Полный текст (2 523 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
شرح حديث: (إذا شك أحدكم فقام في الركعتين فاستتم قائماً)
قال المصنف ﵀: [وعن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا شك أحدكم فقام في الركعتين فاستتم قائماً فليمض ولا يعود، وليسجد سجدتين، فإن لم يستتم قائماً فليجلس ولا سهو عليه) رواه أبو داود وابن ماجة والدارقطني واللفظ له بسند ضعيف] .
تقدم في قيامه ﷺ من الركعتين أنه لم يجلس للتشهد الأوسط، وإنما قام، ثم بعد أن سبحوا كان قد انتصب قائما، ً فأشار إليهم: أن قوموا، ولم يرجع، فقاموا، ثم سجد سجدتي السهو؛ وفي حديث المغيرة هنا يبين النبي ﷺ حكم هذه المسألة؛ أنه إذا سها الإمام أو المنفرد فلم يجلس في التشهد الأوسط وجاء ناهضاً للقيام، نظرنا ما هي المسافة بين جلوسه وانتصابه قائماً على سبيل التقريب، فإذا كان قد نهض فتذكر أو نبهوه، وكان في هذه الحالة أقرب إلى جلوسه، جلس وتشهد ولا سهو عليه.
وإذا كان قد نهض وبقي من انتصابه (٣٠ سم) ؛ بمعنى أنه انتصب (٧٠ سم) ، أصبح في هذه الحالة أقرب للانتصاب، فلا يرجع.
وإذا كان إماماً، ووصل إلى ما يقرب من انتصابه قائماً، فسبحوا له، فلا يرجع، بل يمضي في قيامه، ويمضي في الركعة الثالثة، وبعد أن يتم صلاته يسجد سجدتي السهو وقد تقدم أنها قبل السلام.
إذاً: في حالة ترك الجلوس للتشهد الأوسط، وسها المصلي منفرداً أو إماماً فننظر هل يمضي في قيامة أو يعود إلى مجلسه؟ ننظر أي المركزين أقرب إليه، فإن كان الجلوس أقرب إليه جلس ولا سهو عليه، وإن كان القيام والانتصاب أقرب إليه قام ولا رجوع عليه، ويجبره بسجدتي السهو.
стр. 702
شرح حديث: (ليس على من خلف الإمام سهو)
قال المصنف ﵀: [وعن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال (ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلف) رواه الترمذي والبيهقي بسند ضعيف] يقول المؤلف: رواه الترمذي والبيهقي لكن بسند ضعيف، لكن عليه عمل الناس, والعامة يقولون: الإمام يحمل سهو المأموم؛ بمعنى: حينما تقع الصلاة جماعة فالمأموم مرتبط بالإمام، فإذا سها المأموم ولم يسه الإمام، فعلى المأموم أن يسلم مع الإمام؛ قال ﷺ : (وإذا سلم فسلموا) ، لكن هل يسجد المأموم سجود السهو عن السهو الذي وقع منه وهو خلف الإمام بعد السلام؟ وهل يتصور أن يسهو المأموم خلف الإمام؟ نعم، فمثلاً: الإمام جلس في التشهد الأوسط، والجلوس معه إنما هو للتشهد، لكن المأموم يوقن في نفسه بأنه لم يتشهد سهواً، فتكون صلاة الإمام صحيحة لا سهو فيها، والمأموم قد وقع عليه سهو في ترك التشهد الأوسط، فإذا سلم الإمام فهل يسجد هذا المأموم سجود السهو لما سها عنه من تشهده؟ قالوا: لا، لأن الإمام يحمله عنه، ولو قلنا: إن سجود السهو ليس للتشهد ولكن للقيام معه؟ فبعض الأئمة كـ مالك يقول: إذا جلس يكفيه.
ومثل هذا أيضاً إذا كان الإمام جلس للتشهد الأوسط، بينما بعض المأمومين قال: الله أكبر، وقام ناهضاً، وصار أقرب إلى القيام، فهل يرجع أو يظل قائماً؟ يجب عليه أن يرجع ويتابع الإمام، فيكون قد وقع منه سهو في القيام والجلوس، فهل يسجد لهذا السهو؟ قالوا: لا؛ لحديث عمر رضي الله تعالى عنه الذي بين أيدينا.
إذاً: إذا سها الإمام ولم يسه المأموم؛ كأن يكون بعد الركعة الثانية كبر وقام ونهض ولم يجلس للتشهد، وسبحوا له فرجع، وكان من حقه أن يستمر، فيكون قد سها في القيام وأخطأ في العودة، فيلزمه سجود السهو، فإذا سجد للسهو الذي وقع منه فعلى المأمومين أن يسجدوا متابعة للإمام، والله تعالى أعلم.
стр. 703
شرح حديث: (لكل سهو سجدتان)
قال المصنف ﵀: [وعن ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: (لكل سهو سجدتان بعدما يسلم) رواه أبو داود وابن ماجة بسند ضعيف] يختم المؤلف ﵀ مباحث سجود السهو بهذا الحديث، ويتناول هذا الحديث مسألتين: المسألة الأولى: هل يتعدد سجود السهو بتعدد السهو؟ يعني: هل تعدد السبب يستوجب تعدد المسبب أو لا يستوجبه؟ المسألة الثانية: عند قوله ﷺ في سجدتي السهو: (بعدما يسلم) من غير تفصيل فيما إذا كان السهو عن زيادة أو كان عن نقص.
أما المسألة الأولى: إذا سها أكثر من سهو مثل أن يقوم ولا يتشهد التشهد الأوسط، وأسر في الجهرية، فهنا تعدد منه السهو، فهل يسجد لكل سهو سجدتين أم سجدتا السهو تجزئ عن كل النسيان الذي وقع منه في صلاته؟ الجمهور على أنه لو تعدد من المصلي أسباب سجود السهو، فإنه يجزئ عن ذلك كله أن يسجد سجدتين فقط، وقالوا: لهذا نظائر، كنواقض الوضوء، فلو أن إنساناً توضأ ثم أحدث حدثاً واحداً من نواقض الوضوء، فإنه يتعين عليه أن يتوضأ، فإذا توضأ وأحدث عدة أحداث كل واحد منها يستوجب وضوءاً على حدة لو كان منفرداً.
فبإجماع المسلمين إذا أراد أن يصلي لا يتوضأ بعدد الأحداث التي أحدثها، بل وضوء واحد يجزئه عن هذه الأحداث كلها، وله أن يصلي بهذا الوضوء، قالوا: كذلك أسباب سجود السهو إن تعددت، يكفي عنها سجدتان فقط.
وأما قوله ﷺ : (لكل سهو سجدتان) فقالوا: هذا للجنس أياً كان السهو، فإنه يجزئه سجدتان، وما هي أنواع السهو؟ هذا فيه خلاف بين العلماء طويل جداً، ويذكر بعض العلماء فيه آثاراً ضعيفة، منها: (لا سهو إلا على من زاد قياماً أو نقص جلوساً ففيه السهو) ، ويحسن سجود السهو في القيام وفي تركه، وزادوا في ذلك أشياء كثيرة، فمن شاء فليرجع إلى كتب الفقه، فإنه سيجد أقوال العلماء فيما يستوجب سهواً أو لا يستوجبه.
وإلى هنا انتهى المؤلف ﵀ من نصوص السهو، ونعود إليها بالإجمال مرة أخرى فنقول: تقدم التنبيه عن أحمد ﵀ أنه قال: المنصوص عن رسول الله ﷺ السجود في خمسة مواطن: الأول: (إذا قام من ركعتين) ، الثاني: (إذا سلم من ركعتين) ، الثالث: (إذا زاد خامسة) ، الرابع: (من شك فليتحر) ، الخامس: (من شك فليبن على اليقين) .
هذه هي النصوص التي وردت عنه ﷺ ، وجاء عنه السجود فيها تارة قبل السلام، وتارة بعد السلام.
ونأتي إلى الأئمة ﵏: فنجد أبا حنيفة ﵀ أخذ بالحديث الأخير: (لكل سهو سجدتان بعدما يسلم) فأخذ الإمام أبو حنيفة ﵀ بأن كل سهو أياً كان سببه فإنه يسجد له بعد السلام لعموم هذا الحديث.
وقال: إن السهو جبران, والجبران يكون بعد انتهاء الصلاة.
وعند الشافعي ﵀: أن كل سهو يسجد له قبل السلام، وقال: جبران الشيء منه.
ومالك عنده قاعدة عامة، وهي: ما كان سببه نقصاناً في الصلاة فيسجد له قبل السلام، وما كان سببه زيادة في الصلاة فيسجد له بعد السلام.
وقال الإمام أحمد ﵀: الحالات الواردة عن النبي ﷺ خمس حالات، فنسجد للسهو في تلك الحالات الخمس كما سجد فيها ﷺ ، وإذا حدث سهو بصورة مخالفة للصور التي جاءت عن رسول الله فنسجد لها قبل السلام.
إذاً: الأكثر يرجحون أن سجود السهو قبل السلام.
وقد تقدم أنه بإجماع المسلمين أن من سجد سجود السهو الوارد فيه بعد السلام فسجده قبل السلام، أو سجد سجود السهو الوارد فيه قبل السلام فسجده بعد السلام؛ فسجوده صحيح وصلاته تامة، يعني: أن ترتيب السجود قبل أو بعد إنما هو من باب التفضيل في الأعمال، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 704
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وغيره [٣]
فضل الله بعض مخلوقاته على بعض، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم صفوة الخليقة، فلا يجوز أن يساء إليهم، ولا أن يُقدح فيهم، ويجب الدفاع عنهم، والتحري والتثبت في القصص والأخبار التي تنقل عنهم، ورد القصص التي تتضمن الطعن والنقيصة فيهم صلوات الله وسلامه عليهم.
стр. 705
شرح حديث: (سجدنا مع رسول الله)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] ) رواه مسلم] .
هاتان السجدتان لم يقل بهما مالك، ويرى أنه لا سجود في المفصل، والمفصل بعضهم يقول: إن أوله الحجرات، فيدخل تحته سورة النجم، والانشقاق، والعلق، فـ مالك يرى أنه لا سجود فيها.
وإتيان المؤلف بحديث أبي هريرة يدل على أن السجود فيهما ثابت عن رسول الله ﷺ ، وإذا كان الإمام مالك يقول هذا القول، فإنا نجد في المذهب المالكي ثلاث روايات: رواية تقول كما قال مالك.
وراوية تقول: جميع الآيات الخمسة عشر كلها فيها سجدة، ما عدا الثانية من الحج.
والراوية الثالثة تقول: جميع الآيات كلها بما فيها الثانية من الحج.
إذاً: جاء عن مالك في الموطأ عدم السجود في المفصل، وأما عند العلماء المالكية فإنهم يذكرون في المذهب خلاف ما في الموطأ، وهي روايات عن مالك في غير الموطأ.
فيكون مالك يثبت السجود في المفصل على بعض الروايات عنه.
стр. 706
شرح حديث: (ص ليست من عزائم السجود)
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ قال: ((ص) ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها) رواه البخاري] إذا أطلقت كلمة: عزيمة، فمعناها: واجبة؛ لأن العزيمة في الاصطلاح تقابلها الرخصة، ولكن المراد هنا: أنها ليست من السجدات التي جاء فيها الحرص، وجاء فيها التنويه والطلب كبقية آيات السجدات التي في غير (ص) .
يقول الأصوليون: سجدات التلاوة جميعها سنة مندوب إليها، ولكن المندوب يتفاوت بعضه عن بعض؛ فسورة (ص) فيها سجدة، ولكن الطلب فيها والتحريض عليها والحث عليها أقل من الطلب والتحريض والحث في غيرها، وسيأتينا أن سورة الحج تميزت بسجدتين (فمن لم يسجدهما فلا يقرأها) يعني: السورة، أو (فلا يقرأهما) يعني: الآيتين اللتين فيهما السجدة، فهذا حث على السجود فيهما، ومن لم يسجد فيهما يتركهما، فالطلب هنا أشد منه في (ص) .
قالوا: من أين أخذ ابن عباس السجود، في (ص) ؟ جاء عنه أنه قال: سجدها داود ﵇ توبة، وسجدها رسول الله ﷺ شكراً، فسجدنا تبعاً لرسول الله.
وقالوا: قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] ، وداود سجدها فاقتدى به رسول الله فسجد، أو مع اختلاف الاعتبارين: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] فكانت استغفاراً، والرسول ﷺ لم يصدر منه ما يستوجب الاستغفار عند هذا المقام، ولكن سجدها اتباعاً واقتداء بالرسل المتقدمين صلوات الله وسلامه عليهم.
إذاً: سجدة (ص) تجمع بين كونها سجدة تلاوة؛ لأن النص يقتضي السجود، وبين كونها سجدة شكر، وهذا بالنسبة لنا دون من كان قبلنا، وعلى هذا الخلاف هي سجدة، ولكن هل باعتبار التلاوة أو باعتبار الشكر؟ ما دام ﷺ سجدها فنحن نسجدها، سواء كانت شكراً أو كانت تلاوة، والله تعالى أعلم.
стр. 707
شرح حديث: (سجد النبي ﵊ بالنجم)
قال المصنف ﵀: [وعنه: أن النبي ﷺ : (سجد بالنجم) رواه البخاري] .
يأتي المؤلف بهذا النص أيضاً في سجدة النجم بياناً للخلاف الذي وقع، فـ مالك ﵀ لم يأخذ به.
سجدة النجم قد جاء في خبرها قصة الغرانيق، وبعض الناس يطعن في قصة الغرانيق، ولكن أصل القصة موجود، وهو السجود، فسجود النبي ﷺ فيها عند قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢] إنما كان للتلاوة، وكان يقرؤها في مكة، فلما قرأ بها وكان المشركون حضوراً، فكل من كان حاضراً في المجلس يسمع سجد، سواء كان مسلماً أو مشركاً، وكان سبب سجود المسلمين اتباعاً لرسول الله ﷺ ، وأما سبب سجود المشركين فاختلق له بعض الناس قصة الغرانيق، وهي أن النبي ﷺ لما قرأ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ﴾ [النجم:١٩-٢٢] إلى آخره، فالشيطان عند تلاوة ذلك قال: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) ، فلما سجد ﷺ ، قال المشركون: محمد ذكر آلهتنا بخير اليوم، ولم يذكرها بخير قط قبل ذلك، فسجدوا معه ظناً منهم أنه سجد لها في هذه الحالة، ولكن هذه القصة باطلة، وإذا جئنا إلى كتب التفسير نجد أن أغلبها قد ذكر هذه القصة، لكن يجب على الإنسان أن يحذر ويتحرى، كما قال الإمام ابن تيمية ﵀: كنت أقرأ للآية مائة تفسير وأقول: يا معلم داود! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، يقرأ مائة تفسير للآية! مع أن الله أعطاه من أداة العلم من أصول، ومن فقه، ومن لغة ومن إلى آخره الشيء الكثير.
стр. 708
بيان بطلان القصة الإسرائيلية المروية عن نبي الله داود
نحن بين أيدينا عدة تفاسير، وهناك قضايا من المشكلات في بعض التفاسير، وإن كانت مشهورة، وإن كان أصحابها أئمة؛ لكننا نجدهم يسوقون بعض تلك القضايا على علاتها، وبعضها إسرائيليات، ومن تلك القضايا التي ذكروها بعلاتها قضية الغرانيق، ومنها قضية سجود نبي الله داود، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٣] ، قالوا: النعجة كناية عن الزوجة وعن المرأة، وداود عنده تسع وتسعون زوجة، وهذا الرجل عنده زوجة واحدة، فأرسل داود زوجها إلى القتال ليقتل فيتزوجها بعده! وهذا والله هراء، بل إن أنصاف المجانيين ليستبعدوا ذلك عن أنبياء الله ورسله، وقد نبهنا مراراً أن من يقرأ السورة من أولها يجد القرآن الكريم ناصعاً بيناً، ومقدمات السجدة تنزه نبي الله داود عن ما هو أبعد وأبعد من ذلك كله؛ لأن في أول السياق يقول سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧] ، فهذا الوصف من الله لداود: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا) على سبيل التأسي والاتباع؛ لأنه قال: (عَبْدَنَا) وقال: (ذَا الأَيْدِ) وقال: (إِنَّهُ أَوَّابٌ) يعني: اذكره وتأسى به في تلك الصفات، فيكفي أن يقول الله فيه: (عَبْدَنَا) ، والله لا يصطفي للعبودية الخاصة شخصاً بهذه الصفة، حاشا وكلا.
﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٨-١٩] سبحان الله! ، إنسان تسخر معه الجمادات والجبال والطير، وتسبح لله معه، ثم ينظر إلى امرأة غيره، وعنده تسع وتسعون امرأة، والله! لو كان أعزب لا زوجة له لما فعل هذا.
﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٠] ، وهل من الحكمة أن يقع في مثل ذلك؟! ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ تعتبر مؤهل علمي لأداء الرسالة: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ لأي شيء؟ ليفصل خصام المتنازعين بالحكمة: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص:٢١] .
﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ص:٢٦] ، بعدما بيّن القضية ما هي؟ ﴿خَصْمَانِ بَغَى﴾ [ص:٢٢]- وإلى أين جاء الخصمان؟ ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص:٢١] ، دخلوا عليه وهو في معتكفه في عبادته لله وحده، وليس في لهوه ولعبه.
وكان ﵇ قد قسم زمنه إلى ثلاثة أيام: يوم يدخل فيه المحراب يتعبد، ويوم لأهله يقضي شئونهم، ويوم للقضاء بين الناس، فإذا باليوم الذي جعله للقضاء لا يكفي، فـ (تسوروا المحراب) ، وهل الخصوم الحقيقيون يستطيعون أن يتسوروا المحراب على الملك؟ لا وكلا، إذاً: ليسوا على حقيقتهم، وهل وجدنا في علم القضاء أن خصمين يختصمان وبينهما كما بين الثرى والثريا، فهذا معه تسع وتسعون نعجة ثم يغتصب نعجة لهذا الواحد؟ هل هناك ظلم أكثر من هذا؟! وهل هذه تحتاج إلى قاض يحكم فيها؟ وهل وجدنا ظالماً عاتياً يمشي مع المظلوم: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٢] ؟! وهل هذه تحتاج إلى حكم؟! فلو جئنا إلى عجوز عمياء مخرفة لحكمت فيها، وقالت: أنت ظالم بطلبك النعجة وعندك تسع وتسعون نعجة، فكيف يأتي الخصم الظالم مع الخصم المظلوم طواعية من غير جنود أو قوة، ومن غير إرسال إليهم، وهل رأيت خصمين يأتيان إلى المحكمة طواعية؟! قد تجد الآن قضية في عشرة آلاف أو خمسة آلاف لا يأتي الخصم إلا بعد أن تتعدد الجلسات، وبعد أن ترسل إليه الجندي، ويأتي به بالقوة، فكيف بهذا؟! ثم: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص:٢٢] ، وهل سواء الصراط خفي عليكم حتى تطلبوا الهداية إليه؟! فالقضية بينة من غير شيء.
ثم ينطق سليمان عليه بالواقع: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤] أي: الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض، وأنت تتعبد في المحراب، ونحن لم نعطك مؤهلات العبادة بقدر ما أعطيناك مؤهلات القضاء؛ وهي الحكمة وفصل الخطاب.
لما أن علم ونطق بـ: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ هنا تنبه ﴿وَظَنَّ﴾ [ص:٢٤] يعني: علم: ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] ، وقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ فتناه في ماذا؟ في العبادة، وأنه اشتغل بالعبادة عن المهمة الأساسية التي نصبه الله لها.
والرسول ﷺ يقول لـ معاذ عند أن ذهب وصلى بأهل قباء العشاء وبدأ بـ (الم) ، وصلى خلفه رجل مسكين يعمل كل النهار في مزرعته، فقال: هذا لا يركع حتى يتم السورة، وأنا لا أستطيع أن أتابعه فانفرد وأكمل صلاته وذهب فنام، فبلغ معاذاً خبر هذا الرجل فقال: هذا الرجل منافق، فبلغت الكلمة إلى الرجل، فجاء إلى الرسول وقال: معاذ يرميني بالنفاق، وقال: كذا وكذا، فناداه النبي ﷺ وقال له: (أفتان أنت يا معاذ!) .
فـ معاذ فتن الناس عن دينهم، فهو كان يصلي العشاء مع الرسول ﷺ ، ويسمع تلاوة رسول الله، فيتشبع روحياً ومعنوياً، ولو قرأ القرآن كله لا يشق عليه، فهو بتلك اللذة وتلك النشوة وبتلك المعنويات مع رسول الله دخل في الصلاة مع أهل قباء، فطول وشق على المأمومين.
إذاً: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ﴾ كانت فتنة داود ﵇ أنه خص نفسه بالعبادة، وكثير من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض خلف الأسوار.
أي الأمرين أولى: أن ينقطع للعبادة داخل المحراب أو أن يجلس يقضي بين الخصوم؟ الأولى أن يقضي بين الخصوم؛ لأن مهمته هي الخلافة، وقد أعطي الحكمة وفصل الخطاب.
إذاً سجدة (ص) من داود ﵇ إنما هي توبة مما كان عليه، ولذا ترك المحراب وجلس للناس يفصل الخصومات التي بينهم.
وتجد بعض كتب التفسير التي تعد لأئمة التفسير تذكر المرأة، وتذكر كل الذي ذكر فيها، وتجد منهم من يحسن الأسلوب ويقول: إنما داود خطبها على خطبة غيره، امرأة خطبها إنسان، وعلم بها داود فذهب وخطب على خطبة غيره، ونحن منهيون عن ذلك: (ولا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) .
وتجد آخرين يقولون: وما أداركم أن الخطبة كانت ممنوعة عندهم كما هي ممنوعة عندنا.
وأحسن ما قرأت فيها في تفسير أبي السعود قال: (وقد سوّد كثير من المفسرين -أو قال بعض- في هذه القضية صحائف بمدادهم، أنزه القلم أن يجري بشيء منها) ، وسكت! فأقول: جزاه الله خيراً، نزه قلمه أن يسوق أو يورد ما قيل فيها؛ لأنها لا تليق بنبي من أنبياء الله.
ومن العجب أيها الإخوة! أني وجدت في كتاب: تأويل التنزيل للسبكي؛ وهو كتيب صغير جداً، أنه قال: لا دخل لعنصر المرأة في هذه القضية، وأتمم لكم مرحلتي مع هذه القضية: لما كنت أدرس كان من المقرر علينا هذه السورة، فلما وجدت في أمهات كتب التفسير تلك الروايات الإسرائيلية، أخذت القلم وكتبت على هامش الكتاب الذي أقرأ فيه: لا وجود لعنصر المرأة؛ نظراً لسياق السورة لداود ﵇، وامتداح الله إياه في هذه الصفات كلها، ولما جئت عند الاختبار واجهت الأستاذ المدرس، وكانت مقررة علينا في كلية اللغة، وليست في الشريعة؛ لأن فيها أبحاثاً لغوية شهيرة جداً، فسألته: ما رأيك في كذا وكذا؟ قال: نعم هذه ذكرها شيخ المفسرين، فقلت: والله هذه مصيبة، إذا كان الأستاذ الموكل بالتدريس يقرر القصة على الطلاب ويقول: ذكرها شيخ المفسرين، فبدأت أذكر له سياق السورة فإذا به يتجهم، وإذا به ينهر، ويقول: أنت تأتي بأشياء جديدة، فقلت: لا، لا جديدة ولا قديمة، الذي تراه أنت إن شاء الله فيه خير، وعزمت على أنها لو جاءت في السؤال فسأعطيه رأيه الذي هو عليه، حتى لا أكون ضده، وأحتفظ بهذا لنفسي.
ومن العجب يا إخوان! أن تأتي المناسبات، ويأتي إمام جامعة إسلامية كبرى في الشرق الأوسط، وتأتي المناسبة، وأورد عليه الرأي في هذه القضية، فإذا به يعجب به إلى أقصى حد، ويطلب مني تسطيره فسطرته وأعطيته إياه، فأخذه معه إلى بلده، ونشره في مجلة تلك المؤسسة الإسلامية الكبرى.
يهمنا في هذا يا إخوان! أنكم ستجدون في بعض كتب التفسير أنهم يذكرون قضية الغرانيق، وبعضهم يسكت عليها، ولكن بحمد الله والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه قد صفى هذه القضية في أضواء البيان.
وأنا أريد أن أقول: إن سجود المشركين لا يستبعد، وأقول: إن المشركين عرب، وفصحاؤهم فرسان البلاغة، فلما استمعوا لقراءة رسول الله لسورة من كتاب الله، وقد اجتمع كلام المولى سبحانه مع قراءة رسول الله ﷺ ، والقرآن معجز، والرسول سيد البلغاء، فلما قرأ القرآن على الحاضرين، كان ذلك حقيقاً أن يسجد المؤمن إيماناً، ويسجد المشرك أخذاً بسحر القرآن وبعذوبة تلاوة رسول الله.
ولقد وجدنا في التاريخ في إعجاز القرآن أن أعرابياً سمع القرآن أول مرة فسجد، فقيل له: لماذا تسجد؟ قال: لعظمة هذا الكلام الذي أسمع، وهو لم يعلم أنه قرآن أو غير قرآن.
إذاً: للقرآن تأثير على القلوب، وقد سمعت الشيخ م
стр. 709
شرح حديث: (قرأت على النبي ﵊ النجم فلم يسجد فيها)
قال المصنف ﵀: [وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: (قرأت على النبي ﷺ (النجم) فلم يسجد فيها) متفق عليه] .
هذا الأثر الثاني: (قرأت على النبي ﷺ (النجم) فلم يسجد فيها) ، في الحديث المتقدم أنه سجد، وفي هذا الحديث يقول: لم يسجد، ومن هنا قال مالك بعدم السجود فيها، وبعض المالكية يقول: إنما سجد في مكة ولما هاجر إلى المدينة لم يسجد فيها، لأن راوي هذا الحديث زيد، هو مدني، والأول مهاجر من مكة.
إذاً: الأخير ينسخ الأول، ولكن علماء الحديث يقولون: السجود ليس واجباً حتى يقال: المتأخر ينسخ المتقدم، وما دام أن الحكم هو الجواز فليس بلازم أن يسجد كلما قرأ، فيكون قرأ وسجد تارة، وقرأ وترك السجود تارة أخرى، والمثبت مقدم على النافي، ويأتي عمر رضي الله تعالى عنه ويفصل الموضوع فيقول: (إن الله لم يفرض علينا سجود التلاوة، ولكن من سجد فقد أصاب - أي: أصاب السنة - ومن لم يسجد فلا إثم عليه) ، وسبب ذلك أن عمر قرأ آية السجدة على المنبر، فنزل وسجد وسجد الناس معه، ثم لما كان في الخطبة الثانية في الأسبوع الآخر، قرأ آية سجدة فتهيأ الناس للسجدة فلم ينزل وقال: (يا أيها الناس! إن الله لم يفرض علينا سجود التلاوة، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا شيء عليه) .
إذاً: عمر بنفسه سجد وترك، فهل نقول: ترك عمر نسخ للفعل الأول؟ لا، ليس نسخاً؛ لأنه قد بين أنه لم يفرض علينا، وإنما السجود دائر بين الفعل والترك على سبيل الجواز.
إذاً: هذا الحديث لا ينسخ ما قبله، ولكن كما قدمنا مراراً أن من غايات المؤلف ﵀ في تأليف هذا الكتاب بيان أدلة الأحكام عند الأئمة الأربعة، فمن قال: النجم فيها سجدة عنده الحديث الأول، ومن قال: النجم لا سجدة فيها عنده هذا الحديث الثاني، ومن جمع بين النصوص وأحكم فيها العمل، وأخضعها للقواعد عند المحدثين والأصوليين فسيخرج بنتيجة الجمع بين الأحاديث المختلفة، والله تعالى أعلم.
стр. 710
شرح حديث: (فضلت سورة الحج بسجدتين)
قال المصنف ﵀: [وعن خالد بن معدان ﵁ قال: (فضلت سورة الحج بسجدتين) رواه أبو داود في المراسيل] .
يأتي المؤلف بهذا الحديث أيضاً، وفيه أن سورة الحج فضلت بوجود سجدتين فيها، وهنا مسألة: هل يقال في سور القرآن وآياته: هذه السورة أفضل من تلك؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، فبعضهم يقول: لا نفضل؛ لأن كله كلام الله.
وبعضهم يقول: قد تختص هذه السورة بما لا تختص به تلك، وهذا كلام معقول، فمثلاً: آية الكرسي قالوا: هي أفضل آية في كتاب الله، لأنها تختص بصفات الله كما تقدم في الذكر بعد الصلاة، وكذلك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تختص بخصائص؛ لأنها محض صفات لله سبحانه، وهكذا الفاتحة تختص بأنها أم الكتاب؛ لأنها جمعت علوم القرآن كله، والقرآن جمع علوم الكتب قبله، فالفاتحة جمعت كل كتاب منزل من السماء.
ويقول بعضهم: لا مانع أن يقال: الكل فاضل، وهناك أفضل، فليس هناك ناقص بل الكل فاضل، فكما تفاضلت الرسل كذلك تتفاضل السور، وكذلك تتفاضل الآيات، ومما فضلت به -أي: خصت به- سورة الحج أن فيها سجدتين، فلا يوجد سورة تجمع سجدتين إلا سورة الحج، وقد أتى بهذا المؤلف؛ لأن هناك خلافاً في السجدة الثانية من سجدتي سورة الحج، فإن أبا حنيفة ﵀ لا يعتبرها إلا إذا قرأ بها في الصلاة، أما خارج الصلاة فلا يعتبرها سجدة.
إذاً: المؤلف ﵀ يسوق لنا مواضع الاختلاف في سجود التلاوة.
стр. 711
شرح حديث: (فمن لم يسجدها فلا يقرأها)
قال المصنف رحمة الله: [ورواه أحمد والترمذي موصولاً من حديث عقبة بن عامر، وزاد: (فمن لم يسجدهما فلا يقرأها) ، وسنده ضعيف] .
في هذه الزيادة تنبيه وهو: أن من لم يسجد السجدتين في سورة الحج فلا يقرأها، يعني: لا يقرأ السورة، والرواية الأخرى: (فلا يقرأهما) يعني: آيتي السجدة.
وهنا بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بهذا النص، هل يجوز للإمام أن يقرأ في الصلاة ما شاء من آيات السجدة على غير عادة منه مع الناس؟ مالك ﵀ يقول: لا يجوز للإمام أن يقرأ سورة فيها سجدة في الصلاة الجهرية ولا في السرية ليسجد بنفسه؛ لأنه إن قرأ سراً بآية سجدة فسجد، فالناس لا يعلمون لماذا سجد، وإن قرأ في الجهرية سورة فيها سجدة، فقد يسمع البعض ويعلم حكم السجدة في تلك السورة فيسجد، والبعض قد لا يعلم حكم السجدة فيها أو لا يسمع فلا يسجد، فيكون هناك اضطراب، وقد يقرأ الإمام السورة التي فيها السجدة ولا يسجد؛ لأنه غير ملزم، ولكن المأموم يعلم أنها موضع سجدة فيسجد ظناً منه أن الإمام قد سجد، إذاً: فيحصل الاضطراب، ولهذا قالوا: لا ينبغي للإمام أن يقرأ سورة فيها سجدة على غير وفاق من المجموعين، والآن يعلم الناس مشروعيتها.
ولا ينبغي أن يقرأ بها الإمام، والكل يعلم أن فيها سجدة، ويمر دون أن يسجد؛ مخافة أن يسجد المأموم لسماع آية السجدة ويكون الإمام لم يسجد، فإن كان يريد أن يسجد فيها فليقرأ وليسجد، وإن كان لا يريد أن يسجد فيها فلا يقرأها؛ لئلا يوقع ارتباكاً عند الناس.
стр. 712
حكم تخصيص قراءة سورة السجدة في صلاة فجر يوم الجمعة
يأتي هنا سؤال: لماذا خصت سورة السجدة بصلاة الفجر يوم الجمعة؟ ينص ابن تيمية ﵀ وغيره من الأئمة؛ أن يوم الجمعة هو يوم آدم ﵇، ويوم الإثنين هو يوم محمد ﷺ ، بمعنى: أنه جاء في النصوص أن الله خلق آدم يوم الجمعة، وأسجد الملائكة يوم الجمعة، وأسكنه الجنة يوم الجمعة، وأهبط إلى الأرض يوم الجمعة، وتلقى الكلمات من ربه فتاب عليه يوم الجمعة، ثم جاءت الأحاديث بأن (في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد قائم يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها) ، ويوم الإثنين جاء عنه ﷺ أنه كان يصوم الإثنين والخميس، فسئل فقال: (أما يوم الإثنين فيوم ولدت فيه وأنزل علي فيه) ، وسورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١] نزلت في يوم الإثنين، وهجرته ودخوله المدينة في الهجرة كان يوم الإثنين، ووفاته ﷺ كان يوم الإثنين؛ فقالوا: يوم الإثنين يوم محمد ويوم الجمعة يوم آدم، فتأتي سورة السجدة، والإنسان معها وفيها قصة الإنسان، ويوم البعث، وكذلك فيما ذكر الدهر: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان:١-٢] ، ويأتي فيها بيان الموعد ويوم القيامة والمصير؛ فقالوا: هذا يوم خلق آدم فتُقرأ السورتان تذكيراً للمأموم بيوم القيامة وببدء وجود الإنسان؛ ليعمل لذلك اليوم، فكانت هناك المناسبة لقراءة سورة السجدة؛ لأن فيها خلق الإنسان، والبعث والمعاد والجزاء، وكذلك سورة الإنسان؛ لأن البعث والمعاد يوم الجمعة وهذه صبيحة الجمعة، هكذا يقولون.
إذاً: من لم يسجدهما فلا يقرأها، وعليه أن يتجنبهما ويتركهما.
ومما ينبه عليه العلماء أيضاً: أنه لا ينبغي للإنسان أن يعمد إلى نص السجدة ويقرأها، مثل: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢] ، ويسجد، بل يجب عليه أن يأتي بما قبلها.
стр. 713
حكم السجدة إذا كانت في آخر السورة
ومن الأحكام: لو أن السجدة كانت في آخر السورة وقرأها في الركعة فسجد، فسيكون السجود عند التلاوة قبل الركوع، فكيف يأتي بالركوع: أينهض من سجوده راكعاً، أو أنه يقف معتدلاً بعد السجدة ثم يركع؟ قالوا: إن صادف في قراءته آية سجدة في نهاية السورة فسجد لها نهض واستوى قائماً؛ لأن الركوع لا يكون إلا من قيام لا من هبوط في الأرض، فإذا استوى قائماً يقرأ من السورة التي بعد السجدة بعض الآيات ويركع عن قراءة وقيام، والله تعالى أعلم.
стр. 714
شرح أثر عمر: (إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه)
قال ﵀: [وعن عمر ﵁ قال: (يا أيها الناس! إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه) رواه البخاري] .
بإجماع العلماء أن سجود التلاوة ليس بواجب؛ ولكن كما أشار عمر رضي الله تعالى عنه: أن من سجد فقد أصاب، إذاً: الصواب هو مطلب كل إنسان، وأيضاً لو تتبعتم -يصعب علي تتبعه الآن- مواضع السجود الخمسة عشرة في كتاب الله تجدون أنها إما عند إعظام المولى سبحانه، أو إعظام كتابه الكريم، أو تنويهاً بمكانة النبي ﷺ ، فإذا أخذت ما قبل آية السجدة في الخمسة عشرة موضعاً فستجد ما يوجب السجود ولو لم يأت الأمر به.
أي: ستجد إعظاماً لله، أو إكراماً وتعظيماً لكتاب الله، أو تكريماً لرسول الله وللدعوة في سبيل الله، والله أعلم.
ونذكر بعض النماذج على ذلك، ففي أول سجدة في سورة الأعراف، تجد أن السجود هناك يتعلق بسجود الملائكة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] ، والآية التي قبلها قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] ، وقبلها: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف:٢٠٤] ، فهناك الأمر باستماع القرآن، وهناك الأمر بذكر الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ يعني: هناك قوم تشبه بهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وهم الملائكة لا يفترون عن ذكر الله، ولا يستكبرون عن السجود، وقد استكبر من استكبر، وطرد بسبب استكباره، فلا تستكبر أنت وبادر إلى السجود.
وهكذا -أيها الإخوة- لو تتبعنا كل مواطن السجود الخمسة عشرة في كتاب الله لوجدنا المعنى والسياق يدعوك لأن تسجد طواعية وإعظاماً لله سبحانه، والله تعالى أعلم.
قوله: [وفيه: (إن الله تعالى لم يفرض السجود إلا أن نشأ) وهو في الموطأ] .
وهذا الأثر هو سبب كتابتي رسالة: (سجود التلاوة) ؛ لأنا لما مررنا على هذا الأثر في الموطأ ونحن طلبة متأخرون، حاولت أن أجد رسالة مجموعة في سجود التلاوة فلم أجد، لا للمتقدمين ولا للمتأخرين، ولكنهم ينبهون عليها منثورة في سور القرآن كاملة، ولكن مباحثها، والخلاف فيها، والراجح في ذلك، وأحكامها الفقهية؛ لم أجد شيئاً من ذلك، فحاولت بقدر المستطاع تقريباً لنفسي ولإخواني أن أجمع فيها رسالة فجمعتها بعنوان: (سجود التلاوة) ، وإن شاء الله من يحصل عليها سيجد كل ما يخطر بباله من مباحث سجود التلاوة من مواضعها المتفق عليه والمختلف فيه، وقد يكون الخلاف في السجدة في موضعها: هل هو في هذه الآية أو التي قبلها، وقد يكون الخلاف في أحكامها الفقهية: هل تكون بطهارة أو بغير طهارة، وهل تكون بسلام أو بغير سلام، وسيأتي هذا وننبه أن الرسول كبر فسجد.
стр. 715
شرح حديث: (كان يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد)
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه) رواه أبو داود بسند فيه لين] .
هنا جاء المصنف بجزئية من الأحكام الفقهية المتعلقة بالسجدة، وهي في قوله: (كبر وسجد) ، هو يقرأ وليس في صلاة، فلماذا كبر؟ بعضهم يقول: هي تكبيرة للانتقال؛ لأنه انتقل من القراءة إلى السجدة.
وبعضهم يقول: هي تكبيرة إحرام، فيكبر للسجدة كما يكبر لدخوله في الصلاة.
ومن هنا قالوا: هل يسلم أو لا يسلم؟ وهل هي صلاة أو ليست بصلاة؟ والجمهور بصفة عامة يقولون: إن سجدة التلاوة صلاة، بمعنى: أنك تكون على طهارة، وتستقبل القبلة، مع ستر العورة، وأن تكون في غير أوقات النهي، ومن عجب! ما ينقل عن ابن حزم -وقد نقلناه في الرسالة- أنه يقول: إن سجدة التلاوة لا يشترط لها شيء، ويقول: أنتم تقولون: فيها تكبير، والتكبير في كل وقت، فإذا قلتم: فيها تكبير كتكبير الصلاة، فالصلاة فيها قيام وقعود، فهل تقولون بالسجود أو بالتكبير أو بالسلام لكل قيام وقعود؟ وأنا أستعجب من عقلية هذا الإمام الكبير أن يجعل القيام والقعود كالتكبير للسجدة، فالسجدة خاصة بالصلاة، ولا توجد سجدة في غير صلاة، أما التكبير فنجده في كثير من العبادات: نجده في الذكر بعد الصلاة، نجده عند رمي الجمار، نجده عند أيام العيد، فسبحان الله! بل حتى إذا شب الحريق نكبر، وإذا لقينا العدو نكبر، فالتكبير ليس خاصاً بالصلاة، وكذلك القيام والقعود ليس خاصاً بالصلاة، بل يأتي القيام والقعود للأكل والنوم والمشي والروحة والمجيء.
إذاً: هذه التي ذكرها ليست من خصائص الصلاة فلا تعطى أحكامها، وأما السجود فلا يوجد سجود إلا في الصلاة، فسجدة التلاوة تشابه سجدة الصلاة، وقد تجمع السجدة بين الأمرين: بين الصلاة وبين التلاوة، كما لو تلا سورة فيها سجدة، فسجد وهو في الصلاة، فتكون جزءاً من الصلاة للتلاوة.
إذاً: قياس غير السجدة عليها ليس موافقاً، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 716
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وغيره [٤]
إن من أسباب دوام النعم الشكر، والنعم إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت، ومن الشكر للنعمة السجود للمنعم عند حصولها، كما يشرع لمن أنعم الله عليه بنعمة إظهارها فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، كما يشرع له بذلها لمن يحتاجها على حسب الاستطاعة.
стр. 717
شرح حديث: (كان إذا جاءه خبر يسره خر ساجداً لله)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين.
وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن أبي بكرة ﵁، (أن النبي ﷺ كان إذا جاءه خبر يسره خر ساجداً لله) رواه الخمسة إلا النسائي] .
يروي هذا الصحابي الجليل عن النبي ﷺ أنه كان إذا استجد له أمر يسره، أو جاءه أمر يسره سجد لله شكراً.
وسجود الشكر يكون على نعمة تتجدد أو نقمة تدفع -أي: لمجيء خير أو لدفع شر-، وهذان العنصران -مجيء الخير واندفاع الشر- هما مطمع جميع العقلاء في العالم، قديماً وحديثاً، فالإنسان أياً كان اتجاهه أو منهجه أو ديانته، لا يتحرك ولا يعمل ولا يسعى إلا لتحقيق أحد هذين الغرضين؛ إما أن يجلب نفعاً لنفسه، أو يدفع ضراً عنها، ولهذا قيل: لمنافع يسعى اللبيب فلا تكن لشيء غيره الدهر ساعياً وقال آخر: إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع ينفع نفسه وصديقه وأهله، ويضر خصمه وعدوه، والذي لا يستطيع أن ينفع ولا يستطيع أن يضر فهو في حكم العدم، ولذا عاب الله على المشركين عبادة الأصنام فقال سبحانه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٢-٧٣] ، هل جاءكم منهم نفع فتعبدونهم طمعاً في نفعهم؟! وهل يدفعون عنكم ضراً فتعبدونهم ليدفعوا الضر عنكم؟! إذا كانوا لا ينفعونكم ولا ترجون نفعهم، ولا يضرونكم ولا تخشون مضرتهم، فلماذا تعبدوهم؟! يقول أبو بكرة رضي الله تعالى عنه: إن النبي ﷺ كان إذا تجددت له نعمة -أي: جاءه شيء يسره- سجد شكراً لله.
وقد جاء عنه ﷺ أيضاً كما ذكره صاحب المنتقى بشرح الشوكاني: (أنه ﷺ خرج من مكة متوجهاً إلى المدينة، فوصل إلى موضع بسام أو إلى جهة الجحفة فسجد سجدة طويلة، ثم نهض ورفع رأسه ورفع يديه ودعا، ثم سجد سجدة طويلة، ثم رفع رأسه ورفع يديه ودعا، ثم سجد الثالثة، فقيل له في ذلك، قال: سألت ربي أن يرحم أمتي فأعطاني ثلثها فسجدت شكراً لله، ثم قمت فسألت ربي أن يرحم أمتي فأعطاني ثلثها الثاني فسجدت شكراً لله، ثم سألت ربي أن يرحم أمتي فأعطاني الثلث الثالث فسجدت شكراً لله) ، هذا العطاء لا شك أنه عظيم، وقد بيّن ﷺ في مواطن أخرى أن: (لكل نبي دعوة مستجابة قد عجل له بها، وادخرت دعوتي عند الله شفاعة لأمتي) ، ونحن نعلم جميعاً أن الشكر على النعمة من عوامل حفظها، والله قد بيّن لنا أن من حق المولى المنعم أن يُشكر فقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف:١٥] .
وهذا دعاء وتعليم للإنسان أن يشكر الله على نعمته، وكما جاء في الحديث: (إن الله إذا أنعم على عبده نعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده) ، ونحن في قانون البشر، لو أن لك خادماً أو مملوكاً وأنت تحسن إليه وتعطيه كل ما يحتاجه وزيادة حتى يكون في خير حالة، ولكنه يخفي هذا، ويظهر بمظهر من لا شيء عنده، فيقال لك: يا فلان! أهملت خادمك، وبخلت عليه، فتقول: لا والله! أنا قد أعطيته وأعطيته ولكنه لا خير فيه، ولا يثمر فيه معروف.
في غزوة تبوك نزلوا منزلاً، وجاء أبو طلحة إلى النبي ﷺ بغرارة فيها قثّاء، فقدمه لرسول الله فأكل ثم قال: (من أين لك هذا؟) قال: جئت به معي من المدينة، فخرج غلام له ليذهب إلى الإبل وعليه ثياب رثة، فقال: (أليس عنده ثوب خير من هذا؟) قال: بلى عنده في الغرارة، فدعاه وأمره أن يغتسل، وأن يلبس الثوب الجديد، فلبسه فقال: (ضرب الله عنقه أليس هذا خير من ذاك؟) فسمعها الغلام وقال: في سبيل الله يا رسول الله! قال: (في سبيل الله) ، فضربت عنقه في سبيل الله في تلك الغزوة.
ونحن ننبه أن العادة في البر أن يلبس الإنسان الثياب العادية؛ لأنها معرضة للتراب وللشق ولكذا ولكذا، وإذا جاء عند الناس يلبس الشيء الفاضل: كما فعل سيد عبد القيس، عندما جاء وفد عبد القيس إلى المدينة أسرع الوفد إلى النبي ﷺ بثياب السفر، فجلس هذا عند الإبلن وعقلها، وجمع الأمتعة، وأخرج عيبته، وأخرج منها أحسن حلة عنده، فلبسها وقدم على النبي ﷺ في أحسن حال، فلما رآه النبي ﷺ مقبلاً من بعيد، وسع له بجانبه، وقال: (إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة.
فقال: خلق تخلقت بهما أم جبلة جبلني الله عليهما؟ قال: بل جبلة، قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله) .
يهمنا أنه عند مجيئه إلى الرسول ﷺ أخرج أحسن ثيابه، ولكن هذا الغلام لم يتركه ﷺ في ثياب السفر وثياب البر والبادية؛ لأنه يعاني الإبل، ونحن نعلم أن من أساليب الحرب المظاهر، وقد أباح الإسلام في ميدان القتال وأرض المعركة ما لم يبحه في أرض السلم وعدم القتال: فأباح لبس الحرير، وأباح التحلي بالذهب في السلاح، وأباح البخترة في المشي كما قال ﷺ : (والله إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن) ؛ لأن العدو إذا رأى خصمه في أبهة النعمة، ومظاهر الخير، انكسرت نفسه، وقال: هذا إنسان واقف بنفسه، شبعان بخيراته، أما إذا رآه ضعيفاً هزيلاً رث الهيئة، فسيزدريه بنظره، فيتقوى عليه بنفسيته.
стр. 718
شكر النعم سبب في دوامها وزيادتها
إن إظهار النعمة فيه شكر للمنعم، وسبب في دوامها، فشكر النعم موجب لزيادتها، ونحن نعلم جميعاً قصة الثلاثة النفر الذين كانوا قبلنا، يقول ﷺ : (كان فيمن كان قبلكم ثلاثة نفر: أبرص وأقرع وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، فأرسل الله ملكاً إلى الأول فقال: يا هذا! ما هذا الذي أراه بك؟ قال: ابتلاء، قال: ماذا تريد وتحب وتتمنى؟ قال: أتمنى أن يعافيني الله من هذا البلاء الذي استقذرني الناس بسببه؛ فمسحه فإذا به معافى، قال: ماذا تحب من النعم؟ قال: الإبل فأعطاه شيئاً من الإبل ودعا له بالبركة فيها، ثم أتى إلى الثاني، قال: ما هذا الذي أراه بك، قال: ابتلاء، قال: ماذا تريد؟ قال: أسأل الله وأتمنى على الله أن يذهب عني هذا الذي تجنبني الناس بسببه، فمسح عليه فعافاه الله، فقال: ماذا تحب؟ قال: البقر فأعطاه، وجاء إلى الأعمى فقال: من متى أنت كفيف البصر؟ قال: من كذا، قال: وماذا تريد؟ قال: أن يرد الله إلي بصري، فمسح عينيه فأبصر، قال: ماذا تريد من النعم؟ قال: الغنم، فأعطاه وصبر على الثلاثة مدة؛ ثم جاء إلى الأول على الصورة التي كان عليها، جاءه في صورة رجل أقرع مستقذر، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بعيراً أتبلغ به في طريقي؛ لأني منقطع وابن سبيل، فقال: الحقوق كثيرة، فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله! فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، فرجع كما كان، وذهب عنه ماله، وجاء إلى الثاني كذلك، وجاء إلى الثالث وقال له: غنيمات أتبلغ بها في الطريق، قال: اذهب فخذ ما شئت، ودع ما شئت، والله! لقد كنت أعمى فرد الله علي بصري، وكنت فقيراً فأغناني الله، والله! لا أرد أحداً أخذ شيئاً لله أبداً، قال: أمسك عليك نعمك، واحمد الله على ما أنعم عليك، وشكرت نعمة الله عليك فدامت لك، أما صاحباك فقد أنكراها وتنكرا لها؛ فأذهبها الله عنهما) .
إذاً: شكر النعمة يحفظها، ومن هنا جاءت النصوص في كتاب الله وفي سنة رسول الله بالحث على شكر النعمة لأي نوع من أنواعها، وأعظم نعم الله على الإنسان هي نعمة الإسلام، بل هي أعظم من نعمة وجوده في الدنيا.
стр. 719
النعم التي لا كسب للإنسان فيها
يقول العلماء: ثلاث نعم لا كسب للإنسان فيها، بل هي محض إنعام من الله عليه: الأولى: إيجاد الإنسان من العدم فأنت -أيها الإنسان- قبل أن توجد إلى الدنيا طفلاً؛ ماذا عملت حتى جئت إلى الدنيا؟ لم تعمل شيئاً، فإن قلت: أبواي عملا، نقول لك: على رسلك، أبواك سعيا لقضاء حاجتهما، ولكن هل كل التقاء رجل بامرأة يأتي منه ولد؟ لا، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] إذاً: إتيان الإنسان إلى هذا الوجود نعمة من الله لا كسب له فيها.
النعمة الثانية: نعمة الإسلام، فالإنسان إذا كان مسلماً، ولو كان له ألف جد في الإسلام، فإن الإسلام نعمة من الله عليه، وقد رأينا الذين عاشروا عصر الرسالة والدعوة، فمنهم من أسلم، ومنهم من مات على الكفر؛ فهي منح من الله، وكما نعلم قول الرسول ﷺ : (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين) فاختار الله عمر بن الخطاب على أبي جهل عمرو بن هشام.
إذاً: كان هناك اختيار من الله، وقضية إسلام عمر مشهورة.
وهكذا إلى أن تقوم الساعة، وكما جاء في الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسان أو ينصرانه) .
إذاً: أنت حينما ولدت، وقدر الله مجيئك إلى الدنيا، هو الذي قدر مجيئك بين أبوين مسلمين، أو نصرانيين، أو يهوديين، فالمولود الذي يولد بين أبوين مسلمين؛ هل كان له كسب في هذا الاختيار؟ وهكذا المولود الذي ولد بين أبوين نصرانيين: هل كان له كسب اختيار الأبوين؟ ليس لأحد في هذا اختيار.
إذاً: كل هذا من عند الله، وكونك تولد من أبوين مسلمين؛ أول ما يطرق سمعك: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، الله أكبر، قد قامت الصلاة، لأن المولود عند ولادته يستحب أن يؤذن في أذنه اليمنى، وأن تقام الصلاة في أذنه اليسرى، فاختيارك بين أبوين مسلمين، نعمة أعظم عليك من نعمة ولادتك؛ لأن من ولد بين أبوين غير مسلمين يتمنى لو لم يكن وجد، كما قال الله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] ، ولكن المسلم موته امتداد لحياة أخرى.
النعمة الثالثة: دخول الجنة كما جاء في الحديث: (والله! لن يدخل أحدكم الجنة بعمله.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) ، يقول العلماء في هذا: والأعمال هذه التي عملها الإنسان في عمره إذا كان عمره عشرين، أو خمسين، أو ستين، أو سبعين سنة، من صيام وعبادات، قالوا: هذه لا تعادل نعمة الأعضاء التي في جسمه، مدة ستين أو سبعين سنة، أذنه يسمع بها ستين أو سبعين سنة، قلبه ينبض في صدره ستين أو سبعين سنة، ولم يدفع في هذا أي مقابل، قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] فلو قابلنا عبادته بما أنعم الله عليه في نفسه وفي جسمه؛ لما وفى حق جسمه الموجود، فضلاً عن نعمة الإسلام التي لا يوازيها شيء.
إذاً: عمله لا يوازي أن يكون ثمناً للجنة، وإنما هي منحة من الله سبحانه، وأما قوله تعالى: ﴿أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] ، فكما كنا نسمع والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: المهم هو دخول الجنة بفضل من الله، فإذا دخلوا الجنة فهناك يختصمون كيف شاءوا، ولكن المهم بطاقة الدخول، كما لو كان عندنا مثلاً وليمة ترسل فيها بطاقات يكتب في أسفلها: الرجاء عند الحضور إبراز هذه البطاقة، فإذا دخلت بالبطاقة هل هو محضور عليك موطن من مواطن الدعوة؟ الجواب: لا، المهم أنك قد اجتزت بالبطاقة؛ لأن البطاقة أتتك من صاحب الوليمة وصاحب الدعوة والاحتفال، تفضل بها إكراماً لك أن تحضر هذا الحفل، فإذا حضرت لا يحضر عليك فاكهة ولا طعام ولا شيء مما هو في الوليمة، ولله المثل الأعلى، فقالوا: دخول الجنة فضل من الله، وقالوا: كل إنسان من بني آدم له مقعدان؛ مقعد في النار إذا كفر، ومقعد في الجنة إذا أسلم، كل واحد من جميع الأمم، وهذا يؤيده الحديث: (إذا مات ابن آدم، ووضع في القبر، إن كان مسلماً فتح له باب إلى النار فيقال: هذا مقعدك لو لم تسلم ثم يقفل عنه، ويفتح له باب من الجنة يقال: هذا مقعدك يوم القيامة فيقول: يا رب! أقم الساعة، أقم الساعة، -والعكس- إذا كان كافراً فتح له باب إلى الجنة، ويقال: هذا مقعدك لو آمنت، ثم يقفل عنه ويفتح له الباب الثاني فيقول: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة) ، وكما في الحديث الآخر: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) .
إذاً: كل إنسان له مقعد مهيأ في كلا الدارين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة؛ فمقاعدهم في النار هل تكون خالية أو أن أحداً يحل محلها؟ وإذا دخل أهل النار النار فمقاعدهم في الجنة هل تكون خالية أو أن أحداً ينزلها؟ الجواب: لا تكون خالية، إنما بعد أن يستقر كل فريق في منزله -نسأل الله العافية والمعافاة، وأن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، وأن يجيرنا وإياكم من النار- فتلك الأماكن التي خلت من أهلها في الجنة، وذهبوا عنها إلى النار، تقسم على أهل الجنة، وهل تقسم على مبدأ المساواة؟ الجواب: لا؛ لأن أهل الجنة ليسوا على مرتبة واحدة، وإنما (بما كنتم تعملون) ، فمنهم من يعطى مقعدين، ومنهم من يعطى ثلاثة؛ لأنه في درجة عالية، ومنهم من يحصل على مقعد واحد، ومنهم من لا يأخذ شيئاُ، ويكتفي بمقعده فقط، كما ورد في خبر آخر من يدخل الجنة: (آخر من يخرج من النار رجل يقول: يا رب! قربني من الجنة، وباعدني من النار، ولا أطلبك شيئاً غيره، فيقول له: لك مثل الدنيا ومثله معه ... ) .
إذاً: هذا الميراث أو التوارث إنما هو على درجة الأعمال بعد أن يستحقوا الدخول، أما قبلها فالدخول فضل من الله، وقد جاء في الحديث ويذكره العلماء في باب الشفاعات من كتب العقيدة: (أول من يطرق باب الجنة محمد ﷺ ، فيقول خازن الجنة: من؟ فأقول: أنا محمد، فيقول: نعم أمرت ألا أفتح لأحد قبلك) .
إذاً: ثلاث نعم لا كسب للإنسان فيها، وهناك نعم أخرى قد لا يكون لك كسب فيها، بل تكون منحة من الله، كما جاء في الحديث الثاني: (جاءني جبريل فبشرني - بماذا بشره؟ - بأن من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه بها عشراً) ، هل هذه من عند رسول الله؟ الجواب: لا، وإنما هي منحة من المولى ، وتكريماً له ولأمته في فضل الصلاة على رسول الله ﷺ .
إذاً: سجود الشكر من دواعي الاعتراف بالنعمة، وإذا تأملنا تعداد النعم على المصطفى ﷺ نجد أن في آخرها السجود: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١-٣] ، وقد كنا دائماً نتأمل في أنواع القسم في القرآن وظهر لنا -والله تعالى أعلم- أن كل قسم مع المقسم عليه بينهما ارتباط وثيق جداً، وهذا حري بأن يبحث بحثاً علمياً متقصياً، وعلى سبيل المثال:
стр. 720
المناسبة بين القسم والمقسم به في القرآن الكريم
إن الله أقسم بالنجم في سورتين، على مقسم عليهما مختلفين، فقال سبحانه في سورة الواقعة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] ، أقسم بمواقع النجوم، وأين مواقعها؟ مواقعها في السماء: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٧٦] ، أي: أن القسم بمواقعها وبُعدها وحفظها وصيانتها عظيم جداً ﴿إِنَّهُ﴾ [الواقعة:٧٧] ، أي: المقسم عليه ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧] ، (في) ليس فقط قران كريم، وإنما: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٨-٧٩] ، ونأتي إلى القسم الثاني في سورة النجم، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] ، انظر أين المواقع! ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا﴾ [النجم:١-٨] ، النجم هو النجم ولكن القسم الأول بمواقعه، وكم بعد مواقع النجوم، وهل تستطيع قوة من جن أو إنس أن تصل إلى مواقع النجوم؟ وإذا وصلت؛ هل تستطيع أن تغاير في مواقعها؟ الجواب: لا تستطيع، فكما أن مواقع النجوم بعيدة كل البعد عن اللمس والاقتراب والتغيير والانحراف؛ فإن القرآن الكريم في صيانته وحفظه عن التغيير والتبديل كذلك، ولهذا قال سبحانه: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٨-٧٩] أي: الملائكة، إذاً: بين القسم بمواقع النجوم وبين القرآن المكنون في اللوح المحفوظ مناسبة.
نأتي إلى القسم الثاني: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ هوي النجم حركته، وهوي النجم عند العرب هو مثل الساعة الإلكترونية عندنا، كانوا يقيسون به الزمن ليلاً في الظلام كما قال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] ، فالنجم هو الهادي لهم في ظلمات البر والبحر، والسالك الساري على ضوء النجم في سريانه وهويه لا يضل لا في بر ولا في بحر، فلكأنه يقول: نجمكم محمد ﷺ : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ كما لا يضل المهتدي بالنجم في هويه، فهل بينهما مناسبة أو لا؟ الجواب: بينهما مناسبة، بل -والله- إنها لمناسبة قوية، وهكذا لو تتبعنا كل قسم في كتاب الله لوجد أن بين القسم والمقسم عليه مناسبة، وبهذا نعلم معنى كلام المفسرين جزاهم الله خيراً: الله يقسم بما شاء على ما شاء، ولا يجوز أن يقسم العبد إلا بالله، وإذا أقسم الله بشيء من مخلوقاته فإنما يقسم به لدلالته على قدرته، فلو جئنا بقسم النجوم في مواقعها إلى قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ فهل يتناسب معه الجواب؟ لا يتناسب معه فالمسألة ليست مجرد دلالة على عظمة الله ولكن لها دلالة خاصة في موضوعها.
وإذا جئت أيضاً إلى البلد في قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:١-٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِين * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:١-٤] ، سبحان الله! الإنسان في أحسن تقويم وهو في كبد، والموضوع هذا يأخذ علينا شيئاً طويلاً، وأرجو الله سبحانه أن يهيئ أحد طلبة العلم ليتتبع هذا في كتاب الله، وألا يتقيد بأي تأليف قديم، وإن كان يستنير ويستفيد مما تقدم في التوجيه فهذا خير كثير، ولكن ينظر إلى الربط بين القسم والمقسم عليه به ويستخلص ما بينهما من مناسبة.
ونرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١-٢] ، الضحى بالنسبة للزمن هو في النهار، فجاء بأفضل الأوقات وأهدئها وأنسبها وأطيبها من طلوع الشمس إلى غروبها، وهو: وقت الضحى؛ ولذا كانوا يمتدحون النساء في العرب، ويقولون: نئومة الضحى يعني: في أطيب الأوقات تنعم بالنوم ولا تشتغل مثل الشاغلات ﴿وَالضُّحَى﴾ يقسم المولى بأطيب وأنسب وأحسن الأوقات الزمنية في النهار، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:٢] الليل الساجي هو الهادي الذي يغطي بظلامه دونما عواصف ولا رعود، بل هو شاجٍ كما يقال: الطرف الشاجي أي: الهادئ الناعس إذاً: يقسم الله بخيري الزمن، ووحدة الزمن هي حياة الإنسان: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] ، بل أنت في أحسن حالة عنده كأحسن حالتي الزمن ليلاً ونهاراً، كأنه يقول: أنت في وداعة وفي لطافة وفي إحسان من الله طيلة الزمن ليلاً ونهاراً: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٣-٥] ، وهل بقي عطاء أكثر من هذا؟ حتى جاء أنه قال: (لا أرضى أحداً من أمتي في النار) ، ولاحظوا بهذه المناسبة قصة أبي بكر الصديق: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩-٢١] ، انظروا المشاركة هنا في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ ، وهذه منزلة أكبر من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ، ثم قال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:٩-١١] ، أي نعمة أنعمها الله عليك، سواء من نعم الدنيا، أو من نعم الرسالة، أو من نعم الآخرة.
إذاً: المولى يعدد على النبي ﷺ نعمه، ثم يبين له شكرها من نوعها.
стр. 721
أنواع شكر النعمة
يقولون: شكر النعمة إما أن يكون بعين النعمة، مثل إذا أنعم الله عليك في مزرعتك بثمار وخيرات، فشكر تلك النعمة أن تطعم المحروم منها، وأنتم تعلمون قصة أصحاب الجنة وما كان يفعله أبوهم، ثم جحدوا ذلك وتعاهدوا: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧-١٨] إلى قوله: ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم:٢٤-٢٥] ، فجحدوا النعمة التي كان أبوهم يشكرها، وكان يستثني للمساكين حقهم، فلما جاءوا وبخلوا بها: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٩] .
وتعلمون قصة صاحب المزرعة التي جاءت في حديث: (كان رجل يمشي في فلاة من الأرض، فمرت سحابة فسمع صوتاً يقول: اذهبي فأمطري واسقي مزرعة فلان! انظر الحديث (في فلاة) يعني: ليس عنده أحد حتى يتوهم بأن هذا الصوت جاء من يمين أو يسار- فمشى في ظل السحابة حتى جاءت إلى حرة ووقفت وأمطرت، فتجمع الماء من الحرة في شرجة، وتتبع الماء فإذا رجل يحول الماء في حياض مزرعته، فقال له: يا فلان! فقال: كيف عرفت اسمي وأنت لست من أهل الديار؟! قال: أخبرني ماذا تصنع في مزرعتك؟ قال: وما شأنك؟ قال: الذي أسمعني اسمك، قال: وماذا سمعت؟ قال: كذا وكذا، قال: نعم أما إني أحصد الثمر وأقسمه ثلاثة أقسام: قسم أقتات به أنا وعيالي طيلة العام، وقسم أرده فيها بذراً، وقسم أتصدق به، قال: بهذا سقيت) .
إذاً: هناك: ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم:١٧] ، ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ كان الجزاء: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ﴾ ، وهنا صاحب المزرعة لما كان يقسمها أثلاثاً ويتصدق بالثلث كان الجزاء أن سقاها الله بالسحابة، إذاً: شكر النعمة قد يكون من عينها.
ولهذا يقولون أيضاً: من شكر النعمة بعينها أن تعين أخاك فيما تعرفه وهو لا يعرفه وفي الحديث: (وأن تعين الرجل على دابته فتحمل له متاعه عليها صدقة) ؛ لأنه في حاجة إلى نعمة العافية التي عندك فتستخدمها في حمله على الدابة، تفيض عليه بزائد طعامك، بزائد مالك، تنصحه، تعلمه، والرسول ﷺ مر على رجل يسلخ شاة وهو لا يعرف السلخ فقال: (ألا أريك! وكشف عن كمه ﷺ وأدخل يده الشريفة بين الجلد واللحم وأدارها وقال: هكذا فافعل) ، لا يعلم الناس كل شيء، فما تحسنه علمه أخاك، وكذلك طالب العلم إذا أنعم الله عليه بشيء فليبذله ولا يكتمه، وهكذا إذا استنصحك إنسان وأنت تعلم الحقيقة فعليك أن تنصح وأن تبين، وهكذا قد يكون شكر النعمة بعينها وقد يكون باللسان إلى غير ذلك، ومن ذلك السجود لله شكراً على هذه النعمة.
ومما وقفنا عليه: أن النجاشي رضي الله تعالى عنه استدعى المهاجرين الأولين الذين كانوا عنده فجاءوا إليه، فلما دخلوا عليه وفداً فزعوا لما رءوه في ثياب رثة، حاسر الرأس، وجالساً على التراب، وليس على فراش، فقال له جعفر: ما هذا أيها الملك؟ ماذا حدث؟ فقال: إن نبيكم محمداً لقي عدوه من العرب بأرض يقال لها بدر، وأنا أعرف ذلك الوادي، فهو كثير الأراك، وقد كنت أرعى به إبلاً، وقد نصره الله على عدوه، وإن مما أنزل على عيسى ﵇: إن الله يحب من عبده إذا أحدث له نعمة أن يحدث له تواضعاً وشكراً، فهذا الذي تراه مني تواضعاً لله وشكراً لله على نصره محمداً على عدوه، ففرح الصحابة، وقد كانوا خائفين من حدوث شيء.
إذاً: شكر النعمة بالتواضع وبالسجود وبإظهار المذلة والفاقة والحاجة أمر قديم مما أنزل على عيسى وعلى غيره، والله أعلم.
стр. 722
شرح حديث: (سجد النبي ﵊ فأطال السجود ... )
قال المصنف ﵀: [وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (سجد النبي ﷺ فأطال السجود ثم رفع رأسه فقال: إن جبريل أتاني فبشرني فسجدت لله شكراً) ، رواه أحمد وصححه الحاكم] .
وهذا يشهد له حديث التأمين ثلاثاً عند أن صعد ﷺ على المنبر وكان ثلاث درجات فقال: (آمين، وفي الثانية: آمين، وفي الثالثة: آمين، فسئل فقال: أتاني جبريل عند الأولى وقال: يا محمد! رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، قل: آمين.
فقلت: آمين.
والثانية: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة، فقل: آمين.
قلت: آمين.
رغم أنف امرئ أدرك رمضان وخرج فلم يغفر له، وفي بعض الروايات: باعده الله من النار، فقل: آمين.
فقلت: آمين) ، وفي الحديث: (من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً) ، فهذه نعمة قابلها بأن سجد لله شكراً عليها.
стр. 723
شرح حديث: (سجود النبي ﵊ عندما بلغه إسلام أهل اليمن)
قال المصنف ﵀: [وعن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ (بعث علياً إلى اليمن، فذكر الحديث.
قال: فكتب بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجداً شكراً لله تعالى على ذلك) رواه البيهقي وأصله في البخاري] .
وهذه نعمة كبرى بأن قطراً بكامله يسلم حينما أرسل إليه علياً، وكان قد أرسله الرسول ﷺ رسولاً وأميراً وقاضياً، وفي قصة القضاء: (قال: ترسلني وأنا حدث السن قال: لا تقضي بين اثنين حتى تسمع من الثاني كما سمعت من الأول، قال: فعلمني القضاء آنذاك) ، إلى آخره، وشبيه بهذه القصة قصة الصديق رضي الله تعالى عنه، عند أن جاءه خبر مقتل مسيلمة سجد لله شكراً، وهناك آثار عن السلف في هذا الباب كثيرة.
стр. 724
الخلاف في حكم سجود الشكر
أحمد والشافعي؛ يريان أن سجود الشكر مشروع لهذه النصوص، وأما أبو حنيفة ومالك رحمهما الله فلا يريان سجود الشكر، ويقولون: لقد تجددت نعم كثيرة على رسول الله صلى عليه وسلم، ولم يرد أنه سجد لها، والآخرون يقولون: إن سجود الشكر ليس بلازم كسجود الصلاة، بل هو جائز، وهو إشعار بنعمة الله على الإنسان، ثم كونه ﷺ تتجدد له النعم؛ لا نستطيع أن نقول: إنه لم يسجد لها؛ لأن النفي يحتاج إلى أدلة، وكما قالوا: المثبت مقدم على النافي، فإذا جاءت أحاديث وآثار عن السلف أنهم فعلوا ذلك فلا مانع من اعتبارها سجدة مشروعة.
стр. 725
هل سجدة الشكر مثل سجدة التلاوة في الأحكام أم لا ؟
من العلماء من يرى أن سجدة الشكر كسجدة التلاوة على الخلاف المتقدم: تحتاج إلى طهارة، وإلى استقبال القبلة، وإلى ستر العورة، وإلى إباحة الوقت، ومن العلماء من لا يرى ذلك، ويجيزها على أية حالة، واستدل على ذلك: بأن ابن عمر كان يسجد للتلاوة وللشكر على غير طهارة، وقالوا: إن الإنسان يسجد للشكر ولو كان على الدابة، أي: يومئ إيماءً، فعلى هذا قالوا: إن سجدة الشكر أقل في التكليف والشروط من سجدة التلاوة.
وختاماً أيها الإخوة! نسأل الله أن يوزعنا وإياكم شكر النعمة، وأن يحفظها علينا وعليكم في ديننا، وفي دنيانا، وفي أبنائنا، وفي بلدنا، وفي كل نعمة أنعمها الله علينا في هذا البلد الآمن الطيب، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 726
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [١]
فرض الله الصلوات الخمس، وجعل لها من النوافل والسنن ما يجبر نقصها، ويكمل خشوعها، ومن هذه السنن: ركعتا الفجر وأربع قبل الظهر وبعده، وأربع قبل العصر وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، فمن حافظ على هذه النوافل بنى الله له بيتاً في الجنة، وحرمه على النار، فيا فوز الفائزين! ويا نجاح المفلحين!
стр. 727
فضل كثرة السجود لله تعالى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن ربيعة بن مالك الأسلمي ﵁ قال (قال لي النبي ﷺ : سل.
فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك؟ فقلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.
هذا الصحابي الجليل في بعض أخباره كما سمعنا من المشايخ ﵏ خدم النبي ﷺ ، أو أدى له أمراً فأراد النبي ﷺ أن يكافئه، تقديراً لعمله، قال: ستعطيني إياه؟ قال: نعم، قال: أمهلني، فرجع إلى زوجه وأخبرها أن الرسول ﷺ قد طلب منه أن يسأله أي شيء مكافأة له على عمل ما، قالت: أويفعل؟ قال: سألته فقال: نعم، قالت: سله مرافقته في الجنة.
لم تقل: سله عملاً أو منصباً أو مالاً، وهي ما هو الذي يخصها من مرافقة زوجها للنبي ﷺ في الجنة؟ لو سأل مالاً أو منصباً يمكن أن تحصل على شيء منه، لكن نقول: فعلت ذلك لأحد أمرين: إما من باب: النصح لله ولرسوله ولعامة الناس، وهذا من صلاح الزوجة وبركتها ووفائها لزوجها، أنها تحب له أقصى ما يمكن، فآثرت مصلحته على نفسها، ووجهته التوجيه العالي، فكم من امرأة أعقل من عشرات الرجال! وإما من جانب آخر: وذلك أنها ستدخل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] إذاً: تكون الزوجة ملحقة بالزوج إذا رفع إلى أعلى مراتب الجنة، وإذا دخل الجميع الجنة مع تفاوت مراتبهم، فيلحق الله الزوجة إلى مرتبة الزوج لتقر أعين الآباء بالأبناء والأزواج بالزوجات.
يهمنا في هذا التوجيه: أن الرجل أخذ بهذا الرأي فأتى النبي ﷺ ، فقال له: طلبتني أن أسألك؟ قال: نعم، قال: ووعدتني أن تعطيني؟ قال: نعم، قال: أسألك مرافقتك في الجنة.
لم يطلب مجرد دخول الجنة، بل طلب مرافقة النبي ﷺ فيها، وهذه مسألة غير عادية، فمراتب النبيين وعباد الله المكرمين شيء عال، قال له: أوغير ذلك؟ اسأل مالاً أعطيك، اسأل منصباً أوليك، قال: هو ذاك، فتمسك الرجل بوعد رسول الله.
انظروا إلى سماحة وسعة هذا الدين، هل قال له: أنا أضمن لك هذا؟ بل وجهه إلى ما يفعله هو، قال: (أعني على نفسك بكثرة السجود) فهو يقول له: يمكن أن يكون لك ما أردت بمساعدة من عندي، بما له ﷺ من حق الشفاعة، وبما له عند الله من جاه وطلب وبر، ومن استجابة دعوة، ولكن أرشده إلى أمر فقال: (أعني على نفسك بكثرة السجود) كثرة السجود توحي بزيادة سجود مطلقة سواء كانت راتبة مع الفريضة، أو كانت غير راتبة كسنة مطلقة غير مقيدة لا بزمان ولا بمكان، وهل السجود مراد لوحده فقط؟ السجود هنا بمعنى الصلاة.
إذاً: يفتتح المؤلف ﵀ هذا الباب بهذا الحديث ليبين أن كثرة التطوع تؤهل إلى مرافقة النبي ﷺ ، وقد جاء عنه ﷺ فيمن يكون قريباً منه في الجنة، أنه قال: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) ، وقال: (أقربكم مني منزلاً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً) ، (أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة ... ) إلى آخره، فهناك مميزات وأعمال تدني من تلك الدرجة، ولكن يهمنا في هذا الباب -باب التطوع في الصلاة- قوله: (أعني على نفسك بكثرة السجود) .
стр. 728
النوافل التي حفظها ابن عمر من النبي ﷺ
قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ قال: (حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح) متفق عليه.
وفي رواية لهما: (وركعتين بعد الجمعة في بيته) .
ولـ مسلم: (كان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين) ] .
بدأ المؤلف ﵀ يفصل في أنواع التطوع، وبدأ بالأهم أي: بالسنة الراتبة مع الفريضة؛ لأن هذه السنن كان ﷺ يداوم عليها ولا يتركها، حتى إنه فاته بعض منها فقضاها في غير وقتها، وفاته بعضها حين اجتمع ببعض الوفود فقضاها بعد خروج وقتها، كما حدث في فوات الركعتين بعد الظهر، عندما جاء وفد عبد القيس فشغلوه عنهما حتى صلى العصر، فلما دخل بيته ذكرهما فصلاهما، فسئل في ذلك: كنت تنهى عن الصلاة في هذا الوقت، وأنت الآن تصلي؟ فقال: (ركعتان بعد الظهر شغلت عنهما مع وفد عبد القيس فأنا أقضيهما) .
وكذلك ركعتي ما قبل الفجر، في عودتهم إلى المدينة لما عرسوا في الوادي، فقال: (يا بلال! اكلأ لنا الفجر) فما أيقظهم إلا حر الشمس، فعذره رسول الله ﷺ ، ثم قال: (ارتحلوا من هذا الوادي؛ فإن فيه شيطاناً) فخرجوا من الوادي، وأمر بلالاً بأن يؤذن، فأذن، ثم صلوا سنة الصبح مع فريضتها، فما تركها حتى وهو في سفر، وكذلك صلاة الوتر.
إذاً: هذه السنن تسمى الرواتب، أي: راتبة مرتبة منتظمة مع الصلوات الخمس، وابن عمر ﵁ له عدة روايات بعدة صلوات، وابن عباس وغيره.
فبدأ المؤلف بـ ابن عمر فقال: (حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات) وأخذ يفصلها، وهذا في أسلوب البيان من باب التفصيل بعد الإجمال، وهذا مما يعطي الإنسان انتباهاً، ويسهل على الإنسان ضبطه، قال: (حفظت عشر ركعات) ، ثم أنت الآن تنتظر التفصيل، هل يأتي بعشر أم بثمان؟ فعندما يأخذ الإنسان الجملة، ثم يبدأ يأخذ التفصيل فإن ذلك يكون أدعى للمتابعة، وللضبط عند السامع، وهذا أسلوب بياني رفيع يأتينا به ابن عمر ﵁، قال: (حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح) وجاءت روايات بزيادة ركعتين سواء كان مع الظهر أو مع العصر، لكن يهمنا في عدد العشر ركعات، فحديث ابن عمر: (ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، ثم ذكر ركعتين بعد المغرب) ، أين العصر؟ لم يذكر له شيئاً لا قبله ولا بعده، وسيأتي له بيان آخر، قال: (وركعتين بعد المغرب في بيته) ، أين بيت رسول الله ﷺ ؟ في مسجده، ولكن كان متحيزاً عن المسجد، وهل كل إنسان يصلي ركعتين بعد المغرب في بيته أم أنه إذا ذهب إلى البيت شغل فذهب الوقت، أم يصليها في المسجد؟ ومن كان بيته بمنزلة بيت رسول الله ﷺ من المسجد كـ أبي بكر مثلاً حيث كان بيته بجوار المسجد، والعباس كذلك ومروان، فمن كان بيته بمنزلة أو مقارباً لبيت رسول الله ﷺ من المسجد، إن كان سيجلس في المسجد ولن يخرج إلى بيته فهل يذهب ويصلي في بيته ويعود إلى المسجد، أم يصليها في المسجد حيث هو؟ يصليها في المسجد، لكن إن كان صلى المغرب وسيخرج، إن كان بيته بمثابة بيت رسول الله ﷺ أو قريباً من المسجد، وسيخرج فليصلها في بيته، ولكن لماذا الصلاة في البيت؟ هل البيت مسجد؟ المسجد هذا يختص بـ (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة) فلماذا لم يصلها في المسجد لكي يظفر بألف صلاة وذهب وصلاها في بيته؟ قالوا: البيوت ينبغي أن يكون لها حظ من الصلاة سواء صلاة النساء اللاتي تسقط عنهن الجماعة، أو صلاة الرجال من السنن والنوافل، وجاء في الحديث: (خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) والمكتوبة تؤدى في المسجد مع الجماعة، والسنن في البيت، فبعضهم يقول: خير صلاة المرء في بيته ويدخل فيها الراتبة، وبعضهم يقول: لا، لا يدخل فيها إلا الصلاة المطلقة فقط كقيام الليل والضحى؛ بعداً عن الرياء والسمعة، أما الراتبة فالكل يؤديها، ولكن عندما يصلي الفريضة في المسجد ويخرج إلى البيت يصلي، هل البيت خال أم أن فيه أناساً؟ لا شك أن البيت فيه أناس، وأقل ما يكون فيه الزوجة والأولاد، فتكون صلاة النافلة في البيت بمثابة التعليم، ويأخذ البيت حظه من بركة الصلاة: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) ؛ لأن البيت الذي لا يصلى فيه كالقبر المهجور، لكن الذي تكون فيه صلاة، ويسمع فيه القرآن وذكر الله ، هذا تحصل فيه البركة.
إذاً: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يذكر لنا من النافلة مما حفظه هو عن رسول الله ﷺ : (ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها) ثم تخطى العصر، وجاء إلى المغرب فقال: (ركعتين بعد المغرب في بيته) ، وذهب إلى العشاء فقال: (وركعتين بعد العشاء في بيته) رغم أن هناك نوافل مطلقة بعد المغرب، وكذلك نوافل بعد العشاء وهي الوتر، ثم ذهب إلى صلاة الصبح.
وقد يقول قائل: لماذا لم يذكر ابن عمر النوافل من أول النهار؟ ولماذا لم يبدأ بالصبح؟ لعل ابن عمر نظر إلى أول صلاة فريضة من الصلوات الخمس، ونعلم أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء في الليل والرسول ﷺ نزل قبل الفجر وما صلى الصبح، ونزل جبريل ليعلم النبي ﷺ الصلوات الخمس، وكان أول نزوله لتعليم النبي ﷺ في صلاة الظهر، فكانت من جهة الفرضية كلها فرضت خمس صلوات كما في حديث موسى ﵇، ولكن التطبيق العملي كانت بدايته من الظهر.
فأقول: لعل ابن عمر ﵁ راعى هذه الناحية والله أعلم.
إذاً: هذه عشر ركعات نسميها: (عشر ابن عمر) وهي: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
والمؤلف سيأتي بزيادة عن ذلك، سيأتي بأربع قبل الظهر وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، فلماذا قدم بعشر لـ ابن عمر؟ لعل المؤلف ﵀ -وهذا استنتاج فقهي- ذكر العموم في التطوع في قوله ﷺ : (أعني على نفسك بكثرة السجود) ثم جاء يبين أقل الرواتب، وأقل صلاة راتبة هي ما جاءت في حديث ابن عمر، وما جاء بعد ذلك لا ينهض في القوة بأن يساوي حديث ابن عمر، لأنه سيأتي ويذكر لنا أربعاً قبل الظهر، وهي ليست في التوكيد كالركعتين، وأربعاً بعد الظهر وهي ليست في التوكيد كالركعتين، وأيضاً سيذكر أربعاً قبل العصر، وليست في التوكيد كالركعتين كذلك.
إذاً: المؤلف بدأ بالعشر وعلى هذا الترتيب الموجود ليبين أقل الراتبة في اليوم والليلة.
قال: [وفي رواية: (وركعتين بعد الجمعة في بيته) ] .
عندما قال: وفي رواية: (وركعتين بعد الجمعة في بيته) فكم زاد على العشرة؟ لا توجد زيادة في عدد الركعات، لكن هي زيادة تفصيل، أي: كأنه يقول: إذا كان ظهره جمعة، وصلى الجمعة محل الظهر تكون النافلة ركعتين في بيته، وأما قبل الجمعة فقد جاء الحديث مطلقاً: (من بكر وابتكر، وصلى ما تيسر له) فلم يحدد لا ركعتين ولا أكثر ولا أقل.
إذاً: نقول: إن المؤلف ﵀ من فقهه وإتقانه قدم حديث ابن عمر في الصلوات الخمس في بيان أقل الراتبة، والجمعة لها صلاة قبلية وبعدية، ولكن يختلفون فيها، فمنهم من يقول: نافلة الجمعة كالظهر تؤدى قبل وبعد، وبعضهم يقول: لا، نافلة الجمعة قبلها ليس لها حد، وبعدها ركعتان، وبعضهم يقول: أربع ركعات بعدها في المسجد وركعتان في البيت؛ لأن خير صلاة المرء في بيته.
стр. 729
هدي النبي ﷺ في سنن الظهر
قال المؤلف ﵀: [وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة) رواه البخاري] .
هذا نوع من التفصيل والزيادة، تقول أم المؤمنين ﵂: (كان ﷺ لا يدع) بمعنى: لا يترك، (أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة) ، والغداة: الصبح.
فهي تخبر بصورة شاهدتها، وسكتت عن بقية الأوقات الأخرى، كبعد الظهر وقبل العصر وبعد المغرب وبعد العشاء، ففي هذه الرواية تقول: (ما كان يدعهما) ، لكن نستفيد من هذه الرواية أنه ﷺ كان حريصاً ومداوماً عليها، وابن عمر يقول: (حفظت عشراً وذكر ركعتين قبل الظهر) ، وعائشة تقول: (ما كان يدع أربعاً) ، كيف نوفق بين هذين الحديثين؟ يقول الفقهاء ﵏: رواية عائشة جاءت بزيادة أربع، وزيادة الثقة مقبولة، فقالوا: لعلها تذكر أحياناً أنها رأت من رسول الله ﷺ يصلي أربعاً، وابن عمر يذكر أحياناً أنه رأى من رسول الله ﷺ صلاة ركعتين ولا معارضة في ذلك، أو أنه كان يصلي ركعتين في المسجد وركعتين في البيت، فـ ابن عمر يرى ركعتي المسجد، ولا يرى ركعتي البيت، فيكون المجموع الذي كان يصليه النبي أربع ركعات.
والذي يهمنا في هذه الرواية هو المواظبة والتأكيد عليها، أما ما يتعلق بالصبح فقد جاءت روايات وأحاديث عديدة تبين أنه ﷺ ما كان يترك ركعتي الفجر والوتر لا في سفر ولا في حضر؛ ولذا قال الشافعية: إن سنة الصبح سنة مؤكدة، وقال الأحناف: إن الوتر واجب لا كوجوب الفرض في الصلوات الخمس، بل واجب على اصطلاح الأحناف، ومعنى ذلك: ما ثبت بنص قطعي من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ متواتراً فهو الفرض، وما ثبت بأخبار الآحاد فهو الواجب، فيرون أن الوتر قد أتت فيه أحاديث عديدة، وجاء التحذير من تركه كحديث: (من لم يوتر فليس منا) قالوا: هذا أمر خطير، فهو أمر واجب، والواجب على هذا الاصطلاح منزلة بين الفريضة في الصلوات الخمس وبين النافلة مع الظهر والمغرب أو العشاء، والجمهور على أن الوتر ليس بفرض وله مبحث سيأتي فيه كيفية وعدد ركعاته إن شاء الله.
وقدمنا بأن الرسول ﷺ لما كان بعد رجوعه من غزوة خيبر عرسوا ليلة، فناموا حتى طلعت عليهم الشمس، وفارقوا ذلك الوادي، ثم أمر بلالاً فأذن، فصلوا سنة الصبح وما تركوها، وإن كان قد خرج وقتها، وإن كانوا في سفر والسفر تقصر فيه الفريضة، ومع ذلك لم يترك الرسول ﷺ ركعتي الفجر، وفي رواية: (صلوها ولو طاردتكم الخيل) ومع ذلك ليست فريضة؛ لأنه جاء في الحديث: (خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة) إذاً: لا يمكن لإنسان أن يأتي بصلاة يدعي أنها مفروضة مع الصلوات الخمس لهذا الحديث، فالوتر وسنة الفجر والضحى كل ذلك خارج عن الفرضية، بمعنى: الواجب عند الجمهور.
стр. 730
فضل ركعتي الفجر الراتبة
قال المؤلف ﵀: [وعنها ﵂ قالت: (لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر) متفق عليه] .
هذا تأكيد لما تقدم، فلم يكن ﷺ أشد تعاهداً -يتعهده ويداوم عليه- من تعاهده لركعتي الفجر، وهذا يدل على أن ركعتي الفجر من المؤكدات في النوافل، وهي آكد من غيرها، وقد أشرنا سابقاً بأن كلمة (نافلة) عامة، ويدخل تحتها السنة والمندوب والتطوع، وأشرنا بأن بعضها يتفاضل عن بعض.
[ولـ مسلم: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) ] .
(ركعتا الفجر) يعني: سنة الفجر، (خير من الدنيا) سبحان الله! ما أقل الدنيا فيما يتعلق بالعبادة عند الله! وبعض العلماء ينبه تنبيهاً لطيفاً، فيقول: الدنيا فيها فضائل كثيرة: كالنبوة، والرسالة، والعبادة، وكل أنواع الخير، ولكن المراد بهذا: ما فيها من الزخارف الملهية كالأشجار والأنهار والبيوت والقصور والأموال إلخ، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] إذاً: (خير من الدنيا وما فيها) أي: من الأمور الدنيوية، أما العبادات فلا تدخل في ذلك.
стр. 731
فضل من صلى اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة
قال المؤلف ﵀: [وعن أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته بني له بهن بيت في الجنة) رواه مسلم.
وفي رواية: (تطوعاً) ] .
نحن حفظنا عن ابن عمر عشر ركعات، وأم حبيبة رضي الله تعالى عنها تقول: (اثنتي عشرة ركعة) .
فجاءت هنا زيادة، وكما أشرنا أن الزيادة إذا كانت من ثقة فهي مقبولة؛ لأنها تتضمن ما كان أقل منها وتزيد عليه، فالاثنتا عشرة ركعة تتضمن العشر، فهي تشتمل على العشر وتأتي بالزيادة، لكن لو أنها قالت: ثماني ركعات، فإن في ذلك معارضة لحديث العشر، فإذا قالت: اثنتا عشرة أو أربع عشرة لا مانع؛ لأن العشر المحفوظة داخلة ضمن الزيادة، وهو أيضاً على سبيل الإجمال ثم التفصيل.
قالت: (اثنتي عشرة ركعة) ، وسيأتي تفصيلها في رواية عند غير مسلم، الحديث الأول فيه: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) ، وهنا (اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة) ، يا سبحان الله! هل نقول: ما أهون بيوت الجنة أم نقول: ما أعظم أجر الصلاة؟ الجنة ليست رخيصة، ولكن الثمن يقابل المثمن، والمثمن هنا بيت في الجنة، لو قيل: لك بيت في المدينة، أو في الحرة من اللِّبن، أو من الحجر أو عمارة على أن تصلي ألف ركعة المسألة صلاة ما فيها مال ولا دينار، ولكن الصلاة رأس الإسلام وعموده وهي الحق المفروض لله ؛ ولأن الصلاة هي أكبر عون للعبد في دينه ودنياه، ولأنها أكبر حرز للمسلم من الخطايا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ومما يلاحظ أنه قد أتى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] مرتين في حق بني إسرائيل، فجاء في حق بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٤-٤٥] إذاً: الصلاة كبيرة على بني إسرائيل هذا في الأول، ثم تأتي في حق هذه الأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] فرق بين هذه الآية وبين الآية الأخرى، كأنها ليست ثقيلة، وإن كانت هي في ذاتها لا شك أنها عبء وتكليف، ولا أقول: ثقيلة في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٥-٦] الوحي تكليف ثقيل، ولكن ناشئة الليل تقاوم وتعادل ذلك، فيكون هناك استعداد، وإمداد بأن يتهيأ لناشئة الليل التي هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً، فيتحمل ما سيلقى إليه من قول ثقيل، لكن المغايرة تعطينا نوعاً من المفاضلة، ففي حق بني إسرائيل ثقيلة إلا على الذي اتصف بالخشوع بين يدي الله فإنه لا يستثقل شيئاً، وجاء في بعض أخبار الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان يصلي، فسقط ركن من المسجد، فلما انتهى من صلاته وجد غباراً، فقال: ما هذا الغبار؟ قالوا: أولم تسمع ركن المسجد عندما سقط؟ قال: والله ما دريت عنه، كنت في الصلاة.
وجاء عنه أنه كان إذا جلس يتوضأ يصفر وجهه، فقيل: لماذا يصفر وجهك عندما تتوضأ؟ قال: ألا تدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ فيهمنا بأن الصلاة لأهميتها إذا حافظ الإنسان على نافلة فيها يؤجر عليها كما في الرواية الأخرى: (بنى الله له بيتاً في الجنة) وبيت الجنة لا يستطيع أن يعلم أحد بمواصفاته إلا الله، وجاءت أحاديث أن بعض بيوت الجنة من لؤلؤة واحدة يرى داخلها من خارجها، كما جاء في حديث زيد بن ثابت مع رسول الله، وجاء في خبر عمر ﵁ إلى غير ذلك.
إذاً: الصلوات هي عماد الدين، وتعود على المصلي بكل خير، وكما أشرنا أنها أكبر حرز له من الخطايا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] هذا إذا أديت بواجباتها، ورزق الله العبد حسن التلذذ وارتياح النفس، وطمأنينة القلب بالمناجاة بين يدي الله.
إذاً: اثنتا عشرة ركعة ثمنها بيت في الجنة، ومثل هذا لا يستكثر على المولى، لأن عطاءه كلام: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وللترمذي نحوه وزاد: (أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر) ] .
وماذا زادت أم حبيبة على حديث ابن عمر؟ ابن عمر قال: (ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها) ، وأم حبيبة اتفقت مع ابن عمر في كل الأوقات ما عدا قبل الظهر، فزادت ركعتين فيما قبل الظهر، فاتفقت مع ابن عمر في العشر الركعات، وزادت ركعتين، واتفقت مع عائشة في أربع قبل الظهر، وبهذا تكون مجموع السنة أو النافلة على ما سيأتي إجماله اثنتا عشرة ركعة.
ويهمنا أن أم حبيبة زادتنا بما تتفق فيه مع عائشة وابن عمر ركعتين، وهما في الأربع التي قبل الظهر.
وهذا سؤال: كيف تكون كيفية هذه الركعات؟ أهي أربع ركعات بتكبيرة واحدة وسلام واحد أم أنها مفصولة ركعتين ركعتين؟ نجد الخلاف في هذا بسيطاً، فقال البعض: يصلي أربعاً مجموعة، وقال البعض الآخر: لا، هذه صورة الفريضة، فيجب أن تكون الأربع مفرقة ركعتين ركعتين، وسيأتي المؤلف بحديث: (صلاة الليل مثنى مثنى) ، وفي بعض الروايات زيادة: (صلاة الليل والنهار) , لكن زيادة (والنهار) يردها علماء الحديث بأن سندها غير ثابت، ويرى الجمهور أن الأربع قبل الظهر ركعتين ركعتين لحديث: (صلاة الليل مثنى مثنى) وهذا حديث صحيح ثابت، وإذا كانت صلاة الليل مثنى مثنى قالوا: قياساً على صلاة الليل تكون أيضاً مثنى مثنى، وقالوا أيضاً: لعدم تشبيه النافلة بالفريضة، وقالوا أيضاً: إن في تفريقها زيادة عبادة، فلو جمعناها لم يكن فيها إلا تكبيرة إحرام واحدة، ولو فرقناها كان فيها تكبيرتان، ولو جمعناها ما كان فيها إلا تسليم واحد، ولو فرقناها كان فيها تسليمان، وكذلك التشهد في الجمع يكون تشهداً أوسطاً، وفي التفرقة يكون تشهداً كاملاً، وإضافة إلى ذلك يؤتى بالدعاء المأثور بعد التشهد الأخير.
إذاً: تفرقتها أكثر أجراً من جمعها لأنه أكثر عملاً، وهذا ما يرجح أن صلاة النهار لتلك الأربع تصلى مفرقة.
стр. 732
فضل من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها
قال المؤلف ﵀: [وللخمسة عنها: (من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله تعالى على النار) ] .
هذه خطوة ثانية، جاءنا حديث ابن عمر وحديث عائشة في جزئية، وحديث أم حبيبة في المجموع، ثم في خصوص الظهر جاء حديث: (من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله تعالى على النار) هذا دعاء أم إخبار؟ بعض العلماء يقول: هذا إخبار من الرسول ﷺ عن الله، وهو الصادق في خبره المصدوق فيما أخبر به، وبعضهم يقول: هذا دعاء، كأن الرسول ﷺ يقول: اللهم حرمه على النار، وسواء كان إخباراً فخبره صدق، أو دعاءً فدعاؤه مقبول عند الله.
إذاً: من وفقه الله وأعانه وحافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها فهذا سبيل خير أوسع من الذي قبله، وإذا اقتصر على اثنتين واثنتين فقد أتى بأقل التطوع، وإذا زاد إلى أربع، نقول: أتى بأكثر ما جاء به النص.
стр. 733
فضل من صلى قبل العصر أربع ركعات
قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وابن خزيمة وصححه] .
خص الظهر بأربع قبلها وأربع بعدها، وجاء في العصر فقال: (رحم الله امرأً) فهل هذا إخبار أم دعاء؟ إن كان خبراً فهو خبر صدق، وإن كان دعاءً فهو مقبول؛ ولذا يقول العلماء: ينبغي للإنسان أن يتعرض لدعوة رسول الله ﷺ : (رحم الله امرأً صلى قبل العصر) أما ما بعدها فيأتي المنع من النافلة.
إذاً: جاء في فريضة العصر أنه يصلي أربعاً قبلها، وكأنه عندما يقول: (رحم الله امرأً صلى) كأنه يقول: الأمر أهون من غيره، ولكن إن شئت الرحمة والفضل فصل أربعاً قبل العصر، ولابد أن يعلم أنها في قوة الطلب ليست كركعتي الفجر، وليست كركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها؛ لأن الطلب هنا فيه ترجيح وترغيب من جهة التعرض لرحمة الله .
стр. 734
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [٢]
جاء عن النبي ﷺ أنه أمر بصلاة ركعتين قبل المغرب، وجعل هذا الأمر تحت مشيئة الإنسان؛ لئلا يحرج أمته، أما صلاة ركعتي الفجر فكان ﷺ يحرص على أدائهما في الحضر والسفر، ويحض على أدائهما مبيناً أنهما خير من الدنيا وما فيها، والأصل في هاتين الصلاتين التخفيف إقتداءً بالنبي ﷺ .
стр. 735
استحباب صلاة ركعتين قبل المغرب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة) رواه البخاري] .
هذا الحديث يتعلق بصلاة قبل المغرب، وتقدم في حديث ابن عمر وأم حبيبة ركعتين بعد المغرب، وأم حبيبة أطلقت في الحديث، وابن عمر قيد الصلاة في البيت، ولكن الجديد هنا قوله ﷺ : (صلوا قبل المغرب) هل المراد: قبل وجوب المغرب أم قبل صلاة الفريضة؟ قبل صلاة الفريضة؛ لأن قبل وجوبه عند الغروب الصلاة فيه ممنوعة، إذاً المعنى: صلوا قبل أن تصلوا المغرب، ثم كررها ﷺ ، وفي الثالثة قال: (لمن شاء) كراهية أن يتخذها الناس سنة أي: أن يداوموا عليها.
بعض العلماء يرى أن هذه الصلاة مطلوبة من جانبين: الأول: قوله: (قبل المغرب) معناه: بعد الأذان، أي: أن الإقامة لم تأتِ فهي ما بين الأذان والإقامة.
الجانب الثاني: قوله صلى الله عله وسلم: (بين كل أذانين صلاة) .
وهذا الحديث ينطبق على الصلوات الخمس؛ لأن سنة المغرب القبلية تصلى بين الأذان والإقامة، وعلى هذا كان السلف رضوان الله تعالى عليهم يصلون قبل المغرب.
وبعض الفقهاء يفصلون فيقولون: ما دامت المسألة: (لمن شاء) فهذا يرجع فيه إلى طبيعة الناس في صلاتهم، فعند المالكية لا صلاة قبل المغرب؛ لأن وقت المغرب عندهم ضيق، وهو كذلك عند الجمهور فالمغرب وقته واحد؛ لأن جبريل ﵇ لما نزل يصلي بالرسول ﷺ نزل في اليوم الأول فصلى الصلوات الخمس على أول وقتها: الصبح عندما طلع الفجر، والظهر حين زالت، والعصر إذا كان الظل قدر مثله، والمغرب إذا غربت، والعشاء إذا غاب الشفق، ومن الغد جاء فأخر الصبح إلى قرب طلوع الشمس، وأخر الظهر إلى آخر وقتها، وأخر العصر إلى اصفرار الشمس، والمغرب صلاها في وقتها الذي صلاها فيه بالأمس، ولم يغاير في وقتها، والعشاء أخرها إلى ثلث الليل، فإذاً: كل فريضة من الصلوات الخمس لها وقت واسع ما عدا المغرب، فالصلوات الأربع لها أول وآخر، ولكن المغرب صلاها في اليومين المتتاليين في وقت واحد، وجاء هذا عنه ﷺ ، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (ما وقت الصلاة يا رسول الله؟ قال: أقم معنا إلى الغد) فأقام اليوم، في هذا اليوم صلى النبي ﷺ جميع الصلوات في أول وقتها، ومن الغد صلاها كلها في آخر وقتها إلا المغرب صلاها في نفس الوقت الذي صلاها بالأمس، ثم قال: (أين السائل عن وقت الصلاة؟ قال: هأنذا يا رسول الله! قال: الوقت ما بين هذين) يقول المالكية: إذاً: المغرب لها وقت واحد، وعندهم يخرج وقت الفريضة بما يساوي الوضوء وركعتين مباشرة وصلاة المغرب ثم ينتهي الوقت، فيقولون: إذا كان الإنسان يصلي لنفسه أو الإمام بجماعته والكل حضور في المسجد، فأذن للمغرب أقام الصلاة فريضة حالاً، ولا صلاة قبلها، وإذا كان الإمام يتأخر، أو جئت إلى المسجد بعد الأذان ولم يأت الإمام، وتعلم أنه سيتأخر قدر ركعتين فصل الركعتين.
وعلى هذا فالصلاة قبل المغرب جائزة عند الجمهور ما لم يكن فيها تأخير لصلاة المغرب عن أول وقتها.
وكان السلف رضوان الله تعالى عليهم إذا أتوا المسجد لصلاة المغرب وقد أذن ابتدروا السواري يصلون النافلة، حتى لو دخل إنسان لظن أن الصلاة قد انتهت -يعني: صلاة الفريضة- لكثرة ما يرى من صلاة الناس، كأنهم يصلون السنة بعدها.
وعلى هذا يأتي التخيير، والربط بالمشيئة في هذه النافلة بالذات لظروف وقت المغرب: (صلوا المغرب) كررها ثلاثاً ثم قال في الثالثة: (لمن شاء) .
قال ﵀: [وفي رواية لـ ابن حبان: (أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين) ] .
يريد أن يثبت المؤلف ﵀ أن هذه الصلاة قبل المغرب ثبتت بالسنة القولية، وبالسنة الفعلية منه ﷺ ، إذاً: ينبغي للأئمة ألا يضيقوا على الناس، وأن يكون الإمام حاضراً في المسجد، وإذا تأخر يأتي بسرعة، ليس هناك تأخير للفريضة، فصلاة ركعتين فيها فرصة لمن كان متأخراً لأن يحضر، وفيها إحياء للسنة النبوية بالصلاة قبلها، أما إذا جاء متأخراً فلا ينبغي له أن يقدم السنة على الفريضة، بل يبدأ بالفريضة حالاً.
قال ﵀: [ولـ مسلم عن ابن عباس قال: (كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، وكان النبي ﷺ يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا) ] .
أي: لم يكن يأمرنا ولم ينهنا بعد غروب الشمس وبعد الأذان للمغرب، ما دام أنها لمن شاء لا يأمر أحداً ولا ينهى أحداً، وإلى هنا تكون السنة تقريرية وفعلية وقولية، والسلف منهم من يفعل، ومنهم من يترك.
تنبيه: جاء في الشرح لهذا الكتاب المبارك أن مجموع النوافل التي ثبتت عشرون ركعة، ولنأخذها بالجملة: ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وأربع بعد الظهر، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل المغرب لمن شاء، إذاً: مجموع النوافل تطوعاً مع الصلوات الخمس عشرون ركعة.
ويضيف المؤلف من باب الطرفة العلمية أن ابن القيم قال: مجموع الصلوات في اليوم والليلة فريضة مع نافلة سبع وثلاثون ركعة، ويضاف إليها ثلاث ركعات الوتر، فيكون المجموع أربعين ركعة، ولكن أحب التنبيه على أن الصحيح أن مجموع النافلة مع الفريضة خمسون ركعة؛ لأن المؤلف اعتبر الوتر ثلاث ركعات فقط، ولكن جاء في حديث: (أوتروا بثلاث بخمس بسبع بتسع بإحدى عشرة ركعة) وجاء في حديث ابن عباس (أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث عشرة ركعة) ، فسبع وثلاثون ركعة بالإضافة إلى ثلاث عشرة ركعة وتراً تصبح خمسين ركعة، أقول ذلك لأن بعض العلماء يقول: فرضت الصلاة في أول الأمر خمسون صلاة، وما زال النبي ﷺ يتردد بين المولى وبين موسى ﵇ في التخفيف حتى خففت إلى خمس، وقيل: هي في العدد خمس، وفي الأجر خمسون، فقال بعض العلماء: لو جمعنا مجموع النافلة مع الفريضة لبلغت الخمسين، إذاً: فرضت الخمسون، وبقيت ليس على سبيل الفرض، الفرض سبعة عشر والباقي تطوعاً، لماذا؟ زيادة فضل من الله على العبد، لأنه أعطاه ثمن بيت في الجنة، أعطاه: (رحم الله من صلى كذا) ، أعطاه: (خير من الدنيا وما فيها) ، وهذه كلها ذكرت مع النافلة، والله تعالى أعلم.
стр. 736
مشروعية التخفيف في سنة الفجر
قال ﵀: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب؟!) ] متفق عليه.
لم يأخذ من رواتب النافلة حيزاً في البحث عند الفقهاء، ولا نصوصاً عند العلماء؛ كركعتي الفجر والوتر، أما ركعتا الفجر فتقدم قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن النبي ﷺ ما كان أشد تحرياً لصلاة كركعتي الفجر) ، وتقدم أيضاً: (صلوا ركعتي الفجر ولو طاردتكم الخيل) فهذه نصوص في التأكيد عليها , وكذلك ما جاء عنه ﷺ أنه حافظ عليها في الحضر والسفر، وتقدم في قصة بلال أنه قال له: (اكلأ لنا الفجر) فما أيقظهم إلا حر الشمس، فارتحلوا عن ذلك الوادي، فأمر ﷺ بلالاً بأن يؤذن للصلاة، فأذن ثم صلى ركعتي الفجر، ثم أقام وصلى الفريضة، وكذلك جاء في الحديث: (من فاتته ركعتا الفجر حتى صلى الصبح فليركعهما بعد طلوع الشمس) ، وكذلك جاء إقراره ﷺ لمن صلاهما بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الفجر، فقد جاء عنه ﷺ أنه لما انصرف من صلاة الصبح وجد رجلاً يصلي، فأخذ بيده وقال: (آلصبح أربعاً؟ فقال: يا رسول الله! هذه ركعتا الفجر فاتتني فأنا أصليهما، فقال: إذاً: لا بأس) وهكذا ما يتعلق بالفرائض.
ثم جاءت الكيفية وما يتبعها، فنجد هنا أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تبين لنا أن النبي ﷺ كان يخففهما، وتبين من هذه الصورة قولها: (حتى إني لأقول: أقرأ بأم الكتاب؟) أي: هل قرأ بأم الكتاب أم لم يقرأ؟! ومن المعلوم أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولكنها رضي الله تعالى عنها تبين لنا إلى أي مدى كان هذا التخفيف، وسيأتي النص بأنه كان يقرأ بـ (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) يعني: ليس مجرد الفاتحة فقط بل ومعها سورة أخرى، ولكن لو تأملنا موقع ركعتي الفجر هاتين مع صلاته ﷺ بالليل -وهما من آخر ما يصلي، كان يقوم الليل إلى أن يوتر قبل الفجر ثم يؤذن ثم يصلي الركعتين- لوجدنا النسبة بينهما بعيدة جداً، ولهذا عندما نقارن بين صلاته ﷺ بالليل وما وصفته به أم المؤمنين بنفسها تقول: (كان ﷺ يصلي أربعاً لا تسل عن حسنهن وطولهن) ، وفي الحديث أنه (كان يقرأ الفاتحة ثم يقرأ البقرة، والنساء وآل عمران، ثم يركع نحواً من ذلك، ثم يرفع نحواً من ذلك، ثم يسجد نحواً من ذلك) ، وذكرت الركعة كلها في أركانها نحواً من ذلك، فكم تستغرق الركعتان من قيام الليل؟ فإذا جئنا إلى ركعتي الفجر بـ (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) وجدناها إلى جانب صلاة الليل كالصفر على الشمال، شيء بسيط جداً.
إذاً: قول أم المؤمنين عائشة ﵂: (يخفف) ليس معنى ذلك التخفيف الذي يخرج الصلاة عن قواعدها أو يخل بصحة الصلاة، ولكنه تخفيف في القراءة مع الطمأنينة في الصلاة بأكملها، لكن بالنسبة إلى صلاته ﷺ ليلاً تكون خفيفة جداً، بدليل أنه يجتزئ بهاتين الخفيفتين عن هذه النافلة التي شدد فيها، وهذا له نظير: في منصرفه ﷺ من عرفات نزل ليريق الماء، فصب عليه أسامة الوضوء، فقال: (توضأ ولم يسبغ الوضوء) ، هذا الحديث كثر فيه كلام الفقهاء منهم من يقول: إنه غسل يديه واستنجى فقط، والآخر يقول: إنه غسل مرة مرة واحدة، ولكن نحن نعلم بأن إسباغ الوضوء واجب فقد قال ﷺ : (ويل للأعقاب من النار) ، وإسباغ الوضوء ينقسم إلى قسمين: قسم يترك خللاً؛ لأن الرسول ﷺ قال: (ويل للأعقاب) لما رأى في أعقابهم لمعاً -أي: بياضاً لم يصبه الماء - فكان هذا نقصاً في الوضوء، ومن عدم إسباغ الوضوء أيضاً أن يتوضأ مرة مرة؛ لأن السنة جاءت بالوضوء ثلاث مرات، ونعلم بأنه لو توضأ مرة مرة فغسل كامل العضو المطلوب فإن هذا الوضوء تصح به الصلاة؛ لأنه ﷺ توضأ مرة مرة ثم قال: (هذا الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة بغيره) ، يعني: بأقل منه، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: (هذا وضوء من قبلنا) ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: (هذا وضوئي ووضوء أمتي) ، فعرفنا أن أقل ما يجزئ غسلة، ووضوء الأمم قبلنا غسلتان، ووضوءنا الكامل ثلاث غسلات ما عدا المسح فإنه لا يكرر.
ويقول النووي: لو تكرر المسح لشابه الغسل، وأصبح الماء على الشعر كأنه غسل.
إذاً: قول الراوي: (لم يسبغ الوضوء) ، مثل قول أم المؤمنين هنا: (حتى أقول: أقرأ بأم الكتاب أم لم يقرأ؟) ، والجواب عمن يقول: إن عدم إسباغ الوضوء ينصرف إلى الوضوء اللغوي، أن نقول: لا، لأن نص الحديث: (لم يسبغ) لا يقال في الوضوء اللغوي أسبغ أو لم يسبغ؛ لأن الذي يقال فيه: إسباغ هو الوضوء الذي تصح به الصلاة، فلما قال: (لم يسبغ الوضوء) فهمنا أن هذا الوضوء المذكور مما من شأنه أن يوصف بالإسباغ، وما لا يوصف بالإسباغ لا ينفى عنه، وهذه قاعدة -كما يقولون عند الأصوليين وعلماء المنطق- تسمى: (العدم والملكة) ، أي: لا ينفى الشيء عما لا يتصف به.
فإذا قلت: هذا العمود لا يسمع، ولا يبصر، كان هذا خطأ؛ لأنه ليس من شأنه أن يسمع أو يبصر حتى تقول: لا يسمع ولا يبصر، فكذلك غسل اليدين والاستنجاء، والوضوء اللغوي لا يقال: فيه إسباغ، فلا تحمل كلمة (وضوء) عليه، ولكن الذي يقال فيه إسباغ: هو الوضوء الذي تقع به الصلاة.
إذاً: هناك اقتصر واكتفى بالوضوء مرة مرة، وعندما جاء مزدلفة توضأ وأسبغ، إذاً: الوضوء الأول كان معتمداً أم لا؟ البعض قال: غير معتمد، ولكن الصحيح أنه معتمد وقالوا: لأن النبي ﷺ يذكر الله على جميع أحيانه، فلما أراق الماء وانتقض الوضوء , وهو سيذكر الله وخاصة في تلك اللحظات: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] أي: في طريق المشعر الحرام، فهي موضع لذكر الله، فكره أن يذكر الله على غير وضوء، ونظير ذلك ما ثبت عنه ﷺ أنه مر بسباطة قوم -السباطة: هي موضع القمامة- فوقف يبول وهو قائم، فمر رجل عليه وسلم، فلم يرد ﵇، حتى إذا جاء إلى جانب جدار تيمم ثم رد السلام على الرجل وقال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة) لكن هذه الطهارة ليست طهارة صلاة؛ لأنه في الحضر، وحكمه وجوب الوضوء بالماء، ولكن التيمم هنا للتخفيف.
ننتقل إلى حديث ركعتي الفجر، وقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (حتى أقول -في نفسي- أقرأ بأم الكتاب أم لا؟) ومعلوم أنه كان يقرأ، ولكن ليس بترسل ولا بتمهل، ولم يقرأ معها من طوال السور كما يقرأ في صلاة الليل.
стр. 737
ما يقرأ في ركعتي الفجر من السور
قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ) رواه مسلم] .
هذا من فقه المؤلف ﵀ حيث أورد لنا قول عائشة الذي يمكن أن يشكك في عدم قراءة الفاتحة، فيأتينا بعده مباشرة بأنه ﷺ ما كان يقرأ الفاتحة فقط، بل يقرأ الفاتحة ومعها تارة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وتارة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، فإذا كان يقرأ بهاتين السورتين فهل يترك الفاتحة ويقرأ بهاتين السورتين أم قطعاً نقول: إنه يقرأ بفاتحة الكتاب ثم يقرأ بهاتين السورتين؟ نقول: قطعاً أنه يقرأ في كل ركعة الفاتحة وإحدى هاتين السورتين.
إذاً: رداً لما عساه أن يقع في الذهن من قول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، نقول: نعم قد قرأ ولم يقتصر على الفاتحة فقط، بل قرأ معها بسورتين قصيرتين، في كل ركعة سورة، وهنا يرد السؤال: السنة أن تقرأ في كل يوم في ركعتي الفجر مع الفاتحة في الأولى (قل يا أيها الكافرون) ، ومع الفاتحة في الركعة الثانية (قل هو الله أحد) ، وهذا له نظير، ففي ركعتي الطواف السنة أن تقرأ بسورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وكذلك في الوتر تقرأ في الأولى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] ، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] .
إذاً جاءت سورة الإخلاص مع سورة الكافرون في الوتر في آخر الليل، وجاءت أيضاً مع سورة الإخلاص في ركعتي الفجر في أول النهار، وجاءت سورة الكافرون مع سورة الإخلاص عقب الطواف، فمن مجموع هذه الحالات يرى البعض -وهو رأي سديد-بأن حياة الأمة وصلب الإسلام وصميمه إنما هو بتوحيد الله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] لكي يظل الإنسان على طريق مستقيم من القيام بعبادة الله وحده، والإقرار لله بالوحدانية، كان يأتيه هذا التذكير يفتتح يومه صباحاً بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١-٢] ، أي: تلك الأصنام التي تعبدونها أنا أرفضها، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾ [الكافرون:٤] أي: عبادتكم التي تؤدونها أنا لا أعبدها: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] ، ولا أنتم بمصلين ولا صائمين كما أصلي وأصوم: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] ، انفصال وتميز، تميزت الأمة عن غيرها في منهجها وعلاقتها بربها، فإذا جاءت الركعة الثانية جاءت سورة الإخلاص، فالسورة الأولى جاءت بإفراد الله بالعبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] والسورة الثانية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] تفرد الله سبحانه بالوحدانية في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، فتصبح وأنت تعلن هذا الأمر: وهو إفراد الله بالعبادة، وتوحيده سبحانه في أسمائه وصفاته، مؤمناً وافياً، تعلنها في الصباح وتبني حياتك اليومية عليها، وهكذا في آخر اليوم عندما تسلم نفسك للنوم، وتنتهي من جميع أعمالك، والوتر أوله من بعد العشاء إلى طلوع الفجر، فإذا أوترت بعد العشاء وأنهيت النهار بهذا المعنى، وبه استقبلت الليل، وكذلك هناك أنهيت الليل، وبه استقبلت النهار فتكون موحداً بين ليلك ونهارك: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] وهذا كما قالوا في المناسبة في فجر يوم الجمعة: الغالب أن يقرأ فيها بسورتي السجدة والإنسان، ويقول ابن تيمية ﵀: شرعت قراءة هاتين السورتين في هذا اليوم؛ لأن يوم الجمعة هو اليوم الذي فيه تقوم الساعة، وجاء في الموطأ في ذكر فضائل يوم الجمعة في آخره قال: وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة بسمعها يوم الجمعة بعد الفجر خوفاً من قيام الساعة، فالحيوانات تصيخ بسمعها بعد الفجر، وتتذكر هذا اليوم، ونحن أولى؛ لأن الحيوانات والجمادات والسموات والأرض عرضت عليهن الأمانة فأبينها، وحملها الإنسان، فهو أولى من أن يشفق من الساعة، وخاصة من اليوم الذي جاء التحديد من أنها ستأتي فيه وهو يوم الجمعة.
إذاً: قراءة السجدة و (هل أتى على الإنسان) مناسبتان لصلاة الصبح في يوم الجمعة؛ ليتذكر الإنسان بنفسه أن أول خلقه كان من تراب ثم نطفة ثم.
إلخ وقصة السجود وعدم السجود، وليتذكر أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فيهما قصة حياة الإنسان ومآله يوم القيامة، ليتأهب ولا ينسى مبدأه، ولا يغفل عن معاده، وكذلك: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) تناسبان صباح الإنسان ومساءه.
стр. 738
الشبهة الواردة فيما يتعلق بالطواف بالبيت وتقبيل الحجر الأسود
نحن نبدأ طوافنا بالتكبير عند استلام الحجر مع تقبيله، ونحن نقبل الحجر ونطوف حول الكعبة وهي من الحجارة، ألم تكن مصيبة العرب في الجاهلية هي تعظيم الأصنام؟ فبعض أمراض القلوب يقول: كيف تعيبون على المشركين تكريم أصنامهم التي من حجارة أو ذهب أو خشب، وأنتم تأتون تقبلون الحجر وتطوفون حول الحجارة؟ ما الفرق بينكم وبينهم؟ يعني: هل حجارتكم أفضل من حجارتهم؟ وهذه كما يقال: شبهة رهيبة جداً؛ لأن أعداء الإسلام دخلوا على ضعاف النفوس بهذه الشبهة، وقالوا: تلك وثنية في الدين، وأقول وللأسف: بعض المشايخ -أول ما طرق سمعي شيء من الفقه، ونحن صغار في المدارس الابتدائية- من كبار العلماء في منطقته، جاء إلى الحج ولم يستلم الحجر، فأخبرني بعض من كان معه، وقال لي: سله، فسألته لماذا لم تقبل الحجر؟ فقال: هل صحيح أن النصوص فيه صحيحة؟ قلت: إذا كان مثلك يسأل في هذا فما بال العوام؟! أما رأيت الملايين من الناس يستلمونه، وأنت وحدك تنفرد في ترك ذلك؟! قال: لم أقتنع بصحة الحديث، فماذا تقول لمثل هذا؟ وكتبت كتابات في ذلك مثل: وثنية الإسلام، وكتبت ردود عليه: لا وثنية في الإسلام، ويأتون بأشياء بعيدة عن صلب الموضوع، ونحن عندنا أمران: الأمر الأول: أن الإسلام استسلام، إذا أمرنا الله أن نقبل حجراً قبلناه طاعة لله، لا تعظيماً للحجر، وإذا أمرنا أن نقبل شجراً قبلناه طاعة لله، لا تعظيماً للشجر، فنحن كما وجهنا الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، وقد بين الله ذلك على لسان الملهم المحدث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وبكل جرأة يرشد العالم عليها حينما جاء يقبل الحجر قال: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع -يعني: لا أرجو فيك خيراً، ولا أرهب منك ضراً، سواء قلنا: نزل من الجنة فهو حجر أو كان من جبل أبي قبيس فهو حجر -ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) وهنا لنعلم ولنتأكد ولتكن قاعدة في كل الأمور التي ترتفع عن مستوانا: عمر هل عمل بهذا المعقول الذي عنده أم أنه ألغاه؟ ألغاه، لماذا؟ لما هو أصدق وما هو آكد وأعلم.
فمن لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤-٥] جاء وقبله، إذاً عنده من العلم ما ليس عندي، وعنده ما يعتمد عليه، وأنا ملزم باتباعه، فـ عمر قبل الحجر استسلاماً وتأسياً واقتداء بمن هو أعلم منه وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أمرنا رسول الله ﷺ بأمر، أو أمرنا المولى في كتابه بأمر، وعقولنا لم ترتفع إلى مستواه، ولم تدرك معناه؛ نلغي العقل، ونعطيه إجازة، ونمضي في الطريق الذي لا مرية فيه ولا شك.
الأمر الثاني، وهو الجانب الأصولي: عندما تطوف تبدأ تقبل الحجر، ثم تطوف بالحجارة المرصوصة، وتأتي تصلي ركعتي الطواف خلف المقام: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] وتقرأ: (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) ، فأنت تأتي وتصلي لمن؟ لله؛ إذاً: لا وثنية، عندما تجعل الركعتين خلف مقام إبراهيم لله، ومن هو إبراهيم؟! قال تعالى عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] ، إذاً: أنا مقتد بإبراهيم ولم أعبد الأصنام، بمجرد ما تتجه للصلاة خلف مقام إبراهيم، فإذا كنت في هذه الصلاة تعلنها: (يا أيها الكافرون) يا عباد الأصنام! حجارة أو ذهباً أو خشباً أو ما شابه ذلك، ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢] فتعظيمكم للأصنام والحجارة هذا شرك لأنكم لم تؤمروا به، وتقبيلي للحجر عبادة لأنني أمرت بها، لكم دينكم مع أصنامكم، ولي دين مع ربي، وتأتي بعد ذلك بسورة الإخلاص، ومعنى ذلك أعلنها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هل بعد هذا من ادعاء شبهة وثنية في تقبيل الحجر أو الطواف بالبيت؟ لا والله، ومقام إبراهيم فيه آيات بينات، وهي آثار القدم، يقول الفخر الرازي: أقدام إبراهيم في الحجر آية لوحدها، قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧] ، فجعل مقام إبراهيم آيات، وموضوع المقام أن القدمين غاصت في الحجر وعملت فيه، قال: نعم، عندما يكون الحجر صلباً، ثم تأتي بمثقل، فإذا بحدود الحجر تلين ويغوص فيها المثقل، وبقية الحجر بقيت على ماهيتها، إذاً: موضع القدمين في ليونتهما وانطباع القدم فيها آية، وبقاء بقية الحجر صلباً آية؛ لأن الليونة لو وقعت عليها جميعها يمكن أن يقال: هذا عامل كيماوي أو عامل سحري.
، نحن نعلم إذابة الحجر والنحت على الحجارة كيف يكون، بالألفونيا مع النشادر، تسحق بمقدار معين أو متساو ثم تحطها، هذه الكتابات التي على الرخام عملها يكون بتغطية صفحة الرخام بالشمع ثم تأخذ الريش، وتكتب ما تريد بأي نوع من الكتابة، فتحفر الشمعة حتى ينكشف الرخام، ثم تملي هذا المحفور بالألفونيا مع النشادر بمقادير متساوية، ثم تقطر عليها من حمض الكبريت، فإذا به يتفاعل ويأكل الرخام تحته، فإذا انتهى إلى العمق الذي تريد صببت عليه الماء فيتوقف عن التفاعل، ثم تزيل الشمع بعد ذلك، فتخرج الرخامة مكتوباً عليها بأحسن ما يكون، ما حفرت باليد وإنما صنع لها مواد كيماوية، فلو أن الحجر كله ذاب يمكن أن يقال: هذه مادة كيماوية أكلته، لكن لا، البعض يلين وينطبع فيه القدم، والبعض يبقى على حجريته، إذاً: فما لان الحجر إلا بقدرة الله، فهذه آية، وقد وجدنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤] ، فإذا كان الأمر كذلك فنحن نقول: لا وثنية.
ونرجع ونقول: إن القراءة للفاتحة في ركعتي الفجر ثابتة بهذا الحديث، وقراءة السورتين والمداومة عليهما ربط بين حياة الإنسان العملية، وبين عقيدته فيما بينه وبين الله، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 739
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [٣]
من النوافل التي حث الشارع على المداومة عليها صلاة الليل التي هي أفضل الصلوات بعد الفريضة، ولا يداوم عليها إلا المجاهدون الصابرون، الطامعون بما عند الله سبحانه من الرضا والنعيم المقيم، وما من عبد داوم على قيام الليل إلا أظهر الله ذلك في جوارحه وعلى صفحة وجهه، وكان ممن يناديه الله في كل ليلة ليتوب عليه ويغفر له.
стр. 740
مشروعية الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) رواه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه] .
هذه المسألة لها عند الأئمة ﵏ منزلة من حيث المنهج في البحث فيها، فقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنه ﷺ ، كان إذا صلى ركعتي الفجر -أي: قبل الفريضة- اضطجع على شقه الأيمن) وهذا حديث صحيح متفق عليه.
بعدما ساق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من فعله ﷺ -والفعل قد يكون خاصاً به- جاء بالحديث الذي يعم الأمة بصيغة الأمر: (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع) هذه صيغة من صيغ الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
ومن خلال هذين الحديثين نجد الخلاف عند العلماء، ونجد منهج البحث: أولاً: من حيث الفكرة نجد من السلف من يقول بذلك ويفعله، ومنهم -وهم الأكثر- من لا يقول بذلك وينكره، وجاء عن ابن مسعود أنه قال: (ما بال أحدكم إذا صلى ركعتين تمعك كما يتمعك) وذكر حيواناً من الحيوانات يضرب به مثل الخسة، ولا حاجة لذكره، وهذا مبالغة في الإنكار.
следующие страницы →