، والأولى أن تكون بطن الإبهام على جانب الوسطى أو تحتها، والمشهور فوقها، فالإبهام مع الوسطى تشكل العدد، والسبابة يشير بها، بقي عندنا الخنصر والبنصر، كيف يكون وضعهما؟ بعضهم يقول: مقبوضتان على الركبة، وبعضهم يقول: أصل اليد اليمنى على الركبة مفرجة الأصابع، فإذا عقد يبقى الإصبعان الأول والثاني منفردين ويقبض الإبهام والوسطى ويشير بالسبابة، ولكن قبض الإصبعين مع هذا العقد والإشارة بالسبابة قد يكون أيسر. ويأتي خلاف عند الفقهاء هو: متى يعقد وإلى متى؟ والسبابة هل تتحرك أم أنها ساكنة؟ ونجد للأسف أن هناك في بعض الجهات من يرى في إشارة السبابة جناية، وقد يسيئون إلى من يفعل ذلك، وقد يدعون بطلان الصلاة، ولكن الآخرون يقولون: هذا العمل للسبابة لأنها في اتصال خلقتها بعروقها وأعصابها لها علاقة في التكوين بنياط القلب، فإذا ما تحركت نبهت القلب حتى لا يقع في غفلة ولا نسيان وهذا داخل في علم التشريح، والله تعالى أعلم. إن لم يكن هناك نص صحيح صريح مرفوع إلى الصادق المصدوق ﷺ فهي قابلة للنقاش، والبعض الآخر يقول: هي حركة لئلا يغفل أو ينام؛ لأنه ما دام يحرك أصبعه فإنه ليس بنائم؛ لأن النوم يغطي الأعصاب، ولكن لا نقول هذا ولا ذاك، نقول: السنة جاءت بهذه الصورة وبهذه الهيئة: أن الإنسان في التشهد إذا جلس فيده اليسرى على ركبته اليسرى، ويده اليمنى على ركبته اليمنى عاقداً (ثلاثاً وخمسين) ، وأخذها لاحق عن سابق بأن وضع الإبهام ببطنها على جانب الوسطى، وإصبع يقولون فيها أكثر من عشر لغات: أُصبع، وإِصبع، وأُصباع، وأصبوع. إلخ. وبعضهم يقول: يضع يده إلى أن يقرأ في التشهد أشهد أن لا إله إلا الله، وعندها يرفع إصبعه كأنه يشير بالإصبع الواحدة إلى حقيقة الوحدانية، وإذا كان الأمر كذلك فلعل هذا التعليل يكون أقرب ومناسب للفظ، أما كونه متعلق بنياط القلب أو كونه لا يغفل أو لا ينعس فهذه أشياء الله أعلم بها، فهو يشير إلى الوحدانية، كما أشارت الجارية لما سألها رسول الله ﷺ : (أين الله؟ أشارت إلى السماء) ، فتكون الإشارة رمز وبيان للاعتراف عملياً بالنطق مع الفعل: أشهد أن لا إله إلا الله. وإلى متى يظل هذا الإصبع هكذا؟ قالوا: حتى إذا انتهى من التشهد، وبعضهم يقول: ينتهي من الشهادتين يرد الإصبع إلى ما كانت عليه، والبعض يقول: إلى أن يسلم، ومهما يكن من شيء أيها الإخوة -كما أشرنا- فإنها هيئة من هيئات الصلاة لا يتوقف عليها صحة ولا بطلان، ولكنها السنة وينبغي على المسلم أن يتحرى في صلاته فعل السنة لقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) .

стр. 634

شرح حديث تشهد ابن مسعود قال ﵀: [وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك -أيها النبي- ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) متفق عليه، واللفظ للبخاري. وللنسائي: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) . ولـ أحمد: (أن النبي ﷺ علمه التشهد وأمره أن يعلم الناس) ] . التشهد جاءت فيه أحاديث تعليمية، منها حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، بعض روايته: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن) ، وجاءت ألفاظ عديدة في التشهد، ومن الروايات المتعددة أيضاً صيغة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، وسيأتي زيادة إيضاح فيما يتعلق بلفظي الصلاة والتسليم، كما جاء عن كعب بن عجرة: أنه أتى أهل قباء فقال: (يا أهل قباء! ألا أهدي لكم هدية؟ قالوا: بلى، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فسأله رجل: يا رسول الله! عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟) ، وكانوا في السابق يقولون: السلام على الله، السلام على عباد الله الصالحين، فقال ﷺ : (لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقالوا: عرفنا كيف نسلم، فعلمنا كيف نصلي -وفي بعض الروايات: كيف نصلي عليك- إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال: قولوا) وعلمهم الصلاة الإبراهيمية، فهنا فضيلة العلم والتناوب فيه، فهذا رجل من أهل قباء حضر مجلس رسول الله ﷺ وسمع فيه علمه، فذهب به وأهداه إلى أهله وقومه، وأي هدية أعظم من التعليم في الدين. إذاً: التحيات أو التشهد أخذ حيزاً في النصوص.

стр. 635

معنى (التحيات) ولزوم صرفها لله خاصة التحيات: جمع تحية، والتحية التكريم قولاً وفعلاً، وهو في الصلاة قول، وتشمل كل عبارات التحية من الحمد والثناء والعرفان بالجميل والتكريم كل أنواع التحيات لله وحده، والتحية لله موقعها موقع الحمد لله؛ فهو لا يكون إلا لكامل الذات والصفات، وليس ذلك إلا لله سبحانه؛ لكمال ذاته وصفاته، وكذلك التحيات لله، وموجب ذلك موجود؛ لأن الله صاحب الإنعام، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] والإنس فرد من أفراد العوالم، والجن فرد من أفراد العوالم، والنباتات، والحيوانات، فربوبية الله للمخلوقين كلها لله، فاستحق الحمد، وكل ما جاء للإنسان من إنعام ابتداء من إيجاده من العدم ثم هدايته أو إنعامه عليه بالإسلام والتوفيق إلى تلك الصلاة التي هو يصليها، وكل ما كان من إنعام في الدنيا وفي الآخرة من الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ، وكما أنك في الفاتحة تقول: ﴿الْحَمْدُ﴾ [الفاتحة:٢] ، أي: كل الحمد مجموع لله رب العالمين؛ فأنت في التحيات تقول: التحيات لله.

стр. 636

معنى قوله: (والصلوات الطيبات) قوله: [والصلوات والطيبات] . الصلوات: جمع صلاة، كما قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٥٦] ، وأصل الصلاة في اللغة الدعاء، كما قال ذاك: وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم يعني: دعا عليه ألا يفسد، وكذلك ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] ، يعني: وادع لهم، فالصلاة من العبد دعاء، فتدعو الله لمن تصلي عليه، (اللهم صلِّ على آل أبي أوفى) ، يعني: ارحمهم وأكرمهم، والصلاة من الله على العبد رحمة وإكرام، (من صلى عليّ مرة صلى الله عليه بها عشراً) . وجاء معها الطيبات، وهي كل الأفعال الطيبات من عبادة بدنية، أو مالية، أو كلمة طيبة كل الطيبات ترجع إلى الله، والله هو الذي يثيب عليها، وهي أيضاً لله يمنحها من شاء والطيبات لله.

стр. 637

السلام على النبي ﷺ ومعانيه قوله: [السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته] . هذه الجملة تكلم بها الرسول أمام ابن مسعود، ولماذا لم يقل بدلاً عنها: (السلام عليّ) ، عليك راجعة لمن؟ وعليّ راجعة لمن؟ لأن عليك كاف خطاب من المتكلم إلى المخاطب، وعليّ من المتكلم إلى نفسه، وهنا يعلمهم ماذا يقولون، فلو قال: السلام علي، فلو أن إنساناً قال: السلام عليّ، يكون بهذا سلم على نفسه، ولكن الرسول ﷺ هنا ما قال: (ثم صلوا عليّ) ، فهو يعلمنا أنه جرد من نفسه شخصية التعليم، بالنسبة لصاحب الرسالة ﷺ ، فقال: قولوا: (السلام عليك أيها النبي) ، صحيح أنا النبي، ولكن واجب عليكم أنتم أن تسلموا على النبي ﵊. إذاً: علمهم عندما كانوا موجودين أن يخاطبوه، سواء كان موجوداً عنده أو من غاب عنه، وكيف يخاطب من انتقل إلى الرفيق الأعلى، والخطاب لكل موجود؟ قال بعضهم: نقول: (السلام على النبي ورحمة الله وبركاته) ولا تقل: (السلام عليك) ؛ لأن هذه كاف الخطاب، وتكون للحاضر الموجود. لا والله؛ لأنك حينما تقول: السلام عليك أيها النبي، ذهنك وشعورك وقلبك وروحك وإحساسك يتصور شخصية رسول الله وكأنك تخاطبه، وتجدد العهد بإيمانك، وتقوي الصلة برسول الله ﷺ ؛ فهو وإن لم يكن حاضراً عندك في مجلسك فهو حاضر في قلبك وإيمانك حيثما كنت في الدنيا كلها، فأنت تخاطب من آمنت به: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا تصح عبارة أخرى قطعاً. ثم نجد أن بعض العقلانيين يقولون: أنتم في القرآن في السور الثلاث تقرءون: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١-٢] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ، وليس هناك داعٍ لكلمة: (قل) ، ابدأ بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ برب الفلق ((أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)) لأنها تحصيل حاصل وأنت قائلها. هل هذا العقل سليم؟ لو قلت: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله، إذاً: (أعوذ بالله) . جاءت منك أنت أو من وحي سبق؟ عندما نقول: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ، كأنه منك أنت، لماذا تتعوذ؟! قال: لأني أريد أن أعوذ، لكن لو قلت: بسم الله الرحمن الرحيم. قل. فهذا أمر من الخالق سبحانه الموحي، فلكأنك تقول: أنا أقول ما أمرت أن أقوله. إذاً: الرسول ما أتى بشيء من عنده، بل هو مأمور بأن نقول: هو الله أحد، فكلمة (قل) جاءت بالوحي نصاً عن رسول الله ﷺ ، ليكون في موقف المنفذ لما قيل له، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ويكون القائل هو الله سبحانه، وأنت تقول ما قال الله . وهكذا هنا: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) . ونحن نقول لهؤلاء العلمانيين: في حياة رسول الله وهو إمامهم في الصلاة ويصلي خلفه آلاف الرجال كما في فتح مكة، إذا صلى النبي ﷺ ، من في آخر الصفوف يقول سراً: السلام عليك أيها النبي، هل أسمع رسول الله؟ وهل خاطبه بذاته؟ لا والله، إنما يقول ما أمر أن يقوله، وحتى في المسجد الأول كما ترونه من خلف المنبر بسارية واحدة إلى الحجرة، كان سبعين ذراعاً في سبعين ذراعاً، وفي الصف الأخير النسوة اللاتي خلف صفوف رجال لما يقلن: السلام عليك، هل كان يسمع أصواتهن؟ والذي في الصف الأول في طرفه من هناك هل الرسول يسمع صوته حينما يقول: السلام عليك أيها النبي؟ لم يسمع منه، إذاً: هذه ألفاظ تعبدية يجب أن يقولها الإنسان ويلتزم بها ولا تتعارض مع العقل الصحيح.

стр. 638

من معاني السلام بين المسلمين قوله: [السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين] . كان يقول الصحابة: السلام على الله، السلام على رسول الله، السلام على فلان فعلمهم أن يقولوا: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا) ، والسلام: هو الدعاء بالأمان، وهو تحية الإسلام، وتحية أهل الجنة في الجنة، وهو شعار المسلم، مع المسلم بأن يعلن له أنه آمن، السلام عليك: أي أنت سالم مني، وكأنه أعطاه عهد بالأمان والسلامة فلا يخاف شراً. وهذا أعظم ما يكون بين المتلاقيين ولو لم يعرفه، ولذا معلوم في الفطرة والجبلة: لو أن إنساناً لقي آخر ولم يسلم عليه عرف أن عنده نية شر؛ لأنه ما بدأ بالسلام. والسلام في التحية له آدابه، وقد عقد له البخاري باباً في الأدب المفرد، وجاءت النصوص في السلام العادي والتحية بين الناس بـ (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ، وهي أكملها، جاء أن رجلاً مر بالنبي ﷺ وهم جلوس فقال: (السلام عليكم، وجلس، فردوا عليه، وقال الرسول: عشر -أي: عشر حسنات-، وجاء الثاني وقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردوا عليه، فقال الرسول: عشرون -أي: عشرون حسنة- وجاء الثالث وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردوا عليه التحية، فقال ﷺ : ثلاثون، قالوا: ما عشرة وعشرون وثلاثون يا رسول الله؟! قال: الأول قال كلمة واحدة: السلام عليكم، والحسنة بعشر أمثالها، والثاني قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال كلمتين، والحسنة بعشر أمثالها، والثالث قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهي ثلاث كلمات بثلاث حسنات، والحسنة بعشر أمثالها) . أو كما قال رسول الله. ودائماً يا إخوان! إذا وجدت في الحديث النبوي متفرقات فاعلم بأن هناك رابطة، كحديث: (آمين آمين آمين) على درجات المنبر الثلاث، وهنا: (السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى ... ) ، موجود الارتباط القوي، بل هو أقوى ما يكون، وظاهر وواضح جداً. وبدأ بالنبي؛ لأن الفضل كله من الله على يديه، وجلوسنا في التشهد وتلفظنا بالتحية وسلامنا المبدأ الأول فيه من الله على يدي رسول الله فهو الذي علمنا ذلك. يلي هذا (علينا) ، وفي الحديث لما جاء رجل وقال: (عندي دينار، قال: أنفقه على أهلك، على زوجك، على على وقال: أولاً: ابدأ بنفسك) ، وهنا الحديث بدأ بالرسول، ولِم لم يقل: السلام علينا، والسلام على النبي، والسلام على عباد الله؟ كما هو الترتيب الطبيعي، لا، ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) ، فهو مقدم على النفس.

стр. 639

شرح حديث: (عجل هذا؛ إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه) قال ﵀: [وعن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: (سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته، ولم يحمد الله؛ ولم يصلِّ على النبي ﷺ ، فقال: عجل هذا! ثم دعاه فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء) ، رواه أحمد والثلاثة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم] . كيف تكون الصلاة؟ وما الصيغة التي يلتزمها الإنسان فيها؟ النبي ﷺ سمع رجلاً يصلي، وهذه الصلاة إما أن تكون نافلة وهو الأغلب، وإما أن تكون فريضة فاتته، المهم: أن هذا الرجل دعا الله في صلاته دون أن يصلي على النبي ﷺ قبل الدعاء، فقال ﷺ : (عجل هذا) ، أي: تعجل في الدعاء ليحصل على الإجابة المطلوبة، ثم دعاه فقال له: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بالثناء على الله، وليصل على النبي) انظروا الصيغة هنا ما هي؟ (وليصل على النبي) ، ولم يقل يصل عليّ؟ لأن الغرض ليست الصفة الشخصية الذاتية لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، ولكن الغرض الصفة المندمجة من شخصيته الذاتية وصفته النبوية. انظروا يا إخوان هنا! لتنظروا المغايرة، وما يسمى في البلاغة بالتجريد في قضية الحفاظ على الحدود وإقامتها لما قال: (أتشفع في حد من حدود الله، لو أن فاطمة بنت محمد) لم يقل بنت النبي؛ لأن النبوة بعيدة عن هذا، ولأنها ستكون حالة شخصية، ومن محمد يا رسول الله؟ أليس أنت؟ لا، هنا الحدود ليس فيها نبوة ولا رسالة ولا شيء، النبوة رسالة معصومة من ذلك، ولكن محمد الذي تعرفون نسبه وشرفه ومنزلته بغض النظر عن جانب النبوة. قال: [إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه] . يبدأ بتحميد ربه سواء أراد البداءة في الفاتحة أو التحيات؛ لأنه حمد لله، وهذه مقام: (التحيات لله) . قوله: [والثناء عليه] هذه مقام: (الطيبات المباركات) . [ثم يصلي على النبي ﷺ ] . هنا الحديث: (إذا صلى أحدكم) : تعليم متعلق بالدعاء في الصلاة: بأن يحمد الله ويثني عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يسأل الله حاجته، وجاء هذا التعليم أيضاً خارج الصلاة مطلقاً، مثلاً: مشيت في الطريق ولك حاجة، وتريد أن تسأل الله إياها: ابدأ فاحمد الله واثن عليه، وصل على النبي ﷺ ، ثم سل الله حاجتك، واختم الدعاء بالصلاة على النبي، وهذا. (قمنٌ أن يستجاب له) أي: حري بالإجابة، ويقول العلماء: لأن الحمد لله والثناء عليه، والصلاة على النبي ﷺ من أعظم القربات إلى الله، ويكفينا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيُِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] ، ويكفينا بأن الله يصلي عليه بالمرة عشر مرات، فهي من أعظم القربات إلى الله، وورد حديث في الصلاة، (أجعل نصف صلاتي لك، أجعل كل صلاتي، فقال: كفيت أمرك) ، وهذا باب واسع مستقل لا يحتاج إلى إيضاح، فإذا قدّم بين يدي حاجته هذه القربات لله سبحانه بالحمد والثناء عليه، والصلاة على رسوله، ودعا وختم بالصلاة قالوا: هذا الثناء في أول الدعاء والصلاة في أولها وآخره كالجناحين يرتفع بهما السؤال إلى الله، فإذاً عنده آلة رفع ترفعه إلى المولى سبحانه، فإذا قُدم السؤال في باقة من الزهور والورود بين دعاء وثناء على الله سبحانه معطر ومطيب بهذه الطيبات حري أن يستجاب، لكن جئت ورفعت يدك وقلت: اللهم اغفر لي، حسناً، دق الباب واستأذن، تلطف قليلاً، استعطف، أظهر الحاجة والفاقة. مثاله: (اللهم إنك عفو تحب العفو) . فهنا قدمت مقدمة لحاجتك وسؤالك، وهي قولك: (اللهم) ، وتريد عافني واعف عني، ولكن أيها ألطف؟ يا رب! أنت عفو وتحب العفو، وبعفوك ومحبتك للعفو اعف عني، يكون السؤال ملطفاً ومقدماً له بمقدمة، وحري بإجابته هكذا. إذاًَ: المقام هنا يتعلق بالصلاة، وجاء المقام عاماً خارج الصلاة، فإذا كان الأمر كذلك تكون قاعدة مطردة في الصلاة وفي غير الصلاة: إذا سأل الله أحد من الناس فليقدم بين المسألة ما يقربه إلى الله، وبيّنه ﷺ بالحمد والثناء والصلاة على النبي، هذا عام وإذا كان في الصلاة كذلك، وبيّن ﷺ أنه لا يعجل، بل يحمد الله ويثني عليه، ثم يصلي على النبي، ثم يتخير المسألة. وبعد أن قدم المؤلف ﵀ هذا الأمر كأنه يشعر بفعل النبي ﷺ لهذا الرجل، هو سمعه في الصلاة أو خارج الصلاة؟ أين سمعه؟ الرجل يصلي، قال: (عجل هذا ثم دعاه فأخبره) هل رده ليعيد الصلاة لعدم صلاته على النبي أو أقره على صلاته؟ إذاً: الصلاة على النبي التي تركها في تلك الصلاة مندوب إليها، ومن هنا قدم المؤلف هذا الحديث ليعطي مقدمة فقهية، وهي: أن الصلاة ليست واجبة مع الخلاف الموجود عند العلماء. إذاً: أخذنا من هذا الحديث ما ينبغي على الإنسان أن يُقدم على الدعاء من الصلاة على النبي والثناء على الله. (ثم يدعوا بما شاء) . وتقدم في حديث ابن مسعود: (وليتخير من المسألة أعجبه) ، وتقدم أيضاً التنبيه على قوله: (يتخير) وهنا: (بما شاء) ، ولكن هل المشيئة مطلقة أو مقيدة بأقل شيء بالأدب الشرعي؟ المشيئة مقيدة، وفي الحديث: (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون هواه -مشيئته، إرادته، رغبته- تبعاً لما جئت به) .

стр. 640

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [١١] الصلاة الإبراهيمية في التشهد، والاستعاذة بعدها من أربع، من أعظم الأذكار والأدعية؛ ولذا شرعا في كل صلاة، وينبغي للمسلم تدبر ألفاظهما، ومعرفة معانيهما، حتى يدعو الله بهما بخشوع وخضوع، ولمعرفة المعاني التي يشتملان عليها يرجع إلى كلام أهل العلم الذين بينوه.

стр. 641

شرح حديث: الصلاة الإبراهيمية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: قال ﵀: [وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: (قال بشير بن سعد: يا رسول الله! أمرنا) ] . كثيراً كانوا ينبهوننا عن الفرق بين ابن مسعود وأبي مسعود، وأبو مسعود يقولون فيه: أبو مسعود البدري، ونسبته إلى بدر بالسُكنى وليس بحضور الغزوة، وهو أنصاري. يقول: بشير: (كنا في مجلس سعد -أبوه- فأتانا النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله! أمرنا الله أن نصلي عليك) أين أمرهم الله؟ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ [الأحزاب:٥٦] ، وهنا للأصوليين مجال واسع، فأمره سبحانه هنا مجمل، كيف نصلي؟ ومن الذي يبين هذا المجمل؟ النبي ﷺ ، وعلى هذا يكون بيان النبي ﷺ لما أُجمل في كتاب الله واجب الاتباع، ويقولون: حكم المبيِّن من حكم المبيَن، المبيَن مجمل فيأتي المبيِّن ويفصل، إن كان المبيَن سنة فالبيان سنة والأخذ به سنة، وإن كان المبيَن واجب فالمبيِّن واجب والأخذ به واجب. فمثلاً: قالوا: إن النبي ﷺ صلى في الكعبة، وعندما دخل ابن عمر وسأل: أين صلى؟ قيل: هنا، فصلاة النبي ﷺ في الكعبة مجملة، وفعله إياها في المكان المعين بينه، وكذلك الصلاة في البيت مسكوت عنها؛ ففعلها ﷺ لبيان المشروعية، وهكذا فيما يتعلق بنوافل العبادات، فلما جاء هنا: (أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟) ، والسؤال بالكيفية يكون عن حقيقة الماهية ووصفها، فهل هنا استفهام: كيف نصلي عليك؟ أو لماذا نصلي عليك؟ أو أنه علمنا الكيفية التي أمرنا بها؟ وهذا هو المطلوب، ليس سؤال استعجاب ولا استغراب، ولكن سؤال استيضاح عن الكيفية والصورة التي بها ينفذون أمر الله.

стр. 642

اجتهاد النبي ﵊ في الشرع جاء في الرواية: (سكت طويلاً حتى تمنينا أنه لم يسأله) ، ولكل إنسان أن يقف عند هذه السكتة الطويلة، لأن هذا أمر يتعلق به ﷺ ، وقد أشرنا إلى نظير لهذا، وهو: الصلاة مكتوبة، جاء في القرآن: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة:٩] ، فالنداء موجود، وأخذوا يصلون مدة طويلة، ويُنذر بعضهم بعضاً لوقتها، ثم تعبوا من هذه الطريقة وقالوا: تعالوا نتخذ علامة تنبه الجميع، ندق الناقوس، قال: لا، هذا حق النصارى، ننفخ في البوق، قال: لا، هذه حق اليهود، نشعل نار: قال، لا، هذه للمجوس. هذه هي الشعارات الموجودة عند الآخرين، الآن يضربون المدفع من أجل الإعلام بوقت الإفطار والإمساك، وهذه أمور يتفقون عليها لكن كره ﷺ أن يُحاكى أو يشابه الأمور الباطلة، من الأديان الباطلة أو المنتهية، وقاموا ولم يتفقوا على شيء، يعني: الجلسة كلها والرسول معهم، والخلفاء الراشدون والصحابة بكاملهم يجتمعون ويتآمرون وينفضون على غير نتيجة، نحن الآن نقول: اجتمعت اللجنة الفلانية وخرجوا بدون أي نتيجة، ولم يتوصلوا إلى قرار حاسم، ونعيب ذلك عليهم، وهنا رسول الله وخيرة الصحابة اجتمعوا من أجل أمر في الدين، ومع ذلك انتهى الاجتماع ولم يتوصلوا إلى قرار، ماذا كانت النتيجة؟ أتى عبد الله بن زيد يقول: يا رسول الله! رأيت كأني في المنام -يعني: بين النوم واليقظة- ورأيت رجلاً عليه حلة خضراء يحمل ناقوساً، وقلت له: ألا تبيع هذا الناقوس؟ فقال: ماذا تصنعون به؟ قلت: نعلن به للصلاة، قال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ -وذكر الأذان- ثم تنحى قليلاً وقال: ثم تقولون: وذكر له الإقامة. الرسول ﷺ لما سمع هذا من عبد الله قال: إنها رؤيا حق، قم فألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً، فصعد بلال ونادى، فإذا عمر يأتي يجر رداءه، ويقول: والله! لقد رأيت مثلما سمعت. اجتمعوا ليصلوا إلى وسيلة فلم يتوصلوا ويترك الأمر، أبو بكر مع ما بينه وبين رسول الله ما رأى شيئاً، عثمان صهر رسول الله ما رأى شيئاً، عمر فيما بعد حفصة لم تأت إلى الآن، فإذا عبد الله بن زيد رجل من الأنصار يقول: أنا رأيت كذا وكذا، وهو شعار المسلمين في صلاتهم، وأهم ركن في الإسلام، يُترك ليراه إنسان بين النوم واليقظة، قالوا: نعم، وهذا عين الواقع والحقيقة المناسبة، لماذا؟ لأن في ألفاظ الأذان أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وليس هناك إعلان بعلو منزلة النبي وعظيم شرفه كقران اسم رسول الله باسم الله المولى سبحانه، وذلك في الشهادتين على المنارة ينادى به في كل مسجد في كل يوم خمس مرات، بل في بعض المساجد كل منارة ينادي عليها مؤذن، ثم تثنى في الإقامة، لو أراد إنسان أن يحصي هذا في العالم لا يقدر أن يحصيه، فهذا العمل لما كان متعلقاً بشخصية رسول الله، والمدينة فيها من أهل الشر الذين يترقبون زلة أو ثُلمة فيها أدنى شبهة ليشككوا المسلمين في رسول الله؛ سد عليهم هذا الباب، والله أنا لم آت به، ولم أقل لكم: أوحي إليّ بهذا؛ مع أنه لو قاله فهو صادق، ولا أحد يستطيع أن يرد عليه قوله، لكن عندما يأتي به رجل من عامة المسلمين، هل أحد يستطيع أن يلوح بشبهة في الأفق؟ لا أحد يستطيع.

стр. 643

حكم الصلاة على النبي ﷺ في التشهد قال: (أمرنا الله أن نصلي عليك) جاء التعليم، فسكت طويلاً؛ لأن فيه أمراً يتعلق بشخصيته ﷺ ، وأين؟ في العبادة التي هي خاصة لله، الصلاة لله ويأتي فيها ذكر رسول الله. إذاً: هذا أمر خطير، ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، فخطورة ذكر رسول الله في الصلاة جعلته ﷺ يسكت، ولكن هذا مما يستنتج من السياق والموقف العام، حتى إن الصحابة قالوا: ليته لم يسأله؛ لأنهم ظنوا أن هذا يُثقل رسول الله. ثم قال: (قولوا) وهذه العبارة صيغة أمر، أخذ منها بعض العلماء أن الأمر للوجوب، ولكن المؤلف قدم لنا: (عجل هذا) ، ولم يأمره بالإعادة، ولا بسجود سهو، وأقره على تلك الصلاة التي عجل فيها عن الصلاة على رسول الله، والعلماء بالإجماع يقولون بأنها مطلوبة، لكن على أي مستوى: الوجوب أو الندب؟ الجمهور يقولون: الندب، ونجد الشافعي ﵀ يقول: الوجوب، ويختلف في مذهبه: هل الوجوب في التشهد الأول (إذا صلى أحدكم) ، أو الوجوب في التشهد الأخير؟ ويروى عن الشافعي ﵀ أنه فرق بين الجلوسين؛ فالصلاة على محمد دون الآل في التشهد الأول، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم صل على محمد ثم ينهض، والصلاة على محمد وعلى الآل يكون مجموعاً في التشهد الأخير.

стр. 644

حكم زيادة لفظ: (سيدنا) بقي عندنا مناقشة العلماء في الأسلوب والتركيب: عرفنا بأن الصلاة من العباد دعاء، ومن المولى رحمة، ومن الرسول شفاعة. أما قول: (سيدنا) فلم يتعرض لها المؤلف، ولكن تعرض لها غيره، وبعض الناس في هذا المقام يقول بالتسييد (اللهم صل على سيدنا محمد) ، وقد رأيت رسالة مخطوطة قديمة سابقاً، وفي ذهني بعض منها وهي للشافعية، ويرون بأن لفظ: (السيد) من باب التكريم والتأدب مع رسول الله ﷺ ، والجمهور يقولون: جاءت الصيغة في معرض التعليم جواباً على سؤال؛ فلا تحتمل الزيادة ولا النقصان، فيجب الالتزام بما جاء عنه ﷺ وهو يُعلم الأمة سواء في الصلاة أو خارج الصلاة. ولا شك أنه سيد الأولين والآخرين، كما قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) ، وقال: (إن الله اختار العرب من الناس، واختار من العرب قريشاً، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم؛ فأنا خيار من خيار من خيار) . إذاً: خارج الصلاة قل: سيدي وسيدنا وسيد الثقلين وسيد الأولين والآخرين، لا أحد يعارضك، لكن في الصلاة لا تقل لأمرين: الأمر الأول: أنهم قالوا: الصلاة حق لله، وهي تعظيم لله بالحمد والثناء والركوع والسجود، وتقول: الله أكبر، أي: من كل كبير جاء في خاطرك، فما دام أنها للتعظيم والتمجيد والثناء للمولى سبحانه، فما تحتمل أن تثني على غيره معه، فقولك: سيدنا، معناه: أنك دخلت في باب التكريم والتعظيم بغير الله مع الله، وهذا لا يصح، بل أفرد التكريم والتكبير والإجلال في الصلاة لله. والأمر الثاني: قوله: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) جاءت بصفة العبودية لتلتزم بها، والجمهور يقولون: تقولون: إنكم تُسيدون إكراماً لرسول الله؟ قالوا: نعم، قالوا لهم: لا، التكريم الحقيقي هو الالتزام واتباع ما علمنا به، يُعلمك كذا وأنت تفعل كذا، هذا ليس تكريماً، لأنك خرجت عن التعليم، وحقيقة التكريم هي: أن تمتثل ما أمرك به، والبحث قد يتوسع فيه بعض الناس، واخترعوا له قاعدة: هل الأدب الأولى أم الامتثال؟ والصحيح أن الامتثال أولى.

стр. 645

توجيه قوله: (كما صليت على إبراهيم ... ) الصيغة التي جاءت منه ﷺ تعليماً للسائلين: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد) ، من هم آل محمد؟ بعضهم يُجمل ويقول: كل من حرمت عليه الزكاة، وبعضهم يقول: بنو هاشم وبنو المطلب، وهل الزوجات من الآل أم لا؟ الجمهور يخرجونهم من ذلك لحديث غدير خم. إلى آخره، وهذه مسألة جانبية. (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد) . المعروف في قانون البلاغة: أن المشبه به أقوى من المشبه، تقول: زيد كالأسد في الشجاعة، المشبه زيد، والمشبه به الأسد، وجه الشبه الشجاعة، وهل الشجاعة أقوى في زيد المشبه أو في الأسد المشبه به؟ في الأسد وتقول: فلان الأمير أكرم من حاتم، أفعل التفضيل، فتكون نسبة الأفضلية للأمير على حاتم، ويبقى الأمير أكرم من حاتم، فإذا جاءوا هنا يقولون: من أفضل محمد أو إبراهيم؟ بإجماع المسلمين أن محمداً أفضل الخلق بلا شك ولا نزاع، فإذا كان هو الأفضل كيف يقال: صلِّ على الأفضل كما صليت على المفضول. والغرض من التشبيه: إلحاق المشبه بالمشبه به في الصفة، يعني المشبه أقل صفة من المشبه به، وأنت تقول: (صلِّ على محمد) وتلحقه به (كما صليت على إبراهيم) ، فأنت هنا جعلت المشبه وهو محمد أقل وتلحقه بإبراهيم، فجعلت إبراهيم هو الأفضل والصلاة عليه أكثر، وكيف يصير هذا؟ وأخذوا يحاولون الإجابة إلى ما شاء الله، ولكن: هل الصحابة عندما سمعوا هذه الصيغة ناقشوا هذه المناقشة؟ قولوا فقالوا وانتهى، والذي قالها سيد الخلق وسكت طويلاً، ونجزم بأنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] ، إذاً: لا حاجة إلى النقاش، ولكن من باب ما قيل: هي صلاة مستقلة لا علاقة لها بإبراهيم ولا إسماعيل، ويبقى التشبيه منصب على آل محمد كما صلى على آل إبراهيم، وهذه فيها تكلف، ولكن للخروج من هذه الورطة التي أدخلوا فيها أنفسهم، من الذي قال لكم تناقشوا؟ (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) ومن هم آل إبراهيم؟ قالوا: جميع الرسل من ذرية إبراهيم، فتكون الصلاة على آل إبراهيم، ومن ضمنهم محمد، ألم يقل: إن جده إبراهيم؟ أليس هو ولد إسماعيل, وإسماعيل ولد إبراهيم؟ فمحمد من آل إبراهيم، وآل يعقوب كلهم من آل إبراهيم، فتكون الصلاة على محمد وآله كالصلاة على إبراهيم وعلى جميع الأنبياء من ذريته ومنهم محمد، إذاً: صارت الصلاة الأكثر على محمد. إذاً: ليس هناك مناقشة، ولعل هذا يكفينا في هذه المسألة. (في العالمين إنك حميد مجيد) وهذه جاءت في بعض الروايات. (والسلام كما علمتم) . والسلام كما علمتم أو كما عُلِّمتم؛ لأن السلام كانوا يقولونه قبل أن تفرض التحيات: السلام على الله، السلام على النبي، على جبريل، على ميكائيل، فقال: (لا تقولوا: السلام على الله، ولكن قولوا: السلام عليك) كما تقدم في الدروس الماضية، والله أعلم. رواه مسلم وزاد ابن خزيمة فيه: (فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟) .

стр. 646

شرح حديث: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع) قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) . متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير) ] . ولعله من باب الإرشاد لعموم قوله ﷺ : (فليتخير من السؤال أعجبه) ، أو: (من السؤال ما شاء) قد يقف الإنسان حائراً بماذا أدعو؟ ماذا أسأل؟ فقال: (إذا تشهد أحدكم) ، وفي بعض الروايات: (في آخر التشهد) ، وفي بعضها: (في الصلاة) واتفقوا جميعاً: على أنه يكون في التشهد الأخير وقبل السلام. (فليستعذ بالله من أربع) أربعة أمور، وهذه الأمور الأربعة يطول فيها الكلام، ولكن نأخذ بعضها على سبيل الإجمال، والبعض قد يحتاج إلى إرجاء إلى أن يأتي محل أوسع منه، فنأخذ قدراً من الوقت المتبقي.

стр. 647

الاستعاذة من عذاب جهنم قوله: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) . أعوذ: بمعنى ألجأ وأحتمي وألوذ؛ لأن هذه الأمور الأربعة لا يُجير الإنسان منها ولا يُعيذه إلا الله، وكلها أمور غيبية، والأمور الغيبية لا قدرة للإنسان فيها، لا في جلبها ولا في دفعها، وكلها مرجعها إلى الله، أمور جهنم والجنة والصراط والآخرة كلها أمور غيبية لم يشاهدها إنسان، اللهم إلا إذا قلنا: لقد أكرمنا الله برؤيتها عن طريق رؤية رسول الله في الإسراء والمعراج وهو الصادق المصدوق. أما جهنم: فيقولون أصلها كهنم، بالكاف، ولكن بالجيم من التجهم، والتجهم: هو انكسار الوجه عند رؤية ما يسوء، والشخص إذا استقبل صديقاً أو عزيزاً هش له وبش له وجهه واستبشر أمامه، وإذا كان العكس تجهم في وجهه ليكفحه عن نفسه، وقد تكون جبلة وبغير اختيار؛ حينما يرى شيئاً يكرهه أو إنساناً لا يستريح إليه فلا يملك نفسه؛ لأنه عامل نفسي، فجهنم تتجهم للناس، وسُميت بذلك من هذا الوجه، والله أعلم، ولا يعيذ من عذاب جهنم إلا الله، سواءً كان برحمة من الله، أو توفيقاً للعبد في الدنيا، أو بشفاعة من رسول الله، أو بشفاعة من الله كما جاء في الحديث: (شفع النبيون والصالحون والأولون والآخرون وبقي أرحم الراحمين، أخرجوا من النار كل من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان) ، فيخرج من النار كل مؤمني الأمة برحمة الله سبحانه. إذاً: لا يجير من النار إلا الله، حتى الشفاعة ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٤٤] . إذاً: الأمر كله لله، ولذا يلجأ الإنسان إلى الله بأن يستعيذ من جهنم، وسبحان الله! في كل صلاة تقولها حتى لا يغيب عن ذهنك ذكرها، فتكون دائماً على حذر منها، وتكون دائماً ملتجئ إلى الله في شأنها. هذه الجملة الأولى.

стр. 648

الاستعاذة من عذاب القبر قوله: (ومن عذاب القبر) . عذاب القبر يثبته كل طوائف المسلمين، ولم ينفه إلا المعتزلة، وقيل: البعض منهم فقط، وهذه مسألة مفروغ منها، ويذكر كثير من العلماء بأن النصوص في إثبات عذاب القبر تصير إلى حد التواتر، وسمعت من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: عذاب القبر يثبته العلماء من القرآن الكريم في قوله سبحانه في حق فرعون وآله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، وإدخالهم غدواً وعشياً متى يكون؟ قبل يوم القيامة، وهو في القبر, وقد جاء الحديث صريحاً: (القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار) ، وروى مالك في الموطأ حديث عائشة، في اليهودية التي جاءت تسألها، وقالت: (أعاذك الله من عذاب القبر، فجاء الرسول وسألته، وقال: صدقت، يا عائشة!) . إلى آخره. أريد أن أقول: يا إخوان! عذاب القبر، ونعيم القبر، وسؤال القبر كل أحوال القبر، رغماً عنا جميعاً نقر بأنها أمور غيبية، وعالم البرزخ عالم غيب، وليس للعقل ولا للتجربة ولا للمعمل ولا لجانب من جوانب الدنيا حتى أشعة الليزر وكل ما اخترعه الإنسان طريق إلى التوصل إلى شيء من أمره، وقد جاءتنا نصوص فيما يتعلق بما لا يمكن أن يتكلم به إنسان، جاء في حق موسى ﵇: (مررت على موسى في قبره قائماً يصلي) فهل كان له غرفة يصلي فيها؟ أو هل يوجد لحد عليه طوب اللبن، ويسعه وهو نائم؟ كيف يقوم يصلي فيه؟ تنص كُتب شرح العقيدة الواسطية على وقعة الحرة التي امتدت ثلاثة أيام، وعطل فيها الأذان والصلاة في المسجد النبوي، ولم يقو أحد أن يأتي إلى المسجد إلا سعيد بن المسيب، فهو أربعون عاماً لم تفته الجماعة، ولم ير قفا إنسان أمامه، دائماً في الصف الأول، يقول: كنت أسمع الأذان من الحجرة، من كان يؤذن؟! لا تقدر أن تقول شيئاً. ويذكر ابن كثير في البداية والنهاية في فتح البحرين أن العلاء بن الحضرمي لما كانوا راجعين أصيب بالغدة فمات، فلما مات دفنوه حيث مات في الدهماء، فجاء أهل تلك الأرض فقالوا: يا أيها القوم! إن كان ميتكم عزيزاً عليكم فلا تتركوه؛ فإن هذه الأرض تلفظ موتاها، لا تقبلهم تردهم، والله امتن على الناس بالأرض كما قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ [المرسلات:٢٥-٢٦] ، وهذه الأرض لا تقبل الموتى، فقالوا: ما من حق ابن الحضرمي علينا أن نتركه نهباً للسباع، فرجعوا يحفرون القبر لينقلوه إلى أرض تقبل الموتى، فإذا بهم يجدون القبر خالياً من صاحبه، وإذا به امتد مد البصر، أنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا لا أتدخل في هذا، هذا قول ابن كثير، وهو عالم سلفي، وهو تلميذ ابن تيمية. لقد جاء في الحديث: (ثم يمد إليه مد البصر) ، (إما روضة من رياض الجنة وإما ... ) إذاً: عالم البرزخ لا يقوى إنسان أن يتكلم فيه بالعقل، ولكن بمقتضى ما جاءت به النصوص الصحيحة، وهنا يأمرنا ﷺ أن نستعيذ بالله من عذاب القبر كما نستعيذ من عذاب جهنم، ولا يشك أي عاقل حتى في الديانات الأخرى النصرانية واليهودية بأن النار موجودة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] ، فكما أننا أُمرنا أن نستعيذ بالله من النار، أمرنا أن نستعيذ بالله من عذاب القبر، فهما قرينان.

стр. 649

موضع الاستعاذة في التشهد يقول ﷺ : (إذا تشهد أحدكم) ، جاء هذا مطلقاً، ثم جاءت الرواية الثانية: (إذا فرغ من التشهد الأخير) ، والمؤلف ﵀ جاء بقيد التشهد الأخير؛ لأن بعض العلماء من غير الأئمة الأربعة يرى الاستعاذة من تلك الأربع في التشهدين الأول والأخير، ولكن الذي عليه الجمهور: أن المطلق يحمل على المقيد، عندنا تشهدان، وهذا مطلق، ولكن جاء القيد في التشهد الأخير، إذاً: محل الاستعاذة من تلك الأمور إنما هو في التشهد الأخير، وأيضاً القيد الثاني: (إذا فرغ من التشهد) ، وبعض العلماء يرى أن قوله: (إذا فرغ من التشهد فليقل أو فليستعذ) قيد أيضاً فيما تقدم من قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (ثم ليتخير من المسألة أعجبه) قالوا: يتخير بعد الاستعاذة؛ والاستعاذة محلها إذا فرغ من التشهد، وعلى هذا الترتيب إذا فرغ من التشهد يستعيذ بالله منها، ثم يتخير من المسألة ما شاء، وأشرنا بأن مجيء عموم: (يتخير من المسألة ما شاء) يترك للإنسان الاختيار، ولكن اختيار المسلم مرتبط ومشروط لما اختاره له رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ، وهواه بمعنى اختيار رغباته تبعاً لما جئت به؛ فكأن الاستعاذة بالله من تلك الأمور توجيه لأن يكون مجال استعاذته، وسؤاله، واختياره يدور في فلك مصلحة الدين والدنيا والآخرة، ولا ينزل إلى مستوى لا يليق بأمر الصلاة.

стр. 650

نزغ الشيطان بين بني آدم تقدم بأن الإعاذة هي الالتجاء واللواذ؛ ولذا الأمور العظام التي لا يقوى عليها الإنسان ليس له ملاذ ولا ملجأ إلا الله، ويقولون: عدو الإنسان إما من الإنس وإما من الجن شياطين الجن والإنس، وقد علمنا الله كيف نتقي شر عدو الإنس، وعلمنا كيف نتقي شر عدو الجن، وذلك في قوله : ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] ، ادفع من؟ الإنسان الذي يريدك بشر، إساءته وحسنتك لا يستويان، هو يسيئ إليك، وأنت ادفع إساءته بالتي هي أحسن، ماذا تكون النتيجة؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] . إذاً: تتقي عداوة الإنسان بالإحسان إليه، ولذا يقولون: مصانعة العدو وقاية من شره، ويذكرون عن شخص أوروبي مشهور عند أهله، أنه قيل له: نراك تصانع أعداءك، قال: أليس واجبي أن أتقيهم وأتقي شرهم؟ قالوا: بلى، قال: ما وجدت أحسن من اتقائي شر العدو من مصانعته، أي: إذا صانعته صار صديقاً ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] ، ولكن بيّن القرآن الكريم أنها منزلة وليس كل إنسان يقوى عليها، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥] ، صبر على أذية الخصم، ولجأ إلى الله سبحان وتعالى لكي يعينه على الإحسان إليه، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] . وكما جاء في الحديث: (تهادوا تحابوا) ، لو كان لك خصم ألد، وجئت في مناسبة وقدمت إليه هدية بسيطة جداً، تجدها تسقط ثلاثين في المائة أو أربعين في المائة مما في قلبه من شحناء عليك، وعندها يذهب وحر الصدر. ثم جاء إلى القسم الثاني: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ، لماذا؟ لأنك لا تستطيع أن تصانع الجن، ولا تنفع معه المصانعة؛ لأنك كلما صانعته كلما استضعفك، إذاً: لا ينفع معه إلا السلاح، ولا تنفع معه مصانعة، إنما تلجأ من شره ومن كيده إلى الله ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] ، يلجئون إلى الله حالاً، وهنا الاستعاذة بالله هي اللجوء إليه بأن يحميه ويقيه ويدفع عنه ويرعاه مما استعاذ به منه، ونجد الأمور الأربعة كلها خفية وغيبية لا يقوى كل من على وجه الأرض أن يحفظ الإنسان أو يعيذه منها، ولا يقوى على ذلك إلا الله. إذاً: فاستعذ بالله، وبدأ أولاً بعذاب جهنم، وفي بعض الروايات: (من عذاب النار) ، وتقدمت الإشارة إلى أن لفظ جهنم مشتق من التجهم، وهو عبوسة الوجه وهي كذلك، ومن يقي الإنسان من عذاب النار إلا الله .

стр. 651

من عجائب عذاب القبر أمر البرزخ أمر غيب، ولا يعلم أحد حقيقة أمر البرزخ إلا الله، ولم نقف على شيء من أخباره إلا ما جاءنا عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه أمر غيب، ولا أحد يعلم الغيب ﴿إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [الجن:٢٧] ، فقد يطلع الله بعض رسله على بعض الغيب، فما أخبرنا به المصطفى ﷺ من أحوال القبر وأحوال البرزخ فعلى العين والرأس، وقد أخبرنا بما يسعه العقل حينما وقف على أهل قليب في بدر، فقال: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فقال عمر: يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد جيفوا؟! -بعد ثلاثة أيام تخاطبهم- قال: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يجيبون) .

стр. 652

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [١٢] شرع النبي ﷺ أن يختم المصلي الصلاة بدعاء مهم فيه الاستعاذة من أربعة أشياء من الغيبيات، ولا يقدر دفعها عن الإنسان إلا الله ، ويشرع بعده أن يسأل العبد ربه من خيري الدنيا والآخرة، ولا يشترط في ذلك التقيد بالألفاظ الواردة.

стр. 653

عذاب القبر حق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: من الغرائب ما يذكره بعض المتوسعين في السيرة في غزوة بدر: أن ابن عمر كان مر ببدر بعد الوقعة، فرأى رجلاً يخرج من الحفرة ويقول: يا عبد الله! وخلفه رجل يضربه بسوط ويجره بسلسلة، ويقول: يا عبد الله! لا تسقه إنه كافر، فيقول ابن عمر: فوالله لا أدري أعرفني أني عبد الله بن عمر أو ناداني بنداء العرب، يا عبد الله! وكل الناس عبيد الله، فذكر ابن عمر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (أنت رأيته؟ قال: نعم، أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: ذلك أبو جهل يعذب بذلك إلى يوم القيامة) ، وأخبار القبر من أراد أن يتوسع فيها فليراجع فيها كتاب ابن أبي الدنيا، وكتاب الروح لـ ابن القيم، وأحوال أهل القبور فيها أشياء مسطرة كثيرة جداً، منها ما صح سنداً، وما ضعف فيه السند، أشياء فوق العقل، وليس لنا إلا أن نسلم لكل ما صح سنده، وقد جاءت النصوص الصريحة عنه ﷺ في أن القبر أحد أمرين: إما روضة من رياض الجنة، وإما -عياذاً بالله- حفرة من حفر النار، وفي الحديث: (إذا وضع المؤمن، جاءه الملكان وسألاه -في باب طويل جداً- فإن كان مؤمناً وأجاب، فتحت له فتحة من النار، ويقال: ذاك مقعدك لو لم تكن آمنت، ثم يقفل عنه ويفتح له باب من الجنة، ويقال: ذاك مقعدك يوم القيامة، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة) ، وإن كان العكس بالعكس. وما أنكر عذاب القبر إلا بعض من يُلغي الغيبيات غير معقولة المعنى، وهذا خطأ، وبعضهم ينسب ذلك إلى عموم المعتزلة، وبعضهم يقول: إنه رأي للبعض منهم وليس للجميع، ومما يوردون من الشبه: كيف يكون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار والقبور متقاربة متلاصقة؟ وفي بعض الروايات: (يمد له مد البصر) ، كيف يمد مد البصر والمقبرة مائة متر في مائة متر؟ واحد فقط لو مد له مد البصر أخذ المقبرة كلها، ثم أين يذهب البقية؟ ولكن ما دام الأمر غيباً والله لا نستطيع أن نقول: كيف يمد؟ ويستحي الإنسان الآن أن يقول هذا، نحن في الوقت الحاضر ربما نجلس أمام الشاشة، ونجد منظر بواخر في المحيطات، وطائرات تطير، وغواصات في باطن الماء، ونجد ونجد والشاشة كلها أربعة وعشرون بوصة، فهل نقول: كيف جاءت هذه؟ لا والله ما نقول، وهذا تقريب للواقع، وقد توجد شاشة ثانية بجوارها فيها خلاف ذلك، ونحن لسنا في حاجة إلى هذا كله، ولكن نقول: يجب على المسلم إذا سمع خبراً من رسول الله ﷺ أن يقول: سمعاً وطاعة، كيف نؤمن بالجنة والنار؟ ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] ، الروم تساءلوا: إذا كان عرضها السماء والأرض فأين تكون النار؟ فجاءهم الجواب. إذاً: كل ما كان غيباً لا يمكن للعقل أن يدركه؛ لأنه إذا أدركه لم يعد غيباً، وكل المغيبات فوق قانون التصور العقلي، وهنا فرق بين المسلم وغير المسلم، فالمسلم بإيمانه ويقينه وتصديقه بالوحي عن الله يقول: سمعاً وطاعة، وكما نقل عن كعب الأحبار عندما سأله عمر: ما هذا العلم الذي تعرفون به محمداً أكثر من أبنائكم؟ كما قال الله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] ، قال: والله! إن لمعرفتي بمحمد أشد من معرفتي بولدي، قال: كيف ذلك؟ قال: لأن نعت محمد وتعريفه جاء بالوحي، والوحي صادق، أما ولدي فإن النسوة يُحدثن -انظر إلى أي مدى- فيخطئن، وأنا لا أحرس امرأتي وآخذها معي، فهي تغيب عني ولا أدري ما يكون، ولكن الوحي لا يعتريه شك، فأنا أعرف بمحمد لصفاته عندنا بالوحي، وأشد اطمئناناً إليه من اطمئنان نسبة ولدي إليّ. إذاً: نحن نستيعذ بالله من عذاب القبر، وأشرنا لما قاله والدنا الشيخ الأمين: إن العلماء يقولون: عذاب القبر ثابت بنص القرآن، كما جاء في حق آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ [غافر:٤٦] ، وهذا العرض غدواً وعشياً قبل أن تقوم الساعة، ولا يكون ذلك في الحياة وهم أحياء، إذاً: لم يبق إلا فترة البرزخ، ونسأل الله جميعاً أن يعيذنا من جهنم ومن عذاب القبر، ونسأل الله السلامة والعافية، والعالم مهما اجتمع وأوتي من قوة وإمكانيات ومستحدثات لا يمكن أن يدفعوا عذاب القبر عن صاحب القبر وأرادوا مرة أن يقفوا على سؤال منكر ونكير، وفي بعض البلاد لا يوضع لحد ولا قبر إنما توجد غرف يضعون فيها الموتى، وهذا موجود في البقيع في حالة -عافانا الله وإياكم- الطوارئ، عندما يحدث موت بالجملة، ولا يستطيع الناس أن يحفروا حالاً لكل شخص قبراً، فيجعلون مكاناً واسعاً ويرصون فيه الموتى، وكل مقبرة كبيرة فيها شيء للطوارئ من هذا، فبعض البلدان يجعلون هذا للأسر، وقد تكون هناك بعض البلاد فيها تكليف، المهم جاءوا بجهاز تسجيل ووضعوه في تلك الغرفة وسحبوا السماعة إلى الخارج، وجلسوا ينتظرون ما يسمع بعدما دفنوا ميتهم، والمسجل يسجل، لكن لا يوجد أي شيء، إلى أن مضت أربعة وعشرون ساعة، ورجعوا فوجدوا المسجل على ما هو عليه، والشريط انتهى ولم يلتقط أي شيء. إذاً: شيء فوق تصور العقل، والميت يسمع ويعقل، والأحاديث في سؤال القبر شبه المتواترة، ومن ينفي عذاب القبر يلزمه أن ينفي عذاب جهنم؛ لأن الحديث جاء بالاستعاذة منهما معاً، فإذا كان يؤمن بعذاب النار، ويستعيذ بالله من عذاب جهنم؛ فما الذي يجعله يمتنع من أن يثبت عذاب القبر، ويستعيذ بالله من عذاب القبر؟ إن أثبت هذا فليثبت هذا معه، وإن نفى هذا يلزمه أن ينفي الثاني معه، ولا أحد ينفيهما حتى أهل الكتاب.

стр. 654

الاستعاذة من فتنة المحيا والممات قال: (ومن فتنة المحيا والممات) . هناك عذاب وهو شيء واقع، وهنا فتنة، ويقول علماء اللغة: أصل الفتنة: إدخال الذهب في النار لتخليصه من الشوائب العالقة به؛ لأن الذهب لا تحرقه النار، وإنما تحرق ما علق به؛ ولهذا حينما يريدون معرفة عيار الذهب في المصاغ يأخذون جزءاً من المصاغ وليكن سنتي من مائة سنتي من الجراب، ويدخل هذا الجزء إلى نار حرارتها فوق المائتين لكي تذيب كل المعادن الموجودة مع الذهب، وقد يكون معه نحاس أو قصدير أو النحاس الأحمر وأشياء كثيرة، فتذوب ويبقى الذهب خالصاً بعد إدخاله في تلك الدرجة العالية من الحرارة؛ فيعيدون وزنه بعد ذلك. وبقدر ما نقص بعد الوزن الأول وقبل الإحراق فيقولون: عيار كذا، فتكون السبيكة أو الجرم الذي أخذ منه العينة فيها من المعدن غير الذهب بقدر ما أحرقته النار وبقي الصافي، وعلى هذا قالوا: استعملت الفتنة ونقلت من الاسم المادي؛ على قواعد فقه اللغة، فأصل المادة اللغوية توضع للمحسوس أولاً، ثم تنتقل من المحسوس إلى المعقول المقارب لها، كما قالوا في الصلاة والصيام والزكاة: كل هذه وضعت للأمر اللغوي أولاً. فالصلاة مأخوذة من الصلوين، أو من المصلي وهو الفرس الثاني، الأول مجلي والثاني مصلي؛ لأن عنقه عند صلوي الفرس، وهما مؤخر الفرس، وصلو الإنسان عند حقوه؛ لأنه يثني ظهره إلى حقوه في الركوع، ثم جاء أصلها الدعاء ونقلت إلى الصلاة. وكذا الأُذن، أصل مادة الأذان والآذن والمأذون والإذن راجع إلى حاسة الأذن؛ لأن الخبر يلقى فيها، إلى غير ذلك من علم أصل الاشتقاق، فهنا الفتنة الأصل فيها لأمر محسوس وهو إحراق الذهب لمعرفة خالصه من شائبه، ثم انتقلت بعموم الاختبار، وأصبحت الفتنة الامتحان والاختبار، ولذا جاء في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] ، قيل: أحرقوهم؛ لأن أصل الفتنة الإحراق بالنار، وقيل: فتنوهم عن دينهم بهذا التعذيب، والعامل المشترك بين معاني الفتنة: الشدة والعجز عن التحمل.

стр. 655

حقيقة فتنة الدنيا يستعيذ الإنسان بالله من فتنة الدنيا، وهل في فتنة الدنيا إحراق أو شدة؟ قالوا: لا، لكن بجامع الشدة في التحمل، والفتنة في الدنيا، انتقل استعمالها مرة ثالثة فيما يختبر به الإنسان ويُمتحن من التكاليف أو مما يعرض له من ظروف الحياة من شدة ورخاء، قد يفتن بالمال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ، وقد يفتن بالغنى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] ، وبعض العلماء يقول: الصبر على العافية أشق على النفس من الصبر على المرض والضعف؛ لأن المريض خامد ليس عنده شيء، لكن المتعافي يتحرك بالقوة وقد يعتدي بأدنى مناسبة، وهكذا زيادة المال تُطغي. يقول ابن دقيق العيد: كل ما يرد على الإنسان من خير أو شر لامتحانه، وهنا يأتي مبحث بعض المربين: أيهما أفضل: الغني الشاكر الذي يصبر على النعمة التي افتتن بها لكنه يحفظها ويشكر الله عليها فلم يفتن أو الفقير الصابر الذي اختبر وامتحن بقلة المال فصبر؟ يُرجح الغني الشاكر؛ لأن الغني الشاكر شكره لغناه يجعله يعدي تلك النعمة إلى الآخرين، ويحسن إليهم بصدقة وبفعل الخير، لكن الفقير الصابر هو صابر، والناس ما نالهم من صبره شيء، وكما قالوا: الخير المتعدي أولى من الخير اللازم على صاحبه، وعلى هذا قالوا: فتنة المحيا كل ما يعطاه الإنسان من خير أو شر؛ فإن كان خيراً امتحن فيه، هل يؤدي شكر النعمة؟ وإن كان شراً؛ هل يصبر عليه؟ كما جاء في حديث عيادة المريض: (انظروا ماذا يقول لعواده؟ هل يشتكيني عليهم: أمرضني وأسقمني وسوى وسوى معي؟ أم يحمد الله على ما أعطاه، فإذا سمعوا منه أنه يشتكي الله عليه قال: دعوه مع الذي اشتكى لهم، وإذا سمعوا منه أنه يحمد الله على ما أصابه، وأنه رضي بقضاء الله وقدره فيقول: أمهلوه) فالله قد يحب أنين العبد الصالح في ابتلائه فيتركه على حاله ليصعد هذا الأنين الصادر من القلب إلى الله وحده. يهمنا هنا أن فتنة المحيا تشمل كل شيء، وكما قدمنا في المال والولد: أنه قد يكون فتنة ولا يدري الإنسان ما هو الخير.

стр. 656

فتنة الممات وما تطلق عليه فتنة الممات تحتمل أمرين: إما فتنة ما يقع فيه الإنسان عند آخر حياته، وبما يُختم له به، ونسبت إلى الممات؛ لأنها قريبة في مماته، وما قارب الشيء أعطي حكمه، وفي الحديث: (منكم من يعمل بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، ومنكم من يعمل بعمل أهل النار حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) ؛ ولذا قالوا: الافتتان هنا عند آخر حياته، هل يكون آخر كلامه لا إله إلا الله؛ أم أنه يعجز عنها وينصرف ويشغل بأمور أخرى؟ فبعضهم يقول: وفتنة الممات تحتمل أن تكون عند لحظة النزع والاحتضار فهناك يفتن، وقد يأتيه الشيطان ويسول له أشياء كثيرة، وإما الفتنة بعد الموت فهي السؤال في القبر، لما ورد من الأحاديث الصحيحة في ذلك: (إذا وضع العبد في قبره أتاه ملكان فأجلساه) ، وجاء أن الملكين يسألانه: عن ربه ودينه ونبيه؛ فإذا كان مؤمناً صالحاً وفق للجواب، وقد جاء في الحديث أنه ﷺ (حضر جنازة وبعد أن انتهوا من دفنها قال: سلوا الله لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل) ؛ فأمر رسول الله ﷺ من يحضر دفن الجنازة بعد أن يفرغوا من دفنه وتسوية التراب عليه أن يسألوا الله له الثبات في الجواب عن السؤال. عمرو بن العاص أوصى عند موته فقال: (إذا أنتم دفنتموني، فأقيموا عند قبري بقدر ما تنحر الجزور، -يعني: تذبح وتسلخ وتقسم- فإني أستأنس بوجودكم عند سؤال الملكين) . إذاً: عند السؤال الله أعلم بمن كان مخلصاً في دينه، صادقاً في إيمانه، فيلهمه الله الجواب الصحيح، ومن كان منافقاً -عياذاً بالله- أو كان أو كان، قال: هاه هاه لا أدري، هاه هاه سمعت الناس يقولون فقلت، وهنا الفتنة حقاً. ويقول بعض العلماء: هل هذا السؤال وتلك الفتنة عامة في جميع البشر من آدم إلى الآن وفي جميع الأمم؟ قالوا: لا، هذا خاص بهذه الأمة فقط، وما كان أحد من الأمم يسأل عن هذه الأمور في قبره، ولماذا امتحنت هذه الأمة مع أنها خير الأمم؟ ولماذا فتنت في قبرها؟ قالوا: لأن الأمم السابقة كانت إما أن تستجيب لنبيها فتسلم، وإما أن تعاند فيعاجلها العذاب، وكم من أمة جاءها العذاب واستأصلها لأنهم كذّبوا، أما هذه الأمة فقد رفع الله عنها العذاب إلى يوم القيامة، فهم يمضون في طريقهم الصادق على صدقه، والكاذب على كذبه، والمنافق على نفاقه، ومن هنا تأتي الفتنة والسؤال والفرز الأول في القبر، نسأل الله السلامة والعافية. في القبر من يمكن أن يساعد الإنسان هناك؟ لا أحد، وكما قيل: ثلاثة تصحب الميت، اثنان يرجعان، ويبقى واحد، ماله وأهله وعمله، ماله يذهب في فخر الناس ومجاملاتهم، وأهله يحزنون عليه، وعمله هو الذي يصحبه ويلازمه في قبره، فلا يملك أحد له شيء إلا الله. كان ﷺ يستعيذ من هذه الأربع في كل صلاة، وعلمنا ذلك؛ لئلا تغيب عن البال، دائماً وأبداً إذا استعذنا بالله من عذاب النار تجنبنا موجبه، إذا سألنا الله الاستعاذة من عذاب القبر أيضاً تجنب سببه، وقد جاءت بعض الأحاديث تؤكد على بعض أسباب عذاب القبر، مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول) ؛ يعني: ليس بكبير لأنه يستطيع أن يتحرز منه، (بلى إنه كبير) ؛ لأن عليه تتوقف صحة الصلاة، والصلاة عماد الدين، (وأما الثاني فكان يمشي بالنميمة بين الناس) ، ليس بكبير، يستطيع أن يمسك لسانه ويكفه عن الغيبة، ولكنه كبير؛ لأن الغيبة تفسد ما بين كل اثنين أو جماعة أو الجميع، والحديث هنا صحيح الإسناد، وهناك زيادة فيها مباحث (فأخذ جريدة فشقها نصفين، فوضع على كل قبر شقاً، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) ، ويأتي بحث العلماء: هل لنا أن نفعل ذلك اقتداء به ﷺ ، الكثير يقولون: نعم، والبعض يقول: لا، لأننا لم نطلع كما اطلع ﷺ على أهل القبر، ولا ندري أنه يعذب أو ينعم، لذا لا نضع احتياطاً، قالوا: وهل وضعنا نحن بأيدينا كوضع رسول الله؟ قالوا: لا، والمسألة تدور بين جواز فعل مثل ذلك عند القبور ومنعه، والذي عليه الاتفاق: أن ندعو له، وعند الدفن نسأل الله له التثبيت، وهذا ما يتعلق بفتنة الممات على إحدى المعنيين: إما أن يكون عند احتضاره مخافة سوء الخاتمة -عياذاً بالله- وإما ما يتعلق بسؤال القبر وهو فتنة عظيمة، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 657

الاستعاذة من فتنة المسيح الدجال قال: (ومن فتنة المسيح الدجال) . مسيح على وزن: فعيل، من المسح، ويقول بعض العلماء: لقد جمعت له وجه في الاشتقاق ولم نقف على ذلك، ولكن كلمة المسيح من حيث اللغة يقول بعضهم: المسِّيح بتشديد السين تكون للدجال، والمسيح بدون أي وصف آخر هو عيسى بن مريم ﵇، قال الله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [المائدة:٧٥] وكيف نسبة الاسمين لهذين مع بعد ما بينهما؟ قالوا: المسيح تطلق بالتخفيف على الجانبين، ولكن إذا أُريد به عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام جاءت مجردة وإذا أُريد الدجال لابد من القيد، كقولنا: جاء بأن المسيح الدجال يفعل كذا، فقالوا: سبب التسمية من أصل مادة المسح. أما الدجال: فلأنه يمسح الأرض كلها، ويأتي على جميع أماكن الأرض، ويطوف الكرة الأرضية ما عدا مكة والمدينة فلا يدخلهما، وقد جاء في رواية الموطأ في حق المدينة أن بها ملائكة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون؛ فالله حفظ المدينة من أن يدخلها الدجال، ولكن فتنته تصلها، بمعنى يأتي فينزل بملتقى الأسيال وراء بئر رومة -كما جاء في نص الحديث- فينصب خيامه ويدق طبوله، ويخرج له من المدينة كل منافق يخرجون إليه والمدينة معصومة منه وهي حرام عليه، وكذلك مكة المكرمة. إذاً: سمي المسيح لأنه يطوف في العالم بالمساحة السطحية ويجوبها كلها ما عدا الحرمين الشريفين. أما عيسى ابن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقالوا: مسيح بمعنى فعيل، ومسيح بمعنى فاعل، فقالوا: بمعنى فعيل ممسوح؛ لأنه نزل ممسوحاً، وما معنى ممسوح؟ قالوا: لأن النصارى من مبادئهم: أنهم يمسحون الطفل بما يسمى المعمدانية، فعيسى نزل ممسوحاً من عند ربه ولا يحتاج إلى مسحهم، وقيل: مسحه وعمده زكريا، وقيل: مسيح بمعنى فاعل أي: ماسح؛ لأنه كان يمسح المعتل فيبرأ. واللفظ هنا جاء مقيداً بالدجال، واللفظ يطلق فيشمل عيسى ﵇ ويشمل الدجال، ولكن إذا أريد بالاستعمال المسيح الدجال لابد أن يأتي بهذا القيد.

стр. 658

تحذير النبي ﷺ من فتنة الدجال شدد النبي ﷺ في التحذير من فتنة المسيح الدجال وقال: (إن ظهر فيكم وأنا بينكم فأنا حجيجه، وإن يظهر وأنا لست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه) وبيّن ﷺ أنه: (مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤها كل مؤمن) ، وبأي لغة أو بأي حروف أو بأي مداد تكتب؟ الغ العقل هنا، وصدق الخبر، فسوف تراها في جبينه، وكيف كتبت وكيف رضي بذلك؟ هذا رغماً عنه. إذاً: فتنته بينها ﷺ ، وقضية تميم الداري مشهورة، حينما نزل بالسفينة وانكسرت بهم وجاء إلى جزيرة ورأى ورأى إلى آخره، وكتب الحديث والفتن والملاحم مليئة بأخباره، وفتنته: أن يأتي والناس في محل وشدة فيقول: يا سماء! أمطري فتمطر، يا أرض! أنبتي فتنبت، يا زرع! استوي فيستوي اطحنوا كلوا، في موقف واحد: تمطر السماء وتنبت الأرض ويطحنون ويأكلون، ويقول: أنا إلاهكم، أنا ربكم ها قد فعلت، أما المؤمن فيقول: لا، إنك كافر، قد أخبرنا بذلك رسول الله، وأما الكافر فلا يدري، ويقول: نعم، إنك كذلك؛ لأنك فعلت وفعلت، ثم يأتي بمسلم ويشقه نصفين بالسيف، ويمشي بين شقيه، ثم يقول له: قم، فيقوم ملتحم الشقين إنساناً سوياً، ويقول: أنا ربكم أُحيي وأميت، فالكافر يفتن به -عياذاً بالله- والمؤمن يقول: لا، قد أخبرنا بذلك رسول الله ولا يفتن به، ولأن المسألة تتعلق بلقمة العيش وبالحياة والموت كانت الفتنة به خطيرة، وتخشى على كثير من الناس، ومن هنا من يستطيع أن يدفع تلك الفتنة؟ إنه الله، فكانت الاستعاذة من المسيح الدجال بالله ؛ لأنها فوق مستوى العقل، وفوق قدرة البشر، ونسأل الله أن يعيذنا جميعاً من عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن كل فتنة تقع بالناس، والله تعالى أعلم. قال ﵀: [وفي رواية لـ مسلم: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير) ] . تقدمت فائدة هذه الزيادة، وبأن موضع الاستعاذة يكون بعد الفراغ من التشهد الأخير، وقبل سؤال الله ما أعجبه. ومن الناحية الفقهية: يرى بعض العلماء كالظاهرية: بأن الاستعاذة من هذه الأربع واجبة، لقوله ﷺ : (إذا فرغ فليقل أو فليستعذ) ، وهذه صيغة أمر، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب، ولكن الجمهور على أنها ليست على الوجوب، ولكنها للتعليم والإرشاد؛ فهي للندب، وأعتقد أن العاقل لا ينبغي له أن يتركها إذا علم أن الرسول ﷺ أرشدنا إليها، وبيّن لنا ﷺ أنسب وقت لها، وهو: إذا فرغ من التشهد؛ فكيف يتركها الإنسان؟ وهل أمن على نفسه؟ لا والله، إذاً: لا ينبغي له أن يتركها.

стр. 659

شرح حديث: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ... ) قال ﵀: [وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : (علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) ، متفق عليه] . كأنه يقول: كل ما أعلمه لا يساوي ما يعلمنيه رسول الله ﷺ ، وهذه من خصائص الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع رسول الله، فقد كانوا يتلقون الأمر عنه مباشرة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. ويقول العلماء: الإنسان مهما كانت منزلته، ومهما بلغ فضله؛ فليس في غنى عن التعليم، فها هو أبو بكر الصديق رضوان الله تعالى عليه، وقد شهد له الله في كتابه، وأخبر عنه ﷺ : (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح بها) ها هو في حاجة إلى من يعلمه، ولكن من؟ رسول الله؛ لأنه لا يوجد أحد أعلم منه إلا رسول الله، فأدرك الحاجة إلى التعليم، وأدرك أنه ليس هناك أحد يعلمه إلا رسول الله، فقال: (علمني كلمات أقولهن في الصلاة) ، والرسول ﷺ أقره على ذلك؛ لأنه طلب وجيه. وكلمة: (به في صلاتي) تدل أن الدعاء في الصلاة عقب التشهد ليس مقيداً بالأربع، وليس مانعاً من غيرها، وكلمة في الصلاة مطلقة. (قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي) . هل حدد له موطناً في الصلاة؟ لم يحدد، يكون في سجوده، بعد الفراغ بعد التشهد، ضمن: (تخير من المسألة ما تشاء) ، الرسول ﷺ أخبره بعموم. أبو بكر الصديق ظلم نفسه، وعلي وحسين وعطية ومحمد وحسن عملوا ماذا؟ ظلموا أنفسهم وظلموا الناس معهم، من أحق وأولى بهذا الدعاء أبو بكر الصديق الذي قال الله فيه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] أو كل الحثالات الذين جاءوا من بعده؟ ولذا يقول العلماء: لا يسلم مخلوق مهما كان على وجه الأرض بعد الرسل من ظلم النفس، الرسول يقول له: (قل يا أبا بكر: (اللهم إني ظلمت نفسي) ، وكيف يقع الظلم من الإنسان لنفسه؟ قالوا: أصل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فهنا العبد مكلف، ضع العبادة هذه هنا، ابتعد عن المعصية هذه هناك، فإذا لم يضع العبادة في موضعها فقد وضع الشيء في غير موضعه؛ وبذلك ظلم نفسه؛ لأنه قصر في حق نفسه، وإذا لم يتباعد عن المعصية ظلم نفسه؛ لأنه وضع نفسه في غير ما ينبغي أن يوضع فيه، ولهذا قالوا: ظلم النفس إما بتقصير فيما يجب أن يفعله، أو في اعتداء بفعل ما لا يجوز أن يفعله، فهذا ظلم نفسه بحرمانها من فعل ما أمر به، وهذا ظلم نفسه بفعل ما نهي عنه، فحملها ما لا تطيق، ولهذا يأتي إنسان ساعة الاحتضار وهو حزين أسف، لماذا؟ إن كان محسناً حزن على التقصير في الإحسان، وإن كان مسيئاً حزن على التفريط في الإساءة. ولكن الظلم يتفاوت ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] ؛ فأعلاه الشرك، وأدناه اللمم. (ظلماً كثيراً) ليس مرة أو مرتين، بل ظلم متوالي، قد يرى العبد الصالح التفريط في المندوبات، أو الإفراط في المباحات؛ ظلماً، كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، الرسول ﷺ كان يدخل الخلاء لقضاء الحاجة وهو أمر جبلي، فيخرج فيقول: (غفرانك) ، وما موجب طلب المغفرة هنا؟ وما الذنب الذي يحتاج إلى مغفرة؟ قالوا: لامتناعه من ذكر الله أثناء وجوده في الخلاء، فكأنه يرى جزءاً من عمره خلا عن ذكر الله، فيطلب مغفرة من الله لذلك، سامحني في هذه اللحظة؛ لأنها كانت لحظ نفس، وبعضهم يقول: لأن ما يحصل للإنسان في ذاك المكان تتوقف عليه حياته، ولا يقوى على شكر نعمة الإخراج، كما لا يقوى على شكر نعمة الإدخال؛ لأنه لو حبس فيه مات، فكأنه يقول: هذه أيضاً نعمة أعجز عن شكرها فغفرانك، ولكن الأول أولى، والله تعالى أعلم. وفي بعض الروايات: (ظلمت نفسي ظلماً كبيراً) ، فنجد بعض العلماء يقول: نجمع بينهما: (ظلماً كثيراً كبيراً) ، والبعض يقول: تارة تقول: كبيراً، ولا تأتي بكثيراً، وتارة تقول: كثيراً، ولا تأتي بكبيراً؛ لأن الرسول لم ينطق بهما معاً في وقت واحد، وإنما جاء تعليمه مرة ظلماً كثيراً وحدها، أو جاء تعليمه ظلماً كبيراً وحدها، فأنت لا تجمعهما؛ لأنه لم يجمعهما، فتأتي بهذا تارة، وتأتي بذاك تارة أخرى، والله أعلم. (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) ، أنا رجعت إليك؛ لأن ظلمي لنفسي هو بحق التشريع الذي أمرتني أو نهيتني، فالمرجع إليك أنت. (فاغفر لي مغفرة من عندك) . لا بعملي، ولا باجتهادي، ولا بعباداتي، سبحان الله! أبو بكر الذي يخرج من الدنيا بكاملها لله ولرسوله، ويأتي بكل ما يملك من ماله، يخرج به مهاجراً إلى الله ورسوله، يأخذ كل ما يملك في مكة -أربعمائة درهم- ولم يترك لعياله شيئاً، ثم يأتي إلى المدينة، وبعد أن يأتي ويجتمع عنده المال، ويحض النبي ﷺ على الصدقة، يأتي بكل ماله فيقال له: (ماذا تركت لعيالك يا أبا بكر؟ فيقول: تركت لهم الله ورسوله) ، هذا أبو بكر مع عمله هذا كله الشخصية الصادقة في الرسالة، وفي صحبته له في مكة، وعرضه على القبائل، وتهيئته للهجرة، وخروجه معه إلى الغار، ومجيئه إلى المدينة، ومؤازرته، وشراء أرض المسجد الذي بني فيه، ومرافقته في كل غزواته، ولم يتخلف عنه قط ولا في غزوة من غزواته، ومع هذا كله: (واغفر لي مغفرة من عندك) ثم هذا الذي قدمته ما هو؟ قال: لا، كله من عند الله، هدايته، وتوفيقه لصحبة رسول الله، وجوده بنفسه وبماله، كل ما فعله الأصل فيه أنه من الله. (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قيل: ولا أنت، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) ، قال عبد الرحمن بن عوف: (رأيت كأني مت، وكأن القيامة قامت، وقد جئت ونوقشت الحساب؛ حتى ظننت أني هالك، وما أنجاني إلا صحبتي لرسول الله) ، ابن عوف الذي يأتي يتصدق بالعير وبما تحمل في سبيل الله، ويأتيه التُجار لشرائها بربح عشرة في المائة، وهو يرفض ويقول: هناك من أعطاني ألف في المائة، قالوا: ليس هناك تاجر في المدينة حاضر يعطيك هذا، قال: الله أعطاني،،الحسنة بعشرة أمثالها، هي بما فيها في سبيل الله، ومع ذلك يقول: (نوقشت الحساب حتى ظننت أنني هالك، وما أنجاني الله إلا صحبتي لرسول الله) ، هذا فضل من الله. ولهذا لا ينبغي أبداً أن يرى الإنسان لعمله قدراً، ويعقد رجاءه وأمله وحسن ظنه بالله، ويذكرون عن شخص كان مسرفاً على نفسه، فحضرته الوفاة فبكى الحاضرون عنده، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: والله! نخشى عليك لأنك كنت وكنت، قال: أرأيتم لو عدت ورجعت إلى والدتي أكانت تحرقني بالنار، قالوا: لا والله، قال: الله أرحم بي من أمي، انظر الرجاء! والصديق بنفسه يقول: (والله! لو أن إحدى قدمي في الجنة، والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله) . إذاً: في هذه الكلمات التي علمه رسول الله إياها وهي تعليم لنا: بيان وتوجيه فيما ينبغي أن يعقد العبد مع الله من قوة الرجاء، ويجتهد بقدر ما استطاع لطلب المغفرة من الله. (وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) متفق عليه. انظروا الترتيب والمقابلة، (اغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) ، وهكذا في الدعاء: الإنسان يسأل الله من أسمائه الحسنى بما يتناسب مع حاجته؛ لأن الصديق طلب المغفرة والرحمة فقال: اغفر لي وارحمني إنك أنت غفور رحيم، ولم يقل: رزاق كريم، ولا قادر علي عظيم؛ لأن حاجته المغفرة، وكأن كل اسم من أسماء الله باب مفتوح للخير، فتطرق ذلك الباب بتلك الصفة وبهذا الاسم. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 660

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [١٣] الدعاء هو العبادة، والصلاة هي الدعاء؛ ولذا شرع النبي ﷺ لأمته أدعية كثيرة في الصلاة، منها ما يكون في كل صلاة، ومنها ما يمكن التناوب في الإتيان به، وعلى كل مسلم الحرص على الإتيان بها؛ لأن الدعاء خير كله.

стр. 661

شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من البخل ... ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله؛ والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر) ، رواه البخاري.

стр. 662

تعوذ النبي ﷺ من الجبن والبخل تقدم الكلام على طرفٍ من هاتين الخصلتين المقترنتين: البخل والجبن، وتبيّن لنا أن البخل من أشد الأدواء، ويذكر بعض الناس عوامل قد تطرأ على الإنسان تُبخله، إما كثرة عيال وإما قلة المال، ولكن الحد الوسط في هذا هو: ألا يمتنع عن حق شرعي يتعلق بالمال؛ فإذا كان يؤدي حقوق الله فيما في يده من المال من زكاة أو مساعدة ضعفاء أو إحسان إلى الجار أو صلة ذي رحم؛ فلا يقال: إنه بخيل، ولكن إذا كان يمسك عن الواجب الذي أوجبه الله عليه شحاً بماله فهذا هو البخيل، كما أن الإسراف هو: أن يُبذر المال في غير وجهه، كأن ينفقه في أدوات لهو أو لعب، أو ما لا يجوز له شرعاً، أو يعطيه السفهاء يبذرونه ويضيعونه، فهذا تبذير ولا يجوز. وكلا طرفي الأمور ذميم إفراط أو تفريط هذا مذموم، لكن توسط واعتدال هذه هي الفضيلة. أما الجبن: فيرى بعض الناس أنه لا يستطيع الجبان أن يتكلف الشجاعة، ولا أن يتدرب ويكتسبها، قد يستطيع البخيل أن يتخلص من بعض شدة الشح عليه ويبذل، ولكن الجبن غريزة ذاتية لا يستطيع أن ينفك عنها، ويذكرون عن حسان رضي الله تعالى عنه الجبن، وهو الذي يُظهر الشجاعة في أشعاره، وهو القائل: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء يتهدد قريشاً، وهو لا يستطيع أن يقتل إنساناً، ويذكرون في غزوة الخندق لما أراد الرسول ﷺ أن يخرج بالصحابة إلى حفر الخندق، خافوا على النساء والأطفال من اليهود؛ لأنهم كانوا لا زالوا موجودين، وكان لـ حسان حصن منيع؛ فجمعوا النساء والأطفال في ذلك الحصن، ولفت نظر صفية رضي الله تعالى عنها أن رأت يهودياً يطوف بالحصن، فقالت لـ حسان: هذا يهودي يطوف بالحصن أخشى أن يطلع على ثُلمة فيؤذينا، انزل إليه فاقتله، فقال لها: ما أنا هناك يا ابنة عمي! وهي خافت على من عندها، فاحتزمت واعتجرت عمامة، وأخذت خشبة، ونزلت وترصدت به، فضربته على رأسه فقتلته، ثم قالت لـ حسان انزل وخذ سلبه، والله ما منعني أن آخذ سلبه إلا أنه رجل، قال: لا حاجة لي بسلَبه، فهذه حالة ما استطاع أن يتخلص منها. ويذكرون في بعض مواقف الشجعان أن الشخص يكون من أشجع خلق الله، لكن في البداية قد يكون من أجبن خلق الله، فإذا ما زج به إلى الخطر كان كالأسد الهصور، ويقولون: إن بعض الصحابة كان في بعض الغزوات، وحاصروا أهل تلك الجهة، فإذا بهذا الشخص يقول: لفوني في لفائف وألقوا بي إلى العدو، فلما لفوه في اللفائف، أحدث على نفسه من شدة الخوف، ولكن لما ألقوا به وراء السور قام وقاتل العدو حتى فتح الباب للمسلمين، فهذه مسائل هبة لا يستطيع إنسان أن يتحكم فيها، ولا ينبغي أن يُعاب على إنسان ابتلي بشيء غريزي لا يستطيع أن يتخلص منه. والذي يهمنا: أن النبي ﷺ تعوذ من هاتين الخصلتين مما يدلنا على أنها صفات مذمومة، ولكن يقول العلماء أو الأدباء -وهو عجيب-: البخل والجبن منقصة في الرجال ممدحة في النساء، ما كان نقصاً في الرجال يعابون به، فهو مدح في المرأة، كيف هذا؟ قالوا: المرأة البخيلة تحفظ مال زوجها في غيبته؛ لأنها تشح به، والمرأة الجبانة تخشى أن تخرج من بيتها فتبقى في بيتها، إذاً: الرجل البخيل مذموم، والمرأة البخيلة ممدوحة، وليس فقط بخيلة على عيالها أو زوجها، بل تكون بخيلة على الأجانب، وكذلك الرجل الجبان مذموم؛ لأنه يجب أن يكون شجاعاً ويقاتل ويحمي عرضه وماله ووطنه، إلى غير ذلك، والمرأة الجبانة هذه صفة مدح فيها؛ لأنها تخشى على نفسها أن تخرج ليلاً، أما في النهار فهي تحت أعين الناس، أما في الليل فالمرأة الجريئة تخرج ولا تدري ماذا يصادفها، إذاً: هما خصلتان مذمومتان في الرجال ممدوحتان في النساء.

стр. 663

الاستعاذة من أرذل العمر الخصلة الثالثة التي كان ﷺ يستعيذ بالله منها، هي: أن يُرد إلى أرذل العمر، أي: يمضي به العمر، وامتداد العمر يرد الإنسان إلى أوله؛ لأن من وصل إلى أرذل العمر، يصبح قليل الإدراك، قليل القوى، ضعيفاً كالطفل سواء بسواء؛ فإذا وصل إلى ذاك الحد كان امتداد العمر به ومضيه به إلى الأمام كأنه في حلقة بدأ بالصفر وهو طفل لا يعي شيئاً، ومشى في الدائرة حتى جاء إلى القمة؛ فكان في قوته ومنعته وذكائه وفطنته بلغ جهده كاملاً، ثم بدأ ينحرف مع الدائرة حتى إذا وصلت به إلى نقطة البداية رد إلى ما كان عليه في ضعفه لا يفقه شيئاً، والشخص إذا كبر لا يحسن التصرف، وربما يبكيه الشيء القليل كالطفل، ولا يستطيع أن يُحكم أمره، ويكون في حاجة إلى قوامة عليه في أكله وشربه وما يحتاجه، فاستعاذ ﷺ أن يمتد به العمر إلى أن يواصل السير حتى يعود إلى ما كان عليه في بداية عمره، وهي حالات الطفولة، وإذا كان الأمر كذلك، فطول العمر مذموم: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) ، ما دام أنه في حسن العمل فالحمد لله، وإذا وصل إلى حد يسقط عنه القلم لا يُحسن أن يصلي ويعقل أو يصوم ولا يدرك أن يزكي؛ فحينئذ لا يوجد عمل، ويكون طول العمر حينئذ عبئاً عليه، ونسأل الله السلامة والعافية. والعمر رزق من عند الله، وليس لأحد فيه تصرف، ربما نسمع أن بعض الأشخاص تجاوز المائة، وهناك من عاش إلى مائة وخمسين إلى مائتين إلى ثلاثمائة سنة، ولا نبعد فنوح ﵇ ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو قومه فقط، وقبل هذا كم؟ لا نعلم، ويقولون: كلما طال الزمن كلما قصرت الآجال، فكانوا في السابق يعيشون المائة والمائتين والثلاث والأربع، والآن تقاصرت الأعمار، والله تعالى أعلم. يهمنا في هذا: إذا كان الرسول ﷺ يستعيذ من تلك الحالة، إذاً: وأنت في شبابك أو شيخوختك وقواك يجب أن تعمل؛ لأنك لا تدري فربما يمتد بك العمر حتى لا تستطيع أن تعمل؛ ولهذا كانت استعاذة النبي ﷺ من هذه الصفة، والله تعالى أعلم.

стр. 664

الاستعاذة من فتنة الدنيا وقوله: (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) ، كان يستعيذ ﷺ من فتنة الدنيا، والفتنة الأصل فيها الوضع في النار، يقولون: فتنت الذهب، أي: أدخلته النار ليتميز الصافي والخالص مما علق فيه من معادن أخرى أو تراب أو غير ذلك، فالفتنة انتقل استعمالها إلى الشدة التي تظهر حقيقة الإنسان، وفتنة الدنيا يذكرون لها مجالات عديدة: إما في المال أو الأولاد أو التقاصر في العمل كل ما يمكن أن يشغل الإنسان عن واجبه فهو فتنة، فقد يكون الإنسان في مال، وولد، ومنصب، وعافية، وكل هذا امتحان وفتنة. هل يكون في تلك الحالات محافظاً على الواجب مؤدياً لحق الله؟ أو هل ما بيده يزيده شراً ويتعدى به حده فيطغيه؟ بعضهم بالعافية يطغى على الضعيف فيؤذيه، أو بالمال يطغى ويتطاول على الفقراء، وبالجاه يتطاول ويزدري الآخرين، وهكذا. وتقدم لنا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] ، أن هذا ابتلاء، وقد يكون الابتلاء أيضاً بالغنى، ليس بالنقص وإنما بالزيادة، والابتلاء بالزيادة أشده، سمعنا شيخنا الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول فيه: علماؤنا يقولون: الفتنة بالغنى وبالصحة أشد ابتلاءً على الإنسان من الفتنة بالفقر والمرض لأن الفقير والمريض، لا يدري ما يفعل، لكن الفتنة بالصحة وبالمال شديدة، وذاك الذي يقول: إن الشباب والفراغ والجِدة مفسدة للمرء أي مفسدة لم يقل: الهرم ولا الفقر، لا، إن الشباب والفراغ والجِدة بمعنى المال، شباب ومعه مال ومتفرغ، وليس معه شيء يضيع وقته فيه، ولا يصرف قوة شبابه فيه، معناها: أنه يعود على الناس بالبطش وبالإيذاء، والله بيّن ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] . إذاً: كان ﷺ يتعوذ من فتنة الدنيا سواء بعرض من أعراضها أو بأي حالة من حالاتها، ونسأل الله أن يقينا وإياكم فتنة الدنيا.

стр. 665

الاستعاذة من عذاب القبر قوله: ( ﴿وأعوذ بك من عذب القبر) . تقدم بيان الاستعاذة من عذاب القبر وفيه إثبات وجود عذاب القبر بالفعل، والنصوص قد تقدمت في هذا، ومنها الإشارة من كتاب الله، وتقدم هذا الأمر بما يغني عن إعادة الكلام فيه. ودائماً وأبداً يا إخوان! إذا وجدنا مقترنات متعددات مختلفة جاءت في حديث نبوي، ونعلم بأن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم والحكم؛ فلو تأملنا في تلك المتعددات التي جاءت في نسق من حديث رسول الله نجد بينها ارتباطاً، وقد أشرنا إلى ما يقوله العلماء من الارتباط بين البخل والجبن؛ لأنهما مقترنان لا ينفكان؛ فكل بخيل جبان وكل جبان بخيل، بخلاف الشجاع والكريم، كل شجاع كريم، وكل كريم شجاع، ثم بعد ذلك أُرد إلى أرذل العمر؛ لأن الرد إلى أرذل العمر يجعل الإنسان في حالة لا يعي شيئاً مما حوله، وهو كالذي جمع البخل والجبن سواء، ثم يأتي بعد هذه الأشياء التعوذ من فتنة الدنيا سواء كانت في المال بالتبخيل أو بالتبذير والتعدي، أو كانت في الجبن من التقصير من الواجب أو التهور في التعدي على الآخرين، فجاء التعوذ من فتنة الدنيا ليعم كل ما تقدم، ثم جاء التعوذ من عذاب القبر لأنه النهاية، وهو البرزخ بعد الحياة.

стр. 666

شرح حديث: (كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ... ) قال ﵀: [وعن ثوبان ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته: استغفر الله ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!) ، رواه مسلم. ] . قوله: (استغفر) الهمزة والسين والتاء للطلب، مثل استنجد: طلب النجدة، واستعاذ: طلب العوذ واللواذ، واستغفر: طلب المغفرة. كنا في الصلاة في مناجاة مع الله: حمدنا وشكرنا وركعنا وسجدنا وقرأنا وسألنا كل ما يمكن من العبادات تكون في الصلاة، والاستغفار: طلب المغفرة، وطلب المغفرة إنما يكون من خطيئة أو ذنب، أين الخطيئة، وأين الذنب الذي حالاً نستغفر منه؟ يرى بعض العلماء بأن الاستغفار مباشرة عقب الصلاة تتمة لأمر الصلاة؛ لأن المطلوب في الصلاة أن العبد يكون في رحلة مناجاة مع الله، وقد جاء عن بعض السلف: أنه كان يغيب عن وعيه عما حوله إذا دخل في الصلاة، ويجمع كل إحساسه ومناجاته في صلاته، ويقولون عن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم: كان يصلي، وبعد ما انتهى من الصلاة نظر فإذا غبار في جانب من المسجد، قال: ما هذا الغبار؟ قالوا: ألم تعلم؟ قال: ما الذي حصل؟ قالوا: جدار المسجد سقط، يسقط جدار المسجد الذي هو فيه وهو لم يشعر، لماذا؟ كان في مجال آخر، وكما قال ﷺ : (إن في الصلاة لشغلاً) ، أي: تشغل الإنسان عن كل ما حوله، ويذكرون عن عروة بن الزبير -ولم أجدها في ترجمته- أنه لما سافر إلى معاوية بالشام أصيب بجرح، ودخلته الغرغرينة إلى أن جاءه الطبيب وقال: لابد من قطع القدم؛ لئلا يسري الداء إلى الجسم فيقتلك، وفي بعض الكتب أنه قال: ائتوا به لكي نبنجه قال: لماذا؟ قال: حتى تغيب عن وعيك فنقطع رجلك، فرفض، وقال للطبيب: اقض عملك، فقطعوا رجله دون أن يبنجوه، ولم يتأوه، ولا مرة، وبعضهم يقول: كان معه بعض أولاده، فقال لهم: تريدون قطعه؟ قالوا: نعم، قال: انتظروا حتى يدخل في صلاة، فإذا دخل في صلاة فشأنكم برجله فلن يشعر بكم، وفعلاً تركوه حتى كبر للصلاة وجاءوا بأدواتهم ونشروا ساقه، ولم يقل لهم شيء، حتى انتهى من الصلاة فإذا برجله بجواره، قال: ما هذا؟ قالوا: رجلك الذين نريد أن نقطعها، قال: متى؟ قالوا: وأنت في الصلاة، أعتقد أن مقاييسنا لا تحتمل هذا، وأي ميزان في العالم له طاقة خمسين كيلو لو وضعت عليه زيادة لابد أن يخسر ويفسد، فموازيننا العقلية لا تتحمل هذا، كيف نقيس بها ذلك؟ ولو وجدت شوكة أو إبرة وأنت في الصلاة لابد أن تشعر بها. إذاً: هذه أمور يمنحها الله من شاء من عباده حتى يكونوا في حالات الله أعلم بها، وكما قال عمر بن عبد العزيز أو غيره: إذا أردت أن تدخل على ربك بغير استئذان وتخاطبه بلا ترجمان: فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، وكبر للصلاة، الآن عندما دخلنا المسجد استأذنا من؟ لا أحد، فقط قلنا الدعاء المأثور: (باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي، وافتح لي أبواب رحمتك) فكبرتَ وقرأتَ، وكل مسلم يتعين عليه أن يقرأ الفاتحة بالعربية، لكن غير العربي في الأدعية هل يتعين عليه أن يدعو باللغة العربية؟ إن لم يستطيع فبلغته، خاطب ربه بدون ترجمان، ويكون الصف فيه مئات الأشخاص يدعون بمئات اللغات، ولا يحتاج الإنسان مع الله إلى ترجمان؛ لأنه منه إلى ربه. فإذا كان الأمر كذلك، فيعلمنا ﷺ : أنه يقع من الإنسان بعض التقصير في حق الصلاة سواء من كمال خشوعه وخضوعه فيها أو من سهو عن بعض سُننها أو شروطها أو لوازمها؛ فحينما يفرغ منها ويخشى أن يكون هناك تقصير ما الذي يجبر هذا التقصير؟ ليس شيئاً معيناً كسجود السهو، ولكن أشياء لا تدخل في الجبران التشريعي التكليفي، وإنما تدخل في الجبران الروحي المعنوي، فلكأن النبي ﷺ بتشريعه للاستغفار عقب الصلاة إنما يرشد إلى أن ما كان من تقصير في الصلاة، تسريح في الذهن أو غير ذلك فإنما يجبره الاستغفار؛ فهو يستغفر الله عما كان منه من ذلك التقصير، وإلا فالرسول ﷺ وهو سيد الخلق وسيد الخاشعين والمتواضعين لله يقول: (إني أدخل في الصلاة، وأريد أن أطيل، فأسمع بكاء الطفل، فأخفف شفقة أمه) ليس جدار يطيح ولا يدري عنه، لا، طفل يبكي عند أمه فيسمعه ويدرك بكاءه، فيخفف شفقة على الأم، وتلك أمور نادرة، ولكن التشريع هنا للاستشعار بأن الاستغفار عقب الصلاة هو جبران لما يكون من تقصير فيها، والله تعالى أعلم. ويقول بعض العلماء: لا يمكن لإنسان أن يصلي ركعتين دون أن يقع منه تقصير فيها ويذكرون مثالاً لذلك: أن شخصاً جاء إلى أبي حنيفة ﵀ وقال: أنا كان لي مال ودفنته ثم نسيت أين دفنته، ماذا أعمل؟ أبو حنيفة هل كان يعلم الغيب أو سينجم؟ لا، لكن بفقهه قال: إذا كان ثلث الليل الأخير؛ فقم وتوضأ وصل ركعتين، وأخلص فيها النية لله، ولا تحدثن نفسك ولا بشيء، ثم بعد ذلك تأتيني، وفي الغد جاء وقال: جزاك الله خيراً، قال: ما بك؟ قال: وجدت المال، الحاضرون عجبوا من هذا، وقالوا: كيف وجده؟ كيف أرشدته إلى هذا؟ قال: إن الشيطان لن يدعه يمضي في صلاة من هذه النوعية، ويهون على الشيطان أن يعثر على المال بدلاً من أن يصحح ركعتين بهذه الصفة، فلما استمر في صلاته جاءه الشيطان، وقال: أنت دفنته في المحل الفلاني، ولما يتذكر موضع المال هل سيستمر في ذلك النوع من الصلاة؟ لا، فذهب ووجد المال. ويقولون: إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: (إني لأجهز الجيوش في الصلاة) ، يعني: أفكر فيها، وهو والله لا يلام؛ لأن عشرات الآلاف من المسلمين يخرجون من المدينة إلى أقطار الدنيا، كل يحمل روحه في كفة، والدين في كفة ابتغاء وجه الله، من يتحمل مسئولية هؤلاء؟ ووجدنا أن الرسول ﷺ في بدر كان يرفع كفيه إلى السماء ويناجي ربه ويناشده حتى يسقط الرداء عن كتفيه ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض) ، فهل كان يبتهل لنفسه أو من أجل تلك العصابة؟ بل من أجل غيره، وبعض الناس كلموه، فقال: من منكم يصلى ركعتين لا يُحدث فيهما نفسه فله فرسي الفلاني، فقام شخص وأخذ يُجرب، فذهب ومن غد جاء وقال: يا أمير المؤمنين! أنا فعلت، قال له: كيف؟ قال: قمت وأنا خالص النية وليس على بالي شيء، ولكن قبل أن أسلم فكرت: عندما آخذ الفرس ماذا سأفعل به؟ أنا لست فارساً حتى أقاتل عليه، وليس عندي كلفة الفرس، وكلفة الفرس أكثر من كلفة الإنسان، قال له: هذا من التفكير في الصلاة. إذاً: حينما يدخل الإنسان الصلاة ويخرج منها يستشعر بأن هناك بعض النواقص، ويمكن أن يشهد لهذا المعنى الذي ذهب إليه العلماء: أن الرسول ﷺ أخبرنا أن أول ما يُنظر في عمل العبد من الحقوق الدماء، ثم من العبادات الصلاة، فإذا كان هناك نقص على العبد في صلاته من غفوات وقعت منه، فيقول المولى سبحانه للملائكة: (انظروا هل لعبدي من نوافل؟ فيقولون: نعم، له نوافل، فيقول: اجبروا فريضته من نافلته) ، وعلى هذا المقياس يكون الاستغفار جبراً لما كان من نقص في صلاته، والله تعالى أعلم. (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) . هذا الذكر المبارك لعله يوحي به السلام في الصلاة، وأيضاً حينما فرغ من صلاته سيتجه إلى دنياه فيطلب السلامة، (أنت السلام، ومنك السلام) ، وأسألك السلامة في ديني ودنياي وكل أحوالي (تباركت يا ذا الجلال والإكرام) ، يا ذا العظمة والكبرياء، فيه كل معاني العظمة لله .

стр. 667

شرح حديث: (من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ... ) قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين؛ فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم، وفي رواية أخرى: (أن التكبير أربع وثلاثون) . ] . تقدم هناك قراءة آية الكرسي ومعها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وهنا التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة؛ فلا مانع أن يكون كلا الأمرين بعد الصلاة، والأنسب أن يُقدم آية الكرسي و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ؛ لأنها نص من القرآن، وجاء في حقهما: (لا يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) ، وهنا كذلك: كان يتعوذ بأربع كلمات دبر كل صلاة) ، فسواء قدّم هذا أو أخر هذا، المهم أن يكون الجميع بعد الصلاة لا في حالة الصلاة ولا بعد الانصراف عن مكانه. هذا الذكر المبارك: (من قال دبر كل صلاة: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر) ، وإذا وجدت متعددات في نسق واحد في حديث رسول الله ﷺ فاعلم أن بينها مناسبة. (سبحان الله) ، ما معنى التسبيح؟ تقول كتب فقه اللغة: أصل المادة السين والباء والحاء، سَبَحَ، والألف والنون زائدتان كما هما في عثمان، وأصل مادة سَبَحَ إنما هي حركة الإنسان في الماء، وحركة الإنسان في الماء لأي شيء؟ إذا ألقينا بإنسان في نهر فلكي لا يغرق ماذا يفعل؟ يسبح، ولو لم يستطع فإنه يحاول السباحة، فقالوا: كذلك العبد حينما يقول: سبحان الله، كأنه يُسبح الله ويبعد عن ذاته سبحانه كل ما لا يليق بجلاله، أو هو يسبح في بحر المعرفة وتقديس المولى عن كل نقص؛ ليسلم من مهلكة الشرك والنقص في حق الله، وعلى كلا الأمرين؛ فإن سبحان الله، معناها: أُنزه الله وأُقدس الله من كل عيب أو نقص، فبقولك: سبحان لله نفيت عن ذات المولى سبحانه كل ما يمكن أن يكون فيه نقص لله، وبعد التنزيه تأتيه بالحمد والثناء، وهو المحمود لكمال ذاته لا لشيء يصدر منه لك أو لغيرك، ولذا يقولون: اللغة فيها الحمد والمدح والثناء، والكل ذكر للمحمود والممدوح والمثني عليه بالخير، ولكن الثناء إنما يكون لمن أصابك منه خير، والمدح يكون لإنسان نبغ وفاق وتفوق على أقرانه في مجاله، فتمتدح مخترعاً ولو كان غير مسلم؛ لأنه اخترع ما ينفع الإنسانية، وتمتدح طبيباً ماهراً أجرى عملية دقيقة خطيرة، وتمتدح مهندساً قدم شيئاً نادراً ممتازاً في مهنته، ولكن من أسدى إليك نعمة تثني عليه، وتشكره على ذلك، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله؛ فإذا طبيب عالجك تشكره على معالجته لك، أما طبيب حاذق فتمدحه وتثني عليه لحذقه ونجاحه في عمله، وأما الحمد فلا يكون مقابل نعمة أسداها إليك، ولا بسبب فعل نادر تفوق به على غيره، وإنما يكون لكمال ذات المحمود في ذاته، ولو لم يصلك منه شيء أو يصدر منه لغيره شيء، فهو في ذاته محمود، وهذا لا ولن يكون إلا لله؛ لأن ما عداه فهو ناقص، وما عداه يثنى عليه أو يمتدح لجزئية في حياته، وقد يكون فيه عيوب من جهات أخرى عديدة. إذاً: بالجمع بين (سبحان والحمد لله) جمعت أطراف التوحيد للمولى، وكما يقول الأصوليون: درء المفسدة مقدم، لذا بدأت بتنزيه الله عن كل نقص أو عيب، ثم جئت بالحمد والثناء عليه؛ فتكون جمعت للمولى سبحانه كل أنواع التوحيد من نفي ما لا يليق بجلاله، وإثبات جميع المحامد له، وبهذا تأتي بعد ذلك بـ: (الله أكبر) ، ومن اجتمعت له كل معاني التنزيه والمحامد فلا أكبر منه، فهو أكبر بالأمرين. فإذا جئت بهذه الأعداد المنصوص عليها -تسعة وتسعين- وهي وتر، وختمت المائة بالذكر الجامع: لا إله إلا الله- كنت ممن جمع التنزيه والتحميد والكبرياء والكمال لله وحده، وبهذا تكون ألممت بكل ما يتعلق بتوحيد المولى . وهنا نجد المحققين من العلماء يقولون: ائت بهذا العدد ثلاثاً وثلاثين، ولو جئت بأربعة وثلاثين من كل واحدة أو بخمسة وثلاثين قال لك: لا؛ لأن الدعاء توقيفي، والذكر المحسوب بالعدد توقيفي ولا يحق لك أن تزيد فيه، كما لا يحق لك أن تنقص منه، فقالوا: التركيب العددي في الذكر الوارد كالتركيب المادي في الدواء، الصيدلي يكتب له الطبيب: ركب الدواء من المواد الفلانية الثلاثة: من الأول عشرة جرام، ومن الثاني ثمانية، والثالث خمسين. لو زاد جراماً أو أنقص أفسد الدواء، وهكذا يقول لك الطبيب: ملعقة في الصباح، وملعقة في الظهر، وملعقة في المساء. لو أخذت ملعقة في الصبح وملعقة في المساء نقصت فعالية الدواء، ولو أخذت ملعقتين ملعقتين زاد الدواء على مفعولية الداء وقد يضرك، وعلى هذا يقول ابن دقيق العيد: هذا الذكر الوارد بالعدد المعين يجب أن تلتزم به ليؤدي النتيجة التي رتبها عليه النبي ﷺ ، وفي غير هذا التركيب لك أن تقول: سبحان الله ألف مرة ألفين، لا أحد يمنعك تقول: الحمد لله، مائة ألف مرة، لا أحد يمنعك، الله أكبر، تقولها طول عمرك لا أحد يمنعك من ذلك كله، لكن لا تنتظر النتيجة التي رتبها النبي ﷺ على هذا العدد المعين، إن كنت تريد النتيجة المرتبة على عدد معين فيجب أن تلتزم بهذا العدد، ولا تزيد فيه ولا تنقص منه، والله تعالى أعلم. (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) . تقدم نظير هذه الجملة. (غُفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) . النتيجة المترتبة على هذا الذكر ما هي؟ (غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) ، زبد البحر يعرفه الذين يعيشون على السواحل، حينما يضطرب الموج تجده يأتي مع اضطرابه إلى الساحل بزبد لا يعلم قدره إلا الله، فلو كانت ذنوب الإنسان كزبد البحر -وهي من الرغاوي التي تكون على وجه الماء من تفاعله- لغُفرت بهذا الذكر المركب بهذا العدد المعين، ونظير هذا الحديث: لما جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، وبالدرجات في الجنة، قال: وما ذاك؟ قال: يُصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، ولا مال عندنا) يعني تساوينا في العبادات البدنية، وهم زادوا عنا في العبادات المالية، قال: (ألا أدلكم على ما إن فعلتموه تزيدون عليهم، ولا يكن مثلكم إلا من صنع صنيعكم؟ قالوا: بلى، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتختمون المائة بلا إله إلا الله ... ) إلى آخره، فذهبوا حين قال لهم هذا، وهذه عملة جديدة، وسيحصلون منها على أجر كما يحصل الأغنياء على أجور من أموالهم، فأصبحوا يقولون مثلهم، يعني رجعنا وتساوينا ولا زالوا هم مفضلون ببقايا أموالهم. انظروا الحكمة النبوية اللطيفة هذه، كان ممكن يعطيهم ذكر طيب ولكن إلى متى، أليس كل ما يعطيهم سيصل إلى الآخرين ويقولونه، فحسمها، وقال: (ذلك فضل الله) ، كونه أعطاهم مالاً زائداً فهذا فضل منه، وكونه يعطيهم ثواباً على الذكر كما يعطيكم هذا فضل الله، وما دام أنه فضل الله فلا أحد له دخل: (لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت) . ولكن هل يقصر الأمر على الفقراء لقلة مالهم؟ لا والله، إنهم ليحصلون على الأجر بنيتهم في رغبة الإنفاق، ويشهد لهذا قوله ﷺ : (إنما الدنيا لأربعة: رجل أعطاه الله مالاً وأعطاه علماً؛ فهو يعرف حق الله في المال، ويؤدي حق الله فيه فهو في أعلى عليين) أعطاه الله مالاً وعلماً، ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا؛ فهو في أعلى عليين: (ورجل أعطاه الله علماً ولم يعطه مالاً فقال: لو أن لي مالاً لفعلت فيه كما يفعل فلان، فهو معه سواء) معه في المرتبة بالنية، (ورجل أعطاه الله مالاً ولم يعطه علماً؛ فلا يعرف حق الله فيه؛ فهو في أسفل السافلين) لأنه ضيع حق الله في المال، ولم يتعلم حق الله، ولم يؤد حق الله، (ورجل لم يعطه الله مالاً ولا علماً، فقال: لو كان بيدي مال لفعلت فيه كما يفعل فلان؛ فهو معه سواء) فالثاني أدرك الأول بالنية، والرابع أدرك الثالث بالنية، والحديث العام: (إنما الأعمال بالنيات) . إذاً: هؤلاء رغبوا في أن يكون لديهم المال وأن يتصدقوا كما يتصدق الآخرون، ولكن لم يعطهم الله؛ فهم على نياتهم يؤجرون بفضل الله. وفي رواية أخرى: (أن التكبير أربع وثلاثون) . تكون التكبيرة أربع وثلاثين لتكمل المائة، أو أن يختم المائة بلا إله إلا الله، وهذه أولى؛ لأنها ذكر زائد، وهي تتناسب مع ما تقدم من التنزيه والتحميد والتكبير؛ فتكون لا إله إلا الله أجمل وأشمل، وزيادة في المعنى وأرجح في الرواية، والله تعالى أعلم. أيضاً يا إخوان: جاء أن هذا الذكر يقوله الإنسان مجموعاً أو مفرقاً، في بعض الروايات: (سبحان الله والحمد الله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين) ، يعني: يأتي بالألفاظ الثلاثة مجموعة في جملة، أو أن يأتي بكل لفظ على حدة ثلاثاً وثلاثين، والثاني: هي الرواية الراجحة، والله أعلم.

стр. 668

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [١٤] رغم أن الصلاة هي من أعظم الذكر إلا أنها أتبعت بأذكار أخرى عظيمة، منها: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ، وأعلى منه شأناً وجلالاً: آية الكرسي بما تحمله من صفات وأسماء لله جل وعلا، وكلها تشعر بعظمة وكبرياء المولى .

стр. 669

شرح حديث: (اللهم أعني على ذكرك ... ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى آله وصحبه وبعد: قال المؤلف ﵀: [وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (أوصيك -يا معاذ -: لا تدعن دُبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) ، رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند قوي] . حديث معاذ رضي الله تعالى عنه من النصوص الواردة في الذكر بعد الصلوات الخمس.

стр. 670

ترجمة معاذ بن جبل ومع أننا لم نتعرض لأحد من الرواة ولكن معاذاً له شأن خاص به، وفي مقدمة هذا السياق: أن الرسول ﷺ قال له: (يا معاذ! إني أحبك، وأريد أن أوصيك، فقال معاذ رضي الله تعالى عنه: وأنا والله أحبك -يا رسول الله- فأوصني) ، فقول الرسول ﷺ لـ معاذ: (أحبك) ، تعطيه خصوصية، وقد أفرده النبي ﷺ بصفة كما أفرد غيره، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (أعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) ، ومعاذ كان يُعتبر بعثة تعليمية متنقلة، ولقد أقامه النبي ﷺ لأهل اليمن يعلمهم الإسلام، وفي خلافة عمر رضي الله تعالى عنه كتب زيد من الشام إلى أمير المؤمنين عمر: إن أهل الشام في حاجة إلى من يعلمهم دين الإسلام، فأرسل إليه معاذ بن جبل. وتجدون ذلك في الموطأ في باب المتحابين في الله، فيروي مالك عن شاب يقول: دخلت مسجد دمشق، فوجدت شاباً براق الثنايا يجتمع الناس عليه، ويصدرون عن رأيه، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا معاذ بن جبل، فبكرت من الغد إلى المسجد فوجدته قد سبقني إليه وهو قائم يصلي، فجلست حتى صلى فسلمت عليه وقلت: إني أحبك في الله، فجذب بردائي وقال: اجلس، آلله ما أحببتني إلا في الله؟ -يعني: والله ما أحببتني إلا في الله- قلت: آلله أحببتك في الله، قال: أبشر، سمعت رسول الله ﷺ يبشر بالجنة للمتحابين في الله) . فـ معاذ رضي الله تعالى عنه أحبه رسول الله، ومع ذلك أدركته فاقة ولحقته ديون؛ فاستعمله رسول الله ﷺ لعله يصيب من أجر العمالة ما يُسدد دينه. يهمنا في هذا الحديث: قول الرسول ﷺ له: (إني أحبك) ويكفي ذلك فضلاً لـ معاذ أن الرسول يحبه، وكما جاء في مثل هذا المعنى في غزوة خيبر لما استعصى حصن مرحب، ورجعوا متأثرين، فقال ﷺ : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يقول عمر: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، ويقول عمر وهو محل الشاهد: والله! ما تطلعت نفسي لرئاسة ولا لإمارة إلا تلك الليلة؛ لقوله ﷺ : ويحبه الله ورسوله) ؛ لأن هذا ليس بالأمر الهين، ومع هذه المحبة يقول له: (أريد أن أوصيك) ، فهو أعلن من جانبه أيضاً: (وأنا والله يا رسول الله أحبك) ، وكون معاذ يحب رسول الله هذا أمر واجب، (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤] ، ولا ينبغي أبداً أن يقدم محبة مخلوق عرضاً كان أو أصلاً، إنساناً أو مالاً؛ على محبة رسول الله؛ لأن محبة رسول الله هي معيار الإيمان.
следующие страницы →