Полный текст (2 523 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
شرح حديث: (كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ... )
قال ﵀: [وعن ثوبان ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته: استغفر الله ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!) ، رواه مسلم.
] .
قوله: (استغفر) الهمزة والسين والتاء للطلب، مثل استنجد: طلب النجدة، واستعاذ: طلب العوذ واللواذ، واستغفر: طلب المغفرة.
كنا في الصلاة في مناجاة مع الله: حمدنا وشكرنا وركعنا وسجدنا وقرأنا وسألنا كل ما يمكن من العبادات تكون في الصلاة، والاستغفار: طلب المغفرة، وطلب المغفرة إنما يكون من خطيئة أو ذنب، أين الخطيئة، وأين الذنب الذي حالاً نستغفر منه؟ يرى بعض العلماء بأن الاستغفار مباشرة عقب الصلاة تتمة لأمر الصلاة؛ لأن المطلوب في الصلاة أن العبد يكون في رحلة مناجاة مع الله، وقد جاء عن بعض السلف: أنه كان يغيب عن وعيه عما حوله إذا دخل في الصلاة، ويجمع كل إحساسه ومناجاته في صلاته، ويقولون عن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم: كان يصلي، وبعد ما انتهى من الصلاة نظر فإذا غبار في جانب من المسجد، قال: ما هذا الغبار؟ قالوا: ألم تعلم؟ قال: ما الذي حصل؟ قالوا: جدار المسجد سقط، يسقط جدار المسجد الذي هو فيه وهو لم يشعر، لماذا؟ كان في مجال آخر، وكما قال ﷺ : (إن في الصلاة لشغلاً) ، أي: تشغل الإنسان عن كل ما حوله، ويذكرون عن عروة بن الزبير -ولم أجدها في ترجمته- أنه لما سافر إلى معاوية بالشام أصيب بجرح، ودخلته الغرغرينة إلى أن جاءه الطبيب وقال: لابد من قطع القدم؛ لئلا يسري الداء إلى الجسم فيقتلك، وفي بعض الكتب أنه قال: ائتوا به لكي نبنجه قال: لماذا؟ قال: حتى تغيب عن وعيك فنقطع رجلك، فرفض، وقال للطبيب: اقض عملك، فقطعوا رجله دون أن يبنجوه، ولم يتأوه، ولا مرة، وبعضهم يقول: كان معه بعض أولاده، فقال لهم: تريدون قطعه؟ قالوا: نعم، قال: انتظروا حتى يدخل في صلاة، فإذا دخل في صلاة فشأنكم برجله فلن يشعر بكم، وفعلاً تركوه حتى كبر للصلاة وجاءوا بأدواتهم ونشروا ساقه، ولم يقل لهم شيء، حتى انتهى من الصلاة فإذا برجله بجواره، قال: ما هذا؟ قالوا: رجلك الذين نريد أن نقطعها، قال: متى؟ قالوا: وأنت في الصلاة، أعتقد أن مقاييسنا لا تحتمل هذا، وأي ميزان في العالم له طاقة خمسين كيلو لو وضعت عليه زيادة لابد أن يخسر ويفسد، فموازيننا العقلية لا تتحمل هذا، كيف نقيس بها ذلك؟ ولو وجدت شوكة أو إبرة وأنت في الصلاة لابد أن تشعر بها.
إذاً: هذه أمور يمنحها الله من شاء من عباده حتى يكونوا في حالات الله أعلم بها، وكما قال عمر بن عبد العزيز أو غيره: إذا أردت أن تدخل على ربك بغير استئذان وتخاطبه بلا ترجمان: فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، وكبر للصلاة، الآن عندما دخلنا المسجد استأذنا من؟ لا أحد، فقط قلنا الدعاء المأثور: (باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي، وافتح لي أبواب رحمتك) فكبرتَ وقرأتَ، وكل مسلم يتعين عليه أن يقرأ الفاتحة بالعربية، لكن غير العربي في الأدعية هل يتعين عليه أن يدعو باللغة العربية؟ إن لم يستطيع فبلغته، خاطب ربه بدون ترجمان، ويكون الصف فيه مئات الأشخاص يدعون بمئات اللغات، ولا يحتاج الإنسان مع الله إلى ترجمان؛ لأنه منه إلى ربه.
فإذا كان الأمر كذلك، فيعلمنا ﷺ : أنه يقع من الإنسان بعض التقصير في حق الصلاة سواء من كمال خشوعه وخضوعه فيها أو من سهو عن بعض سُننها أو شروطها أو لوازمها؛ فحينما يفرغ منها ويخشى أن يكون هناك تقصير ما الذي يجبر هذا التقصير؟ ليس شيئاً معيناً كسجود السهو، ولكن أشياء لا تدخل في الجبران التشريعي التكليفي، وإنما تدخل في الجبران الروحي المعنوي، فلكأن النبي ﷺ بتشريعه للاستغفار عقب الصلاة إنما يرشد إلى أن ما كان من تقصير في الصلاة، تسريح في الذهن أو غير ذلك فإنما يجبره الاستغفار؛ فهو يستغفر الله عما كان منه من ذلك التقصير، وإلا فالرسول ﷺ وهو سيد الخلق وسيد الخاشعين والمتواضعين لله يقول: (إني أدخل في الصلاة، وأريد أن أطيل، فأسمع بكاء الطفل، فأخفف شفقة أمه) ليس جدار يطيح ولا يدري عنه، لا، طفل يبكي عند أمه فيسمعه ويدرك بكاءه، فيخفف شفقة على الأم، وتلك أمور نادرة، ولكن التشريع هنا للاستشعار بأن الاستغفار عقب الصلاة هو جبران لما يكون من تقصير فيها، والله تعالى أعلم.
ويقول بعض العلماء: لا يمكن لإنسان أن يصلي ركعتين دون أن يقع منه تقصير فيها ويذكرون مثالاً لذلك: أن شخصاً جاء إلى أبي حنيفة ﵀ وقال: أنا كان لي مال ودفنته ثم نسيت أين دفنته، ماذا أعمل؟ أبو حنيفة هل كان يعلم الغيب أو سينجم؟ لا، لكن بفقهه قال: إذا كان ثلث الليل الأخير؛ فقم وتوضأ وصل ركعتين، وأخلص فيها النية لله، ولا تحدثن نفسك ولا بشيء، ثم بعد ذلك تأتيني، وفي الغد جاء وقال: جزاك الله خيراً، قال: ما بك؟ قال: وجدت المال، الحاضرون عجبوا من هذا، وقالوا: كيف وجده؟ كيف أرشدته إلى هذا؟ قال: إن الشيطان لن يدعه يمضي في صلاة من هذه النوعية، ويهون على الشيطان أن يعثر على المال بدلاً من أن يصحح ركعتين بهذه الصفة، فلما استمر في صلاته جاءه الشيطان، وقال: أنت دفنته في المحل الفلاني، ولما يتذكر موضع المال هل سيستمر في ذلك النوع من الصلاة؟ لا، فذهب ووجد المال.
ويقولون: إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: (إني لأجهز الجيوش في الصلاة) ، يعني: أفكر فيها، وهو والله لا يلام؛ لأن عشرات الآلاف من المسلمين يخرجون من المدينة إلى أقطار الدنيا، كل يحمل روحه في كفة، والدين في كفة ابتغاء وجه الله، من يتحمل مسئولية هؤلاء؟ ووجدنا أن الرسول ﷺ في بدر كان يرفع كفيه إلى السماء ويناجي ربه ويناشده حتى يسقط الرداء عن كتفيه ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض) ، فهل كان يبتهل لنفسه أو من أجل تلك العصابة؟ بل من أجل غيره، وبعض الناس كلموه، فقال: من منكم يصلى ركعتين لا يُحدث فيهما نفسه فله فرسي الفلاني، فقام شخص وأخذ يُجرب، فذهب ومن غد جاء وقال: يا أمير المؤمنين! أنا فعلت، قال له: كيف؟ قال: قمت وأنا خالص النية وليس على بالي شيء، ولكن قبل أن أسلم فكرت: عندما آخذ الفرس ماذا سأفعل به؟ أنا لست فارساً حتى أقاتل عليه، وليس عندي كلفة الفرس، وكلفة الفرس أكثر من كلفة الإنسان، قال له: هذا من التفكير في الصلاة.
إذاً: حينما يدخل الإنسان الصلاة ويخرج منها يستشعر بأن هناك بعض النواقص، ويمكن أن يشهد لهذا المعنى الذي ذهب إليه العلماء: أن الرسول ﷺ أخبرنا أن أول ما يُنظر في عمل العبد من الحقوق الدماء، ثم من العبادات الصلاة، فإذا كان هناك نقص على العبد في صلاته من غفوات وقعت منه، فيقول المولى سبحانه للملائكة: (انظروا هل لعبدي من نوافل؟ فيقولون: نعم، له نوافل، فيقول: اجبروا فريضته من نافلته) ، وعلى هذا المقياس يكون الاستغفار جبراً لما كان من نقص في صلاته، والله تعالى أعلم.
(اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) .
هذا الذكر المبارك لعله يوحي به السلام في الصلاة، وأيضاً حينما فرغ من صلاته سيتجه إلى دنياه فيطلب السلامة، (أنت السلام، ومنك السلام) ، وأسألك السلامة في ديني ودنياي وكل أحوالي (تباركت يا ذا الجلال والإكرام) ، يا ذا العظمة والكبرياء، فيه كل معاني العظمة لله .
стр. 667
شرح حديث: (من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ... )
قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين؛ فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم، وفي رواية أخرى: (أن التكبير أربع وثلاثون) .
] .
تقدم هناك قراءة آية الكرسي ومعها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وهنا التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة؛ فلا مانع أن يكون كلا الأمرين بعد الصلاة، والأنسب أن يُقدم آية الكرسي و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ؛ لأنها نص من القرآن، وجاء في حقهما: (لا يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) ، وهنا كذلك: كان يتعوذ بأربع كلمات دبر كل صلاة) ، فسواء قدّم هذا أو أخر هذا، المهم أن يكون الجميع بعد الصلاة لا في حالة الصلاة ولا بعد الانصراف عن مكانه.
هذا الذكر المبارك: (من قال دبر كل صلاة: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر) ، وإذا وجدت متعددات في نسق واحد في حديث رسول الله ﷺ فاعلم أن بينها مناسبة.
(سبحان الله) ، ما معنى التسبيح؟ تقول كتب فقه اللغة: أصل المادة السين والباء والحاء، سَبَحَ، والألف والنون زائدتان كما هما في عثمان، وأصل مادة سَبَحَ إنما هي حركة الإنسان في الماء، وحركة الإنسان في الماء لأي شيء؟ إذا ألقينا بإنسان في نهر فلكي لا يغرق ماذا يفعل؟ يسبح، ولو لم يستطع فإنه يحاول السباحة، فقالوا: كذلك العبد حينما يقول: سبحان الله، كأنه يُسبح الله ويبعد عن ذاته سبحانه كل ما لا يليق بجلاله، أو هو يسبح في بحر المعرفة وتقديس المولى عن كل نقص؛ ليسلم من مهلكة الشرك والنقص في حق الله، وعلى كلا الأمرين؛ فإن سبحان الله، معناها: أُنزه الله وأُقدس الله من كل عيب أو نقص، فبقولك: سبحان لله نفيت عن ذات المولى سبحانه كل ما يمكن أن يكون فيه نقص لله، وبعد التنزيه تأتيه بالحمد والثناء، وهو المحمود لكمال ذاته لا لشيء يصدر منه لك أو لغيرك، ولذا يقولون: اللغة فيها الحمد والمدح والثناء، والكل ذكر للمحمود والممدوح والمثني عليه بالخير، ولكن الثناء إنما يكون لمن أصابك منه خير، والمدح يكون لإنسان نبغ وفاق وتفوق على أقرانه في مجاله، فتمتدح مخترعاً ولو كان غير مسلم؛ لأنه اخترع ما ينفع الإنسانية، وتمتدح طبيباً ماهراً أجرى عملية دقيقة خطيرة، وتمتدح مهندساً قدم شيئاً نادراً ممتازاً في مهنته، ولكن من أسدى إليك نعمة تثني عليه، وتشكره على ذلك، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله؛ فإذا طبيب عالجك تشكره على معالجته لك، أما طبيب حاذق فتمدحه وتثني عليه لحذقه ونجاحه في عمله، وأما الحمد فلا يكون مقابل نعمة أسداها إليك، ولا بسبب فعل نادر تفوق به على غيره، وإنما يكون لكمال ذات المحمود في ذاته، ولو لم يصلك منه شيء أو يصدر منه لغيره شيء، فهو في ذاته محمود، وهذا لا ولن يكون إلا لله؛ لأن ما عداه فهو ناقص، وما عداه يثنى عليه أو يمتدح لجزئية في حياته، وقد يكون فيه عيوب من جهات أخرى عديدة.
إذاً: بالجمع بين (سبحان والحمد لله) جمعت أطراف التوحيد للمولى، وكما يقول الأصوليون: درء المفسدة مقدم، لذا بدأت بتنزيه الله عن كل نقص أو عيب، ثم جئت بالحمد والثناء عليه؛ فتكون جمعت للمولى سبحانه كل أنواع التوحيد من نفي ما لا يليق بجلاله، وإثبات جميع المحامد له، وبهذا تأتي بعد ذلك بـ: (الله أكبر) ، ومن اجتمعت له كل معاني التنزيه والمحامد فلا أكبر منه، فهو أكبر بالأمرين.
فإذا جئت بهذه الأعداد المنصوص عليها -تسعة وتسعين- وهي وتر، وختمت المائة بالذكر الجامع: لا إله إلا الله- كنت ممن جمع التنزيه والتحميد والكبرياء والكمال لله وحده، وبهذا تكون ألممت بكل ما يتعلق بتوحيد المولى .
وهنا نجد المحققين من العلماء يقولون: ائت بهذا العدد ثلاثاً وثلاثين، ولو جئت بأربعة وثلاثين من كل واحدة أو بخمسة وثلاثين قال لك: لا؛ لأن الدعاء توقيفي، والذكر المحسوب بالعدد توقيفي ولا يحق لك أن تزيد فيه، كما لا يحق لك أن تنقص منه، فقالوا: التركيب العددي في الذكر الوارد كالتركيب المادي في الدواء، الصيدلي يكتب له الطبيب: ركب الدواء من المواد الفلانية الثلاثة: من الأول عشرة جرام، ومن الثاني ثمانية، والثالث خمسين.
لو زاد جراماً أو أنقص أفسد الدواء، وهكذا يقول لك الطبيب: ملعقة في الصباح، وملعقة في الظهر، وملعقة في المساء.
لو أخذت ملعقة في الصبح وملعقة في المساء نقصت فعالية الدواء، ولو أخذت ملعقتين ملعقتين زاد الدواء على مفعولية الداء وقد يضرك، وعلى هذا يقول ابن دقيق العيد: هذا الذكر الوارد بالعدد المعين يجب أن تلتزم به ليؤدي النتيجة التي رتبها عليه النبي ﷺ ، وفي غير هذا التركيب لك أن تقول: سبحان الله ألف مرة ألفين، لا أحد يمنعك تقول: الحمد لله، مائة ألف مرة، لا أحد يمنعك، الله أكبر، تقولها طول عمرك لا أحد يمنعك من ذلك كله، لكن لا تنتظر النتيجة التي رتبها النبي ﷺ على هذا العدد المعين، إن كنت تريد النتيجة المرتبة على عدد معين فيجب أن تلتزم بهذا العدد، ولا تزيد فيه ولا تنقص منه، والله تعالى أعلم.
(له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) .
تقدم نظير هذه الجملة.
(غُفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) .
النتيجة المترتبة على هذا الذكر ما هي؟ (غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) ، زبد البحر يعرفه الذين يعيشون على السواحل، حينما يضطرب الموج تجده يأتي مع اضطرابه إلى الساحل بزبد لا يعلم قدره إلا الله، فلو كانت ذنوب الإنسان كزبد البحر -وهي من الرغاوي التي تكون على وجه الماء من تفاعله- لغُفرت بهذا الذكر المركب بهذا العدد المعين، ونظير هذا الحديث: لما جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، وبالدرجات في الجنة، قال: وما ذاك؟ قال: يُصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، ولا مال عندنا) يعني تساوينا في العبادات البدنية، وهم زادوا عنا في العبادات المالية، قال: (ألا أدلكم على ما إن فعلتموه تزيدون عليهم، ولا يكن مثلكم إلا من صنع صنيعكم؟ قالوا: بلى، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتختمون المائة بلا إله إلا الله ... ) إلى آخره، فذهبوا حين قال لهم هذا، وهذه عملة جديدة، وسيحصلون منها على أجر كما يحصل الأغنياء على أجور من أموالهم، فأصبحوا يقولون مثلهم، يعني رجعنا وتساوينا ولا زالوا هم مفضلون ببقايا أموالهم.
انظروا الحكمة النبوية اللطيفة هذه، كان ممكن يعطيهم ذكر طيب ولكن إلى متى، أليس كل ما يعطيهم سيصل إلى الآخرين ويقولونه، فحسمها، وقال: (ذلك فضل الله) ، كونه أعطاهم مالاً زائداً فهذا فضل منه، وكونه يعطيهم ثواباً على الذكر كما يعطيكم هذا فضل الله، وما دام أنه فضل الله فلا أحد له دخل: (لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت) .
ولكن هل يقصر الأمر على الفقراء لقلة مالهم؟ لا والله، إنهم ليحصلون على الأجر بنيتهم في رغبة الإنفاق، ويشهد لهذا قوله ﷺ : (إنما الدنيا لأربعة: رجل أعطاه الله مالاً وأعطاه علماً؛ فهو يعرف حق الله في المال، ويؤدي حق الله فيه فهو في أعلى عليين) أعطاه الله مالاً وعلماً، ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا؛ فهو في أعلى عليين: (ورجل أعطاه الله علماً ولم يعطه مالاً فقال: لو أن لي مالاً لفعلت فيه كما يفعل فلان، فهو معه سواء) معه في المرتبة بالنية، (ورجل أعطاه الله مالاً ولم يعطه علماً؛ فلا يعرف حق الله فيه؛ فهو في أسفل السافلين) لأنه ضيع حق الله في المال، ولم يتعلم حق الله، ولم يؤد حق الله، (ورجل لم يعطه الله مالاً ولا علماً، فقال: لو كان بيدي مال لفعلت فيه كما يفعل فلان؛ فهو معه سواء) فالثاني أدرك الأول بالنية، والرابع أدرك الثالث بالنية، والحديث العام: (إنما الأعمال بالنيات) .
إذاً: هؤلاء رغبوا في أن يكون لديهم المال وأن يتصدقوا كما يتصدق الآخرون، ولكن لم يعطهم الله؛ فهم على نياتهم يؤجرون بفضل الله.
وفي رواية أخرى: (أن التكبير أربع وثلاثون) .
تكون التكبيرة أربع وثلاثين لتكمل المائة، أو أن يختم المائة بلا إله إلا الله، وهذه أولى؛ لأنها ذكر زائد، وهي تتناسب مع ما تقدم من التنزيه والتحميد والتكبير؛ فتكون لا إله إلا الله أجمل وأشمل، وزيادة في المعنى وأرجح في الرواية، والله تعالى أعلم.
أيضاً يا إخوان: جاء أن هذا الذكر يقوله الإنسان مجموعاً أو مفرقاً، في بعض الروايات: (سبحان الله والحمد الله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين) ، يعني: يأتي بالألفاظ الثلاثة مجموعة في جملة، أو أن يأتي بكل لفظ على حدة ثلاثاً وثلاثين، والثاني: هي الرواية الراجحة، والله أعلم.
стр. 668
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [١٤]
رغم أن الصلاة هي من أعظم الذكر إلا أنها أتبعت بأذكار أخرى عظيمة، منها: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ، وأعلى منه شأناً وجلالاً: آية الكرسي بما تحمله من صفات وأسماء لله جل وعلا، وكلها تشعر بعظمة وكبرياء المولى .
стр. 669
شرح حديث: (اللهم أعني على ذكرك ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى آله وصحبه وبعد: قال المؤلف ﵀: [وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (أوصيك -يا معاذ -: لا تدعن دُبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) ، رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند قوي] .
حديث معاذ رضي الله تعالى عنه من النصوص الواردة في الذكر بعد الصلوات الخمس.
стр. 670
ترجمة معاذ بن جبل
ومع أننا لم نتعرض لأحد من الرواة ولكن معاذاً له شأن خاص به، وفي مقدمة هذا السياق: أن الرسول ﷺ قال له: (يا معاذ! إني أحبك، وأريد أن أوصيك، فقال معاذ رضي الله تعالى عنه: وأنا والله أحبك -يا رسول الله- فأوصني) ، فقول الرسول ﷺ لـ معاذ: (أحبك) ، تعطيه خصوصية، وقد أفرده النبي ﷺ بصفة كما أفرد غيره، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (أعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) ، ومعاذ كان يُعتبر بعثة تعليمية متنقلة، ولقد أقامه النبي ﷺ لأهل اليمن يعلمهم الإسلام، وفي خلافة عمر رضي الله تعالى عنه كتب زيد من الشام إلى أمير المؤمنين عمر: إن أهل الشام في حاجة إلى من يعلمهم دين الإسلام، فأرسل إليه معاذ بن جبل.
وتجدون ذلك في الموطأ في باب المتحابين في الله، فيروي مالك عن شاب يقول: دخلت مسجد دمشق، فوجدت شاباً براق الثنايا يجتمع الناس عليه، ويصدرون عن رأيه، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا معاذ بن جبل، فبكرت من الغد إلى المسجد فوجدته قد سبقني إليه وهو قائم يصلي، فجلست حتى صلى فسلمت عليه وقلت: إني أحبك في الله، فجذب بردائي وقال: اجلس، آلله ما أحببتني إلا في الله؟ -يعني: والله ما أحببتني إلا في الله- قلت: آلله أحببتك في الله، قال: أبشر، سمعت رسول الله ﷺ يبشر بالجنة للمتحابين في الله) .
فـ معاذ رضي الله تعالى عنه أحبه رسول الله، ومع ذلك أدركته فاقة ولحقته ديون؛ فاستعمله رسول الله ﷺ لعله يصيب من أجر العمالة ما يُسدد دينه.
يهمنا في هذا الحديث: قول الرسول ﷺ له: (إني أحبك) ويكفي ذلك فضلاً لـ معاذ أن الرسول يحبه، وكما جاء في مثل هذا المعنى في غزوة خيبر لما استعصى حصن مرحب، ورجعوا متأثرين، فقال ﷺ : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يقول عمر: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، ويقول عمر وهو محل الشاهد: والله! ما تطلعت نفسي لرئاسة ولا لإمارة إلا تلك الليلة؛ لقوله ﷺ : ويحبه الله ورسوله) ؛ لأن هذا ليس بالأمر الهين، ومع هذه المحبة يقول له: (أريد أن أوصيك) ، فهو أعلن من جانبه أيضاً: (وأنا والله يا رسول الله أحبك) ، وكون معاذ يحب رسول الله هذا أمر واجب، (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤] ، ولا ينبغي أبداً أن يقدم محبة مخلوق عرضاً كان أو أصلاً، إنساناً أو مالاً؛ على محبة رسول الله؛ لأن محبة رسول الله هي معيار الإيمان.
стр. 671
طلب العون من الله للعبد في العبادة
قال: (أوصني، قال: أوصيك إن استطعت -يعني بقدر ما تستطيع- ألا تدع -بمعنى: لا تترك- أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني) تطلب العون من الله على ماذا؟ (أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) .
المتأمل في أكثر الأدعية والأذكار الواردة عقب الصلوات يجدها مرتبطة بجزئيات في صلاته، فالتسبيح والتحميد والتكبير، والاستعاذة من النار ومن عذاب القبر ومن فتنة ومن ومن، وكذلك افتتاحية صلاتك بالفاتحة، ففي سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، (أعني على) أعني: بمعنى الاستعانة، استعن بالله على ذكره، إياك نعبد، فهي جزء من الصلاة في الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، وما لم يكن هناك عون من الله للإنسان على طاعته وعبادته فليست هناك فائدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصية، ولا قوة على طاعة إلا بالله سبحانه.
(أعني على ذكرك) والصلاة من الذكر، أي: استعن بالله على الحفاظ على الصلاة، والصلاة عون هي بذاتها، قال الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] .
(وعلى شكرك) شكر النعم بحسبها: تكون بالقول، وبالفعل، وبالقلب، وكما يقال: شكر النعمة عامل دوامها وحفظها، وبشكرها تدوم.
стр. 672
الوسطية في العبادة
وقوله: (وحسن عبادتك) ولم يقل: وكثرة؛ لأن الكثرة قد تكون كغثاء السيل، وكما في الحديث: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقيامكم مع قيامهم، لم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ، والمولى سبحانه يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ، ليس أكثر، فالنتيجة ليست بالكثرة، بل إن النبي ﷺ كره الكثرة؛ لأنها قد تؤدي إلى الملل ثم العجز.
كما في قصة النفر الثلاثة الذين تساءلوا فيما بينهم: نحن مقصرون، فلنذهب ونسأل أم المؤمنين عن عبادة رسول الله في بيته؟ فسألوها، فقالت: في الليل يقوم وينام، وفي النهار يصوم ويفطر، ويأتي زوجاته، قالوا: هذه حالة عادية، لا، إنه عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأخذوا يتفاوضون، فشخص منهم قال: أنا أتخصص في الصوم، وشخص قال: أقوم فلا أنام، وشخص قال: أنا أعتزل النساء، هذا وأم المؤمنين تسمع، ولما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بما وقع، فغضب وأسرع إلى المسجد يخطب: (ما بال أقوام يقولون ويقولون، أما والله! إني لأتقاكم لله، وأخشاكم لله، وإني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) لماذا؟ لأنه يعجز، وإذا عجز ترك الجميع، لا (إن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى) .
والرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه ورد ﵇ وسكت، وكأن الرجل وجد شيئاً ما كان متوقعه، قال: (ألم تعرفني؟ قال: لا، قال: أنا الذي جئتك العام الماضي في كذا وكذا، قال: لقد تغيرت عما رأيتك من قبل، قال: مذ فارقتك لم أفطر يوماً! قال: أجهدت نفسك، صم وأفطر) ، وقال لآخر: (صم من الشهر ثلاثة أيام، قال: أطيق أكثر، قال: صم كذا، صم كذا، إلى أن جاء إلى صيام نبي الله داود) ، أخذه وبعد ذلك عندما كبر ثقل عليه، وقال: ليتني قبلت رخصة رسول الله من كل شهر ثلاثة أيام، إذاً: الكثرة غير مطلوبة، كما أن النقص غير مطلوب، والمطلوب الوسط: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) ؛ لأن القليل مع الدوام خير من الكثير مع الانقطاع؛ ولذا كان المدار في الأعمال على الإحسان، ولذا نجد الترتيب والتدرج في تعليم جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام للدين (أخبرني -يا محمد- ما الإسلام؟ خمسة أركان: شهادة وصلاة وصيام وزكاة وحج، ثم سأله عن الإيمان؟ ستة، وكلها أمور غيبية واعتقادية، الإيمان بالله وباليوم الآخر والكتب والرسل والقدر إلى آخره، أخبرني عن الإحسان؟ ركن واحد: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه -لعدم إمكانيتك لذلك- فهو يراك) ، فكان الإحسان هو الخاتمة.
стр. 673
شروط صلاح العمل وإحسانه
وقوله في هذا الحديث: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ، متى يكون العمل حسناً؟ هذا الذي ينبغي الحرص عليه، ويكون ذلك بثلاثة أمور: الشرط الأول: أن يكون مشروعاً مطابقاً لما جاء عن الله وعن رسول الله، فلا تأتي بعبادة لله من غير ما شرع الله، فيقول لك: أنا ما شرعت هذا، ولما تعبد الله بغير ما شرعه رسول الله يقول: أنا ما جئتك بهذا، إذاً: المبدأ الأول في صلاح العمل وإحسانه: أن يكون مطابقاً لما جاء عن الله وعن رسول الله؛ لأنها عبادة لله، فالله الذي تعبدنا هو الذي بيّن لنا كيف نعبده، وهل ندري ما يرضيه وما لا يرضيه؟ لا نعلم؛ فلما بيّن لنا وشرع لنا وأمرنا ووجهنا يجب أن نلزم ذلك، ومن هنا نعلم: أن كل من تعبد الله بغير ما شرع الله أو بغير ما سن رسول الله فهو خارج عن هذا الباب، ولذا يقول ﷺ : (كل عمل ليس من أمرنا فهو رد) ، أي: مردود على صاحبه.
وإمام دار الهجرة رضي الله تعالى عنه يقول: (لن يصلح أمر آخر الأمة إلا ما أصلح أولها) ، فما كان عليه السلف الصالح من منهج في العبادة واقتصاد في العمل فهو المبدأ الأساسي.
الشرط الثاني: أن الإنسان يأتي بهذا العمل خالصاً لوجه الله، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] ؛ ولذا شرع أن يقول المصلي عقب الصلاة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) .
الشرط الثالث: أن يكون العمل صادراً من مؤمن لا منافق أو كافر؛ لأن الكافر قد يطعم المسكين، ويكسو العريان، ويبني الطرق والمدارس والمستشفيات، ولكن هل يُعد له عملاً صالحاً كما يعد للمؤمن؟ لا، وهل يضيع عمله؟ لا، فالله حكيم عليم، عادل لا يضيع أجر من أحسن عملاً؛ فإذا عمل الكافر عملاً قال له: لك عملك، ويعطيه ويعوضه في الدنيا بقدر ما أحسن فيها، أما في الآخرة ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ؛ لأنه لم يكن على قاعدة، ولم يعمله إيماناً بالله، وإنما عمله مجاراة للناس أو لجلب مصالح، أو لأمر آخر؛ فيأخذ أجره عاجلاً.
فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاث كان العمل صالحاً حسناً.
стр. 674
ملازمة العبد للذكر في كل حال
قوله: (اللهم أعني على ذكرك) الذكر يكون باللسان وبالعمل، والذكر في العمل يفسره قوله سبحانه في سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، ذكر الله النداء إلى الصلاة حي على الصلاة، وذكر الله الإمام الذي يصلي ويخطب، هذا كله ذكر الله، سعينا إليه، ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الجمعة:١٠] .
وقد أشرنا فيما مضى بأن أشمل وأعم العبادات في الكون هو الذكر؛ لأنه العبادة التي لم تقتصر لا على ملائكة السماء، ولا على مؤمني الإنس والجن، بل اشترك فيها الجماد والنبات والحيوان، كما جاء العموم: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] ؛ فهي تسبح بحمده سبحانه، وإذا جئنا إلى كل العبادات ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] ، سواء كان لتذكري أو كان لتذكرني فيها، فكلها من أولها من النداء إليها إلى الافتتاحية: (الله أكبر) ، إلى قوله: (السلام عليكم) ذكر لله، والصائم طول وقته يكون ذاكراً لله، وإن كان أبكم أو أصم؛ لأنه إذا صام في شدة الحر، والماء البارد عنده، ويده تمتد في الماء يتبرد، ويشتهي قطرة واحدة؛ فما الذي يمنعه وليس عنده أحد، ما الذي يمنعه؟ لأنه يذكر قول الله: (يترك طعامه وشرابه من أجلي) ، كذلك في الزكاة: يخرج المال بدون عوض، لماذا؟ لأنه يذكر الله، وينتظر العوض بسبعمائة، ومضاعفة إلى ما يشاء الله سبحانه، الحج من أوله: (لبيك اللهم لبيك) ذكر لله إلى أن تنتهي من طواف الوداع وأنت في ذكر لله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] (أفضل ما قلته أنا والنبيون في يوم عرفة: لا إله إلا الله ... ) إلى آخره، في السعي تذكر الله، في الطواف ذكر لله، حتى بعد رمي الجمرات: باسم الله، الله أكبر، إرضاءً للرحمن، وإرغاماً للشيطان، ليس هناك خطوة قدم واحدة في الحج إلا وفيها ذكر الله، إذاً: ذكر الله في جميع العبادات.
ولهذا كانت وصية الرسول الله ﷺ لبعض أصحابه: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله) لا تجعل اللسان يفتر عن ذكر الله، وهذا لا يمنعك لو كنت صانعاً أن يبقى لسانك في فمك يذكر الله، وإذا لم تستطع بلسانك فبقلبك وهو مراقبة الله: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الجمعة:١٠] ، إما باللسان: اجعل لسانك رطباً بذكر الله.
وإما في العمل: أنت ذهبت تسعى في طلب الرزق، وعملك فلاح تحرث الأرض، تضع البذرة باسم الله، وتدفنها، وتنتظر إنباتها من أين؟ تقول: يا رب أنبتها، طلع النبات.
يا رب تثمرها، طلعت الثمرة.
يا رب تحفظها، جاءت الثمرة.
يا رب تبارك فيها، فأنت دائماً على ذكر لله، وأشد الناس ذكراً لله الفلاح، ولو لم يكن متعلماً يضع الحبة ويرميها وهو لا يعرف على جنبها أو ظهرها أو بطنها، ثم تجد الحبة في بطن الأرض نبتت عودين عود إنبات وعود جذر، من الذي وجه الإنبات إلى سطح الأرض حتى يظهر، والجذر إلى بطن الأرض حتى يغوص فيها ويمتص لها الغذاء، كنت أنت تعدلها في الليل أو النهار؟ لا والله، فإذا أنبت النبات ﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٢٤-٣٢] ، من الذي فعل هذا؟ فهو دائماً مع الله ، إن كنت صانعاً كانت لك صناعة مضبوطة، إن ذكرت الله تركت الغش: (من غشنا ليس منا) ، وإن غفلت عن ذكر الله جعلت الحابل مع النابل، إن كنت تاجراً تبيع وتشتري فأمامك المكيال والميزان كل عمل للإنسان فيه طلب للرزق يذكر الله فيه، إما بلسانه، وإما بفعله يراقب الله فيما يعمل، وهكذا.
(أعني على ذكرك) باللسان بالمراقبة، (وعلى شكرك) بالقول وبالفعل، وببذل النعمة وشكرها (وحسن عبادتك) وأحسن ما يكون من الإنسان في العبادة: أن يكون مطابقاً لما شرع الله، ولما سَنَّ رسول الله ﷺ خالصاً لوجه الله سبحانه، والله تعالى أعلم.
стр. 675
شرح حديث: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة)
قال ﵀: [وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) ، رواه النسائي، وصححه ابن حبان، وزاد فيه الطبراني و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]] .
هذا مما يدل على فضل هذه الآية الكريمة، وقد جاء أن النبي ﷺ سأل أُبي بن كعب: (أي آية أعظم في كتاب الله؟ قال: آية الكرسي، قال: ليهنهك العلم) ، وقالوا: آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله؛ لأنها اشتملت على صفات المولى ، فموضوعها ذات المولى ، كما أن سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ موضوعها ذات الله ، وهي تعدل ثلث القرآن تقرأ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ، هذا أول التوحيد ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ، أي: القائم على كل شيء، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ، السِنة: النعاس، والنوم الاستغراق؛ فسبحانه لا ينام، وفي الأثر: أن نبي الله موسى قال: (يا رب! أنت لا تنام؟ قال: لا أنام يا موسى! ولا ينبغي لي أن أنام، أتريد أن تُدرك ذلك يا موسى؟ قال: نعم، قال: خذ قدحاً من الماء وأمسكه في يدك، فأخذ قدحاً من الماء وأمسكه بيده، فأرسل الله عليه النعاس فسقط القدح من يده ثم أيقظه، قال: يا موسى! أين القدح؟ قال: سقط عندما نمت؟ قال: وهكذا الكون) ، سبحان الله العظيم! عظمة المولى سبحانه في كل صفة وفي كل آية، وهذا كما يقال: تقريب للمعنى، فالكون بيده سبحانه ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس:٨٣] ، لم يقل: ملك، قال: ملكوت، يعني في الأمور الحسية والمعنوية، ولو نظرت لرأيت شيئاً فوق الإدراك، أنت بنفسك لو وكلت إلى ذاتك ما استطعت أن تعيش، كما يقولون: الإنسان فيه عدة عوالم.
إذا جئت إلى حواسك: اليد تنام وتهمد، والعين تنام وتغمض، الأذن لا تنام؛ لأنها على استعداد لتلقي السمع في أي لحظة، ولكن هل الكبد ينام؟ لا ينام؛ لأنه يفرز دائماً ويغذي هذا الجسم النائم، هل الكلى تنام؟ لو نامت تعطل الجسم، فشل كلوي كما يقولون -نسأل الله السلامة- أو تليف كبدي؛ هل القلب ينام؟ من الذي يُنظم دقات قلب المرء في صدره؟ لو وكل إليك أنت لكي تراقب قلبك.
شغلته وأنت صاحي، وبعد ذلك جاءك النوم، هل تقول له: نم حتى أصحو؟ إذا نام نمت النومة الأخيرة، إذاً: كل حيوان لا يستطيع أن يؤمن حياته لو وكلت إليه.
هذا القلب الذي ينبض منذ مائة أو تسعين أو ثمانين سنة، وفي كل دقيقة ستين مرة في الوضع العادي، الله أكبر! وهو قلب واحد أو عالم واحد، البعوضة عندها قلب ينبض، حتى أصغر الحيوانات إلا الجراثيم، الله أعلم بتكوينها لا نعلم عنها، ولكن نجد العصفور الصغير ينبض قلبه في الدقيقة مائتي نبضة، الفيل ينبض قلبه في الدقيقة عشرين مرة، وكلما كبر الجسم وتضخم كلما قلّت الدقات؛ لأن القلب يصبح كبيراً، ومثال ذلك تجربة في يدك: انظر إلى الساعة، الساعة الصغيرة التي قطرها (١ سم) ، والساعة الكبيرة التي قطرها (٥٠ سم) ، هل توجد واحدة تزيد في الأربعة والعشرين ساعة أو تنقص أم أن كلها سواء؟ كلها سواء، خذ واحدة صغيرة في يدك وأخرى كبيرة على الجدار، تجد الصغيرة سريعة الضربات، وأما الكبيرة على مهلها، لماذا؟ لأن الواحدة بالتأني تقطع مسافة مثل هذه.
إذاً: الفيل له دقات، والعصفور الصغير له دقات، والحيتان كذلك في البحر، من الذي يُنظم كل هذا؟ المولى سبحانه فضلاً عن أمور أخرى.
انظر إلى عالم النبات: طلعت الشجرة جاءت الزهرة، من أين جاءت الثمرة وتنوعت؟ بستان واحد وحوض واحد وجدول ماء واحد من بئر واحد أو من سماء واحدة، هذه تثمر أصفر، وهذه أحمر، وهذه أزهار خضراء وصفراء وحمراء.
إذا جئت إلى الإناث في العالم: كيف تحمل الأنثى من كل نوع؟ الإنسان الحيوان الطيور الـ الـ إلى آخره، وكيف ينشأ ويتطور هذا الحمل الجنين في داخل ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمات ثلاث، من الذي شق العينين والأنف والفم؟ سبحان الله، من الذي أنبت هذا كله في تلك الظلمة؟ أصله من تراب، ثم جاءت النطفة وصارت علقة ثم مضغة ثم عظاماً، ثم كسيت العظام لحماً، والتخطيط هذا والتنظيم هذا، والشبه الذي يعطى كل فرد ولا يوجد له شبه يطابقه مائة في المائة في العالم، حتى التوأمين اللذين جاءا من بطن واحدة مختلفين، ولابد من الاختلاف، بصمات الأصابع مئات الملايين في العالم ليس هناك بصمة تعادل بصمة ثانية، من الذي غير في هذا؟ وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في هذا: إذا أردت أن تدرك عظمة الخالق سبحانه: قف عند جمرة العقبة وانظر إلى الوجوه أمامك؛ لن تجد وجهين متطابقين في الصورة قط، وهكذا العالم كله.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ﴾ ، هو في ذاته قيوم على العالمين، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ، القيومة له سبحانه وحده ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وماذا الذي في السماوات؟ يعجز البشر كله أن يُدرك ما في السماء الأولى فقط، بل ما دونها من أبراج وأفلاك، والمجرة يقولون: فيها ملايين النجوم، والله لا نستطيع أن نقول: لا، لو قلنا: لا، يقولون: اذهبوا عدوا، ولكن يتفق الفريقان على كثرة النجوم فيها، وعلى أضوائها، وأنه يصل ضوء بعض النجوم في كذا سنة ضوئية، الإنسان فقط يترك التفكير في هذا، له ما في السماوات عوالم لا نعلمها ولا ندركها إلا ما جاءنا فيها الخبر، ولولا أن الرسول ﷺ جاءنا بالكتاب وبالسنة، وذهب بنفسه ونظر وأتى وأخبرنا، فيخبرنا عن مشاهدته، السماء الدنيا، ويطرق الباب الثانية وو إلى آخره، إلى سدرة المنتهى.
إذاً: له ما في السماوات من تكوين وأوامر.
إلى آخره.
﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وإن كنا قريبين منها، وهي أقرب لنا من السماء لكننا نعجز أن نُكيف ما في الأرض، فماذا في الأرض؟ عوالم الحيوانات والنباتات والجبال والطيور والزواحف وو إلى آخره، كل ذلك خاضع لسلطانه سبحانه، فإذا كان الأمر كذلك فـ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، الشفاعة هي: أن تتقدم وتطلب من المشفوع إليه مصلحة للمشفوع فيه، وهل أحد له سلطان أو له ملك أو أي شيء في السماوات أو في الأرض؟ لا شيء إلا بإذن الله سبحانه.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي﴾ انظر ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ لم يقل: من الذي، من الذي يرفع رأسه؟ من يقول: أنا؟ من يدعي شيئاً في هذا العالم؟ لا أحد، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ ، قد تشفع عند أخيك أو زميلك أو قريبك أو أميرك أو أو، لك حق في أن تشفع، وله حق في أن يقبل أو يرد، وقد يضطر إلى قبول شفاعتك اضطراراً؛ لأنه يخشى إن رد شفاعتك حجبت مصلحته أو دبّرت مكيدة له، ولكن المولى له ما في السماوات وما في الأرض، ولا يُقاس عليه، وإمعاناً بعد ذلك قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
القدرة الإلهية للعلم ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ؛ فهو يحيط بهم علماً وهم لا يحيطون، ولكن قد يدركون البعض، وفرق بين الإحاطة والإدراك، فمن الإحاطة الحائط المبني حول البستان، فإنه يشمله جميعاً، فالإحاطة بالشيء إدراكه كاملاً كإحاطة الجدار بالبستان، فالعالم لا يحيطون بشيء من علم الله، ولكن الله سبحانه يُحيط بعلمهم.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، الكرسي جاءت فيه أخبار عديدة، منهم من يقول: الكرسي العلم، وهذا روي عن ابن عباس، ولكن الجمهور على ما في الحديث الصحيح: أن الكرسي بين يدي العرش، وجاء الحديث: (ما السماوات السبع والأرضون في الكرسي إلا كدراهم في ترس، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة في فلاة) ؛ فالكرسي مخلوق مادي له سعته، ولو أن السماوات السبع والأرضون السبع وضعت في الكرسي ما كانت إلا كأن تأخذ حلقة وتلقي بها في الربع الخالي، ما تكون نسبة هذه في الربع الخالي؟ إذاً: لا يعلم قدره إلا الله، وما الكرسي هذا بهذه السعة في العرش إلا كدراهم (وما العرش في كف الرحمن إلا كحبة خردل في كف أحدكم) .
أقول يا إخوان: إن هذه النصوص بهذه المضاعفات لا ولن توجد قوة على وجه الأرض حسابية الآن تعطينا النتيجة ولا الجواب عن سعتها، ولا ينبغي للإنسان مهما أوتي من ذكاء حرص على العقيدة وسلامتها أن يخوض خوضاً بعيداً، ويكفي أن يسمع هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، ويتصور التصور الإجمالي، ويكف عما وراء ذلك.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ وسعها على أي حجم وأي مقدار؟ جاء في الحديث بأن السماوات السبع سمكها مسيرة خمسمائة عام هي والأرض، سبحان الله! سبع سماوات، من الذي يتصور هذا الجرم؟! أما الأرض فهي مثل البيضة تحت القبة، فكم يكون مساحة هذا الكرسي؟ لا نستطيع أن نقول شيئاً، ولكن يكفينا النص القرآني الكريم: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ ، وهناك ناحية بيانية لطيفة، لم يقل: (وسع الكرسي) ولكن جاء بالإضافة إلى الله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ ، مجرد نسبة وإضافة الكرسي إلى الله تُعطيه عظمة أكثر.
﴿وَلا يَئُودُهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ولا يثقله، ولا يشق عليه، ﴿حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] (ما) ألف تثنية راجعة فيها لـ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، ولا يثقله ولا يشغله حف
стр. 676
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [١٥]
هذا الدين يسر، وليس فيه طريق مسدود أبداً، ومن القواعد الفقهية أن المشقة تجلب التيسير، ومن فروع هذه القاعدة صلاة المريض وطهارته، والصلاة في أرض المعركة، وقد جاء بيان ذلك كله من طريق أهل العلم.
стр. 677
شرح حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله، وبعد: [وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، رواه البخاري] .
كأن المؤلف ﵀ اكتفى بما أورده من النصوص بما يتعلق بالأذكار عقب الصلاة، وهذا الباب باب واسع، والأولى لكل مسلم فضلاً عن طالب علم أن يعنى بهذا الباب، وهو الأذكار والأدعية؛ لأنها غذاء القلوب، وهي تكسي الروح برداء يستطيع به أن يكون دائماً على صلة مع المولى ، وإذا تأمل الإنسان في الأدعية والأذكار يجدها تخاطب الأرواح دون الأشباح، ولهذا عني بعض العلماء بجمع ما يتعلق بالأذكار في مؤلفات أذكار اليوم والليلة، والصباح، والمساء، والأسفار، واللباس، والطعام، والنوم، والاستيقاظ، ولبس الثياب، وخلعها كل حركة تجد فيها دعاء أو ذكراً عن رسول الله ﷺ ، وذلك ليكون الإنسان دائماً في كل شئونه مرتبطاً بالله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام:١٦٢] ، كل حركة في حياته ﷺ فيها ذكر لله، إن شربت الماء سميت الله، إن رفعت الكأس حمدت الله، إن اضطجعت في فراشك ذكرت الله، إن نهضت أثناء نومك بالليل ذكرت الله.
وضعت قدمك في نعلك أو خلعتها لبست ثوباً جديداً حتى دخول الخلاء تستعذ بالله، وتكف عن ذكر الله في الخلاء؛ فكل حركة للإنسان في هذه الحياة يجد لها ذكراً وارداً، والأولى أن يتقيد بذلك بقدر المستطاع.
وبعد أن أنهى المؤلف ما اختاره من تلك النصوص جاء إلى حديث جامع شامل يعتبر أصلاً من أصول الدين وقاعدة ترجع إليها أعمال الصلوات كلها، وهو التعليم العملي، قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ، وكما قال في الحج: (خذوا عني مناسككم) .
إذاً: التطبيق العملي منه ﷺ هو أعلى وسيلة في التعليم، وأعتقد أن علماء التربية يتفقون على ذلك؛ ونحن نشاهد الطفل الصغير وهو لا يعرف أن يتكلم وهو يحبي ينظر أمه قامت للصلاة فيأتي أمامها ويصلي مثلما تصلي، هو لا يعرف أنها صلاة ولا قبلة ولا أي شيء، ولكن يأخذها تلقائياً وتلقيناً.
وأصل هذا الحديث كما جاء في بعض رواياته: أن النبي ﷺ رقى المنبر -ونعلم بأن المنبر ما صنع إلا في السنة الثامنة من الهجرة- وكان ﷺ إذا خطب اتكأ على جذع من جذوع النخل التي كانت بداية لبناء المسجد، وبعد خيبر وسع النبي ﷺ المسجد، وبنى جدرانه من الحجر والطين، وصنع له المنبر فتحول إليه -وقصة الجذع معروفة- وكان من ثلاث درجات، والكبرى عريضة، فوقف على الثالثة واستقبل القبلة وكبر وهو مستقبل القبلة، فقرأ وركع ورفع من الركوع وهو على المنبر، ثم نزل القهقرى عن الدرجتين الأخريين حتى كان في أصل المنبر ووسع لنفسه قدر السجود فسجد في أصل المنبر، ثم جلس ثم سجد ثم نهض فرقى المنبر وقرأ ورفع، ثم نزل القهقرى وسجد وجلس وسجد وتشهد وسلم، ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
هل يحتاج أحد بعد هذه الصورة والمشاهدة أن يسأل عن كيفية الصلاة؟ لا يحتاج.
ومن هنا يقول العلماء: هذا الحديث أصل في الصلاة، فكل ما روي عنه صلوات الله وسلامه عليه في كيفية تلك الصلاة المنبرية -إن صح أن نسميها كذلك- أو غيرها من أحوال الصلاة، والمنبر ليس شرطاً، فما رأيتموني أفعله في الصلاة فافعلوا مثله، فيقولون: كل ما ثبت عن رسول الله ﷺ في صلاته فهو واجب، اللهم إلا إذا جاء ما يرفع الوجوب إلى الندب، والقاعدة الأصولية: أن فعل النبي ﷺ له سبع حالات كما هو مذكور في مذكرة الأصول وتسهيل الوصول إلى علم الأصول، وكتب الأصول كلها تقول: إذا كان الفعل بياناً لمجمل في كتاب الله فحكم الفعل حكم الحكم المجمل في كتاب الله، إن كان مُبيناً لواجب فالبيان واجب، وإن كان مبيناً لمندوب فالبيان مندوب، والصلاة واجبة، وهذا العمل مُبين للمجمل هناك في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، أقيموا الصلاة على أي صفة؟ هناك أشياء: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ﴿طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] ، ولكن: نسجد أولاً أم نركع أولاً؟ وكيفية الركوع والسجود ما هي؟ وكم نصلي ركعات؟ جاءت السنة وبيّنت لنا الأوقات والعدد والهيئة والكيفية وما نقول فيها، إذاً: البيان الذي جاء عنه ﷺ في حق الصلاة يكون حكمه حكم الصلاة ما لم يكن هناك صارف عن الوجوب.
ورأينا للنبي ﷺ مغايرات بين الفرض والنافلة؛ قد نجده يصلي النافلة جالساً ولا يصلي الفرض إلا قائماً، قد نجده في حالات السفر يخفف الصلاة أو يطيلها، ويدخل بالجماعة بنية التطويل ثم يخفف رحمة بقلوب الأمهات.
إذاً: قراءته، تسليمه، كل ما جاء ونقل لنا عنه ﷺ في الصلاة؛ فهو واجب ما لم يأت صارف يصرفه عن الوجوب.
وبعض العلماء يربط بين هذا الحديث في عمومه وبين حديث المسيء في صلاته في جملته، وأعتقد أنه لا حاجة إلى الربط بينهما، والقاعدة العامة: كل ما جاء عنه ﷺ في أفعال الصلاة يجب أن نأخذها بالوجوب، فإذا كان يبدأ الصلاة بالله أكبر، فافتتاحية الصلاة بالتكبير، ولا يجوز غيرها؛ لأنه افتتحها بها، وإن كان يسكت هنيهة بعد التكبير والقراءة أحياناً ويترك السكوت، إذاً: السكتة الهنيهة ليست بواجبة إنما يمكن أن يأخذ بها ويمكن أن يتركها؛ لأنها غير مضبوطة، وقد يطول أو يقصر، بعد هذا كان يقرأ الفاتحة، إذاًَ: الفاتحة واجبة، وكان يقرأ السورة من القرآن إذاً: هي واجبة، ولكن وجدنا الصارف عنها، ثم اقرأ ما تيسر، وما تيسر هذا يصرف عن الوجوب، وإذا لم يتيسر فلا شيء عليك، إذاً: وجدنا هناك مفارقة بين الفاتحة وبين ما يقرأ معها في ركعة، إذاً: الركوع واجب، رفع من الركوع، إذاً: الرفع واجب، اطمأن في الركوع اطمأن في الرفع، إذاً: الطمأنينة واجبة، وجاء عنه ذكر في رفعه وركوعه، وجاءت روايات أخرى متعددة من الأذكار، إذاً: تتخير منها ما شئت، وهكذا إلى أن تسلم من الصلاة.
стр. 678
شرح حديث: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً)
قال ﵀: [وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب، وإلا فأومئ) ، رواه البخاري] .
هذا الحديث النبوي الشريف يعتبر أصلاً في صلاة أهل الأعذار بصفة عامة، والعذر قد يكون مرضاً، وقد يكون خوفاً، وغير ذلك، وفي الحديث التدرج في كيفية الصلاة، وهو يُبيّن لنا إلى أي مدى وصلت سماحة الإسلام في خفة التكليف، وفي بعض روايات هذا الحديث: (أن النبي ﷺ قرأ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ) ، ونحن جميعاً في حاجة ماسة إلى دراسة هذا الحديث بتوسع إلى حد ما يشمله من أصناف الناس في صلاتهم، فقد يكون العذر يعتري الإنسان بنفسه، وقد يكون يعتري إنساناً يخصه، وقد يكون إنسان مسئولاً عن جماعة، وفي الجملة بعد هذا كله تأتي النتيجة الحتمية؛ لأن فريضة الصلاة لا تسقط بحال من الأحوال، والأصل في القيام: (صل قائماً) كما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ، والقنوت يكون بمعنى الخشوع، ويكون بكثرة الدعاء؛ فالقيام ركن في الصلاة، فإذا عجز الإنسان عن إتيان ركن القيام انتقل إلى ما بعده، فإذا عجز عما بعده انتقل أيضاً إلى بعد ما بعده، وهكذا نجد في أركان الإسلام جميعاً.
نجد في الصيام ﴿مَنْ كَانَ مَرِيضاً﴾ ، أي: لا يستطيع الصوم، ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ، يشق عليه، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] .
والزكاة لا تجب إلا على من ملك النصاب بغنى؛ بحيث أنه يبقى عنده حتى يحول عليه الحول وهو لا يحتاج منه إلى شيء.
والحج من استطاع إليه سبيلاً.
والجهاد يسقط عن الأعمى والأعرج وأصحاب الأعذار، وهكذا نجد التكليف في كل أركان الإسلام بقدر المستطاع، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
стр. 679
كيفية صلاة الجالس
هنا تأتي مباحث صلاة المريض، أو المعذور بأي نوع من أنواع الأعذار، وهذا الحديث يرشد إلى عدم الاستطاعة للقيام، إما عجز طبيعي لكبر، وإما عجز طارئ لمرض؛ فالمبدأ الأساسي أن يصلي قائماً، بمعنى: أن يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم، ويقرأ ويركع ويرفع ثم يهبط إلى السجود ويكمل سجدتيه ثم ينهض قائماً وهكذا؛ فإن عجز عن هذا القيام ليقرأ ويركع ويرفع ماذا يفعل؟ يأتي الحديث يسقط عنه هذا القيام، ويصلي قاعداً.
ومع هذا أيضاً تذكر مباحث النوافل؛ فيمكن أن يصليها قاعداً أو قائماً صحيحاً أو مريضاً، ما دامت الفريضة تجزئ بالقعود عند الحاجة ولكونها فريضة لم تسقط، والنافلة مطلوبة، ولكن إذا لم تكن نافلة إلا من قادر على القيام ربما ضاعت كثير من النوافل، وحرم الكثيرون من فوائد وفضائل النافلة، فخفف في أمرها ترغيباً فيها، بقي إن عجز عن الصلاة قاعداً كيف يصلي؟ مضطجعاً، وإن عجز مضطجعاً كيف يصلي؟ مستلقياً، وإن عجز عن الإيماء كما قال: (فأومئ) ماذا يفعل؟ الفقهاء ﵏ فصلوا في هذا الباب إلى أبعد ما يمكن أن يخطر ببالنا، أما هيئة صلاة العاجز عن القيام ومتى يكون عاجزاً؟ وهل كل مرض يسقط عنه القيام؟ قالوا: القاعدة في ذلك: إن كان عاجزاً فعلاً أو ليس عاجزاً فعلاً إلا أن صلاته قائماً وهو مريض تزيد في مرضه أو آلامه أو تُطيل مدة برئه، ويرى بعض العلماء كما يذكر ابن قدامة في المغني: ننظره في أمر دنياه، هل هو في أمر دنياه يقوم ويجلس ويذهب ويأتي وعند الصلاة يقول: أنا لا أستطيع إلا أن أصلي جالساً؟! إن كان في أمر دنياه يأتيها قائماً، ويتحرك حركة طبيعية بدون مشقة؛ فهذا لا يسقط عنه القيام في الصلاة، وإذا كان يأتي أمور دنياه قائماً بتكلف نقول: لا، أمر الدنيا قد يضطر إليه، ولكن أمر الدين للرحمن الرحيم، فرحم الله عباده فخفف عنهم، فإذا كان كبير السن لا يقوى أو ممن عجز ولا يرجى زواله، أو كان مريضاً، والمرض له حالات: هناك أمراض يستطيع صاحبها أن ينهض ويقوم ويذهب ويأتي، ولكن بمشقة عليه فيعفى من القيام، وهناك مريض لا يكلفه القيام شيء، وقد تكون أمراضه مستوطنة أو طارئة أو عضوية وهو في تلك الحالة مستطيع القيام دون مشقة عليه؛ فلا عذر له، فإذا وجد العذر وثبت العجز عن القيام فيصلي على ما قال الفقهاء، وكيف تكون هيئته في صلاته؟ لو فكرنا في الهيئات التي يمكن أن يأتي بها الإنسان إما متربعاً وإما كجلسته في التشهد، أو قائماً على ركبتيه أو جالساً على مقعدته ورافعاً ركبتيه وضامم ساقيه بيديه محتبياً، أو ناصباً إحدى رجليه والثانية للأخرى، كل هذه الصور يمكن أن نجد إنساناً قاعداً على هيئتها، فالقاعدة عند الجميع: ما كان أيسر له يفعله، الأيسر في حقه يكفيه، حتى ولو على ظهره، ولو كان لا يستطيع الركوع ولا السجود، ويستطيع أن يكون قائماً أو متكئاً على العصا لا مانع أن يظل قائماً ويومئ بركوعه أقل من سجوده وهو قائم؛ لأن هذا الذي تيسر له، فإذا كان يستطيع فعل عدة صور مما ذكرنا فأولى الصور وأولاها في ذلك كله: أن يكون في الركن الذي فيه القراءة يؤديه وهو متربع، وركن القراءة يكون في القيام، إذاً: حينما يكون في أداء القراءة يقرأ وهو متربع، وركن الركوع ليس هناك تربيع، ولا يثني حقوه ناصباً ركبتيه وهو لا يستطيع هذه الهيئة، إذاً: يكون ثانيَ الركبتين لا يومئ وهو متربع؛ لأن حالة التربع لحالة القيام والقراءة، والركوع يثني ركبتيه ما دام يقدر على الجميع، وإن عجز عن ثني الركبتين للركوع والسجود بقي متربعاً وأومئ وجاء بسجود أخفض من ركوعه.
فالمريض العاجز عن القيام ينظر ما هو أيسر له من الحالات مما جاءت به من هيئات صلاة العاجز؛ فإن كان لا يقدر إلا بها فهي مجزئة، وإذا كان يستطيع لعدة حالات فالأَولى أن يكون في حالة ما يكون قائماً للقراءة متربعاً، وفي حالة الركوع والسجود إن كان مستطيعاً أن يعدل تربيعته، وأن ينهض على ركبتيه كجلسته للسجود ويومئ بالركوع أقل من إيمائه بالسجود؛ فهذه أولى الحالات للمريض أو للعاجز الذي لا يقدر أن يصلي قائماً.
стр. 680
كيفية صلاة المضطجع
إذا كان الشخص لا يستطيع أن يتماسك نفسه جالساً متربعاً، نظرنا لقواه العقلية، وهل الإدراك موجود أو لا؟ إن فقد الوعي والإدراك سقطت عنه الصلاة، وإن كان متوافر العقل مدركاً، ويفهم معنى الصلاة والمرض بدني وليس عقلياً، نقول له: ما الذي يريحك؟ يقول: دعوني اضطجع على شقي الأيمن، ويتمدد ويجعل وجهه تجاه القبلة، فإذا كان على جنبه الأيمن له عذره فعلى جنبه الأيسر، ويجعل أيضاً وجهه تجاه القبلة، وهناك من يقول: إن عجز عن القعود يستلقي على ظهره، وهو أولى من أن يتكأ على جنبه، ولكن في الحديث: (فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنبه) ، فالحديث قدم الجنب، وهناك من يقول: الجنب في المرتبة الثالثة، وبعد القعود مباشرة يستلقي على ظهره على أن تكون قدماه تجاه القبلة.
إذاً: نبهوا الذين يرون إنساناً نائماً مستلقياً على ظهره في المسجد فيوقظه فيقول له: ماذا بك؟ قال: كيف توجه رجلك للقبلة، ويستنكرون هذا، ويفزعون النائمين المساكين، لماذا؟ هذه كما يقال: الضجعة الصحيحة، وقالوا في ذلك: حينما يصلي مستلقياً على ظهره سيومئ برأسه للركوع والسجود، فإذا أومأ للركوع أو للسجود فإنه وجهه سيكون على القبلة، ولا يجوز أن يُدير رأسه إلى القبلة؛ لأنه إذا أومأ يكون مومئاً إلى غير القبلة.
الآخرون قالوا: لا يضطجع على شقه الأيمن كما يضطجع الميت في لحده على شقه الأيمن مستقبلاً القبلة؛ لأنه حينما يكون الإنسان على شقه الأيمن ويريد أن يومئ وهو نائم ووجهه إلى القبلة يومئ إلى جهة غير القبلة، ومن هنا قالوا: يضطجع على ظهره أولى، ولكن النص في الحديث: (على جنبه) ، وأصحاب الاضطجاع قالوا: لا، أو أصحاب الجنب قالوا: هو وإن كان في إيمائه سيتجه لغير القبلة، لكن السليم الذي يقوم ويركع ويسجد في حالة القيام مستقبل القبلة تماماً؛ وحينما يركع وجهه إلى الأرض، إذاً: انصرف عن القبلة إلى الأرض، قالوا: هذه حالات تطرأ على المصلي، وليس فيها انصراف عن القبلة يبطل الصلاة؛ لأنها طبيعة الركوع والسجود، فإذا كان المصلي مضطجعاً فقد استقبل القبلة بوجهه، وما يطرأ عليه من اتجاه بوجهه عند الإيماء لغير القبلة فهو نظير الراكع الساجد ينصرف وجهه عن القبلة.
الرسول ﷺ يعلم أن من صلى مضطجعاً على جنبه وسيومأ وستكون إيماءاته لغير القبلة، ومع ذلك قال: (مضطجعاً) .
هذه حالة العاجز عن القيام ويريد أن يصلي مضطجعاً أو مستلقياً.
هناك ناحية أخرى: إن لم يستطع القيام ولا الجلوس متربعاً أو متحافزاً أو محتبياً أو أو وتمدد في الأرض مضطجعاً أو مستلقياً، لكنه لا يستطيع أن يومئ برأسه محل الركوع والسجود، ماذا يفعل؟ نرجع أيضاً إلى الأصل: إذا كان الإدراك موجوداً ويفقه معنى الصلاة ويتكلم بها وبمعانيها، ولكن الرأس ثقيل، ولا يقدر على حراكه، أو المرض في عنقه أو بأي حالة؛ قالوا: يرمش برمش العين، في الركوع نصف غمضة عين، وفي السجود يغمضها، فسبحان الله! إلى هذا الحد، إذاً: أي عذر في الدنيا لا يُسقط الصلاة.
стр. 681
طهارة المريض ووضوؤه
سؤال: هذا المسكين الذي ليس قادراً أن يحرك رأسه كيف يتوضأ أو يتيمم؟ نقول: إن عجز عن القيام بالطهارة بنفسه ووجد من يقوم بتطهيره وضوءاً أو تيمماً -على حسب حالته- وجب عليه ذلك، فإن لم يجد يُصلي على حالته كما يُصلي فاقد الطهورين، فليس هناك عذر، لا في الطهارة ولا في أداء الصلاة.
بعض الناس يقول: حركة العين خفية، وليس هناك تمييز بين الركوع والسجود، فالأولى أن ينصب يده ويحرك أصابعه، فيأتي بحركة اليد بدلاً من حركة هذا الجسم الطويل.
نرجع إلى المبدأ الأول: الصلاة واجبة، والقيام ركنها؛ فإن عجز عن هذا الركن انتقل إلى ما دونه بالتدريج، ويأتي في النهاية بأقل ما يمكن أن يشعر بأنه صلاة، ولعل في هذا القدر خلاصة ما جاء به شراح الحديث وما يأتي به الفقهاء، ولكن هناك حالة لم يتعرض لها لا النووي ولا ابن قدامة في المغني ولا كثير من كتب الفقه، وهي: إنسان ليس مريضاً يسقط عنه القيام، بل متعافياً يستطيع أن يأتي بكل القيام، وكان خلف الإمام، والإمام يقوم يقرأ الفاتحة وسورة البقرة، ولا يراعي من وراءه، ولا حالهم، قالوا: إن عجز عن مواصلة القيام مع الإمام جلس، وإذا ركع الإمام قام وركع مع الإمام من قيام، إن كان لا يستطيع أن يظل قائماً مع الإمام.
стр. 682
صلاة المأموم خلف من يطيل الصلاة
بالمناسبة: في تاريخ أئمة المسجد النبوي كان شخص دعي للإمامة -توفي قريباً- فاشترط على الملك عبد العزيز الله يرحم الجميع: أن أُسبح ثلاثة عشرة تسبيحة في الركوع، وفي السجود مثلها، وجاء الرجل ولقيته وقلت له: كيف تشترط هذا على الملك؟ قال: هذا حق الصلاة، قلت: تريد أن تتهرب من الإمامة، فإذا كان الإمام يطيل الركوع، والمأموم يعلم من نفسه ومن حالة إمامه أنه إن ركع معه في أول انحنائه لا يستطيع أن يواصل معه، فله واحد من اثنين: إما أن يركع قبل الإمام أو يقف؟ يقول الباجي ﵀ في شرح الموطأ: من علم أن هذه حالة إمامه إذا ركع الإمام لا يركع ويبقى قائماً؛ لأن القيام أريح له، إلى أن يعلم من حال إمامه ما يغلب على ظنه أنه لم يبق له إلا ثلاث تسبيحات أو أربع، أو الذي يستطيعه هو؛ فيركع قبل أن يرفع الإمام ويُدرك الإمام في الركوع بقدر ما يثبت له به الركوع، وعند الرفع يرفع معه؛ لئلا يتأخر عن الإمام ولا يصح أن يتقدم عليه، وكذلك إذا سجد الإمام إن شاء هوى للسجود، أو جلس وانتظر الإمام حتى يأخذ راحته، وعلى قدر ما يعلم من حالة الإمام وتقديره فيسجد قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجدة، ويدرك مع الإمام قدر السجدة التي تجزئه، ويرفع الإمام فيرفع معه، يبقى هناك نطاق: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
بقي من المباحث: إنسان صلى مع الإمام وعجز عن مواصلة صلاته ماذا يفعل؟ بهذه الطريقة التي ذكرها الباجي لا يعجز، ولكن بالطريقة التي يقولها الآخرون يعجز، ويقولون: إن قدر على الصلاة قائماً منفرداً وعجز عنها مؤتماً وجب عليه الانفراد؛ لأن القيام ركن في الصلاة والجماعة سنة.
هل توافقون على هذا الرأي أم أن الأول أفضل؟ الوجه الذي يريد أن يُضيع الجماعة منفي وليس بسهل، ثم التفضيل بأن الجماعة سنة هناك من يقول: إنها واجبة، أو يقول: شرط في الصلاة لا شرط في صحتها، يهمنا أن فيها نقاشاً، لكن لو أخذنا هذه الطريقة التي يذكرها الباجي: بأن المأموم إذا كان مريضاً أو عاجزاً يقدر لنفسه مع إمامه ما يستطيع أن يأتي به؛ فتتم له فضيلة الجماعة، ويسلم من المشقة عليه.
стр. 683
الاتكاء في الصلاة على العصا ونحوها
ومن المباحث: أن المصلي قائماً لا يجوز له أن يتكئ على العصا أو على العمود أو الجدار، إلا إذا كان اتكاءً خفيفاً لا يعتمد في القيام عليه، ويقول بعض العلماء: كيف نعرف إذا كان الاتكاء خفيفاً أو كلياً؟ قالوا: لو أنه كان متكأ إلى جدار لو قدر أن الجدار سقط سيسقط معه، فلذلك لا يصح قيامه، وإن كان اتكاءاً خفيفاً بحيث لو سقط الجدار هو لا يسقط، فهذه ركنة فقط وليست اتكاء، نحن يهمنا أكثر من هذا: كيف أن سلف الأمة فصلوا في الجزئيات ما لا يخطر على البال؟! إذاً العاجز على القيام له أن يتكئ ويصلي مع الإمام متكئاً أو منفرداً، وبقدر ما يستطيع مع إمامه، هناك حالات طوارئ كإنسان جاء بحمد الله بعافية وكبر ووقف في الصف مع الإمام وقرأ ويستمع بصحة وكمال، وعندما ركع شعر بمغص -نسأل الله السلامة والعافية- وطرأ عليه ما يعجزه عن القيام في الركعة الثانية، هل له أن يكمل صلاته قاعداً أم لا؟ قالوا: إن جاء إلى المسجد وإلى الصف ويعلم بأنه مريض ولا يستطيع القيام وكبر وهو جالس، ولما تحرك وركع بالإيماء وسجد قدر المستطاع، وجد أن الألم الذي كان يشكو منه قد زال ووجد من نفسه خفة ويستطيع أن يقوم مع الإمام؛ فإذا قام مع الإمام في بقية الصلاة تكون الصلاة كلها صحيحة، أما إن قام ثم عجز أو كان عاجزاً ثم استطاع فيكمل صلاته على الحالة التي هو عليها؛ لأنه في حالة قيامه أتى بما استطاع، وعندما طرأ عليه العذر كانت هذه حالته، وعندما بدأ الصلاة بعذره كان هذا مشروعاً في حقه، وعندما زال العذر رجع إلى الأصل؛ فالصلاة تكون صحيحة، ويبني على ما مضى منها، ولا يستأنف صلاة جديدة.
ومما تدعو الحاجة إلى ذكره: صلاة الخوف، أليس من شروط صحة الصلاة استقبال القبلة؟ بلى، فإذا كانوا في ظروف لا يمكن أن يكونوا مستقبلين القبلة، بأن كان العدو في جهة أخرى، ولا يمكن أن يعطوا العدو ظهرهم، أو لا يستطيعون أن ينقسموا قسمين: قسم يصلي مستقبلاً القبلة، وقسم يواجه العدو، فإن اضطروا إلى الصلاة تجاه العدو صلوا وهم منصرفون عن القبلة؛ لأن هذه حالتهم.
стр. 684
صلاة المتترس في خندقه ونحوه
ومما ينبغي أن نتعلمه، ما يحدث لإخواننا وأبنائنا الجنود في الميادين، فهناك من يكون في خندقه أو دبابته أو آليته أو في مخفر يرقب العدو مستتراً، وجاء وقت الصلاة، إن خرج من الخندق انكشف للعدو، وإن أراد أن يصلي لا يستطيع أن ينهض قائماً، ماذا يفعل؟ هل يمكن العدو من نفسه ويدل العدو على جنده وجيشه أو يُصلي على الحالة التي هو عليها على الحالة التي هو عليها؟ ولو قُدر أنه في ذلك المكان لا يجد ماء يتوضأ: سقط عنه الوضوء بالماء وتيمم بالتراب في الخندق، ولو كان في مصفحته أو آليته ولا ماء عنده، والماء الذي عنده للشرب، ولا يجوز أن يتوضأ به ويعطش، يبقيه، وإن كان ليس عنده ما يتيمم به يصلي على حالته وهو في كرسيه أو عليه رباط أو على أي حالة من حالاته إنسان خائف وجاء واستتر وراء حجر خائف من حيوان، أو إنسان يتتبعه قطّاع طريق أو لصوص أو عدو.
إلخ، إن قام يصلي قائماً انكشف، فله إن يبقى في مكانه ويصلي على حالته، إنسان يُطارد العدو في معركة الكر والفر، ونحن نعلم جميعاً: أن صلاة الخوف في القتال إن لم توجد مسايفة فهي كر وفر، فهم يصلون في مواضعهم في حالة طبيعية، لكن إذا كانت الحركة قائمة، والدبابات تمشي، والمصفحات والمشاة وو إلى آخره، هل عليه استقبال القبلة؟ هل عليه ركوع وسجود ويركع ويسجد والعدو وراءه؟ لا، بل يصلي وهو على حالته، كيف يصلي؟ يغمض عينيه، ويستحضر في قلبه تكبيرة الإحرام، وينطقها: الله أكبر، ويده على الزناد، والحمد لله رب العالمين، وهكذا يطارد العدو أو من أمامه ويقول: الله أكبر، على هيئة الركوع، ويستحضر معنى الركوع في ذهنه، وبعد ذلك: سمع الله لمن حمده، وهو يجري ويركض، وهكذا في حالة الخوف يفعل هذه الحالة، سواء كان يطرد فريسة له أو كان مطروداً من غيره يخاف منه.
وهكذا صلاة أهل الأعذار، الأصل في الصلاة القيام، ولكن إذا طرأ على الإنسان عذر فإنه يسقط عنه القيام، وينتقل إلى غيره، وهناك حالة: ربما بعض الناس يطرأ له مرض وعذر يبيح له الصلاة قاعداً، أو يُجهد نفسه ويكلفها ويتحمل فوق طاقته فيقف قليلاً ثم يسقط، أو يزيد عليه الألم فيمتنع من قبول الرخصة، ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه حينما أصيبت عينه، جاءه طبيب يهودي أو نصراني وقال له: أستطيع أن أعالجك وأتوقع لك البرء إن مكنتني منك أسبوعاً لا تجلس وتكون مستلقياً على ظهرك، فـ ابن عباس فكر في الصلاة، وسأل أم المؤمنين عائشة وأبا هريرة رضي الله تعالى عنهم: هل يجيب الطبيب لذلك أم لا؟ فقالا له: إذا أتاك الموت وأنت في الأيام السبعة هذه ماذا تفعل في صلاتك؟ فامتنع، نقول: ابن عباس حبر الأمة، ولكنه تورع من أن يترك القيام لأمر شخصي، ويعتذرون عن ذلك بأن الذي أخبره ليس بطبيب مسلم مؤتمن، ولعله لكون الطبيب غير مسلم لم يثق بكلامه، فلم يقبل منه، فبعضهم يقول: لعله طبيب واحد، مع أن الفقهاء يتفقون في باب الجنايات لو أن طبيباً واحداً ولو غير مسلم قدّر جناية في جراح يُقبل قوله، ويقولون: بأن الطب مهنة إنسانية لا دينية ولا سياسية ولا إقليمية؛ لأن موضوع الطب هو الإنسان، والإنسان من حيث هو هيكل بشري لا أثر للهيكلية في أمر الدين ولا السياسة ولا الموطن ولا ولا إلى آخره، ولو جئت بأسير حرب أو عبد أو بأضعف خلق الله وأعلى إنسان على وجه الأرض ما اختلف تركيبه الجسماني، إذاً: الطب مهنة إنسانية، يؤخذ بقول من عرف الأمانة فيها.
وعلى هذا لو أن إنساناً جاء إلى المستشفى وقيل له: يلزمك عملية، هل يسأل: العملية كم يوم، وكيف أصلي؟ نحن لا نعلم، الطبيب يقول: اسأل العلماء، أنا عليّ أن أجري العملية، وأنت عن صلاتك اسأل العلماء، فقال العلماء: نعم، إذا عملت العملية صلِّ وأنت جالس إن استطعت؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك، وإن لم تستطع فمستلقياً وو إلى آخره، أعتقد أن هذا هو الإنصاف، وهو من حق بدنك عليك، (إن لبدنك عليك حقاً) فيقبل الرخصة كما أخبر ﷺ (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك وإلا فأومئ) ، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 685
شرح حديث: (صل على الأرض إن استطعت)
قال ﵀: [وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لمريض صلى على وسادة فرمى بها وقال: (صلِّ على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك) رواه البيهقي بسند قوي، ولكن صحح أبو حاتم وقفه] .
تتمة لحديث صلاة صاحب العذر جاء المؤلف ﵀ بأثر جابر رضي الله تعالى عنه، سواء أكان موقوفاً على جابر أو مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، يقول جابر: (إن النبي ﷺ رأى رجلاً عجز عن السجود إلى الأرض، فجاء بوسادة وسجد عليها، فأخذ الوسادة وألقى بها وقال: صلِّ على الأرض، وإلا فأومئ واجعل سجودك أخفض من ركوعك) ، هنا يبحث العلماء: هذا المريض الذي عجز عن القيام وصلى وهو جالس، إذا كان لا يستطيع أن يصل إلى الأرض في سجوده، ويستطيع أن يأتي بالوسادة أو ما في معناها من مسند أو كرسي، فهل يكون موضوعاً على الأرض ويسجد عليه أو يرفع الوسادة إلى جبهته؟ ستجدون من الفقهاء من يُجيز السجود على وسادة أو ما هو مرتفع من الأرض كحجر ونحوه، والحديث هنا يقول: (رمى بها) .
وتفصيل القول: إن رفع الوسادة لجبهته ليسجد عليها، وتكون الوسادة على يده وليست على الأرض؛ فالجمهور يمنعون من ذلك، ويذكر ابن قدامة في المغني من يقول بهذا، لكن من غير الأئمة الأربعة، ولا علماء السنن الستة، وإذا كانت الوسادة على الأرض متصلة بها، ثم هو في سجوده يضع جبهته عليها، فلا بأس، ويذكرون عن أحمد والشافعي وأبي حنيفة ورواية عن مالك: أن هذا يصح.
إذاً: الحديث هنا: (فأخذها وقال: صلِّ على الأرض؛ فإن لم تستطع فأومئ) ، على أن الوسادة -على رأي الأئمة- قد رفعها، وما هو المانع من كونها على يده؟ قالوا: إذا سجد على الوسادة وهو يحملها يكون ساجداً على ما هو محمول له متحرك بحركته، ولو أخذ كفيه ورفعهما ووضع جبهته على كفيه، فما الفرق بين الوسادة والكفين أو شيء مرفوع إلى الجبهة لكي تصل إليه؟ وهذا بالاتفاق لا يجوز.
إذاً: الخلاف بين كون الوسادة أو ما شابهها على الأرض وهو يسجد عليها، وكون الوسادة وما شابهها يرفعه على يده ليصل به إلى جبهته، فالأخير ممنوع عند الجميع، والأول مشهور أو أكثر الأئمة يقول به.
يقول أحمد: لأن يسجد على شيء يصل إليه أولى من أن يومئ بدون شيء، ولكن النفس فيها شيء من هذا، والله هو الذي أمر بالصلاة، والرسول ﷺ هو الذي أُمر ببيانها وأخذ الوسادة وألقاها؛ سواء كانت على يده أو على الأرض، وذكروا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أنها كانت تصلي على الوسادة المطروحة في الأرض، ومن هنا جاء الخلاف، يهمنا في هذا أن من رأى إنساناً يسجد على شيء مرتفع أمامه ثابتاً على الأرض لا يُنكر عليه، ومن رأى من يصلي على شيء رافعاً إياه بيده فلا يقره عليه، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 686
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وغيره [١]
إن الكمال المطلق لله ، وقد خلق الله الإنسان وفيه الكثير من صفات النقص، ومن تلك الصفات صفة النسيان، وقد نسي آدم فنسيت ذريته، ومن المواضع التي يهمنا فيها أمر النسيان باب العبادات، وقد جاء بيان ذلك من النبي ﷺ .
стр. 687
شرح حديث: (أنه ﵊ صلى الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف ﵀: [وعن عبد الله بن بحينة ﵁: (أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس فقام الناس معه) ] .
بدأ المؤلف ﵀ بحديث ابن بحينة: (أن النبي ﷺ صلى الظهر) .
والمؤلف هنا يجزم أنها صلاة الظهر، وتجدون في بعض المراجع: (إحدى صلاتي العشي) والعشي: ما بين الزوال إلى غروب الشمس، والصلاتان الواقعتان في هذا الوقت هما الظهر والعصر، ولذلك تجدون خلافاً طويلاً في تحقيق ما هي الصلاة التي ذكرها ابن بحينة ولكن المصنف هنا صرح وجزم بأنها الظهر، فاسترحنا والحمد لله، وسواء كانت الظهر أو العصر فالصورة واحدة؛ وهي أنه ﷺ دخل في صلاة رباعية، والمعروف من قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) أن نجلس للتشهد الأوسط في الركعة الثانية من الرباعية أو الثلاثية وبعد جلسة التشهد نقوم إلى الركعة الثالثة، وهنا ﷺ في موضع الجلوس للتشهد الأوسط لم يجلس بل قام، فيكون ترك من الصلاة: التشهد الأوسط والجلوس له، وسيأتي: هل سجود السهو لترك الجلوس أو لترك التشهد، أو لتركهما معاً؟
стр. 688
متابعة المأموم للإمام
قوله: (فقام الناس معه) : لماذا قام الناس معه وهم يعلمون بأن هذا موطن جلسة؟ عند هذا يبحث العلماء مسألة: إذا كان المأمومون يعلمون نسيان الإمام عند هذا الموطن: فهل يتابعونه مباشرة أو ينبهونه؟ قالوا: يتعين على المأمومين أن ينبهوه.
وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث أنهم نبهوه وسبحوا، لكنه ﷺ لم يرجع، وفي بعض الروايات: (أشار إليهم أن قوموا، فقاموا) .
لماذا لم يرجع الإمام؟ قالوا: هناك مقياس للإمام وللمنفرد، إذا كان الإمام قد نسي الجلوس ونهض للقيام فينبه، فإن كان أقرب إلى الأرض رجع، وإن كان أقرب إلى الانتصاب استمر.
إذاً: لم يرجع ﷺ حينما نبهوه؛ لأنه كان أقرب إلى الانتصاب والقيام، فحينئذ من حقه عليهم أن يتابعوه، فهو قام نسياناً، وهم قاموا متابعة.
قوله: (فقام الناس معه) .
هل قام الناس معه ابتداء؟ الجواب: لا، وإنما بعد أن نبهوه، وبعد أن قارب القيام، وأصبح من حقه أن ينهض، ومن حقه عليهم أن يتبعوه ويتابعوه، لقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) .
وفي سجود السهو حينما سجد وسجدوا معه، هو سجد لنسيانه، وهم ما نسوا، ولكنهم تركوا الجلوس والتشهد فسجدوا معه، فإذا كان السهو من الإمام فقط ولم يكن من المأمومين، فسجد الإمام لسهوه، فيسجد المأمومون معه، وسيأتي في بعض الصور: لو قام الإمام في الخامسة والمأمومون يعلمون أنها الخامسة، فنبهوه فلم يسمع لهم؛ لأنه لم يثق بكلامهم، وكان يقينه في نفسه أنها الرابعة، فمن قام من المأمومين مع الإمام مع علمه ويقينه أنها الخامسة بطلت صلاته، وعلى أولئك الموقنين بأنهم أتموا الأربع، وأن هذه ركعة زائدة عليهم؛ أن يبقوا في مكانهم حتى يأتي الإمام بيقينه، ويتشهد ويسلم، وإذا علم أو تأكد أو ثبت عنده بعد أن جاء بالخامسة أنها زائدة، فيتعين عليه أن يسجد للسهو، وأولئك الجلوس الذين لم ينهضوا معه ولم يأتوا بزيادة سهواً ولا عمداً عليهم أن يسجدوا معه تبعاً له، ثم يسلموا مع تسليمه.
إذاً: قام الناس معه اتباعاً وأداءً لحق: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) .
стр. 689
صفة سجود السهو
قوله: (حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه) .
(قضى) تأتي بمعنى انتهى، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة:١٠] يعني: انتهى وسُلم منها، وقوله هنا: (حتى إذا قضى) أي: أتى ببقية الركعات بقرينة قوله: (وانتظر الناس أن يسلم) ، فكلمة (قضى) كما يقول الأصوليون: ما قارب الشيء يعطى حكمه؛ لأنه أتى بالأعمال وأصبح قريب التسليم، فانتظر الناس السلام، فعبر الراوي بقوله: (لما قضى الصلاة) وإن كان ليس قضاء كاملاً؛ لأنه لم يسلم بعد، ولا تعتبر الصلاة قضيت إلا بعد إكمالها ولم تبق لها أي جزئية، كما في النص الكريم: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠] ومعلوم أن ذلك بعد التسليم، لكنه هنا قال: (فلما قضى الصلاة) يعني: جاء بالباقي.
قوله: (وانتظر الناس تسليمه) يعني: أنه تشهد بعد أن أتى بالركعتين الباقيتين، وعلم أنه ترك الجلوس، بل قد أشار إليهم: (أن قوموا) ، والآن جلس يتشهد على حسب نظام الصلاة، والناس معه يظنون أن ترك الجلوس قد مضى لسبيله وتمت الصلاة.
قوله: (كبر وهو جالس) .
أي: وهو جالس للتشهد كبر تكبيرة الانتقال للسجدة، ولهذا يقولون: سجدتا السهو هما كأي سجدتين في صلب الصلاة: تكبر،وتسجد،وتسبح، وتطمئن، ثم ترفع من السجود وتجلس وتدعو الدعاء الوارد، ثم تكبر وتسجد، ثم تكبر وترفع.
إذاً: سجدتا السهو في الهيئة والصورة والعمل كسجدتي الصلاة سواء بسواء، فكما نفعل في السجدتين في صلب الصلاة نفعله في سجود السهو، سواء كان السهو في فريضة أو نافلة، على ما سيأتي إن شاء الله.
قال: (وسجد سجدتين قبل أن يسلم) .
سجد سجدتين مرتبتين؛ سجد ثم رفع من السجود، أي: مكبراً أيضاً، وجلس حتى اطمأن، ثم كبر وسجد الثانية حتى اطمأن وسبح أيضاً ثم كبر ورفع.
قال: (ثم سلم) .
وهذا سجود السهو كان قبل السلام، فلما أكمله سلم.
وسبب سجود السهو لا يخرج عن أحد أمرين: إما الزيادة في الصلاة كمن صلى خمساً أو جلس جلسة زائدة، وإما النقصان، والذي حدث في هذه الصلاة في حديث عبد الله بن بحينة هو نقصان التشهد، ونقصان الجلوس، والفرق بينهما: أن الإنسان لو كان منفرداً وجلس تلك الجلسة بعد الركعة الثانية، وفي مدة قراءة التشهد لم يقرأ التشهد وقام، فيكون قد ترك التشهد فقط والجلسة قد حصلت فهل يسجد للسهو لأنه ترك التشهد؟ الجواب: إن قيل بأن السهو للتشهد فيتعين على المنفرد إن جلس جلسة تكفي للتشهد ثم نسيه وقام؛ أن يسجد للسهو، وإن قيل: بأن السهو هو للجلسة، فجلس جلسة التشهد ولم ينسها ونسي التشهد فعلى هذا القول لا سهو عليه.
إذاً: هذا الفرق بين اعتبار السهو للتشهد أو للجلوس أو لهما معاً.
والصورة التي عندنا حصل فيها نقص، سواء قلنا: في التشهد أو في الجلسة للتشهد، فما كان عن نقص يأتي سجود السهو جبراناً للنقص، وجبران الشيء يكون منه، وهذه قاعدة عند أحمد: (كل سهو عن نقص يكون قبل السلام) .
وأما موضع السجود للسهو عند الأئمة الأربعة: فهناك من يقول: كل سجود للسهو يكون قبل السلام؛ حملاً على هذا.
وهناك من يقول: كل سجود للسهو يكون بعد السلام.
فأما الأول فهو قول الشافعي، وأما الثاني فهو قول الأحناف.
ومالك ﵀ يقول: (ما كان عن نقص فقبل السلام، وما كان عن زيادة فبعد) .
وأحمد يقول: ننظر الخمس الصور التي وردت عنه ﷺ أين أوقع السجود فيها، فنطبقها فيما لو وقع من إنسان واحدة منها، فكل سجود عن نقص فهو قبل السلام، وكل سجود عن زيادة فهو بعد السلام، وإذا كان عن شك أو تحير، أو عدم يقين فيكون قبل السلام كما سيأتي إن شاء الله، لكن لو جاء سهو في مواطن خلاف المواطن الخمسة التي وردت عن رسول الله ﷺ ، فالإمام أحمد يقول: نجعلها قبل السلام.
إذاً: كل ما جاءت صورته عن النبي ﷺ بالذات نجعل سهوها كما جاء عنه ﷺ في تلك الصورة، وما كان في غيرها فنجعله قبل السلام، فيكون القول بجعل السجود قبل السلام أكثر قائلاً، وأكثر اعتباراً، وهذه مجمل أقوال العلماء في ذلك، وسيأتي لها زيادة إيضاح إن شاء الله.
يهمنا في هذا الحديث: أن النبي ﷺ قام من الثانية وترك الجلوس، وترك الجلوس يستلزم ترك التشهد، فنبهوه فلم يرجع وقام الناس معه، وعرفنا متى يقوم الناس؟ ومتى لا يقومون؟ ومتى يستتم ناهضاً؟ ومتى يحق له أن يرجع؟ ثم بعد ذلك انتظر الناس تسليمه فلم يسلم، فسجد سجدتين وسلم بعدها، وأتى في سجود السهو بما يأتي به في صلاته العادية؛ بأن كبر للانتقال وسبح ودعا بين السجدتين، والله تعالى أعلم.
ينقل ابن عبد البر، وابن قدامة، والنووي، وعلماء الحديث الإجماع على أنه مهما كان سبب السهو - وقلنا بأن السبب لا يخرج عن الزيادة أو النقصان - فسجد الساهي قبل أو بعد السلام فصلاته صحيحة، وأما تعيين السجود للسهو هل هو قبل السلام أو بعد السلام إنما هو للأفضلية، أما إذا سجد قبل السلام في موضع يكون بعد السلام أو سجد بعد السلام في موضع يكون قبل السلام، فإن الصلاة قد تمت، ولكنه ترك الأفضل في موضع السجود.
إذاً: التحديد بقبل أو بعد أو بأي صورة من الصور المذكورة هو بحث كبير، ونحن إذا كنا حصلنا على الأساس والأصل وصحت الصلاة فالحمد لله، فهذا القول من العلماء في هذه المسألة أو الجزئية يهون علينا مسألة السجود للسهو.
قال المصنف: [وفي رواية لـ مسلم: (يكبر في كل سجدة وهو جالس، ويسجد ويسجد الناس معه مكان ما نسي من الجلوس) ] .
نقل الراوي: (ويسجد الناس معه) ليبين أن الناس لم يقع منهم سهو، بل هم متذكرون ونبهوا الإمام من أجل أن يرجع ولكنه لم يرجع، فسجودهم معه إنما هو متابعة للإمام.
стр. 690
شرح حديث: (صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي ركعتين)
قال المؤلف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس فقالوا: قصرت الصلاة! وفي القوم رجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين فقال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: بلى، قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر) متفق عليه، واللفظ للبخاري، وفي رواية مسلم: صلاة العصر] .
هذا الحديث من أهم الأحاديث النبوية، وكلها مهمة، ولكنه لموضوعه اهتم به العلماء كثيراً، حتى إن بعض العلماء أفرده بتأليف خاص وإن كان لم يصلنا، لكنهم نقلوا عنه الشيء الكثير، وبعضهم ينقل عمن كتب في هذا الحديث أنه استخرج من هذا الحديث مائة وخمسين مسألة، وابن دقيق العيد ﵀ لدقة أسلوبه يقول: إن الكلام على هذا الحديث من ثلاث جهات: الجهة الأولى: جهة أصل الدين والعقيدة.
الجهة الثانية: جهة علم الكلام.
الجهة الثالثة: جهة حكم الحديث فقهياً.
ثم أخذ يتكلم عن كل قسم منها في كتابه: (إحكام الأحكام في شرح كتاب عمدة الأحكام) ، وللإمام الصنعاني صاحب سبل السلام حاشية تسمى: (العدة على شرح العمدة) ، تعقب ما جاء به ابن دقيق العيد بزيادة التفصيل، والتنبيه على ما يلزم التنبيه عليه.
أما موضوع علم الكلام: فإنه في هذه المحاورة والتي تعتبر عند المنطقيين قاعدة في الفرق بين الكل والكلية، وهي قوله ﷺ لـ ذي اليدين: (لم تقصر ولم أنس) ، وفي بعض الروايات: (كل ذلك لم يكن) ، وهذا هو المبحث المنطقي.
ثم في أصول الفقه بحث فيما يتعلق بخبر الواحد، ويذكرون أن ذا اليدين أخبر رسول الله، فلم يكتف بإخباره وسؤاله، بل استوثق من الحاضرين فقال: (أصدق؟) فيبحث الأصوليون مدى قوة خبر الواحد والاستدلال به.
ثم يأتي فقه المسألة: أنه ﷺ بعدما سلم سجد ثم سلم.
وهذا هو فقه المسألة، وهو ما يتعلق بسجود السهو.
وأرجو من الإخوة طلاب العلم أن يرجعوا إلى هذا الحديث سواء في الموطأ، أو في إحكام الأحكام لـ ابن دقيق العيد، أو في العدة للصنعاني، أو في فتح الباري، أو في جميع موسوعات الحديث التي تكلمت على هذا الموضوع بإسهاب، وبالله تعالى التوفيق.
وصلى الله على نبيه وآله وسلم تسليماً.
стр. 691
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وغيره [٢]
الخلاف سنة الله في خلقه، وهو نوعان: منه المحرم الذي لا يجوز الوقوع فيه، ومنه الجائز الذي لا حرمة فيه، وهو قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف أفهام، وأكثر ما يقع هذان القسمان في المسائل الفقهية، ومن ذلك: اختلاف أحاديث موضع سجود السهو، فالتحقيق أنه يجوز السجود للسهو قبل السلام أو بعده، وقد اختلف الفقهاء في الأفضل، وكذلك اختلفوا في كثير من أحكام سجود السهو.
стр. 692
شرح حديث: (صلى رسول الله ﷺ خمساً)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن ابن مسعود ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ خمساً، فلما سلم قيل له: يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟) ] .
تقدمت بعض الأحاديث فيما يتعلق بسجود السهو من نقص أو زيادة، وهذا الحديث فيه: (أن النبي ﷺ صلى الرباعية خمساً) قيل: هي العصر، ولما قام إلى الخامسة لم ينبهوه على شيء؛ لأنه يجب عليهم الاتباع، فلما سلم من الخامسة سألوه؛ لأن الذي حدث على غير العادة، فاستلزم الاستفسار والتأكد فقالوا: أحدث في الصلاة شيء؟ أي: هل زيد فيها؟ وهذا أمر لا يستبعد؛ لأن الصلاة أول ما فرضت ركعتين، ثم أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، ومن هنا سألوا النبي ﷺ ، فقال لهم: (ما حدث شيء، وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا -يعني: أربعاً وزدت الخامسة-، فقال: لا.
لم يحدث في الصلاة شيء، ولو حدث فيها شيء لأخبرتكم) ، وهذه هي مهمة التبليغ؛ وهي أنه ﷺ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، فلو حدث في الصلاة شيء قبل أن يدخل فيها لأعلمهم بها، ليكونوا على علم بذلك، فلما لم يعلمهم بذلك، دل على أن هذا الذي وقع سهو، ثم بين الراوي تداركه لذلك: (وكان قد حنى رجليه -أي: كان قد جلس جلسة أخرى، ثم ثنى رجليه لجلسة التشهد- فسجد سجدتين -أي: سجدتي السهو- ثم سلم، ثم قال لهم: إنما أنا مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) .
стр. 693
هل النبي ﷺ ينسى ؟
وعند هذه الرواية: (أنسى كما تنسون) تأتي رواية أخرى وهي من بلاغات مالك ﵀ ومراسيله التي بلغت فوق الستين نصاً، ولم يذكر لها مالك سنداً، ولكن العلماء تتبعوا تلك البلاغات والمراسيل فوجدوا لها أسانيد عند غير مالك إلا أربعة أحاديث لم يجدوا لها سنداً كما يقول ابن عبد البر ﵀، ولكن جاء وابن الصلاح وغيره فتتبعوا تلك الأربعة فوجدوا لها أسانيد عند غير مالك، ومن تلك الأربعة على ما أذكر: ما يتعلق بليلة القدر؛ أنه ﷺ قال: (أُريت أعمار أمتي وأعمار الأمم) فاستقل ﷺ أعمار الأمة؛ لأنها ما بين الستين والسبعين، والأمم الذين قبلها كانوا يعمرون طويلاًَ، فاستقل أعمار الأمة، وكيف تحصّل مع أولئك نصيباً في الجنة! فأنزل الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١-٣] ، وروي أنه ﷺ قال للناس: (كان فيمن قبلكم رجل حمل السلاح ألف شهر يقاتل في سبيل الله! فقالوا: وماذا نحصل مع هؤلاء من عمل الخير؟ فأنزل الله سبحانه سورة القدر، وفيها ليلة خير من عمل الذين قبلهم) فهذا أحد الأحاديث الأربعة.
والثاني: قوله ﷺ : (إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت، فتلك عين غديقة) .
يقول مالك: بلغني أن النبي ﷺ قال: (إذا نشأت) أي: السحابة، وقوله: (بحرية) أي: من جهة البحر، والبحر في غرب المدينة، وقوله: (ثم تشاءمت) لأن السحابة التي تنشأ غرباً إما أن تستمر إلى الشرق وإما أن تنحرف إلى الجنوب، وإما أن تنحرف إلى الشمال، فهنا ﷺ في هذا البلاغ يقول: (إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت - أي: اتجهت إلى الشمال أو إلى الشام - فتلك عين غديقة) يعني: هذه السحابة عين غدق ماؤها، أي: ممطرة بإذن الله سبحانه.
والثالث: قوله ﷺ : (إني لا أنسَى ولكن أنسّى لأسن) .
والرابع: أظنه قوله ﷺ لـ معاذ: (حسن خلقك للناس) الحديث أو غيره.
فهذه أربعة بلاغات لم يوجد لها سند سوى إيراد مالك لها، وهذا كلام ابن عبد البر، وابن عبد البر قد أفرد البلاغات والأسانيد في التمهيد في الجزء الأخير؛ والكتاب مطبوع كله، فجاء -كما أشرنا- بعض العلماء وتتبع هذه الأربعة، فوجد لها أسانيد عند غير مالك؛ منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو غير ضعيف، والذي يهمنا هو هذا الأثر الثالث، والعلماء يبحثون هذه المسألة على الروايتين؛ الأولى: (إنما أنا مثلكم) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠] ، فبعامل البشرية قالوا: يجري عليه ﷺ ما يجري على عامة البشر من الأمور الجبلية، والآخرون قالوا: كيف ينسى وهو ﷺ يوحى إليه من عند الله؟ فإذا قلنا: إنه ينسى، فقد ينسى ما يوحى إليه، وهذا طعن في الرسالة، فقالوا: الجواب بتلك الرواية الثالثة؛ وهي قوله ﷺ : (أنا لا أنسى ولكن أنُسى) يعني: رغماً عني، ولأي شيء ينسى مع أن النسيان نقص؟ قال: (لأسن) وأحسن من تكلم على هذه المسألة هو القاضي عياض في كتاب الشفاء، فمن أراد التوسع في هذا الموضوع فليرجع إليه.
والخلاصة: أن بعض العلماء قال: يكون منه ﷺ النسيان في أمور الدنيا؛ أكل أو لم يأكل، أعطى فلاناً أو لم يعطه، ذهب إلى فلان أو لم يذهب، فهذه أمور عادية تجري على سنن البشر، وهو ﷺ في ذلك تجري عليه قوانين البشر، قالوا: وأما لو أطلقنا ذلك في العبادات فلا؛ لأنه إذا نسي في العبادة فلا يقر على النسيان، بل ينبه، ولكن لماذا ينسى؟ قالوا: ليسن، وإذا تتبعنا قضايا وقعت بالفعل نجد أن النسيان الذي يقع على النبي ﷺ إنما هو من أجل أن يبين السنة، فقد يكون واجباً عليه؛ لأنه إذا لم يقع هذا الفعل أو لم تحدث هذه الصورة منه ﷺ لم يبين الحكم فيها، ثم إذا وقعت بعد موته فماذا نفعل فيها؟ فقالوا: من تمام التبليغ أن يقع عليه طوارئ الأحداث والمستجدات حتى يبين للناس ماذا يعملون؟ ولهذا نظائر كثيرة.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] يعني: ننسيك إياها، وفي الآية الأخرى قال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦-٧] إذاً: قد يشاء الله أن ينسيه، سواء مما أوحى إليه أو ما كان من الأعمال ليترتب عليه بيان الحكم، وقد وقع له ﷺ في هذا المجال وفي غيره ما لم يقع لغيره لبيان التشريع.
стр. 694
قصة نومهم عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس
كلنا يعلم أن في عودته ﷺ من خيبر، سهر هو وأصحابه طوال الليل ثم عرسوا قبيل الفجر، وقال: (يا بلال! احرس لنا الفجر، قال بلال: فأنخت راحلتي، وأسندت ظهري إليها، ووجهت وجهي إلى المشرق أرقب الفجر، فما مكثت إلا وجاءني الشيطان يهدهدني كما تهدهد الأم طفلها حتى نمت، وما أيقظنا إلا حر الشمس) ، فلما استيقظوا كان عمر من أوائل من استيقظ، ولم يكونوا يجرءون على إيقاظ النبي ﷺ من نومه؛ لأنهم يعلمون أن النبي ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه، وقد يكون في حالة يوحى إليه فيها، لكن عمر أخذ يكبر، فاستيقظ النبي ﷺ ، وكان عنده أبو بكر، فقال: (يا أبا بكر! أين بلال؟! ما أراه إلا أن الشيطان أتاه وأخذ يهدهده كما تهدهد الأم طفلها حتى نام، فقام أبو بكر ونادى بلالاً، فقال له رسول الله ﷺ : أين الصبح يا بلال؟! فقال: قبض روحي الذي قبض أرواحكم) يعني: لماذا تلومونني أنا فقط، فكلنا قد نام؟ وقوله ﷺ فيه دعابة ولطافة، فقال له رسول الله ﷺ : (أخبرني، فقال: والله يا رسول الله، لقد أخذت أهبتي، وأنخت راحلتي، واستندت إليها، واستقبلت المشرق بوجهي أنتظر الفجر، فإذا الشيطان يأتي ويهدهدني -الحديث- فقام أبو بكر وقال: أشهد إنك لرسول الله ﷺ ، فقال لهم رسول الله ﷺ : ارحلوا من هذا الوادي، فإن فيه شيطاناً) فخرجوا، وأذن بلال، وأقام، وصلوا الفجر.
ففي هذه الحالة من يستطيع أن يقول: إن الرسول أراد أن تفوته صلاة الصبح؟ لا أحد يقول ذلك، ولكن حصل هذا من أجل التشريع، وقد أخذ بأسباب البشر، بأن وكل الأمر إلى شخص ليوقظه، ونحن الآن نوكل قيامنا بالمنبه، فإذا كان الإنسان قد أخذ الأهبة فيما هو في وسعه، فما وراء ذلك فالله هو الذي يتولاه، فلما حدث ذلك كانت النتيجة أن أمرهم ﷺ أن يرحلوا من المكان، ثم أذن المؤذن كما يؤذن في العادة، ومن هنا نعلم أن الأذان للصلاة مع الوقت، وهنا الوقت قد خرج، والشمس قد ارتفعت، ثم بعد ذلك الأذان صلوا السنة، ومن هنا نعلم تأكيد سنة الفجر، وقد كان ﷺ لا يتركها في سفر ولا حضر، ثم أقيمت الصلاة وصلى الفجر أيضاً كما يصليها في العادة.
ومن هذه الحادثة نعلم ماذا نفعل إذا فاتنا وقت الصلاة، فلا نؤخرها إلى الغد بل نصليها في وقتها، وقد كان بعض الناس يقول ذلك، فقال ﷺ : (إن الله نهاكم عن الربا، وكيف يقبله منكم؟!) ، وقال ﷺ : (من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها) .
إذاً: كان هذا تقدير من الله ليبين للأمة فعل رسول الله فيقتدوا به ﷺ إذا وقع منهم مثل ذلك.
стр. 695
قضايا وقعت للنبي ﷺ من أجل أن يبين الحكم فيها للأمة
إن المتأمل في السنة يجد عدة قضايا كان الرسول ﷺ بعيداً عنها كل البعد، ولكنها فرضت عليه فرضاً، وألزم بها ليبين للأمة بنص الكتاب المبين الحكم فيها، وذلك مثل قصة زينب وزيد، ماذا كان موقفه منها؟ قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] ، ليس هو الذي ذهب وتزوجها، وإنما فرض عليه زواجها، لماذا؟ هل لأنها ابنة عمته؟ أم أنه كما يقول أولئك المغفلون أو أولئك المتهمون: كان يراها ويريدها؟ أليس كانت ابنت عمته بكراً وهو قادر على ألا يزوجها زيداً، وأن يمنعه منها؟ بلى والله! ومن هو زيد؟ زيد خطف من الطريق وبيع فاشتراه شخص وأهداه لـ خديجة رضي الله تعالى عنها، فوهبته لرسول الله، فجاء أبوه وعمه يتقصون الأخبار عنه حتى عرفوا أنه عند رسول الله ﷺ ، فقالوا: (يا محمد! جئناك في فداء ابننا زيد، فقد علمنا أنه عندك، وأنت تأمر بصلة الأرحام، قال: أو غير ذلك؟ قالوا: وما هو؟ قال: أناديه وأعرض عليه، فإن اختاركما فلا أريد منكما فداء، وإن اختارني فما أنا بمفاد من يختارني على أهله، قالوا: والله! لقد أنصفت، فدعا زيداً فقال: هل تعرفهما؟ قال: نعم هذا أبي، وهذا عمي، قال: إنهما أتيا لفدائك، وقد أخبرتهما: إن اخترتهما فاذهب معهما بلا فداء، وإن اخترتني فما أنا بمفاد من يختارني، فقال: والله! لا أختار عليك أحداً أبداً -وهذا قبل البعثة وقبل الرسالة، من أجل تلك الأخلاق الفاضلة التي نشأه المولى عليها- فقال له أبوه: ويحك يا زيد! أتختار الرق والعبودبة على الحرية؟ قال: ومالي لا أختاره؟ والله! منذ صحبته ما قال لي على شيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟) فهل معنى هذا أن فعل الأمر ليس مهماً بالنسبة للنبي ﷺ ؟ لا والله! ولكنه كان يوجهه بمكارم الأخلاق وباللطافة والإحسان والمروءة، فعرفوا مكانه وقالوا: إذن نحن نطمئن على ولدنا، وانصرفوا.
فلما وجد منه ﷺ هذا الوفاء، أخذ بيده وطاف به حول الكعبة وقال: (يا معشر قريش! زيد هذا ابني، يرثني وأرثه) ، حتى جاء الإسلام وأنزل الله قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠] الآية، وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] .
وكان ﷺ قد زوج زيداً بـ زينب، وكان يدعى ابن محمد حتى جاء القرآن ونسخ التبني، وكذلك نسخ تحريم زوجة الابن بالتبني، وبقي تحريم زوجة الابن من النسب، وهذه القضية لو أنها وقعت مع أبي بكر أو مع عثمان أو مع عمر أو مع أي أحد من الصحابة لم تهدم هذه العادة، ولم تقض على ما تعارفوا عليه طيلة دهرهم، ولكن لما كانت في شخصية رسول الله ﷺ هدمت تلك العادة وانتهت، وكان ﷺ يحاول أن يدفع ذلك عن نفسه، قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب:٣٧] ، وهذا عتاب كبير، لماذا زوجه الله تعالى؟ قال تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٧] يعني: أن هذا الزواج للتشريع، فرض عليه لكي يأتي التشريع الجديد في شخصيته ﷺ .
المهم أنه ﷺ لم يكن متطلعاً إليها ولم يكن راغباً في زواجها، ولكن هذا الزواج فرض عليه من أجل التشريع، ولذلك كانت تقول لنساء رسول الله: (زوجكن آباؤكن، وأنا زوجني الله من فوق سبع سموات) ، وهذا والله هو العقل.
إذاً: هذا العمل أجري على رسول الله ﷺ ، وتلك الصلاة أجريت على رسول الله، فلا مانع أن ينسّى، لكن لأي شيء؟ ليبين للناس.
стр. 696
ثلاثة أحداث في الحج للتشريع
ومن ذلك: الحج، فقد حج النبي ﷺ مرة واحدة، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] ، وجاءت بعض التشريعات لبعض أركان الحج أو أعماله في كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] ، وقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] ، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] ، وقوله: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] ، فهذه بعض تشريعات الحج، ولكن كون الحائض تطوف أو لا تطوف، وكون الإنسان يحج عن الغير أو لا يحج، لم يأت له في القرآن ذكر، وإنما جاءت وبينته السنة لشدة خطر موضوع الحيض والنفاس في الحج تأتي ثلاثة أحداث في بيت رسول الله ﷺ ليبين للناس الحكم فيها: الحالة الأولى: في الميقات قبل الشروع في الإحرام.
الحالة الثانية: في أثناء الطريق وهم محرمون.
الحالة الثالثة: في يوم من أيام منى قبل العودة وقبل النفير.
أما الحالة الأولى: فهي حادثة أسماء زوجة الصديق، والصديق والرسول ﷺ في ركب واحد، وعلى مرأى ومسمع منه ﷺ ، نفست أسماء عندما باتوا في بئر علي، فسأل أبو بكر رسول الله ﷺ ، فقال: (مرها فلتغتسل ولتنوي) ، هي نفساء الآن، ولم تطهر من النفاس! ولكن هذا الغسل ليس لطهر النفاس ولكن للإحرام، فهذا يدل على أن النفاس لا يمنع المرأة أن تحرم.
الحالة الثانية: بعد أن وصلوا إلى سرف: (دخل النبي ﷺ على عائشة - وكانت أحب النساء إليه- فإذا بها تبكي، فقال: لعلك نفست؟ فقالت: نعم، فقال: لا عليك، أمر كتبه الله على بنات حواء، قولي: حجة في عمرة) .
الحالة الثالثة: عندما نزل من عرفات إلى منى ورمى الجمار، وعندما رجع من مكة إلى منى (سأل عن صفية، فقالوا: إنها حائض، فقال: أحابستنا هي؟ - أي: عن العودة وطواف الإفاضة حتى تطهر، وبعدها تطوف طواف الإفاضة- فقالوا: لا.
لقد طافت من قبل- استأذنت فنزلت من منى، ورمت جمرة العقبة، ونزلت إلى مكة وطافت ورجعت إلى منى- فقال: إذن نرحل ... ) .
فتأتي هذه الأحداث الثلاثة فيما يتعلق بأمر النسوة في بيت رسول الله، ليبين ﷺ للأمة في ذلك إذا وقع لهم مثله.
فقوله ﷺ : (إني مثلكم أنسى كما تنسون) لا مانع من ذلك، ولكنه لم ينس شيئاً من التبليغ، وقد ينسى شيئاً من العبادة ولكنه لا يترك عليه، وهذا بإجماع المسلمين أنه ﷺ لا يقر على النسيان في العبادة، بل لا يقر ﷺ على الخطأ في العبادة، ولو لم يكن نسياناً، كما في قصة خلعه ﷺ لنعليه وهو ساجد في الصلاة، فخلع المسلمون نعالهم، فلما سلم قال: (أنا خلعت نعلي، فما بالكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا - وهذا هو الواجب، فربما جاء تحريمه في هذه اللحظة- قال: أما أنا فأتاني جبريل فأخبرني أن فيهما أذى، فخلعتهما) فلم يقر على الأذى في نعليه ﷺ .
إذاً: ما يتعلق بالبلاغ فهو معصوم ﷺ من النسيان فيه، بل يقول القاضي عياض: أيهما أشد؛ النسيان الذي يتذكر به حالاً أو السحر الذي وقع عليه؟ فقد وقع عليه السحر بإجماع المسلمين، سحره لبيد بن الأعصم، وقضيته معروفة في تفسير سورة الفلق، فوقع عليه ﷺ ما يقع على البشر بسنة البشر، ولكن في حالة السحر بينت عائشة فقالت: (كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله) ، ولم تقل: تكلم بكذا, ولا ألغى كذا، ولا نسخ كذا، أبداً، وإنما هي أمور عملية فعلية في شخصه ﷺ ، وهذا لا يضر الرسالة، ولا يتعارض مع العصمة، ولا يخدش في التبليغ عن الله .
ونأتي إلى بلاغ مالك: (أنسّى) .
أقول: والله! إن تلك الأحداث لتشهد لرواية مالك: (أنسّى) ؛ لأن ذلك من تمام التبليغ عن الله وبيان التشريع، والله تعالى أعلم.
стр. 697
الفتح على الإمام
وقوله: (أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني ... ) .
في بعض الأحاديث الأخرى: (أنه ﷺ قرأ في الصلاة وترك آية، فلما سلم قالوا: تركت آية كذا! فقال: أليس فيكم أُبي؟ فقالوا: بلى، فقال: لماذا لم ترد علي؟ قال: خشيت أن تكون نسخت) .
وهذا الذي نبهنا عليه، وقد طُلب من الإمام مالك أن ينصب نافعاً إمام القراء للصلاة بالناس، فقال: لا.
لا تجوز صلاته بالناس، فقالوا: يا مالك! هذا شيخ القراء، وقد قال ﷺ : (يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله) ، فلماذا لا تنصبه؟ قال: لو أخطأ فلن يكون هناك أحد يرد عليه، فيظن الناس أنها قراءة فيسكتون، فيمضي الخطأ على أنه قراءة، فاقتنعوا بذلك، وكذلك أُبي لم يرد على رسول الله؛ لأن الآية قد تكون نسخت، وينبغي التنبه إلى هذه النقطة! قال: (أنسى كما تنسون) يعني: أنا نسيت فذكرتموني، وأنتم كذلك تنسون، والنسيان يأتي بالشك؛ لأن الشك لا يكون إلا نتيجة النسيان.
стр. 698
تحري الصواب عند الشك في الصلاة
قال ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب) معنى التحري: أن ينظر ما يغلب على ظنه إلى أقصى حد ويدقق فيها تدقيقاً، فكأنه وصل إلى خيط الحرير بين المسألتين، كما يقال: تحرير المسألة، أي: تنقيتها إلى أقصى حد، فإذا تحرى عمِل بما ظهر له.
قوله: (فليتحر الصواب وليتم عليه) ، أي: يتم على ما توصل إليه في تحريه، ( ﴿ثم ليسجد سجدتين) ، بعدما يتحرى يتم صلاته على هذا التحري، ثم يسجد سجدتين.
هل السجدتان قبل أو بعد؟ بينه في الرواية الآتية: [وفي رواية للبخاري: (فليتم، ثم يسلم، ثم يسجد) ] .
يعني: يكون سجود السهو عند التحري بعد السلام.
стр. 699
شرح حديث: (سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام)
قوله: [ولـ مسلم (أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام) ] المؤلف لم يسق هذا ليبين موضع سجدتي السهو هل هما قبل أم بعد؟ وإنما ساق هذا ليبين أن سجدتي السهو لا يمنعها الكلام، ما دام أنه في مصلحة الصلاة، فإذا سلم ثم تكلم ونُبه وتبين له أنه سها، فكلامه هذا لا يقطعه عن الصلاة، وإنما يجبر ما نقص منه أو زاد سهواً بسجدتين ولو تكلم قبلهما.
وساق المؤلف هذا هنا ليبين المسألة؛ لأننا نجد الفقهاء ﵏ قد اختلفوا، فبعضهم يقول: السجود بعد السلام، وبعضهم يقول: إن طال الفصل استأنف صلاته من جديد.
ثم اختلفوا في حد هذا الطول؟ فبعضهم يقول: يحدد عرفاً؛ لأنه لم يأت فيه تحديد عن النبي ﷺ ، وبعضهم يقول: يحدد بقدر ركعة، وبعضهم يقول: يحدد بقدر الصلاة التي سها فيها، ثم الآخرون يقولون: إذا كان الكلام من مصلحة الصلاة فلا يضر، ولهذا جاء المؤلف ﵀ بهذا الحديث، وفيه: (أن النبي ﷺ أوقع سجدتي السهو بعد أن سلم وتكلم) .
وهل المسألة قاصرة على الكلام فقط؟ وإذا تحرك وانتقل من مكانه فما هو الحكم؟ قالوا: إن كان قريباً سجد، وهذا القرب ما حده؟ قالوا: يحدد عرفاً، وبعضهم يقول: ما لم يخرج من المسجد، فإن خرج من المسجد ونبه استأنف من جديد.
إذاً: هذه المسائل كلها موضع بحث وتقدير واجتهاد عند العلماء ﵏.
стр. 700
شرح حديث: (من شك في صلاته فليسجد)
قوله: [ولـ أحمد وأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن جعفر مرفوعاً: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم) وصححه ابن خزيمة] في الحديث الأول ذكر التحري، وهنا ذكر الشك، وهذا تنصيص في أن من شك في الصلاة فليتم- يعني: يبني على اليقين- وليسجد بعد السهو.
стр. 701
شرح حديث: (إذا شك أحدكم فقام في الركعتين فاستتم قائماً)
قال المصنف ﵀: [وعن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا شك أحدكم فقام في الركعتين فاستتم قائماً فليمض ولا يعود، وليسجد سجدتين، فإن لم يستتم قائماً فليجلس ولا سهو عليه) رواه أبو داود وابن ماجة والدارقطني واللفظ له بسند ضعيف] .
تقدم في قيامه ﷺ من الركعتين أنه لم يجلس للتشهد الأوسط، وإنما قام، ثم بعد أن سبحوا كان قد انتصب قائما، ً فأشار إليهم: أن قوموا، ولم يرجع، فقاموا، ثم سجد سجدتي السهو؛ وفي حديث المغيرة هنا يبين النبي ﷺ حكم هذه المسألة؛ أنه إذا سها الإمام أو المنفرد فلم يجلس في التشهد الأوسط وجاء ناهضاً للقيام، نظرنا ما هي المسافة بين جلوسه وانتصابه قائماً على سبيل التقريب، فإذا كان قد نهض فتذكر أو نبهوه، وكان في هذه الحالة أقرب إلى جلوسه، جلس وتشهد ولا سهو عليه.
وإذا كان قد نهض وبقي من انتصابه (٣٠ سم) ؛ بمعنى أنه انتصب (٧٠ سم) ، أصبح في هذه الحالة أقرب للانتصاب، فلا يرجع.
وإذا كان إماماً، ووصل إلى ما يقرب من انتصابه قائماً، فسبحوا له، فلا يرجع، بل يمضي في قيامه، ويمضي في الركعة الثالثة، وبعد أن يتم صلاته يسجد سجدتي السهو وقد تقدم أنها قبل السلام.
إذاً: في حالة ترك الجلوس للتشهد الأوسط، وسها المصلي منفرداً أو إماماً فننظر هل يمضي في قيامة أو يعود إلى مجلسه؟ ننظر أي المركزين أقرب إليه، فإن كان الجلوس أقرب إليه جلس ولا سهو عليه، وإن كان القيام والانتصاب أقرب إليه قام ولا رجوع عليه، ويجبره بسجدتي السهو.
стр. 702
شرح حديث: (ليس على من خلف الإمام سهو)
قال المصنف ﵀: [وعن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال (ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلف) رواه الترمذي والبيهقي بسند ضعيف] يقول المؤلف: رواه الترمذي والبيهقي لكن بسند ضعيف، لكن عليه عمل الناس, والعامة يقولون: الإمام يحمل سهو المأموم؛ بمعنى: حينما تقع الصلاة جماعة فالمأموم مرتبط بالإمام، فإذا سها المأموم ولم يسه الإمام، فعلى المأموم أن يسلم مع الإمام؛ قال ﷺ : (وإذا سلم فسلموا) ، لكن هل يسجد المأموم سجود السهو عن السهو الذي وقع منه وهو خلف الإمام بعد السلام؟ وهل يتصور أن يسهو المأموم خلف الإمام؟ نعم، فمثلاً: الإمام جلس في التشهد الأوسط، والجلوس معه إنما هو للتشهد، لكن المأموم يوقن في نفسه بأنه لم يتشهد سهواً، فتكون صلاة الإمام صحيحة لا سهو فيها، والمأموم قد وقع عليه سهو في ترك التشهد الأوسط، فإذا سلم الإمام فهل يسجد هذا المأموم سجود السهو لما سها عنه من تشهده؟ قالوا: لا، لأن الإمام يحمله عنه، ولو قلنا: إن سجود السهو ليس للتشهد ولكن للقيام معه؟ فبعض الأئمة كـ مالك يقول: إذا جلس يكفيه.
ومثل هذا أيضاً إذا كان الإمام جلس للتشهد الأوسط، بينما بعض المأمومين قال: الله أكبر، وقام ناهضاً، وصار أقرب إلى القيام، فهل يرجع أو يظل قائماً؟ يجب عليه أن يرجع ويتابع الإمام، فيكون قد وقع منه سهو في القيام والجلوس، فهل يسجد لهذا السهو؟ قالوا: لا؛ لحديث عمر رضي الله تعالى عنه الذي بين أيدينا.
إذاً: إذا سها الإمام ولم يسه المأموم؛ كأن يكون بعد الركعة الثانية كبر وقام ونهض ولم يجلس للتشهد، وسبحوا له فرجع، وكان من حقه أن يستمر، فيكون قد سها في القيام وأخطأ في العودة، فيلزمه سجود السهو، فإذا سجد للسهو الذي وقع منه فعلى المأمومين أن يسجدوا متابعة للإمام، والله تعالى أعلم.
стр. 703
شرح حديث: (لكل سهو سجدتان)
قال المصنف ﵀: [وعن ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: (لكل سهو سجدتان بعدما يسلم) رواه أبو داود وابن ماجة بسند ضعيف] يختم المؤلف ﵀ مباحث سجود السهو بهذا الحديث، ويتناول هذا الحديث مسألتين: المسألة الأولى: هل يتعدد سجود السهو بتعدد السهو؟ يعني: هل تعدد السبب يستوجب تعدد المسبب أو لا يستوجبه؟ المسألة الثانية: عند قوله ﷺ في سجدتي السهو: (بعدما يسلم) من غير تفصيل فيما إذا كان السهو عن زيادة أو كان عن نقص.
أما المسألة الأولى: إذا سها أكثر من سهو مثل أن يقوم ولا يتشهد التشهد الأوسط، وأسر في الجهرية، فهنا تعدد منه السهو، فهل يسجد لكل سهو سجدتين أم سجدتا السهو تجزئ عن كل النسيان الذي وقع منه في صلاته؟ الجمهور على أنه لو تعدد من المصلي أسباب سجود السهو، فإنه يجزئ عن ذلك كله أن يسجد سجدتين فقط، وقالوا: لهذا نظائر، كنواقض الوضوء، فلو أن إنساناً توضأ ثم أحدث حدثاً واحداً من نواقض الوضوء، فإنه يتعين عليه أن يتوضأ، فإذا توضأ وأحدث عدة أحداث كل واحد منها يستوجب وضوءاً على حدة لو كان منفرداً.
فبإجماع المسلمين إذا أراد أن يصلي لا يتوضأ بعدد الأحداث التي أحدثها، بل وضوء واحد يجزئه عن هذه الأحداث كلها، وله أن يصلي بهذا الوضوء، قالوا: كذلك أسباب سجود السهو إن تعددت، يكفي عنها سجدتان فقط.
وأما قوله ﷺ : (لكل سهو سجدتان) فقالوا: هذا للجنس أياً كان السهو، فإنه يجزئه سجدتان، وما هي أنواع السهو؟ هذا فيه خلاف بين العلماء طويل جداً، ويذكر بعض العلماء فيه آثاراً ضعيفة، منها: (لا سهو إلا على من زاد قياماً أو نقص جلوساً ففيه السهو) ، ويحسن سجود السهو في القيام وفي تركه، وزادوا في ذلك أشياء كثيرة، فمن شاء فليرجع إلى كتب الفقه، فإنه سيجد أقوال العلماء فيما يستوجب سهواً أو لا يستوجبه.
وإلى هنا انتهى المؤلف ﵀ من نصوص السهو، ونعود إليها بالإجمال مرة أخرى فنقول: تقدم التنبيه عن أحمد ﵀ أنه قال: المنصوص عن رسول الله ﷺ السجود في خمسة مواطن: الأول: (إذا قام من ركعتين) ، الثاني: (إذا سلم من ركعتين) ، الثالث: (إذا زاد خامسة) ، الرابع: (من شك فليتحر) ، الخامس: (من شك فليبن على اليقين) .
هذه هي النصوص التي وردت عنه ﷺ ، وجاء عنه السجود فيها تارة قبل السلام، وتارة بعد السلام.
ونأتي إلى الأئمة ﵏: فنجد أبا حنيفة ﵀ أخذ بالحديث الأخير: (لكل سهو سجدتان بعدما يسلم) فأخذ الإمام أبو حنيفة ﵀ بأن كل سهو أياً كان سببه فإنه يسجد له بعد السلام لعموم هذا الحديث.
وقال: إن السهو جبران, والجبران يكون بعد انتهاء الصلاة.
وعند الشافعي ﵀: أن كل سهو يسجد له قبل السلام، وقال: جبران الشيء منه.
ومالك عنده قاعدة عامة، وهي: ما كان سببه نقصاناً في الصلاة فيسجد له قبل السلام، وما كان سببه زيادة في الصلاة فيسجد له بعد السلام.
وقال الإمام أحمد ﵀: الحالات الواردة عن النبي ﷺ خمس حالات، فنسجد للسهو في تلك الحالات الخمس كما سجد فيها ﷺ ، وإذا حدث سهو بصورة مخالفة للصور التي جاءت عن رسول الله فنسجد لها قبل السلام.
إذاً: الأكثر يرجحون أن سجود السهو قبل السلام.
وقد تقدم أنه بإجماع المسلمين أن من سجد سجود السهو الوارد فيه بعد السلام فسجده قبل السلام، أو سجد سجود السهو الوارد فيه قبل السلام فسجده بعد السلام؛ فسجوده صحيح وصلاته تامة، يعني: أن ترتيب السجود قبل أو بعد إنما هو من باب التفضيل في الأعمال، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 704
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وغيره [٣]
فضل الله بعض مخلوقاته على بعض، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم صفوة الخليقة، فلا يجوز أن يساء إليهم، ولا أن يُقدح فيهم، ويجب الدفاع عنهم، والتحري والتثبت في القصص والأخبار التي تنقل عنهم، ورد القصص التي تتضمن الطعن والنقيصة فيهم صلوات الله وسلامه عليهم.
стр. 705
شرح حديث: (سجدنا مع رسول الله)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] ) رواه مسلم] .
هاتان السجدتان لم يقل بهما مالك، ويرى أنه لا سجود في المفصل، والمفصل بعضهم يقول: إن أوله الحجرات، فيدخل تحته سورة النجم، والانشقاق، والعلق، فـ مالك يرى أنه لا سجود فيها.
وإتيان المؤلف بحديث أبي هريرة يدل على أن السجود فيهما ثابت عن رسول الله ﷺ ، وإذا كان الإمام مالك يقول هذا القول، فإنا نجد في المذهب المالكي ثلاث روايات: رواية تقول كما قال مالك.
وراوية تقول: جميع الآيات الخمسة عشر كلها فيها سجدة، ما عدا الثانية من الحج.
والراوية الثالثة تقول: جميع الآيات كلها بما فيها الثانية من الحج.
إذاً: جاء عن مالك في الموطأ عدم السجود في المفصل، وأما عند العلماء المالكية فإنهم يذكرون في المذهب خلاف ما في الموطأ، وهي روايات عن مالك في غير الموطأ.
فيكون مالك يثبت السجود في المفصل على بعض الروايات عنه.
следующие страницы →